إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا على الصِّفَة الّتي نبينها بعد هذا أو نفى حملها، وأكذبته وعدم البينة فله أن يلاعن، فإن نكل حد، وإن التعن ونكلت هي حدت، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه يقول بنفس القذف قد فسق، ووجب الحدّ عليه، وله أن يسقطه باللعان، وكذلك يقول في المرأة إذا التعيين الزوج.
وهذا عندي ليس كذلك في الزوج، بل أمره مراعى، فإن عدم البينة ونكل عن اللعان وجب عليه الحدّ وإذا حد فسق، وإذا التعيين فيجب في الزوجة الحدّ كما ذكر، ولها أن تسقطه باللعان؛ لأنّ لعان الزوج كالبينة.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الحدّ بالنكول عن اللعان، ولكن يحبس
الناكل منهما حتّى يحلف.
٧٩٩ - مسألة:
إذا قال لزوجته: يا زانية، وجب عليه الحدّ وإن لم يكن له بينة، وليس له أن يلاعن حتّى يدعي الرؤية.
وروي عن مالك: أن له أن يلاعن وإن لم يدع رؤية، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، ويسقط عنه الحدّ باللعان.
[ ٣٦٧ ]
[عندنا: أن] كلّ مسلم صح طلاقه صح لعانه؛ حرًّا كان أو عبدًا؛ عدلًا أو فاسقًا، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
غير أن الكافر عندهم يجوز طلاقه ولعانه.
والكفار عندنا لا يقع طلاقهم؛ لأنّ أنكحتهم فاسدة، وليسوا ممّن يقوم مقام الشهداء، فلم يصح لعانهم.
وقال قوم: إذا لم تقبل شهادة أحد الزوجين لم يصح لعانهما؛ مثل: أن يكون أحدهما مملوكًا أو كافرًا أو محدودًا، أو كلاهما كذلك، منهم: الزهريّ وحماد ابن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة.
وعند أبي حنيفة وأتباعه: أنّه شهادة لا تصح منهما إن لم يكونا من أهل الشّهادة.
٨٠١ - مسألة:
اختلفت [الرِّواية عن مالك] في حد القذف هل هو حق لله أو حق آدمي؟
فروي عن مالك: أنّه حق آدمي، يصح عفوه فيه؛ بلغ الإمام أم لا.
وروي عنه: أنّه حق لله تعالى يتعلّق به حق آدمي، فيجوز عفوه فيه قبل بلوغ الإمام، فإن بلغ لم يصح عفوه، إِلَّا أن يريد سترًا على نفسه؛ مثل: أن يخاف أن ينكشف فيكون مثل قول القاذف، ويسأل عنه الإمام سرًّا، فإن كان متهما أجاز عفوه، ويجوز أن يعفو الابن عن أبيه، على كلّ حال.
وقال أبو حنيفة: هو حق لله، وإن مات المقذوف لم يورث عنه.
وقال الشّافعيّ: هو حق لآدمي.
وفائدة ذلك: أنّه لا يستوفى إِلَّا بالمطالبة، فإن ثبت عليه باعترافه أو ببينة جاز عفوه عنه، وإن مات ورث عنه.
[ ٣٦٨ ]
إذا عقل الأخرس الإشارة وفهم الكتابة، وعلم ذلك منه، صح قذفه ولعانه، وكذلك الخرساء، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفهما ولا لعانهما.
٨٠٣ - مسألة:
الحدّ موروث عندنا للأولياء، والعصبة يقدمون به، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه تردد فيمن يرثه على ثلاثة أوجه:
أحدها: جميع الورثة رجالًا ونساءً.
والثّاني: أهل النسب دون السبب، فخرج منه الزوج والزوجة.
والثّالث: العصبة [٤٨/أ] دون النِّساء.
وقال أبو حنيفة: لا يورث ويسقط بموت المقذوفة.
وقال أحمد بن حنبل: لأنّ صاحب الحدّ قد مات.
٨٠٤ - مسألة:
إذا نكلت الزوجة عن اللعان رجمت إن كانت ثيبًا، أو جلدت إن كانت بكرًا، ولا تغريب على النِّساء.
