لا يجوز صوم رمضان وغيره [عندنا] إِلَّا بنية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشّافعيّ وأصحابه.
وقال زفر وأصحابه: لا يفتقر صوم رمضان إلى نيّة، بخلاف غيره، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يدركه صوم رمضان مسافرًا أو مريضًا، فلا يصح إِلَّا بنية، فأمّا الصّحيح المقيم لا يفتقر إلى نيّة، وبه قال مجاهد وعطاء.
وروي عن زفر: أنّه ينوي في أول رمضان، فلا يكرر النية في بقيته.
فإن أراد أنّه ينوي في أول صيامه، فهو موافق لمذهبنا.
٣٨٢ - مسألة:
من لم ينو الصِّيام قبل الفجر، لم يجزه فرضًا أو نفلًا معينًا أو مطلقًا، وبه قال الشّافعيّ في الفرض، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: كلّ صوم يتعلّق بالذِّمَّة، لا يتعلّق بوقت معين، فلا بد فيه من النية من اللّيل، وكل صوم له وقت معين يسن في الذِّمَّة، يصح بنية من النهار، مثل: الفرض والنذر المعين، وبه قال إسحاق.
٣٨٣ - مسألة:
إذا نوى أول ليلة من رمضان صومه كله، أجزأه من غير تجديد في كلّ ليلة.
[ ٢٠٨ ]
وقال أبو حنيفة و(١) الشّافعيّ: يجدد في كلّ ليلة نيّة.
تعيين النية واجب، ولو نوى الصوم فحسب أو التطوع في الفرض، لم يجزه حتّى يتعين، كان حاضرًا أو مسافرًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: رمضان لا يحتاج لتعيين نيّة، فإن كان حاضرًا فنوى النفل أو الكفارة أو أطلق، كانت نيته لرمضان وأجزأه، وإن كان مسافرًا فنوى النفل أو رمضان أجزأه، وإن نوى النَّذْر أو الكفارة، كان عنهما ولا يكون عن رمضان.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون عن رمضان. فسوّيا بين الحضر والسفر.
٣٨٥ - مسألة:
لا يصح التطوع إِلَّا بنية من اللّيل، وبه قال المزني.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يصح بنية من النهار، وبه قال اللَّيث وابن أبي ذئب (٢) وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وروى حرملة (٣) عن الشّافعيّ: لو نوى بعد الزَّوال أجزأه، وبه قال ابن جرير الطّبريّ.
_________________
(١) في الأصل: "وبه قال أبو حنيفة، وقال الشّافعيّ". والمثبت من (ط). وهو الأصح. انظر: الإشراف: ا /٤٢٤، المغني: ٤/ ٣٣٧، المجموع: ٦/ ٣١٩.
(٢) هو: أبو الحارث محمَّد بن عبد الرّحمن بن أبي ذئب القرشي المدني: الإمام الفقيه الحافظ، سمع عكرمة مولى ابن عبّاس ونافعًا العمري والزهري وغيرهم، وكان من أوعية العلم، ثقة فاضلًا، قولًابالحق، أخرج له الستة. توفي: ١٥٩ هـ. انظر: السير: ٧/ ١٣٩، التهذيب: ٩/ ٢٧٠.
(٣) هو: أبو حفص حرملة بن يحيي بن عبد الله التجيبي المصري: أحد الحفاظ المشاهير من أصحاب الشّافعيّ، وكبار رواة مذهبه الجديد، من مؤلفاته: المبسوط، والمختصر، أخرج له مسلم. توفي: ٢٤٣ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّ الكبرى: ٢/ ١٢٧، طبقات ابن قاضي شهبة:٢/ ٦١.
[ ٢٠٩ ]
لا يجب صوم رمضان إِلَّا برؤية الهلال، أو كمال عدد شعبان ثلاثين يومًا، هذا مذهب كافة [أهل] العلم.
