لا يقتل مسلم بكافر على وجه القصاص؛ ذميًا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا، وبه قال من الصّحابة: عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت -﵃-، ولا مخالف لهم من الصّحابة، وقال به [جماعة من التابعين منهم]: عطاء وعكرمة والحسن، [ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي والشّافعيّ والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل المسلم بالذمي دون غيره، وبه قال النخعي والشعبي، وحكم المعاهد والمستأمن عنده حكم أهل الحرب.
٩٦٥ - مسألة:
لا يقتل حر بعبد؛ عبد نفسه أو عبد غيره، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعلي -﵃-.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل بعبد غيره دون عبد نفسه، ووافقنا على ألَّا قصاص بينهما في الأطراف.
وقال النخعي: يقتل بعبد نفسه وعبد غيره.
وحكي أنّه قال: بينهما قصاص الأطراف. وما أظنه صحيحًا.
[ ٤٢٦ ]
إذا قتل حر عبدًا عمدًا أو خطأً، فعليه قيمته بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا؛ لأنّه سلعة من السلع، وبه قال الثّوريّ والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يبلغ به دية الحر، ولا بد أن ينقص منها عشرة دراهم.
وحكى أصحابنا عنهم أنّه ينقص في الأمة خمسة دراهم.
وهو خطأ، والأمة والعبد سواء، وهو عند أبي حنيفة في الخطأ، وأمّا العمد فيقتل الحر عبده بالعبد.
وبقولنا قال [الشّعبيّ و] النخعي وأبو يوسف.
٩٦٧ - مسألة:
يقتل الوالد بولده، إذا [٥٧/ب] تعمد قتله، ومثله حكي عن داود.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ والشعبي وأشهب: لا يقتل به مطلقًا، وبه قال عطاء ومجاهد وأحمد وإسحاق.
٩٦٨ - مسألة:
الرَّجل يقتل بالمرأة والمرأة به، إذا كانا مسلمين حرين، أو عبدين مسلمين، ويقتص كذلك بكل واحد من صاحبه في الأطراف، ولم يختلف قول مالك فيه.
فأمّا إن كان يقتص لأحدهما من الآخر، ولا يقتص الآخر منه في النفس، فقال مالك: لا يقتص منه في الأطراف، وإن كان يقتص في النفس، كالعبد يقتل الحر، والكافر يقتل المسلم، فلأولياء المقتول الحر أن يقتلوا العبد والكافر، ولو قطع العبد والكافر يد الحر المسلم، لم يكن له أن يقتص منهم في الأطراف.
وروي عنه: أنّه يقتص. وهو القياس، وبهذا قال الشّافعيّ.
[ ٤٢٧ ]
وقال أبو حنيفة: لا قصاص بينهما في الأطراف، وإن وقع بينهما في النفس، إِلَّا أن يتساويا في الدية المقدرة، فيقتل الرَّجل بالمرأة والمرأة به، ولا يؤخذ طرف الرَّجل بالمرأة، ولا طرف المرأة بالرجل؛ لأنّ ديتهما مختلفة في النفس، وكذا عندهم يقتل الحر بالعبد، ولا يؤخذ طرفه بطرفه، ويقتل العبد بالعبد، ولا يؤخذ طرفه بطرفه؛ لاختلاف قيمتهما، وإن جاز أن يتساويا فالتساوي بطريق الاجتهاد، لا بطريق اليقين.
تقتل الجماعة بالواحد، كالواحد لو انفرد، وبه قال [من الصّحابة]: عمر وعلي وابن عبّاس والمغيرة بن شعبة -﵃-، و[من التابعين]: سعيد بن المسيَّب وعطاء والحسن، [ومن الفقهاء: مالك] والشّافعيّ وأبو حنيفة والثوري وإسحاق وأحمد.
وقال ابن الزبير ومعاذ -﵃-: إن لولي المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة، من شاء منهم ويأخذ (١) الدية من الباقين، مثل: أن يقتل عشرة واحدًا، فيقتل منهم واحدًا، ويأخذ تسعة أعشار الدية من الباقين، وبه قال الزّهريُّ وابن سيرين.
وقال داود: لا قود على واحد منهم، وعليهم الدية.
وهو خلاف ما اجتمعت عليه الصّحابة.
٩٧٠ - مسألة:
يقطع الجماعة إذا اشتركوا في قطع طرف رجل دفعة واحدة، كما لو قتلوه، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال الزّهريُّ والثوري وأبو حنيفة: لا تقطع الأطراف بطرف.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "في".
[ ٤٢٨ ]
يقاد من المثقل كما يقاد من المحدد، ولا فرق بين أن يكون بحديد، أو حجر، أو عصا، أو يغرقه في الماء، أو يحرقه، أو يخنقه، أو يمنعه الطّعام والشراب حتّى يموت، أو يضغطه، أو يهدم عليه شيئًا، أو يبني عليه بيتًا لا يمكنه الخروج منه، وإن قتله بآلة قتل بمثلها، وبه قال الشّافعيّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في هذه الأشياء، إِلَّا في المحدد والنار، وكذلك المحدد من الخشب والحجر والليطة (١)، فأمّا لو غرقه أو قتله بحجر البرز أو بمِدَقَّة الجَصَّ، فلا قود، وبه قال الشّعبيّ (٢) والحسن والنخعي، وقالوا: لا قود إِلَّا بحديدة.