واختلف قول الشّافعيّ في الأمة، وقال: تغرب الحرة قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: لا تغريب في الزِّنا.
٨٠٥ - مسألة:
[قال مالك]: إذا مات المنفي باللعان، ثمّ أقر [به] اللاعن لحق به وثبت النسب، كان للمنفي ولد أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان للمنفي ولد قبل قوله، وإلا لم يقبل.
[ ٣٦٩ ]
إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا فالتعنا، ثمّ قذفها أجنبي بذلك الزِّنا، فعليه الحدّ كان الزوج قد نفى نسبا منها أم لا؛ كان ما نفاه حيًا أو ميتًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان الزوج نفى نسبًا، وهو حي حين قذفها الأجنبي فلا حد عليه، وإن كان الزوج نفى نسبًا وهو ميت، أو لم ينف نسبًا فعلى الأجنبي الحدّ في قذفها.
فالخلاف معه في وجوب الحدّ، إذا كان قد لاعن، ونفى نسبًا وهو حي.
٨٠٧ - مسألة:
إذا تزوج امرأة، وقال لها: زنيت على الصِّفَة الّتي يقول، قبل أن أتزوجك، فإن لم تقم بينة حُدَّ، ولم يلاعن كالأجنبي، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يلاعن.
فاعتبرنا أن يكون الزِّنا في الزوجية، واعتبر هو أن يكون القذف في الزوجية لا الزِّنا.
٨٠٨ - مسألة:
إذا بانت منه بالثلاث أو الخلع، ثمّ رآها تزني في العدة فله أن يلاعن، وكذلك إن ظهر بها حمل، فقال: كنت استبرأتها بحيضة لاعن، وبه قال اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: إن كان هناك حمل فله أن يلاعن، وإن لم يكن نسب فلا لعان.
وقال أبو حنيفة: لا يلاعن أصلًا؛ سواء كان نسب أم لا، وبه قال أحمد والأوزاعي.
[ ٣٧٠ ]
إذا ظهر بزوجته حمل فنفاه وادعى استبراءها، فله أن يلاعن فيسقط عنه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وزفر: قوله: "ليس هذا العمل مني"، ليس بقذف؛ ادعى استبراء أم لا، ولو ولدت بعد ذلك لم يلاعن.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم قوله لاعن.
٨١٠ - مسألة:
إذا قال لزوجته: "أصابك رجل في دبرك ورأيته"، فإن أقام البينة وإلا لاعن، فإن امتنع حد؛ لأنّه قذف [عندنا]، وكذا لو قال لرجل أو غلام: "وطئت في دبرك"، كان قاذفًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس بقذف ولا لعان فيه.
بناءً على أصله أن لاحد على لائط.
٨١١ - مسألة:
إذا نكح نكاحًا فاسدًا ووطىء فحملت، فادعت أنّه منه وأنكره، فله أن يلاعن لنفي الولد؛ سواء قذفها بزنا رآه أو ادعى استبراء لم يطأ بعده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يلاعن في نكاح فاسد، والنسب ثابت، ويكون قاذفًا يحد بما رماها به.
واتفقنا على أنّه إذا وطئها في النِّكاح الفاسد صارت به فراشًا.
٨١٢ - مسألة:
إذا التعيين الزوجان وقعت الفرقة بينهما بانقضاء التعانهما من غير حاكم، وبه قال ربيعة وداود.
[ ٣٧١ ]
وقال عثمان البتي (١) ت لا تأثير للعان في الفرقة، وإنّما ينفي النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.
وقال أبو حنيفة: لا يقع الفرقة بينهما إِلَّا بالحاكم، بأن يقول: "فرقت بينهما".
وقال الشّافعيّ: يقع الفرقة بلعان الزوج دون الزوجة، كما ينفي النسب بلعانه، وإنّما لعأنّها يسقط عنها الحدّ.
٨١٣ - مسألة:
فرقة المتلاعنين فسخ، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي طلقة بائنة.
