الرَّهْن [عندنا] جائز في الحضر والسفر، وبه قال جميع الفقهاء.
وحكي عن مجاهد أنّه قال: لا يصح الرَّهْن إِلَّا في السَّفر، وبه قال داود.
١٢٦٩ - مسألة:
إذا قال: "قد رهنتك عبيدي، على أن تقرضني ألف درهم"، أو"على أن تبيعني هذا الثّوب اليوم"، أو قال: "غدًا"، فالرهن [عندنا] صحيح وإن تقدّم على وجوب الحق، فإن أقرضه [٧٤/أ] أو باعه، لزمه الرَّهْن ووجب تسليمه إليه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يمضي القرض والبيع، ولا يكون العبد رهنًا.
١٢٧٠ - مسألة:
يصح عقد الرَّهْن بالقول ويلزم، وليس من شرط صحته القبض لدى العقد، لكن يجبر الراهن على التسليم.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: من شرط صحته القبض، فإذا قال: "رهنتك هذا الشيء على دينك الّذي علي"، فهو بالخيار إن شاء سلم إليه الرَّهْن، فحينئذ يكون رهنًا، وإن شاء لم يسلمه، فلا يكون رهنًا ولا يجبر على تسليمه.
[ ٥٣٤ ]
رهن المشاع جائز؛ كان فيما ينقسم من العقار وغيره، أو لا ينقسم كعبد بين رجلين، يجوز أن يرهن أحدهما حصته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح.
١٢٧٢ - مسألة:
[عندنا أن] استدامة القبض شرط في صحة الرَّهْن بعد قبضه، فمتى خرجِ عن يد المرتهن إلى الراهن، على أي وجه كان، بطل وخرج عن كونه رهنًا، وبه قال أبو حنيفة.
غير أن أبا حنيفة يقول: إن رجع إلى الراهن بعارية أو وديعة لم يبطل.
وقال الشّافعيّ: ليس استدامة القبض شرطا، حتّى لو استخدمه كلّ يوم نهارًا إن كان عبدًا، ورده إلى المرتهن ليلًا، وإن كانت دابة وكان يركبها نهارًا ويردها ليلًا، لم يبطل وهو على حاله.
١٢٧٣ - مسألة:
إذا كان الشيء المغصوب عند الغاصب فهو مضمون عليه (١)، فإذا رهنه ربه عند الغاصب قبل قبضه صح رهنه، ولكنه ضامن له ضمان الرَّهْن، إذا كان ممّا يغاب عليه، وزال ضمان الغصب، وبه قال أبو حنيفة والمزني.
وقال الشّافعيّ: يكون رهنًا، ولكنه مضمون بالغصب على ما كان من قبل، والرهن عنده غير مضمون.
١٢٧٤ - مسألة:
إذا عتق الراهن عبده المرهون وكان موسرًا نفذ عتقه، وإن كان معسرًا لم ينفذ، غير أنّه إن طرأ له مال، أو قضى المرتهن دينه نفذ عتقه.
وقال أبو حنيفة: يعتق في اليسر والعسر، و[أظنه في الإعسار] يستسعي العبد في قيمته للمرتهن في غير سيده للمعتق.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "وزال ضمان الغصب".
[ ٥٣٥ ]
وقال أحمد: ينفذ عتقه على كلّ حال.
واختلف قول الشّافعيّ، فتارة قال: ينفذ في اليسار، والإعسار فيه قولان.
وتارة قال: ينفذ في العسر واليسر.
وقال بعض أصحابه إن المسألة على ثلاثة أقوال: أحدها: أن عتقه ينفذ؛ سواء كان موسرًا أو معسرًا، وكذلك إذا كانت أمة فوطئها، فحملت بغير إذن المرتهن قولًا واحدًا.
والثّاني: لا ينفذ، ولا تفسير أم ولد؛ كان موسرًا أو معسرًا.
والثّالث: إن كان موسرًا نفذ عتقه، وكانت أم ولد قولًا واحدًا، وإن كان معسرًا لم ينفذ، ولم تصر أم ولد قولًا واحدًا.
