١٤٨٣ - مسألة:
اختلف في توريث ذوي الأرحام ممّن لا سهم له في القرآن، وهم: أولاد البنات ذكورًا وإناثًا، وأولاد الإخوة للأم ذكورًا وإناثًا، وبنات الأخ وبَنات العم والخال والخالة والعمة، والجد أبو الأم، والعم أخو الأب لأمه [٨٩/ب] وبنيه، والجدة أم أبي الأم، ومن أدلى بهم.
فذهب مالك والشّافعيّ: إلى أنّهم لا يرثون، ويرجع مال الميِّت لبيت المال، وبه قال زيد بن ثابت.
وحكي عن عمر وابنه عبد الله [وابن عبّاس] ﵃ ما يدلُّ عليه، وبه قال الزهريّ والأوزاعي وداود.
وذهب أبو حنيفة وأهل العراق: إلى أنّهم يرثون، لكن المولى يقدم عليهم، وبه قال أحمد وإسحاق، وعن عمر وابن عبّاس -﵃- ما يدلُّ عليه، وهو قول علي وابن مسعود -﵄-، إِلَّا أن هؤلاء يقدمونهم على المولى، فإذا مات وخلّى مولى وذوي رحم، فالمال لذوي الأرحام، وإن لم يكونوا فللموالي.
وأجمعوا: أنّهم لا يرثون مع عصبة، ولا مع ذي رحم له سهم.
إِلَّا ما يحكى عن ابن المسيَّب: أنّه يورث الخال مع البنت.
وقد حكي عن أبي بكر [وعمر] وعثمان ﵃ مثل قول مالك والشّافعيّ.
[ ٦٢٤ ]
١٤٨٤ - مسألة: في الرَّدِّ
إذا مات رجل وخلف أمه فقط، فلها ثلث ماله والباقي لبيت المال، وكذلك إن خلف بنتًا فقط، فلها النّصف وما بقي لبيت المال، وكذلك أختًا شقيقة أو لأب، فلها النّصف والباقي لبيت المال، وإن كانت لأم، فلها السدس [وإن كان معها جدة لأب فلها السدس، والباقي لبيت المال]، وبه قال [مالك و] الأوزاعي والشّافعيّ، وهو قول زيد بن ثابت -﵁ -، وروي مثله عن أبي بكر ﵁، وعن عمر (١) ﵁.
وقال أبو حنيفة: للبنت المالى كله؛ نصف بالفرض ونصف بالرد، وكذلك الأم لها الثلث بالفرض والباقي بالرد، وكذلك جميع من له سهم مفروض، وهو قول علي وابن مسعود -﵄-.
وقال الشّيخ أبو الحسن - ﵀ -: الصّحيح عن علي وابن عبّاس وابن مسعود وعثمان -﵃- أنّهم لا يورثون ذوي الأرحام، ولا يردون على أحد، وإنّما هذا الّذي يحكى عنهم في الرَّدِّ والتوريث لذوي الأرحام، حكايته فعل لا قول.
وابن خزيمة وغيره من حفاظ الحديث يدّعون الإجماع في هذا.
وعن ابن عبّاس -﵄- رواية في الرَّدِّ مثل مذهب - زيد ﵁ -، ورواية مثل مذهب علي -﵁ -، ورواية في الجدة وحدها مثل ابن مسعود -﵁ -، وكان علي -﵁ - يردّ على كلّ أحد إِلَّا الزوج والزوجة، وحكي عنه الرَّدِّ على الزوج، وعن عثمان -﵁ - مثله، وكان ابن مسعود -﵁ - يردّ على كلّ أحد إِلَّا ستة.
وعن ابن عبّاس وابن عمر -﵃- روايتان: أحدهما مثل مذهب علي وابن مسعود -﵄-، والأخرى مثل مذهبنا.
_________________
(١) في الأصل: "ابن عمر"، والمثبت من (ط).
[ ٦٢٥ ]
لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ والفقهاء، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد وابن عبّاس وجابر -﵃-.
وقال معاذ بن جبل ومعاوية ﵄، ومحمد ابن الحنفية (١) ومحمد بن على بن الحسين (٢) وسعيد بن المسيَّب ومسروق والنخعي: يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم، قالوا: كما يتزوج المسلم الكافرة، ولا يتزوج الكافر المسلمة.
