١ - مسألة:
غسل اليدين قبل الطّهارة مندوب إليه عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ والأوزاعي (١)، سواء كان حدثه من نوم ليل أو نهار أو أي حدث كان.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنّه كان [يقول: إن كان] من [نوم] ليل وجب.
وذهب قوم من أهل الظّاهر إلى وجوبه من أي نوم كان، تعبدًا لا لنجاسة، فإن أدخل يده في الإناء قبل غسلهما لم يفسد الماء.
وقال الحسن البصري (٢): يفسد [الماء]؛ كانت على يديه نجاسة أم لا.
_________________
(١) هو: أبو عمرو عبد الرّحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي الدمشقي: الإمام المجتهد عالم أهل الشّام، ومن فقهاء المحدثين، روى عن الزّهريُّ وابن سيرين ونافع، من مؤلفاته: كتاب السنن في الفقه، والمسائل في الفقه، أخرج له الستة. توفي: ١٥٧ هـ. انظر: سير أعلام النُّبَلاء: ٧/ ١٠٧، تهذيب التهذيب: ٦/ ٢١٦.
(٢) هو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مولى زيد بن ثابت ﵁: التابعي الجليل، كان إمام البصرة، وسيد أهل زمانه علمًا وعملًا، رأى عثمان وطلحة وكبار الصّحابة ﵃ أخرج له الستة. توفي: ١١٠هـ. انظر: السير: ٤/ ٥٦٣، التهذيب: ٢/ ٢٣١.
[ ٦١ ]
عند مالك - ﵀ - وكافة الفقهاء أن التّسمية عند الوضوء غير واجبة.
وقال داود (١) وأهل الظّاهر: إنها واجبة ولا يجزئ الوضوء بدونها؛ سواء تعمّد تركها أو نسيها.
وقال إسحاق (٢): إنَّ نسيها أجزأته طهارته.
٣ - مسألة:
لا تجزئ طهارة [من] وضوء ولا غسل ولا تيمم إِلَّا بنية، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).
وقال الأوزاعي: لا يفتقر شيء من ذلك إلى نيّة.
وقال الثّوريّ (٤) وأبو حنيفة: طهارة الماء لا تفتقر إلى نيّة، والتيمُّم لا بدَّ فيه من النية، و[يقولان]: لو قصد [المحدث] التبرد بالماء والتنظيف أو الاستباحة؛ فأصاب الماء أعضاء الطّهارة أجزأه لفرضه.
_________________
(١) هو: أبو سليمان داود بن علي بن خلف البغدادي الأصبهاني: فقيه مجتهد حافظ؛ رئيس أهل الظّاهر، من مؤلفاته: كتاب الإيضاح، كتاب الإفصاح، وكتاب كبير في الفقه. توفي: ٢٧٠ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٩٢، السير: ١٣/ ٩٧.
(٢) هو: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المعروف. بابن راهويه: الإمام الكبير شيخ المشرق سيد الحفاظ، من مؤلفاته: المسند، والتفسير. توفي: ٢٣٧ ص. انظر: السير: ١١/ ٣٥٨، التهذيب: ١/ ١٩٠.
(٣) هو: أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي: الإمام الحافظ المجتهد، له مصنفات كثيرة منها: كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشّافعيّ وذكر مذهبه في ذلك. توفي: ٢٤٠ هـ. انظر: السير: ١٢/ ٧٢، التهذيب: ١/ ١٠٢.
(٤) هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثّوريّ الكوفي: شيخ الإسلام، إمام الحفاظ سيد العلماء، من مؤلفاته: الجامع الكبير، الجامع الصغير، أخرج حديثه الستة. توفي: ١٦١ هـ. انظر: السير: ٧/ ٢٢٩، التهذيب: ٤/ ١١١.
[ ٦٢ ]
[عند مالك] المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل، وهو قول الحسن والزهري (١) وربيعة (٢) والأوزاعي والليث (٣) والشّافعيّ.
وذهب إسحاق وابن أبي ليلى (٤) إلى وجوبهما في الطهارتين جميعًا.
وذهب أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق دون المضمضة.
وذهب سفيان الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه إلى وجوبهما في الغسل دون الوضوء. فهي أربعة مذاهب.
٥ - مسألة:
مسح جميع الرّأس [في الوضوء] واجب عند مالك.
وقال محمَّد بن مسلمة (٥): إن اقتصر على ثلثيه أجزأه.
_________________
(١) هو: أبو بكر محمَّد بن مسلم بن شهاب الزّهريُّ القرشي المدني: التابعي الكبير، الفقيه الحافظ، أحد الأئمة الأعلام بالحجاز والشام، من شيوخ مالك، أخرج له الستة. توفي: ١٢٤ هـ. انظر: السير: ٥/ ٣٢٦، التهذيب: ٩/ ٣٩٥.
(٢) هو: أبو عثمان ربيعة بن عبد الرّحمن فروخ مولى المنكدر المدني: المعروف بربيعة الرأي، مفتي المدينة الإمام الجليل الثقة، أدرك جماعة من الصّحابة وأخذ عنهم، وهو أوّل شيخ أخذ عنه مالك. توفي: ١٣٦ هـ. انظر: السير: ٦/ ٨٩، شجرة النور الزكية: ١/ ٧٠.
(٣) هو: أبو الحارث اللَّيث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهمي مولاهم المصري: إمام أهل مصر في عصره فقهًاوحديثًا وزعيمها، له مراسلات مع مالك، منها: عمل أهل المدينة، أخرج له الستة. توفي: ١٧٥ هـ. انظر: السير: ٢١/ ٢٠، التهذيب: ٨/ ٤١٢.
(٤) هو: القاضي أبو عبد الرّحمن محمَّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي: قاض فقيه مجتهد من أصحاب الرأي، من مؤلفاته: الفرائض، أخرج له الأربعة. توفي: ١٤٨ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٨٤، السير: ٦/ ٣١٠.
(٥) هو: أبو عبد الله محمَّد بن مسلمة بن هشام المدني: الثقة الجامع بين العلم والعمل، أحد أشهر تلاميذ مالك، وأفقه فقهاء المدينة بعده، له كتب فقه أخذت عنه. توفي: ٢٠٦ هـ. انظر: الديباج المذهب: ٢٢٧، شجرة النور: ١/ ٨٥.
[ ٦٣ ]
ووجدت لأشهب (١) أنّه إنَّ اقتصر على الثلث أجزأه، وذلك من مُقَدَّمِه.
[والصّحيح: قول مالك].
وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: إن مسح ناصيته أجزأه، و[هي] ما بين النزعتين وهو أقل من الربع. والرواية الأخرى: وهي المشهورة أنّه لا بدَّ من مسح ربع الرّأس، وبه قال أبو يوسف (٢) بثلاثة أصابع، فإن مسح بثلاثة أصابع دون الربع لم يجزه، وإن مسح بأصبعين ربعه أو الرّأس كله لم يجزه، فقدّر أبو يوسف الممسوح والممسوح به.
وقال زفر (٣): الفرض منه الربع، سواء مسح بثلاثة أصابع أو بدونها، فقدّر الممسوح دون ما يمسح به.
وقال الشّافعيّ: يجزئه ما يقع عليه اسم المسح، سواء مسح بيده أو بخشبة أو وقف تحت ميزاب فقطر عليه الماء، وبه قال الأوزاعي والنخعي (٤) وسفيان.
_________________
(١) هو: أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري المصري: الشّيخ الفقيه الثبت العالم، أحد أشهر تلاميذ مالك، إليه انتهت رئاسة المذهب في مصر، جمعت آراءه وفتاواه في المدوّنة وغيرها؛ كالعتبية والموّازية. توفي: ٢٠٤ هـ. انظر: الدبباج: ٩٨، شجرة النور: ١/ ٨٩.
