بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
المقدِّمَة
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه على نعمه الوافرة، وأشكره على ما اختصنا به من الشريعة الفاضلة، المتضمّنة سعادة الدنيا والآخرة.
وأصلّي وأسلّم على سيد الأنبياء وإمام الأتقياء، ومعلّم النّاس الخير، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه النجوم المجتهدين، ومن اهتدى بهديهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنّ مذهب الإِمام مالك بن أنس - ﵀ - من أكثر المذاهب الفقهية ثراءً وتنوّعًا، فقد تعدّدت مدارسه، وتنوعت خصائص كلٍّ منها، ضمن الإطار العام للمذهب؛ فتفنّنت في طردتى التدريس والتعليم، وأنواع التأليف والتصنيف، وهذا ما يتناسب مع مواهب مؤسّسه الأوّل إمام دار الهجرة؛ فهو مفتي أهل المدينة، وفقيه أهل الأثر، ومحدّث أهل السنّة.
وأشهر هذه المدارس: مدرسة المدينة المنوّرة، ومدرسة مصر، ومدرسة العراق، ومدرسة المغرب (القيروان وفاس والأندلس).
وقد شكّلت هذه المدارس بدورها، طريقتين متمايزتين في التأليف
[ ٥ ]
وهما: الطريقة المغربية (وتضمّ مصر والمغرب)، والطريقة العراقية.
أ - فأمّا الطريقة المغربية: فقد عُنيت منذ بداياتها الأولى بتحقيق آراء مالك وأصحابه، وتنقيحها واختصارها وتجريدها، ويرجع ذلك - والله أعلم - إلى الدخول المبكّر للطبقة الأولى من تلامذة مالك الفقهاء، من أمثال: عثمان بن الحكم (١٦٣هـ)، وعبد الرّحمن بن خالد (١٦٣هـ) وهما أوّل من قدم بمسائل مالك إلى مصر، وعبد الله بن فروخ (١٧٦ هـ) بالقيروان، وزياد بن عبد الرّحمن (١٩٣ هـ) بالأندلس وغيرهم؛ وانتشار المذهب وهيمنته على تلك الربوع، مع قلّة المنافسين له.
ولهذا تركّز التأليف الفقهي عندهم على غرضين رئيسين هما:
١ - كتب السماعات عن مالك وتلاميذه والمدوّنات والفتاوى؛ مجرّدة عن الاستدلال والتعليل.
٢ - كتب المختصرات لتلك السماعات والمدوّنات، ومختصرات فقهيّة أخرى هي بمثابة الزّبدة المعتمدة في الإفتاء والقضاء.
ب - وأمّا الطريقة العراقية: فقد اهتمّت بالبسط والتّفصيل والتّدليل والتّعليل، ويرجع ذلك - والله أعلم - إلى نوعيّة ناقلي المذهب هناك، فمعظمهم من المحدّثين الذين تلقّوا الموطَّأ عن مالك؛ كسليمان بن بلال (١٧٦ هـ) وعبد الله بن مسلمة القعنبيّ (٢٢١ هـ). وأمّا فقهاؤهم من الطّبقة الثّانية الذين لم يلقوا مالكًا، كأحمد بن المعذّل (قبل ٢٤٠ هـ) فقد تتلمذوا على تلامذة الإمام المدنيّين، الذين ورثوا إمامة الحديث مع الفقه كعبد الملك بن الماجشون (٢١٢ هـ).
ومن الناحية الجغرافية؛ فإن العراق - فرّج الله عن أهله - كان عاصمة الخلافة، ومنبت المذهب الحنفي، وعرين مدرسة الرأي، يعجّ بمختلف المذاهب الفقهية والعقدية، مشحونًا بالتنافس فيما بينها، لا مكان فيه إلّا للحجّة والبرهان، وقوّة الاستدلال وفنون المناظرة.
ولهذا تنوّعت أغراض التأليف عندهم، وتوشعت إلى العلوم الّتي تخدم
[ ٦ ]
الفقه وتقويه وتمكنه، فأثمرت بذلك ألوانًا جديدة، منها:
١ - كتب أحكام القرآن.
٢ - كتب شرح السماعات والمدونات والمختصرات بالتفصيل والتفريع والتعليل والتدليل.
٣ - كتب في معرفة الخلاف.
٤ - كتب في فقه الخلاف العالي.
٥ - كتب في نصرة المذهب والرد على مخالفيه.
٦ - كتب في مناقب إمام المذهب، وأهل المدينة.
* ويجدر التنبيه إلى أن هذا التوصيف أغلبي في معظمه، وليس عامًّا لكلّ مؤلّفات تلك المدارس، فقد نجد من كِلا الطريقتين من يحذو حذو الأخرى، وأمثِّل في هذا المقام بمثالين لكلٍّ منهما:
١ - الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البرّ الأندلسي (٤٦٣ هـ) في كتابه: "الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطَّأ من المعاني والآثار "، كما هو واضح من العنوان والحجم (٣٠ مجلدًا).
٢ - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن علي المازَري (التونسي) (٥٣٦ هـ) في كتابه: "شرح التلقين"؛ إذ اعتنى فيه بالتدليل والتعليل وذِكر خلاف المذاهب الأخرى، وقد شرحه بطريقة مبتكرة، ليس للمالكية كتاب مثله.
٣ - أبو القاسم عبيد الله بن الجلّاب البصري (٣٧٨ هـ) في كتابه: "التفريع"، وهو مختصر فقهي مجرّد عن الدّليل والتعلّيل، وهو أحد الكتب الّتي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا.
٤ - القاضي عبد الوهّاب بن نصر البغدادي (٤٢٢ هـ) في كتابه: "التلقين"، وهو من أخصر المختصرات الفقهية، مجرّد عن ذكر الدّليل وأوجه التّعليل، وهو كذلك أحد الكتب الّتي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا.
[ ٧ ]
وبهذا تكون المدرسة العراقية قد أَثرَت المذهب المالكي، ومنحته أبعادًا جديدة، وجبرت نقائص مدارسه الأخرى. غير أن أمدها لم يدم طويلًا، فبموت شيوخ المذهب وكبرائه، وخروج القاضي عبد الوهّاب إلى مصر بدأ أفولها، ولم يكد ينقضي القرن الخامس، حتّى انتهت كليًا، وقد كان آخرهم وفاة الإمام أبو يعلى أحمد بن محمَّد العبدي البصري (٤٨٩هـ) (١).
وللأسف، فإن ذخائر مالكية العراق قد ضلّت طريقها إلينا، من جملة ما ضلّ من إرث هذه الأمّة العزيز، أو ما تزال حبيسة المكتبات والزوايا.
ومع تراجع مستوى الاجتهاد الفقهي وانحساره، إلى جانب تزايد التعصّب المذهبي، واكتفاء المفتين بالرّجوع إلى ما عليه العمل عند المتأخرين، واستهجان رأي المخالف، ووصفه بأشنع أوصاف التّضليل والتّفسيق والتّبديع، بات من الواجب على الأحفاد - صونًا لأمانة الأجداد، وإحياءً للنماذج الفقهية واسعة الأُفُقِ، المتحلّية مع المخالف بزينة الحلم والرّفق -، البحثُ عن هذه الدّفائن، وخدمتُها حقّ الخدمة، وإخراجُها إلى عموم الطّلبة والعلّماء.
وقد شهدت السّاحة العلّميّة في الآونة الأخيرة - بحمد الله-، إنقاذ كثير من هذا الكنز الضّمار، فطُبعت جملة وافرة من مؤلفات القاضي عبد الوهّاب، وقِطع نادرة لأمثال: إسماعيل القاضي (قطعة من أحكام القرآن)، وأبي بكر الأبهري "شرح كتاب الجامع من مختصر ابن عبد الحكم)، وابن الجلّاب (التفريع)، وابن القصّار (المقدِّمة الأصولية، وقطعتين من عيون الأدلّة) ولا تزال الهمم طموحة لإنقاذ الكمّ الأكبر المتبقّي من تركة هذه المدرسة العتيقة.
ومحاولة منّي للمشاركة في هذا المسعى العلّمي النّبيل، فإنّي أقدّم
_________________
(١) راجع ما كتب حول المدرسة البغدادية في: اصطلاح المذهب عند المالكية للدكتور محمَّد إبراهيم أحمد علي، ومنهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل للدكتور بدوي عبد الصمد الطّاهر.
[ ٨ ]
لإخواني القراء، كتاب "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهّاب البغدادي، الّذي اختصر فيه كتاب "عيون الأدلّة" لشيخه القاضي أبي الحسن بن القصّار، وهو كتاب نفيس، من أقدم ما وصلنا في فنّه، وهو شاهد على اتّساع الباع وسعة البال.
وقد كان الرّجاء متّجهًا إلى خدمة كتاب الأصل "عيون الأدلة"، لكن حال دون ذلك تعذّر إيجاد هذا السَّفر الضخم كاملًا، إذ لم تورد الفهارس إِلَّا أجزاء يسيرة منه، أفاد منها الأستاذ محمَّد الحسين السليماني (الجزائري) في إخراج المقدِّمة الأصولية، وكذا الدكتور عبد الرّحمن الأطرم في تحقيقه للجزء الثّاني منه (كتاب الصّلاة)، وأخيرًا الدّكتور عبد الحميد السعودي في الجزء الأوّل منه (كتاب، الطّهارة).
وإذا كان قد تعذّر عليّ تحصيل الأصل، فلم يفتني إدراك المختصر، مع ضرورة التّنبّه إلى أن غرض الكتابين مختلف؛ فقد بيّن ذلك كلّ واحد منهما، فالأصل في فقه الخلاف العالي (المقارن)، وأمّا المختصر ففي معرفة الخلاف العالي.
* ويكمن الفرق بينهما في أنّ الأوّل يخوض في أسباب الاختلاف، وأدلة المسائل وطرق الاحتجاج بها ومناقشتها، والتّرجيح فيما بينها. ومن ثمّ فهو خير معين على معرفة طرق الاستدلال وما يردّ عليه، ممّا يسهم في تكوين الملكة الفقهية. ومن أوائل من ألّف في هذا الفن تأليفًا مستقلًا:
١ - القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (٢٨٢ هـ) له: كتاب الرَّدِّ على محمَّد بن الحسن الشيباني في مائتي جزء - ولم يكتمل -، والرد على أبي حنيفة، والرد على الشّافعيّ. وهي لا تزال في عالم المخطوطات.