وفائدته: إذا كانت طلاقًا لم يتأبد التّحريم، فإذا أكذب نفسه جاز له أن يتزوجها.
ونقول نحن والشّافعيّ: هو تحريم مؤبد كالرضاع، [وإن أكذب نفسه]، وبه قال من الصّحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر - ﵃ -، وبعدهم: عطاء والزهري والأوزاعي [٤٨/ب] وسفيان الثّوريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
[وقال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه، أو جلد بحدّ، أو أحدهما في القذف، فقد حلّت له، فيجوز أن يعقد عليها النِّكاح].
وبقول أبي حنيفة قال محمَّد بن الحسن وسعيد بن المسيَّب.
وقال سعيد بن جبير: إنّما يحرم باللعان الاستمتاع، ويرتفع بإكذاب نفسه، وتعود إليه إن كانت في العدة.
_________________
(١) هو: أبو عمرو عثمان بن مسلم البتي البصري - بياع البتوت: الأكسية الغليظة -: التابعي الجليل فقيه البصرة، حدث عن أنس ﵁ والشعبي والحسن وغيرهم، وهو صدوق، أخرج له الأربعة، وكان صاحب فقه ورأي. توفي: ١٤٣ هـ. انظر: السير: ٦/ ١٤٨، التهذيب: ٧/ ١٣٩.
[ ٣٧٢ ]
لو قال لها: "يا زانية"، فقالت له: "بل أنت الزاني"، لاعنها وحدت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا حد ولا لعان.
٨١٥ - مسألة:
إذا بقي من اللعان الخامسة الّتي فيها اللعن لم تقع الفرقة، وإن حكم بها حاكم قبل كمال الأيمان نقض حكمه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أتيا بأكثر اللعان، مثل: ثلاثة من الخمسة، فلا يحكم بالفرقة حاكم، ولا يسقط الحدّ والنسب بدون استيفاء الأيمان، وإن حكم الحاكم بذلك أساء، ولم ينقض حكمه ونفذ.
٨١٦ - مسألة:
إذا رماها بإنسان بعينه، فإن طالبته الزوجة باللعان، سقط عنه الحدّ إذا التعيين، وحد للأجنبي، وإن لم تطلب هي وطلب الأجنبي، حد له إن لم تقم البينة، وبه قال أبو حنيفة.
غير أنّه يقول: إن طلب الأجنبي أوَّلًا الحدّ وعدم الزوج البينة حد له، وسقط اللعان إن طلبته المرأة؛ لأنّه صار محدودًا في قذف.
بناء على أصله فيما تقدّم.
وقال الشّافعيّ: يلتعن ويقول في يمينه: "أشهد بالله أنّها زنت مع فلان"، فإذا التعيين سقط الحدان جميعًا؛ حدها وحد المرمي بها.
٨١٧ - مسألة:
إذا قذف زوجته فاعترفت بالزنا وصدقته فيه، فإن حصل اعترافها بعد التعانه تأكد الحدّ عليها وتحقق، والزوجية ثابتة بينهما، وإن كان اعترافها قبل لعانه، فقد وجب الحدّ باعترافها، وسقط الحدّ عنه، فإن كان ثمّ نسب أو حدث، فللزوج نفيه باللعان.
[ ٣٧٣ ]
وقد روي عن مالك: أن النسب ينتفي عنه باعترافها، وسقط الحدّ عنه.
وقال أبو حنيفة: اعترافها لا يوجب عليها الحدّ، اعترفت قبل لعانه أو بعده أو بعد لعأنّها، وإن كان ثمّ نسب لم يكن للزوج نفيه باللعان، ولحق به مع اعترافها بالزنا.
إذا أتت زوجته بتوأمين فقذفها، وقال: "رأيتك تزنين"، ونفاهما وادعى استبراءها قبل رؤيته الزِّنا، فله أن يلاعن وينتفيان عنه إن كانا حبين بلا خلاف، وكذلك إن ماتا فله نفيهما بعد الموت، أو مات أحدهما فله أن يلاعن لنفي الحي والميِّت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا مات قبل اللعان أحدهما، ثبت نسب الحي والميِّت، وليس له أن يلاعن؛ لأنّ نفي الميِّت لا يمكن، ولا يتأتى نفي الحي؛ لأنّه يؤدِّي إلى نفي بعض الحمل وذلك محال.