٩٧٢ - مسألة:
يُقتل المُكرِه والمُكرَه على القتل ظلمًا، وبه قال الشّافعيّ في المكرِه، واختلف قوله في المكرَه.
وقال زفر: مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة: يقتل الآمر دون المأمور، وهو قول محمَّد.
وقال أبو يوسف: لا قصاص على واحد منهما.
٩٧٣ - مسألة:
إذا أمسك رجل رجلًا لإنسان، فقتله ظلمًا والممسك عالم بذلك، قتلا جميعًا، وبه قال النخعي، وزاد فقال: يقتل الممسك؛ علم أو لم يعلم.
وقال أبو حنيفة [٥٨/أ] والشّافعيّ وأبو ثور وغيرهم: يقتل القاتل دون غيره، ويعزر الممسك إن كان عالمًا.
_________________
(١) اللِّيطة: قشر القصب والقناة، وكل شيء كانت له صلابة ومتانة، تستعمل للذكاة، والجمع: لِيط. انظر: لسان العرب: ٧/ ٣٩٦.
(٢) في الأصل: "الشافعي". وقد مرّ ذكره مع أصحاب القول الأوّل، وهو موافق لـ (ط).
[ ٤٢٩ ]
الواجب في قتل العمد القود حسب، ولا تجب الدية إِلَّا برضى القاتل، هذا الأظهر ممّا روي عن مالك.
وروي عنه: أن الولي بالخيار في القصاص أو الدية، وإن كره القاتل.
وبالأول قال أبو حنيفة.
وبالثّاني قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وسعيد بن المسيَّب والحسن وعطاء.
٩٧٥ - مسألة:
اختلف عن مالك في النِّساء، هل لهن مدخل في القود والعفو؟
فقال: ذلك للذكور دون النِّساء.
وروي عنه: أن الإناث والذكور فيه سواء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وبالأول قال الزّهريُّ.
فعلى القول بأن القود متعين ولا خيار لهم في الدية، إذا عفا الذكور سقط القود، ولم يجب شيء، وعلى القول بأن لهم الخيار، وإن اختاروا الدية وصالحوا عليها، دخل النِّساء فيها.
٩٧٦ - مسألة:
إذا كان القود لصغار وكبار فللكبار أن يستبدوا، ولا يلزم انتظار بلوغ الأصاغر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: ليس للكبار ذلك شيء حتّى يبلغ الأصاغر.
وقيل: رجع محمَّد إلى قولى أبي حنيفة.
[ ٤٣٠ ]
يقتل الواحد بالجماعة، كما تقتل الجماعة بالواحد، وإذا قتل لم يبق لواحد بعد ذلك حق في دية ولا غيرها، وبه قال أبو حنيفة، ولو مات القاتل سقطت حقوقهم كلهم.
وقال الشّافعيّ: يثبت لولي كلّ مقتول القود على الانفراد، فإن تمكن من القود، فقد استوفى حقه، وإن لم يتمكن منه كانت دية مقبولة في ماله.
وقال البتي: يقتل بالجماعة، ويكون لكل واحد منهم تسعة أعشار الدية عن مقتوله، إن كان قتل عشرة، وجبت في ماله تسعة ديات، نكل واحد تسعة أعشار ديته، ويسقط من كلّ دية عشرها في مقابلة عشر القود.
٩٧٨ - مسألة:
وإذا قطع يد إنسان، وقتل آخر، فاختار ولي المقتول القتل، قتل القاتل ولم يقطع، وكذلك لو كان قطع يد المقتول ثمّ قتله، إِلَّا أن يكون أراد المثلة (١) بالمقتول، فإنّه يقطع ثمّ يقتل، و[به] قال أبو حنيفة
و[قال] الشّافعيّ: يقطع لمن قطع يده، ثمّ يقتل بالنفس.
٩٧٩ - مسألة:
إذا سرى القصاص في الجاني إلى نفسه فمات، لم يلزم المجني عليه ضمان؛ مثل: أن يقطع يد الإنسان ظلمًا، فيقتص منه مثل ما فعل فيموت الجاني، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: على المجني عليه دية النفس؛ لأنّ باقتصاصه سرى، فكأنّه أخذ فوق حقه.
٩٨٠ - مسألة:
إذا اشترك عامد وخاطئ، أو عامد وصبي ومجنون في قتل عمد، قتل
_________________
(١) في الأصل: "القتلة". والمثت من (ط).
[ ٤٣١ ]
العامد منهما، وكذلك حر وعبد قتلا عبدًا، قتل العبد، وكذا مسلم وكافر قتلا كافرًا عمدًا، قتل الكافر.
وقال النخعي والحسن وأبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقتل العامد منهما.
واختلف أبو حنيفة والشّافعيّ في شريك الأب، [فقال الشّافعيّ: يقتل] (١).
وقال أبو حنيفة: لا يقتل.
٩٨١ - مسألة:
إذا قطع كف غيره من الكوع عمدًا، ثمّ قطع آخر باقي اليد من المرفق، ثمّ مات المقطوع، قال أبو حنيفة: يقتل الثّاني، ويقطع كف الأوّل.
وقال الشّافعيّ: يقتلان جميعًا.
وهذا عندي ينبغي أن يفصل:
- فإن عاش بعد القطع الأوّل، وأكل وشرب ولم يندمل حتّى جاء الآخر، فقطعه من المرفق فمات في الحال، فالثّاني هو القاتل [٥٨/ب] وحده فيقتل.