وقال قوم: يجب بهذا وشرط آخر: وهو أن يكون الإنسان منجمًا، فيعرف بالنجامة أن شعبان قد فرغ، أو يخبره رجلان من أهل التنجيم بذلك فيجب عليه أن يصوم، قالوا: لقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦] فأخبر أن النجم يهتدى به، ولم يفرّق بين أن يهتدى به الصوم أو غيره.
٣٨٧ - مسألة:
يجوز أن يصوم أَخر يوم من شعبان تطوعًا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ ومحمد بن عبد (١) لا يجوز أن يصام يوم الشك تطوعًا إِلَّا أن يوافق صومًا كان يصومه من نذر، أو غيره من صوم [٣٣/أ] الدهر، أو صوم شعبان، أو صوم عوّد نفسه، وإن صامه خوفًا أن يكون من رمضان فلا مثل قولنا. ولكن الشّافعىِّ يكره صومه تطوعًا أصلًا، إِلَّا على ما ذكرناه، وهو قول عمر وعلي وعثمان [وعمّار، وابن مسعود -﵃-، والشعبي والنخعي والأوزاعي.
وذهبت عائشة وأختها أسماء -﵄-، إلى جواز صومه.
وقال ابن عمر -﵄-: إن لم يكن في السَّماء غيم، فلا يصام، وإن كان غير جاز، وبه قال أحمد بن حنبل.
_________________
(١) هو: أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري المالكي: العالم الحجة النظار، الفقيه ابن الفقيه، ورابع المحمدين، سمع من أبيه وابن وهب وابن القاسم وغيرهم، وإليه انتهت الرئاسة بمصر، له تآليف كثيرة، منها: كتاب أحكام القرآن، والشروط والوثائق، والرد على الشّافعيّ. توفي: ٢٦٨ هـ. انظر: الديباج: ٢٣١، شجرة النور: ١/ ١٠١.
[ ٢١٠ ]
وقال الحسن وابن سيرين: الاعتبار بالإمام، فإن صام صام النَّاس، وإن لم يصم، فلا يصوموا.
إذا رئي الهلال يوم الشك أو يوم الثلاثين، فهو لليلة المستقبلة، ولا فرق بين أن يرى قبل الزَّوال أو بعده، وبه قال أبو حنيفة ومحمد والشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: إن رئي قبل الزَّوال فهو للماضية، وإن كان بعده فهي للمستقبلة.
وقد حكي عنه مثل قول الجماعة.
وقال أحمد بن حنبل: إن كان في يوم الشك، فهو للماضية، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان، فهو للمستقبلة احتياطًا.
٣٨٩ - مسألة:
لا يصام رمضان، ولا يفطر منه إِلَّا بشهادة عدلين.
واختلف قول الشّافعيّ: فوافقنا في أحد قوليه، وقال في الآخر: تقبل واحد، وبه قال أحمد بن حنبل.
وبقولنا قال الأوزاعي والليث.
وقال أبو حنيفة: ينظر في السَّماء، فإن كانت مصحية، لم يقبل فيها إِلَّا الإستفاضة والتواتر، وإن كان فيها غير قبل ذلك واحد.
واتفقوا على أنّه لا يقبل في الفطر واحد، إِلَّا أبا ثور، فإنّه يقبل في الصوم والفطر.
٣٩٠ - مسألة:
إذا أكل وعنده أن الفجر لم يطلع، ثمّ بأن له أن قد طلع، فعليه القضاء، وكذلك إذا كان عنده أن الشّمس قد غربت في يوم غير، [فأكل] عليه القضاء، وبه قال كافة الفقهاء.
[ ٢١١ ]
وحكي عن جماعة أنّهم قالوا: لا قضاء عليه، وبه قال الحسن وعطاء وغيرهما.
وحكي عن أصحاب الظّاهر ذلك، ومنهم من فرق بين غروب الشّمس وطلوع الفجر.
[لأبي تمام]: إذا أكل في رمضان عامدًا، فعليه القضاء والكفارة [قاله مالك]، وبه قال أبو ثور وأبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا كفارة عليه.