٢ - القاضي محمَّد بن بكير البغدادي المالكي (٣٠٥ هـ) له: كتاب في مسائل الخلاف. خ.
٣ - الإمام محمَّد بن جرير الطّبريّ (٣١٠ هـ) له: اختلاف الفقهاء. والمطبوع منه: قطعة (في الجهاد والجزية)، وقطعة (متعلّقة بالبيوع).
[ ٩ ]
٤ - الإمام أبو سعيد البردعي الحنفي (٣١٧ هـ) له: مسائل الخلاف. خ.
٥ - الإمام أبو بكر ابن المنذر النيسابوري (٣١٨ هـ) له: الإشراف على مذاهب العلماء (والمطبوع منه غير مكتمل)، والأوسط (والمطبوع منه الأجزاء الأولى).
٦ - الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي (٣٢١ هـ) له: اختلاف الفقهاء (والمطبوع منه جزء يسير).
٧ - الإمام أبو علي الحسن بن القاسم الطّبريّ الشّافعيّ (٣٥٠هـ) له: المحرر في النظر. خ. قيل عنه: إنّه أول كتاب في الخلاف المجرّد.
٨ - الإمام أحمد بن زيد القزويني المالكي (نيف وتسعين وثلاثمائة) له: المعتمد في الخلاف في مائة جزء. خ. قيل عنه: هو من أهذب كتب المالكية.
* وأمّا النوع الثّاني: فإنّه يُعنى بذكر المسائل الخلافية، واستقصاء آراء الصّحابة والتابعين ومذاهب الفقهاء فيها، ولا شأن له بالاستدلال والتّرجيح. ومن ثمّ فهو بمثابة مذكّرة في مسائل الخلاف. ومن أهمّ من ألّف في هذا الفن:
١ - الإمام محمَّد بن نصر المروزي الشّافعيّ (٢٩٤ هـ) له: اختلاف العلماء. (وهو مطبوع). وقد يذكر في النّادر دليل المسألة، دون شرح أو توجيه.
٢ - الإمام أبو بكر الجصّاص الرازي الحنفي (٣٧٠ هـ) له: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي. (وهو مطبوع). وطريقته تقارب الكتاب السابق.
٣ - الإمام أبو الحسن القدوري الحنفي (٤٢٨ هـ) له: التجريد (وهو مطبوع). تناول فيه صاحبه مسائل الخلاف بين الحنفية والشّافعيّة.
[ ١٠ ]
* ولا شكّ في أهمية كِلا الفنّين معًا، ولا غنى لطالب العلم عنهما، فضلًا عن الفقيه والمُفتي، وفي هذا يقول العلّامة الشاطبي - ﵀ -:
"ولذلك جعل النَّاس العلم معرفة الاختلاف، فعن قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفُه الفقه.
وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراءة فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه.
وعن عطاء: لا ينبغى لأحد أن يفتى النَّاس حتّى يكون عالمًا باختلاف النَّاس؛ فإنّه إنَّ لم يكن كذلك رَدَّ من العلم ما هو أَوثَق من الّذي في يديه" (١).
* وإلى جانب معرفة الخلاف العالي، فقد جمع لنا المؤلِّف فوائد أخرى؛ كمعرفة الخلاف داخل المذهب الواحد، وترجيح أقوى الروايات وبيان المفتى به.
كما أن صنيعه في تقديم القول المعتمد عند المالكية مطلع كلّ مسألة، يعدّ وثيقة فقهية مهمّة؛ لما جرى به العمل والقضاء، واستقرت عليه الفتوى عند مالكية العراق.
كما ضمّ الكتاب بين دفّتيه بعض اختيارات ابن القصّار الفقهية، وتُحَفًا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السّلفية، الّتي وردت على سبيل النّدرة.
وإني لأعتذر إلى القاري الكريم عن كلّ خلل أو زلة أو تقصير، قد يلحق هذا العمل، فللهِ الكمال وحده، وكما جاء في خاتمة هذا الكتاب:
إِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلا جَلَّ مَنْ لاعَيْبَ فِيه وَعَلا
_________________
(١) الموافقات في أصول الشّريعة: ٤/ ١٦١.
[ ١١ ]
وفي خاتمة هذه المقدِّمة لا يسعني إِلَّا الاعتراف بقلّة الزّاد، ومشقّة المضمار، غير أنني بذلت غاية وسعي، أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصولًا عنده في ميزان الأجر والثواب.
وكتبه:
حامدًا مصلّيًا راجيًا رحمة ربه علي محمَّد بن إبراهيم بورويبة الجزائر العاصمة في ١٩ ذي الحجة ١٤٢٨ هـ الموافق لـ ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٧ م
[ ١٢ ]
دراسة تمهيدية
المبحث الأوّل: ترجمة مؤلِّف الأصل القاضي ابن القصّار.
المبحث الثّاني: ترجمة مختصر الأصل القاضي عبد الوهّاب.
المبحث الثّالث: تعريف بكتابي "عيون الأدلة" و"عيون المسائل".
[ ١٣ ]
المبحث الأوّل
ترجمة مؤلِّف الأصل أبي الحسن علي بن عصر بن القصّار
لم تتوسّع المصادر في ترجمة القاضي أبي الحسن بن القصّار (١)،لذا سأقتصر على أهم معالم حياته:
اسمه ونسبه ولقبه:
هو القاضي أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد البغدادي الأبهري الشيرازي المالكي، المعروف بابن القصّار، الإمام الفقيه الأصولي الحافظ النظّار.
وإذا أُطلق عند المالكية لفظ "القاضي أبو الحسن" فهو المقصود، أمّا إذا أطلق لفظ "القاضيان"، فالمقصود بهما: القاضي ابن القضار والقاضي عبد الوهّاب.
_________________
(١) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ١٢/ ٤١، طبقات الفقهاء: ١٦٨، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢، سير أعلام النُّبَلاء: ١٧/ ١٠٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٧/ ٣٤٥، الديباج المذهب: ١٩٩، شذرات الذهب: ٢/ ١٤٩، شجرة النور الزكية؛ ١/ ١٣٨، الفكر السامي: ٣/ ١٢٣.
[ ١٥ ]
ولادته ونشأته ورحلاته:
لم تذكر المصادر تاريخ ولادته، ولا فصّلت في مكان نشأته وحلّه وترحاله، لكن الأغلب أنّه نشأ ببغداد، وترعرع فيها.
ولا ينافي هذا أن يكون قد تجوّل داخل مدن العراق، فقد ذكر في كتابه، أنّه سمع من القاضي أبي حامد المرّورّذي (٣٦٢ هـ) مسألتين في الفقه بالبصرة (١).
شيوخه:
إنَّ طول مكث القاضي أبي الحسن ببغداد، كان له الأثر البالغ في تمكّنه من شتّى العلوم النقلية والعقلية، والضلوع فيها والأخذ بأصولها، إذ كانت المدرسة المالكية وقتها في أزهى مراحلها، ومن أشهر أعلامها:
أبو الحسن السّتوري (٣٤٣ هـ)، وأبو الفضل بكر بن العلّاء (٣٤٤ هـ)، وأبو عبد الله التستري (٣٤٥ هـ)، وأبو جعفر الأبهري "الصغير" (٣٦٥ هـ)، وأبو الطّاهر الذهلي (٣٦٧ هـ)، وأبو عبد الله ابن مجاهد (تقريبًا: ٣٧٠هـ)، وأبو بكر الأبهري (٣٧٥ هـ)، وأبو بكر ابن علوية الأبهري (تقريبًا: ٣٧٦ هـ)، وأبو القاسم ابن الجلّاب (٣٧٨ هـ)، وأبو سعيد القزويني (تقريبًا: ٣٩٠هـ)، وأبو بكر الباقلاني (٤٠٣هـ).
غير أن مترجميه لم يصرّحوا بأسماء كلّ شيوخه، وإنّما اقتصروا على اثنين:
الأوّل: أبو بكر الأبهري (٢):
_________________
(١) انظر المسألة الأولى: عيون الأدلة: ١/ ٢٣٢، والثّانية: عيون المسائل: مسألة [١٤٢٥].
(٢) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ٥/ ٤٦٢، طبقات الفقهاء: ١٦٧، ترتيب المدارك: ٤/ ٤٦٦، سير أعلام النُّبَلاء: ١٦/ ٣٣٢، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٦/ ٥٨٠، الديباج المذهب: ٢٥٥، شذرات الذهب: ٨٥/ ٢، شجرة النور التركية: ١/ ١٣٦، الفكر السامي: ٣/ ١٢٢.
[ ١٦ ]
وهو القاضي الإمام العلّامة الفقيه المُقرئ الصالح النظّار أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن صالح الأبهري التميمي المالكي، شيخ المالكبين في وقته، ولد قبل (٢٩٠ هـ)، وتوفي في بغداد يوم السبت لسبع خلت من شهر شوال سنة ٣٧٥ هـ، وصلّي عليه بجامع المنصور.
ولقد أمضى أبو بكر الأبهري ستين سنة بجامع المنصور ببغداد، وهو يفتي النَّاس ويعلمهم، وفيها التقى القاضي أبو الحسن به، ولازمه مدّة طويلة، قال الذهبي: "وكان من كبار تلامذة القاضي أبي بكر الأبهري، يُذكر مع أبي القاسم ابن الجلّاب".
ولقد ترك القاضي أبو بكر الأبهري مجموعة قيّمة من التآليف، شاهدة على تعدّد مهاراته، وتنوّع علومه، أذكر منها:
١ - شرح المختصر الكبير لابن عبد الحكم (١).
٢ - شرح المختصر الصغير لابن عبد الحكم.
٣ - مسلك الجلالة في مسند الرسالة. (رسالة ابن أبي زيد القيرواني).
٤ - كتاب الأمالي.
٥ - كتاب إجماع أهل المدينة.
٦ - كتاب الرَّدِّ على المزني.
٧ - كتاب الأصول.
٨ - مسألة إثبات حكم القَافَة.
٩ - كتاب فضل المدينة على مكّة.
١٠ - مسألة الجواب والدلائل والعلل.
_________________
(١) حقّق منه (كتاب الجامع): أ. د حميد لحمر [ط: دار الغرب الإِسلامي: ٢٠٠٤].
[ ١٧ ]
وقد صرّح ابن القصّار بذكر شيخه في مواضع من كتابه عيون الأدلّة (١)، ونقلها القاضي عبد الوهّاب في مختصره عيون المسائل (٢).
