يجوز القصر في السَّفر المباح كما يجوز في الواجب.
وقال ابن مسعود -﵁ -: لا تقصر الصّلاة إِلَّا في واجب؛ من حج وعمرة وجهاد، وبه قال داود.
وسائر الفقهاء [يقولون] مثل قولنا.
٢٠٤ - مسألة:
قال داود: يجوز القصر في قليل السَّفر الواجب وكثيره بعد مجاوزة البنيان، ولو قصد إلى بستانه، وحكي ذلك عن علي -﵁ -.
والجماعة على خلافه.
٢٠٥ - مسألة:
المدة الّتي تترخص فيها من السَّفر [عند مالك]: ثمانية وأربعون ميلًا (١)، وهي: ستة عشر فرسخًا (٢)، وهي: أربعة برد، وكل بريد: أربعة
_________________
(١) الميل: مقداره عند الحنفية (٤٠٠٠) ذراع = ١٨٥٥ م، وعند المالكية (٣٥٠٠) ذراع = ١٨٥٥ م، وعند الشّافعيّة والحنابلة (٦٠٠٠) ذراع = ٣٧١٠ م. انظر؛ المكاييل والموازين الشرعية: ٥٣.
(٢) الفرسخ: ثلاثة أميال، فعند الحنفية والمالكبة (٥٥٦٥) م، وعند الشّافعيّة والحنابلة (١١١٣٠) م. انظر: المرجع السابق: ٥٤.
[ ١٤١ ]
فراسخ، ويقال: إنَّ الفرسخ: اثنا عشر ألف خطوة، وكل خطوة: ثلاثة أقدام، وكل ميل: اثني عشر ألف قدم يوضع بعضها عقيب بعض. وقال أيضًا: مسيرة يوم وليلة، ثمّ رجع إلى اعتبار الأميال، [غير أن مسيرة يوم وليلة تعتبر في الماشي.
واعتبر أبو حنيفة مسيرة ثلاثة أيّام].
وقال الشّافعيّ - فيما حكي عنه -: يومين، أو يوم وليلة، وفسّره بمرحلتين.
وقال أيضًا: ثلاثة مراحل. وقال: ستة وأربعون ميلًا.
والصّحيح عنه مثل قولنا أربعة برد.
قالوا: وقوله في القديم: لأكثر من أربعين ميلًا ولم يبين.
وبمثل قولنا قال اللَّيث وأحمد وإسحاق، وابن عبّاس وابن عمر - ﵃ -.
وقيل: إنَّ ابن مسعود -﵁ - حدده بثلاثة مراحل، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الأوزاعي: من النَّاس من يقول: يجوز في سفر مرحلتين، ومنهم من قال: ثلاث، وأنا أجوّزه على مرحلة واحدة.
٢٠٦ - مسألة:
اختلف أصحاب مالك في قصر الصّلاة في السَّفر: فقال إسماعيل وغيره: فرضه ركعتان، وبه قال أبو حنيفة.
وقال باقي أصحاب مالك: هو غير بين الإتمام والقصر والمستحب القصر، و[إليه] ذهب الأبهري. وهو اختياري.
وحكى أبو مُصْعَب عن مالك: أن من سنة [١٣/ أ] المسافر قصر الصّلاة.
[ ١٤٢ ]
وقال الشّافعيّ: هو مخير، والإتمام أفضل. وبالتخيير قال أبو ثور (١) وأبو قلابة (٢)، وعائشة وسعد ابن أبي وقّاص وأنس بن مالك -﵃-.
وروي عن عمر وابن عبّاس [وابن عمر]-﵃-: أن القصر واجب.
وقال أبو حنيفة: إن جلس للتشهد في الركعة الثّانية ثمّ قام إلى الثّالثة، صحت صلاته ركعتين وكان الباقي نافلة، وإن لم يجلس في الثّانية قدر التشهد حتّى قام إلى ثالثة، بطلت صلاته، وهو مبني على أصله: أن السّلام ليس بفرض.
اختلف النَّاس في [قصر] المسافر، هل يحتاج إلى نيّة في القصر أم لا؟
فقال ابن القاسم: إن أحرم مسافر ينوي أربعًا فسلّم من اثنتين، لم يجزه.
وقال بعض أصحابنا: يجزئه.
وقال الشّافعيّ: لا بدَّ من نيّة القصر.
ويجيء على مذهب أبي حنيفة أنّه لا يحتاج إلى نيّة [القصر].
٢٠٨ - مسألة:
[عند مالك]: من عزم على مقام أربعة أيّام بلياليها عزيمة استقرار أتمّ الصّلاة، وبه قال الشّافعيّ، ولا يتم بدون ذلك.