٣٩٢ - مسألة:
إذا قبّل امرأته في رمضان، فلا شيء عليه، إِلَّا أن ينزل.
وقال ابن شبرمة (١): عليه القضاء.
٣٩٣ - مسألة:
يجوز أن يكتحل الصائم.
وكرهه الحسن وقتادة وابن أبي ليلى.
٣٩٤ - مسألة:
[قال مالك]: المسافر مخيّر؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
وقال إسحاق وداود: لا يجوز إِلَّا الإفطار.
_________________
(١) هو: القاضي: أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي: الإمام العلّامة فقيه العراق، حدث عن أنس وأبي الطفيل وأبي وائل ﵃ وغيرهم، وكان من أئمة الفروع، وأمّا الحديث فهو من المقلين، أخرج له مسلم. توفي: ١٤٤هـ. انظر: السير: ٦/ ٣٤٧، التهذيب:٥/ ٢٢٠.
[ ٢١٢ ]
إذا تلذذ بالنظر فأنزل، أفطر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يفطر.
٣٩٦ - مسألة:
[قال مالك]: من استقاء في رمضان [عامدًا فقاء]، فعليه القضاء، وإن ذرعه فلا قضاء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال طاووس: لاقضاء فيهما.
وقال ربيعة: عليه القضاء فيهما.
٣٩٧ - مسألة:
قال مالك: ليلة القدر لا تنقطع إلى يوم القيامة.
خلافًا لمن قال ارتفعت بموت النّبيّ - ﷺ -.
وليس فيها تعبين ثابت، خلافًا لمن عيّن يومها.
٣٩٨ - مسألة:
إذا نوى يوم الشك أنّه إن كان من رمضان، فهو عن فرضه، وإن لم يكن (١) كان تطوعًا، فصادف رمضان لم يجزه؛ [لأنّ ابن القاسم ذكر عن مالك، قال: ومن صام يوم الشك حوطة، ثمّ تبين أنّه من رمضان، فليقضه]، وبه قال الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة جوازه على أصله؛ لأنّه [لو] نوى مطلقًا، أو نوى التطوع، أجزأه عن رمضان.
وذكر عن المزني في مسألة الشك: أنّه يجزئه.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "وإلا". وهو مخل بالمعنى.
[ ٢١٣ ]
إذا عمل عمل قوم لوط في [يوم الصوم من] رمضان غير مكره، فعليه القضاء والكفارة، إذا أولج أنزل أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، أولج في دبر امرأة أو ذكر [٣٣/ب].
٤٠٠ - مسألة:
لا أعرف نصًا لأصحابنا فيمن طلع عليه الفجر مولجًا، فلبث قليلًا متعمدًا ثمّ أخرج.
وعندي: أن عليه الكفارة مع القضاء، وبه قال الشّافعيّ، وسواء حرّك أم لا.
وقال أبو حنيفة والمزني: عليه القضاء لا الكفارة.
٤٠١ - مسألة:
إذا جامع في رمضان طائعان [وهما صائمان] بغير عذر، فعلى كلّ واحد منهما الكفارة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه، إِلَّا أن الزوج عنده يتحملها عنها.
وقال أيضًا: كفارة واحدة عنهما.
وعلى القولين: المرأة لا تخرج شيئًا.
وينبني الكلام في المسألة على وجوب الكفارة على المرأة.
٤٠٢ - مسألة:
إذا رأى هلال رمضان وحده فردّت شهادته، فعليه الصوم، وإن أفطر فعليه القضاء والكفارة.
أمّا الصوم فيه قاله مالك والشّافعيّ وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
[ ٢١٤ ]
وقال الحسن البصري وعطاء وشريك (١) وإسحاق: لا يلزمه الصوم ولا الفطر برؤية نفسه [أصلًا، وإنّما يلزمه إذا صام الإمام والناس، ويلزمه الفطر إذا أفطروا].
من أفطر يومًا في قضاء رمضان، فلا كفارة عليه عند جميع الفقهاء. وحكي عن قتادة: أن عليه الكفارة، وأظن أنّه قول أحمد.