١٤٨٦ - مسألة:
اختلف في مال المرتد إذا مات على ردته، على ثلاثة مذاهب:
منها: أن جميع ماله الّذي كسبه في ردته وفي إسلامه فيء لبيت المال، وهو قولنا وقول ربيعة والشّافعيّ وأبو ثور وأحمد.
والثّاني: أنّه يكون لورثته المسلمين، اكتسبه في إسلامه أو في ردته، وبه قال علي -﵁ -، وابن مسعود -﵁ -، والأوزاعي والحسن وأبو يوسف ومحمد.
والثّالث: أن ما اكتسبه في إسلامه لورثته المسلمين، وما كان في ردته لبيت المال، وبه قال سفيان الثّوريّ وأبو حنيفة.
_________________
(١) هو: أبو القاسم محمَّد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، المعروف بابن الحنفية - وهي: خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة -: السَّيِّد الإمام التابعي الثقة، رأى عمر ﵁ وروى عنه وعن أبيه ومعاوية وغيرهم ﵃ أخرج له الستة، كان ورعًا كثير العلم، وقد ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء. توفي: ٨١ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ٦٢، السير: ٤/ ١١٠، التهذيب: ٩/ ٣١٥.
(٢) هو: أبو جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني "الباقر" - لتبقّره في العلوم أي تبحّره -، السَّيِّد الإمام: من فقهاء التابعين بالمدينة، جمع بين العلم والعمل والشرف والثقة، روى عن ابن عمر وجابر وأبي سعيد ﵃ وغيرهم، وليس هو بالمكثر في الرِّواية، ولكن له مسائل وفتاو، أخرج له الستة. توفي:١٤٤هـ. انظر: السير: ٤/ ٤٠١، التهذيب: ٩/ ٣١١.
[ ٦٢٦ ]
وحكي عن قتادة أنّه قال: هو لأهل دينه الذين ارتد إليهم، والولاية منقطعة [٩٠/أ].
١٤٨٧ - مسألة:
اختلف في ميراث القاتل على أربعة أقوال:
فظاهر مذهبنا: أنّه لا يرث إذا كان عمدًا من غير شبهة، وإن كان خطأ ورث من المال، ولم يرث من الدية.
وإن كان إمام عادل قتل من يرثه في قصاص، أو زنى إحصان أو حد أو محاربة؛ بإقرار أو ببينة فإن أصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل.
وأرى أن كلّ من لا تلحقه تهمة، فإنّه يرث كالخطأ، وبه قال سعيد بن المسيَّب وعطاء والأوزاعي وإسحاق، وعن علي -﵁ - مثله.
وقال أبو حنيفة: كلّ قاتل لا يرث، إِلَّا الصبي والمجنون، والقاتل إذا كان مع الإمام، وقتل مورثه وهو باغ؛ لأنّه طائع.
وظاهر مذهب الشّافعيّ وما عليه أصحابه: أنّه لا فرق بين العمد والخطأ؛ سواء قتله مباشرة أو بسبب قامت به بينة، أو أقر على أي حال كان، متى دخل تحت اسم قاتل، حتّى لو قصده أو حجمه فمات لم يرثه.
ولأصحابه في ذلك تفصيل: قال بعضهم: كلّ قاتل تلحقه التهمة لا يرث، وكل من لا تلحقه تهمة يرث؛ [مثل]: من يجيء إلى الإمام وهو مورثه، فيعترف عنده بما يوجب قتله فإنّه يرثه؛ [لأنّه قتله ولا تلحقه التهمة في قتله، وكذلك المحارب إذا قدر عليه قبل توبته فإنّه يرثه]، فإن قتله حتم لا اجتهاد فيه.
وهذا يقوى في نفسي.
وبمثل قول الشّافعيّ قال عمر [وابن عمر] وابن عبّاس -﵃-، والحسن وأحمد [وإسحاق].
[ ٦٢٧ ]
وقال قوم من البصريين والزهري: إن القتل لا يمنع الميراث؛ عمدًا كان أو خطأ. وهذا خلاف شاذ.
اختلف في توريث أهل الملل:
فعندنا: لا يرث بعضهم بعضًا إذا كانوا أهل ملتين؛ مثل: اليهود والنصارى والمجوس، وكذلك من عداهم من الكفار إذا اختلفت مللهم، وبه قال الزهريّ وربيعة وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وحكي عن شريح وابن أبي ليلى وشريك بن عبد الله أنّهم قالوا: اليهود والسَّامِرة أهل ملة، والنصارى والصابئون أهل ملة، والمجوس ومن لا كتاب له أهل ملة؛ لا يرث بعضهم بعضًا.
