إذا دعى بعض الشركاء إلى قسم ما ينقسم، قسم له وإن لم ينتفع كلّ واحد بما صار له.
وقال ابن القاسم: لا يجبر على القسم، إِلَّا أن يحصل لكل واحد ما ينتفع به، أو لأحدهم ما ينتفع به وإن لم ينتفع الآخر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: إن كان الضرر يلحق جماعتهم لم يجبروا، وإن كان بعضهم ينتفع وبعضهم لا ينتفع، والذي ينتفع بحقه هو الطالب، أجبر الباقون على القسم، وإن طلب من لا ينتفع لم يجبر شركاؤه.
وقال أبو ثور: لا يجبروا على القسمة في الضرر أيضًا.
وقال ابن أبي ليلى: يباع الشيء ويقسم ثمنه بينهم على قدر حصصهم، إن كان جميعهم لا ينتفعون، أو إن كان بعضهم ينتفع، وبعضهم لاينتفع.
١٢٥٠ - مسألة:
أجرة القاسم على عدد الرؤوس دون الأنصباء، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: على قدر الأنصباء.
وقال أبو يوسف: القياس أن تكون على الرؤوس، واستحسن أنّها على قدر الأنصباء، وبه قال محمّد.
[ ٥٢٤ ]
إذا كان للشركاء دور وضياع ودكاكين، فما كانت مواضعه متقاربة، والرغبة فيه واحدة، وطلب كلّ واحد قسمة كلّ دار ودكان على حدة، وطلب بعضهم أن تقسم على العدد بالقيمة؛ ليقع لكل واحد دارًا ودكانًا كاملة، فذلك لطالب هذا دون الآخر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: القول قول من ادعى قسمة كلّ شيء على حدة.
وقال أبو يوسف: إن كانت مختلفة قسم كلّ شيء وحده، وإن كانت جنسًا واحدًا عمل على ما هو الأحظ من ذلك.
١٢٥٢ - مسألة:
[قال مالك]: لا يحلف المدعى عليه حتّى تثبت الخلطة بينه وبين المدعي، واختلف شيوخنا على ذلك، فقال بعضهم: ينظر في الدعوى، فإن كانت يشبه أن يدعى مثلها على المدعى عليه أحلف.
وقال بعضهم: ينظر في المتداعيين، فإن كان المدعى عليه يشبه مثله أن يعامل المدعي أحلف.
ولم يفرق مالك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يحلفه على كلّ حال، ولم يعتبر معاملته ولا مخالطته.
١٢٥٣ - مسألة:
إذا ادعى إنسان على إنسان حقًّا، ولا بينة له فاليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وان نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف استحق، وإن نكل فلا شيء له، ولا يحكم على المدعى عليه بنكوله، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين والشّافعيّ وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان الدعوى في مال، ونكل المنكر عن
[ ٥٢٥ ]
اليمين، كرر عليه ثلاثًا فإن لم يحلف لزمه الحق، ولا ترد اليمين على المدعي، وإن كانت في قتل عمد أو جراح عمد توجب القود، فلا خلاف بينهم أنّه لا يحكم بالقود بنكوله.
واختلفوا فيما يجب فيه، فقال أبو حنيفة: يحبس حتّى يحلف أو يعترف.
وقال أبو يوسف: يقضى عليه بالدية.
وقال ابن أبي ليلى: يحبس في جميع ذلك حتّى يحلف.
الدعوى في النِّكاح [٧٢/ب] والطلاق والنسب والعتق لا توجب اليمين على المنكر، وبه قال أبو حنيفة، ويقول: لا يردّ اليمين - في المواضع الّتي تجب فيها اليمين - على المنكر.
ونحن نقول: كلّ موضع يقبل فيه شاهد ويمين، أو شاهد وامرأتان يحكم فيه برد اليمين، إذا نكل المدعى عليه في مثل: الأموال.
وكل موضع لا يقبل فيه شاهد ويمين، ولا شاهد وامرأتان، لم يحكم فيه برد اليمين؛ كالنِّكاح وشبهه، وإنّما يعتبر فيه شاهدان، وكذلك قال أبو حنيفة.
والشّافعيّ يحلف المدعى عليه، فإن نكل حلف المدعي في جميع المواضع.
