الصّعيد [عند مالك] هو: الأرض وما صعد عليها، فيجوز التَّيمُّم على كلّ أرض طاهرة؛ كان عليها تراب أم لا، أو كان حجرًا، أو رملًا، أو زِرنيخًا (١)، أو نُوَرَة (٢)، أو ما سواه، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف، إِلَّا على صخر لا تراب فيه لا يجيزه أبو يوسف.
وقال الشّافعيّ: لا يصح التَّيمُّم إِلَّا على تراب، ولا بد من شيء يمسح به وجهه ويديه.
٥٩ - مسألة:
من كان جنبًا وبه حدث أصغر، فيتيمم وينوي رفع الحدث الأصغر لم يجزه، وسواء كان ناسيًا لجنابته أو ذاكرًا.
وذكر ابن عبد الحكم (٣) عن مالك أنّه إنَّ صلَّى بهذا التَّيمُّم أعاد في الوقت.
_________________
(١) الزِّرنيخ: حجر له ألوان كثيرة: يوناني من ارسنيكون. انظر: معجم لغة الفقهاء: ١٩.
(٢) النُّوَرة: حجر يحرق ويُسوّى منه الكِلْس، ويحلق به الشعر. انظر: لسان العرب: ٥/ ٢٤٤.
(٣) هو: أبو محمَّد عبد الله بن عبد الحكم المصري: الفقيه الحافظ الحجة النظار، من أجلّ تلاميذ مالك، متحقق بمذهبه، وإليه أفضت الرياسة بمصر بعد أشهب، من مؤلفاته: المختصر الكبير، والأوسط، والصغير. توفي: ٢١٤ هـ. انظر: الديباج: ١٣٤، شجرة النور: ١/ ٨٩ - ٩٠.
[ ٩٣ ]
وهذا يدلُّ على أن الإعادة مستحبة، وأن التَّيمُّم مجزِ.
وروى ابن وهب والمدنيون عنه أن التَّيمُّم يجزئ ولا إعادة عليه، وبه قال محمَّد بن مسلمة وأبو حنيفة والشّافعيّ، وأظنهما يخصانه بالنِّسيان دون العمد.
اختلف عن مالك في مسح اليدين في التَّيمُّم: فروى ابن وهب أنّه إلى المرافق، وكذلك ابن عبد الحكم، ويقول: إنَّ تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت.
[وهذا يدلُّ على أن الإعادة على وجه الاستحباب]، والمسح إلى المرافق مستحب.
وقال الشّافعيّ في القديم: يمسح إلى الكوعين.
وقال أبو حنيفة: إلى المرافق [٦/أ]، وهو الجديد للشافعي.
وبمثل قولنا إلى الكوعين قال سعيد بن المسيَّب والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن جرير الطّبريّ.
وقال الزّهريُّ: يمسح إلى الآباط.
وعن علي -﵁ - أنّه يمسح إلى الكوعين.
وقال ابن عمر وجابر -﵃-: يمسح إلى المرفقين.
٦١ - مسألة:
لأبي تمام (١) قال مالك: لا يجوز التَّيمُّم خوفًا من فوت الجنازة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف. وأجازه أبو حنيفة.
_________________
(١) هو: أبو تمام علي بن محمَّد بن أحمد البصري المالكي: من أصحاب الأبهري، كان جيد النظر حسن الكلام، من مؤلفاته: كتاب مختصر في الخلاف يسمى: "نكت الأدلة"، وله كتاب آخر في الخلاف كبير، وفي أصول الفقه. لم أجد سنة وفاته. انظر: الديباج: ١٩٩.
[ ٩٤ ]
من تيمم ثمّ دخل في الصّلاة، فاطلع عليه الماء مضى في صلاته ولم يقطع، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يقطع ويبطل تيممه، وبه قال المزني.
وناقض قوله أبو حنيفة في صلاة العيدين والجنازة، فقال: لا يلزمه ذلك فيهما، ولا فيما إذا توضأ بسؤر الحمار، ثمّ اطلع عليه بالماء وهو عنده مشكوك فيه.