وهو خطأ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يوجب الكفارة.
٤٠٤ - مسألة:
من شك في طلوع الفجر فلا يأكل، فإن أكل فعليه القضاء وإن لم يتحقق، هكذا يجيء على أصولنا.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إذا شك في طلوعه، فالأصل بقاء اللّيل، وإن شك في غروب الشّمس، فالأصل بقاء النهار، فإن أكل فعليه القضاء، واستدلوا بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وهو أكل قبل أن يتبين.
وقال مالك: الصوم عليه بيقين، فلا يبرأ منه إِلَّا بيقين.
٤٠٥ - مسألة:
من أصبح جنبًا من جماع أو احتلام صح صومه، وبه قال فقهاء الأمصار.
وروي عن أبي هريرة -﵁ -، والحسن بن صالح، أنّه لا
_________________
(١) هو: القاضي أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي: العلّامة الحافظ أحد الأعلام، روى عن الأعمش وسماك بن حرب وغيرهم، وكان من كبار الفقهاء، وبينه وبين أبي حنيفة وقائع، أخرج له مسلم. توفي: ١٧٧ هـ. انظر: السير:٨/ ٢٠٠، التهذيب:٤/ ٢٩٣.
[ ٢١٥ ]
صوم للجنب؛ لما رواه أبو هريرة -﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ فَقَدْ أَفْطَرَ" (١).
[قال أبو هريرة -﵁ -: ما قُلتُ: إِنَّه إِذَا أَصبَح جُنُبًا فقَد أَفطَرَ وَرَبِّ الكَعبَة، ولكن قَالَه محمّد - ﷺ -، إنّه قال: "قَدْ أَفْطَرَ"، وربّ البيت] (٢).
[عند مالك]: كلّ إفطار في رمضان بمعصية فعليه الكفارة، ولا فرق بين أن يطأ في الفرج أو خارج [الفرج] فينزل، أو بتكرير القبلة والنظر حتّى ينزل، وكذلك إذا أكل متعمدًا.
وفرّق أبو حنيفة بين أعلى المأثم وأدونها، فأوجب الكفارة في الإيلاج في الفرج - ﷺ - والأكل متعمدًا.
وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو بلع حصاة أو لؤلؤة، أو قبّل أو تابع النظر فأنزل، فلا كفارة عليه، وقيل إنّه قول الزّهريُّ والأوزاعي والثوري.
وقال الشّافعيّ: لا تجب الكفارة بشيء سوى الجماع التام؟ إيلاج في قبل أو دبر.
٤٠٧ - مسألة:
وكفارة [الفطر] في رمضان [عند مالك] على التخيير.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هي على التّرتيب، إن لم يجد العتق صام،
_________________
(١) أخرجه مالك بهذا اللّفظ في الموطَّأ (٧٩٥)، واختصره البخاريّ (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى عن عبد الله بن عمرو القاري (٢٩٢٤)، وابن ماجه (١٧٠٢)، وعبد الرزّاق في المصنِّف: ٤/ ١٨٠، والحميدي في مسنده: ٢/ ٢٢٠. قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. انظر: مصباح الزجاجة:٢/ ٧٢.
[ ٢١٦ ]
فإن لم يقدر أطعم، وحكي ذلك عن الأوزاعي والثوري.
ومن أكل أو جامع ناسيًا، فعليه القضاء، وبه قال ربيعة.
وقال أحمد: عليه في الوطء ناسيًا الكفارة مع القضاء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه، وبه قال الأوزاعي والثوري.
وقيل: روي عن علي وابن عمر وأبي هريرة -﵃- مثله.
٤٠٩ - مسألة:
والإطعام في كفارة الصوم مد لكل مسكين بمد النبيّ - ﷺ -، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: نصف صاع من البرّ، ومن التّمر والشعير صاع.
٤١٠ - مسألة:
إذا تمضمض أو استنشق فوصل إلى جوفه الماء، [فإن كان ناسيًا لصومه، فقد تكلمنا عليه في الأكل ناسيًا، وإن كان ذاكرًا لصومه، فهو أولى] فعليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: لا قضاء، وهذا عنده إذا لم يبالغ، فأمّا إذا بالغ، فعنده يفطر إذا لم يكن ناسيًا.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يفطر.
٤١١ - مسألة:
إذا وطى [٢٤/أ]، في يوم واحد مرارًا فكفارة واحدة، وبه قال فقهاء الأمصار.
وحكي عن أحمد أنّه إن كفر للوطء الأوّل، وجب أن يكفّر للثاني.
[ ٢١٧ ]
إذا أفطر أيامًا من رمضان فطرًا يوجب الكفارة، فعليه لكل يوم كفارة، كفّر للأول أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كفّر لليوم الأوّل، وجبت عليه لليوم الثّاني، وإن لم يكفّر لليوم الأوّل حتّى وطئ في جميع الشهر، لم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة.
وروى زفر عن أبي حنيفة أنّه ليس عليه إِلَّا كفارة واحدة في جميع الشهر، سواء كفر الأولى أم لا.
٤١٣ - مسألة:
إذا أصبح الرَّجل وامرأته صائمين، فأفطرا بجماع ثمّ مرضا أو حاضت، ومرض الرَّجل في بقية اليوم، فعليهما القضاء والكفارة، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما، وهو الثّاني للشافعي.
٤١٤ - مسألة:
إذا وطئها نائمة أو مكرهة، فقد أفطرا وعلى الزوج الكفارة عنه وعنها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هما مفطران جميعًا ولا كفارة على واحد منهما.
وروى عنه زفر أن النائمة غير مفطرة، [وبه أقول] (١).
وقال الشّافعيّ: النائمة والمكرهة غير مفطرتين، والرجل وحده مفطر، وعليه كفارة واحدة.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في وجوب الكفارة، وبيننا وبين الشّافعيّ في موضعين: أحدهما: فطر المرأة، والآخر: في وجوب كفارة أخرى عنها.
_________________
(١) في الأصل: "وقال به ". والمثبت من (ط).
[ ٢١٨ ]
إذا أفطرت الحامل خوفًا على ما في بطنها والمرضع، فلا كفارة عليهما في رواية ابن عبد الحكم [عن مالك]، ووافقه ابن القاسم في الحامل.
وقال ابن وهب عن مالك: إن الحامل تطعم، وذكره عن ابن عمر - ﵄ -.
وقال ابن القاسم في المرضع تخاف على ولدها، ولا يقبل غيرها: إنها [تفطر و] تطعم.
وقال أبو حنيفة: لا إطعام عليهما، كرواية ابن عبد الحكم، وهذا قول [الشّافعيّ] في الجديد، وبه قال مجاهد وأحمد.
وحكي عن ابن عبّاس وابن عمر -﵃- أن عليهما الفدية بلاقضاء.
واختلف قول الشّافعيّ: فروى عنه المزني والربيع (١) في القديم: أن عليهما الكفارة مدًّا عن كلّ يوم، وبه قال الأوزاعي والثوري.
وقال في البويطي (٢): لا كفارة عليهما إذا أفطرتا خوفًا على ولديهما.
٤١٦ - مسألة:
الشّيخ الكبير الّذي لا يستطيع الصوم لا كفارة عليه، وكذلك العجوز.
_________________
(١) يقصد كتاب "المختصر" المنسوب لـ: أبي يعقوب يوسف بن يحيي البويطي القرشي المصري: الإمام الجليل، أكبر أصحاب الشّافعيّ المصربين، وقال فيه: ليس أحد من أصحابي أعلم منه. توفي: ٢٣١ هـ. انظر. طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٢/ ١٦٢، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٧٠.
(٢) هو: أبو محمَّد الربيع بن سليمان المرادي مولاهم المصري المؤذن: صاحب الشّافعيّ وخادمه وراوية كتبه الجديدة، كان فقيهًا صالحًا، قال الشّافعيّ: الربيع راويتي وأحفظ أصحابي. توفي: ٢٧٠ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٢/ ١٣١، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٦٥.
[ ٢١٩ ]
وقال الأوزاعي والثوري وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة والشّافعيّ: عليهما الإطعام واجب، إذا قدرا عليه.
إِلَّا أن أبا حنيفة يقول: صاع من تمر، أو نصف صاع من بر.
وعندنا وعند الباقين: مد لكل يوم، وروي عن الشّافعيّ في سنن حرملة مثل قولنا، وبه قال ربيعة.
اختلف النَّاس في المجنون إذا بلغ مطبقًا، وبقي على ذلك سنين، وزال ذلك عنه فذهب مالك إلى أنّه يقضي صوم الماضي كله، وتابعه عليه ابن سريج (١).
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه.
واختلفوا إذا أفاق في بعض رمضان، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّه يصوم باقيه، ويقضي ماضيه.
وقال الشّافعيّ وأصحابه إِلَّا ابن سريج: لا يقضي ما مضى، ويصوم المستقبل.
٧ - فصل:
وليس يصح [لي] الفرق بين: أن يغمى عليه أول نهاره، أو أكثره على وجه يتقرر. وقد فرّق مالك بينهما في أظهر قوليه.
٤١٨ - مسألة:
ولا يجوز صوم غير رمضان في شهر رمضان، لا في حضر ولا سفر، وإن نوى غيره كان مفطرًا وعليه القضاء.
_________________
(١) هو: القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي الشّافعيّ: شيخ المذهب وحامل لوائه، لقّب بالباز الأشهب، وكان يفضل على جميع أصحاب الشّافعيّ حتّى على المزني، يقال إن مؤلفاته بلغت أربعمائة؛ منها: الرَّدِّ على ابن داود في القياس، والرد على مسائل اعترض بها على الشّافعيّ. توفي: ٣٠٦ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ٢١، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٨٩
[ ٢٢٠ ]
وقال [٢٤/ب]، أبو حنيفة وأصحابه: إن كان في حضر نوى التطوع كان عن فرضه.
واختلفوا إذا كان مسافرًا فنوى به التطوع، فقال أبو حنيفة: يجزيه، وعن النَّذْر والكفارة في أحد الروايتين عنه.
وقال محمَّد وأبو يوسف: إن نوى به التطوع كان عن فرضه مثل الحضر، وفي رواية لأبي حنيفة أيضًا: كذلك يكون عن فرضه.
وقال الشّافعيّ مثل قولنا.
وقال القاضي: رأيت لبعض العراقبين أن المريض إذا أبيح له الفطر، وتكلف صومًا ينوي به نفلًا صح عما نواه.
إذا أفطر المسافر وقدم في بقية يومه، فليس عليه كف بقيته عن الفطر، وكذلك إن أكل وهو مريض ثمّ صح، والحائض إذا طهرت، والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، ووافقنا الشّافعيّ.
وخالف أبو حنيفة في جميع ذلك، وقال: يمسكوا بقية يومهم.
٤٢٠ - مسألة:
ولو أن مقيمًا نوى الصِّيام قبل الفجر، ثمّ خرج بعده مسافرًا، لم يفطر يومه؛ لأنّه دخل فيه مقيمًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال المزني وأحمد وإسحاق وجماعة من التابعين: له أن يفطر.
٤٢١ - مسألة:
إذا نوى [الصِّيام] وهو مقيم، ثمّ سافر فأفطر، فلا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ في أحد قوليه: إن أفطر بجماع فعليه الكفارة، وهو
[ ٢٢١ ]
قول المخزومي وابن كنانة (١)، واحتجوا بأن الصوم قد تحتم عليه قبل دخوله
إذا أفطر [في رمضان] لمرض أو سفر أو حيض أو غير ذلك، فزال العذر وأمكن القضاء فلم يقض، حتّى دخل رمضان آخر فقد عصى بتأخير القضاء، وأخرجه عن وقته، ويصوم رمضان الّذي حصل فيه، ويقضي بعد مضيه ما كان عليه، وعليه مد عن كلّ يوم، وبه قال أكثر العلماء: الزّهريُّ والأوزاعي والثوري والشّافعىِّ وأحمد وإسحاق، وهو عندنا إجماع [الصّحابة ﵃".
