لا تلي المرأة القضاء، وكذلك العبد، غير أن العبد لا خلاف فيه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح أن تحكم المرأة في كلّ شيء تقبل فيه شهادة النِّساء.
وقال ابن جرير: تقضي في كلّ شيء.
وتقبل عند أبي حنيفة شهادة النِّساء في كلّ شيء، إِلَّا الحدود والجراح، وتقضي عنده المرأة في كلّ شيء، إِلَّا في الجراح والحدود.
١٢١٠ - مسألة:
إذا لم يعلم القاضي لسان الخصم لاختلاف لغتهما، فلا بد من ترجمان عن الخصم.
و[عندي: أنّه] لا يكفي فيه أقل من عدلين يشهدان أنّه قال: كذا وكذا، فيما كان إقرارًا يثبت به عليه حكم؛ لأنّ من أصل مالك: أنّه لو أقر عنده بما يفهمه القاضي، لم يحكم عليه بعلمه حتّى يشهد به عنده شاهدان، ففيما لا يفهمه أحرى وأولى، وبه قال الشّافعيّ، أنّه لا بدَّ من اثنين.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل في ذلك واحد؛ رجل أو امرأة، ووافق أنّه لا يقبل من عبد.
[ ٥١١ ]
وقال محمّد: لا يقبل إِلَّا من رجلين، [أو رجل] وامرأتين.
وعندي: أنّه إن تضمن إقراره مالًا وما يجري مجراه [٧٠/أ]، قبل فيه رجل وامرأتان دون ما سواه، ممّا لا تقبل فيه شهادة النِّساء.
يجوز للقاضي أخذ الرزق على القضاء.
وقال قوم: لا يجوز ذلك.
١٢١٢ - مسألة:
لا يجوز للحاكم أن يقبل هدية لأجل خصومة حضرت، وهو أحد أقاويل الشّافعيّ.
١٢١٣ - مسألة:
إذا لم يعرف الحاكم عدالة رجلين مع علمه بأنّهما مسلمان، لم يحكم بشهادتهما حتّى يبحث عنهما، ولم يكتف بظاهر الإسلام، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يحكم بظاهر إسلامهما، ولا يحتاج إلى بحث، إلى أن يجرحهما الخصم فيما سوى الحدود والقصاص.
وقال أبو يوسف: يسأل عنهم في السر والعلانيّة، وإن لم يطعن فيهم الخصم كقولنا.
١٢١٤ - مسألة:
لا يجوز للحاكم أن يحكم لابنه.
وحكي عن أبي ثور وداود: جواز الحكم له.
١٢١٥ - مسألة:
يقضي القاضي للحاضر على الغائب، إذا قامت البينة وسأله الحاكم، وبه قال اللَّيث والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبي ليلى وشريح: لا يقضى على
[ ٥١٢ ]
غائب، ولا من هرب قبل الحكم وبعد إقامة البينة، ولا على من استتر في البلد، ولكن يأتي من عند القاضي بيته إلى بابه يدعوه إلى الحاكم، فإن جاء (١) وإلا فتح عليه بابه.
وقد حكي عن أبي يوسف: أنّه يحكم عليه.
ووافقنا أبو حنيفة أن القاضي يسمع الدعوى، ويقبل الشّهادة على الغائب، وإنّما الخلاف في القضاء والحكم.
وقال أبو حنيفة: إذا جاء المدعي إلى الحاكم ومعه رجل، وذكر أن له على فلان الغائب مالًا وهذا كفيله، واعترف الرَّجل بالكفالة، إِلَّا أنّه قال: لا شيء له عليه، قال: يحكم الحاكم على الغائب، وإن ثبت حكمه عليه أخذ من الكفيل الحق.
وكذلك عنده إذا ادعت امرأة على رجل غائب الزوجية، وأن هذا الولد منه، وأن لها عليه نفقة، وأن له مالًا بيد فلان الحاضر، وأقامت البينة بذلك، فإنّه يحكم على الغائب، ويلزم هذا الحاضر تسليم النفقة إليها.
وكذا عنده لو ادعى مدع على جماعة، مثل أن يقول: "قتلوا عبدي"، وما أشبهه، فحضر منهم واحد حكم الحاكم عليه وعلى الغائب، فيعتبر أن تتوجه الدعوى على شخص حاضر.
