٣٦٤ - مسألة:
إذا كان الإمام عدلًا، فله أخذ الزكوات في الأموال الباطنة والظاهرة.
والباطنة إن زكاها ربها أجزأه.
وقيل: لا يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، إن أخذ الجميع إلى الإمام، وأرباب الأموال الباطنة كالوكلاء للإمام في تفريقها.
وهذا عندي يوافق قولنا؛ لأنّ مالكًا شدّد في أن الأموال الباطنة لا يسع أربابها أن لا يدفعوها إلى الإمام، أإذا كان الإمام عدلًا].
واحتج بأن أبا بكر الصديق -﵁ - كان يسأل أهل العطاء، هل عندهم شيء يؤدّون (١) زكاته ليحاسبهم به من أعطياتهم.
وقال الشّافعيّ: زكاة الأموال الباطنة إلى أربابها دون الإمام.
واختلف قوله في الظاهرة، فقال في القديم مثل قولنا: لا يفرّقها ربها، وبدفعها إلى الإمام، وإن تولى هو ذلك ضمن.
وقال في الجديد: له أن يفرّقها، والأحسن أن يدفعها إلى الإمام، وهو قول الحسن والنخعي.
_________________
(١) في الأصل: "دون". والمثبت من (ط).
[ ١٩٩ ]
إذا رأى الإمام صرف الزَّكاة إلى صنف واحد باجتهاده لشدة الحاجة، أجزأ ذلك ولم يضمن، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: إن أخلّ بصنف من الثمانية المذكورة في الكتاب، ضمن إن كانوا موجودين، والعامل إن كان قد عمل، وذكر أنّه قول عكرمة وعمر بن عبد العزيز، وكذلك قال في صدقة الفطر.
٣٦٦ - مسألة:
الصَّدقة والزكاة بمعنى واحد وهما اسمان لمسمى، وبه قال الشّافعيّ فيما يؤخذ من الماشية والذهب والفضة والثمار والزرع.
وقال: وإن كان الغالب على أفراد النَّاس أنّه: العشر في الزّرع والثمار، والمأخوذ من الماشية زكاة، والمأخوذ من الرقة صدقة، غير أن الجميع زكاة وصدقة.
وقال أبو حنيفة: المأخوذ من الزّرع والمْار لا يسمى صدقة ولا زكاة، وإنّما هو العشر، فخالف في التّسمية.
٣٦٧ - مسألة:
وإذا وجد المستحقون للزكاة في البلد الّذي أخذت فيه، لم تنتقل إلى غيره، وإن فضلت فضلة، صرفت في أقرب المواضع إلى تلك البلد، وإن بلَغ الإمامَ عن بلد ما حاجةٌ، بعثت إليهم منها.
ولم يَبن لي من مذهبه أنّها إذا نقلت إلى بلد آخر وفرّقت فيه، أنّها لا تجزئ.
وقال القاضي -﵁ -: تجزئ. والاختيار غير ذلك.
[ ٢٠٠ ]
ورأيت في كتاب ابن الموّاز (١) عن مالك: لو أن رجلًا رأى أن ينفذ زكاته للمدينة، كان ذلك صوابًا، ولو نفذها إلى العراق، لم أر به بأسًا [٢١/ب]، وإن كنت أحب أن يؤثر أهل بلده.
وقال أبو حنيفة: يجوز نقلها مع وجود الفقراء في البلد الّتي أخذت منه على كراهة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز نقلها لبلد آخر، فإن فعل ذلك، فهل يجزئ أم لا؟
على قولين. أحدهما: سقوط الفرض، والثّاني: لا وهو الصّحيح، وبه قال طاووس وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير (٢) وسفيان الثّوريّ.
وحكي أنّه قول مالك، ولم أجده منصوصًا.
[عند أصحابنا: أن] المسكين أشد حاجة من الفقير، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الفقير أشد.
واختلف أهل اللُّغة في ذلك.