[وقال أبو حنيفة والشّافعيّ ومن تابعهم: إنهم أهل ملة واحدة، يرث بعضهم بعضًا].
١٤٨٩ - مسألة:
الغرقى والقتلى ومن مات تحت ردم والحريق والطاعون، أو يموتون في بيت لا يدرى أيهم مات قبل، لا يورث بعضهم من بعض، وتركة كلّ ميت منهم للأحياء من ورثته.
وهذا ينقسم على أقسام: إمّا أن يعلم أن أحدهم مات قبل صاحبه بعينه، فلا إشكال فيه.
والثّاني: أن يعلم أنّهما ماتا معًا في حالة واحدة، فلا إشكال في هذا أيضًا؛ أن أحدهم لا يرث الآخر.
والثّالث: أن لا يدرى هل ماتا معًا أو مات أحدهما قبل الآخر؟ فالحكم كذلك أيضًا أن أحدهم لا يورث، وأن لا ميراث بينهما.
والرّابع: أن يعلم أن أحدهما مات قبل صاحبه، إِلَّا أنا لا نعرفه بعينه، فكذلك أيضًا.
[ ٦٢٨ ]
والخامس: أن يعلم أحدهما بعينه مات قبل الآخر، غير أنا شككنا وأنسينا، فإن كان في الفريضة تغير فرضناه، ووقفنا في ميراث كلّ واحد منهما؛ لأنّ هناك حالًا ترجى، وجميع المسائل ليس فيها حال ترجى.
قال القاضي: هذا التفصيل ما فصله أصحابنا، لكنه هكذا ينبغي، وهو جميع ما يمكن من الأقسام.
وقد ذكرها في كتاب عيون المجالس (١)، وذكرها هنا يطول.
فقولنا هو قول [الشّافعيّ و] الفقهاء وزيد وأبي بكر -﵄-، وإحدى الروايتين عن عمر وابن عبّاس -﵃-. وأقال، الزهريّ والأوزاعي: أن لا توارث بينهما، ويكون مال كلّ أحد منهما لأحياء ورثته.
وذهب علي -﵁ -، ومن تابعه: إلى أنّه يرث كلّ واحد منهما من تَلادِ ماله (٢) دون طارئه، وإليه ذهب شريح والشعبي والنخعي.
المعتق بعضه لا يرث، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد والمزني: يرث.
١٤٩١ - مسألة:
للجدة السدس، وهو قول الصّحابة والفقهاء.
وروي عن عبد الله بن طاووس (٣) عن أبيه عن ابن [٩٠/ب] عبّاس - ﵄ - أنّه أعطاها الثلث.
_________________
(١) لعلّه يقصد كتاب الأصل: عيون الأدلة. والله أعلم.
(٢) تلاد المال: ما توالد عندك فتلد؛ من رقيق أو سائمة. انظر: لسان العرب: ٣/ ١٠٠.
(٣) هو: أبو محمَّد عبد الله بن طاووس اليماني: الإمام المحدث الثقة، الفقيه ابن الفقيه، سمع من أبيه وأكثر عنه، ومن عكرمة وعمرو بن شعيب وجماعة، ويسوغ أن يعد في صغار التابعين لتقدم وفاته، أخرج له الستة. توفي: ١٣٢ هـ. انظر: السير: ٦/ ١٠٣، التهذيب: ٥/ ٢٣٤.
[ ٦٢٩ ]
اختلف فيما لا يرث؛ كالعبد والقاتل والكافر، ومن في حكمه، ومن أعمي موته، والمرتد، فعندنا لا يرثون ولا يحجبون، وهو قول كلّ النَّاس.
وقال ابن مسعود ﵁ وحده: إن الكافر والعبد وقاتل العمد يحجبون ولا يرثون.
١٤٩٣ - مسألة:
الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس لم يأخذوه، وبه قال جميع الفقهاء والصحابة.
إِلَّا ابن عبّاس -﵄-، فإنّه روي عنه: أنّه يورث الإخوة مع الأب في موضع حجبهم للأم، فيأخذون متى حجبوها عنه.
وروي عنه مثل قول الجماعة.