١٢١٦ - مسألة:
إذا حكم الرجلان رجلًا ورضيا بحكمه، لزمهما حكمه وإن خالف رأي حاكم البلد.
وقال أبو حنيفة: إن وافق رأي قاضي البلد، وإلا لم ينفذ.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: مثل قولنا.
وقال: لا يلزمهما حكمه، وهو كالفتوى منه، وبه قال شريح.
_________________
(١) في الأصل: "شاء". والمثبت من (ط).
[ ٥١٣ ]
اختلف النَّاس في القاضي، هل يقضي بعلمه أم لا؟ على مذاهب:
فقولنا (١): إنّه لا يقضي بعلمه أصلًا؛ علم قبل القضاء أو بعده أو في مجلسه؛ في حقوق الله تعالى أو في حقوق الآدمبين، وبه قال شريح والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يقضي بما علمه في مجلسه، إذا حضر الخصم واعترف لخصمه بحق.
وقال أبو حنيفة: الّذي يشاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء وبعده، لا يحكم فيها بعلمه، وما علمه من حقوق النَّاس قبل القضاء، فلا يحكم فيه بعلمه، وماعلم منها بعد القضاء حكم به.
وقال أبو يوسف: يحكم في حقوق النَّاس بما علمه قبل القضاء وبعده.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يحكم بعلمه في حق الله وحق الآدمي على وجه، كقولنا.
وقال: يحكم في الجميع. وهو الصّحيح عنده.
١٢١٨ - مسألة:
إذا نسي الحاكم ما حكم به، فشهد عنده شاهدان (٢) أنّه حكم بذلك، قبل شهادتهما وأمضاه، وبه قال أبو يوسف وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلتفت [٧٠/ب] إليهما إذا لم يذكر ذلك.
_________________
(١) في الأصل: "فقولان". والمثبت من (ط).
(٢) في الأصل: "شاهد". والمثبت من (ط).
[ ٥١٤ ]
إذا كتب قاض إلى قاض كتابًا بما ثبت عنده، أو بما حكم به وأشهد على كتابه شاهدين، ولم يقرأه عليهما جاز ذلك، ولزم القاضي المكتوب إليه قبوله بقول الشّاهدين: "شاهدان هذا كتاب فلان القاضي، دفعه إلينا مختومًا".
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إذا لم يقرأه عليهما لم يجز لمن وصل إليه أن يعمل به، وروي عن مالك مثل ذلك.
١٢٢٠ - مسألة:
[وعندنا أن] حكم الحاكم لا يخرج الأمر في الباطن عما هو عليه، وإنّما ينفذ في الظّاهر، فإذا شهد شاهدان أن لرجل على رجل بحق، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن كانا صادقين حل الشيء للمشهود له ظاهرًا وباطنًا، وإن شهدا بزور حل في ظاهر الحكم، ولم يحل فيما بينه وبين الله تعالى، وهو على ملك من شهد عليه؛ كان ذلك في الفروج أو الأموال، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم يجعل الأمر في الباطن كالظاهر.
فالخلاف بيننا وبينه في مسائل منها:
أن يدعي رجل على أجنبية أنّها زوجته، وشهد له ويحكم الحاكم بالزوجية، فتحل عند أبي حنيفة باطنًا وظاهرًا.
ومثل: أن تدعي امرأة أن زوجها طلقها طلاقًا بائنًا، وتقيم بذلك شاهدي زور، فيحكم الحاكم بفرقتهما، فتقع عندنا الفرقة ظاهرًا، وعنده ظاهرًا وباطنًا، ويجوز لأحد الشّاهدين أن يتزوجها.
ومثل: أن تدعي أمة على مولاها أنّها ابنته، وتقيم شاهدي زور.
ووافقنا أبو حنيفة في الأموال وذوات المحارم، أن حكم الحاكم لا يؤثر في باطنها.
[ ٥١٥ ]
وقال أبو يوسف في الزوجة: إن حكم الحاكم يحرمها على الأوّل، ولا يحلها للغير.