(٢) هو: القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي: صاحب أبي حنيفة وتلميذه، كان فقيهًا محدثًا، وأوّل من خوطب بقاضي القضاة، من مؤلفاته: كتاب الخراج، الرَّدِّ على سيرة الأوزاعي. توفي: ١٨٢ هـ. انظر: الجواهر المضية: ٣/ ٦١١، تاج التراجم (٨١).
(٣) هو: القاضي أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس العنبري الأصبهاني البصري: محدث فقيه قاض، أحد أشهر أصحاب أبي حنيفة، جمع آراءه محمَّد بن الحسن في كتبه الّتي تسمى "كتب ظاهر الرِّواية". توفي: ١٥٨ هـ. انظر: الجواهر المضية: ٢/ ٢٠٧، تاج التراجم (٢٨).
(٤) هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي: الإمام الحافظ، التابعي الفقيه أخذ عن مسروق والأسود وعلقمة، ورأى عائشة ﵂ وهو صغير، أخرج حديثه الستة. توفي: ٩٢ هـ. انظر: السير: ٤/ ٥٢٠، التهذيب: ١/ ١٥٥.
[ ٦٤ ]
مباشرة الرّأس بالمسح عند مالك واجب [في الطّهارة]، فإن مسح على حائل من عمامة أو خمار من غير عذر لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الثّوريّ وأحمد وغيرهما: يجوز المسح على العمامة وغيرها، لعذر وغير عذر.
٧ - مسألة:
المسنون عند مالك في الرّأس مسحه واحدة.
وهو عندي: أن يردّ يديه من مؤخر الرّأس إلى مقدّمه؛ لأنّ مسح جميع الرّأس واجب، [وهو: أن] يبدأ من مقدّمه إلى مؤخره، فردّهما بعد ذلك إلى مقدّمه مسنون، ولو بدأ من مؤخّره إلى مقدّمه لكان ردّهما إلى مؤخّره مسنونًا، وهذا مذهب عمر وابن عمر -﵄-، والحسن وأحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: المسنون مرّة واحدة - على الصِّفَة الّتي ذكرناها من مذهبنا -، لكن الفرض عنده بعض (١) الرّأس، وتمامه وردّ اليدين إلى مقدّمه مسنون.
وقال بعض [٢/ أ] أصحابه: ثلاث مسحات بماء واحد.
وقال الشّافعيّ: المسنون ثلاث مسحات يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه، ثمّ يردّ يديه إلى حيث بدأ، في كلّ مرّة كذلك.
٨ - مسألة:
الأذنان من الرّأس عند مالك [في الطّهارة يمسحان معه].
ويستحب تجديد الماء لهما، وهو مذهب ابن عبّاس وأبي موسى
_________________
(١) في الأصل: "بعد". وهو تحريف: والمثبت من (ط) و(ص).
[ ٦٥ ]
الأشعري -﵃-، وعطاء (١) والحسن والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد.
وقال الزّهريُّ: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما مع الوجه.
وقال الشّعبيّ (٢) والحسن بن صالح (٣) وإسحاق: ما أقبل منهما فمن الوجه يغسل معه، وما أدبر فمن الرّأس يمسح معه.
ولا خلاف بين الأُمَّة أن الاقتصار على مسحهما في الغسل لا يجزئ.
وقال الشّافعيّ: هما سنة على حيالهما، فيمسحان بماء جديد دون الرّأس.
٩ - مسألة:
التّرتيب في الطّهارة ليس بواجب عند مالك وأبي حنيفة، وبه قال علي وابن مسعود -﵄-، والزهري والأوزاعي وسفيان.
وقال الشّافعيّ: هو واجب وإن نكّس لم يعتد به.
وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم (٤) وأحمد وإسحاق وأبو ثور،
_________________
(١) هو: أبو محمَّد عطاء بن أبي رباح أسلم المكي، مولى بني فهو: الإمام، من أجل فقهاء التابعين، لقي جمعا من الصّحابة، وأخذ عنهم العلم، وانتهت إليه الفتوى بمكة، أخرج حديثه الستة. توفي: ١١٤ هـ. انظر: السير: ٥/ ٧٨، التهذيب: ٧/ ١٧٩.
(٢) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الشّعبيّ الكوفي: تابعي جليل، رأى عليًا ﵁ وصلَّى خلفه، وسمع من عدة كبراء الصّحابة ﵃ استقضاه عمر بن عبد العزيز، أخرج له الستة. توفي فجأة بالكوفة: ١٠٤ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٨١، السير: ٤/ ٢٩٤.
(٣) هو: أبو عبد الله الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الثّوريّ الكوفي: الإمام الكبير أحد الأعلام، كان فقيهًا مجتهدًا، قال عنه أحمد: صحيح الرِّواية متفقه صائن لنفسه في الحديث والورع. توفي: ١٦٩ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٨٦، السير: ٧/ ٣٦١.
(٤) هو: أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي: أحد أئمة الإسلام فقهًا ولغة وأدبًا، أخذ العلم عن الشّافعيّ، وولي قضاء طرسوس، من مؤلفاته: كتاب الأموال، غريب الحديث. توفي بمكة: ٢٢٤ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ١٠٢، طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٢/ ١٥٣.
[ ٦٦ ]
و[حكي] مثله عن قتادة (١)
تخليل اللحية في الوضوء والغسل غير واجب.
وروى ابن وهب (٢) عن مالك وجوبه في الغسل، غير أن إيصال الماء إلى البشرة الّتي تحت الشعر غير واجب.
وقال الشّافعيّ: هو سنة، وإيصال الماء إلى البشرة فرض في الجنابة، مثل: أن يقلقل الماء في شعره أو يبلّه، حتّى يعلم أنّه وصل إلى البشرة.
١١ - مسألة:
عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ وجميع الفقهاء: أن المرفقين يدخلان في غسل [اليدين مع] الذراعين في الوضوء.
وقال زفر بن الهذيل: إنَّ دخولهما غير واجب.
١٢ - مسألة:
[عند مالك (٣): أن] البياض الّذي بين شعر اللحية والأذن، [ليس من الوجه، و] لا يجب غسله في الوضوء.
_________________
(١) هو: أبو الخطّاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري: من حفاظ أهل زمانه وعلمائهم بالقرآن والفقه، روى عن أنس وأبي سعيد وأبي الطفيل ﵃ وغيرهم، وروى عنه كبار المحدثين كشعبة وحماد وأيوب وغيرهم، توفي بواسط: ١١٧ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٩٤، السير: ٥/ ٢٦٩.
(٢) هو: أبو محمَّد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري: الإمام الجامع بين الفقه والحديث، أحد أشهر تلاميذ مالك وأثبتهم فيه، من مؤلفاته: الموطَّأ الكبير والجامع الكبير، وله سماعه من مالك، أخرج له الستة. توفي: ٢١٤هـ. انظر: الديباج: ١٣٢، شجرة النور: ١/ ٨٩.
(٣) في (ط) بزيادة: "وأبي حنيفة": ولم تثبت في (ص)، وهي غير صحيحة؛ لأنّ ما نقله المؤلِّف عن علماء الحنفية، هو قول أبي حنيفة ومحمد، انظر: المبسوط: ١/ ٦، الإشراف: ١/ ١١٨.
[ ٦٧ ]
وذكر الطحاوي (١) أنّه من الوجه.
وقال الرازي (٢) في شرحه: إنّه من الوجه، وإنه لمّا وجب غسله قبل نبات الشعر، لم يسقط حكمه بنباته في غير محلّه.
وقال الكرخي (٣) - حكايه عن البردعي (٤) -: إنَّ حد الوجه من قصاص الشعر إلى أصل الذَّقَن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، وكذلك قول الشّافعيّ.
وما ذكر من أنّه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس الأمر كذلك، إنّما كان يجب غسل الموضع الّذي نبت عليه الشعر، وما وراء ذلك لم يجب غسله مع الوجه.