١٢٥٥ - مسألة:
إذا حلف المدعى عليه، وأراد المدعي إقامة البينة بعد ذلك، [قال مالك]: فإن كانت بيّنة غائبة أو حاضرة، ولم يعلم بها ثمّ علم، فله أن يقيمها وإن كانت حاضرة عالمًا بها فاختار اليمين، لم تسمع منه بعد اليمين.
وقد نقل عنه: أن له ذلك أيضًا، وهو أجود وأصح، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وشريح والشعبي والفقهاء.
[ ٥٢٦ ]
إِلَّا ابن أبي ليلى وداود قالا: ليس له ذلك.
إذا مات رجل وخلف ابنين ومالًا، فادعى رجل أن له على الميِّت دينًا، فشهد له به أحد الولدين واْنكر الآخر، فإن كان الشّاهد عدلًا حلف المدعي معه وأخذ حقه، وإن لم تقبل شهادته لزمه نصف الدِّين في حصته، وهو ما يخصه من الدِّين لو قامت البينة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ الدِّين كله من مال المقر، وحكى مثل هذا أبو عبيد بن حربويه عن الشّافعيّ. والصّحيح عنه مثل قولنا.
١٢٥٧ - مسألة:
إذا ادعى إنسان شيئًا في يد غيره، وأقام به بينة وأقام الّذي في يده الشيء بينة بأنّه ملكه، فبينة صاحب اليد أولى من بينة الخارج، إن كانت أعدل أو تكافأتا في العدالة.
وسواء كانت الدعوى والشهادة بملك مطلق غير مضاف إلى سبب، كقوله: "هي ملكي"، أو مضاف إلى سبب، كقوله: "هذا ثوب نسجته في ملكي"، "والدابة ولدت في ملكي"، كان السبب الّذي يضاف إليه الملك ممّا يتكرر في الملك كالخز؛ لأنّه ينسج دفعة بعد دفعة، وكالغراس؛ لأنّه يمكن أن يغرس النخل وغيره في موضع، ثمّ يقلع ويغرس في مكان آخر، وكان ممّا لا يوجد إِلَّا دفعة واحدة؛ كالولادة ونسج الثّوب القطني، وبه قال شريح والشعبي والشّافعيّ.
وقال أحمد وإسحاق: بينة الخارج أولى في جميع ذلك، ولا تقبل بينة المدعى عليه أصلًا.
وقال أبو حنيفة: إن قامت البينة للمدعي على ملك مطلق، فهو أولى من بينة صاحب اليد، الّذي هو الداخل، وإن كانت على ملك مضاف إلى سبب، وكان السبب ممّا يتكرر في الملك؛ مثل: ثوب الخز أو الصوف، فقال: "كلّ واحد نسجته [في ملكي] "، أو في غراس، [وقال: "كلّ واحد
[ ٥٢٧ ]
منهما غرسته في ملكي"]، فبينة المدعي أولى من بينة المدعى عليه؛ لأنّه يمكن وقوع كلّ واحد من الأمرين.
وإن كان السبب لا يتكرر في الملك؛ كالولادة، فادعى كلّ واحد منهما أن العبد ولد في ملكه، وقامت له بينة بذلك، فبينة صاحب اليد أولى.
إذا ادعى على امرأة أنّه تزوجها تزويجًا صحيحًا سمعت دعواه، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال فى أحد قوليه مثلنا، وقال فى الآخر: لا تسمع دعواه حتّى يصرح، فيقول: "تزوجتها بولي وشهود عدول، ورضى منها" إن كانت [٧٣/أ] ممّن يعتبر رضاها.
١٢٥٩ - مسألة:
اختلف قول مالك في المتداعيين دارًا ليست في أيديهما، وأقام كلّ واحد بينة أن جميع الدَّار له، فقال: تقسم الدَّار بينهما بعد أيمانهما، وبه قال عبد الله بن عمر -﵄-، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أيضًا: لا تقسم ويوقف الحكم فيها، حتّى يقوم دليل على تقديم أحدهما على الأخرى، هذا إذا تساوت البينتان في العدالة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وله قولان آخران: أحدهما مثل الأوّل لمالك.
والآخر: في كيفية استعمال البينتين؛ [فقالوا: هو على ثلاثة أقوال:
أحدها]: وهو أن يقرع بينهما، فأيهآخرجت قرعته قدمت بينته.
