يقع الطّلاق في الحيض ثلاثًا كان أو أقل، وبه قال الفقهاء كافة.
إِلَّا طائفة شذت لا يعتد بخلافهم، قالوا: لا يقع في الحيض، ولا في طهر قد جامع فيه، وروي ذلك عن هشام بن عبد الحكم (١) وابن علية (٢)، والشيعة، وقوم من أهل الظّاهر منهم: داود.
٧٤٠ - مسألة:
[قال مالك]: طلاق المحجور عليه واقع، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا يقع.
_________________
(١) هو: أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم ألأسدي مولاهم البصري، المعروف بابن علية - وهي أمه -: الإمام العلّامة الحافظ، سمع من ابن المنكدر وسهيل بن أبي صالح ويونس بن عبيد وغيرهم، أخرج له الستة. توفي: ١٩٣ هـ. انظر: السير: ٩/ ١٠٧، التهذيب: ١/ ٢٤١.
(٢) هو: أبو محمَّد هشام بن الحكم الكوفي- مولى بني شيبان - الرافضي المشبه المتكلم: من أصحاب جعفر الصادق من متكلمي الشيعة، له نظر وجدل وتواليف كثيرة: منها: الرَّدِّ على المعتزلة، والتوحيد. توفي بعد نكبة البرامكة بمدة مستترًا. انظر: الفهرست: ٢٤٩، السير: ١٠/ ٥٤٣.
[ ٣٤٤ ]
[قال مالك]: إذا طلق امرأته ثلاثًا جاز له نكاح أختها، وأربع سواها وهي في العدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ما لم تنقض العدة.
٧٤٢ - مسألة:
طلاق السُّنَّة أن يطلق الرَّجل بطلقة واحدة في طهر لم يمس فيه.
والثلاث فيه دفعة واحدة محظور، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا سنة في عدد الطّلاق ولا بدعة، وإنّما ذلك في زمانه، وإيقاع الثلاث مباح في طهر، إِلَّا أنّه يستحب أن يكون في كلّ طهر طلقة، [وبه قال أحمد، والسُّنَّة عند أبي حنيفة في كلّ طهر].
وبقولنا قال من الصّحابة: عمر وعلي وابن عمر وابن عبّاس وابن مسعود -﵃-.
وبقول الشّافعيّ قال عبد الرّحمن بن عوف والحسن بن علي - ﵃ -.
وذهبت طائفة أن إيقاع الثلاث محرم، ولا يلزم إن وقع، ثمّ اختلفوا فيه:
فقيل: يقع واحدة، وقيل: لا يقع أصلًا.
٧٤٣ - مسألة:
إذا طلقها في الحيض طلقة رجعية، أجبر على الرجعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تستحب الرجعة ولا يجبر (١)
_________________
(١) تكررت هذه المسألة تباعًا.
[ ٣٤٥ ]
٧٤٤ - مسألة:
[لا نختلف نحن وأبو حنيفة والشّافعيّ] [في أن] لفظ: "أنت طالق" صريح.
وقال أبو حنيفة: لا صريح غيره.
وقلنا نحن والشّافعيّ: قوله: "سرحتك، وفارقتك" صريح.
وقال الشّافعيّ: لا صريح إِلَّا هذه الألفاظ الثلاث.
وقلنا نحن: "أنت حرام، وبائن، وبتة، وبتلة، [وخلية]، وبرية، وحبلك على غاربك" صريح أيضًا، إِلَّا أن بعضها آكد من بعض.
وآكدها عند مالك قوله: "بتة، أو بتلة"، فإنّه لا ينوي في المدخول وغيرها، فهمًا مثل قوله: "طالق ثلاثًا"، والباقي يكون ثلاثًا في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها، فإن أراد واحدة حلف، وكانت واحدة. وينوي في قوله: "أنت طالق" في الجميع ما أراد به من عدد في نفس الطّلاق.
وقد حكى أصحابنا في بتة وبتلة: إن أراد في غير الدخول بها واحدة حلف، وكانت واحدة.
وقال أبو حنيفة: ما وراء قوله [٤٤/ب]: "أنت طالق" كناية.
وآكده ستة ألفاظ، وهي: "خلية، وبرية، وبائنة، وبتلة، وبتة، وحرام"، فإنها كنايات ظاهرة إن تكلم بها، ولم تكن سألته الطّلاق، ولم ينو هو الطّلاق؛ لم يلزمه شيء، وكذلك قال الشّافعيّ.
