لا يجب على السَّيِّد أن يكاتب عبده، ويستحب له ذلك إذا سأله، وبه قال سائر الفقهاء.
إِلَّا داود، فإنّه أوجبها.
١٤٥٩ - مسألة:
واختلف عن مالك في مكاتبة الصغير، فأجازها [مرّة] ومنع منها [أخرى]، إِلَّا أن تفوت بالأداء.
وينبغي أن يصح ذلك في المراهق؛ لأنّ إسلامه عنده إسلام، وعلى القول الآخر: لا يصح؛ لأنّ إسلامه عنده ليس بإسلام، أو يتخرج على روايتين في إجبار السَّيِّد عبده على الكتابة، والرواية الأخرى: لا يجبر.
فإذا قلنا: إنّه يجبره عليها، جازت الكتابة على الصغير؛ لأنّه لا يحتاج إلى قبوله، وإن قلنا: لا يجبره على الكتابة، لم يكاتب إِلَّا [على] بالغ.
وقال أبو حنيفة: تصح كتابة المراهق؛ لأنّه يصح إسلامه.
وقال الشّافعيّ: لا تصح الكتابة، إِلَّا من بالغ عاقل.
١٤٦٠ - مسألة:
الظّاهر من قول مالك - ﵀ -: إن شأن الكتابة التأجيل
[ ٦١٦ ]
والتنجيم؛ لأنّه لو كاتبه على ألف، ولم يذكر أجلًا نجمت عليه، وإن كره السَّيِّد بقدر سعاية مثله.
وكذلك إن أوصى بها، فشأنّها التأجيل والتنجيم.
وقال شيوخنا: تجوز الكتابة الحالة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز على أقل من نجمين؛ سواء شرط التعجيل أو أطلق العقد، فلا بد من أجل.
وعند الشّافعيّ: أن كلّ عقد إِلَّا (١) يصح حالًا، إِلَّا الكتابة.
وعندنا وعند أبي حنيفة: أن كلّ عقد يصح حالًا، إِلَّا السلم.
وإن كان ابن القاسم قال: إذا أسلم إلى اليومين والثلاثة صح، ومعناه عندهم: إذا كان أجلًا تتغير فيه الأسواق.
لا يجب على السَّيِّد أن يضع عن مكاتبه شيئًا، ويستحب ذلك له، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الشّافعيّ: يجب ذلك عليه، وحكي ذلك عن محمَّد بن جرير، وهو مذهب عمر بن الخطّاب -﵁ -.
١٤٦٢ - مسألة:
إذا أدى نجوم الكتابة وهي فاسدة عتق.
خلافًا لأهل الظّاهر.
١٤٦٣ - مسألة:
إذا كاتبه على شيء، فأدّاه إليه عتق، ثمّ وجد بذلك الشيء عيبًا، وليس له مال، رد عتقه، وبه قال الشّافعيّ.
_________________
(١) في الأصل: "الحال". والمثبت من (ط).
[ ٦١٧ ]
وقال أبو حنيفة: لا يردّ العتق.
إذا كاتبه على ميتة أو موقوذة، ودفع العبد ذلك، رجع عليه السَّيِّد بالقيمة، كما لو كان خمرًا أو خنزيرًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يرجع في الخّمْرِ والخنزير، ولا يرجع في الميِّتة.
١٤٦٥ - مسألة:
إذا فسخنا الكتابة الفاسدة بغير حاكم جاز، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل إِلَّا بالحاكم.
١٤٦٦ - مسألة:
إذا مات المكاتب وخلف وفاء بكتابته، لم يمت على الرق وورث وبه قال أبو حنيفة.
غير أنّه قال: إذا خلف وفاء بكتابته مات حرًّا [لا مكاتبًا]، ويرث ورثته ما بقي بعد الأداء.
ونحن نقول: مات مكاتبًا لا حرًّا ولا عبدًا، رتبة بين الرتبتين.
وقال الشّافعيّ: مات عبدًا، ولو كانت له ورثة لم يرثوا ما فضل عن كتابته.
وروي قولنا عن علي وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن الزبير - الله عنهم -.
وقيل: إن قول الشّافعيّ قول عمر وابنه -﵄-.