قالوا: وبه قال علي -﵁ -.
[والثّاني: إنها توقف حتّى تقوم دلالة على تقديم البينة على الأخرى.
[ ٥٢٨ ]
والثّالث: أن الدَّار تقسم بينهما (١).
إذا مات رجل وترك ابنين أحدهما مسلم والآخر كافر، فقال كلّ واحد منهما: "مات على ديني وأرثه دونك"، نظر:
فإن لم يعلم دين الأب ولا ثبت، فقد تساويا في الدعوى، فإن أقاما بينة [من] مسلمين وتكافأتا، فالميراث بينهما بعد أيمانهما، وكذا إن لم تكن لهما بينة.
وإن ثبت أن الميِّت كان نصرانيًّا، وادعى المسلم أنّه مات مسلمًا أسلم قبل موته، وقامت بينة بذلك فهو أولى، وإلا فالنصراني أولى.
وكذا إذا تقدّم العلم بأنّه كان مسلمًا فالمسلم أولى، وإن علم أنّه كان نصرانيًّا ثمّ مات، وأقاما بينة فبينة الإسلام مقدمة؛ لأنّها قد أثبتت زيادة وهي إسلامه بعد كفره.
وقال أبو حنيفة: بينة المسلم مقدمة على كلّ وجه، وكذلك دعواه مقدمة مع عدم البينة.
ولأصحاب الشّافعيّ: أقوال وتفصيل.
١٢٦١ - مسألة:
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت قبل الفرقة أو بعدها، والدار لهما أو لأحدهما أو ماتا أو أحدهما، أو اختلف الورثة، فما كان من متاع النِّساء فهو للمرأة مع يمينها، وما كان من متاع الرجال فهو له مع يمينه أو يمين الورثة، وما صلح لهما جميعًا فهو للرجل مع يمينه.
_________________
(١) في (ط) بزيادة: "وبه قال عبد الرّحمن بن عمر"، ولم أجد له ذكرًا في كتب الخلاف، ولعلّه يقصد: عبد الله بن عمر ﵄، وقد سبق ذكر قوله في مطلع المسألة، وهو قريب من هذا.
[ ٥٢٩ ]
فالذي يصلح للمرأة: كالحلي وثياب النِّساء والجهاز.
وما يصلح للرجل: كالدرع والسيف والسلاح.
والذي يصلح لهما: كالدنانير والدراهم، وسواء كانت لهما عليه يد مشاهدة، أو يكونا قابضين على الشيء، أو كانت يد حكمية؛ مثل كون ذلك الشيء في الدَّار حسب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
ولكنه قال: ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيًّا، وإن كان ميتًا فهو للمرأة، في قول أبي حنيفة.
وقال محمَّد: هو لورثة الزوج، كقولنا.
وقال أبو يوسف: يعطى جهاز مثلها، وما بقي فللرجل.
وقال زفر: جميع ما في البيت بينهما نصفين.
وقال الشّافعيّ: من أقام بينة على شيء فهو له، وما بقي فهو بينهما بعد أيمانهما.
١٢٦٢ - مسألة:
من كان له على رجل دين، وحصل لذلك الرَّجل في يده شيء بوديعة أو عارية أو غصب، نظر؛ فإن كان الّذي عليه الحق غير ممتنع، فليس لصاحب الحق أن يأخذ ممّا حصل في يده شيئًا؛ كان ذلك من جنس حقه أو غير جنسه؛ لأنّ الّذي عليه الحق غير في أن يدفع من أي نوع شاء إذا أجاز ذلك، وقد يكون له غرض في أن يؤدِّي عرضًا إن كان عليه عين، أو عينًا إن كان عليه عرض، وقد لا يريد دفع ما حصل في يد صاحبه، ولا يريد فوته ولا ذوات عينه لحاجته، فإذا أخذه صاحب الحق أفات عليه غرضه.
وإن كان الّذي عليه الحق ممتنعًا من أدائه، فقد اختلف عن مالك،
[ ٥٣٠ ]
فقال: له أن يأخذ [٧٣/ب] مقدار حقه كله إن لم يكن له على غريمه غير دينه، وإن كان عليه دين أخذ مقدار ما يخصه في الحصاص، ورد باقيه.