- وإن كان عاش بعد الثّاني وأكل وشرب أيامًا، ثمّ مات فللأولياء أن يقسموا على أيهما شاءوا أنّه مات من قطعه فيقتلونه؛ لأنّه لا يقتل بالقسامة [عندنا] أكثر من واحد.
وقال أشهب: يقسمون على الجميع أنّه مات من قطعهما، ويختارون واحدًا يقتلونه.
- وإن كان حين قطع الأوّل قطع الثّاني ومات في الحال، فهمًا جميعًا قاتلان.
_________________
(١) في الأصل: "فقتله الشّافعيّ". والمثبت من (ط).
[ ٤٣٢ ]
وإن كان خلاف أبي حنيفة والشّافعيّ فيها على هذا الوجه، وقولنا وقول الشّافعيّ سواء، والكلام واحد.
إذا طرحه في النّار عمدًا حتّى مات، طرح في النّار حتّى يموت.
وكره ذلك عبد الملك.
وبمثل قولنا قال الشّافعيّ.
وكذا يقتص من القاتل بكل آلة قتل بها، وإن رمى به من شاهق قتل كذلك، إِلَّا أن يشاء أولياء المقتول قتله بالسيف فذلك لهم.
وقال أبو حنيفة وابن الماجشون: إذا قتله بالنار قتل بالسيف.
٩٨٣ - مسألة:
إذا عدى إنسان على غيره بقطع يده من الكوع، وكانت صحيحة فيها خمس أصابع، ويد القاطع ناقصة أصابع، فإن أراد المقطوع أن يقتص من القاطع، قطع يده الناقصة ولا شيء له غيره، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يقتص ويأخذ دية أصبع؛ لأنّها معدومة في يد المقطوع، لا يمكن القصاص منها.
٩٨٤ - مسألة:
لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وهو قول أهل العلم كافة.
وحكي عن قوم: أنّه تؤخذ الصحيحة بالشلاء، كما تؤخذ الأذن الصحيحة باليابسة والمستحشفة، وينبغي أن يكون مذهب داود هكذا، إن صح عنه أن في اليد الشلاء دية الصحيحة. وهو خطأ.
[ ٤٣٣ ]
في اليد الشلاء حكومة (١)، وبه قال أهل العلم كافة.
وحكي عن داود: أن فيها دية الصحيحة.
٩٨٦ - مسألة:
إذا قطع أصبعه فتآكلت فذهب كفه، اقتص [من] أصبع الجاني وترك، فإن ذهب كله أو أكثر بذلك [لم يكن له غير ذلك]، وإن اندملت أصبعه فعليه دية ما بقي من الكف، وكذا لو قطع له أصبعًا فسرى إلى أصبع قطع أصبعه، فإن سرى إلى الآخر، وإلا كان عليه دية أصبع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في الأصبع، وإنّما عليه ديتها مع ما ذهب.
٩٨٧ - مسألة:
لا يقتص من الجارح حتّى يندمل المجروح، ويثبت أمره على ما ينتهي إليه؛ لئلا ينتهي إلى النفس، فيحصل القود بالجرح دون النفس، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الخيار للمجني عليه، فإن أراد القود في الحال والدم سائل فله ذلك.
والأولى عند الشّافعيّ التأخير حتّى يندمل، فإن اندمل أخذ القود في الجرح، وإن سرى إلى النفس أخذ القود في الجرح والنفس جميعًا.
٩٨٨ - مسألة:
في كلّ سن خمس من الإبل، وبه قال أهل العلم. وحكي عن معاوية -﵁ - أنّه فاضل بينها.
_________________
(١) الحكومة: ما نقص من قيمة المجني عليه لو كان عبدًا. انظر: بداية المجتهد: ٢/ ٤٢٠.
[ ٤٣٤ ]
كسر الضلع والتَّرقوة (١) فيه حكومة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والقول الآخر: يقيد.
وروي عن عمر -﵁ - أنّه حكم فيه ببعير.
٩٩٠ - مسألة:
يجوز التوكيل في القصاص، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
٩٩١ - مسألة:
لا يقتص اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وبه قال أهل العلم.
وقال ابن شبرمة: تقطع اليسرى باليمنى، ولا تقطع اليمنى باليسرى.
٩٩٢ - مسألة:
يجوز أن تبلغ الحكومة أكثر من أرش المُوَضِّحَة (٢).
وقال الشّافعيّ: لا يجوز.
٩٩٣ - مسألة:
في شعر اللحية إذا لم تنبت حكومة، وكذا شعر الرّأس والحاجبين وأهداب العينين، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: في [٥٩/أ] كلّ واحد من هذه الأشياء دية كاملة.
ووافقنا في شعر الصدر وسائر البدن.
_________________
(١) التَّرقوة بالفتح: عظم وصل بين ثغرة النَّحر والعاتق من الجانبين، جمعها التَّراقي. انظر: لسان العرب: ١٠/ ٣٢.
(٢) المُوَضِّحَة: الشّجّة الّتي تبلغ العظم فتُوضِحُ عنه، أو تقشِّر الجلدة الّتي بين اللّحم والعظم، حتّى يبدو وَضَح العظم. انظر: لسان العرب: ٢/ ٦٣٥.
[ ٤٣٥ ]
إذا وجب القصاص في شيء من الجراح، ولم يوجد من يقتص إِلَّا بأجرة، فهي على المقتص له.
و(١) قال أبو حنيفة و(٢) الشّافعيّ: هي على المقتص منه.