وقال الأوزاعي: يخرج فيتطهّر ويبني، فإن كان صلَّى ركعة أضاف إليها أخرى وجعلها نافلة، ثمّ استأنف الفرض من بعد.
٦٣ - مسألة:
لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد؛ سواء كان من وقت واحد، أو كانت إحداهما فائتة والأخرى في وقتها.
واختلف عنه في الفوائت، والظاهر عنه [من المعمول عليه] أنّه يتمم لكل صلاة، وروي عنه: [أنّه] يكتفى بتيمم واحد، وبه قال أبو ثور.
وبالقول الأوّل قال الشّافعيّ سواء [كانتا لوقتهما، أو فائتتين] (١)، أو إحداهما فائتة والأخرى حاضرة، وبه قال اللَّيث والأوزاعي وأحمد، وهو مذهب علي وابن عبّاس وابن عمر -﵃-، وسعيد بن المسيَّب وعطاء بن أبي رباح] والنخعي والشعبي وربيعة وابن أبي سلمة (٢).
_________________
(١) في الأصل: "كن في وقت واحد". والمثبت من (ط) و(ص): ١/ ١١٢٧.
(٢) هو: أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التميمي مولاهم المدني، والد عبد الملك بن الماجشون - تلميذ مالك -: الإمام الفقيه أحد الأعلام، حدّث عن الزّهريُّ وابن المنكدر، كان فصيحًا كبير الشأن، متابعًا لمذاهب أهل الحرمين، أخرج له الستة. توفي: ١٦٤ هـ ـ. انظر: السير: ٧/ ٣٠٩، التهذيب: ٦/ ٣٠٦.
[ ٩٥ ]
وقال أبو حنيفة: التَّيمُّم كالوضوء بالماء، يصلّي به من الحدث إلى الحدث، وبه قال الحسن والثوري وأبو ثور.
يجوز للمتيمم أن يصلّي بالمتيمم والمتوضئ، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن محمَّد بن الحسن وربيعة: أنّه لا يجوز أن يؤم بالمتوضئ ويؤم بالمتيمم. [قال محمَّد: بلغنا ذلك عن علي -﵁ -].
٦٥ - مسألة:
لا يجوز التَّيمُّم قبل وقت الصّلاة؛ لأنّ من شرطه دخول الوقت، وبه قال الشّافعيّ.
[وقال أبو حنيفة: يجوز التَّيمُّم قبل دخول الوقت.
٦٦ - مسألة:
طلب الماء من شرط صحة التَّيمُّم عندنا وعند الشّافعيّ].
وقال أبو حنيفة وصاحباه: ليس بشرط.
٦٧ - مسألة:
يجوز للحاضر إذا تعذّر عليه الماء، وخاف فوات الوقت أن يتيمم ويصلّي، مثل [أن يبعد منه الماء أو] أن يكون في بئر، بحيث لا يصل إليه إِلَّا بعد طلوع الشّمس، [وإن لم يكن صلَّى الصُّبح، فإنّه يتيمم ويصلّي] ولا يعيد، وبه قال الأوزاعي.
وروي عن مالك أنّه يحصل الماء وإن طلعت الشّمس.
وروي عنه أنّه يصلّي [بالتيمُّم] ويعيد.
وقال أبو حنيفة وداود: لا يصلّي أصلًا، والفرض متعلّق بذمته إلى حال القدرة [على الماء].
[ ٩٦ ]
وقال الشّافعيّ: يتيمم ويصلّي، وإذا وجد الماء أعاد، وهو موافق لأحد الروايات (١) لنا.
ولا تجوز الصّلاة على الجنائز بالتيمُّم في الحضر إذا خاف فوتها مع وجود الماء، وبه قال الشّافعيّ وأحمد.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز.
وقال الشعبى وابن جرير: يصلَّى عليها بلا طهارة؛ لأنّها ليست بصلاة، وإنّما هي دعاء، ولا تفتقر إلى تيمم ولا وضوء، وهي كالصلاة على النبيّ - ﷺ -؛ لأنّها لا ركوع فيها ولا سجود.