الثّاني: أبو الحسن السُّتوري (٣):
وهو أبو الحسن علي بن الفضل بن إدريس بن الحسين بن محمَّد الستوري: من أهل سُرّ من رأى، سكن بغداد، وحدث بها عن الحسن بن عرفة أحاديث يسيرة. قال فيه العتيقي: "ثقة، ما سمعت شيوخنا يذكرونه إِلَّا بجميل".
توفي سنة ٣٤٣ هـ.
تلامذته:
لقد حظي ابن القصّار بتلامذة نجباء، تفقّهوا به ونقلوا عنه، وخلّدوا ذكره بعد وفاته، ومن أشهرهم:
الأوّل: القاضي عبد الوهّاب بن نصر البغدادي.
وستأتي ترجمته في المبحث التالي.
الثّاني: أبو ذر الهروي (٤):
وهو الإمام الحافظ الحجة الثقة أبو ذر عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن غفير الهروي المالكي، المعروف بابن السّمّاك، ولد سنة ٣٥٥ هـ، واشتغل بالحديث فبرع فيه وغلب عليه، له مصنّفات كثيرة، أهمّها:
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٨٥ و٤٤١، ٢/ ٧٠٥.
(٢) انظر: ٧٤، ٧٩، ٨٢، ١٢١، ١٣٨، ١٤٢، ١٥٠، ١٨٠، ١٨٥، ٢٩٤، ٤١٢، ٤٣٩، ٤٤٢، ٤٤٥، ٤٥٠، ٤٩١، ٥٣٣، ٥٦٣، ٥٧٦.
(٣) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ١٢/ ٤٨، سير أعلام النُّبَلاء: ١٥/ ٤٤٢، تاريخ الإسلام: ٢٥/ ٢٨٢، شذرات الذهب: ١/ ٣٦٥.
(٤) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ١١/ ١٤١، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩٦، سير أعلام النُّبَلاء: ١٥/ ٤٤٢، شذرات الذهب: ٣/ ٢٤٥، الديباج المذهب: ٢١٧، شجرة النور: ١/ ١٥٦.
[ ١٨ ]
١ - كتاب الجامع.
٢ - فضائل مالك.
٣ - المناسك.
جاور الحرم إلى أن مات في ذي القعدة ٤٣٥ هـ.
الثّالث: أبو الفضل بن عمروس (١):
وهو الإمام العمدة الفاضل الفقيه الأصولي أبو الفضل محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عمروس البغدادي المالكي، ولد سنة ٣٧٢ هـ، وإليه انتهت الفتوى في الفقه على مذهب مالك ببغداد، من مصنّفاته:
١ - تعليق حسن كبير مشهور في المذهب والخلاف.
٢ - مقدّمة في أصول الفقه.
توفي أول محرم سنة ٤٥٢ هـ.
الرّابع: أبو علي بن عبّاس (٢):
وهو الإمام العمدة الفاضل الفقيه أبو علي إسماعيل بن الحسن بن علي بن عبّاس الصيرفي البغدادي المالكي، درس على الأبهري، ثمّ درس على ابن القضار، توفي في رمضان ٤٠٨ هـ.
مكانته وعلمه:
اعترف بعلم القاضي ابن القصّار وفضله، كلّ من رآه أو تتلمذ عليه أو قرأ له، فهذا تلميذه أبو ذر الهروي يصفه، فيقول: "هو من أفقه من رأيت من المالكيين" (٣).
_________________
(١) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد" ٢/ ٣٣٩، طبقات الفقهاء: ١٦٩، ترتيب المدارك: ٤/ ٧٦٢، سير أعلام النُّبَلاء: ١٨/ ٧٣، الديباج المذهب: ٢٧٣، شجرة النور: ١/ ١٥٦.
(٢) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ٦/ ٣١٢، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢، تاريخ الإسلام: ٢٨/ ١٧٢.
(٣) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢، الديباج المذهب: ١٩٩.
[ ١٩ ]
وقد تعدّى هذا العرفان والتّزكية إلى أعلام المذاهب الأخرى، فهذا أبو حامد الإسفراييني الشّافعيّ (٤٠٦هـ)، أحد أقران القاضي ومنافسيه، يعترف أمام القاضي عبد الوهّاب ببراعته، فيقول عن كتابه (عيون الأدلة): "ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول" (١).
- وهذا أبو إسحاق الشيرازي الشّافعيّ (٤٧٦ هـ) على غزارة علمه، وسعة مطالعته، قرأ للقاضي وأعجب به، حتّى قال: "وله كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعلم لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه" (٢).
- ولم يقتصر هذا العرفان على أهل صنعته من الفقهاء والأصوليين فحسب، بل تخطّى تحرّي المحدّثين وشدّة نقدهم، فهذا حافظ المشرق أبو بكر الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) يوثّقه في تاريخه (٣)، ويقول عنه تلميذه أبو ذر الهروي: "كان ثقة قليل الحديث" (٤).
- وقد صاحبت هذه الشّهرة، كتبه وتلاميذه لتصله بالأقطار البعيدة، فهذا القاضي عياض المالكي (٥٤٤ هـ) يقول فيه: "كان أصوليًا نظّارًا" (٥).
ونختم هذه الشهادات، بمقولة مشهورة عند أهل التراجم، وهي قولهم:
"لولا الشيخان (ابن أبي زيد وأبو بكر الأبهري)، والمحمدان (محمَّد بن سحنون ومحمد بن الموّاز)، والقاضيان (القاضي أبو الحسن ابن القصّار والقاضي عبد الوهّاب) لذهب المذهب المالكي" (٦).
_________________
(١) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢.
(٢) انظر: طبقات الفقهاء: ١٦٨.
(٣) انظر: تاريخ بغداد: ١٢/ ٤١.
(٤) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢، الديباج المذهب: ١٩٩. وقد عثرت في فهرس مركز المخطوطات والتراث والوثائق، بدولة الكويت، تحت رقم: ٤٤ - ٤٩ - ٣. على "جزء فيه أحاديث عن أبي الحسن علي بن عمر بن القصّار" في أربع ورقات.
(٥) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٢.
(٦) انظر: شجرة النور: ١/ ١٣٨.
[ ٢٠ ]
مؤلفاته
- أجمع أهل التراجم على نسبة كتاب "عيون الأدلّة" - الآتي ذكره - إلى القاضي ابن القصّار، وأنّه سرّ شهرته ودليل براعته، وتوقّفوا عند هذا الحدّ، مكتفين بذكر مؤلّف واحد، الأمر الّذي لا يتناسب مع ما ذكر آنفًا من الشّهرة الّتي نالها.
إِلَّا أن هذا الإشكال قد يزول قليلًا، إذا علمنا أن حجم الكتاب كبير جدًا، فقد ذكر الأدفوي أنّه رآه في ثلاثين مجلدة (١)، فهو بمثابة موسوعة متنوّعة، جمع فيها علومًا شتّى - كما سيأتي -.
كما أن القضاء الّذي وليه في مدينة كبيرة كبغداد، مشتّت للذِّهن ومستغرق للعمر، وهذا الذكرها دفع بكثير من العلماء قديمًا إلى التبرّم منه واعتزاله.
- وقد أفرد بعض العلماء مقدّمة "عيون الأدلة" - الأصولية - بذكرها من جملة مؤلّفاته، ولا ندري إنَّ كان القاضي ابن القصّار قد أفردها بمؤلّف، كما فعل شهاب الدّين القرافي مع مقدّمة كتابه الذّخيرة - حين أفردها عنه وسمّاها: "تنقيح الفصول في اختصار المحصول"؛ ليتولى شرحها فيما بعد في "شرح تنقيح الفصول" -، أو أن الطّلاّب والدّارسين اهتمّوا بها، واستثقلوا نسخ كلّ تلك الأسفار، فاصطلحوا على تسميتها بالمقدّمة في الأصول، لكن ممّا لا شكّ فيه، أنّها احتوت على جلّ مباحث أصول الفقه، متناسقة محرّرة ملخّصة، جديرة بأن تفرد بكتاب مستقل، لتكون مرجعًا معتمدًا للمبتدئين والمجتهدين (٢).
وفاته:
وبعد حياة مباركة قضاها القاضي ابن القصّار ما بين رواية للحديث
_________________
(١) انظر: المقفّى الكبير: ٦/ ٣٧٤.
(٢) للاستزادة من حقيقة المقدّمة الأصولية، وقيمتها ومنهج مؤلفها، راجع المدخل الّذي صدّر به الأستاذ محمَّد الحسين السّليماني المقدّمة الأصولية: ١٥ - ٣٧.
[ ٢١ ]
النبوي، وتدريس للطلًاب والمتعلّمين، وقضاء بين النَّاس وحلّ خلافاتهم، والحكم بينهم بشريعة الحق والعدل، وتأبيف للعلّوم النّافعة ونشرها، يتوفّاه الأجل ويلقى ربّه في بلدته المباركة مدينة السّلام "بغداد"، يوم السّبت السابع من ذي القعدة سنة ٣٩٧ هـ.
فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عتا وعن المسلمين خير الجزاء، وجمعنا وايّاه بالنّبيّين والشّهداء والصَّالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
[ ٢٢ ]
المبحث الثّاني
ترجمة مختصِر الأصل أبي محمدّ عبد الوهّاب بن نصر البغدادي (١)
لقد حظيت شخصية القاضي عبد الوهّاب - على العكس من شيخه -، بعناية فائقة من كلّ من ترجم لأعلام بغداد، أو للفقهاء عامّة، أو للمالكية خاصّة، أو للأصوليين، أو حتّى للأدباء والشعراء، بدءًا من تلميذه الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) وانتهاءً بالمؤتمر العلّمي الأوّل لدار البحوث للدراسات الإِسلامية وإحياء التراث بدولة الإمارات، الّذي أقيم حول: "القاضي عبد الوهّاب البغدادي شيخ المالكية بمدرسة العراق"، في الفترة الممتدة ما بين [١٦/ ٣/ ٢٠٠٣ إلى ٢٢/ ٣/ ٢٠٠٣] حيث قُدّمت فيه ٨٤ ورقة علمية، وطُبعت في ٧ مجلّدات ضخمة، لنخبة من الباحثين والعلّماء.