٩٩٥ - مسألة:
إذا قطع ولي الدِّم في النفس يد القاتل، ثمّ عفا عنه في القتل، فإن كان قطع يده عمدًا فعليه القود، وإن [كان] خطأ فدية اليد على عاقلته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا شيء عليه، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
٩٩٦ - مسألة:
إذا حذف الأب ابنه بالسيف فقتله، وقال: أردت تأديبه، فعليه الدية مغلظة؛ ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن في قتل الأب ابنه في كلّ حال.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: هي أرباع ليس فيها حوامل.
٩٩٧ - مسألة:
قال أبو حنيفة: دية العمد تجب في مال العامد مؤجلة؛ ثلاث سنين.
وليس على أصله دية حالة أصلًا، وإنّما يتصور الخلاف بيننا وبينه في قتل الأب ابنه إذا وجبت الدية، فأمّا في قتل الأجنبي عمدًا، فالواجب فيها القود عندنا وعنده.
ونخالفه في الرِّواية الأخرى الّتي يوافق فيها الشّافعيّ.
وقولنا وقول الشّافعيّ: إن دية العمد تكون في مال الجاني حالة.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "به".
(٢) في الأصل بزيادة: "قال".
[ ٤٣٦ ]
إذا كان القتل خطأ، فالدية فيه أخماس مخففة في كلّ موضع، وكل ذي رحم أو غيره؛ سواء كان في الحرم أو الأشهر الحرم، وبه قال الشّعبيّ والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وقد روي عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيَّب وأبي بكر ابن عبد الرّحمن (١) وخارجة بن زيد (٢) وسليمان بن يسار: أن الدية في الحرم والحل سواء.
وقال الشّافعيّ: هي مغلظة أثلاثًا في ذوي الأرحام وفي الحرم والأشهر الحرم؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، تحملها العاقلة.
وحكي أنّه قول سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس والزّهريُّ.
٩٩٩ - مسألة:
لا اختلاف بين أهل العلم، أن دية الخطأ مائة من الإبل.
واختلف في الأسنان، فذهب مالك والشّافعيّ: إلى أنّها أخماس؛ عشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو قول ابن مسعود -﵁ -، وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث.
_________________
(١) هو: أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث القرشي المخزومي المدني: من سادات التابعين وفضلائهم سمي براهب قريش، سابع فقهاء المدينة، حدث عن أبيه وعمار بن ياسر وعائشة ﵃ وغيرهم، كان ثقة ثبتًا، أخرج له الستة. توفي: ٩٤ هـ. انظر: السير: ٤/ ٤١٦، التهذيب: ١٢/ ٢٨.
(٢) هو: أبو زيد خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني؛ التابعي الجليل، الإمام ابن الإمام، أحد فقهاء المدينة السبعة، أدرك عثمان ﵁ وروى عن أبيه وعمه يزيد وأسامة بن زيد ﵃ وغيرهم، كان ثقة ثبتًا، أخرج له الستة. توفي: ٩٩ هـ. انظر: السير: ٤/ ٤٣٧، التهذيب: ٣/ ٦٥.
[ ٤٣٧ ]
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والنخعي، إِلَّا أنّهم جعلوا مكان بني لبون بني مخاض، فخالفونا في هذا السن خاصّة.
وقال آخرون: إنها أرباع؛ بنات مخاض، وبنات لبون، وحقاق، وجذاع، وذهب إليه علي ﵁، والشعبي والحسن.
وذهب زيد بن ثابت -﵁ -: إلى أنّها أرباع؛ عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.
إذا وجب عليه القصاص في الحل ولجأ إلى الحرم، اقتص منه فيه في النفس والطرف، وكذلك جميع الحدود؛ رجما أو جلدًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن قتل في الحرم قتل فيه، وإن قتل في الحل ولجأ إلى الحرم لم يخرج منه، لكن يهجر ولا يبايع ولا يشارى ولا يؤتى إليه، حتّى يضطر فيخرج فيقتل حينئذ.
ووافقنا في الطرف.
فأمّا إذا وجب عليه حد [٥٩/ب] فلجأ إلى الحرم، قال: إن كان جلدًا أقيم عليه، وإن كان رجمًا لم يرجم فيه.
١٠٠١ - مسألة:
الّذي يجب من الدية على أهل الإبل إبل، وعلى أهل الورق ورق، والذهب ذهب، ولا مدخل فيها لشيء غير هذه الأموال الثّلاثة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وذهب أبو يوسف والثوري ومحمد وأحمد: إلى أن على أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الغنم ألفا شاة، وعلى أهل الحلل مائة حلة يمانية.
١٠٠٢ - مسألة:
لا يجوز العدول عن الإبل في الدية مع وجودها على أهل الإبل، إِلَّا أن يصطلح الولي والعاقلة على ذلك، وبه قال الشّافعيّ.
[ ٤٣٨ ]
وجوّزه أبو حنيفة، وأن يؤخذ الذهب والفضة من أهل الإبل مع وجودها.
في موضحة الأنف واللحى الأسفل ومنقلتها الاجتهاد.
وقال الشّافعيّ: هما في سائر الوجه والأنف في كلّ موضع منه، ولا يكون في ذلك حكومة.
١٠٠٤ - مسألة:
الهاشمة هي الّتي توضح اللّحم عن العظم وتكسره، ولم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - فيها شيء مقدر، كما ثبت في المُوَضِّحَة والمُنَقِّلَة (١) والمأمومة (٢)، ولم يذكر مالك فيها دية أعرفها.
