١٣٤٩ - مسألة:
إذا ثبت هلاك العارية لم يضمنها المستعير؛ سواء كان حيوانًا أو حليًا أو ثيابًا، ممّا يظهر أو يخفى، إِلَّا أن يتعدى فيها. هذه أظهر الروايات عن مالك.
وروى عنه ابن عبد الحكم وأشهب: فيما يخفى هلاكه ممّا يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، أنّه مضمون وإن ثبت هلاكه.
وليس العمل على هذا بل على الرِّواية الأولى: أنّه لا يقبل قول المستعير في هلاك ما يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، إِلَّا أن تقوم له بينة، ويقبل قوله فيما لا يغاب عليه؛ مثل: الحيوان والدكاكين والدور، هذا فيما يظهر هلاكه وتلفه للناس.
وقالت طائفة: إنها أمانة من كلّ وجه، ولا يضمن بالتلف، إِلَّا أن يتعدى المستعير، ويقبل قوله في تلفها، ذهب إليه الحسن البصري والنخعي والأوزاعي والثوري [٨٠/ ب] وأبو حنيفة وأصحابه.
وذهب الشّافعيّ: إلى أنّها مضمونة على المستعير على كلّ وجه؛ سواء ثبت هلاكها أو ادعاه، كما لو تعدى فأتلفها، لا فرق عنده بين ما يغاب عليه أو لا يغاب عليه، وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل.
وذهب قتادة والحسن وعبيد الله بن الحسن: إلى أنّه إذا اشترط المعير
[ ٥٦٩ ]
على المستعير الضمان، صارت مضمونة عليه بالشرط، وإن لم يشترط الضمان عليه لم يضمن.
وبه قال أشهب فيما لا يغاب عليه، وقال فيما يغاب عليه: إنّه مضمون وإن قامت بينة على هلاكه، على الرِّواية الأخرى عن مالك، الّتي رواها هو وابن عبد الحكم عنه، ويقول في هذه: إن المستعير إن شرط أن لا ضمان عليه نفعه ذلك، ولم يكن عليه ضمان.
١٣٥٠ - مسألة:
إذا أعاره بقعة ليبني فيها أو يغرس، فبالقول والقبول يلزمه ذلك، وليس له في ذلك رجوع وإن لم يوقت له مدة، وكان للمستعير مدةٌ ينتفع في مثلها بمثل ما استعارها له، ثمّ للمعير عند تمام ذلك أن يطالبه برد أرضه عليه.
فإن كان قد غرس أو بنى، فللمعير أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا كان ينتفع بما يقلعه، وإن لم ينتفع بما يقعله لم يكن له ذلك؛ مثل: حك التزاويق، أو قلع تراب قد ردم.
[وإن كان له مدة فليس له أن يرجع قبل انقضائها، ثمّ ينظر؛ فإن كان المستعير قد بنى وغرس فيها، فسواء اشترط عليه قلع ذلك أو لم يشترطه، فإن الخيار للمعير في دفع قيمة ذلك إليه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا انتفع، لما ضرّ به] حفرا أو ما أشبه ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: للمعير أن يرجع في العارية، ما لم يحدث فيها من أعيرت له حدثا، فإن أحدث فيه ابناء أو غرسًا، فقال أبو حنيفة: إن لم يكن وقت لها وقتا، فله أن يجبره على قلع ذلك؛ سواء مضت له مدة، له فيها انتفاع بذلك أو لا، وإن كان وقت لها مدة، فليس له أن يجبره على قلعه قبل انقضائها، وعليه قيمة البناء والغرس للمستعير.
وقال الشّافعيّ: إن كان شرط عليه القلع، فلا فرق بين أن يوقت له مدة أو لا يوقت، فإن له أن يجبره على قلعه أي وقت اختار، وإن أطلق
[ ٥٧٠ ]
ذلك ولم يشترط عليه القلع، فليس له أن يطالبه بقلعه أبدًا، فإن اختار المستعير قلعه فله، وإلا لم يجبر عليه.
إذا استودع دراهم أو دنانير، أو شيئًا ممّا إذا أتلفه لزمه مثله، ثمّ استنفق ذلك كله وأتلفه، ثمّ رد مثله إلى مكانه من الوديعة، ثمّ تلف ذلك بغير صنع، فلا ضمان عليه؛ سواء رده بعيبه بعد أن أخرجه أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه بعد أن أخرجه لينفقه، لم يضمن تلفه بعد ذلك، وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان.
وقال الشّافعيّ: هو ضامن على كلّ حال، بنفس إخراجه منها لتعديه، ولا يسقط عنه الضمان؛ سواء رده بعينه إلى حرزه، أو رد مثله.
[وكذلك] عند مالك [لو خلط] دراهم الوديعة، أو الدنانير أو الحنطة بمثلها حتّى لا تتميز، لم يكن عنده ضامنا للتلف.
وعند أبي حنيفة [والشّافعيّ]: هو ضامن؛ سواء بقي ذلك مختلطًا أو تلف.
١٣٥٢ - مسألة:
إذا قبضت الوديعة ببينة لم يبرأ قابضها إِلَّا ببينة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقبل قوله.
١٣٥٣ - مسألة:
إذا كانت الوديعة مثل الثِّياب والدواب وغيرها، فتعدى باستعمالها ثمّ ردها، فصاحبها المودع بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، وبين أن يأخذ منه كرائها، ولم يذكر أي شيء حكمها إن تلفت بعد ردها إلى موضع الوديعة [٨١/أ].
لكنه يجيء على قوله: إنّه إذا أخذ منه الكراء، كانت من ضمان المودع بعد وقت أخذ الكراء، وإن أخذ منه القيمة صارت من ضمان
[ ٥٧١ ]
المودع، ولم يقل في الثّوب كيف يعمل إذا لبسه ولم يبله، ثمّ رده إلى حرزه ثمّ تلف، وكذلك غيره من الثِّياب.
والذي يقوى في نفسي: أنّه إذا كان الشيء ممّا لا يوزن ولا يكال؛ مثل: الثِّياب والدواب وغير ذلك، ممّا إذا أتلفه كان عليه قيمته لا مثله؛ فإنّه يكون متعديًا باستعماله خارجًا عن الأمانة، فبرده إلى موضعه لا يسقط عنه الضمان بوجه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا تعدى ورده بعينه، ثمّ تلف لم يلزمه ضمان.
[ ٥٧٢ ]