إذا رهن رهنًا على مبلغ معلوم، ثمّ استزاده شيئًا على ذلك الرَّهْن، جاز وكان جميعه في الرَّهْن دينه الأوّل والزيادة، وبه قال الشّافعيّ في القديم وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنًا إِلَّا في الدِّين الأوّل دون الثّاني، وبه قال محمّد، وهو قول الشّافعيّ الثّاني.
١٢٧٦ - مسألة:
إذا رهن عنده عبدًا فقبضه المرتهن، ثمّ أقر الراهن أن العبد جنى جناية تتعلّق برقبته، لم يقبل إقراره؛ لأنّه يبطل الرَّهْن، إِلَّا أن يكون موسرًا فيقضي الدِّين، أو يجعل رهنًا مكانه إن أسلمه، ولم يفتده إذا رضي المرتهن برهن غيره، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف [٧٤/ب] قول الشّافعيّ، فقال: يقبل إقراره إذا صدقه المجني عليه، ويبطل الرَّهْن، وقال: لا يقبل إقراره كقولنا.
ولم يخالف في أنّه لو أقر بجناية عمدًا، أنّه لا يقبل إقراره.
[ ٥٣٦ ]
إذا رهنه عصيرًا فصار خمرًا، ثمّ انقلب فصار خلًّا، فإنّه يبقى رهنًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكى بعض أصحابنا عن أبي حنيفة: أنّه ينفسخ الرَّهْن إذا صار خمرًا، وإذا صار خلًّا لم يعد رهنًا، إِلَّا بعقد مستأنف. وليس الأمر كذلك.
وحكي عن قوم مثل ذلك.
١٢٧٨ - مسألة:
تخليل الخّمْرِ مكروه، وإن خللت فصارت خلًّا، فهي طاهرة.
وكره عبد الملك وسحنون أكله.
وقال أبو حنيفة: لا يكره تخليلها وهو مباح، وصار خلًّا طاهرًا.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز تخليلها وهو محرم، فإن خللها صار خلًّا نجسًا، وزالت أحكام الخّمْرِ كلها عنه؛ من الحدّ والفسق ونجاسة الخّمْرِ، وحكمه حكم الخل النجس.
١٢٧٩ - مسألة:
إذا شرط الراهن للمرتهن أنّه إذا حل الحق ولم يدفع له، أن يبيعه ويأخذ منه حقه جاز ذلك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز أن يبيعه لنفسه، إِلَّا بحضرة الحاكم، فإن امتنع الراهن خيره الحاكم،
واستحب مالك ألَّا يبيعه حتّى يرفعه إلى الحاكم، وإن لم يفعل جاز ذلك.
١٢٨٠ - مسألة:
إذا وكل الراهن عدلًا، خير الموضوع على يده الرَّهْن في بيعه عند الأجل، فليس له فسخ الوكالة، وبه قال أبو حنيفة.
[ ٥٣٧ ]
وقال الشّافعيّ: هي صحيحة، وإن فسخها الراهن انفسخت وانعزل الراهن.
ورأيت للقاضي إسماعيل مثل هذا.
إذا وضع الراهن والمرتهن الرَّهْن على يد عدل رضيا به، وشرط الراهن للعدل بيع الرَّهْن عند الأجل، فحل الأجل وباعه العدل، وتلف الثّمن قبل قبض المرتهن، فهو من الراهن، وبه قال أبو حنيفة.
غير أن أبا حنيفة: يجعل تلف الرَّهْن في يد العدل من المرتهن، كما لو كان في يده، ونحن نجعله من الراهن، بخلاف كونه في يد المرتهن.
وقال الشّافعيّ: تلف الرَّهْن والثّمن إذا بيع من الراهن، والرهن عنده غير مضمون.