١٣ - مسألة:
غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ وجميع الفقهاء، وأنس بن مالك -﵁ -، وربيعة
_________________
(١) هو: أبو جعفر أحمد بن محمَّد بن سلامة الأزدي الطحاوي - ابن أخت المزني -: الإمام العلّامة، محدث الديار المصرية، وإليه انتهت رياسة المذهب، من مؤلفاته: شرح معاني الآثار، و(المختصر) في الفقه. توفي: ٣٢١ هـ. انظر: الجواهر المضية: ١/ ٢٧١، تاج التراجم (٣٢١).
(٢) هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، المعروف بالجصّاص: الإمام الكبير الشأن، سكن بغداد وعنه أخذ فقهاؤها، وإليه انتهت رياسة المذهب، من مؤلفاته: أحكام القرآن، شرح مختصر الطحاوي. توفي: ٣٧٠ هـ. انظر: الجواهر المضية: ١/ ٢٢٠، الطبقات السنية (٢٦٧).
(٣) هو: أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي الحنفي: الإمام العلّامة الفقيه، سكن بغداد ودرّس بها فقه أبي حنيفة، حتّى انتهت إليه رئاسة المذهب في زمنه، من مؤلفاته: (مختصر) في فروع الفقه الحنفي. توفي: ٣٤٠ هـ. انظر: الجواهر المضية: ٢/ ٤٩٣، الطبقات السنية (١٣٦٥).
(٤) هو: أبو سعيد أحمد بن الحسين البردعي: أحد الفقهاء الكبار، والمتقدمين من مشايخ الحنفية ببغداد، من مؤلفاته: مسائل الخلاف، خرج إلى الحجِّ فقتل في وقعة القرامطة مع الحجيج سنة: ٣١٧ هـ. انظر: الجواهر المضية: ١/ ١٦٣، الطبقات السنية (١٨٥).
[ ٦٨ ]
والأوزاعي وأهل الشّام وعبيد الله بن الحسن البصري (١) وأهل البصرة وسفيان وأحمد وأبي ثور.
وذهب ابن جرير الطّبريّ (٢) إلى أن الغسل والمسح جائزان، والمكلّف مخيّر فيهما، بشرط أن يعم جميع القدمين بالمشي.
وذهبت الشيعة إلى أن الفرض هو المسح دون الغسل وإن مسح البعض أجزأه.
١٤ - مسألة:
لا يجوز تفرقة الوضوء والغسل إِلَّا الشيء الخفيف، وإن طال بقدر جفاف الماء عن العضو في هواء معتدل لم يجزه، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو الجديد للشافعي، ونحن نوافقهم إذا كان ناسيًا.
ومن أصحاب مالك من قال: الموالاة مستحبة.
والظاهر من قول مالك وجوبها على ما بيّناه، وبقولنا قال اللَّيث والأوزاعي وربيعة وأحمد، وكذلك روي عن عمر -﵁ -.
_________________
(١) في الأصل: "عبد الله بن الحسين"، والمثبت من (ط) و(ص). وانظر: الأوسط: ١/ ٤١٣. وهو: القاضي عبيد الله بن الحسن بن حصين بن أبي الحر مالك العنبري البصري: قاضي البصرة، ومن سادات أهلها علمًا وفقهًا، ذو قدر وشرف، وله فقه كبير مأثور، ثقة محمود، أخرج له مسلم. توفي: ١٦٨ هـ. انظر: السير: ٥/ ٦، التهذيب: ٧/ ٧.
(٢) هو: أبو جعفر محمَّد بن جرير الطّبريّ، من أهل طبرستان: الإمام المجتهد العلّامة، كان شافعي المذهب عشر سنين، فلما اتسع أداه اجتهاده إلى ما اختاره في كتبه، من مؤلفاته: جامع البيان في التفسير، اختلاف العلماء. توفي: ٣١٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد: ٢/ ١٦٢، السير: ١٤/ ٢٦٧.
[ ٦٩ ]
وقول المخالف قول سعيد بن المسيَّب (١) وعطاء والحسن وسفيان.
لا يمس المصحف ولا يحمله إِلَّا طاهر غير محدث ولا جنب، وهو قول [مالك و] الأوزاعي وسفيان وأبي حنيفة وأصحابه والشّافعيّ.
وقال حماد (٢) والحكم (٣): يجوز مسّه للجنب والمحدث [٢/ ب]، وبه قال داود.
١٦ - مسألة:
[عند مالك] الجنب ممنوع من [قراءة] القرآن، إِلَّا الآية والآيتين.
وعند أبي حنيفة: [إِلَّا من] بعض آية.
وعند الشّافعيّ ممنوع من قليله وكثيره.
وقال داود: يجوز له قراءة القرآن كله كيف شاء.
وأمّا قولنا: في الآية ونحوها جائز؛ لأنّ الامتناع منه يشقّ، [و] لأنّ النَّاس محتاجون لذكر الله والتعوّذ؛ فخفّف عنهم ذلك.
_________________
(١) هو: أبو محمَّد سعيد بن المسيَّب بن حزن القرشي المدني: سيد التابعين، واحد فقهاء المدينة السبعة، رأى عمر ﵁، وسمع عثمان وعليأوغيرهم رضي الله ص عنهم جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، أخرج له الستة. توفي: ٩٤هـ. انظر: السير: ٤/ ٢١٧، التهذيب: ٤/ ٧٤.
(٢) هو: أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي- مولى الأشعربين-: العلّامة الإمام فقيه العراق، هو في عداد صغار التابعين، تفقه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم، وأخرج له مسلم. توفي: ١٢٠هـ. انظر: السير: ٥/ ٢٣١، التهذيب: ٣/ ١٤.
(٣) هو: أبو محمَّد الحكم بن عتيبة الكندي، مولاهم الكوفي: الإمام الكبير عالم الكوفة، صغار التابعين، روى عن أبي جحيفة وعبد الله بن أبي أوفى ﵁: كان ثقة ثبتًا أخرج له الستة، وفقيهًا من كبار أصحاب إبراهيم النخعي. توفي: ١١٥هـ. انظر: السير: ٥/ ٢٠٨، التهذيب: ٢/ ٣٧٢.
[ ٧٠ ]
اختلف عن مالك في قراءة الحائض القرآن:
فروى أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت.
وروي عنه منعها كالجنب، وهو قول أبي حنيفة والشّافعيّ.
١٨ - مسألة:
لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها لبول أو غائط في الصحراء والصكوات على السطوح، ويجوز في الأبنية، واختلف النَّاس في ذلك على ثلاثة مذاهب:
فقال النخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد: إنّه لا يجوز مطلقًا في الأبنية وغيرها، وروي ذلك عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -.
وقال عروة بن الزبير (١) وربيعة: إنّه يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقًا في الأبنية وغيرها، وهو مذهب داود.
[وذهب مالك والشّافعيّ إلى أنّه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان جميعًا]، [ولا يجوز في الصحاري والفلوات] (٢).
وروي عن أبي حنيفة أنّه يجوز الاستدبار مطلقًا في الأبنية وغيرها ومنع من الاستقبال في الجميع مطلقًا.
فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في الرِّواية الأولى في الاستقبال والاستدبار جميعًا في الأبنية. فهي ثلاثة مذاهب.
_________________
(١) هو: أبو عبد الله عروة بن حواري رسول الله، الزبير بن العوام ﵁، القرشي الأسدي المدني: من أئمة التابعين، وأحد فقهاء المدينة السبعة، حدث عن أبيه بشيء يسير، وأمه أسماء وخالته عائشة وغيرهم من الصّحابة ﵃ توفي: ٩٤ هـ. انظر: السير: ٤/ ٤٢٣، التهذيب: ٧/ ١٦٣.