ولكثرة المصادر الّتي ترجمت لحياة القاضي، وطول الدراسات الّتي تناولت شخصيته، سأقتصر على أهم معالم حياته، لا سيما مع ضيق المقام هنا:
_________________
(١) من أهمّ مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ١١/ ٣١، طبقات الفقهاء: ١٦٨، الذّخيرة في محاسن أهل الجزيرة: ٨/ ٥١٥، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩١، تاريخ دمشق: ٣٧/ ٣٣٧، وفيات الأعيان: ٣/ ٢١٩، سير أعلام النُّبَلاء: ١٧/ ٤٢٩، تاريخ الإسلام: ٢٩/ ٨٥، تاريخ قضاة الأندلس: ٤٠، الديباج: ١٥٩، وفيات ابن قنفذ: ٢٣٣، النجوم الزاهرة: ٤/ ٢٧٦، شذرات الذهب: ٢/ ٢٢٣، شجرة النور: ١/ ١٥٤.
[ ٢٣ ]
اسمه ونسبه ولقبه:
هو القاضي أبو محمَّد عبد الوهّاب بن علي بن نصر بن أحمد البغدادي المالكي، من ذرية مالك بن طرق التغلبي، الإمام الفقيه الأصولي النظّار الأديب.
وإذا أطلق لفظ "القاضي" عند المالكية، فإنّه ينصرف إليه، أمّا إذا أطلق بالتّثنية، فقد سبق أنّه يضاف إليه ابن القصّار.
ولادته ونشأته ورحلاته:
لقد كفانا القاضي عبد الوهّاب عناء البحث عن تاريخ ولادته، فقد سُئِل عنه، فأجاب: "يوم الخميس السابع من شوال سنة ٣٦٢ هـ ببغداد" (١).
وتعرّفنا المصادر ببعض أفراد أسرته، بدءًا بأبيه وهو:
* أبو الحسن علي بن نصر (٢) الفقيه المالكي، كان من أعيان الشهود المعدّلين ببغداد - الذين يعتمد القضاة أقوالهم في تعديل الشهود وتجريحهم -، وقال فيه أبو بكر محمَّد بن عمر القاضي المعروف بابن الأخضر (٤٢٩ هـ): حدثني الشّيخ أبو الحسن علي بن نصر الفقيه المالكي، وكان ناهيك عدالة وثقة.
وإلى جانب روايته للحديث الشريف - كما ذكر عياض -، فقد روى عنه ابنه عبد الوهّاب. توفي يوم السبت الثّاني من شهر رمضان سنة ٣٩١ هـ. كما تعرّفنا بأخيه الأصغر وهو:
* أبو الحسن محمَّد بن علي (٣): الكاتب البغدادي، المولود ببغداد في إحدى الجماديين سنة ٣٧٢ هـ. صاحب ديوان الرسائل في دولة جلال
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان: ٣/ ٢١٩.
(٢) انظر: ذيل تاريخ بغداد: ٤/ ١٥٣، شذرات الذهب: ٢/ ٢٢٥.
(٣) انظر: وفيات الأعيان: ٣/ ٢١٩، تاريخ الإسلام: ٢٩/ ٤٥١، الديباج: ١٦٠، شذرات الذهب: ٢/ ٢٥٥، شجرة النور: ١/ ١٥٥.
[ ٢٤ ]
الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة. لقي جماعة من كبار الأدباء، وأخذ عن: أبي الفرج الببغاء، وأبي نصر ابن نباتة، وسمع من أبي القاسم عيسى بن الوزير، وروى عنه: أبو منصور محمَّد بن محمَّد العكبري.
كان أديبًا بليغًا فصيحًا إخباريًا، صنّف "كتاب المفاوضة" للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور ابن أبي طاهر بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن بويه؛ جمع فيه ما شاهده، وهو - كما ذكر من اطّلع عليه - من الكتب الممتعة في ثلاثين كرّاسة، وله رسائل.
ترك البصرة راحلًا إلى واسط، وتوفي بها يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٤٣٧ هـ.
- وبهذا، نستشف حالة الأسرة الّتي ترعرع فيها القاضي، فهي أسرة فاضلة محبّة للعلّم والمعرفة، وفّرت له الدّعم المعنوي للاهتمام بتحصيل العلم، وملازمة حِلق العلماء.
* وأمّا رحلاته في طلب العلم، فلم تفصل المصادر عن أوقاتها ووجهاتها، ولكن من المحتمل أنّه قام ببعض الجولات ضمن الأقاليم العراقية الأخرى، كالبصرة مثلًا، لما سيأتي من ذكر بعض شيوخه منها.
- وأمّا رحلاته خارج العراق، فلم أعثر إِلَّا على رحلتين له، رحلته إلى مصر في آخر حياته سنة ٤١٩ هـ - نرجئ الحديث عنها فيما بعد -، ورحلته لأداء مناسك الحجِّ.
فأمّا سفره لأداء مناسك الحجِّ، فهو أمر مؤكّد، لما ذكره عبد الحق الصّقلي (٤٦٦ هـ) عن نفسه أنّه حجّ ٣ مرات، أولاها كانت سنة (٤١٨ هـ)، وفيها التقى بالقاضي عبد الوهّاب وأبي ذر الهروي (١).
_________________
(١) انظر: مقدمة تحقيق النكت والفروق: ٤٥: نقلًا عن مخطوط تهذيب الطالب لعبد الحق الصقلي: ٢ / أ، والغنية في شيوخ عياض: ٢٢٩.
[ ٢٥ ]
كما ذكر القاضي عبد الوهّاب ذهابه لأداء الحجِّ -دون تحديد السَّنة -، في رسالة منسوبة إليه، وجّهها إلى الخليفة الفاطمي "المستنصر بالله ابن الظّاهر لإعزاز دين الله"، وجاء فيها أيضًا تزكيته له، ممّا دعا بعض الباحثين إلى التّشكيك في صحة نسبتها إليه (١).
شيوخه:
لقد تمتّع القاضي عبد الوهّاب بشيوخ متمرّسين، وأساتذة متمكّنين، على غرار شيخه ابن القصّار، ولدنوّ تاريخ ولادته، فقد حُرم من بعض شيوخ شيخه، ولكنّه استعاض عنهم بأقران طبقة شيخه، ممّن عاشوا بعد ٣٧٥ هـ تقريبًا.
وعلى العكس من ترجمة ابن القصّار، فقد أفصحت المصادر عن عدد أكبر من شيوخ عبد الوهّاب، وقد بلغوا العشرين من أشهرهم:
١ - أبو بكر الأبهري (٣٧٥ هـ) السابق ذكره.
٢ - وأبو عبد الله الحسين الدّقّاق (٣٧٥ هـ).
٣ - وعمر بن سنبك البجلي البغدادي (٣٧٦ هـ).
٤ - وأبو القاسم ابن الجلّاب البصري (٣٧٨ هـ).
٥ - وأبو حفص ابن شاهين (٣٨٥ هـ).
٦ - وأبو الفتح يوسف القوّاس البغدادي (٣٨٥ هـ).
٧ - وأبو الحسن ابن القصّار (٣٩٧ هـ).
٨ - وعبد الملك بن مروان قاضي المدينة، "المرواني" (عاش بعد ٣٦٣ هـ).
_________________
(١) نقل نصّ الرّسالة ابن بسام في الذخيرة: ٨/ ٥٢٠، وانظر نقدها في: مقدّمة تحقيق الإشراف للأستاذ الحبيب بن طاهر: ١/ ١٤ و٨٢.
[ ٢٦ ]
٩ - وأبو بكر محمَّد بن الطيب، الشهير بالباقلاني (٤٠٣ هـ).
١٠ - وأبو الحسن المجبّر البغدادي (٤٠٥ هـ).
١١ - وأبو عمر الهاشمي البصري (٤١٤ هـ).
١٢ - وأبو علي ابن شاذان البغدادي (٤٢٥ هـ).
* وقد لخّص القاضي عبد الوهّاب حصيلة مشواره العلّمي، وذلك لمّا سُئل: "مع من تفقهت؟ " فأجاب: "صحبت الأبهري، وتفقّهت مع أبي الحسن ابن القصّار وأبي القاسم ابن الجلّاب، والذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلّم أبو بكر ابن الطيب" (١).
وقد سبق الحديث مفصّلًا عن الأبهري وابن القصّار، إِلَّا أن بعض المؤرخين؛ كالشيرازي نفى صحة تلقّي القاضي عبد الوهّاب عن الأبهري، وقد ردّ عليه القاضي عياض وخطّأه، وأثبت صحة تفقّهه عليه، ولا أدلّ على ذلك ممّا رواه عن القاضي عبد الوهّاب أنّه قال: دخلت في حداثتي على الأبهري، وفي كمّي كتاب "الحاوي" لأبي الفرج، فقال لي: ما الّذي في كفك؛ فقلت: "الحاوي" لأبي الفرج، فقال: "ليس بالحاوي ولكنّه الخاوي" (٢).
وسنوجز الحديث هنا، عن العلّمين الآخرين:
الأوّل: أبو القاسم ابن الجلّاب (٣):
وهو أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن الجلّاب البصري المالكي،
_________________
(١) انظر: الديباج: ١٥٩. انظر: ترتيب المدارك: ٥/ ٢٣ أطبعة: المغرب].
(٢) من مصادر ترجمته: طبقات الفقهاء: ١٦٨، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٠٥، سير أعلام النُّبَلاء: ١٦/ ٣٨٣، تاريخ الإسلام: ٢٦/ ٦٢٨ و٦٣٩، الديباج المذهب: ١٤٦، شذرات الذهب: ٢/ ٩٣، شجرة النور التركية: ١/ ١٣٧، الفكر السامي: ٣/ ١١٨، وانظر مقدّمة تحقيق التفريع للدكتور حسين بن سالم الدهماني: ١/ ١٠١ - ١٧٠.
[ ٢٧ ]
الإمام الفقيه الأصولي العالم الحافظ. وقد اختلف في اسمه، فقيل: محمَّد بن الحسين وقيل: عبد الرّحمن، وقيل: القاسم. والأرجح من الأقوال الأوّل.
تفقّه بأعلام عصره، ولكن لم تعتن المصادر بذكر شيوخه، عدا الإمام أبا بكر الأبهري، فقد كان من كبار أصحابه وملازميه.
من مؤلّفاته:
١ - كتاب التّفريع. سبق الحديث عنه في مطلع المقدّمة.
٢ - كتاب في مسائل الخلاف.