وقال من احتج له: إن اللعان يراد لنفي النسب، والنسب قد زال بالموت، فإن اللعان يكون تارة لقطع الزوجية، وتارة لنفي النسب، ولو قذفها فماتت بعده، لم يكن له أن يلاعن بعد موتها لقطع الزوجية، فكذلك النسب بعد موته.
واحتج لمالك: بأنّه محتاج إلى نفي الولد: إن كان حيا يلحق به نسب فاسد، وكذلك حاجته لنفيه بعد الموت؛ لأنّه ينسب إليه، فيقال: "هذا الميِّت ولد فلان" حقيقة كما ينسب إليه في حياته، ويقال: "هذا أبو فلان الميِّت" حقيقة، وأيضًا فلا يمكن نفي الحي دون الميِّت، وهذا بيّن.
٨١٩ - مسألة:
إذا انتفى من ولد بلعان فمات الولد، ثمّ أكذب نفسه واستلحقه فهو عندنا على وجهين:
إن ترك المستلحق مالًا ولم يترك ولدًا، لم يلحق به.
[ ٣٧٤ ]
وإن كان له ولد لحق به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يلحق به على كلّ حال، ويرثه كان له ولد أم لا.
إذا وطئ زوجته، ثمّ قال: "رأيتها تزني، ولم أستبرئها بعد الوطء"، فله أن يلاعن.
فإن أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم رآها تزني، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال مرّة: ينتفي الولد، وقال مرّة: لا ينتفي إِلَّا بلعان يدعي فيه استبراء.
وبالأول قال عطاء والشّافعيّ [٤٩/أ] وأبو حنيفة.
٨٢١ - مسألة:
إذا قذف زوجته ثمّ زنت قبل التعانه، فلا حد عليه ولا لعان، إِلَّا أن يزيد نفي النسب ففيه خلاف، هل يلتعن وينتفي النسب، أم لا ينتفي حتّى يدعي استبراء، فيلاعن وينتفي عنه؟
وكذا إن قذف محصنًا أو محصنة أجانب، ثمّ زنيا بعد ذلك وثبت بالبينة أو اعترفا، فإن الحدّ يسقط، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور والمزني: لا يسقط الحدّ بزنا المقذوف بعد القذف، ولا يرفع حصانته المتقدمة.
واحتج على ذلك: فإن اعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده، وزناه بعد ذلك لا يقدح في حق ثبت له، ألَّا ترى أن الزوج لو قال لزوجته: "زنيت قبل أن أتزوجك"، لم يلاعن؛ لأنّه أضاف القذف إلى حال لا يصح فيه لعان، ولو قذف مسلمًا فارتد المقذوف بعد القذف، وقبل حد القاذف لم يسقط الحدّ، ولو قذفه وهو محصن ثمّ زنى بعد قذفه، لم يسقط الحدّ عن القاذف.
[ ٣٧٥ ]
وحجة مالك: أن الحدّ إنّما يقام على القاذف؛ لإزالة المعرة عن المقذوف؛ لأنّه حين رماه كان النَّاس فيه بين مصدّق ومكذب، فإذا زنى ثبتت المعرفة وسقط الحدّ، وحقق النَّاس صحة ما رماه به.
وأيضًا في دليل القياس: أنّه لما زنى الآن، فقد وقعت الشبهة أنّه زنى قبل هذا وقبل القذف.
ويدلُّ عليه ما روي عن عمر -﵁ -: إذا أراد أن يحد
رجلًا زنى، فقاأل: يا أمير المؤمنين، والله ما زنيت قط قبل هذه، فقال له عمر: "كَذبت، إنَّ الله تعالى أَكرَمُ مِن أَن يَفضَحَ عَبدًا بِأَوّل خَطِيئَة" (١). فأقام عليه الحدّ، ولسنا نقطع عليه بزنا قبل هذه.