(٢) مثبت من (ص): ١/ ٣٣٨.
[ ٧١ ]
الاستنجاء ليس بفرض عندنا، وهي كسائر النجاسات الواقعة على الثّوب والجسد، لا يجب إزالتها إِلَّا من طريق السُّنَّة.
وقال بعض أصحابنا: إنَّ إزالة النجاسات فرض، وعلى هذا الاستنجاء فرض.
وقال أبو حنيفة مثل قول مالك، فإن صلَّى ولم يستنج صحّت صلاته، و[لكنه جعل] محلّ الاستنجاء عنده مقدارًا، يعتبر به سائر النجاسات في كلّ المواضع، وهو قدر الدرهم الأسود البغلي (١).
وقال الشّافعيّ: الاستنجاء فرض، وإن صلَّى ولم يستنج بطلت صلاته، وهو وأبو حنيفة يقولان: إنَّ إزالة النّجاسة من غير المخرج فرض.
١ - فصل:
فأمّا إزالة سائر النّجاسة من البدن والثياب وغير ذلك، فليس بفرض على ظاهر المذهب.
وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض، وبه قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء، إذا زاد على قدر الدرهم البغلي.
وقال الشّافعيّ: إزالتها فرض مطلقًا، ولم يعتبر قدر الدرهم.
٢٠ - مسألة:
عدد الأحجار في الاستنجاء غير مستحق عندنا وعند أبي حنيفة وداود، [فإن اقتصر على دون ثلاثة أحجار] مع الإنقاء [جاز].
وقال الشّافعيّ: لا يجوز الاقتصار على ما دون الثّلاثة وإن أنقى، وبه
_________________
(١) هو: الدائرة الّتي تكون بباطن الذراع من البغل. قاله ابن راشد في غريب ابن الجلّاب، ورجحه خليل. وقيل: سكة قديمة لملك يسمى رأس البغل. قاله النووي ورجحه ابن فرحون. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه: ١٣٣، مواهب الجليل: ١/ ١٤٧، حاشية العدوي: ٢/ ١١٧.
[ ٧٢ ]
قال أبو الفرج (١)، ونحا إلى أن الاستنجاء وإزالة النّجاسة فرض.
٢ - فصل:
[الاستنجاء بغير الماء]، وكذلك كلّ ما يقوم مقام الحجارة؛ من الآجر والخزف والتراب والخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود: لا يجوز بغير الأحجار.
[قال مالك]: لا يستنجى بعظم ولا روث، والمستحب الحجارة.
وذكر بعض أصحابنا أنّه إنَّ فعل يجزئه، وهو مكروه. [وليس ذلك كذلك.
وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه].
وقال الشّافعيّ: لا يجزئه.
وهو اختياري، وإن كنا معه نختلف في أصل الإزالة.
٢٢ - مسألة:
الخارج من (٢) السبيلين نادرًا غير معتاد؛ لا ينقض الوضوء مثل: سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، والحصا الخارج من الذكر والدود، وبه قال داود.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ فيه بالطهارة، كلّ ذلك كالمعتاد.
ووافق أبو حنيفة في المني إذا خرج لغير لذة، أنّه لا يوجب الغسل.
_________________
(١) هو: القاضي أبو الفرج عمر بن محمَّد الليثي البغدادي المالكي: صحب إسماعيل القاضي وتفقه معه، كان فصيحا لغويا فقيهًا متقدمًا، من مؤلفاته: الحاوي في مذهب مالك، واللمع في أصول الفقه، توفي عطشا في البرية سنة ٣٣١ هـ. انظر: الديباج: ٢١٥، شجرة النور: ١/ ١١٨.
(٢) في الأصل بزيادة: "غير". وهو مخالف لـ (ط) و(ص): والسياق يأباه.
[ ٧٣ ]
٢٣ - مسألة:
اختلف عن مالك في مسِّ الذكر، والعمل على أنّه: إنَّ مسّه بشهوة بباطن الكف، أو ظاهره من فوق ثوب أو تحته، أو بسائر أعضائه انتقضت طهارته.
وقال الأبهري (١) [٣/ أ]: على هذا كان يعوّل شيوخنا كلهم.
ووافقه أحمد بن حنبل على ذلك بباطن يده أو بظاهرها، وهو قول عطاء والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ينتقض الوضوء على أي وجه كان، وبه قال (٢) سفيان.
وقال الشّافعيّ: إذا مسّه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوءه على كلّ حال لشهوة أو غيرها، وهو أحد قولى مالك وليس عليه العمل، وبه قال إسحاق وأبو ثور والأوزاعي.
وقال أحمد: اليد وغيرها من الأعضاء سواء أنّه ينقض.
وقال الأوزاعي: إنَّ مسّه بأعضاء الطّهارة انتقض، وأمّا غيرها من الأعضاء فلا.
وقال داود: ينتقض وضوءه بمس ذكر نفسه دون غيره.
ولا فرق عندنا بين ذكر نفسه أو غيره، إذا كان على وجه الشهوة.
ولا وضوء [عندنا] من مسِّ الدبر، وبه قال داود.
_________________
(١) هو: أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن صالح الأبهري البغدادي المالكي: الفقيه الحافظ الأصولي، تفقّه بأبي عمر محمَّد بن يوسف القاضي، من مؤلفاته: شرح المختصر الكبير والصغير لابن عبد الحكم، وكتاب الأصول. توفي: ٣٧٥ هـ ـ. انظر الديباج: ٢٥٥، وشجرة النور: ١/ ١٣٦.
(٢) في جميع النسخ بزيادة: "داود"، وهو مناقض لما سيأتي من النقل عنه. وانظر: المحلى: ١/ ٢٣٥.
[ ٧٤ ]
خلافًا للشافعي، فإنّه قال: ينتقض الوضوء بمس الدبر.
٢٤ - مسألة:
اختلف النَّاس في لمس [الرَّجل] المرأة على خمسة مذاهب:
فذهب مالك والشعبي والنخعي وسفيان إلى أن تقبيلها أو مسها لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان لغير شهوة لم ينقض، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ينقض مجرد اللمس إِلَّا أن ينعظ (١)، فيكون انتقاضه باللمس مع الإنعاظ.
وقال الشّافعيّ: ينتقض بكل حال بكل عضو مسها به إذا كان بغير حائل، وحكى أنّه مذهب زيد بن أسلم (٢) والأوزاعي.
وحكي عن الحسن ومحمد بن الحسن (٣) أنّه لا ينقض وإن أنعظ.
وحكي عن عطاء أنّه ينتقض بمس أجنبية - الّتي لا تحلّ له -، فإن كانت زوجته أو أمته لم ينتقض.
واختلف الصّحابة في لفظ الملامسة على وجهين: فقال علي وابن عبّاس وأبو موسى ﵃: إنَّ المراد بالملامسة الجماع.
_________________
(١) الإنعاظ: الانتشار والانتصاب. انظر: المصباح المنير: ٦١٤.
(٢) هو: أبو أسامة زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم المدني: الإمام التابعي الحجة الفقيه، حدّث عن أبيه أسلم - مولى عمر ﵁ -: وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وغيرهم ﵃ وأخرج حديثه الستة. توفي: ١٣٦ هـ. انظر: السير: ٥/ ٣١٦، والتهذيب: ٣/ ٣٤١.
(٣) هو: أبو عبد الله محمَّد بن الحسن الشيباني الكوفي: الإمام العلّامة، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه وعن أبي يوسف، وصنف كتب ظاهر الرِّواية: المبسوط والجامع الصغير والكبير والسير الصغير والكبير والزيادات. توفي: ١٨٩ هـ. انظر: الجواهر المضية: ٣/ ١٢٢، الطبقات السنية (١٩٥١).
[ ٧٥ ]
وقال عمر - ﵁ - وعمّار بن ياسر - ﵁ -: المراد به لمس اليد.
