٣٥٢ - مسألة:
الأصل في زكاة الفطر قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]. قال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيَّب: هي صدقة الفطر، وقال عطاء: هي الصدقات كلها. وقال عكرمة: معناه: قد أفلح من قالة لا إله إِلَّا الله، وقال ابن عبّاس -﵄-: قد أفلح من تزكى من الشرك، وقال ابن مسعود -﵁ -: من إذا خرج من الصّلاة تصدق بشيء إن استطاع (١).
وقال مالك: هي داخلة في قولهْ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وروي عنه وعن أكابر الصّحابة: أنّها ممّا بيّن الرسول - ﷺ - وفرض، على ما جاء في الحديث (٢).
ومعنى هذا: أنّه - ﷺ - فرض مقدارها أي قدّره، وإلا فهي فرض، وبه قال الشّافعيّ، وكل فرض واجب.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفرض [وكل فرض عنده واجب، وليس كلّ واجب فرضًا، بل الفرض آكد من الواجب،، وكذلك الوتر، وكأنّه وافق في المعنى وخالف في الاسم، وقال: هي تجري مجرى المؤنة وليست بزكاة.
_________________
(١) أخرج هذه الآثار: عبد الرزّاق في مصنفه: ٣/ ٣٢١، والبيهقي في الكبرى: ٤/ ١٥٩.
(٢) يقصد حديث ابن عمر ﵄ السابق ذكره في المسألة [٣٤١].
[ ١٩٥ ]
لم يختلف علماء الأمصار في أن السَّيِّد عليه أن يخرج عن عبيده المسلمين.
وحكى قوم من أهل الظّاهر: أن زكاة الفطر على العبد في نفسه، وعلى السَّيِّد أن يمكنه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه.
واستدل من صار إلى هذا بقوله - ﷺ - في الحديث: "صَاعًا مِنْ كَذا أَو صَاعًا مِنْ كَذا، عَلى كُلِّ حُرِّ أو عَبْدٍ"، وهذا يقتضي أن تكون على العبد في نفسه؛ لأنّها حقيقة الكلام كالحر؛ لأنّه لا يصلح أن يخاطب مثله.
٣٥٤ - مسألة:
إذا كان الولد صغيرًا موسرًا، فنفقته وزكاة فطره في ماله، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال محمّد: نفقته في ماله، وزكاة الفطر على أبيه. وهذا غلط.
٦ - فصل:
[وأمّا الولد]؛ فإن كان بالغًا زَمِنًا فقيرًا، فلا خلاف عندنا وعند الشّافعيّ أن النفقة وزكاة الفطر تلزم الأب.
وقال أبو حنيفة: لا تلزم الأب زكاة عنه؛ لأنّه لا ولاية له عليه وهو كالأجنبي، فاعتبر الولاية. وهذا غلط.
٣٥٥ - مسألة:
وإذ لزمته نفقة زوجته المسلمة؛ لزمته زكاة الفطر عنها، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والثوري: زكاة فطرها عليها، وإن أخرج الزوج عنها بغير إذنها لم تجزها.
٣٥٦ - مسألة:
إذا كان له عبد آبق أو غائب قد أيس منه ولا يرجوه، لم تلزمه زكاة
[ ١٩٦ ]
الفطر عنه، وبه قال عطاء والثوري وأصحاب الرأي.
وقال الأوزاعي: يزكي عنه إذا كان في دار الإسلام.
وفي أحد قولي الشّافعيّ: يزكي عنه، وبه قال أبو ثور.
وقوله الآخر: لا يزكي عنه، وإذا وجده زكى عنه لما مضى.
لا يزكي عن عبده الكافر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يزكي عنه.
٣٥٨ - مسألة:
اختلف قول مالك في وقت وجوبها، فقال: تجب برؤية الهلال أو كمال عدة رمضان، فإذا دخل اللّيل وجبت.
وقال: تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قال أبو حنيفة.
وبالأول قال الشّافعيّ.
٣٥٩ - مسألة:
إذا كان عبد بين نفسين، زكى كلّ واحد عنه بقدر ملكه منه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا زكاة عليهما فيه.
٣٦٠ - مسألة:
المُدّ: رطل (١) وثلث (٢)، والصاع: أربعة أمداد (٣)، فذلك [٢١/أ]
_________________
(١) الرّطل البغدادي عند الحنفية (١٣٠) درهمًا، ومقداره = ٢٥.٤٠٦ غ، وعند الجمهور (١٢٨) درهمًا، ومقداره = ٥.٣٨٢ غ. انظر. المكاليل والموازين الشرعية: ٣٠.
(٢) المدّ عند الحنفية (٥.٨١٢) غ، وعند الجمهور (٥١٠) غ. المرجع السابق: ٣٦.
(٣) الصّاع عند الحنفية (٢٥.٣) كغ، وعند الجمهور (٠٤.٢) كغ. المرجع السابق: ٣٧.
[ ١٩٧ ]
خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وهو صاع النّبيّ - ﷺ - وصاع المدينة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: المُدّ: رطلان، والصاع: ثمانية أرطال.
من ملك فضلًا عن قوت يومه أخرج زكاة الفطر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يخرج حتّى يملك مائتي درهم.
٣٦٢ - مسألة:
لا يجزئ في صدقة الفطر أقل من صاع حنطة؛ مثل: التّمر والشعير، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة في أحد روايتيه.
والأظهر من قوله: نصف صاع حنطة، ومن التّمر والشعير صاع.
٣٦٣ - مسألة:
إذا كان قوته وقوت بلده في الغالب حنطة، لم يجزه أن يخرج غيرها، إِلَّا ألَّا يمكنه فيخرج ممّا يأكل منه، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أصحابه: [لأنّ جميعه قوت يجوز في صدقة الفطر]، فأي جنس أخرج أجزأه؛ لأنّه إذا جاز أن يخرج البرّ مكان الشعير، جاز أن يخرج الشعير مكانه، ولأن النبيّ - ﷺ - خيّر في الجميع ولم يرتب وقال: "أَغنوهُم في هَذا اليَومِ" (١) ولم يفرّق.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٨٩، والبيهقي: ٤/ ١٧٥. عن عبد الله بن عمر ﵄. وفي سنده أبو معشر. قال البيهقي: أبو معشر هذا نجيح السندي المديني، وغيره أوثق منه. قال ابن الملقن معقّبًا عليه: بل هو واه، وقد ضعّفه في "سننه"، وقال البخاريّ في حقه: منكر الحديث، ورواه ابن عساكر في تخريجه لأحاديث المهذب، بلفظ: "أغنوهم عن السؤال " ثمّ قال: حديث غريب جدا من هذا الوجه بهذا اللفط، وليس إسناده بالقوي. انظر: البدر المنير: ٥/ ٦٢٠. وقال عنه ابن حجر: "ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف"، انظر: بلوغ المرام: ١٤٥.
[ ١٩٨ ]