٨٢٢ - مسألة:
إذا عرّض بقذف زوجته أو أجنبيًّا في غضب وسباب ومشاتمة، بشيء يفهم منه ما يفهم من التصريح على الوجه الّذي يقوله، ولم تقم البينة في الزوجة فإنّه يلاعن وإلا حُدَّ، وحُدَّ الأجنبي عندي من وجه؛ أنّه يعتبر المواجهة فيه والمشاتمة والسباب، ولا يعتبر هذا في الزوجة، فلو ابتدأها بتعريض يفهم منه ما يفهم من قوله: "رأيتك تزني"، لكان له أن يلاعنها؛ لنفي النسب.
وأمّا الأجنبي فيحتاج إلى شيء آخر، وهو أن يقول له الأجنبي: "يا زاني ابن الزانية"، فيحتد ويحقد ويغضب، فيقول: "بعمري ما أحسن عفتك وعفة أمك"، و"يسأل النَّاس عني وعنك ليعرف الزاني منا"، و"أنت تعلم من يزني منا، حتّى يعلم كلّ أحد ما ترتكبه أنت، فإنك معروف عند جيرانك، وعند كلّ أحد"، وما أشبه ذلك من الكلام، ومما لا يخفى على
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في مثل هذا الأثر: "لم أره في حق الزاني، إنّما أخرجه البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ أن عمر ﵁ أتي بسارق فقال: والله ما سرقت قط قبلها، فقال: كذبت، ما كان الله ليسلم عبدًا عند أول ذنب، فقطعه. وإسناده قوي". وكذلك صححه ابن الملقن. انظر: البيهقي: ٨/ ٢٧٦، خلاصة المدر المنير: ٢/ ٢٣٨، التلخيص الحبير: ٣/ ٢٢٤.
[ ٣٧٦ ]
أحد أنّه لا يريد مدحه، وأنّه لا فرق بينه وبين قوله: "أنت زان" أو"تزني" أو"زنيت" ونحوه، فإن المعرفة تحصل منه كما تحصل من الصريح، وليس فيه احتمال مدح.
هذا مذهبنا في التعريض، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة والشّافعيّ وأصحابهم: ليس هذا قذفًا حتّى يقول: "أردت به قذفًا"، وإن فهم من مشاتمتهم ما يفهم من صريح القذف.
إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا، وأحدهم زوجها فله أن يلاعن، ويحد الشهود الثّلاثة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر: لا يحدون.
وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج مع الثّلاثة ابتداءً، قبلت شهادتهم وحدت المرأة.
وإن كان الزوج قد قذفها أوَّلًا، ثمّ جاء مع الثّلاثة للشهادة، لم تقبل شهادتهم، وهو موضع اتفاق منا ومن الشّافعيّ.
والخلاف مع أبي حنيفة إذا شهد مع الشهود من غير أن يتقدم منه قذف، ثبتت الشّهادة عنده، ولا لعان على الزوج وتحد المرأة، وقال أيضًا: إذا جاء الشهود متفرقين، ولم يقم العدد بأربعة حد الثّلاثة.
واختلف قول [٤٩/ب] الشّافعيّ في حدهم.
٨٢٤ - مسألة:
إذا وطئ الرَّجل زوجته أو أمته كانت فراشًا، وكذا إن أقر بوطئها، فإن أتت بولد لستة أشهر من وطئه، ثبت نسبه وكانت له أم ولد، وله نفيه إن ادعى استبراء ولا تكون فراشًا بنفس الملك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تكون فراشًا بالوطء، ولا الإقرار بالوطء، ولو وطئها مائة سنة، وأتت بولد لم تلحقه وكان مملوكًا وأمه كذلك، وإنّما
[ ٣٧٧ ]
يلحق به ولدها إذا أقر به، فحينئذ تفسير هي أم ولد باعترافه بولدها، وإن أتت بولد بعد ذلك الّذي أقر به لحق به؛ لكونها أم ولده له، إِلَّا أن ينكره، فينفيه مجرد قوله: "ليس بولدي" من غير ادعاء استبراء.