١٤٩٤ - مسألة:
الجدة أم الأب لا ترث مع الأب الّذي هو ابنها شيئًا، وبه قال عامة الفقهاء، ومن الصّحابة: عثمان وعلي وزيد -﵃-.
وذهب عمر وابن مسعود وأبو موسى وعمران بن حصين -﵃-، وعطاء [وطاووس] وابن سيرين: إلى أنّها ترث مع الأب، فتأخذ السدس إن كانت وحدها، أو شاركت أم الأم فيه إن كانت موجودة، وبه قال أحمد وإسحاق وابن جرير.
١٤٩٥ - مسألة:
الأخوان يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، وهو قول جميع الصّحابة.
[ ٦٣٠ ]
إِلَّا ابن عبّاس -﵄-، فإنّه قال: لها مع الاثنين الثلث، فإن كانوا ثلاثة فلها السدس. وهذا لا خلاف فيه.
وإنّما الخلاف في الاثنين، فقال الفقهاء: لها مع الاثنين السدس، كما يكون لها مع الثّلاثة.
زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان؛ للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج أو الزوجة، وبه قال جميع الصّحابة.
إِلَّا ابن عبّاس -﵄-، فإنّه قال: لها ثك المال كله في المسألتين، وبه قال شريح.
وقال ابن سيرين مثل قوله في زوجة وأبوين، وخالفه في زوج وأبوين.
١٤٩٧ - مسألة:
للبنت الواحدة النّصف، وللبنتين فصاعدًا الثلثان، وروي عن ابن عبّاس -﵄- مثله.
والمشهور عنه: أن للبنتين النّصف كالواحدة، وللثلاث فصاعدًا الثلثان.
وقيل: إن هذا غلط عليه.
١٤٩٨ - مسألة:
إذا استكمل البنات الثلثين، فلا شيء لبنات الابن، إِلَّا أن يكون معهن ذكر في درجتهن، أو أسفل منهن فيكون ما بقي بينه وبين من هو فوقه، وبين من هو في درجته للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول جميع الفقهاء.
إِلَّا ابن مسعود -﵁ -، فإنّه جعل ما بقي للذكر من ولد الابن دون البنات.
[ ٦٣١ ]
بنتان وبنت ابن وابن ابن ابن؛ للبنتين الثلثان، وما بقي فبين ابن ابن الابن، وبين بنت الابن؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول الجميع.
وحكي عن بعض الفقهاء: أن البنت إذا كانت في درجة الابن ورثت معه، وإن كانت فوقه لم ترث معه، كما لو كانت أبعد منه.
١٥٠٠ - مسألة:
الأخوات عصبة [مع] البنات، هذا قول الكافة.
إِلَّا ابن عبّاس -﵄-، فإنّه قال: لا يعصبن ولا يرثن شيئًا مع البنات.
وقول مالك قول الجماعة.
ألَّا ترى أن الجماعة وابن مسعود -﵁ - لم يسقطوا الأخت، وإنّما اختلفوا في نصيبها، فسقط قول من ذهب إلى سقوط الأخت.
وأيضًا: فإن النّبيّ - ﷺ - قال: "الأَخَوَاتُ مَعَ البَنَاتِ" (١).
١٥٠١ - مسألة:
المشتركة لها أربعة أوصاف، لا تكون مشتركة إِلَّا بها، وهي: زوج وأم، واثنان فصاعدًا من ولد الأم، وذكر واحد من الإخوة للأب والأم فصاعدا؛ للزوج النّصف، وللأم أو الجدة السدس، وللإخوة من الأم الثلث، فيتم المال، فيرجع الإخوة للأب والأم على الإخوة للأم، فيشاركونهم في الثلث [٩١/أ] فيقسمونه؛ للذكر مثل الأنثى بالسوية، وبه قال الشّافعيّ وإسحاق، وهو مذهب عمر وعثمان وعبد الله بن عبّاس وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة -﵃-.
_________________
(١) لم أجد هذا الحديث بهذا اللّفظ في كتب السنة المشهورة، ولكن معناه صحيح، فقد أخرج البخاريّ في صحيحه (٦٧٤٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "للابنة النّصف ولابنة الابن السدس: وما بقى فللأخت".
[ ٦٣٢ ]
ومن التابعين من قال: الثلث للإخوة للأم، ويسقط ولد الأب والأم، وهو مذهب علي بن أبي طالب -﵁ - وأبي موسى الأشعري - ﵁ -، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وأبو ثور وداود.
