الإجارة عقد لازم من الطرفين جميعًا من جهة المؤاجر والأجير؛ كالجعالة من المؤاجر والمستأجر، ليس لأحد منهما بعد العقد الصّحيح فسخ لعذر، أو لغير عذر، إِلَّا بما يفسخ به العقد اللازم؛ من وجود عيب بالمعقود عليه؛ مثل: أن يستأجر منه دارًا فيجدها مهدمة، أو تنهدم بعد العقد فيكون الخيار للمستأجر؛ لأجل العيب أو يمرض العبد المستأجر أو الدابة، أو يجد الآجر بالأجرة عيبًا، وبه قال سفيان والشّافعيّ وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز فسخ الإجارة للعذر يكون للمستأجر؛ مثل: أن يكتري دكانًا ليتجر فيه، فيحترق ماله أو يسرق أو يغصب أو يفلس، فيكون له فسخ الإجارة.
١٤٠١ - مسألة:
إذا اكترى منه دابة أو دارًا أو عبدًا أو دكانًا، مدة معلومة ولم يشترط تعجيل الأجرة ولا تأخيرها وأطلقا ذلك، فعندنا وعند أبي حنيفة: أن الأجرة تستحق جزءًا فجزءًا، فكلما استوفى المستأجر منفعة يوم استحق عليه أجرته.
وقال الشّافعيّ: إنها تستحق بنفس العقد، فإذا سلم المؤاجر العين المستأجرة إلى المستأجر، استحق عليه جميع الأجرة، فيكون الآجر قد ملك الأجرة بالعقد، ووجب تسليمها إليه العين المستأجرة.
[ ٥٩٣ ]
إذا اختلف الخياط ورب الثّوب، فالقول قول الخياط مع يمينه، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: القول قول صاحب الثّوب.
١٤٠٣ - مسألة:
الإجارة جائزة، وبه قال أهل العلم كلهم.
وذهب ابن عليه إلى أنّها لا تجوز.
١٤٠٤ - مسألة:
إذا استأجر عبدًا أو دارًا مدة معلومة، فقبض ذلك ثمّ مات العبد قبل أن يعمل شيئًا، أو انهدمت الدَّار قبل أن يسكنها المكتري، ولم يمض من المدة شيء، فإنّه لا يستحق من الأجرة شيئًا، وقد بطلت الإجارة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما.
إِلَّا أبا ثور، فإنّه قال: المنافع في هذا الموضع من ضمان المستأجر؛ لأنّ تسليم العبد والدار تسليم للمنافع.
١٤٠٥ - مسألة:
عقد الإجارة على الضيعة والدار والعبد وما تصح فيه الإجارة، لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين، ولا بموتهما جميعًا، ويقوم الوارث في ذلك مقام مورثه، وبه قال الشّافعيّ وعثمان البتي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال الثّوريّ والليث وأبو حنيفة وأصحابه: إن العقد ينفسخ بموت أحد [٨٥/أ] المتعاقدين.
وحكي عن بعض أهل العراق: أن للورثة الخيار بين المقام عليها وفسخها.
[ ٥٩٤ ]
تجوز إجارة الدَّار والضيعة سنين، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا.
وقال: لا يجوز أكثر من سنة.
١٤٠٧ - مسألة:
إذا أخذ الصانع الشيء إلى منزله ليعمله، فهو ضامن له ولما أصيب عنده ومن جهته، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن عمر (١) وعلي وابن مسعود -﵃-.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه إِلَّا فيما جنت يده، وهو الآخر للشافعي، وبه قال عطاء وطاووس.
وقال زفر: لا ضمان عليه أيضًا فيما جنت يده ما لم يخالف.
وقال أبو يوسف ومحمد: عليه ضمان ما يستطاع الامتناع منه، فأمّا ما لا يستطاع؛ مثل: الحريق والأمر الغالب وتلف الحيوان، فلا ضمان فيه.
والأجراء عند مالك لا يضمنون، وهم على الأمانة إِلَّا الصناع خاصّة، فإنهم ضامنون إذا انفردوا بالعمل، عملوه بأجر أو بغير أجر، إِلَّا أن تقوم بينة بفراغه وهلاكه فيبرؤوا. قاله ابن الموّاز (للمقرونين) (٢).
١٤٠٨ - مسألة:
من اكترى دابة ليركبها فكبحها بلجامها، كما جرت به العادة فهلكت، فلا ضمان عليه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يضمن قيمتها.
_________________
(١) في الأصل: "عروة". والمثبت من (ط).
(٢) هكذا في الأصل. ولعقه يقصد القرينين (أشهب وابن نافع). انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٢٢٥.
[ ٥٩٥ ]
إذا اختلف رب الثّوب والخياط في صفة الخياطة بعد العمل، فقال رب الثّوب: "أمرتك بعمل قميص"، وقال الخياط: "قباء"، فالقول قول الخياط، إذا كان رب الثّوب ممّن يلبس القميص والقباء مع يمينه.
وإن كان رب الثّوب ممّن لا يلبس القباء، وقال الخياط: "أمرتني بقباء"، فالقول قول رب الثّوب مع يمينه.
وقال أشهب: القول قول رب الثّوب على كلّ حال، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واحد أقوال الشّافعيّ.
١٤١٠ - مسألة:
إجارة المشاع جائزة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز إجارة المشاع، إِلَّا من الشريك، ولا يجوز عنده رهنه ولا هبته بحال.
١٤١١ - مسألة:
إذا أجر داره أو دكانه أو ضيعته مدة معلومة، ثمّ أراد المالك بيع ذلك، جاز له بيعه من المستأجر وغيره.
واختلف قول الشّافعيّ إذا بيعت من غير المستأجر، فقال: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال: يجوز مثل قولنا.
[وقال أبو حنيفة: إذا أجّر عينًا ثمّ باعها، فإن المستأجر بالخيار في إجازة بيع الرقبة وتبطل الإجارة، أو رد البيع وتثبت الإجارة.
وللشافعي قولان: أحدهما: إن بيع الرقبة فاسد.
والثّاني: مثل قولنا: صحيح.
[ ٥٩٦ ]
وهذا إذا باع الرقبة من غير المستأجر، فأمّا إن كان المبيع من المستأجر، فلا خلاف في جوازه؛ لأنّ تسليم المنفعة غير متعذر] (١).
١٤١٢ - مسألة:
إذا كان في الدنانير والدراهم غرض للانتفاع بأعيانها دون إتلافها، جازت إجارتها؛ مثل: أن يعبر بها مكاييل وموازين، أو يكون صيرفيًّا يتجمّل بها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز.
وأجازه بعض أصحابه.
_________________
(١) هذه الفقرة كانت في الأصل مندرجة تحت المسألة (١٤٠٧)، ولعدم مناسبتها هناك، وملائمتها لهذه المسألة نقلتها هنا. والله أعلم.
[ ٥٩٧ ]