وقال: لو أن امرأة ادعت طلاق زوجها بتاتًا، وأقامت بينة زور وحكم الحاكم بها، فإنها تحرم عليه، ولا تحل لغيره.
وجملة ذلك: أن أبا يوسف ومحمدًا يقولان بقول مالك من الشهادات.
يصح عقد البيع بغير شهادة، ولا يجب فيه الإشهاد، وبه قال فقهاء الأمصار.
إِلَّا داود وسعيد بن المسيَّب، قالا: لا يصح إِلَّا بشهادة.
١٢٢٢ - مسألة:
لا تجوز شهادة النِّساء في غير الأموال وما يتعلّق بها، وما كان المقصود منه المال وعيوب النِّساء والمواضع الّتي لا يطلع عليها غيرهن، وما سوى ذلك ممّا ليس المقصود منه المال؛ كالنِّكاح، والطلاق، والعتق، والرجعة، والنسب، والتعديل، والجرح، والوصية إذا كان فيها عتق، والدم والجراح، ولا غير ذلك، وبه قال الشّافعيّ والنخعي والحسن وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يقبل في جميع ذلك شاهد وامرأتان، إِلَّا في الجراح الموجبة للقود في النفس والأطراف.
١٢٢٣ - مسألة:
تقبل شهادة الشاعر إذا كان عدلًا.
وقال قوم: لا تقبل.
١٢٢٤ - مسألة:
ويقبل في القصاص شاهدين.
[ ٥١٦ ]
وقال الحسن: هو مقيس على الزِّنا؛ بعلة أنّه: إماتة نفس.
تقبل شهادة القاذف بعد الحدّ إذا تاب، وشهد بعد ذلك، وبه قال عطاء وطاووس والأوزاعي وربيعة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال شريح والحسن البصري والنخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه: إذا حد فسق، وإن تاب زال فسقه ولا تقبل شهادته.
١٢٢٦ - مسألة:
تقبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت؛ سواء تحملها قبل العمى أو بعده.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تقبل إِلَّا أن يكون أثبت ذلك معاينة وسمعًا ثمّ عمي، فيصح أداؤها منه عند الشّافعيّ وحده، وعند أبي يوسف والحسن والنخعي.
وبقولنا قال عطاء والزهري [٧١/أ] وابن أبي ليلى.
وتصح عند أبي حنيفة شهادته في النِّكاح والنسب والموت.
وعند الشّافعيّ: في الموت والنسب والترجمة والمضبوط.
فالترجمة: هو أن يكون عند الحاكم، فيتكلم إنسان بشيء لا يعرفه، فيسأل الحاكم الأعمى عما يقول، فيقول له الأعمى أنّه قال: كذا وكذا.
والمضبوط: هو أن يعترف إنسان عند أعمى بشيء، يجعل فاه على أذن الأعمى، ويضبطه إلى نفسه ويضع يده على رأس المقر ورقبته، ويشهد عند الحاكم بما سمع منه، فتقبل شهادته.
[ ٥١٧ ]
اختلف النَّاس في شهادة العبد على مذاهب:
فقلنا نحن [وأبو حنيفة] والشّافعيّ: لا تقبل في شيء أصلًا، وبه قال ابن عمر -﵄-، ومجاهد وعطاء والحسن والأوزاعي وسفيان.
وقال علي وأنس -﵄-، وشريح وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: تقبل في جميع الأشياء كالحر.
وقال النخعي والشعبي: تقبل في الشيء التافه القليل، ولا تقبل في الكثير.
١٢٢٨ - مسألة:
شهادة الصبيان جائزة فيما بينهم من الجراح والقتل، إذا كان قبل افتراقهم وتخبيبهم (١)، أو يشهد على شهادتهم قبل أن يفترقوا، ولا يلتفت إلى رجوعهم بعد ذلك، وهو قول علي وابن الزبير -﵃-، وقيل إنّه قول عمر -﵁ -، وبه قال معاوية -﵁ -، وعمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تقبل أصلًا، وبه قال أحمد وإسحاق،
وهو قول ابن عبّاس ﵄، وعطاء والحسن والزهري.
١٢٢٩ - مسألة:
شهادة أهل الذِّمَّة غير مقبولة على كلّ حال، وبه قال الحسن والشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقالت طائفة: تقبل على الكفار دون المسلمين، وهو قول شريح وحماد ابن [أبي] سليمان وعمر بن عبد العزيز وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه.