ولم يقل أحد: إنَّ المراد به اللّمس والجماع جميعًا.
٢٥ - مسألة:
من نام مضطجعًا أو قاعدًا أو راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، وبه قال أبو حنيفة في المضطجع.
وللشافعي قولان: قول: يفرّق فيه بين كونه في الصّلاة وغيرها، فلا ينقض في الصّلاة كنوم القاعد. و[القول] الآخر مثل قولنا.
وعند المزني (١) أن النوم حدث ينقض الوضوء؛ قليله وكثيره على كلّ حال، وإن كان قاعدًا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إِلَّا في المضطجع وحسب.
واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض [الوضوء].
وروي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - وأبي مجلز (٢) وعمرو بن دينار (٣)
_________________
(١) هو: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري: الفقيه الإمام، أخذ عن الشّافعيّ، وقال فيه، المزني ناصر مذهبي، من مؤلفاته: المختصر - من الكتب المعتمدة في الفتوى -، والمبسوط. توفي: ٢٦٤ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٢/ ٩٣، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٥٨.
(٢) هو: أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري: الإمام الثقة، من التابعين المشهورين، روى عن ابن عبّاس وأنس وأبي موسى وغيرهم ﵃ أخرج حديثه الستة. توفي: ١٠٦ هـ. انظر: تهذيب الكمال: ٣١/ ١٧٦، تهذيب التهذيب: ١١/ ١٥١.
(٣) هو: أبو محمَّد عمرو بن دينار المكي الأثرم الجمحي مولاهم: التابعي الجليل والإمام الكبير الحافظ، أحد الأعلام ومفتي الحرم في زمانه، سمع من ابن عبّاس، وجابر، وابن عمر ﵃ وغيرهم. توفي: ١٢٥هـ. انظر: السير: ٥/ ٣٠٠، التهذيب: ٨/ ٢٦.
[ ٧٦ ]
وحميد الأعرج (١) أنّهم قالوا: لا وضوء من النوم أصلًا على أي حال كان، وإنّما ينقض [الوضوء] ما يخرج [منه وتيقنه] في نومه.
٣ - فصل:
إذا طال نوم الجالس ورأى المنام فعليه الوضوء، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد.
ولم يفرّق أبو حنيفة والشّافعيّ بين نوم الجالس والقائم، وقالا: لا ينتقض الوضوء وإن طال.
الخارج من [بدن الإنسان من] غير السبيلين مثل: القيء والرَّعاف و[دم] الفصاد والدمل، فلا وضوء فيه كما لا وضوء في الجشاء المتغير والقهقهة وما أشبه ذلك، وبه قال ربيعة والحسن والشّافعيّ وداود وجماعة من الصّحابة -﵃-.
وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب: فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء، والخارج من سائر البدن غير القيء، [فإنّه] إذا سال نقض الوضوء، وإن ظهر ولم يسل فلا ينقض.
وأمّا القيء إذا ملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض، وفرّق بين اليسير منه والكثير.
[فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيلين، فعنده ينقض الوضوء، وعندنا وعند الشّافعيّ لا ينقضه].
٢٧ - مسألة:
القهقهة في الصّلاة لا تنقض الوضوء [٣/ب]، وهي عندنا كالكلام
_________________
(١) هو: أبو صفوان حميد بن قيس الأعرج المكي الأسدي مولاهم: الإمام قارئ أهل مكّة، كان ثقة كثير الحديث روى عن مجاهد والزهري وغيرهما، أخرج له الستة. توفي: ١٣٠هـ. انظر: تهذيب الكمال: ٧/ ٣٨٤، تهذيب التهذيب: ٣/ ٤١.
[ ٧٧ ]
لغير إصلاح الصّلاة يبطلها، ولا تنقض الطّهارة، وبه قال من الصّحابة: أبو موسى وجابر -﵄-، ومن التابعين: عطاء والزهري، ومن الفقهاء: الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وداود.
وقال الحسن والنخعي والأوزاعي وسفيان الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه: إنها تنقض الوضوء والصلاة.
وحصل الإجماع على أنّها لا تبطل الوضوء في غير الصّلاة.
وما مسّته النّار مثل: الخبز وغيره، فإنّه لا وضوء على آكله، وهو مذهب أبي بكر وعمر [وعثمان وعلي] وابن عبّاس وابن مسعود -﵃-، والفقهاء عليه أجمعون.
وذهب جماعة من الصّحابة إلى وجوب الوضوء بأكله، وذهب إليه فيما حكي: ابن عمر وأبو طلحة - عمّ أنس - وأنس وأبو موسى وزيد بن ثابت وأبو هريرة -﵃-.
٢٩ - مسألة:
إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أحمد: عليه الوضوء نيئًا كان أو مطبوخًا.
٣٠ - مسألة:
إذا تيقّن الطّهارة وشك في الحدث [بعد ذلك] فعليه الوضوء، هذا ظاهر [قول مالك] (١).
وروى عنه ابن وهب [أنّه قال: أحب إلى أن يتوضأ] (٢).
_________________
(١) في الأصل: "المذهب"، والمثبت من (ط).
(٢) في الأصل: "عن ابن وهب استحباب الوضوء". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٦٣٩.
[ ٧٨ ]
واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو مستحب.
وقال بعضهم: هو واجب، وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو بكر الأبهري.
وهو اختياري.
وقال الحسن: إنَّ شك وهو في الصّلاة بني على يقينه، ولم يقطع صلاته، وإن كان خارجًا عن الصّلاة أخذ بالشك، وروي هذا عن مالك.
وروي: أنّه يقطع [الصّلاة] ويتوضأ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما: يبني على يقينه وطهارته صحيحة.
إذا جامع الرَّجل المرأة والتقى الختانان، وجب عليهما (١) الغسل وإن لم ينزلا، وإليه ذهب جميع الفقهاء إِلَّا داود، وهو مذهب أكثر الصّحابة - ﵃-.
وذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إِلَّا بالإنزال منهم: أبيّ بن كعب وسعد [بن أبي وقّاص وأبو سعيد الخدري، وغيرهم]-﵃-.
٣٢ - مسألة:
إذا أُدخل ماء الرَّجل في قبل المرأة، فلا غسل عليها إِلَّا أن تنزل.
وقال عطاء: عليها الغسل.
واختلف إذا خرج ماء الرَّجل من فرج المرأة بعد البول، فقال قتادة وغيره: تتوضأ لا غير. وقال الحسن البصري: تغتسل.
_________________
(١) في الأصل: "عليه". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٦٥٠.
[ ٧٩ ]
[خروج المني] من غير مقارنة اللَّذَّة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة سواء كان قبل البول أو بعده، فإن اغتسل ثمّ خرج منه مني، لم يجب عليه الغسل.
وقال الأوزاعي: إذا خرج منه المني قبل البول أعاد الغسل، وإن خرج بعده لم يعد الغسل، وحكي عن أبي حنيفة مثل ذلك.
وقال الشّافعيّ: عليه إعادة الغسل؛ سواء خرج منه قبل البول أو بعده.
٣٤ - مسألة:
إمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك.
وقال بعض أصحابه: هو مستحب، مثل: أبي الفرج المالكي وغيره، وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ.
وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه.
٣٥ - مسألة:
ولا بأس بالوضوء من فضل الحائض والجنب في الإناء بعد فراغهما من غسلهما، [فيجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها]، وهو مذهب الفقهاء كافة.
وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز للرجل الوضوء بفضل المرأة من الوضوء والغسل إذا كانت منفردة، ووافقنا على (١) أنّه يجوز للمرأة أن تتوضأ بفضل ماء الرَّجل وماء المرأة، ويتوضأ الرَّجل بفضل الرَّجل خاصّة، وكذلك إذا استعمله الرَّجل والمرأة معًا جميعًا، جاز أن يتوضأ الرَّجل من فضله.