٣ - شرح المدوّنة.
توفّي - ﵀ - عند منصرفه من الحجِّ في شهر صفر من سنة ٣٧٨هـ.
الثّاني: أبو بكر الباقلاني (١):
هو القاضي أبو بكر محمَّد بن الطّيّب الباقلاني المالكي، الفقيه الأصولي المتكلّم، انتهت إليه رئاسة المالكبين بالعراق.
وكان له التّأثير الكبير في شخصية القاضى عبد الوهّاب، باعتراف هذا الأخير، وكما تدلّ عليه مؤلّفاته، وخصوصًا في الأصلّين (أصول الدِّين وأصول الفقه).
ترك مجموعة حافلة من المؤلِّفات، في مجالات مختلفة، منها:
١ - المقنع في أصول الفقه.
_________________
(١) من مصادر ترجمته: تاريخ بغداد: ٥/ ٣٧٩، ترتيب المدارك: ٤/ ٥٨٥، وفيات الأعيان: ٤/ ٢٦٩، سير أعلام النُّبَلاء: ١٧/ ١٩٠، تاريخ الإسلام: ٢٨/ ٨٨، شذرات الذهب: ٢/ ١٦٩، شجرة النور: ١/ ١٣٧، الفكر السامي: ٣/ ١٢٦.
[ ٢٨ ]
٢ - التقريب والإرشاد في أصول الفقه.
٣ - أمالي إجماع أهل المدينة.
٤ - الأصول الكبير، في الفقه.
٥ - شرح أدب الجدل.
توفي - ﵀ - في ذي القعدة لسبعٍ بقين منه سنة ٤٠٣ هـ، وصلّى عليه ابنه الحسن، ودُفن بداره، ثمّ نُقل إلى مقبرة باب حرب.
تلامذته:
لقد رزق القاضي عبد الوهّاب بتلامذة عقلاء، وطلاّب نبهاء، نقلوا عنه علومه ومعارفه، وقد تنوّعت اختصاصاتهم، وتفرّقت أوطانهم، واتّحدت محبّتهم له واعترافهم بإمامته، فمن أشهرهم:
١ - أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ)، حافظ المشرق، وصاحب "تاريخ بغداد"، سمع الحديث منه، وكتب عنه.
٢ - أبو إسحاق الشيرازي الشّافعيّ (٤٧٦ هـ)، صاحب المؤلِّفات الكثيرة المتنوّعة، قال عنه: "أدركته وسمعت كلامه في النظر".
٣ - أبو الفضل محمَّد بن عمروس البغدادي المالكي (٤٥٢ هـ).
٤ - أبو محمَّد عبد الحق بن هارون السهمي الصقلي المالكي (٤٦٦ هـ)، الإمام العلّاّمة الفقيه الأصولي، لقي القاضي في الحجِّ - كما ذكرنا سابقًا -، له كتاب "النكت والفروق على مسائل المدوّنة"، و"تهذيب الطالب".
٥ - أبو الفضل مسلم بن علي الدمشقي المالكي (مجهول الوفاة)، الشهير بـ "غلام عبد الوهّاب"؛ لطول صحبته وخدمته له، له كتاب: "الفروق الفقهية".
٦ - أبو العباس أحمد بن قيس الغساني الدمشقي (مجهول الوفاة).
[ ٢٩ ]
٧ - أبو المنجّا حيدرة بن علي الأنطاكي الدمشقي المالكي (٤٧٩ هـ) المعبّر للأحلام.
٨ - أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري النحوي (٤٥٦ هـ)، صاحب التصانيف، كان مضطلعًا بعلوم كثيرة.
٩ - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن الحبيب بن الشماخ الغافقي الأندلسي (٤٥٩ هـ)، رحل إلى القاضي عبد الوهّاب بمصر، وحمل عنه جميع تآليفه، وهو أوّل من أدخلها الأندلس والمغرب.
١٠ - أبو علي الحسن بن أحمد بن محمَّد الهاشمي العبّاسي، المعروف باليازري (مجهول الوفاة)، من فقهاء المالكية بمصر.
١١ - أبو القاسم عبد الواحد بن علي الجيزي المصري (مجهول الوفاة)، له كتاب في أصول الفقه.
مكانته العلمية:
لقد أجمع كلّ من عاصر القاضي عبد الوهّاب، على علمه وورعه وقوّة عارضته، شهد بها أساتذته، وأقرانه وتلامذته، وكل من درس عليه علمًا من العلوم، أو قرأ له كتابًا من الكتب، وسأسوق هنا بعض تلك الشهادات:
١ - قال شيخه القاضي أبو بكر الباقلاني: "لو اجتمعت في مدرستي أنت - يقصد أبا عمران الفاسي - وعبد الوهّاب، لاجتمع علم مالك؛ أبو عمران يحفظه، وعبد الوهّاب ينصره، لو رآكما مالك لسرّ بكما" (١).
٢ - وقال الخطيب البغدادي: "وحدّث بشيء يسير كتبت عنه، وكان ثقة، ولم نلق من المالكبين أحدًا أفقه منه" (٢).
_________________
(١) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٧٠٢، الديباج: ٣٤٥، شجرة النور: ١/ ١٥٤.
(٢) انظر: تاريخ بغداد: ١١/ ٣١.
[ ٣٠ ]
٣ - وقال الشيرازي: "وكان فقيهًا متأدبًا شاعرًا، وله كتب كثيرة في كلّ فن من الفقه" (١).
٤ - وقال ابن حزم الظاهري: "لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهّاب مثل أبي الوليد الباجي" (٢)، وهي وإن كانت تزكية للباجي، فهي تزكية للقاضي عبد الوهّاب أوّلًا.
٥ - وقال أبو الحسن علي بن بسّام الشنتريني: "كان أبو محمَّد في وقته بقية النَّاس، ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرف وجوه المذهب المالكي، بين لسان الكناني، ونظر اليوناني، فقدّر أصوله، وحرَّر فصوله، وقرّر جمله وتفاصيله، ونهج فيه سبيلًا كانت قبله طامسة المنار، دارسة الآثار واستقر بمصر، فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها" (٣).
٦ - وقال السيوطيّ: "أحد الأعلام، واحد أئمة المالكية المجتهدين في المذهب، له أقوال وترجيحات" (٤).
* وبهذا كان أهلًا لتولي قضاء عدة أقاليم منها: الدَّينور وبادَرايا وباكُسايا وأسعرد. وولي قضاء المالكية بمصر آخر عمره إلى أن مات بها.
* ومن كان بهذا الفضل والإكثار، كان لا بدّ له من العثار، الّذي لا يرديه على مقتله، وإنّما ينفي عنه العصمة والكمال.
ومن بعض مآخذ القاضي - ﵀ - ما نقله أبو عبد الله المقرّي (٧٥٨ هـ) في قواعده:
"وحذّر الناصحون من أحاديث الفقهاء، وتحميلات الشيوخ، وتخريجات المتفقّهين، وإجماعات المحدّثين. وقال بعضهم: احذر أحاديث
_________________
(١) انظر: طبقات الفقهاء: ١٦٨.
(٢) انظر: الذّخيرة في محاسن أهل الجزيرة: ٣/ ٩٦.
(٣) انظر: الذّخيرة في محاسن أهل الجزيرة: ٣/ ٩٦.
(٤) انظر: حسن المحاضرة: ١/ ٣١٤.
[ ٣١ ]
عبد الوهّاب والغزالي، وإجماعات ابن عبد البرّ، واتّفاقات ابن رشد، واحتمالات الباجي، واختلاف اللخمي" ثمّ فضل فقال: "وقال لي العلّامة أبو موسى ابن الإمام: قال لي جلال الدِّين القزويني: ما أحسن فقه قاضيكم لولا ما يحتج به من الحديث الضعيف، فقلت: شيخكم أكثر احتجاجًا به". ويعنيان: أبا محمَّد عبدالوهّاب، وأبا حامد الغزالي (١).
مؤلفاته:
خلّف القاضي كتبًا شاهدة على تمكّنه وبراعته (٢)، أذكر أهمّها:
١ - "التّلقين". واسمه الكامل: "تلقين المبتدي وتذكرة المنتهي" (٣).
٢ - "المعين على كتاب التلقين". وهو شرح للتلقين، ولم يتمّه.
٣ - "شرح المدوّنة". ولم يتمّه أيضًا.
٤ - "الممهّد في شرح مختصرًا بي محمَّد ابن أبي زيد". وهو شرح لمختصر ابن أبي زيد القيرواني للمدونة، وقد صنع فيه نحو نصفه.
٥ - "المعرفة في شرح الرسالة" شرح فيها رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وقد قيل: بأنّه أول شارح لها، وسلك فيه مسلك الإسهاب والإطناب، في نحو ألف ورقة، حتّى بيعت أول نسخة منه بمائة مثقال ذهبًا (٤).
٦ - "النُّصرة لمذهب إمام دار الهجرة" في مائة جزء، وهو من أعظم ما ألّفه القاضي، وقع بخطه في يد بعض قضاة الشّافعيّة، فألقاه في النيل قبل أن ينتشر.
_________________
(١) القواعد للمقري: ١/ ٣٤٩ - ٣٥١.
(٢) انظر: مقدمة تحقيق كتاب "المعونة" للدكتور عبد الحق حميش (الجزائري): فقد أحصى جميع كتبه، وذكر بعض المعلومات حول أماكن تواجد المخطوطات الموجودة منها،
(٣) ذكر العنوان كاملًا ابن خير الإشبيلي في فهرسته: ٢١١، وقد حقق الكتاب في رسالة علمية: محمّد ثالث سعيد الغاني. ثمّ طبع بدار الباز، ثمّ دار الفكر.
(٤) قام بتحقيق مقدمتها العقدية: أ. د. محمّد نور سيف. وطبعت بدار البحوث الإماراتية.
[ ٣٢ ]
٧ - "المعونة على مذهب عالم المدينة".
٨ - "عيون المسائل أو المجالس" أو"اختصار عيون الأدلة". وهو كتابنا هذا.
٩ - "الإشراف على نكت مسائل الخلاف". وهو في فقه الخلاف العالي (١).
١٠ - "الأدلة في مسائل الخلاف".
١١ - "أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين الأُمَّة". في الفقه المقارن.
١٢ - "الردّ على المزني".
١٣ - "الجوهرة في مذاهب العشرة".
١٤ - "الفروق في مسائل الفقه".