واختلف عن عمر -﵁ - فقيل: إنّه لم يشرك بينهم، وقيل: إنّه أشرك بينهم في العام.
وحكي عن ابن عبّاس وابن مسعود -﵃-: القولان جميعًا.
وبقول مالك قال الزهريّ وابن المسيَّب.
وتسمى هذه الفريضة الحمارية.
وحجة مالك قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ الآية [النِّساء: ٧] وهو عام في كلّ رجل من الأقربين، إِلَّا أن تقوم دلالة تخص ولد الأم عن ولد الأب.
واحتج من قال بسقوط ولد الأب والأم، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النِّساء: ١٢]، والمراد منه: الإخوة للأم، فلا يدخل فيه الإخوة للأب والأم.
١٥٠٢ - مسألة:
للجدة الواحدة والاثنين السدس، وهو قول جميع الفقهاء.
إِلَّا ابن عبّاس -﵄-، فإنّه روي عنه: أنّه أعطى الجدة أم الأم إذا انفردت الثلث؛ لأنّه أقامها مقام الأم، بدليل: إقامة الجد للأب مقام الأب، فإذا لم يكن مانع حازت ما تحوز الأم.
وروي عنه أن لها السدس، كقول الجماعة.
والحجة فيه: أن أبا بكر -﵁ - لما جاءته الجدّة أم الأم، قال لها: "لا أجِدُ لَكِ في كِتاب اللهِ شَيئًا"، وسأل النَّاس، فأخبره المغيرة - ﵁ - أن النّبيّ - ﷺ - أطعمها السدس، فقال: "من شهد لَكَ؟ "،
[ ٦٣٣ ]
قال: "محمّد بن مَسلَمة -﵁ -"، فشهد بذلك فأعطاها السدس (١).
وذلك بمحضر الصّحابة وهم متوافرون، فصار ذلك نصًا فيها.
ثمّ جاءت الجدة الثّانية وهي أم الأب إلى عمر بن الخطّاب - ﵁ -، فقال: "لا أجِدُ لَكِ شَيئًا، والقضية الّتي قضيت كانت لغيرك، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها" (٢).
وهذا بحضور الصّحابة، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولا عارضه فيه معارض.
١٥٠٣ - مسألة:
وقال مالك،: لا يرث من الجدات إِلَّا اثنتان: أم الأم وأمهاتها، وأم الأب وأمهاتها.
وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: ترث أم أبي الأب أيضًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال مثل قول أبي حنيفة. وهو ظاهر مذهبه.
واختلف قول زيد بن ثابت -﵁ - فيها.
وعن علي وابن عبّاس -﵃-: أنّها ترث.
_________________
(١) أخرجه مالك والأربعة عن قبيصة بن ذؤيب؛ مالك (١٤٦١)، وأبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠١)، والنسائي في الكبرى (٦٣٣٩)، وابن ماجة (٢٧٢٤)، وقال التّرمذيّ: وهذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. انظر: المستدرك: ٤/ ٣٣٨. قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله، إِلَّا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق، ولا يمكن شهوده للقصة، قاله ابن عبد البرّ. انظر: التلخيص:٣/ ٨٢.
(٢) هو تتمّة للحديث السابق.
[ ٦٣٤ ]
الجدّات أربع:
- أم الأم وإن علت، وهي وارثة بالإجماع.
- وأم الأب وأمهاتها، وهي ترث بالإجماع.
- وأم أبي الأم، وهي لا ترث بالإجماع، إِلَّا في رواية عن ابن عبّاس -﵄-.
- وأم أبي الأب، وفيها خلاف.
١٥٠٥ - مسألة:
إذا كانت الجدة أم الأم أقعد من أم الأب، فهي أولى بلا خلاف.
وإن كانت الّتي من قبل الأب أقعد من الّتي من قبل الأم، [٩١/ب] شاركتها الّتي من قبل الأم في السدس، وهو قول زيد بن ثابت -﵁ - المشهور عنه، وعبد الله بن مسعود -﵁ -.
وقال أبو حنيفة: السدس للتي من قبل الأب إذا كانت أقرب، دون البعدى من قبل الأم، وبه قال صاحباه، وهو قول علي -﵁ -، وعبد الله بن عبّاس -﵄-، وهو الرِّواية الأخرى عن زيد بن ثابت -﵁ -.