_________________
(١) هو: أن يدخل بينهم كبير أو كبار على وجه يمكنهم أن يلقنوهم الشّهادة، ويصرفوهم عن وجهها أو يزينوا لهم الزيادة فيها أو النقصان منها. انظر: المنتقى، ٥/ ٢٣٠.
[ ٥١٨ ]
وحكي عن قتادة والزهري والشعبي: أن شهادة اليهود مقبولة في جنسهم دون النصارى، كذلك النصارى على النصارى دون غيرهم.
ولا تقبل شهادة الأخ لأخيه، إذا كان منقطعا إليه يناله بره وصلته، وكذلك الصديق الملاطف الّذي هذه حاله.
وقبلها أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الأوزاعي: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه أصلًا.
١٢٣١ - مسألة:
ولا تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: تقبل، وبه قال الحسن وأبو ثور.
وقال النخعي وابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لها، ولا تقبل شهادتها له.
١٢٣٢ - مسألة:
لا تقبل شهادة عدو على عدوه، [والخصم على خصمه]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة العدو على عدوه، والخصم على خصمه.
١٢٣٣ - مسألة:
يحكم بشاهد مع يمين الطالب في الأموال خاصّة، إذا ادعى بمال وأقام شاهدًا على صحة دعواه، حلف معه واستحق المال، وحكمه [عندنا] كحكم الشّاهد والمرأتين، فكل موضع قبل فيه شاهد وامرأتين قبل فيه شاهد ويمين، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأصحابه، وهو قول أبي بكر وعمر وعلي وأبيّ بن كعب -﵃-، والفقهاء
[ ٥١٩ ]
السبعة وشريح وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية (١) وأبو سلمة ابن عبد الرّحمن وأبي الزِّناد (٢) وربيعة.
وقال النخعي وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يحكم بشاهد ويمين، وإن حكم به حاكم نقض، وهو بدعة، وهو قول الزّهريُّ والحكم. وأول من حكم بذلك معاوية -﵁ -.
إذا نكل المدعي على اليمين مع شاهده، ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف [٧١/ب] برئ، وإن نكل غرم المال؛ لأنّ المدعي قد اجتمع معه شيئان: شاهد ونكول المدعى عليه.
وقال الشّافعيّ: لا يغرم بنكوله شيئًا، ولا يلزمه شيء.
١٢٣٥ - مسألة:
لا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال فقهاء الأمصار.
وحكي عن عمر بن الخطّاب -﵁ -، وشريح وأبي ثور والمزني: جوازها، وهو قول داود وأصحابه.
١٢٣٦ - مسألة:
لا تقبل شهادة شارب النبيّذ المختلف فيه ويحد ويفسق، خلافًا لأبي حنيفة في ذلك كله.
_________________
(١) هو: القاضي أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرة المزني البصري: قاضيها العلّامة، روى عن أنس ﵁ وابن المسيَّب وابن جبير وغيرهم، وكان مضرب المثل في الذكاء والدهاء والعقل، كان ثقة وقلّما روي عنه. توفي: ٢٢ اهـ. انظر: السير: ٥/ ١٥٥، التهذيب: ١/ ٣٤١.
(٢) هو: أبو عبد الرّحمن عبد الله بن ذكران القرشي المدني، الملقَّب بأبي الزِّناد، وأبوه مولى رملة زوجة عثمان ﵁: الإمام المجتهد الفقيه الحافظ المفتي، حدث عن أنس وأبي أمامة ﵄ وعروة وغيرهم. نوفي: ١٣٠ هـ. انظر: السير: ٥/ ٤٤٥، التهذيب: ٥/ ١٧٨.
[ ٥٢٠ ]
وقال الشّافعيّ: إن شربه من يعتقد تحريمه شافعي أو غيره؛ حد وفسق، وإن شربه حنفي متأول؛ حد ولم يفسق وقبلت شهادته.
لا تقبل شهادة ولد الزِّنا في الزِّنا، وتجوز في غيره.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تجوز في الزِّنا وغيره.