١٥ - "الإفادة". في أصول الفقه.
١٦ - "التلخيص في أصول الفقه"، أو"الملخّص".
١٧ - "المفاخر". في الأصول.
١٨ - "المقدّمات في أصول الفقه".
١٩ - "المروزي في الأصول".
رحلته إلى مصر:
* سببها: لقد عانى القاضي عبد الوهّاب خلال تواجده في بغداد، وبالرغم من تولّيه لخطط القضاء، قلّة ذات اليد، وحالة من الفقر والخصاصة، إلى حدّ أنّه لم يكن يجد في بعض الأحيان رغيفًا يأكله، ولعلّ الّذي أوصله إلى هذا الحال، انقطاعه التام إلى التدريس والتأليف وهموم القضاء، حيث لم يشركها بشيء من أعمال الدنيا، أضف إلى ذلك سخاءه
_________________
(١) طبع الكتاب بدار ابن حزم: باعتناء الأستاذ الحبيب بن طاهر.
[ ٣٣ ]
وعطاءه وعطفه على طلاّبه المقترين، وفي هذا يقول يوم توديعه لأهل بغداد، وقد أتوا لتشييعه مع كبرائها طوائف كثيرة: "والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، ولقد ترك أبي جملة دنانير ودارًا، أنفقتها كلّها على صعاليك ممّن كان ينهض بالطلب عندي" (١).
هذا إِذًا السّبب الرئيس والدّافع القوي الجليّ؛ لخروج القاضي من بغداد، باحثًا عن حياة كريمة تعينه على دينه ودنياه، على أن بعض المؤرخين ذكروا أن سبب فراره من بغداد، كلامٌ قاله في الشّافعيّ، فطُلب فخاف على نفسه (٢).
وتضارب المؤرّخون في صحة الخبر، لكن الملفت للنظر أن الذين ساقوا القصّة، بعيدون كلّ البعد زمانًا ومكانًا عن أحداثها، بينما الذين أرّخوا لها من الشّافعية البغداديين، لم يذكروا القصّة إطلاقًا، بل ولم نر أثرًا للتحامل عليه بسببها.
وبخروج القاضي عبد الوهّاب من بغداد، أفل نجم المالكية من مدينة السّلام.
وأمّا عن وجهة الرحلة: فقد ذكر القاضي عياض أنّها كانت إلى المغرب أوّلًا، غير أنّه لما وصل إلى مصر، ووصفوا له أخبار المغرب زهد فيه، وخاطبه ابنا الشّيخ ابن أبي زيد، ووصلاه بمال بسبب شرحه لتآليف أبيهما فلم يرضه، واستدعياه للمجيء فاعتذر، كما خاطبه فقهاء أهل القيروان في الوصول إليهم، فرغّبه في ذلك أبو عمران، وكسره عنه أبو بكر ابن عبد الرّحمن، وناشده أيضًا مجاهد الموفق صاحب دانية في الوصول إلى الأندلس، ولكن الأجل وافاه قبل الرحيل (٣).
_________________
(١) انظر: الذّخيرة لابن بسام: ٨/ ٥١٦، وترتيب المدارك: ٤/ ٩٦١.
(٢) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩٢، تاريخ قضاة الأندلس: ٤١.
(٣) انظر: ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩٥.
[ ٣٤ ]
* وأمّا عن تاريخها ومحطّاتها؛ فلم نجد ما يدلُّنا على اليوم الّذي ودّع فيه القاضي أهل بغداد، وتاريخ خروجه منها، وكل ما لدينا أن المحطّة الأولى الّتي قصدها ومكث بها هي دمشق، وفي طريقه إليها اجتاز معرّة النّعمان، فالتقى بالشاعر الشهير، أبي العلّاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري (٤٤٩ هـ)، ليَخبِر شعر القاضي، ويعطيه وسام الشاعر، فيقول فيه (١):
والمالكي ابن نصر زار في سفر بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تففه أحيا مالكًا جدلًا وينشر الملك الضّليل إنَّ شعرا
وواصل طريقه إلى دمشق فدخلها في شوال من سنة ٤١٩ هـ، ودرّس بها وحدّث فيها ونفع خلقًا كثيرًا، وأنجب تلاميذ جددًا، تأثّروا به وساروا على نهجه. ثمّ خرج منها في جمادى الأولى من سنة ٤٢٠ هـ، ليدخل مستقرّه الأخير، أرض الكنانة.
وفاته:
استقر المقام أخيرًا بالقاضي عبد الوهّاب بمصر، رغم مناشدات أهل المغرب له بالمجيء إليهم، ولكن كِبَر سنّ الشّيخ حال دون تحمّل وعثاء السَّفر، فآثر البقاء والاستقرار، وواصل مشواره العلّمي؛ تدريسًا وتأليفًا وقضاءً، ووجد ما كان يصبوا إليه.
ويصف ابن بسّام محطّته الأخيرة فيقول: "واستقر الفقيه أبو محمَّد بمصر. فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب" (٢).
ويُذكر أن سبب موته أكلة اشتهاها، فلمّا أكلها وأحسّ بالموت قال: "لا إله إِلَّا الله، عندما عشنا متنا" (٣).
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان: ٣/ ٢٢٠. والملك الضليل هو امرؤ القيس.
(٢) انظر: الذّخيرة: ٨/ ٥١٦.
(٣) انظر: الذّخيرة: ٨/ ٥١٦، ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩٥.
[ ٣٥ ]
كانت وفاته في شهر شعبان من سنة ٤٢٢ هـ بمصر، ودفن بالقرافة فيما بين قبّة الشّافعيّ وباب القرافة، وقبره قريب من قبر ابن القاسم وأشهب.
فاللهم ارحمه رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وانفعنا بعلمه. آمين.
[ ٣٦ ]
المبحث الثّالث
تعريف بكتابي "عيون الأدلّة" و"عيون المسائل"
١ - كتاب "عيون الأدلة" لابن القصّار:
* ذكرت في المبحث الأوّل إجماع المؤرِّخين على نسبة كتاب "عيون المسائل" إلى ابن القصّار، أمّا عنوانه فإنّ الّذي اخترته، هو ما ذهب إليه المحقّقون والأكثرون (١).
* على أن بعضهم يسمّيه اختصارًا بـ (كتاب مسائل الخلاف)، أو (كتاب في مسائل الخلاف)، أو (كتاب عيون مسائل الخلاف)، أو لمحتواه بـ (كتاب في الحجة لمذهب مالك).
* أمّا غرض الكتاب: فهو واضح من الكتاب نفسه، ومن مقدّمته إذ يقول: "سألتموني - أرشدكم الله - أن أجمع لكم ما وقع إليّ من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس - ﵀ -، وبين من خالفه من فقهاء الأمصار - رحمة الله عليهم -، وأن أبيّن ما علمته من الحجج في ذلك". فالكتاب في فقه الخلاف العالي.
_________________
(١) انظر: مقدّمة تحقيق "عيون الأدلة": ١/ ٣٥ - ٥٧.
[ ٣٧ ]
* أمّا الطريقة الّتي سار عليها:
- فهي تقسيم أبواب الفقه إلى (الطّهارة، الصّلاة )، ثمّ ذِكرُ أهمّ المسائل المختلف فيها غير معنونة في الغالب، وإذا فرّع عليها فرعًا سمّاه (فصلًا).
- وبما أن المؤلِّف مالكي المذهب منتصر له، كما بيّنه في ديباجة كتابه؛ إذ قال: "لتعلموا أن مالكًا - ﵀ - كان موفّقًا في مذهبه "، لذا فإنّه يستهلّ المسألة على مذهب الإمام مالك، فإذا كان الخلاف داخل المذهب أشار إليه، وإذا كان في العبارات غموض وضّحه.
- ثمّ يذكر أقوال مذهب أبي حنيفة والشّافعيّ المتّبعين في تلك البقاع.
- ثمّ يذكر - حسبما أسعفه اطّلاعه - مذاهب الفقهاء الآخرين؛ كأحمد والثوري والليث والأوزاعي، وكذا آراء الصّحابة والتّابعين.
- ثمّ يشرع في عرض أدلّة كلّ فريق، مع بيان وجه الاستدلال، وما يردّ عليه من مناقشات.
- قد يذكر في بعض الأحيان رأيه واختياره في المسألة، ولو أداه ذلك إلى الخروج عن أقوال المذهب.
* لقد وُفّق القاضي أبو الحسن - ﵀ - إلى إخراج موسوعة في الخلاف العالي؛ حيث استفرغ جهده في البحث والتّنقيب عن آراء الصّحابة - ﵃ -، والحرص على التحري في النّقل عن المذاهب الأخرى، واستعراض أدئتهم بكلّ أمانة ودقّة، والتّفاني الشّديد في التوجيهَ والاستدلال، حتّى غدت هذه الموسوعة مَفخَرة للمالكية، ومقصدًا للعلّماء من شتى المذاهب، وقِبلة للطلًاب والمتفقّهين، وازدادت بذلك حسرتنا على فقدانه، وأسفنا على ضياعه.
٢ - كتاب "عيون المسائل" لعبد الوهّاب:
* ذكرنا في المبحث الثّاني أن ممّا نُسِب إلى القاضي عبد الوهّاب من تأليف، اختصاره لكتاب ابن القصّار.
[ ٣٨ ]
* وقد وقع خلاف في تسمية هذا الكتاب، من ذلك:
١ - "عيون المسائل": وممّن ذكره بهذا الاسم:
أ - القاضي عياض في "ترتيب المدارك": ١٤/ ٦٩١.
ب - شمس الدِّين الذهبي في "تاريخ الإسلام": ٢٩/ ٨٥.
ج - الصلاح الصّفدي في "الوافي بالوفيات": ٢١/ ٢.
د - ابن شاكر الكتبي في "فوات الوفيات": ٢/ ٤١٩ - ٤٢٠.
هـ - ابن فرحون في "الديباج المذهب": ١٥٩
و- إسماعيل باشا البغدادي في "إيضاح المكنون":٢/ ١٣٤، و"هدية العارفين": ١/ ٦٣٧.
ز - خير الدِّين زركلي في "الأعلام": ٤/ ١٨٤.
ح - عمر كحالة في "معجم المؤلِّفين": ٦/ ٢٢٧.
ط - وورد بهذا الاسم في "مواهب الجليل": ٦/ ٤١٤.