١٢٨٢ - مسألة:
إذا باع العدل الرَّهْن وقبض الثّمن، ثمّ استحق المبيع فلا عهدة على العدل [عندنا]، وبأخذ المستحق المبيع من المشتري، ويرجع بالثّمن على من وكل العدل وهو المرتهن؛ لأنّه بيع له ولا ضمان [عندنا] على الوكيل والوصي والأب، فيما باعه من مال ولده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: العهدة على العدل، يغرم المشتري ثمّ يرجع على من وكله، وكذلك يقول في الوصي والأب.
ووافقنا في الحاكم وأمينه، أن لا عهدة عليهما، ويرجع على من باعًا عليه، إن كان مفلسًا أو يتيمًا.
١٢٨٣ - مسألة:
إذا استحق الرَّهْن بعد بيعه، رجع المشتري بالثّمن على المرتهن، لا على الراهن ودين المرتهن في ذمة الراهن، وبه قال أبو حنيفة، كما لو تلف الرَّهْن.
[ ٥٣٨ ]
وقال الشّافعيّ: مرجع على الراهن، والرهن عليه بيع، لا على المرتهن.
وقولنا في المفلس: إذا باع الحاكم أو الأمين أو الوصي التركة للغرماء بمطالبتهم، وأخذوا الثّمن فاستحق، المبيع رجع [٧٥/أ] المشتري على الغرماء، ورجع الغرماء على المفلس، وهو قول أبي حنيفة، إِلَّا في العدل إذا باعه، فإنّه يقول العهدة عليه.
والباب كله عند الشّافعيّ واحد، في أنّه يرجع على الراهن والمديان الّذي بيع متاعه.
إذا شرط المشتري للبائع رهنًا أو كفيلًا، ولم يعين له الرَّهْن والكفيل فالبيع جائز، وعلى المبتاع أن يدفع رهن مثله على مبلغ الدِّين، وكذا يأتي بضمين ثقة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: البيع باطل، [والرهن كذلك].
قال المزني: هذا غلط، البيع جائز والرهن فاسد؛ للجهل به، والخيار للبائع؛ إن شاء أتم البيع بلا رهن، وإن شاء فسخ لبطلان الوثيقة.
١٢٨٥ - مسألة:
إذا اختلف الراهن والمرتهن في مبلغ الرّهن [الذين الّذي جُعِلَ به]، فقال الراهن: "رهنتك بمائة"، وقال المرتهن: "بألف"، وقيمة الرّهن تساوي آلاف أو زيادة على المائة، فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإن حلف وكان قيمة الرَّهْن ألفًا فالراهن بالخيار؛ بين أن يعطيه ألفًا ويأخذ الرَّهْن، أو يترك الرَّهْن للمرتهن في حقه، وإن كان قيمة الرَّهْن أكثر من مائة، حلف المرتهن على دينه، وأعطاه الراهن قيمة الرَّهْن، وحلف أنّه ما يستحق عليه إِلَّا ما ذكره، وتسقط عنه الزيادة على قيمة الرَّهْن.
ولابن القاسم في المستخرجة: إن كانت قيمة الرَّهْن أكثر ممّا قال الراهن، وأقل ممّا قاله المرتهن لم يكن للراهن أن يأخذ الرَّهْن، إِلَّا بالكل
[ ٥٣٩ ]
الّذي حلف عليه المرتهن، وإن شاء سلم الرَّهْن.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: القول قول الراهن فيما يذكره مع يمينه، فإذا حلف دفع للمرتهن ما حلف عليه وأخذ رهنه.
إذا اختلفا في الدِّين، كان الرَّهْن شاهدًا للمرتهن فيما يدعيه، إن كان شاهدًا لم يفت، وإن فات فهو ممّا لا ضمان فيه، لم يكن شاهدًا له؛ لأنّه لا يكون شاهدًا على ذمة الراهن.
واختلف إذا كان على يد عدل، هل يكون شاهدًا أم لا؟
وفي كتاب محمّد: أنّه شاهد؛ كان على يد المرتهن أو غيره.
١٢٨٧ - مسألة:
إذا رهن شيئًا له نماء يحدث، فأنمى المتميز ملكًا للراهن، فما كان منه من ولد، فهو داخل في الرَّهْن، وما كان من ثمن أو صوف أو وبر وغير ذلك، فلا يدخل في الرَّهْن.