٣٦٩ - مسألة:
ومن كان قويًّا على الكسب جلدًا على القوت له ولعياله كلّ يوم، لم
_________________
(١) هو: "كتاب محمَّد" أو"الموّازية"، لمؤلفه محمَّد بن الموّاز: أحد أمهات الكتب الأربعة في المذهب المالكي، وأجلها وأصحها مسائل وأبسطها كلامًا، قصد صاحبها إلى بناء فروع المذهب على أصوله، لذا رجحها بعضهم كأبي الحسن القابسي على سائر الأمهات. انظر: الديباج: ٢٣٣.
(٢) هو: أبو محمَّد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي: الإمام التابعي الحافظ المفسر الشهيد، روى عن ابن عبّاس وابن الزبير وابن عمر ﵃ وغيرهم، أخرج له الستة. قتل بين يد الحجاج سنة ٩٥ هـ. انظر: السير: ٤/ ٣٢١، التهذيب: ٤/ ١١.
[ ٢٠١ ]
أعرف لمالك - ﵀ - فيه نصًا، هل يجوز له أخذ الزَّكاة أم لا؟
[غير أنّه لا إشكال] عندي أن الزَّكاة تحل له؛ لقول مالك: ويعطى منها من له أربعون درهمًا. وهو أحسن حالًا ممّن يقدر على الكسب؛ لأنّه قبل العمل ليس معه أربعون فهو فقير [في الحال]، فيجوز له أخذها، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال الشّافعيّ: لا يحل له أخذها، وبه قال أبو ثور وإسحاق، ومن الصّحابة: عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.
وقال أبو يوسف: قبيح دفع الزَّكاة إليه، ويجوز إن دفعت له ووقعت موقعها.
ونحن والجماعة: نكره له أخذها.
والشّافعيّ جوّزها للغني بماله، ومعناها من الغني بكسبه.
٣٧٠ - مسألة:
اختلف في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]
فقال مالك: يشتري بالمال رقابًا فيعتقهم، ولا يعطي المكاتبين.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يشتري عبدًا ويعتقه ابتداءً.
وقال الشّافعيّ: إذا أراد الرَّجل أن يفرق صدقته، أعطى منها ثلاثًا من المكاتبين أقله.
وأبو حنيفة يقول: يجوز أن يعطيها لمكاتب واحد، ولا يجوز في ابتداءً عتق عبد عندهما جميعًا.
وروي عن مالك أنّه يجوز أن يعطي منها ما يتم به كتابة مكاتب فيعتق
وقد روي مثل قولنا عن ابن عبّاس -﵄-، والحسن.
[ ٢٠٢ ]
ومثل قول أبي حنيفة والشّافعيّ عن- علي ﵁ -، وسعيد بن جبير والنخعي.
وحكي عن الزّهريُّ [أن نصفه] (١) في المكاتبين، و[نصفه] شراء عبد للعتق.
وكذلك قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] هم الغزاة، لا الحاج، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن ابن عمر -﵄- أنّه قال: هم الحاج، وبه قال أحمد وإسحاق.
واستدلوا بما روي أن رجلًا أوقف ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأة أن تحج، فقال لها النّبيّ - ﷺ -: "اِرْكَبِيها، فَإِنَّ الحَج مِن سَبيلِ الله -﷿ -" (٢).
٣٧٢ - مسألة:
لم يحدّ مالك - ﵀ - للغني الّذي يمنع أخذ الزَّكاة حدًّا، غير أنّه قال: يعطى (٣) منها من له المسكن والخادم والدابة الّذي لا غنى له عنه، ويعطى من له أربعون درهمًا.
_________________
(١) في الأصل: "وضعه ". والمثبت من (ط).