١٤٦٧ - مسألة:
المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم، فلو أدى جلَّ نجومه وبقي عليه شيء عجز عنه، رجع رقيقًا جميعه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق، و[من الصّحابة]: عمر وابنه وزيد بن ثابت وأم سلمة
[ ٦١٨ ]
وعائشة -﵃-، و[من التابعين]: سعيد بن المسيَّب والزهري والأوزاعي.
وروي عن علي -﵁ - أنّه قال: إذا دفع نصف الكتابة عتق.
وما أدري [هل] يقول: يعتق جميعه أو نصفه؟ [٨٨/ب].
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: إذا أدى قدر قيمته عتق جميعه.
وقيل عن شريح أنّه قال: إذا أدى ثلث مال الكتابة عتق.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنّه يعتق منه بقدر ما أدى.
يجوز بيع ما على المكاتب دون رقبته، إن كانت الكتابة بعين بيعت بعرض معجل، وإن كانت عرضًا فبعين معجل، أو عرض مخالف على وجه يملك المشتري ذلك الأداء، ويؤدِّي المكاتب إليه النجوم، على ما كان يؤدِّي إلى سيده، فإن أداها إلى المبتاع عتق، وولاؤه للسيد عاقد كتابته، وإن عجز رق للمشتري.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز بيع ما كان على المكاتب، وبيعه غرر وفاسد.
١٤٦٩ - مسألة:
إذا اختلف المكاتب وسيده في مال الكتابة، فالقول قول المكاتب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: يتحالفان ويفسخ ويرجع العبد رقيقًا.
١٤٧٠ - مسألة:
يصح أن ينكح المكاتب ابنة سيده، فإن مات سيده وورثته ابنته،
[ ٦١٩ ]
انفسخ نكاحها من مكاتب أبيها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة (١) لا ينفسخ؛ لأنّ المنتقل للورثة إنّما هو مال في ذمة المكاتب، وثبوت حق الزوجة في ذمة زوجها لا ينافي الزوجية، وإنّما ينافي الزوجية حق الزوجة في رقبة الزوج العبد.
إذا قال لعبده: "كاتبتك على ألف تؤديها على صفة صحيحة"، صار مكاتبًا وإن لم يقل: "فإذا أوفيت فأنت حر"، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يكفي ذلك حتّى تقول: "فإذا أديت فأنت حر"، وينوي ذلك.
وقال مثل قولنا.
١٤٧٢ - مسألة:
إذا شرط على مكاتبه ألَّا يسافر، صح العقد والشرط؛ لأنّه لو أطلق لم يكن له أن يسافر سفرًا يحل فيه عليه نجم، إِلَّا بإذن سيده.
وقال أبو حنيفة: يبطل الشرط وتصح الكتابة، وله أن يسافر. ولم يفرق بين سفر بعيد أو قريب، وإن أطلق ولم يشترط عندهم، فهو أولى بجواز سفره.
واختلف قول الشّافعيّ فيما إذا أطلق دون شرط، فقال: له أن يسافر، وقال: ليس له ذلك إِلَّا بإذن سيده.
ولم أرهم يعرضون للشرط، لكنه يخرج على القولين عندي؛ فإن قال: "ليس له السَّفر"، فبالشرط أولى، وإن قال: "له أن يسافر بغير إذنه"، جاز أن يسقط الشرط، وجاز أن يصح.
_________________
(١) في الأصل: "يوسف". والمثبت من (ط).
[ ٦٢٠ ]
اختلف عن مالك إذا كانت أمته وشرط وطئها، فقال: تصح الكتابة، ويبطل شرطه.
وقال: تنفسخ الكتابة، إِلَّا أن يسقط الشرط، وكذلك إذا شرط وطء من أعتقها إلى أجل، وكذلك لو شرط أن ما تلده في الكتابة رقيق.
وقال ابن الموّاز عن أشهب في اشتراط رق ما تلده: إن الكتابة تفسخ، وإن لم يبق منها إِلَّا درهم، إِلَّا أن يرضى السَّيِّد بترك الشرط، وكذلك لو شرط في كتابته أن ما ولد له من أمته فهو عبد.
وقال محمَّد بن الموّاز: تمضي الكتابة في هذا كله إذا أدى، ولو نجمًا واحدًا ويبطل الشرط؛ فأمّا قبل الأداء فالسيد مخير بين أن يبطل الشرط أو يفسخ الكتابة.