٣٦ - مسألة:
[عند مالك أن] المياه كلها قليلها وكثيرها؛ عذبًا كان أو أجاجًا؛ ماء
_________________
(١) في الأصل: "عليه". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٦٨٦.
[ ٨٠ ]
بحر أو غيره، لا يخرجه عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره؛ إِلَّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه [٤/ أ].
فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره، وغلب عليه فهو طاهر غير مطهر.
وإن خالطته نجاسة فغلبت عليه بلون أو طعم أو ريح، فهو غير طاهر ولا مطهّر، قليلًا كان أو كثيرًا.
وأجمع فقهاء الأمصار على أن مياه البحار عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطّهارة والتطهير، إِلَّا ما كان يحكى عن قوم أنّهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر.
وروي عن أبي بكر وعمر وابن عبّاس وغيرهم -﵃- أنّهم قالوا: لا فرق بين مياه البحار وغيرها.
وحكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر -﵃- استعمال التَّيمُّم مع وجود ماء البحر.
[وقال عبد الله بن عمرو -﵄-: التَّيمُّم أحب إلى منه].
وحكى بعض النَّاس جواز التوضؤ به عند الضّرورة.
٣٧ - مسألة:
المستعمل من الماء مكروه عند مالك، مثل: أن يجمع وضوءه [من الحدث] أو غسله من الجنابة (١) في إناء، فيتوضأ به كرة أخرى أو يغتسل به [من الجنابة].
وقال ابن القاسم (٢) في موضع آخر: إنّه لا يستعمل، وإن لم يجد غيره يتيمم.
_________________
(١) في الأصل: "الحدث". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٧٠٥.
(٢) هو: أبو عبد الله عبد الرّحمن بن القاسم العتقي المصري: الحافظ الحجة الفقيه، أثبت النَّاس في مالك، وأعلمهم بأقواله، صحبه عشرين سنة، وتفقه به وبنظرائه، روى عنه الموطَّأ، وله في مدونة سحنون الحظ الأكبر من مسائل الفقه، والرواية عن مالك، وعليها مدار الفتوى. توفي: ١٩١ هـ. انظر: الديباج: ١٤٦، شجرة النور: ١/ ٨٨.
[ ٨١ ]
وقال الأبهري: [معناه] يتوضأ به ويتيمم [ويصلّي].
وبعض أصحابنا ذكر أنّها رواية أخرى في أنّه لا يجوز التوضؤ به.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّه نجس، سواء كان من جنابة أو وضوء حدث أو مجدد.
وقال محمَّد بن الحسن: هو طاهر غير مطهّر، وحكى هذا عن أبي حنيفة بعض أصحابنا وأن أبا يوسف يقول: هو نجس، والصّحيح أنّهما يقولان بنجاسته ومحمد يقول: إنّه طاهر غير مطهّر.
والظاهر من قول الشّافعيّ أنّه طاهر غير مطهّر، واختلف أصحابه في النقل عنه:
فقال بعضهم عنه: [ليس له إِلَّا قول واحد: إنّه] (١) طاهر غير مطهّر.
وقال بعضهم: [إنَّ له قولًا آخر في أنّه] (٢) طاهر مطهّر مثل قولنا، وبه قال النخعي والحسن والزهري وداود.
الماء الّذي ولغ فيه الكلب [عندنا] طاهر؛ لأنّ الكلب [عندنا] طاهر، وغسل الإناء منه تعبّد، وبه قال الزّهريُّ والأوزاعي وداود.
وقال الثّوريّ: يتوضأ به ويتيمم [معه].
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق: الكلب نجس، وولوغه فى الماء ينجسه، ويغسل الإناء لنجاسته.
٣٩ - مسألة:
لا يجوز الوضوء بماء الورد، والشجر، وعرق الدواب، وماء
_________________
(١) في الأصل: "إنّه". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٧٠٧.
(٢) في الأصل: "إنّه". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٧٠٦.
[ ٨٢ ]
العصفر، والكرش (١)، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وكذلك ماء الزعفران.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة: إنّما هو فيما إذا خالطت هذه الأشياء الطاهرة الماء، وغلب عليها الماء وتغير اللون والطعم والريح، فلا يجوز عندنا ولا عند الشّافعيّ التطهير به، ويجوز عند أبي حنيفة.
وإذا كانت هذه الأشياء غالبة على الماء لم يجز الوضوء به عندنا [وعنده] (٢) ولا عند الشّافعيّ.
وقال الأصم (٣): يجوز الوضوء [بهذه المياه كلها] (٤) على كلّ وجه.
٤٠ - مسألة:
لا يجوز الوضوء بالنبيذ نيئًا كان أو مطبوخًا مع وجود الماء، ولا مع عدمه؛ تمريًّا كان أو غيره، وإن كان مشتدًّا فهو نجس [لا يجوز شربه ولا الوضوء به]، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف، وهو الّذي يعرف من مذهب عمر وابنه -﵄-.
وقال الأوزاعي: يجوز الوضوء بسائر الأنبذة، وروي مثله عن علي -﵁ -.
وبه قال أبو حنيفة عند عدم الماء في مطبوخ التّمر وإن أسكر، بخلاف النيء والنقيع لا يتوضأ به عنده.
_________________
(١) في الأصل و(ط): "الكرفس". والمثبت من (ص): ٢/ ٧٦٤. وقد بينه المؤلِّف بأنّه: "الماء الّذي يخرج من كرش الجزور إذا نحر". انظر: عيون الأدلة: ٢/ ٧٦٥.
(٢) مثبت من (ص): ٢/ ٧٦٤.
(٣) هو: أبو بكر عبد الرّحمن بن كيسان الأصم المعتزلي: صاحب المقالات في الأصول، كان من أفصح النَّاس وأورعهم وأفقههم، من مؤلفاته: كتاب في التفسير، وكتاب الحجة والرسل، وكتاب الأسماء الحسنى. توفي: ٢٠١ هـ. انظر: السير: ٩/ ٤٠٢، لسان الميزان: ٣/ ٤٢٧.
(٤) في الأصل: "به". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٧٦٥.
[ ٨٣ ]
وروي أنّه رجع عنه.
فأمّا مع وجود الماء فلا يتوضأ به عنده في حضر ولا سفر.
وقال محمَّد: يتوضأ به ويتيمم.
لا تجوز إزالة النّجاسة من الثّوب والبدن وغيرهما بمائع سوى الماء الّذي يجوز التوضؤ به، وبه قال الشّافعيّ ومحمد وزفر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز [٤/ب] بكل مائع مزبد طاهر.
فأمّا الدهن والمرق فروي عنه أنّه لا يجوز به إزالة.
وأصحابه يقولون: إذا زالت النّجاسة به.
وكذلك للنار والشمس مدخل في الإزالة عنده، وجلد الميِّتة إذا جف بالشمس (١) عنده طهر بغير دبغ، وكذلك إذا كانت على الأرض نجاسة فإنها إذا جفّت بالشمس تطهير، وتجوز الصّلاة عليها، ولا يصح التَّيمُّم بذلك التراب، وكذلك يقول في النّار: إنها تزيل النّجاسة.
٤٢ - مسألة:
الماء المتغير بالنّجاسة نجس إذا تغيّر (٢) أحد أوصافه: طعمه أو لونه أو ريحه قليلًا كان أو كان كثيرًا، من غير أن يقدر الماء بمقدار.
وإن لم يتغير فهو طاهر قليلًا كان أو كثيرًا، ولا خلاف في المتغير، وبه قال الحسن والنخعي وداود.
وقال محمَّد بن مسلمة: الماء القليل إذا وقعت نجاسة فيه نجس، وإن لم يتغير بخلاف الكثير.