٢ - "عيون المجالس": وقد ذكر هذا العنوان:
أ - في آخر النسخة الأندلسية، حيث جاء فيها: "هذه آخر مسألة في كتاب عيون المجالس، وقد جردتها في هذا الجزء".
ب - وفي "مواهب الجليل": ٦/ ٢٨٢.
٣ - "مختصر عيون المجالس": وجاء ذكره بهذا العنوان:
أ - في "الأعلام": ٤/ ١٨٤.
ب - وفي "مواهب الجليل": ٦٣٣ و٥/ ٢٩٥.
٤ - "رؤوس المسائل": وقد جاء ذكره على غلاف النسخة الأندلسية.
* نقد وترجيح:
- لقد واجهتني مشكلة في تحديد عنوان هذا الكتاب، وذلك أن
[ ٣٩ ]
المؤلّف لم يصرح به في كتابه هذا، أو في كتبه الأخرى الّتي وصلتنا، غير أن الّذي أطبق عليه المؤرّخون هو تسميته بـ "عيون المسائل"، وهو ما تميل إليه النّفس.
- أمّا تسميته بـ "عيون المجالس"، فلا دليل عليها غير المذكور آنفًا، ولا يغترّ بما جاء في الخاتمة؛ لأنّه لم يزد على قوله: "جرّدتها في هذا الجزء"، ولم يسمّه "عيون المجالس"، وإنّما كان يشير إلى آخر مسألة وردت في الأصل المختصر منه، الّذي كان يسمّيه به في مواطن أخرى منه، كما في قوله عند المسألة (١٤٨٩): "وقد ذكرها في كتاب عيون المجالس، وذكرها هنا يطول".
- وأمّا تسميته بـ "مختصر عيون المجالس"، فهو كما ذكرت من احتمال تسمية الأصل بـ"عيون المجالس".
- وأمّا التّسمية الأخيرة فينبغي ألَّا يعوّل عليها؛ لأنَّها كُتبت بخط مغاير لخط المخطوط، ولعلّ هذا من تصرّفات المفهرسين.
* هذا، وقد وجدت تسمية أخرى لكتابنا هذا، أوردها أبو عبد الله محمَّد بن عبد الملك المراكشي عند ترجمته للإمام أبي بكر محمَّد بن عبد الله بن الجد الفهري الإشبيلي (٥٨٦ هـ) حيث قال: "وقال أبو الحسين ابن زرقون: ذكرت يومًا بمحضره مسألة من الفقه، فقال لي: أين رأيتها؟ فقلت: في كتاب عيون الأدلة لابن القصّار، تنقيح أبي محمَّد عبد الوهّاب، فقال: ما رأيته قط، سقه إلى حتّى أراه، فحملته إليه فمكث عنده ليلة أو ليلتين، ثمّ صرفه إليّ، وبقي عمره إذا أورد المسائل وذكر الأقوال ونسبها على عادته، يردّ رأسه إليّ متى حضرت، ويقول لي: وقال صاحب كتابك، هكذا في كلّ الأحيان، ما أُنسي شيئًا منه بعد" (١).
_________________
(١) انظر: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصحلة: ٦/ ٣٢٤.
[ ٤٠ ]
والذي يجعلنا نعتقد أن الكتاب المُطالَع هو المختصر لا الأصل، مطالعته إياه في ليلة أو ليلتين، فكتاب الأصل ضخم جدًا يقع في ٣٠ مجلّدة.
* أمّا غرض الكتاب: فواضح من الكتاب نفسه، ومن خاتمته عند قوله: "وقد جردتها في هذا الجزء، ليقرب حفظها ويسهل طلبها لمن التمس مسألة منه بعينها، ولمن أراد حفظ المذهب فقط". فهو إِذَا كتاب في معرفة مسائل الخلاف، وأمّا الاستدلال فقد استأثر به الأصل، كما قال - ﵀ -: "فإن طلب الحجة على المسألة، فليرجع إلى الأصل".
* وأمّا الطريقة الّتي اختصر بها القاضي عبد الوهّاب الكتاب: فهي الأخذ بمطالع المسائل الّتي فرّع عليها ابن القصّار، مراعيًا معظم تنسيق أصل الكتاب، فقال مبيّنًا ذلك: "وقد نقلت لفظ القاضي - ﵀ - حرفًا حرفًا، إِلَّا في بعض المسائل، اختصرت نقلها بعض الاختصار، وقدمت بعضًا وأخرت بعضًا، من غير إخلال بالمعنى وهو قليل، وقد تركت فصولًا لم نعدها مسائل، لدخولها في المسائل، وسميت فصولًا مسائل لوقوع الاختلاف فيها".
- إِذًا، فمعظم ما في الكتاب من نقل أو اختيار أو فقه، فهو من كلام ابن القصّار، وخصوصًا ما كان صريحًا بقوله: "قال القاضي" أو"قال القاضي أبو الحسن" ولم يدخل القاضي عبد الوهّاب رأيه أو اختياره في الكتاب، بل حافظ على وحدة كلام شيخه، ولم يتجاوز تصرّفه اختصار العبارة أو ترتيبها أو جعل الفصول مسائل إِلَّا في القليل النادر، على حدّ قوله في الخاتمة.
* وبهذا قد وُفّق القاضي عبد الوهّاب - ﵀ -، إلى الحفاظ على أصل الكتاب، وذلك ظاهر من حسن اختصار، وققة تكرار، وسلامة عبارته، إِلَّا أنّه قد يؤخذ عليه قلّة التزامه بالطريقة الّتي اختطّها لكتابه، وأقصد هنا تجريد الكتاب من الدّليل، فسيجد القاري الكريم في نادر المسائل، كلّ
[ ٤١ ]
أنواع الاستدلال: كالقرآن، والسُّنَّة القولية، والسنّة الفعلية، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وقول الصّحابي ، وقد كنّا نسعد ونحن نقف عليها، شاهدة على بعض ما اشتملت عليه تلك الموسوعة الضخمة الضّائعة.
[ ٤٢ ]
النسخ المخطوطهَ لكتاب "عيون المسائل"
* لقد ظهر لي - والله أعلم - بعد الاطّلاع على فهارس المكتبات التّي توفّرت لديّ، أنّه لا يوجد لكتاب "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهّاب سوى ثلاث نسخ، وهذه أوصافها:
١ - نسخة جامع القرويين (١) بفاس:
أصلها بجامع القرويين بفاس (١١٦٦)، ووردت باسم: اختصار عيون الأدلة في الفقه.
عدد الأوراق: ١٣٥ لوحة. المسطرة: ١٨. في حالة سيّئة.
الخط: أندلسي جيد صحيح. الناسخ: لم يذكر اسم النّاسخ.
تاريخ النسخة: شعبان سنة ٦١٢ هـ.
وتبدأ بكتاب الطّهارة: مسألة غسل اليدين قبل الطّهارة
ولم أتمكّن من الحصول عليها.
٢ - النسخة الأندلسية:
وهي النّسخة الخطية الوحيدة الّتي أمكنني الحصولط عليها، والاعتماد عليها لإخراج هذا الكتاب، وأشير إليها بـ"الأصل". وأصلها في مكتبة دير الأسكوريال العامة في مدريد بإسبانيا تحت رقم (١٠٧٩).
عدد الأوراق: ٩٥ لوحة دون صفحة الغلاف، وقد بلغ مجموع
[ ٤٣ ]
صفحات الكتاب كله: ١٨٩ صفحة. وحالته جيّدة وكاملة.
المسطرة: ٣٣ من الحجم الكبير، وتضم حوالي ١٢ إلى ١٣ كلمة في السَّطر.
الخط: نسخ واضح. الناسخ: أحمد المؤذن.
تاريخ النسخة: جاء في نهاية المخطوط: كان الفراغ من كتابته، يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان المبارك، سنة (٩٥٩ هـ).
وقد امتازت هذه النّسخة بميزتين:
١ - كونها نسخة مقابلة عن نسخة أخرى، جاء في هامش صفحاتها (بلغ)، وفي آخر الكتاب (بلغ مقابله ولله الحمد على ذلك)، وقد تمّ فيها إصلاح بعض الأخطاء، وإدراج بعض العبارات الّتي سقطت من الأصل في هامش الصفحة (١).
٢ - جاء في آخرها خاتمة الكتاب، وفيها ذكر نسبة الكتاب، وسبب اختصاره، وطريقة الاختصار، هاحصاء المسائل، وتاريخ النسخ، واسم الناسخ.
٣ - نسخة جامع القرويين (٢):
- أصلها من جامع القرويين بفاس تحت رقم (١١٤٣). بنفس حجم النسخة الأندلسية، وهي عارية عن المقدِّمة والخاتمة وتاريخ النسخ واسم الناسخ، وبها طمس كثير جدًا، وخطها: مغربي عتيق.
وتبدأ بكتاب الطّهارة: مسألة غسل اليدين قبل الطّهارة
٤ - النسخة المطبوعة:
طبع هذا الكتاب تحت عنوان "عيون المجالس"، بمكتبة الرّشد -
_________________
(١) ويدلُّنا هذا على احتمال وجود نسخة أخرى: قوبلت عليها نسختنا الأندلسية. والله أعلم بمكانها.
[ ٤٤ ]
الرياض - سنة:٢٠٠٠، وأصله رسالة علمية تقدّم بها الطالب: امباي بن كيبا كاه، إلى الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنوّرة، لنيل شهادة الماجستير.
وقد اعتمد لإخراج الكتاب على نسختين خطيّتين: أولاهما: النسخة الأندلسية السابق ذكرها، والأخرى: نسخة خزانة القرويين (١).
- وقد رمزت إليها بحرف "ط".
* الأسباب الدّاعية إلى إعادة خدمة الكتاب من جديد:
* قد دعاني إلى إعادة خدمة الكتاب - على الرّغم من دراسته علميًا من قبل في أطروحة ماجستير - الأمور التالية:
١ - المنهج الّذي اتّبعه المحقّق في تصحيح نصّ المؤلِّف، وهو: دمج عبارات النسختين، وإثبات ما ظهر له أنّه الصحيح في المتن، مع الإشارة في الهامش إلى العبارة الأخرى (١).
