عند مالك ﵀ أن المبتدأة إذا رأت الدم قعدت مقدار أسنانها من النساء، فإن زاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام، كذلك من كانت لها أيام معروفة فزاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام تغتسل وتصلي، وهذا إذا لم يزد مع الاستظهار على خمسة عشر يوما - التي هي عنده أكثر الحيض -.
وقد روي عنه أنهما تقعدان إلى خمسة عشرة يوما - وهو القياس.
وإنما استحسن الأول احتياطا للصلاة؛ لأنها تصلي قبل الخمسة عشرة يوما؛ الجواز أن يكون ذلك دم استحاضة؛ لأن صلاتها مع جواز
[ ٣ / ١٤٤٧ ]
أن لا يكون عليها صلاة أحوط من ترك صلاتها مع جواز أن يكون عليها صلاة، وهو علة مالك في الاحتياط؛ لأنه قد روي أنها تقعد عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وهو لا يقطع على الإصابة في مسائل الاجتهاد، فرأى أن يحتاط للصلاة؛ لجواز أن يكون الحق في قول مخالفه.
فإن قيل: فينبغي أن يحتاط للصلاة بأن لا يستظهر؛ لجواز أن تكون أيام الاستظهار أيام استحاضة.
قيل: إنما قال بذلك لحديث رواه أهل المدينة عن حرام بن عثمان بن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر عن أبيهما جابر بن
[ ٣ / ١٤٤٨ ]
عبد الله قال: جاءت أسماء بنت مرشدة الحارثية إلى رسول الله ﷺ فقالت له - وأنا جالس عنده - يا رسول الله، قد حدثت لي حيضة أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثة أو أربعة ثم تراجعني أفتحرم على الصلاة؟. فقال: «إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثة ثم تطهري اليوم الرابع».
وروي أنها كانت تستحاض فسألته ﷺ عن ذلك، فقال لها: «اقعدي أيامك التي كانت تقعدين واستظهري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي».
فإن قيل: فإن هذا حديث ضعيف.
قيل: بل هذا حديث صحيح، وهو أصح وأقوى من حديث القلتين، وحديث إبراهيم بن أبي يحيى، ومن الثقة
[ ٣ / ١٤٤٩ ]
عنده ومن قوله: حدثنا ابن جريج بإسناد لا يحضره ذكره، واحتجاج الشافعي بما لا يثبته أصحاب الحديث، وأسانيد أهل العراق في النبيذ والقهقهة وما أشبه ذلك.
فإن قيل: فإن الاستظهار خلاف ظاهر قوله ﷺ: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي».
قيل: لو تركنا وظاهر هذا الحديث، وصح من غير تأويل لم نزد عليه شيئا آخر إلا أننا أوجبنا الاستظهار بثلاثة أيام بالحديث الآخر الذي ذكرناه، فوجب الجمع بين الحديثين والعمل بالزائد.
فإن قيل: فكيف اقتصرتم على ثلاثة أيام دن غيرها مما هو أقل منها أو كثير.
قيل: للحديث الذي ذكرناه، وللنظر أيضا هو أنها تميز بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة بالثلاثة؛ لأنه شيء خارج من البدن معتاد
[ ٣ / ١٤٥٠ ]
ونادر أشكل أمره، كما أن في اللبن معتادا ونادرا، فلما أشكل أمره في المصراة جعل النبي ﷺ فيها الزمان الذي يتوصل به إلى الفصل بين اللبنين ثلاثة أيام، وجب أن يكون هذا القدر فاصلا بين الدمين.
وهذا القول إنما هو اختيار واستحسان.
والحديث الصحيح المتفق عليه الذي يعمل عليه والذي يذهب إليه غير هذين الحديثين، وهو ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفادع الصلاة؟. فقال النبي ﷺ: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، على هذا يعتمد أنها إذا ميزت عملت على إقبال الدم وإدباره، سواء كان ذلك قل تقضي مدة أكثر الحيض أو بعد ذلك، فإن لم تميز فهي قبل تقضي أكثره تقعده إلى أكثره، وبعد ذلك تصلي أبدا حتى ترى دما لا تشك فيه فتعمل على إقباله وإدباره.
والله الموفق.
[ ٣ / ١٤٥١ ]