إذا تزوج امرأة وطلقها في مجلس العقد بحضرة الحاكم، ثمّ أتت بولده لستة أشهر من حين العقد، لم يلحق به، وبه قال الشّافعيّ.
كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر أو أكثر منها، فلا خلاف في هذا أنّه لا يلحق به.
وقال أبو حنيفة في الصورة الأولى: يلحق به، وإن لم يكن إمكان وطء، ويعتبر أن تأتي به لستة أشهر فقط، لا أكثر منها ولا أقل؛ لأنّها إن أتت به لأكثر من ستة أشهر، يكون قد حدث بعد الطّلاق الثلاث فلا يلحقه، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر كان الولد حادثًا قبل العقد.
وقال أيضًا: لو تزوج بامرأة غاب زوجها عنها سنين طويلة وأتاها خبر موته، فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثمّ تزوجت وولدت أولاد من الثّاني فقدم الأوّل، فإن الأولاد يلحقون به، وينتفون عن الثّاني.
وعندنا وعند الشّافعيّ أنّهم للثاني.
وقال أيضًا: لو تزوج مغربي بمشرقية فأتت بولد لستة أشهر، من يوم العقد لحق به الولد، وإن كان بينهما مسافة سنة، لا يمكن اجتماعهما لوجود العقد.
٨٢٦ - مسألة:
إذا ظهر بامرأته حمل، فنفاه وادعى استبراء فله أن يلاعن، فإن أخر ذلك إلى أن وضعت، فقال: "رجوت أن يكون ريحًا تنفش" لا يخلص من القذف واللعان، فهل له نفيه بعد الوضع أو بعد مدة، إذا انقضت يكون له نفيه بعدها أم لا؟
[ ٣٧٨ ]
اختلف النَّاس فيه، فقلنا: إن لم يكن له عذر في سكوته، حتّى مضت ثلاثة أيّام فيما تبين لي، فهو راض ليس له نفيه، وبهذا قال الشّافعيّ.
وقال أيضًا: متى أمكنه نفيه على ما جرت عليه العادة من إمكان الحاكم فلم يفعل، لم يكن له نفيه بعد ذلك، وبهذا قال مالك في اليوم واليومين، إذا تركه لم يكن له نفيه.
وقال شريح ومجاهد: له نفيه أبدًا، واستدل بظاهر الكتاب والسُّنَّة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾ الآية [النور: ٦]، فإنّه يدل: أنّه متى نفاه، جاز ذلك والتعن، ولا حجة لمن قال: إنّه على الفور.
وظاهر السُّنَّة قوله - ﷺ -: "الوَلَدُ لِلْفِرَاش" (١)، فمتى نفاه صح.
وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة ما.
وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر أربعون يومًا مدة النفاس.
ولا فرق عندنا بين أن تكون حاملًا أم لا، وكذا إذا علم بعد أن ولدت وسكت، لم يكن له نفيه.
٨٢٧ - مسألة:
إذا ظهر بامرأته حمل فلم يقذفها، وقال: "ليس الحمل مني؛ لأني ما وطئتها أصلًا"، أو قال: "استكرهت على الوطء، واستبرأتها"، فله أن يلاعنها لنفي النسب.
وقد ذكرنا عن أبي حنيفة: لا يلاعن عن الحمل أصلًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يلاعن حتّى يقذفها بزنا.
وقال أيضًا مثل قولنا.
_________________
(١) جزء من حديث صحيح متفق عليه عن عائشة ﵂؛ البخاريّ (٦٨١٧)، مسلم (١٤٥٧).
[ ٣٧٩ ]
٨٢٨ - مسألة:
إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي، أو أجنبي لأجنبي: "يا زانية"، فلست أعرف لأصحابنا فيها نصًا.
وهو عندي: قذف، على قائله الحدّ، وقد زاد حرفًا، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس بقذف.
واتفقوا أنّه إذا قال لامرأته: [يا زان]، أنّه قذف.
[ ٣٨٠ ]