* وهذا المنهج الّذي ارتضاه هو المعروف بطريقة "النص المنتقى"، وإن كان محلّ خلاف وجدل بين أصحاب هذا الفن، إِلَّا أن أكثرهم على جوازه، مع مراعاة بعض الضوابط: كعدم القدرة على تقديم إحدى النسخ على الأخرى، ومحاولة الالتزام بإحدى النسخ ما أمكن، وأن لا تدمج كلّ النسخ دفعة واحدة، وهذا ما لم يلتزم به المحقّق، ولم ينتبه لميزات النّسخة الأندلسية، وافترض أن النّسخة المغربية قديمة وعتيقة، وموافقة للأصل (عيون الأدلة) في ترتيب الكتاب، فجعل ذلك تكافؤًا في قيمة كلّ نسخة، وكان الأجدر به أن يعتمد النّسخة الأندلسية، لتوفر معلومات النّسخ، والخاتمة الّتي فيها ذكر خطبة المؤلِّف.
- كما أنّه قام بدمج النّسختين معًا دفعة واحدة، معتمدًا قبول كلّ الزيادات، ولو كانت تكرارًا أو إطنابًا، وترك بعض الزيادات الغامضة بالنسبة له، وهذا الّذي عقّد النصّ، وفوّت عليه الكثير من الإضافات المفيدة.
_________________
(١) انظر: مقدمة تحقيق "عيون المجالس": ١/ ٨٥.
[ ٤٥ ]
- عدم تمييزه بين الفروق المهمّة الّتي تغير المعنى أو تضيف حكمًا جديدًا، والفروق الّتي لا تنبني عليها فائدة، والتي تشمل عادة: حروف العطف والجر وغيرها، وكذا الأخطاء البيّنه الّتي قام بها النّسّاخ؛ من نسيان آخر حرف من الكلمة أو نسيان نقطة أو ألف مدّ، وكذا رسم الكلمة المختلف فيه، بالإضافة إلى نوع آخر لا بدَّ من التنبيه عليه، وهو إختلاف النسختين في أسلوب التعبير، فقد يجيء في النسخة الأولى التعبير بالجملة الاسمية، وفي الأخرى بالجملة الفعلية، فكان الأجدر به أن يختار إحداهما حسب ما يقتضيه السياق، ولكن المحقّق عمد إلى الجمع بينهما ممّا أطال الجمل القصيرة بلا قيد ولا فائدة، أو أوقعه في أخطاء فادحة (١)، كما أنّه من المعلوم أن مراد المؤلِّف هو اختصار الكتاب الأصل، وكلّ تطويل في النّص بلا فائدة مناقض لمراده.
- وقد ترتّب على إخلال المحقّق بهذه الضوابط، نَسْخُه للمخطوطتين معًا في كتابه، أولاهما ملفّقة ومدمجة في المتن، والأخرى مبعثرة في الهامش، ومشتّتة لذهن القاريء، وهذا وإن كان ضروريًّا في العمل الأكاديمي، إِلَّا أنّه لا بدَّ من تنقيحه ومراجعته، عند إرادة طبعه.
٢ - طول الهوامش الّتي استغرقت حوالي ٧٠ % من الكتاب، ما بين إثبات لفروق النسخ، وتعليقات علمية - سيأتي الكلام عليها فيما بعد -، وبهذا بلغ معدّل الهوامش: خمسة عشر تعليقًا في الصفحة الواحدة، ممّا جعل الكتاب في خمسة مجلّدات و٢٣٨٢ صفحة.
٣ - لقد قام الأخ المحقّق بجهد مشكور فيما يخصّ التعليقات العلمية، ولكن الّذي يؤخذ عليه، ما يلي:
١ - عدم توحيد منهج لتوثيق الأقوال: فقد دمج بين المصادر القديمة والحديثة، فحيثما وجد القول عزاه، كما أنّه لم يكن دقيقًا عند العزو
_________________
(١) قارن على سبيل المثال الأخطاء الّتي وقع فيها: ١/ ٤٦١، ٤/ ١٥٤٣. ١٥٥٥، ١٨٥٧، ١٩٦٣، ١٩٥٥، ٥/ ٢٠٠٨، ٢٠٧٦، ٢٠٧٩، ٢١٣١.
[ ٤٦ ]
والإحالة، فكثيرًا ما كان يحيل إلى أصل المسألة أو القول، بصرف النّظر عن وجود اسم القائل ونسبته إليه أو لا.
وكان الأجدر به أن يفرّق بين المصادر الّتي يُوثّق منها الأقوال، ويحصرها في المصادر المتاحة لابن القصّار في عصره؛ ليسجل الملاحظة عند وجود النّقل أو عدمه، وبين المصادر المتأخرة الّتي استقرت عليها الفتوى عند المذاهب؛ لملاحظة بقاء الخلاف أو تغيّره.
ب - كما وقفت على بعض الأوهام الّتي وقع فيها عند تخريج الأحاديث والآثار (١)، وترجمة بعض الأعلام (٢)، لم أشر إليها في مواطنها من هذه الطبعة.
٤ - تصرّفه في ترتيب الأبواب والمسائل: ومن نتائج منهج الدّمج الّذي اعتمده المحقق، تغييرُه لأماكن الأبواب والمسائل، كيفما يراه لائقًا أو مناسبًا، بل وصل به الأمر أحيانًا إلى دمج المسائل مع بعضها (٣)، ولم يتفطّن إلى غرض المؤلّف وفائدة التّفريق.
٥ - وجود بعض الأخطاء المطبعية، الّتي لا يسلم منها أيّ عمل بشري، من مثل: (منقّبة) عوض "مقنّعة"، و(أمانة) عوض "إماتة"، و(وضعتها) عوض "وضيعتها" وغيرها، وسقوط بعض الكلمات الّتي استدركنا منها ما استطعنا في هذه الطبعة.
_________________
(١) من أوهامه في التخريج: ٣/ ١١٧٩، ٥/ ٢٠٥٤.
(٢) من أوهامه في تراجم الأعلام: أبو يوسف (١٠٢)، أبو بكر الأصم (١٦٩)، عبد العزيز بن أبي سلمة (٢١٩)، المروزي (٢٤٦)، أحمد بن القطّان (١٨٢٤)، محمَّد الباقر (١٩٠١): عبد الرّحمن بن أبي الغمر (١٩٦١)، أبو بكر الصالحين (٢٠٦٠)، القزويني (٢٠٦٠). ومن أوهامه في شرح المصطلحات الغريبة: الوازنة (٥٣٥): الموميا (٥٤٩): العذق (١٤٥٠) ..
(٣) انظر مثلًا: ١/ ٢٢٣: حيث جمع بين المسألتين: مخالفا للنسختين معًا: ومطبوعة "عيون الأدلة": ١١٦٩ و١٢١٩.
[ ٤٧ ]
منهج العمل
١ - اعتمدت في إخراج هذا الكتاب المخطوطة الأندلسية ابتداءً، وجعلتها النسخة الأصل، وقمت بنسخها، ونظمت مادتها بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا، ووضعت بداية للفقرات، وراعيت علامات الترقيم اللازمة المؤدية إلى إظهار المعاني، ووضعت أرقامًا بين العلّامة [/] في النص دالة على نهاية الصفحات من المخطوط، ورقّمت المسائل والفصول في أوّلها.
٢ - قابلت هذه النّسخة بالنسخة المطبوعة، ثمّ بمطبوعة الأصل (عيون الأدلة) ورمزت إليها بـ (ص)، واستخرجت الفروق الّتي وردت فيهما، وهي نوعان:
أ - فروق لا فائدة منها؛ إمّا لظهور خطئها، أو لانعدام الفائدةُ منها، وقد أضربت عن التنبيه عليها.
ب - فروق تحوي بعض الفوائد؛ إمّا بإضافة اسم لأحد الأعلام، أو بزيادة حكم فقهي، أو بتوضيح مشتبه، أو ببيان مجمل، فهذه بعد مراجعتها، قد أضيفها إلى المتن بين []، أو أرجّحها على الأصل، أو أبيّن خطأها في الهامش.
٣ - عزوت الآيات القرانية إلى سورها، وبيّنت أرقامها منها.
٤ - خرّجت الأحاديث النبوية؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، اكتفيت بتخريجه منهما، وإن كان في غيرهما، خرّجته من مظانه في السّنن وغيرها ما أمكنني ذلك، مع ذكر خلاصة أحكام النّقّاد فيها.
[ ٤٨ ]
٥ - عرّفت بالأعلام غير المشهورين - وأقصد بذلك: ما عدا الصّحابة -﵃- والأئمة الأربعة لشهرتهم - الوارد ذكرهم في النص تعريفًا موجزًا.
٦ - شرحت المفردات الغريبة، والمصطلحات العلمية الدّقيقة، شرحًا موجزًا يوضح المعنى، كما عرًفت ببعض الكتب غير المشهورة، تعميمًا للفائدة.
٧ - تلافيت النقص والأخطاء الواردة في المخطوط باعتماد الفروق الّتي ذكرتها سالفًا، أو عن طريق المصادر الّتي رجع إليها المؤلِّف، أو استئناسًا بنقول المتأخرين. وما قوّمته من العبارات، أو أضفته لاقتضاء السياق له، جعلته بين [] كذلك، وأشرف إليه في الهامش.
٨ - أمّا فيما يخص التعليقات العلمية، فقد سبق الحديث عن الطّريقة الأمثل لتوثيق النّقول ومناقشتها، ولمشقّة هذه المهمّة وعنائها، وقلّة البضاعة وفقرها، أحجمت عن توثيق كلّ الأقوال، واكتفيت بما كان فيها من تضارب أو تناقض في النسخة المخطوطة، أو فيما بينها وبين المطبوعة، أو فيما بينها وبين مطبوعة الأصل، أو في حالات نادرة استوقفني البحث عندها.
٩ - وضعت فهارس تفصيلية على النحو التالي:
أ - فهرس الآيات القرانية.
ب - فهرس الأحاديث والآثار.
ج - فهرس الأعلام.
د - فهرس المصطلحات.
هـ - فهرس الفوائد.
و- فهرس المراجع.
[ ٤٩ ]
ز - فهرس محتويات الكتاب: وقد عنونت المسائل والفصول الواردة في الكتاب، واخترت ألَّا أقحمها في النص، وأن أثبتها في فهرس الموضوعات.
[ ٥٠ ]
صور المخطوطات
[ ٥١ ]
صفحة العنوان من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية - ومكتوب عليها "رؤوس لابن القصّار"
[ ٥٣ ]
الصفحة الأولى من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية -
[ ٥٤ ]
الصفحة الأخيرة من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية -
[ ٥٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصل الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم