وإذا حاضت المارة يوما أو يومين وطهرت يوما أو يومين، مبتدأة كانت أو كانت لها معروفة فزاد عليها لدم فإنها تلفق أيام الدم إلى الدم، وتصلي في أيام الطهر، فإذا اجتمع في يدها من أيام الدم - وهي مبتدأة - أقصى ما يجلس أسنانها من النساء استظهرت على ذلك بثلاثة أيام من أيام الدم تضيفها إلى أيام الدم الذي قد قعدته، ثم تغتسل وتصلي في أيام الدم وأيام الطهر؛ لأنها مستحاضة، وكذلك التي لها أيام معروفة تستظهر بثلاثة أيام كما ذكرنا.
وقد قال: - وهو القياس - إنهما تلفقان حتى يجتمع في أيديهما من الدم خمسة عشر يوما، ثم تكونان مستحاضتين على ما ذكرنا، تصليان أبدا حتى يأتي دم لا يشك فيه أنه دم حيض فتعملان على إقباله وإدباره على حديث فاطمة
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
بنت أبي حبيش، وهذا قول محمد بن مسلمة، وقول أحمد بن المعذل.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إن دمها إذا كان موازيا لطهرها، مثل أن ترى الدم يوما والطهر يومين والدم مثل ذلك، فإنها تغتسل
[ ٣ / ١٤٦٠ ]
وتصلي في يوم الطهر وتترك الصلاة في يوم الحيض، تعمل هذا أبدا.
ووجه قول عبد الملك هذا: قول النبي ﷺ: «تصلي المرأة نصف دهرها، ونصف عمرها»، وإذا استوى الطهر والحيض في امرأة، ولم يتميز لها وعملت بهذا فقد دخلت تحت الظاهر.
وأيضا فإذا وجد هذا في امرأة ولم تدر ما تعمله من ذلك إلى خروجها عن أكثر الحيض ولا عن أقل الطهر، وهذا في أيامه حض على علاماته، وهذا طهر على صفته، فينبغي أن تعمل عليه، فإنه ليس يخرج عن الحد المجعول في الشريعة لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهما أصلان في الشريعة، كما لو اتصل الدم خمسة عشر يما، والطهر بعده خمسة عشر يوما؛ لأنهما حدان لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهو - عندي - أولى؛ لأن فيه احتياطا لحفظ هذا الأصل مع وجود الدم وعلاماته، وليس يضر أن تختلف الحال في أحكام الحيض، فيكون في امرأة حكم، وفي غيرها بخلافه؛ لوحده مختلفا عليهن وفيهن،، زيادة ونقصان، وكثرة وقلة، فإذا كانت هذه بفعلها ما ذكره عبد الملك لا يخرج عن ظاهر قول النبي ﷺ: «تصلي نصف دهرها»، ولم تخرج عن أن يكون حيضها موازيا لطهرها، فهو كما يوجد في أن تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر؛ لأن معنى هذا: أنها تصلي نصف
[ ٣ / ١٤٦١ ]
دهرها، فلا فرق بين أن تصليه مجتمعا أو مفرقا، وكذلك لا فرق بين أن تحيضه مجتمعا أو مفرقا.
ومن الظاهر لقوله أيضا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يقل: تلفق، بل جعل الشرط مقرونا بوجود الدم الذي يتأذى به.
وقول النبي ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، فأعلمنا أن الحكم يتعلق عليه بوجود هذه الصفة، فحيث قارنها الحكم إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا».
قيل: معناه إذا اتصل الدم، وكان أيضا يختلف لونه، وإنما خرج على سؤال من اتصل دمها، فأما من صورتها ما ذكرناه فلم تدخل تحت ذلك.
وأيضا فإنها قضية في عين لا يتعدى بها إلى غيرها حتى يعرف معناه.
فإن قيل: فإن الرواية الأخرى فيها احتياط للصلاة؛ لأنها لفقت صار الباقي استحاضة فتصلي أبدا.
قيل: إذا كانت علامة دم الحيض باقية على طريقة واحدة،
[ ٣ / ١٤٦٢ ]
وكذلك حكمنا له بأنه حيض في أيامه فينبغي أن لا يتغير حكمه، وليس الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك الصلاة لا تجب عليها؛ لأنها تحصل عاصية بصلاتها حائضا، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، قد علمت على ما أوجبته الشريعة في الظاهر من اتباع حكم الدم الذي جعلت له علامة، ومن أنها تصلي بإزاء ما ترك.
فإن قيل: قد أجمع أصحابنا على أن أيامها إذا اختلفت فكانت يمين حيضا ويوما طاهرا أو يومين طهرا ويما حيضا فإنها تلفق، والمعنى في ذلك أن ما بين الدمين ليس بطهر كامل، فكذلك إذا اتفقت.
قيل: المعنى في المختلف عدم المساواة فيهما فلما لم يتفق لفقت، وإذا استوى لم تلفق.
فإن قيل: لو كان لهذا الدم حكم نفسه لوجب أن لا يكون عدتها إذا طلقت سنة كالمستحاضة، وهذا موضع لا تختلفون فيه.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يحك عن عبد الملك نصا في هذه أنها تعتد سنة، ولعلها أن تجعل الشهر مقسما بين حيضة وطهر؛ لأن الله - تعالى - جعل في التي لا تحيض كل شهر بإزاء قرء، ولو قال: إن عدتها سنة لم يضر؛ لأنه استظهر فيها؛ لأن الحامل تحيض، فجعل
[ ٣ / ١٤٦٣ ]
عليها تسعة أشهر الغالب من مدة الحمل، وإن كان الدم موجودا، ثم بعدها ثلاثة كل شهر بإزاء قرء، لأنه قد جمع الحيض والطهر.
وأيضا فإن الدم الذي تترك له الصلاة بخلاف الذي تعتد به. ألا ترى أن مالكا قال: تترك الصلاة لدفعة من دم، ولا تعتد بذلك في العدة، فلم يلزم عبد الملك هذا السؤال، وبالله التوفيق.
كمل كتاب الطهارة وهي ست وثمانون مَسْأَلَة،
والحمد لله كثيرا.
[ ٣ / ١٤٦٤ ]