_________________
(١) في الأصل: "بالشخض". وهو تحريف بيّن والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ٨٢٥.
(٢) في الأصل بزيادة: "فهو طاهر". وهو تكرار؛ سببه انتقال العين إلى السَّطر الّذي يليه. والتصحيح موافق لـ (ط) و(ص): ٢/ ٨٤٩.
[ ٨٤ ]
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالاختلاط فمتى اختلطت النّجاسة بالماء نجس، إِلَّا أن يكون كثيرًا.
وحد الكثرة عنده: ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت النّجاسة فيه فتحرك أحد جانبيه ففيه روايتان:
إحداهما: أنّه نجس، أعني: الجانب الّذي تحرك خاصّة، دون الجانب الّذي لم يتحرك، إلى حد يعلم التحرك منه، وانتشار النّجاسة فيه.
والرواية الأخرى: إنَّ الكل طاهر ولا يعتبر التغير أصلًا.
وقال الشّافعيّ: إنَّ كان الماء قلتين لم ينجس إِلَّا بالتغير، وإن كان دونها نجس وإن لم يتغير، وبه قال أحمد وإسحاق.
٤٣ - مسألة:
اختلف عن مالك في جلود الميِّتة من جميع الحيوانات بعد الدباغ، فالظاهر من مذهبه أنّها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الجامدات، و[في] الماء خاصّة من سائر المائعات، [فإنّه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصّة، ولا أضيقه على النَّاس].
والرواية الأخرى: أنّها طاهرة كلها إِلَّا جلد الخنزير؛ لأنّ الذّكاة لا تعمل فيه فالدباغ أولى، [وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه الذّكاة].
وبالقول الأوّل أخذ أحمد، إِلَّا أنّه لا يبيح الانتفاع منها في شيء ما؛ [لأنّها كلحم الميِّتة].
وبالثّاني أخذ أبو حنيفة، [إِلَّا في الخنزير كقولنا]، وكذلك الشّافعيّ إِلَّا [في الخنزير و] الكلب خاصّة.
وقال أبو يوسف وداود: يطهر جلد جميع الحيوانات بالدباغ والخنزير.
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد كلّ ما يؤكل لحمه دون غيره.
[ ٨٥ ]
[و] الزّهريُّ قال: يجوز الانتفاع بجلد الميِّتة قبل أن تدبغ، مع كونها نجسة لا (١) أنّها طاهرة.
هكذا وجدته في النسخة.
الذّكاة تعمل في جلود السِّباع كلها إِلَّا الخنزير، ويجوز بيعها والتوضؤ فيها وإن لم تدبغ، والكلب من جملتها، وبه قال أبو حنيفة، وأن جميع أجزائه من جلد ولحم طاهر، إِلَّا أن أكله مكروه عندنا، وعنده محرّم.
وقال الشّافعيّ: لا تعمل الذّكاة فيها شيئًا، ولا فرق بين موتها وذكاتها.
٤٥ - مسألة:
شعر الميِّتة وصوفها ووبرها طاهر [عندنا] لا تحلّه الموت؛ كان ممّا يؤكل لحمه أم لا، وشعر ابن آدم والكلب والخنزير طاهر في الحياة والموت، وبه قال أبو حنيفة.
و(٢) [لكن] زاد [علينا فقال]: القرن والسن والعظم، وقال: فإنها لا تحلّها الحياة مثل الشعر، فلا ينجس بالموت عنده.
وقال الحسن والليث والأوزاعي: الشعور كلها نجسة [بالموت، و] لكنها تطهر بالغسل.
وعن الشّافعيّ ثلاثة أقوال: أحدها: نجاسة الشعر كله بالموت.
والثّاني: أنّه طاهر كقولنا.
والثّالث: أن شعر ابن آدم [وحده] طاهر، وما عداه نجس.
_________________
(١) في الأصل: "إِلَّا"، وفي (ط): "لأنّها". وهو سر تعجب الناسخ والله أعلم. والمثبت من (ص): ٢/ ٨٨٦.
(٢) في الأصل بزيادة: "أن جميع أجزائه". وهي غير ثابتة في (ط) و(ص): ٢/ ٩١٥. والعبارة هكذا غير مستقيمة، إِلَّا إذا افترضنا سقطا، وقدّرناه هكذا: "وبه قال أبو حنيفة وأن جميع أجزائه الّتي لا حياة فيها طاهرة فزاد ". والله أعلم بالصواب.
[ ٨٦ ]
٤ - فصل:
فأمّا عظم الميِّتة، وقرنها، وسنها، وريشها، وعظم الفيل ونابه إذا كان ميتة، فهو نجس عندنا، [فإن ذكي فهو طاهر].
وقال أبو حنيفة: جميعها طاهرة.
وقال الشّافعيّ مثلنا.
٤٦ - مسألة:
يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، لا يجزئ [٥/أ] دونها إنَّ أريد استعماله، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إنّه يغسل مثل غيره من النجاسات، لا يجزئ دونها حتّى يغلب على ظنه زوال النّجاسة، ولو بالمرة الواحدة يجزئ إذا غلب على ظنه، وإن لم يغلب على ظنه أعاد ولو عشرين مرّة؛ لأنّه عنده نجس.
وقال بعض أصحابه: الواجب مرّة واحدة، وما زاد مستحب.
وقال بعضهم: يغسل ثلاثًا.
وقال أحمد: يغسل ثمان مرات، إِلَّا أن الثامنة بالتراب عنده.
ومن حكم بنجاسته أوجب غسله، ومن قال: هو طاهر فغسل الإناء عنده عبادة مسنونة.
٥ - [فصل] (١):
وغسل الإناء من ولوغ الخنزير غير واجب عندنا.
وروى [عنه]، مطرف (٢) أنّه يغسل سبعًا كالكلب، وبه قال الشّافعيّ.
_________________
(١) مثبت من (ص): ٢/ ٩٥١.
(٢) هو: أبو مُصْعَب مُطَرِّف بن عبد الله بن مطرف اليساري الهلالي المدني: الثقة الفقيه المقدّم، ابن أخت مالك، صحبه سبع عشرة سنة، وروى عنه الموطَّأ، قال أحمد: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك، وأخرج له البخاريّ. توفي: ٢٢٠ هـ. انظر: الديباج: ٣٤٥، شجرة النور: ١/ ٨٦.
[ ٨٧ ]
وحكى عنه أبو العباس ابن القاص (١) في القديم غسله مرّة واحدة.
وقول أبي حنيفة فيه كقوله في الكلب.
وأمّا غسل الإناء من سائر النجاسات؛ فليس له عندنا عدد موقت محصور، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أحمد: يغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب، كقوله في الكلب والخنزير.
وسؤر جميع ذلك طاهر لا يفسد الماء إذا وقع فيه.
[غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، فإن لم يردّ استعماله لم يجب غسله، هذا مذهب الفقهاء، إِلَّا قومًا من المتأخرين، فإنّه حكي عنهم: [أنّه يجب غسله] (٣) سبعًا، سواء أريد استعماله أم لا.
والأصل: أنّه لا يخلو أن يكون غسله؛ إمّا لنجس أو لطهارة حدث أو لتعبد على ما نقول].
٤٨ - مسألة:
ما ليس له نفس سائلة؛ كالعنكبوت، والزنبور، والعقرب، والخنفساء، والجعل، والبرغوث، وما تولّد من دود الخل والباقلاء والجبن والفواكه وغير ذلك لا يفسد شيئًا من المائعات ماءً أو غيره، [في ذلك سواء عندنا] وعند أبي حنيفة].
_________________
(١) في جميع النسخ: "ابن القاضي". والمثبت هو الأصح. انظر: الحاوي الكبير: ١/ ٣١٦، المهذب: ١/ ٤٩، المجموع: ٢/ ٦٠٣. وهو: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطّبريّ بن القاص الشّافعيّ: أحد أئمة المذهب، أخذ الفقه عن ابن سريج، كان إمام طبرستان في وقته، من مؤلفاته: التخليص، المفتاح، أدب القاضي. توفي: ٣٣٥ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ٥٩، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٠٦.