والذي يلوح (٣) لي من مذهبه: أن فيها أرش الموضحة وحكومة، وإن كان شيخنا أبو بكر يناظر على أن فيها ما في المنقلة، ويقول: إذا كسرت العظم بعد أن أوضحته، حصل فيها ما في المنقلة والخوف في كسر العظم، وإنّما يخرج العظم عند العلّاج بعد كسره، وخوف المنقلة قد حصل.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: فيها عشر من الإبل.
١٠٠٥ - مسألة:
اختلف عن مالك - ﵀ - في أشراف الأُذُنَين، فقال: فيهما حكومة.
وروي عنه فيهما: الدية.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: فيهما الدية.
_________________
(١) المُنَقِّلَة: الشّجّة الّتي تنقل العظم عن موضعه. انظر: لسان العرب: ٩/ ٣٥.
(٢) المأمومة: الشّجّة الّتي تبلغ أم الرّأس. انظر: لسان العرب: ١٢/ ٣٣.
(٣) في الأصل: "يولج". والمثبت من (ط).
[ ٤٣٩ ]
إذا أوضحه فذهب منها عقله، فعليه خمس من الإبل للموضحة، والدية كاملة للعقل.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه: إذا ذهب من الجناية العقل، فعليه أكثر الأمرين؛ من الجناية أو الدية؛ مثل: أن يقطع يده وبعض الذراع، ويدخل في ذلك دية العقل، وإن كانت الجناية مع الحكومة أقل، أخذ الدية ودخلت فيه الجناية.
وقال في الآخر وهو الأصح: مثل قولنا.
١٠٠٧ - مسألة:
قال الشّافعيّ: في جفون العينين الدية، وفي كلّ واحد من الأربعة ربع الدية؛ لأنّه من تمام الخلقة ويألم بقطعه.
وعندنا فيها حكومة، وكذلك في كلّ جفن منها.
١٠٠٨ - مسألة:
إذا قطعت اليد من المنكب ففيها نصف الدية، فإن كان اليدين ففيهما الدية، وكذلك إذا قطعتا من الكوع.
وقال الشّافعيّ: إذا قطعتا من الكوع فالدية، وإن كان من الساعد فالدية وحكومة، ومن المرفقين دية وحكومة أكثر من حكومة الساعدين، ومن المنكب دية وحكومة أكثر من حكومة الساعدين والمرفقين.
١٠٠٩ - مسألة:
في عين الأعور الدية كاملة، وهو قول الزّهريُّ والليث وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: نصف الدية، وهو قول الثّوريّ والنخعي.
[ ٤٤٠ ]
تعاقل الرَّجل المرأة في جراحتها إلى ثلث الدية، ثمّ يرجع إلى النّصف إذا بلغت الثلث، ففي مأمومتها نصف الدية الّتي في مأمومة الرَّجل، وهو قول الشّافعيّ في القديم، وللناس فيه اختلاف، وبهذا قال عمر ﵁، وسعيد بن المسيَّب والزهري وربيعة وأحمد.
وذهب قوم: إلى أن جراحتها على النّصف من المقدر في جراحة الرَّجل، القليل والكثير؛ فموضحتها [٦٠/أ] على النّصف من موضحته، وكذا سنها وأصبعها ومأمومتها وجائفتها (١) ويدها، وجميع ما فيها من مقدار على اعتبار ديتها، منهم: الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه والشّافعيّ في الجديد، وروي عن علي بن أبي طالب -﵁ -.
وذهب قوم: إلى أن جراحها مثل جراح الرَّجل، إلى أن تزيد على الموضحة، وهي نصف عشر الدية، وسنها كسنه وأنملتها مثله، فإذا زاد على الموضحة، رجعت إلى النّصف من ديته، ذهب إليه: ابن مسعود - ﵁ -، وشريح.
وذهبت طائفة: إلى أن جراحها كجراح الرَّجل إلى المنقلة، وفيها خمس عشرة من الإبل، وهي في الزيادة على النّصف من الرَّجل، ذهب إليه: زيد بن ثابت -﵁ -، وسليمان بن يسار.
وذهب الحسن البصري: إلى أنّها تعاقل الرَّجل إلى نصف الدية؛ ففي أربع أصابع منها أربعون من الإبل، وفي خمس أصابع عشرون.
ففيها خمسة مذاهب.
١٠١١ - مسألة:
سالت الشّيخ عن الموالي من أسفل، هل يعقلون؛ فقال: لا أعرفه عن مالك، لكن يشبه أن يحملوا؛ لأنّ بهم مدخلًا في ولاية النِّكاح، فأشبهوا
_________________
(١) الجائفة: الطعنة الّتي تبلغ الجوف. انظر: المطلع: ٣٦٧.
[ ٤٤١ ]
العصبات، ولأن المولى المنعم يحمل عن المنعم عليه، وهذا يفسد بالنساء والصبيان والمجنون.
وللشافعي قولان.
إذا قطع نصف اللسان، فذهب ربع الكلام ففيه الدية، وبه قال أبو ثور.
وقال الشّافعيّ: عليه أغلظ الأمرين.
١٠١٣ - مسألة:
إذا كان بعض العصبة غائبًا وبعضهم حاضرًا، سألت الشّيخ عنها، فقال لي: لا أحفظها، وهو محتمل.
