والحامل عند مالك تحيض، فإذا رأت الدم تركت الصلاة كالحائل سواء، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا حكم لدمها في ذلك وتجعله استحاضة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، قال ابن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن -: إنه حيض الحبالى، وكذلك قال عكرمة، ومجاهد.
[ ٣ / ١٤١٣ ]
ومع هذا فهو عموم في كل رحم حاملا كانت أو غيره حامل.
وأيضا قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فظاهره يوجب أن ما نفصل منه مما يتأذى به فهو حيض إلا أن تقوم دلالة، ولم يفرق بين حامل وحائل.
وقول النبي ﵇ لفاطمة بين أبي حبيش وقد سألته إني أستحاض فلا أطهر: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة»، فلو كان الحكم يختلف لبين لها، وقال: إلا أن تكني حاملا.
وأيضا ما روي أن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأسارير وجهه تبرق فقلت له: أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي:
ومبرأ من كل غبر حيضة … وفساد مرضعة وداء معضل
[ ٣ / ١٤١٤ ]
معنى مبرأ: أي أمك لم تحملك في حال حيضها، فلم يقل له: كيف تحمل المرأة في حال الحيض.
وقوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فأخبر بعلامته فلو كان يختلف لقال: إذا كان على غير حمل ولم يغفل ذلك كما لم يغفل باقي علامته، فهو عام في الحائل والحامل إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإن كل دم يحرم الوطء ويمنع الصلاة والطواف فإنه يجوز وجوده مع الحمل، أصله دم النفاس إذا كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا وتأخر وضع الآخر وهي ترى الدم بينهما. ولو جعل هذا استدلالا مبتدأ لجاز، وذلك أن يقال: إن النفساء من واحد من اثنين إلى أن تضع الآخر يوجد الدم منها بينهما فحيكم له بحكم الحيض باتفاقنا، وهو حكم موجود مع حمل، فلم يناف الحمل الحيض،
[ ٣ / ١٤١٥ ]
فكذلك قبل أن توضع شيئا لا فرق بينهما؛ لأن دم الحيض والنفاس واحد، ولأنه دم يجتمع في الرحم فربما أرخت الرخم بعضه على الحمل، وربما تأخر إلى أن تضع.
وأيضا فإنه دم موجود منها بصورته في أيام عادتها فوجب أن يكون حيضا كالحائل.
أو نقول: إنها رأت الدم المشبه للحيض في حال الإمكان فيجب أن يكون حيضا كما لورأته وهي حائل.
وأيضا فإنه لا يخلو أن يكون الدم الظاهر من الحمل حيضا أو استحاضة، وقد بطل أن يكون استحاضة، لأن من شرط الاستحاضة أن يكون بعد الحيض، فثبت أنه دم حيض.
وأيضا فإن الأصل في ذلك الوجود، وقد يوجد من الحامل كما يوجد من الحائل، فينبغي أن يجرع فيه إلى الوجود فيحكم به.
وأيضا فإنه لو عقد عليها عقد نكاح، ثم لما تقرر حكم العقد وطئها، ثم حاضت عقيب الوطء فإنها تترك الصلاة ويحرم وطؤها، فلو أنت بعد ذلك بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق نسبة بالاتفاق، فعلمنا بهذا أنها حاضت على الحمل.
وكذلك لو عقد عليها حائضا ثم أتت بولد الستة أشهر من يوم العقد للحق به، فثبت أن الحمل طرأ على الحيض، فإذا كان الحيض لا ينافي الحمل كذلك الحمل لا ينافيه.
[ ٣ / ١٤١٦ ]
فإن قيل: فإن الحمل يضاد الحيض؛ لإجماع الأمة أن المرأة إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فتكرر الحيض منها انقضضت عدتها به.
وعلم فراع رحمها، فلو كان الحيض يوجد مع الحمل ما كان وجوده دليلا على البراءة؛ لجواز أن تكن حالما مع وجوده، يدل على ذلك: قوله: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض إنه، فجعل علامة براءة الرحم الحائل وجود الحيض، وبراءة رحم الحامل الوضع.