١٥٠٦ - مسألة:
إذا كان ابنا عم أحدهما أخ للأم، فللأخ للأم السدس بالفرض، والباقي بينهما بالسوية، وبه قال علي وزيد بن ثابت -﵄-، وأبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهم.
وقال عمر وابن مسعود -﵄-: ابن العم الّذي هو أخ لأم أولى بالمال، وهو قول الحسن وأبي ثور.
[ ٦٣٥ ]
١٥٠٧ - مسألة:
الجد يقاسم الإخوة، فيرثون معه ولا يحجبهم، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد -﵃-، والشّافعيّ وأبي يوسف ومحمد وأحمد.
وروي عن أبي بكر وابن عبّاس وعائشة وعبد الله بن الزبير ومروان ومعاذ [وأبيّ بن كعب، وأبي موسى وأبي الدرداء -﵃-: أن الجد يسقط الإخوة، وبه قال أبو حنيفة والمزني وطاووس وعطاء.
والمسألة كانت في خلافة الصديق -﵁ - إجماعًا، إلى أن انقضت خلافته.
وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني: أن عمر -﵁ - قضى في الجد بمائة قضية.
ودليل مالك قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النِّساء: ٧]، فالجد كأصل الشجرة، والأب غصن منها، والإخوة كالأفنان (١) الخارجة من الغصن.
وقيل: إنّه كالنهر الكبير، والابن كنهر صغير خرج منه، والإخوة كالسواقي، كلها ترجع إلى أصل الشجرة وأصل النهر الكبير، فوجب أن يكون الإخوة ورثة مع الجد؛ لما شبهوا به.
وقيل: إن هذا التشبيه من قول الصّحابة -﵃-.
وأيضًا: فإن الجد عصبة يسقطه الأب، فوجب ألَّا يسقط الجد الإخوة، وروي مثله أيضًا عن ابن الزبير وعائشة وعمر -﵃-.
غير أن عمر -﵁ - رجع إلى الأوّل.
_________________
(١) الأفنان: جمع الفنن، وهو: ما تشعّب من الغصن. انظر: لسان العرب: ١٣/ ٣٢٧.
[ ٦٣٦ ]
الإخوة تقاسم الجد، إِلَّا أن يكون ثلث المال خيرًا له، فيكون له الثلث، وبه قال الشّافعيّ والصحابة.
إِلَّا علي -﵁ -، فإنّه قال: يقاسمونه، إِلَّا أن يكون السدس خيرًا له.
وقال عمران بن حصين -﵁ -: يقاسمهم إلى نصف السدس.
قال القاضي: والذي قال عمران بن حصين -﵁ - ظاهر السقوط؛ لأنّ الابن هو أقوى العصبات، وقد ثبت أن الجد لا ينقص مع الابن من السدس شيئًا.
١٥٠٩ - مسألة:
الإخوة للأب والأم يعادّون الجد بالإخوة للأب، فيمنعونه كثرة الميراث، ما لم ينقص من الثلث.
وروي عن علي -﵁ -، وزيد -﵁ -: أن الإخوة للأب والأم لا يعادّون الجد بالإخوة للأب.
١٥١٠ - مسألة:
ولد الزِّنا وولد الملاعنة، يرث أمه وإخوته لأمه حقوقهم، وما فضل يكون لموالي أمه إن كانت معتقة لأحد، وكذلك إن كانت وحدها أخذت الثلث، وما بقي لمواليها، وإن كانت عربيّة فما بقي لبيت المال، وهو قول زيد -﵁ -، والزهري وسعيد بن المسيَّب وسعد -﵁ -، والأوزاعي والشّافعيّ وداود.
وروي عن علي وابن مسعود -﵄-[٩٢/أ]: أن الباقي لعصبة الأم إذا لم يخلف ذا رحم له سهم، وإلى هذا ذهب الحسن وابن سيرين وسفيان الثّوريّ.
[ ٦٣٧ ]
إذا ولدت الملاعنة توأمين في بطن، وانتفى أبوهما منهما بلعان، توارثا بالأب والأم عندنا.
وللشافعي قول مثل قولنا.
وقول: لا يتوارثان إِلَّا من قبل الأم.
١٥١٢ - مسألة:
إذا أسلم المجوس، لا يستحقون فرضًا بجهتين، لكن يرثون بأقواهما سببًا، وبه قال الشّافعيّ وسائر الصّحابة.