٦٩ - مسألة:
وكل من خاف التلف من استعمال الماء، جاز له التَّيمُّم بلا خلاف بين الفقهاء.
وإن خاف زيادة المرض أو تأخير برئه أو حدوث مرض، ولم يخف منه التلف، جاز له عندنا التَّيمُّم، وبه قال أبو حنيفة وداود.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتيمم ويصلّي، وعليه الإعادة إنَّ كان مقيمًا، وإن كان مسافرًا فلا إعادة عليه.
واختلف قول الشّافعيّ: فقال مرّة مثل قولنا، وقال أيضًا: لا يترك الماء إِلَّا عند خوف التلف، وروي عن مالك مثل هذا.
وقال عطاء والحسن: لا يحيى المرض التَّيمُّم أصلًا مع وجود الماء.
٧٠ - مسألة:
[عند مالك - ﵀ -: أن من] (٢) كان معه ماء [٦/ب] لا يكفيه
_________________
(١) في الأصل: "القولين". والمثبت من (ط) و(ص): ٣/ ١١٥١. وهو الموافق للسياق.
(٢) في الأصل: "إذ". والمثبت من (ط): و(ص): ٣/ ١١٨٩.
[ ٩٧ ]
لطهارته من الجنابة، فإنّه يتيمم ويتركه، وكذلك في الوضوء، وبه قال أبو حنيفة، و[الشّافعيّ والمزني وهو] القديم من قول الشّافعيّ.
وقال في الجديد: يستعمله في بعض الأعضاء، ويتيمم للباقي.
إذا كان أكثر بدنه جريحًا، لا يقدر على استعمال الماء عليه، ولم يبق له إِلَّا يد أو رجل سقط عنه استعمال الماء [ويتيمم]، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يغسل ما صح ويتيمم.
٧٢ - مسألة:
ومن به قروح أو كسر، قد ألصق عليه خرقًا ويخاف نزعها، جاز له المسح عليها، وله شدها على غير وضوء.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز له المسح، إِلَّا على طهارة كالمسح على الخفَّين، وإن مسح وهو على طهارة ثمّ برأ من مرضه، ففي الإعادة قولان.
٧٣ - مسألة:
ومن نسي الماء في رحله، وتيمم وصلَّى أعاد في الوقت، وروي عن [مالك] أن لا إعادة، وإن أعاد فحسن.
وروى المدنيون عنه أنّه يعيد أبدًا، وبه قال الشّافعيّ في الجديد، وبه قال أبو يوسف.
وبالأول قال أبو حنيفة ومحمد والشّافعيّ في القديم.
٧٤ - مسألة:
اختلف كبار أصحاب مالك في المشدود كتافًا، والهدم، والمصلوب تحضرهم الصّلاة، فقال ابن القاسم: عليهم الإعادة.
وهذا يدلُّ على أنّهم يصلون إيماءً في الوقت، ويعيدون إذا قدروا؛
[ ٩٨ ]
لأنّه لم يقل يقضون، وإنّما قال يعيدون، وإنّما يعيد من قد صلّى، وظاهره أنّهم يعيدون واجبًا.
وقال أشهب: لا إعادة عليهم.
وظاهر هذا أنّهم يصلون في الوقت واجبًا، ويحتمل أن يصلوا استحبابًا.
وقال القاضي أبو الحسن: إن كانوا على طهارة قادرين على الصّلاة إيماءً، وجب عليهم أن يصلوا على حسب قدرتهم، كالمريض والمسايف، وإن لم يقدروا على استعمال الماء ولا التَّيمُّم لم يصلوا، ولا إعادة عليهم.
وقال أبو حنيفة: لا يصلون ولا إعادة عليهم، وهو اختياري.
واختلف قول الشّافعيّ في أمرهم بالصلاة في الوقت واجبًا أو ندبًا، ولم يختلف قوله أن عليهم الإعادة.
وقال المزني: يصلون واجبًا ولا إعادة عليهم.
[ ٩٩ ]