وينبغي أن يكون إذا لم يفسخ في هذا كله، حتّى استوفى مال الكتابة أن يعتق المكاتب وولده، فيجيء من هذا أن يكون الفسخ في أصل الكتابة مستحبا؛ إذ لو وقعت مفسوخة لم يجز أن تصح بالأداء، كما [٨٩/أ]، نقول في النِّكاح على خمر أو خنزير أو مهر مجهول، على أحد القولين لمالك، وعلى القول الآخر: إنّه يفسخ النِّكاح قبل الدخول وبعده، لا تنفسخ الكتابة عندي مع الأداء على وجه؛ لحرمة العتق.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تفسخ الكتابة في هذا كله.
وروي عن ابن المسيَّب وأحمد بن حنبل: أن له أن يطأها بالشرط في الكتابة.
١٤٧٤ - مسألة:
إذا كاتب عبيدًا له كتابة واحدة جاز، وكان بعضهم حميلًا ببعض، وإن لم يشترط عليهم ذلك، ولا يعتق منهم أحد، حتّى يستوفي السَّيِّد جميع مال الكتابة، وبه قال سفيان.
[ ٦٢١ ]
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يكون بعضهم حميلًا ببعض، ومن أدى منهم قدر ما يصيبه من الكتابة عتق.
يجوز للأب والوصي أن يكاتب عبد يتيمه، على وجه النظر له؛ لأنّه قد يكون العبد كثير الإباق، قليل الاكتساب، لا يساوي بعض ما يكاتب عليه، فإذا رأى ذلك نظرًا جاز.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز.
١٤٧٦ - مسألة:
يجوز أن يكاتب عبده على عبد، أو على جارية وإن لم يصف له ذلك، ويكون له الوسط، كما يكون عندنا في النِّكاح، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز حتّى يصف، كما في البيع.
١٤٧٧ - مسألة:
إذا كاتب ثلاثة أعبد له كتابة واحدة على مائة دينار، صح عندنا وعند أبي حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: الكتابة فاسدة.
١٤٧٨ - مسألة:
إذا كاتبهم على مائة مثلًا جاز، وقسطت عليهم على قدر قوة كلّ واحد منهم على الأداء، لا على قيمتهم.
وقال الشّافعيّ: على قدر قيمتهم يوم الكتابة.
١٤٧٩ - مسألة:
اختلف عن مالك في المكاتب، هل له أن يعجز نفسه؛ كان له مال أو لا؟
وقال أبو حنيفة: العقد لازم للمكاتب، لا رجوع له فيه مع وجود
[ ٦٢٢ ]
المال، ويجبره الحاكم إن لم يفعل، وإن لم يكن له وفاء ويقدر على الكسب، لم يجبره على الكسب. ففرق بين المال عنده والكسب.
وقال الشّافعيّ: هو عقد جائز من جهة العبد، فلو امتنع من الأداء مع قدرته، أو من الكسب لم يجبر وعاد رقيقا.
إذا تزوج أمة إنسان فأولدها، ثمّ اشتراها وولدها، لم تصر هي أم ولد بذلك الولد.
وقال أبو حنيفة: تكون له أم ولد، وكذلك إذا اشتراها وهي حامل منه صارت أم ولد.
واختلف قول مالك إذا اشتراها حاملًا، فقال كقول أبي حنيفة.
وقال: لا تكون أم ولده.
١٤٨١ - مسألة:
إذا أسلمت أم ولد الذمي، قال مالك مرّة: توقف، كما يقول الشّافعيّ.
ثمّ رجع وقال: إنها تعتق عليه، [فإن] لم تعتق عليه حتّى أسلمت، رجعت له أم ولد وإن تطاول ذلك، وإن عتقت عليه بحكم إمام، ثمّ أسلم لم تعد له.
وروي عن مالك: أنّها تباع ويدفع له ثمنها.
وقال أبو حنيفة: تستسعي في قيمتها، حتّى تؤدي فتعتق.
١٤٨٢ - مسألة: من الولاء
يجر الجد ولاء ولد ولده إلى مواليه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الجد لا يجر الولاء.
[ ٦٢٣ ]