وللشافعي قولان: أحدهما: إنّه على من حضر العقل، ولا شيء على الغائب، والثّاني: يقسم عليهم جميعًا ويكتب إلى الغائب، وإن كان الجميع غُيَّبا (١) كتب إليهم.
١٠١٤ - مسألة:
في قطع الذكر والأنثيين ديتان، وفي كلّ واحد منهما الدية؛ قطعًا في ضربة أو أحدهما بعد الآخر، وإن تفاوت ما بينهما.
وذكر أبو بكر الأبهري: أنّه إن قطع أحدهما قبل الآخر؛ ففي الأوّل الدية، وفي الثّاني حكومة، وحكاه عن مالك.
قال القاضي: ولست أعرف موضعه من قول مالك؛ سواء كان الأوّل الذكر أو الأنثيين.
فأمّا إن قطعًا في ضربة فديتان بالإجماع، وبه قال الشّافعيّ في قطع أحدهما قبل الآخر؛ كلّ واحد منهما الدية، كما حكيناه عن مالك.
_________________
(١) يقال: الغُيَّب والغَيَبُ - بالتحريك -: جمع غائبٍ. انظر: لسان العرب: ١/ ٦٥٥.
[ ٤٤٢ ]
وقال أبو حنيفة: إن قطع الذكر قبل ففيهما ديتان، وإن قطع الأنثيين قبل ففيهما الدية، وفي الذكر حكومة.
" دِيَّة اليَهُودي والنَّصرانِي عَلَى النِّصفِ مِن دِيّة المسلِم"، رواه مالك عن النّبيّ - ﷺ - (١)، وإليه ذهب: عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز.
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة: دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن مثل دية المسلم، وهو قول الزّهريُّ، وروي عن ابن مسعود ومعاوية - ﵄ -.
وقال الشّافعيّ: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ورواه عن عمر وعثمان -﵄-، وابن المسيَّب وعطاء.
وقال أحمد: إن قتله خطأ فنصف دية المسلم، وإن كان عمدًا فدية مسلم.
١٠١٦ - مسألة:
دية المجوسي ثمانمائة درهم، وفي الأنثى نصف ذلك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هم مثل أهل الكتاب، فيهم دية كاملة.
وقال عمر بن عبد العزيز: فيه نصف دية المسلم، كالكتابي كقوله فيه.
١٠١٧ - مسألة:
في جراح العبد ما نقص من قيمته، إِلَّا في أربعة مواضع؛ موضحته ومنقلته ومأمومته وجائفته، ففيها المقدر من قيمته [٦٠/ب]، كالمقدر من دية
_________________
(١) المذكور في الموطَّأ أنّه من قول عمر بن عبد العزيز. انظر: الموطَّأ (٢٥٢٢)، وقد أسنده ابن عبد البرّ إلى النّبيّ - ﷺ - من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. انظر التمهيد: ١٩/ ٢١٨.
[ ٤٤٣ ]
الحر؛ فموضحته نصف عشر قيمته، ومنقلته عشر ونصف عشر [قيمته]، ومأمومته ثلث قيمته، وكذا جائفته.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: كلّ مقدر في الحر من جراحه اعتبر من ديته، فيعتبر في العبد من قيمته، فزادوا علينا: جميع جراحه وأطرافه، مثل: عينه ويديه ورجليه ولسانه وذكره وشفيته، وكل ما يقدر في الحر صغيرًا أو كبيرًا، قالوا: هو مقدر من قيمته؛ ففي يده نصف قيمته، وفي يديه قيمته، وروي عن عمر وعلي -﵄- وسعيد بن المسيَّب.
ومن النَّاس من قال: يجب في جميع جراحه ما نقص.
من اطلع على رجل في بيته، ففقأ عينه بحصاة أو عود أو غيره عمدًا فعليه القود، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا شيء فيه.
١٠١٩ - مسألة:
لا تحمل العاقلة قيمة العبد إذا قتل خطأ، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة: تحملها، وهو الثّاني للشافعي.
١٠٢٠ - مسألة:
إذا جنت أم الولد ثانية وثالثة وفداها السَّيِّد، فعليه أن يفديها بالأقل على ما تقدّم ذكره، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال في الآخر: لا يلزمه من جناياتها كلها، إِلَّا أرش واحد.
وقال المزني مثلنا.
١٠٢١ - مسألة:
[و] إذا جنت فعلى سيدها الأقل من قيمتها، إن كانت أمة يجوز بيعها أو الأرش، وبه قال الفقهاء.
[ ٤٤٤ ]
إِلَّا أبا ثور، وبعض أهل الظّاهر وأصحاب داود قالوا: يتعلّق الأرش برقبتها، إِلَّا أنّها لا تباع فيه، ويؤخذ من ذمتها إذا عتقت، هذا قول أبي ثور.
إذا اصطدم فرسان فماتا، فعلى عاقلة كلّ واحد دية الآخر، فإن مات الفرسان، فقيمة كلّ فرس منهما في مال الآخر، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق.
وقال الشّافعيّ وزفر: على عاقلة كلّ واحد نصف دية الآخر، وفي مال كلّ واحد نصف قيمة الفرس.
وحكى أبو بكر عن بعض أصحاب مالك مثل [قول] (١) الشّافعيّ.
وقال القاضي: رأيته لأشهب.
١٠٢٣ - مسألة:
إذا اصطدم سفينتان من غلبة الريح، فلا ضمان لأحدهما على الآخر، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال في الآخر: هما مثل الفارسين.