وروي عنه: أنّه ليس له ذلك على وجه، ويدفع ما في يده ثمّ يطالب بحقه، وسواء كان من جنس ماله أو من غيره، وبالأول قال الشّافعيّ.
واختلف أصحابه في وجه، فقالوا: إن تعذر أخذ ماله عليه بكل وجه، ولا يقدر عليه الحاكم ولا غيره، فله أخذ حقه ممّا حصل في يده، وإن تعذر لعدم رفعه للحاكم، ويوصله الحاكم إلى حقه فهو على وجهين: أحدهما: ليس له الأخذ، والآخر له.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يأخذ من غير جنس حقه على هذا الوجه، وبالله التوفيق.
الأيمان داخلة في جميع الدعاوى، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تدخل في النِّكاح، ولا في القتل، ولا في الأشياء الّتي لا يجوز إباحتها، وقاسها على حد الزِّنا.
١٢٦٤ - مسألة:
يحلف الحالف عند منبر النبيّ - ﷺ -، على ربع دينار فصاعدًا.
وقال الشّافعيّ: لا يحلف على أقل من مائتي درهم، أو عشرين دينارًا.
وقال داود: يحلف على القليل والكثير.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يحلف عند المنبر بوجه.
١٢٦٥ - مسألة:
تحلف اليهود والنصارى حيث يعظمون، وبه قال الشّافعيّ.
[ ٥٣١ ]
وقال العراقي: لا يحلفون في الكنائس، ولا بعد العصر.
إذا ادعى رجل على آخر أنّه سرق منه كبشًا، وشهد له شاهدان، فقال أحدهما: إنّه أسود، وقال الآخر: هو أبيض، لم تقبل شهادتهما، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تقبل.
١٢٦٧ - مسألة:
في القافة وإثبات الحكم بها.
عند مالك والشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وغيرهم ممّن تابعهم: أن الحكم بالقَافَة واجب، وبه قال أنس -﵁ -. وهو أصح الروايتين عن عمر -﵁ -، وبه قال عطاء.
وروي عن علي -﵁ - أنّه قال: يقرع بين الرجلين إذا ادعيا، فأيهما خرجت قرعته لحق الولد به.
وروي عنه ﵁ أنّه لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، تنازع إليه ثلاثة في مولود واختصموا إليه، فأقرع بينهم وألحق الولد بمن خرجت قرعته (١).
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: الحكم بالقافة في الشّريعة لا يجوز.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٢٦٩) و(٢٢٧٠)، والنسائي (٣٤٨٨) و(٣٤٩٠)، وابن ماجه (٢٣٤٨). وأخرجه الحاكم وقال: هذا الحديث صحيح ولم يخرجاه. انظر المستدرك: ٢/ ٢٠٧ و٣/ ١٣٥.
[ ٥٣٢ ]
وإنّما أجاز مالك القول بالقافة في ولد الأمة، إذا وطئها رجلان في طهر واحد، وأتت به لما يشبهه أن يكون منهما جميعًا.
واختلف قوله في ولد الحرة، والظاهر من قوله: أنّه لا يحكم فيه بالقافة.
وحكى أبو بكر الأبهري: أنّه سمع أبا يعقوب إسحاق بن أحمد الرازي (١) يقول: إن ابن وهب روى عن مالك: أن الحكم بالقافة في ولد الزوجة، كهو في ولد الأمة.
قال أبو بكر: ولست أحفظه عن مالك.
ولم يفرق الشّافعيّ بين الحرة والأمة في الحكم بها.
_________________
(١) هو: أبو يعقوب إسحاق بن أحمد الرازي: الفقيه المالكي، تفقّه على إسماعيل بن حمّاد القاضي، وكان فقيهًا عالمًا زاهدًا، سكن بغداد، وقتله الديلم أؤل دخولهم بغداد، في الأمر بالمعروف. انظر: طبقات الفقهاء: ١٦٥، والصفدي في الوافي بالوفيات: ٨/ ٢٦٢ ولم يذكروا سنة لوفاته. (وكان دخول الديلم أو البويهبين لبغداد واستيلاؤهم عليها سنة: ٣٣٤ هـ، والله أعلم).
[ ٥٣٣ ]