(٢) لم ترد هذه المسألة في الأصل، وثبتت في (ط): ١/ ١٩٢، و(ص): ٢/ ٩٦٧.
(٣) لم ترد في الأصل و(ط)، وثبتت في (ص): ٢/ ٩٦٧.
[ ٨٨ ]
وقال الشّافعيّ (١): كلّ ما تولد في شيء من جميع ما ذكرناه من الدود وغيره، إذا مات في [ذلك الشيء] تنجّس هو في نفسه، ولم ينجّس ما مات فيه، ولو أخرج الدود وطرح في شيء نجّسه إذا كان ميّتًا.
وما لم يتولّد من شيء، مثل: الذباب، والعقرب، والزنبور، والبرغوث، إذا وقع في شيء من المائعات فمات فيها، فإنّه على قولين: أحدهما: أنّه ينجّسه، والآخر: أنّه لا ينجّسه، وإن كان هو في نفسه نجسًا.
جميع النجاسات عند مالك سواء؛ قليلها وكثيرها في حكم الإزالة سوى الدّم، فإن قليله معفو عنه من سائر الدماء كلها.
وروى عنه ابن وهب: أنّه فرّق بين دم الحيض وغيره من الدماء، فجعل قليله ككثيره بخلاف غيره كالمني.
واعتبر أبو حنيفة قدر الدرهم البغلي في سائر النجاسات؛ فما كان قدر الدرهم أو دونه عفي عنه، وما زاد عليه لم يعف عنه.
وقال الشّافعيّ: النّجاسة كلها قليلها وكثيرها سواء، وكذلك الدماء إِلَّا في الموضع الّذي لا يمكن التحرّز منه كدم البراغيث.
٥٠ - مسألة:
يغسل بول الصبي والصبية [عندنا، وهو سواء في الحكم، و] سواء أكلا الطّعام أم لا.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "وأبي حنيفة". وهي مخالفة لـ (ط) و(ص): ٢/ ٩٧٢، وغير صحيحة؛ لأنّها مناقضة للمنقول عنه سابقًا.
[ ٨٩ ]
٥١ - مسألة:
إذا توضأ ونوى بوضوئه [أن يصلّي] صلاة بعينها؛ فرضًا أو نافلة أو مس مصحف أو صلاة على جنازة، [فإن حدثه يرتفع، و] جاز له أن يصلّي به سائر الصلوات، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن داود قال: لا يصلّي به إِلَّا ما نواه من الصلوات بوضوئه ذلك.
وإن قصد استباحة صلاة بعينها دون غيرها، فروي عن أصحاب الشّافعيّ: فيه ثلاث أوجه:
أجودها: أن حدثه يرتفع ويستبيح به غيرها من الصلوات؛ لأنّ الحدث قد ارتفع، وإذا ارتفع لصلاة ارتفع لغيرها.
والثّاني: لا يرتفع حدثه، ولا تصح به صلاة المعيّنة ولا غيرها؛ لأنّه نفى استباحة غيرها، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع الصلوات، فلا يتبعّض.
والثّالث: قول بعضهم: تصح به الصّلاة المعيّنة دون غيرها؛ لأنّه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلّي، ولو نوى رفع حدث مطلقًا جاز له، فإذا نوى صلاة بعينها فتصح [٥/ ب] هي دون غيرها؛ لأنّه نواها، وهذا أضعف الوجوه.
قال القاضي: هذا عندي يتخرج على القولين لمالك فيمن اعتقد رفع النية بعد الطّهارة، فروي عنه أن الطّهارة باقية، وروي عنه أنّها ترتفع.
فإن قلنا: لا ترتفع بالرفع، فيصلّي ما نواه والصلاة الثّانية الّتي اعتقد رفع النية الوضوء عنها؛ إذ لا ترتفع.
وإن قلنا: إنها ترتفع صلَّى الصّلاة الّتي نواها، ويبطل ما سواها (١)؛
_________________
(١) في الأصل: "نواها". وهو تحريف؛ لأنّه يناقض الجملة الّتي قبلها والتي بعدها. وفي (ط): "عداها"، وفي (ص) (٢/ ٩٩٨): "وبطلت بعد ذلك: فلا يصلّي بها صلاة أخرى".
[ ٩٠ ]
لأنّه قد اعتقد رفع النية فيما عداها، فلا يصح غيرها.
لا يجوز للجنب أن يدخل المسجد ولا عابر سبيل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يمر فيه عابر سبيل.
٥٣ - مسألة:
بول ما يؤكل لحمه طاهر عندنا، وبه قال محمَّد بن الحسن.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة: إنّه نجس.
٥٤ - مسألة:
المني عندنا نجس، لا يزيل حكمه إِلَّا الغسل بالماء رطبًا كان أو يابسًا، وبه قال أبو حنيفة. إِلَّا أنّه يقول يفرك يابسه ويغسل رطبه.
وعند الشّافعيّ: طاهر كالبصاق.
٥٥ - مسألة:
حكى ابن وهب عن مالك: أن من قبّل، أو جسّ، أو فعل فعلًا [التذ به وأكسل و] (١) لحقته فترة، ولم يخرج منه ماء حتّى توضأ وصلَّى، ثمّ يدفق منه الماء وجب عليه الغسل وإعادة الصّلاة.
والظاهر من مذهب مالك: أن المني إذا لم تقارنه لذة لا غسل فيه، ولا إعادة صلاة صلّيت قبل خروجه.
ومن أصحابنا من قال: يغتسل ولا يعيد ما صلَّى.
٥٦ - مسألة:
إذا حاضت امرأة جنب، [فلا غسل عليها للجنابة حتّى تطهر، ثمّ]
_________________
(١) في الأصل: "ليذ به وكسل أو". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ١٠٣٧.
[ ٩١ ]
أجزأها غسل واحد للجميع، وهو قول جميع الفقهاء.
إِلَّا أهل الظّاهر، فإنهم يرون عليها غسلين.
٥٧ - مسألة:
إذا كان معه إناءان أحدهما نجس، واختلطا ولم يميز له الطّاهر من النجس، ولم يقدر على غيرهما، وحضر وقت الصّلاة، فظاهر قول أهل المدينة: إنَّ الماء لا ينجس، إِلَّا إن تغير أحد أوصافه على ما بيَّنَّا.
وقال ابن الماجشون (١): إنّه يتوضّأ [من أحدهما ويصلّي، ثمّ يتوضأ من الآخر ويعيد الصّلاة] (٢).
وقال [محمّد] بن مسلمة: يتوضّأ من أحدهما ويصلّي، ثمّ يغسل أعضاءه من الآخر، ويتوضّأ منه ويصلّي أخرى.
وقال أبو حنيفة: لا يتحرى في الإناءين، لكن يتيمم ويتركهما، ويتحرى في الثلاث أواني فأكثر، وبه قال المزني.
وقال الشّافعيّ: يتحرّى ويتوضّأ بما غلب على ظنه منهما، ويريق الآخر.
_________________
(١) هو: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون التميمي مولاهم المدني المالكي: الفقيه ابن الفقيه، تفقه بمالك وبأبيه، ودارت عليه الفتوى في أيامه، وكان ابن حبيب يرفعه في الفهم على أكثر أصحاب مالك، من مؤلفاته: كتاب سماعاته، وكتاب في الفقه. توفي: ٢١٢ هـ. انظر: الديباج: ١٥٣، شجرة النور: ١/ ٨٥.
(٢) في الأصل: "بكل واحد وضوءًا ويصلّي صلاتين". والمثبت من (ط) و(ص): ٢/ ١٠٤٧.
[ ٩٢ ]