إِلَّا عليًا وابن عبّاس -﵃-، فإنهما ورثا بالسببين جميعًا، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة.
١٥١٣ - مسألة:
موالي الموالاة [عندنا] لا يرث، وبه قال الشّافعيّ والشعبي والحسن والأوزاعي.
ومن النَّاس من قال: إن الموالاة تنعقد، ويثبت التوارث بها والعقد، وهو مذهب النخعي.
وقال أبو حنيفة: ينظر؛ فإن والاه وعاقده كان له نقضه، وموالاة غيره ما لم يعقل عنه.
١٥١٤ - مسألة:
العَوْلُ عند مالك والشّافعيّ وجميع الصّحابة -﵃-، إِلَّا ابن عبّاس -﵄- صحيح، وبه قال أبو حنيفة وسائر الفقهاء.
وأبطله ابن عبّاس -﵄- بتة، وأدخل النقص على البنات والأخوات، وإليه ذهب داود.
وقيل: إنَّ أوّل من أعال الفرائض عمر -﵁ -، فقال له
[ ٦٣٨ ]
ابن عبّاس -﵄-: "لو قَدَّموا من قَدَّم الله، وأخَّروا من أخَّر الله، لما سألت فريضة قط"، فقيل: من الّذي قدمه الله ومن الّذي أخره، فقال: "من قدمه الله من فرض إلى فرض، وهم: الأم والأختين، ومن أخره الله من فرض إلى فرض إلى ما بقي: كالأخت والبنت"، فقيل له؛ هلا أشرت بذلك على عمر ﵁، فقال: "هبته، وكان رجلًا مهيبًا" (١).
وروي عن الزهريّ أنّه قال: لولا أنّه تقدّم ابن عبّاس -﵄- إمام هدى -يعني عمر -﵁ - وأمضى هذا الحكم، ما اختلف عليه اثنان.
وروي عن ابن عبّاس -﵄- أنّه قال: "والذي أحصى رمل عالج عددًا، ما جعل الله في المال نصفين وثلثًا" (٢).
ودليل العول قوله - ﷺ -: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ السِّهَامُ، فَأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (٣).
فأمر بإلحاق الفرائض بأهلها، ولم يخص بعضهم عن بعض، فإن اتسع المال لهم، استوفى كلّ واحد ما فرض له، وإن ضاق عن ذلك دخل النقص على الجميع؛ لأنّهم أهل فرض، وليس أحدهم أولى من الآخر، فكان العول سبب ذلك.
١٥١٥ - مسألة:
إذا خرج الجنين فتحرك أو عطس، ثمّ مات ولم يستهل؛ لم يرث ولا
_________________
(١) أخرجه البيهقي: ٦/ ٢٥٣، وصححه الحاكم: ٤/ ٣٤٠، وقال: "على شرط مسلم".
(٢) أخرجه ابن منصور: ١/ ٦١، والبيهقي: ٦/ ٢٥٣. وعالج: رمال بين فيد والقريات، ينزلها بنو بحتر من طيء، وهي متصلة بالثعلبية على طريق مكّة، لا ماء بها. انظر: معجم البلدان: ٤/ ٧٠.
(٣) حديث صحيح متفق عليه عن ابن عبّاس ﵄؛ البخاريّ (٦٧٣٢)، مسلم (١٦١٥).
[ ٦٣٩ ]
يورث ولا يصلَّى عليه، ولو قتله قاتل لم يقتل به، وليست حركته وعطاسه دليلًا على حياته، إِلَّا أن يرضع أو يستهل.
وقال قوم: حركته وعطاسه دليل على حياته، ويحكم له بأحكام الحي.
١٥١٦ - مسألة:
[ولا يعال لأحد من الإخوة والأخوات، إِلَّا ما في الأكدرية (١) وحدها، وهي: زوج، وأم، وجد، وأخت لأب وأم.
فاختلف الصّحابة -﵃- فيها اختلافًا شديدًا.
_________________
(١) المسألة الأكدرية، قيل: سميت بذلك؛ لأنّها كدّرت على زيد بن ثابت ﵁ أصوله؛ فإنّه لا يفرض للأخت مع الجد، ولا يعيل مسائل الجد مع الإخوة، وقيل: إن رجلًا يقال له أكدر سأل عنها فنسبت إليه، وقيل غير ذلك. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه: ٣٤٨، المطلع: ٣٠٠.
[ ٦٤٠ ]