قيل: هذا هو الدليل على جواز وجود الحيض مع الحمل؛ لأن براءة رحم الحائض بالأقراء إنما هو عام ظاهر، وغلبة ظن لا يقين وإحاطة علم، ولو أن يقينا لاقتصر على قرء واحد. ألا ترى أن وضع
[ ٣ / ١٤١٧ ]
الحمل من حيث أفادنا اليقين لم يضم إليه سواه، ومن حيث اشترط العدد في الأقراء دل على أن ذلك كالعدد من الشهود التي تدل على البراءة من طريق غلبة الظن، ومنزلته منزلة الشهود على الشهود على الحقوق من حيث كان قولهم دلالة ظاهرة لا متيقنة افتقر فيه إلى العدد، ثم الشهود في الدلالة وإن كانوا كالأقراء فقد يجوز أن تنكشف الحقيقة بخلاف الظاهر فكذلك الأقراء.
وأيضا فمعنى قوله ﵇: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض»، أي أن الحامل وإن حاضت فلا يبرئها الحيض حتى تضع، فلا توطأ وإن رأت الحيض وانقطع عنها حتى تضع فهو بخلاف الحائل، فهذا فائدته.
وأيضا فإن الحامل باثنين إذا وضعت واحدا ورأت الدم ولم تضع الآخر فهي تترك الصلاة لرؤية ذلك الدم فلا تنقضي به العدة.
وأيضا فإن الحيضة الواحدة من الحائل تترك لها الصلاة، ولا تنقضي به العدة وكذلك إذا مات فحاضت في الشهور فإنه حيض لا تنقضي به العدة.
فإن قيل: لو كان محرما لحرم الطلاق فيه.
قيل: الطلاق محرم فيه.
فإن قيل: لما كان الحمل تنقضي بوضعه العدة كما تنقضي
[ ٣ / ١٤١٨ ]
بالحيض، ثم لما لم يجز أن تحمل الحامل وجب أن لا تحيض؛ إذا الحيض بمنزلة الحمل في انقضاء العدة.
قيل له: يجوز الحمل مع عدم الحيض، ويجوز الحيض مع عدم الحمل، ويجوز اجتماعهما على ما بيناه، وإنما لم يجز أن تحمل الحمل من أجل شغل الموضع بالحمل، كما لا يجوز كون الجسمين في محل واحد؛ لأن أحدهما قد يشغل المكان، فمنع غيره من الحيز الذي حصل فيه ولم ينتقل عنه، فسبيل الحمل الموجود هذا السبيل، وليس كذلك الحيض؛ لأنه ليس بمستحيل وجوده مع الحمل كما لا يستحيل وجوده من الحائل.
وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حن أن يتركن الصلاة، الصحابة إذ ذلك متوافرون
[ ٣ / ١٤١٩ ]
ولم ينكر أحد منهم عليها، ولو خالفها أحد منهم لكان قولها أولى: لاختصاصها بعلم أحكام الحيض أنه مما يختص به النساء، ولقربها من رسول الله ﷺ مع ما يعتادها من الحيض، ولكثرة أسئلة النساء عن ذلك بحيث هي ولا يكون الرجال، فكيف ولم ينقل عن أحد منهم خلافها؟ فصار هذا الإجماع.
ثم نقول أيضا: إن للون الدم من الدلالة على الحيض ما للحيض من دلالة على براءة الرحم، فلو بطل كون أحدهما دليلا لأنه قد يخلف في حال ما بطل الثاني لأنه قد يخلف في حال ما، والله أعلم.
وفيه إجماع الصحابة؛ لأنه روي أن رجلين تنازعا ولدا فترافعا إلى عمر فعرضه على القافة، فألحقه القائف بهما، فعلاه عمر بالدرة وسأل نسوة من قريش وقال: أبصرن ما شأن هذا الولد. فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على الحمل فاستحشف الولد،
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني فانتعش المولود بماء الثاني. فقال عمر: الله أكبر، وألحقه بالأول، ولم
[ ٣ / ١٤٢١ ]
يقول: إن الحامل لا تحيض.
وأيضا فإنه دم صارع دم الحيض صفة قدرا في أيام العادة فجاز أن يكون حيضا، دليله الحامل.
[ ٣ / ١٤٢٢ ]