الأضحية [عندنا] سنة مؤكدة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عبّاس وبلال -﵃-، ومن التابعين: عطاء وعلقمة (١) والأسود (٢)، وعن أبي يوسف خلاف.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي واجبة، وبه قال الأوزاعي والليث.
١١٢٩ - مسألة:
إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أن يضحي، استحب له أن لا يحلق شعره، ولا يقلم أظافره، ولا يحرم ذلك عليه، وإن فعل لم يكن بذلك بأس، وبه قال الشّافعيّ.
_________________
(١) هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي: الإمام الحافظ فقيه الكوفة ومقرئها، وهو عم الأسود وخال إبراهيم النخعي، ولد في حياة النّبيّ - ﷺ - لذا فهو في عداد المخضرمين، لازم ابن مسعود ﵁، وروى عن عمر وعثمان وعلي ﵃ وغيرهم، أخرج له الستة. توفي: ٦٢ هـ. انظر: السير: ٤/ ٥٣، التهذيب: ٧/ ٢٤٤.
(٢) هو: أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي: الإمام القدوة، كان مخضرما أدرك الجاهلية والإِسلام، وهو معدود في أصحاب ابن مسعود ﵁ المفتين، وروى عن الخلفاء الراشدين وغيرهم ﵃ أخرج له الستة. توفي: ٧٥ هـ. انظر: السير: ٤/ ٥٠، التهذيب: ١/ ٢٩٩.
[ ٤٨١ ]
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
وقال أحمد وإسحاق: يحرم عليه الحلاق وتقليم الأظافر.
الغنم فيها أفضل من الإبل والبقر.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة: الإبل أفضل وبعدها البقر ثمّ الغنم.
١١٣١ - مسألة:
[وذكر النبيّ - ﷺ - العيوب الّتي لا تجزئ في الأضحية، وما منها مكروه]؛ روى البراء بن عازب -﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يُجزِئُ مِنَ الضَّحايَا [أَرْبَعٌ]: العَوراءُ البَيّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، والمَريضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَجْفاءُ الّتىِ لا تُنْقِي" (١).
فبيّن هذا الخبر أن العرجاء لا تجزئ، وبه قلنا نحن والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: العرجاء تجزئ.
وروي عن علي -﵁ - أن النبيّ - ﷺ - نهى عن أن يضحى بمُقابَلة أو مُدابَرة أو شَرقاء أو خَرقاء (٢).
والشرقاء: هي المشقوقة الأذن نصفين.
والخرقاء: هي مشقوقتها مستديرًا.
والمُقابَلة: هي مقطوعة الأذن من مقدم أذنها، قطعًا لا تبين الأذن معه، فتكون معيبة.
_________________
(١) أخرجه مالك وأصحاب السنن؛ مالك (١٣٨٧)، وأبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٤٣٦٩)، وابن ماجه (٣١٤٤)، وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم: ١/ ٤٦٨، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أصحاب السنن؛ أبو داود (٢٨٠٤)، والترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٤٣٧٣)، وابن ماجه (٣١٤٢)، وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. انظر: المستدرك: ٤/ ٢٢٥.
[ ٤٨٢ ]
والمُدابَرة: مقطوعة الأذن من المؤخر.
فهذه العيوب عندي لا تمنع الإجزاء، ولكنها غير مستحبة.
وروي عنه - ﷺ - أنّه نهى عن أعضب القرن (١).
قال أبو عبيد؛ هي المكسورة القرن.
من ذبح قبل الإمام وقبل الصّلاة أعاد أضحيته.
وقال أبو حنيفة: إن ذبح قبل صلاته لم يجزه، وإن ذبح بعد الصّلاة وقبل ذبحه أجزأه.
وقال الشّافعيّ: الاعتبار بمقدار ما تصلَّى فيه صلاة العيدين، بركعتين وقراءتهما وتمامهما، فإذا ذهب هذا القدر أجزأه؛ سواء صلَّى الإمام أم لا.
١١٣٣ - مسألة:
لا يجزئ أن يذبحها كتابي عنه.
وقال أشهب: يجزيه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، ويكرهون ذلك.