وإن كان عقيب مسألتها، مثل أن تقول: طلقني، فيقول: أنت خلية، أو برية، قال أبو حنيفة: يكون طلاقًا، وإن لم تكن له نيّة فهي واحدة بائنة؛ سواء كان غاضبًا أو راضيًا، وإن نوى الطّلاق فكانت نيته واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى اثنين كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا كانت ثلاثًا.
فحصل الخلاف مع أبي حنيفة فيما عدا لفظ الطّلاق.
[ ٣٤٦ ]
فقال مالك: هي ظاهرة، ولا ينوي في المدخول بها، ويكون ثلاثًا، وينوي في غير المدخول بها، وإن قال: لم يردّ بها طلاقًا، لم يقبل منه ولزمه الثلاث، إِلَّا أن يقول وينوي في غير المدخول بها: أردت واحدة، فيقبل قوله مع يمينه، ولا يقبل قوله في المدخول بها؛ سواء أراد واحدة أو قال: لم أرد طلاقًا أصلًا.
والخلاف مع الشّافعيّ في هذه الألفاظ، فقلنا: هي صريحة، وقال: هي كنايات.
وحصل الخلاف بين أبي حنيفة والشّافعيّ في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا قال عقيب سؤالها ذلك، تكون طلقة بائنة، وعند الشّافعيّ لا تكون شيئًا إذا لم ينو الطّلاق.
والثّاني: إذا نوى به واحدة، تكون عند أبي حنيفة بائنة، وعند الشّافعيّ رجعية.
والثّالث: إذا نوى به اثنتين، كانت عند أبي حنيفة واحدة بائنة، وعند الشّافعيّ اثنين.
إذا قال لزوجته: "أنت حرة"، وأراد الطّلاق وقع بلا خلاف مع أبي حنيفة والشّافعيّ.
وإن قال لأمته: "أنت طالق"، يريد الحرية فكذلك عندنا، وعند الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تعتق.
فجعل العتق كناية عن الطّلاق، ولم يجعل الطّلاق كناية عن العتق.
٧٤٦ - مسألة:
لا فرق [عندنا] بين قوله: "أنت طالق"، أو"أنا منك طالق"، و"أنت بائن"، أو"أنا منك بائن"؛ أنّه صريح ويلزم.
[ ٣٤٧ ]
وقال أبو حنيفة: "أنا منك طالق" ليس بصريح ولا كناية ولا يلزم به الطّلاق؛ نوى أو لم ينو بل قوله: "أنا منك بائن" مثل قوله: "أنت مني بائنة" هو كناية، إن نوى به الطّلاق كان طلاقا، وإن لم ينو لم يلزم شيء.
وقال الشّافعيّ: هما كنايتان، إن أراد بهما الطّلاق كان طلاقًا، وإن لم ينو الطّلاق لم يلزمه شيء.
إذا قال: "أنت طالق"، ونوى اثنتين أو ثلاثًا كان ما نواه، وبه قال الشّافعيّ وعروة بن الزبير -﵄-.
وقال أبو حنيفة: إن نوى أكثر من واحدة لم يلزم، وهكذا قال في قوله: "اعتدي، واستبرئي" إنها واحدة، وإن نوى أكثر من واحدة لم يقع إِلَّا واحدة، غير أن قوله: "أنت طالق" صريح، والثّاني كناية، وإن لم ينو به طلاقًا لم يلزمه شيء، وبه قال سفيان والأوزاعي والحسن.
٧٤٨ - مسألة:
اختلفت الرِّواية عن مالك فيمن اعتقد الطّلاق بقلبه، ولم ينطق بلسانه مع قدرته على النطق به، فالأظهر: أنّه لا يقع حتّى ينطق به، وهو قول جميع الفقهاء.
وروي عنه: أنّه يقع.
٧٤٩ - مسألة:
ومن طلق امرأته إلى أجل معلوم، قريب أو بعيد يأتي لا محالة، مع جواز بقائهما على الزوجية، طلقت مكانها عند كلامه بذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تطلق إلى الأجل.
٧٥٠ - مسألة:
إذا أكره على الطّلاق، لم يقع طلاقه وزوجيته باقية، وبه قال الأوزاعي والشّافعيّ وأحمد.
وقال أبو حنيفة: طلاقه واقع ولازم [٤٥/ أ].
[ ٣٤٨ ]