١٠٢٤ - مسألة:
الأب والابن يحملان العقل مع العاقلة في الخطأ وهما من العاقلة [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ليسا من العاقلة، ولا يحملان شيئًا.
١٠٢٥ - مسألة:
اختلف عن مالك في الجاني، هل يحمل مع العاقلة؟
_________________
(١) في الأصل: "قولنا وقال": والمثبت من (ط).
[ ٤٤٥ ]
والظاهر كونه كواحد منهم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحمل.
والعاقلة الّتي تحمل الدية، هم: عصبة القاتل، فإن كان القاتل من أهل ديوان مع غير قومه، حملوا عنه دون قومه، وحمل عنهم مثل قومه، سواء كانوا أهل ديوان أم لا، فإن اضطر أهل ديوان إلى معونة قومه، أعانوهم إذا قل أهل الديوان أو انقطع.
وقال أشهب: إنّما يعقل أهل الديوان، إذا كان العطاء قائمًا، فأمّا إذا انقطع حمل عنه قومه؛ كانوا معه في الديوان أم لا.
وبمثل قولنا قال أبو حنيفة في أهل الديوان.
وقال الشّافعيّ: لا يحمل عنه إِلَّا عاقلته؛ كانوا أهل ديوان أم لا.
١٠٢٧ - مسألة:
تنجم دية الخطأ على ثلاث سنين، وبه قال جماعة الفقهاء.
وقال ربيعة بن عبد الرّحمن: خمس سنين؛ لأنّها خمسة أجناس، ففي كلّ سنة سنًا.
وقال قوم: تجب على العاقلة حالة.
١٠٢٨ - مسألة:
لست أعرف نصًا، هل تجب الدية من يوم القتل، أو من يوم الحكم؟
والذي يتبين لي: أنّه من يوم الحكم؛ لأنّه يحتاج إلى تمييز العاقلة [٦١/أ]، ومعرفة من تجب عليه في مقدار أحوالهم، وهم غير معينين، وإنّما يتعينون بالحكم، فيكون الأجل من يوم الحكم.
وعليه يدلُّ قول عبد الملك، وكذلك رأيتها في المبسوط، أنّها ليست على العاقلة كالدين، وإنّما تثبت عليهم بالحكم، وبه قال أبو حنيفة.
[ ٤٤٦ ]
وقال الشّافعيّ: من يوم الموت.
يجعل من الدية على العاقلة؛ على الموسر بقدره، والمعسر بقدره، والمقتر بقدره، ورب مقتر لا يجعل عليه شيء لإقتاره.
وقال أبو حنيفة: يدخل الفقير على التحمل.
وقال الشّافعيّ: ليس على الفقير منها شيء أصلًا.
١٠٣٠ - مسألة:
ليس لما يحمله كلى واحد من العاقلة حد، وهو على الاجتهاد في الموسر والمقل والمتوسط.
وقال أبو حنيفة: الغني والمقل والمتوسط سواء، على كلّ واحد منهم ثلاثة دراهم أو أربعة.
وقال الشّافعيّ: على الغني نصف دينار، والمتوسط ربع دينار، وليس على الفقير شيء.
واختلف أصحاب الشّافعيّ، هل النّصف دينار والربع في كلّ سنة، أو في ثلاث سنين؟
١٠٣١ - مسألة:
تحمل العاقلة ثلث الدية فصاعدًا، وما نقص عنه ففي مال الجاني، وبه قال سعيد بن المسيَّب وعطاء والشّافعيّ في القديم وأحمد.
وحكي عن الشّافعيّ أيضًا في القديم: أنّها لا تحمل إِلَّا الدية كاملة،
ولا تحمل ما دونها. وقال في الجديد: تحمل القليل والكثير.
وقال الزّهريُّ: تحمل العاقلة ما زاد على الثلث، وأمّا الثلث فما دون، ففي مال الجاني.
[ ٤٤٧ ]
وقال أبو حنيفة: تحمل نصف عشر الدية، وهي الموضحة والسن، وهو خمس من الإبل، وما دون ذلك فمن مال الجاني.
١٠٣٢ - مسألة:
لا تعقل العاقلة من أصاب نفسه خطأ، وبه قال ربيعة والثوري وأبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الأوزاعي وأحمد: إذا أصاب نفسه خطأ، فأرش جنايته على عاقلته، فإن عاش غرموها له، وإن مات فلورثته.
واحتجوا بما روي أن رجلًا كان يسوق حمارًا الحديث فضربه بعصا فأصابت العصا عين الرَّجل ففقأتها، فقضى عمر بدية عينه على عاقلته، وقال: "يدٌ مِن أَيدي المُسلِمين جَنَتْ، لمَ يَضْمَنوا عَمْدًا" (١).
يريد: أنّه ليس بعمد، فلا يلزمهم.
ودليل مالك: ما رواه عوف بن مالك -﵄-: أن أباه ضرب مشركًا، فعاد السيف عليه فقتله، فامتنعوا من الصّلاة عليه، وقالوا: قد أبطل جهاده مع النبيّ - ﷺ -، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فقال: "ماتَ شَهيدًا، ماتَ مُجاهِدًا" (٢).
ولم يوجب ديته على عاقلته، وقتل نفسه خطأ.
وأيضًا: فإن الدية إنّما جعلت على العاقلة تخفيفًا على الجاني، فإن لم يجب على الجاني لأحد شيء، لم يجب التخفيف بلزوم العاقلة شيء.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٣٩٣، وبلفظ قريب منه عند عبد الرزّاق: ٩/ ٤١٢ و٤١٥.