١١٣٤ - مسألة:
لا يجوز الاشتراك في الأضحية، يخرج كلّ واحد قسطًا من الثّمن، فإن ضحى رجل شاة عن أهل بيته ونفسه بأضحية واحدة، يكون هو اشتراها من ماله فيجوز، وبه قال الحكم بن عيينة وحماد بن زيد (٢).
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ (١٥٠٤)، والنسائي (٤٣٧٧)، وابن ماجه (٣١٤٥)، عن علي ﵁، قال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. انظر: المستدرك: ٤/ ص ٢٢.
(٢) هو: أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، مولى آل جرير بن حازم البصري: العلّامة الحافظ محدث الوقت، أحد الأعلام، روى عن أنس بن سيرين وعمرو بن دينار وثابت البناني وغيرهم، أخرج له الستة. توفي: ١٧٩هـ. انظر: السير: ٧/ ٤٥٦، التهذيب: ٣/ ٩.
[ ٤٨٣ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة، يخرجون الثّمن ويقتسمون اللّحم، و[يكون] كلّ واحد منهم مضحيًا عن نفسه، ويجوز هذا عنده في كلّ واجب ومسنون، إذا كان كله قربة وإن اختلفت موجباته؛ مثل: أن يكون أحدهما [٦٦/أ] مضحيًا والآخر مهديًا، أو منسكًا أذى أو منذرًا أو غير ذلك.
وإن كان بعضه فدية وبعضه للبيع، أو للأكل من غير فدية، لم يجز عنده.
وقال الشّافعيّ: يجوز؛ سواء اتفق في القربة، أو اختلفت وجوهه في الفدية وغيرها، وسواء كانوا أهل بيت واحد أو مفترقين.
إذا أوجب على نفسه الأضحية بالقول لزمه، ولم يكن له بدلها؛ كقوله: "أوجبت على نفسى هذه الشاة أضحية"، أو قال: "لله علي أن أضحي بها"، فقد زال ملكه عنها، وصارت للأضحية، ولم يكن له تصرف فيها بأكثر من ذبحها وبأكل منها ويطعم، وإذا لم يجز له بيعها لم يجز أن يبدلها؛ لأنّه بيع، وإن فعل كان فعله مردودًا، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف وأبو ثور.
وما عن أبي حنيفة في هذا رواية.
وبه قال عمر وعلي -﵄-.
وقال عطاء وأحمد ومحمد بن الحسن: يجوز له أن يستبدل بها ما يقوم مقامها، كما يجوز أخذ الغنم في الزَّكاة، ولأن المقصود من الأضحية إيصال النفع إلى المساكين، ولا فرق بين الشياه؛ لأنّه لو وجبت عليه شاة من أربعين، فلا فرق بين أن يعطيها من ذلك المال أو غيره.
١١٣٦ - مسألة:
إذا ذبح أضحية غيره خطأ، أو رجلان ذبح كلّ واحد أضحية صاحبه بغير إذنه، فإنّه يفصّل عندي:
[ ٤٨٤ ]
فإن كان صاحبها لم يوجبها بالقول، غرمها الذابح بالقيمة، ولا تجزي ذابحها.
وإن تعمد ذبحها عن نفسه لم تجزه، وهل تقع عن صاحبها وتجزي عنه؟
ينبغي أن تكون على روايتين لمالك.
وكذلك إن أخطأ كلّ واحد فذبح أضحية صاحبه، فإن نواها عن نفسه لم تجزه، وفي صاحبها روايتان.
وإن تعمد ذبحها عن صاحبها، فعلى روايتين؛ فإن أوجبها صاحبها بالقول؛ فسواء ذبحها الذابح عن نفسه أو عن صاحبها، وقعت عن صاحبها لا غير، ويحتمل أيضًا أن يغرم قيمتها له، ولا تكون أضحية عنه، ولكنه يصنع بها ما شاء.
وقال أبو حنيفة: إنها تجب بالنية، كما تجب بالقول، وإن نوى صاحبها أنّها أضحية وأوجبها قولًا فإنها تقع عنه، ولا يغرم الذابح بغير إذنه شيئًا.
