قد بينا حكم المبتدأة، ومن لها أيام معروفة وزاد عليها الدم، وبينا وجه الاستظهار، ونحن نذكر وجه قعودها إلى خمسة عشر يوما، ويكون جميع ذلك حيضا، وإن زاد على خمسة عشر يما فإنهما تغتسلان بعد ذلك وتصليان.
وعند أبي حنيفة أن المبتدأة إذا تطايق بها الدم حتى زاد على أكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - فإن العشرة حيض، كما هو - عندنا - في الخمسة عشر.
وعند الشافعي أن المبتدأة إذا تطاول دمها فهي تترك الصلاة، فإن زاد على خمسة عشر يما أعادت صلاة ما زاد على يوم وليلة في أحد قوليه، وفي القول الآخر: تعيد ما زاد على ست أو سبع؛ لأن الزائد استحاضة.
[ ٣ / ١٤٥٣ ]
والدليل لقولنا - أن الخمسة عشر كلها حيض -: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فأعلمنا أن الدم الخارج ممن يجوز منها الحيض هو الذي يتأذى به، فهو أبدا كذلك حتى يقوم دليل الاستحاضة.
وأيضا فإنها حائض محكوم لها به في اليوم الليلة، فهي على ذلك حتى يقوم دليل.
وأيضا فقد حكم عليها بترك الصلاة بإجماع، فمن زعم أن عليها الإعادة فعليه الدليل؛ لأن الإعادة فرض ثان.
وأيضا قوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فما دامت هذه صفته فالحكم يتبعه حتى يقوم الدليل.
أيضا قوله: «تصلي المارة نصف دهرها»، فهو عم في المبتدأة وغيرها حتى يقوم الدليل.
وأيضا قوله ﵇: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما
[ ٣ / ١٤٥٤ ]
تحيض النساء في كل شهر»، فأخبر عن غالب أحوالهن، ولم يفرق بين المبتدأة وغيرها، ولم يقل: يوما وليلة، فهو عام. وهاذ الخبر يلزم على القول الذي يقول فيه: إن حكم الحي منه يوما وليلة لا على القول الآخر.
فإن قيل: فأنتم لا تقولون بهذا، وتقولون خمسة عشرة يوما.
قيل: مرادنا أن تزيدوا على اليوم والليلة، فإذا تجاوزتم ذلك فقد قام دليلنا على الزيادة على ذلك بشيء ينضم إليه.
فإن قيل: فهو حجتنا على الوجه الآخر.
قيل: هو كذلك، ولكنه حجة عليكم في هذا الوجه.
وأيضا فقد أجمعوا على أنها عند رؤية الدم ترك الصلاة وتمضي مع وجود الدم، ولم يجمعوا على ترك صلاة هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض، ويكون مشكوكا فيه، فلولا أنه دم حيض لم تترك الصلاة الذي هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض.
وأيضا فإن الدم ل لم يزد على مدة الغالب أو على أكثر لم يرد إلى أقل الحيض حلان الدم قد تمادى إلى أكثره، فكذلك إذا زاد.
فإن قيل: فهذا يلزمكم إذا كانت لها أيام معروفة وزاد عليها.
[ ٣ / ١٤٥٥ ]
قيل: لأمر - عندنا - واحد لا فرق بينهما.
فإن قيل: فإن الصلاة عليها في الأصل بيقين فلا تسقط إلا بدليل.
قيل: قد أجمعوا على سقوطها عنهما قبل الخمسة عشر في اليوم والليلة، فمن زعم أنها قد وجبت بعد ذلك فعليه الدليل، ونحن مختلفون في الإعادة.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾.
قيل: هذا يتناول حلا الطهر بإجماع، وقد اختلفنا في حكم المبتدأة فيما زاد على يوم وليلة هل هي طاهر أم حائض؟، فلم يتوجه إليها الخطاب.
وأيضا فالألف واللام لتعريف الجنس المقصود في أوقاته بأن لا تضيع وقته، وقد أجمعوا على أن المبتدأة تترك أوقات الصلوات مع وجود الدم، لا تجوز لها المحافظة لعيها، وإنما يقولون تقضي الفوائت قد أمرت بترك أوقاتها فكيف يتوجه الخطاب إليها؟. بل تلزمها في المستأنف إذا طهرت أن تحافظ على الصلوات في أوقاتها.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾.
قيل: لا يخلو أن يكن - تعالى - أراد أقم الصلاة عند ذكري بها، أو
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
إذا ذكرتها، وكلاهما لا يتوجه إلى هذه؛ لأن الذي قال: أقم الصلاة عند ذكري، هو الذي قال لها: لا تصلي مع جود الدم، فكأنه قال لها: اتركي الصلاة ند ذكري؛ لأنها بأمره تركت.
والوجه الآخر يتوجه إلى من نسي وذكر، وليست هي كذلك.
وأيضا فإن لفظة: ﴿وأقم﴾ للمذكر الواحد، وهي لا تدخل فيه.
فإن قيل: فقد قال ﷺ لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، وذلك ميقات حيضهن وطهرهن».
قيل: وقد قلنا إنه لما قال: «ذلك ميقات حيضهن وطهرهن» عام لم يفرق بين المبتدأة وغيرها، فإن أردتم أنه حجة لقولكم الآخر الذي ترودنها فيه إلى ذلك فقد أقمنا الدلالة من حديث أسماء بنت مرشدة في الاستظهار عليها بثلاثة أيام، على الوجه الذي نقولك تستظهر، وعلى هذا الوجه نحمله على أنها كانت لها أيام معروفة يتميز معها الدم بدلالة قوله لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، بما ذكرناه من الدلائل.
فإن قيل: فإن دمها إذا زاد على خمسة عشر دخل حيضها في
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
الاستحاضة، فوجب أن يرد أمرها إلى العرف العادة، أصله من لها أيام معهودة فتجاوز حيضها.
ولأنه دم لم ينفصل عما تيقنا فساده ممن لم يصر لها أكثر الحيض عادة فلم يجز أن يحكم فيه بأكثر الحيض، دليله من أيام معروفة تجاوزها الدم ثم استمر بها.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن لأنهما عندنا - سواء، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة.
وأيضا فقد بينا أن الدم لا يستقر على عادة واحدة؛ لأنه يزيد ويقل وينقل ويختلف باختلاف الطباع والزمان فينبغي أن نردها إلى أكثر الحيض الذي وجده أكثر من وجود يوم وليلة، وعلامة الدم موجودة فيه بصفته، ويكون قولنا أولى بما ذكرناه من تركها الصلاة التي كانت عليها بيقين بوجود الدم الذي هذه صفته.
[ ٣ / ١٤٥٨ ]