واختلف في نماء الرَّهْن على خمسة مذاهب:
فمذهبنا ما تقدّم.
وقال أبو حنيفة: يدخل النماء كله في الرَّهْن من الأصل؛ ولدا كان أو غيره.
وقال الشّافعيّ: جميع النماء خارج عن الرَّهْن؛ ولدًا كان أو غيره.
وقال أحمد: هو ملك للمرتهن دون الراهن.
وقال غيره من أصحاب الحديث: إن كان الراهن هو الّذي ينفق على الرَّهْن فالنماء له، وإن كان المرتهن ينفق فالنماء له.
١٢٨٨ - مسألة:
الرَّهْن [عند مالك] ينقسم قسمين؛ فما كان يظهر هلاكه كالربع
[ ٥٤٠ ]
والحيوان، فهو غير مضمون على المرتهن، يقبل قوله في هلاكه مع يمينه.
وما يخفى هلاكه ويغاب عليه، لم يقبل فيه قوله، إِلَّا أن يصدقه الراهن.
واختلف قوله فيما إذا قامت البينة على هلاكه، فروى ابن القاسم وغيره عنه: أنّه لا يضمن ويأخذ دينه من الراهن.
وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنّه ضامن لقيمته، وإن علم هلاكه.
واختلف النَّاس في الرَّهْن، هل هو مضمون أم لا؟ على خمسة [٧٥/ب] أقوال:
فقولنا ما سبق، وأنّه إذا ضمن، فهو مضمون بقيمته؛ قلت أو كثرت، ويتراد الراهن والمرتهن الفضل، فإن فضل للراهن من القيمة شيء على مبلغ الحق، أخذه من المرتهن، وإن فضل للمرتهن شيء من حقه على قيمة الرَّهْن، أخذه من الراهن، وبه قال علي ابن أبي طالب -﵁ -، وعطاء وإسحاق.
وقال النخعي وسفيان وأبو حنيفة: الرَّهْن على كلّ حال مضمون بأقل الأمرين؛ من قيمته أو من الحق، إن كان قيمة الرَّهْن مائتين والحق مائة، ضمن قدر الحق ولم يضمن الزيادة، وتلافه من الراهن، وإن كان قيمة الرَّهْن مائة والحق مائتين، ضمن قيمة الرَّهْن وسقط من دينه، وأخذ باقي حقه.
ويقول صاحب هذا القول: لو ارتهن دارًا فانهدمت من غير صنع المرتهن ضمنها.
وقال الشّافعيّ: هو أمانة في يد المرتهن كسائر الأمانات، لا يضمن إِلَّا بالتعدي، وبه قال أحمد وأبو ثور.
وقال شريح والحسن والشعبي: إن الرَّهْن مضمون بالحق كله، إن كان قيمة الرَّهْن درهمًا والحق ألفًا، سقط الحق كله بتلاف الرَّهْن.
[ ٥٤١ ]
إذا ادعى المرتهن هلاك الرَّهْن، وهو ممّا يخفى فأردنا معرفة قيمته، فإن اتفق الراهن والمرتهن على قيمته فلا كلام، وإن اتفقا في صفته واختلفا في قيمته، سئل أهل الخبرة عن قيمة ما هذه صفته، وعمل عليها.
وقال أبو حنيفة: يعمل بقول المرتهن في قيمته مع يمينه، ولا يحتاج أن يصفه.
١٢٩٠ - مسألة:
لو شرط المبتاع والبائع أن يكون المبيع رهنًا، لم يصح وصح البيع.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ينفسخ البيع، وهو ظاهر قول مالك.
وهو عندي: على طريق الكراهة، وقول مالك يدلُّ عليه.
١٢٩١ - مسألة:
[اختلفت الرِّواية عن مالك] إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، فقال مالك: يصح ويباع.
وقال: لا يصح عقده.
وبالأول قال أبو حنيفة.
وأظن قول الشّافعيّ قد اختلف في ذلك.
[ ٥٤٢ ]