وعلى قول الشّافعيّ: لا تجب بالنية دون القول، فإن ذبحها الذابح بغير أمره، فعليه قيمة ما نقصها الذَّبح.
قال " القاضي: وعندي أنّها لا تجزي، وإن أوجبها قولًا أجزته، وعلى الذابح ما نقص من قيمتها حية، فإن قلنا: إنّه أوجبها على نفسه بالقول، وذبحها الذابح بغير إذنه، فإنها تجزي ولا شيء على الذابح.
لا يضحى بليل، فإن فعل أبدلها. وروي عن مالك: أنّها تجزي.
١١٣٨ - مسألة:
لا يجب أكل لحم الأضحية، ويستحب ذلك، وبه قال الفقهاء كافة.
وحكي عن قوم: أن أكله منها واجب.
[ ٤٨٥ ]
وروي عن جابر بن زيد (١): أنّه لا يجوز أكلها ولا هدي التطوع، ومن أكلها غرمها.
لا يجوز بيع إهاب (٢) الأضحية بدراهم ولا غيرها، وإن بيع كان البيع مردودًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال عطاء: يجوز بيعه بكل شيء.
وقال النخعي وربيعة: يجوز بيعه بقماش البيت؛ مثل: المنخل وغيره، وبه قال أبو حنيفة، ففرق بين بيعه بورق وبين بيعه بقماش البيت.
١١٤٠ - مسألة:
إذا اشترى شاة لم تصر أضحية بغير نيّة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: تفسير أضحية.
١١٤١ - مسألة:
يجوز أن يشرب من لبن الأضحية، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يجوز.
١١٤٢ - مسألة:
الأيَّام الّتي يضحى فيها: يوم النَّحر ويومان بعده، وهي الأيَّام المعلومات، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وجماعة من الصّحابة.
وقال الشّافعيّ: أيّام التّشريق الثّلاثة بعد يوم النَّحر، فهي أربعة أيّام
_________________
(١) هو: أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم الخوفي البصري: عالم أهل البصرة في زمانه ومفتيها، من كبار تلامذة ابن عبّاس ﵄، روى عنه وعن ابن عمر وابن الزبير ﵃ وغيرهم، أخرج له الستة. توفي: ٩٣ هـ. انظر: السير ٤/ ٤٨١، التهذيب: ٢/ ٣٤.
(٢) في الأصل: "أطيب". والمثبت من (ط). والإهاب: الجلد من البقر والغنم والوحش قبل الدباغ. انظر: لسان العرب: ١/ ٢١٧.
[ ٤٨٦ ]
مني إلى المغيب، وهو قول علي -﵁ -، والأوزاعي وابن عبّاس -﵄-، وعطاء.
واختلف عن ابن عمر -﵄- فيه، هل هو أربعة أو ثلاثة؟ والأثبت ثلاثة.
وروي عن علي -﵁ايضًا: أنّه يوم واحد.
وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: هو في الأمصار يوم، وبمنى ثلاثة أيّام [٦٦/ب].
وقال ابن سيرين: النَّحر يوم واحد إلى غروب الشّمس.
وقال أبو الشعثاء: هي ثلاثة أيّام.
١١٤٣ - مسألة:
[قال مالك]: الأيَّام المعلومات: يوم النَّحر ويومان بعده، والمعدودات: أيّام التّشريق، أولها ثاني النَّحر، فيوم النَّحر معلوم غير معدود؛ لوقوع النَّحر فيه، ولا يرمى فيه إِلَّا جمرة واحدة، وثاني النَّحر وثالثه معلومان معدودان؛ لأنّ النَّحر يقع فيهما والرمي، وثالث التّشريق وهو رابع النَّحر معدود غير معلوم؛ لأنّه يرمى فيه ولا ينحر فيه.
واختلف قول أبي حنيفة وأصحابه في الأيَّام المعلومات، فقال: هي العشر آخرها يوم النَّحر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال ايضًا: مثل قولنا، إنها يوم النَّحر ويومان بعده، وكذلك اختلف أصحابه.
[ ٤٨٧ ]