(٢) لم أجده بهذا اللّفظ في كتب السُّنَّة المطبوعة، إِلَّا ما أورده ابن بطّال في شرحه على البخاريّ:٣/ ٤٩٧، ولم يعزه لأحد. أمّا أصله فقد أخرجه: أبو داود (١٩٨٩): ولفظه: "عَن أُمِّ مَعْقِلِ قَالت لَمَّا حَجّ رَسولُ الله - ﷺ - حَجةَ الوَداع وكانَ لَنا جَمَلٌ فجَعَلَهُ أبو مَعْقِلٍ في سَبِيلِ الله وأَصابَنا مَرَضٌ وَهَلَكَ أبو مَعْقِلِ وَخرَجَ النّبيُّ - ﷺ -: فَلَمَّا فرغَ مِن حَجَّهِ جِئْته، فقالَ: " يَا أمْ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنا" قالَت: لَقَد تَهَيَّأنَا فَهلكَ أبو مَعْقِل وكانَ لَنا جَمَلٌ هو الَّذِي نَحُجُّ عليْهِ فَأَوصَى به أبو مَعْقِلٍ في سَبيلِ الله. قالَ: "فَهَلا خَرَجتِ عَليهِ فَإِنْ الحَجَّ في سَبيلِ الله". وأحمد (٢٧٢٨٦)، وابن خزيمة (٢٣٧٦)، والحاكم: ١/ ٤٨٢، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) في الأصل: "لا يعطى". والمثبت من (ط). انظر: المدوّنة: ٣/ ١٢٠.
[ ٢٠٣ ]
فأمّا مقدار ما يعطى، فقال: يعطى كفايته وعياله، ولم يبيّن مقداره بمدّة معيّنة.
وعندي أنّه يعطيه ما يغنيه حتّى تجب عليه الزَّكاة؛ لأنّه في حال من أخذ الزَّكاة الكثيرة فقير، وإنّما يستغني بأخذها، فلا فرق بين أن يستغني بما يأخذه من المدة اليسيرة أو الطويلة.
وقال أبو حنيفة: من ملك مائتي درهم أو قيمة ذلك سوى ثياب بدنه، وما يختص بمنفعته، مثل: داره، لم يحل له أخذ الزَّكاة.
وقال الشّافعيّ: يعطى ما يبلغ به أدنى الغنى.
وأدنى الغنى عنده: ما يغنيه عن النَّاس، وليس له حد محدود؛ لأنّه يختلف باختلاف أحوال النَّاس في قلة الكفاية وكثرتها [٢٢/أ].
وبيان ذلك عنده: أن الرَّجل إذا كان عنده ألف درهم يتّجر بها، ويدخل عليه من ربحها كلّ يوم درهم ويكفيه وعياله، لم يحل له أخذ الصَّدقة؛ لأنّه مكفي، وإن كان يحتاج كلّ يوم إلى درهمين في الكفاية، زيدت له ألف درهم إلى ما عنده، حتّى يربح كلّ يوم درهمين كفايته وعياله.
وكذلك لو كانت مائة ألف درهم تجارة يربح فيها كلّ يوم خمسين درهمًا وكفايته كلّ يوم مائة درهم، أعطاه مائة ألف درهم أخرى، حتّى يربح كلّ يوم كفايته.
وعلى هذا يكون أبدًا من عنده مائة ألف، فقير يحل له أخذ الصَّدقة.
وقال سفيان الثّوريّ وأحمد وإسحاق: الغنى خمسون درهمًا، فإن لم يكن معه شيء أعطي خمسين، وإن كانت معه لم يعط شيئًا، وهو قول علي وابن مسعود -﵄-، وينبغي إذا كانت معه أربعون، أن يعطى عشرة.
وقول مالك يوافقهم في أنّه إن كان عنده خمسون درهمًا، لم يعط؛ لأنّه قال: ويعطي من مَالُه أربعون درهمًا.
[ ٢٠٤ ]
وقد ذكرت أنّه يعطى من يستحق، إلى أن يصير ممّن تجب عليه الزَّكاة.
[قال مالك]: ولا تعطي المرأة زوجها [شيئًا من] زكاتها.
وذكر شيوخنا أنّه على وجه الكراهة، ويجزئها إن فعلت، ويسقط به الفرض.
وجوّزه الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة أنّه منع من ذلك.
وينبغي عندي أن يفصّل: فإن كان زوجها فقيرًا أعطته ما يكفيه دونها، إذا رضيت بالمقام معه.
ولا يجوز لها أن تدفع له ما يكفيه ويكفيها، وهو ذريعة إلى أن ترجع إليها زكاتها، وقد قال - ﷺ - لامرأة ابن مسعود -﵄-: "لكِ أجْرانِ" (١).
٣٧٤ - مسألة:
إذا اجتمع في شخص واحد الفقر والمسكنة والغرم، لم يستحق بكل سبب، وإنّما يعطيه الإمام باجتهاده، وكذلك صاحب المال إذا تولاها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ مثله في أحد قوليه، وفي الآخر: يعطى بكل سبب فيه من الأسباب الّتي ذكرها الله.
وهذه فرع للمسألة الّتي يقول فيها: إن أدى الإمام اجتهاده إلى صرفه الصَّدقة إلى نوع واحد من الأصناف المذكورة، جاز وإلى فقير واحد،
_________________
(١) حديث صحيح متفق عليه؟ البخاريّ (١٤٦٦)، مسلم (١٠٠٠). وامرأة ابن مسعود ﵁، اسمها: زينب بنت معاوية ﵂.
[ ٢٠٥ ]
كذلك هاهنا إذا رأى الإمام أن يغنيه بوصف واحد فيه ففعل، جاز أن يغنيه إذا كانت فيه أوصاف كثيرة.
فإذا سلمت تلك المسألة، فلا معنى للكلام في هذه؛ لأنّها فرع عنها.
ويجوز أن يغير الكلام في هذه المسألة، فيقول: من أصلنا أن استحقاق الزَّكاة بالمعنى دون الاسم، والمعنى الّذي يستحق به الحاجة والفقر، وأيضًا لم ينقل عن النّبيّ - ﷺ - أنّه أعطى شخصًا واحدًا سهمين، ولا سأله عن اجتماع سنين فيه، مع علمنا بجواز وجود ذلك في الأصناف، فلو كان ذلك معتبرًا لنقل، وكانت الصّحابة تعتبره وتسأل عنه.
وأيضًا فإن المقصود من الآية: سد الخلة ودفع الحاجة، فإذا حصل من وجه، لم يعتبر غيره، واعتبارًا بنفقة الزوجة لمّا حصلت من وجه، لم تعتبر من وجه آخر.
٣٧٥ - سألة:
لا يجوز صرف زكاة الفطر إلى ذمي، وبه قال الشّافعيّ والليث وأبو ثور وأحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، واستدل بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾
الآية [التوبة: ٦٠].
٣٧٦ - مسألة:
إن اجتهد فدفع لغني، قال ابن القاسم: يجزئه.
وقال أيضًا: لا يجزئه، وقول مالك يدلُّى على هذا؛ لأنّه قال في كفارة اليمين بالله: إن أطعم غنيًّا، لم يجزئه وإن اجتهد، فالزكاة أولى.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجزيه، وهو [٢٢/ب] أحد قولي الشّافعيّ، وروى الحسن مثل ذلك.
وقولى الشّافعيّ الآخر: إنّه لا يجزئ مثل ذلك، وبه قال سفيان وأبو يوسف.
[ ٢٠٦ ]
واتفقوا على أنّه لو اجتهد، فأعطى كافرًا على أنّه مسلم لم يجزه، إِلَّا في صدقة الفطر على مذهب أبي حنيفة.
[لأبي تمام و] للعامل أن يأخذ من الصَّدقة وإن كان غنيًّا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يجوز.
٣٧٨ - مسألة:
يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى، وحكي عن المروزي مثله.
وقال بعض أصحاب الشّافعيّ: لا يجوز.
٣٧٩ - مسألة:
وتعطى المؤلفة إذا وجدوا في زماننا، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر: لا يجوز.
٣٨٠ - مسألة:
ابن السبيل يدخل فيه المجتاز والمنقطع ومن أراد سفرًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يتناول إِلَّا المجتاز.
[ ٢٠٧ ]