(٢) أخرجه بلفظ قريب عبد الرزّاق في مصنفه: ٩/ ٤١٢ - ٤١٣ عن الزّهريُّ: ولفظه: "كلا بل مات مجاهدًا، له أجران". وأصل الحديث في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع ﵁: أن أخاه عامرًا ﵁ هو الّذي عاد عليه سيفه فقتله؛ البخاريّ (٤١٦٩) و(٦١٤٨) و(٦٨٩١)، ومسلم (١٨٠٧).
[ ٤٤٨ ]
يجوز للإنسان أن يبني في ملكه ما شاء، وإن خرج رَوشنًا (١) أو ساباطًا (٢) على طريق المسلمين، إذا علاه حتّى لا يضر بالمارة، في الجواز مثل: الجمل عليه المحمل والكنيسة (٣)، وما أشبه ذلك، جاز له ذلك ولم يكن لأحد منعه منه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: [له] ذلك، إِلَّا أن يمنعه أحد من النَّاس، فما له أن يبنيه.
١٠٣٤ - مسألة:
من كتاب ابن الموّاز عن مالك: إذا ضرب بطن امرأة فماتت، ثمّ خرج من بطنها جنين، أنّه ليس فيه شيء، بخلاف خروجه قبل الموت، وأحب إلى قال: أن تكون فيه غُرّة (٤).
وحكى بعض أصحابنا: أن الغرّة فيه واجبة، كهو قبل الموت ولست أثبته.
وقال أبو حنيفة: مثل ما حكاه ابن الموّاز، لا شيء فيه.
وقال الشّافعيّ: فيه غرّة، كخروجه قبل موتها.
١٠٣٥ - مسألة:
في جنين الأمة عشر قيمة أمه، ذكرًا كان أو أنثى، وفي جنين الحرة عشر دية الأمة، ذكرًا كان أو أنثى، وبه قال الشّافعيّ.
_________________
(١) الرَّوشن بفتح الراء وهو: الخارج من خشب البناء. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه: ٣٠٠.
(٢) السَّاباط: سقيفة بين حائطين أو دارين، من تحتها طريق نافذ. انظر: لسان العرب: ٧/ ٣١١.
(٣) في الأصل: "الكفسنية" ولعلّه تحريف، والمثبت أصحّ، وهي: شبه الهودج؛ وهو أن يجعل في المحمل أو قتب البعير عيدان ويلقى عليه ثوب تستر به المرأة الراكبة. انظر: طلبة الطلبة: ٢٦٧.
(٤) الغُرَّة: المقصود بهاهنا: النسمة من الرّقيق ذكرًا كان أو أنثى. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه:٣٠٥.
[ ٤٤٩ ]
وقال أبو حنيفة: في جنين الأمة نصف عشر قيمته، لو كان [٦١/ب] ذكرًا حيَّا، وعشر قيمته إن كان أنثى، كما قال في جنين الحرة، إن فيه نصف عشر ديته، إن كان ذكرًا حرَّا، وعشر [ديتها إن كان] (١) أنثى، فجنين الحرة والأمة سواء [عنده] في أنّه معتبر بنفسه لا بغيره.
وعندنا جنين الحرة والأمة سواء أيضًا، في أنّه معتبر بأمه لا بنفسه.
* * *
من المعتمد للقزويني (٢)
قال ابن القاسم: فيما أخطأ فيه الإمام حرصنا أن نسمع من مالك فيه شيئًا فما أجابنا، وأرى ذلك على عاقلة الإمام، مثل خطأ الطبيب والمعلم والخاتن.
وكان أبو بكر الصالحين (٣) يقول: لا ضمان عليه، إِلَّا أن يتعدى.
وقال أهل العراق: لا ضمان عليه، ولا في بيت المال.
وقال الشّافعيّ: إن قتل من التعزير، وجبت الدية في بيت المال، وعلى عاقلته حسب. ما اختلف قولاه فيه.
_________________
(١) في الأصل: "قيمة". والمثبت من (ط).
(٢) هو: أبو سعيد أحمد بن زيد القزويني المالكي: الإمام الفقيه الأصولي، تفقه بأبي بكر الأبهري، وهو من كبار أصحابه وبأبي بكر بن علويه، من مؤلفاته: المعتمد في الخلاف في مائة جزء وهو من أهذب كتب المالكية، والإتحاف في مسائل الخلاف. توفي نيف وتسعين وثلاثمائة. انظر: الديباج: ٣٥، شجرة النور:١/ ١٥٤.
(٣) المقصود به أبو بكر الأبهري إمام تلك الطبقة، السابق ترجمته. والذي جعل القزويني يسميه بالصالحي: أنّه تتلمذ على أبي بكر الأبهري وأبي بكر بن علويه الأبهري، فلجأ إلى التفريق بينهما: بأن لقّب أبا بكر بن صالح بالصالحي. هذا وقد اعتبره القاضي أبو الوليد الباجي مجهولًا. انظر: المنتقى: ١/ ١٩٧. ورد عليه القاضي عياض قائلًا: "فلو اعتنى ﵀ بهذا الباب لعلّم أن الصالحي هو أبو بكر محمَّد بن صالح الأبهري". انظر: ترتيب المدارك: ٦/ ١٩٣، ٧/ ٧٣.
[ ٤٥٠ ]