وقال الحسن: لا تجوز شهادته في شيء أصلًا.
١٢٣٨ - مسألة:
لا تقبل شهادة بدوي على قروي، إِلَّا في الجراح والقتل؛ لوقوعه في الخلوات، وحيث لا يمكن الاحتراز بالشهود.
ومعناه عندنا: ألَّا يكون البدوي قاطنا مع المتداعيين، فيدعي المدعي شيئًا يمكن فيه إشهاد أهل القرية، فيتركهم ويدعي شهادة البدوي فيتهم؛ لأنّ النَّاس في الأغلب لا يتركون شهادة أهل بلدهم وجيرانهم، ويخرجون يُشهدون أهل البادية.
١٢٣٩ - مسألة:
إذا شهد الصبي والعبد والكافر بشيء، فردت عند الحاكم، فبلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر، فشهدوا بها ثانية لم تقبل في تلك الشّهادة؛ كالفاسق إذا ردت شهادته، ثمّ صلحت حاله لم يقبل في تلك الشّهادة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقبل شهادة الثّلاثة، إِلَّا الفاسق.
وقال داود: تقبل شهادة الفاسق إذا صلحت حاله.
١٢٤٠ - مسألة:
الشّهادة على الشّهادة جائزة في كلّ حق لله وللآدميين، كان ذلك في مال أو حد أو قصاص، وبه قال الشّافعيّ، في حقوق الآدميين؛ من الأموال والقصاص، وله في حقوق الله تعالى قولان.
[ ٥٢١ ]
وقال أبو حنيفة: تقبل في حقوق الآدميين سوى القصاص وحقوق الله تعالى والحدود، ولا تقبل في كتاب قاض إلى قاض؛ لأنّه كالشهادة على الشّهادة.
شهود الفرع إذا زكت شهود الأصل، وأثنت عليهم وعدلتهم، ولم يذكر أسماءهما ونسبهما للقاضي لم تقبل شهادتهم، وبه قال الفقهاء.
وحكي عن ابن جرير أنّه: جاز ذلك؛ مثل: أن يقولا: "نشهد أن رجلًا عدلًا رضي، شهد وأشهدنا على شهادته بشيء ما".
١٢٤٢ - مسألة:
إذا شهد شاهدان على كلّ واحد من شاهدىِ الأصل قبلت شهادتهما،
وبه قال أبو حنيفة وقال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال فى الآخر: لا بدَّ في شهود الفرع من أربعة؛ على كلّ واحد اثنان، غير الّذي على الآخر،
ورأيت لعبد الملك مثله.
١٢٤٣ - مسألة:
يحكم بشهادة امرأتين مع يمين الطالب في المال، كالشّاهد واليمين.
ومنع من ذلك الشّافعيّ.
١٢٤٤ - مسألة:
إذا رجع الشهود بعد الأداء وقبل الحكم، صح رجوعهم ووقف الحكم فيما شهدوا به، وبه قال سائر الفقهاء.
إِلَّا أبا ثور، فإنّه قال: يحكم ولا يراعى رجوعهم.
[ ٥٢٢ ]
إذا رجع الشهود بعد الحكم واستيفاء الحق لم ينقض، وبه قال سائر الفقهاء.
إِلَّا سعيد [٧٢/أ] بن المسيَّب والأوزاعي، قالا: ينقض الحكم ويرد.
١٢٤٦ - مسألة:
إذا رجع الشهود في القتل بعد حكم الحاكم واستيفاء القود، لم تقتل الشهود وعليهم الدية في أموالهم ولو تعمدوا القتل، وبه قال أبو حنيفة.
وروي عن مالك أيضًا: أنّهم يقتلون، وبه قال الشّافعيّ، وهو اختياري إذا تعمدوا ذلك.
١٢٤٧ - مسألة:
إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة بعد الدخول، وحكم بالفرقة ثمّ رجعا لم يغرما المهر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يغرمان مهر المثل دون المسمى.
١٢٤٨ - مسألة:
إذا تكافأت البينتان، حكم بأعدلهما في مواضع.
ولم يعتبر أبو حنيفة والشّافعيّ ذلك، ولا جعلا لأعدلهما ميزة على الأخرى.
[ ٥٢٣ ]