_________________
(١) في الأصل: "بو يوسف". والمثبت من (ط). انظر: المجموع: ٤/ ٢٣٠.
(٢) هو: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري: الإمام التابعي أحد الأعلام، روى عن ثابت الضحاك وابن عبّاس وابن عمر ﵃ وغيرهم، كان ثقة كثير الحديث، أخرج له الستة. توفي: ١٠٤ هـ. انظر: السير: ٤/ ٤٦٨، التهذيب: ٥/ ١٩٧.
[ ١٤٣ ]
وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا بدَّ من نيّة الإقامة خمسة عشر يومًا، وما دونها في حكم السَّفر عنده، وعن ابن عمر -﵄- مثله.
وقال الأوزاعي: اثنا عشر يومًا، وعن ابن عمر -﵄- أيضًا مثله.
وعن علي وابن عبّاس -﵃-: عشرة أيّام.
وقال ربيعة: إنَّ نوى إقامة يوم وليلة أتمّ الصّلاة.
[قال مالك]: ومن كان في أرض العدو من سرايا المسلمين خائفًا، إِلَّا أنّه يقيم بعزيمة أكثر من أربعة أيّام، فإنّه يقصر صلاته؛ لأنّه لا يدري متى يقلع، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: إن كانوا ينتظرون إلى أن يعودوا اليوم، أو يعودوا غدًا، وكل يوم وكل غد ينتظرون فلا عزيمة مستقرة، جاز لهم أن يقصروا إلى ثمانية عشر يومًا أو سبعة عشر، وإذا جاز هذا القدر، فهل له أن يقصّر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن يقصر أبدًا، والآخر: لا يزيد على ثمانية عشر يومًا.
٢١٠ - مسألة:
ومن نسي صلاة في سفره فذكرها في حضر فليصلها سفرية، وبه قال أبو حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا، والآخر: حضرية.
وحكي عن داود فيمن نسي صلاة حضر فذكرها في سفر، أنّه يصلّيها صلاة سفر إن اختار؛ لأنّه يراعي وقت الأداء.
٢١١ - مسألة:
عندنا وعند أبي حنيفة والشّافعيّ: أن من لم يصلّ العصر مثلًا، وهو حاضر وقد دخل وقتها الموسّع، ثمّ سافر وقد بقي من وقتها قدر ركعة، أن يصلّيها صلاة سفر.
[ ١٤٤ ]
وحكي عن داود: أنّه إذا سافر بعد دخول وقتها الموسع، صلّاها صلاة حضر، ولم يعتبر حكمه عليها بالسفر؛ لدخول وقتها قبله.
من كان في سفينة قادرًا على القيام، وأراد صلاة فرض ففرضه القيام عندنا، وعند الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا كانت السفينة تجري، صلَّى فيها قاعدًا إن شاء، وإن كانت مربوطة صلَّى قائمًا.
وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا.
٢١٣ - مسألة:
إنَّ دخل مسافر مع مقيمين فأدرك ركعة بسجدتيها، صلَّى صلاة مقيم، وإن أدرك دون ذلك، صلَّى صلاة سفر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إن أدرك التشهد صلَّى صلاة حضر.
٢١٤ - مسألة:
ولا يتنفل المسافر على الدابة، إِلَّا في سفر يقصر في مثله الصّلاة، حيث ما توجّهت به.
وقال الشّافعيّ: يجوز ذلك في كلّ سفر.
٢١٥ - مسألة:
الصوم في السَّفر في رمضان أحب إلينا.
وقال فقهاء الأمصار: صومه صحيح.
وقال قوم من أهل الظّاهر: لا يصح صومه، وروي عن عمر وابن عبّاس وأبي هريرة -﵃- هذا المذهب.
[ ١٤٥ ]
العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافر [١٣/ب]، وبه قال الشّافعيّ، وزاد علينا: أنّه إن اضطر لم يأكل الميِّتة.
ولا أعرف فيه نصًا عن مالك.
وأصحابه يقولون: إنّه يأكل الميِّتة.
والأمر عندي محتمل.
وعند أبي حنيفة: يترخص الرخص كلها.
٢١٧ - مسألة:
[وعندنا]: يجمع بين صلاتي الفرض في وقت أحدهما: في المرض والسفر وباللّيل في المطر، وبه قال الشّافعيّ، وزاد: الجمع بين الظهر والعصر في المطر (١).
وقال أبو حنيفة: لا يجمع بين صلاتي فرض، إِلَّا بعرفة والمزدلفة.
_________________
(١) في الأصل: "الحضر". والمثبت من (ط): وهو الأصح.
[ ١٤٦ ]