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس عليه إِلَّا القضاء من غير إطعام.
٤٢٣ - مسألة:
من مات وعليه صوم رمضان، لم يقضه عنه وليه، ولا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه إن أوصى به، أو تطوع ورثته به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وذكر بعض أصحاب الشّافعيّ: أنّه قال في القديم: يصام عنه، ورأيت المحققين منهم ينكرون ذلك، وهو إجماع عندنا من الصّحابة.
وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الظّاهر: يصوم عنه وليه، وإن أحب أن يكتري من يصوم عنه أجزأه.
٤٢٤ - مسألة:
ويقضي رمضان متفرقًا، ومتتابعًا أحب إلينا، وبه قال الفقهاء بأسرهم، إِلَّا أصحاب الظّاهر، فإنهم أوجبوا متابعته.
_________________
(١) هو: أبو عمر عثمان بن عيسى بن كنانة مولى عثمان بن عفان ﵁: من فقهاء المدينة الذين لازموا مالكًا، أخذ عن مالك وغلبه الرأي، وليس له في الحديث ذكر، وهو الّذي جلس في حلقة مالك بعد وفاته. توفي: ١٨٦ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ١٤٦، ترتيب المدارك: ٣/ ٢١.
[ ٢٢٢ ]
واختلفت الصّحابة في ذلك: فقال ابن عبّاس وأبو هريرة وأنس ومعاذ بن جبل -﵃- مثل قولنا، وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشّافعيّ.
وقال علي وابن عمر وعائشة -﵃-: لا يجوز متفرقًا، وبه قال داود.
لا يصام يوم الفطر ولا يوم النَّحر فرضًا ولا نفلًا ولا نذرًا ولا غيره، وهما كزمان اللّيل، وإن نذر صومهما، لم ينعقد ولم يلزم النَّذْر، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يصاما، إِلَّا أن نذرهما ينعقد، ويصوم غيرهما، وإن صامهما سقط نذره بهما.
٨ - فصل:
فأمّا أيّام التّشريق؛ [وهي أيّام مني، وهي: الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر من ذي الحجة،، فإنّه يجوز صومها للمتمتع الّذي لم يجد هديًا؛ لأنّها في الحجِّ، وهذا إذا لم يصمها في العشر.
وقال أبو حنيفة: لا يصام عن واجب، وهو أحد قولي الشّافعيّ، والثّاني مثلنا.
٤٢٦ - مسألة:
إذا [٢٥/أ]، احتقن (١) الصائم أو استعط (٢) فوصل إلى جوفه، أو داوى جرحه بدواء رطب أو يابس، وعلم أنّه يصل إلى موضع الغداء من جوفه،
_________________
(١) في الأصل: "اختنق". والمثبت من (ط). والاحتقان: هو جعل الدواء ونحوه في الدبر. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه: ١٢٥.
(٢) الاستعاط: هو أخذ الدواء وغيره من أنفه حتّى يصل دماغه. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه:١٢٥.
[ ٢٢٣ ]
أو بلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة، فقد أفطر بهذا كله فعليه القضاء، وإن تعمده بغير عذر، فعليه الكفارة. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يكون مفطرًا.
غير أن أصل الشّافعيّ لا يوجب الكفارة في غير الجماع.
وقال أبو ثور مثل قولنا.
وكان بعض شيوخنا يقول: إن الكفارة استحبابًا في بلع الحصاة.
وهو عندي واجب إذا تعمد ذلك؛ لأنّه مفطر منتهك، وإذا جعلناه مفطرًا، فقد مضى الكلام في كفارة الأكل عامدًا، وإن كان لعذر فهو كالمريض.
وقال الحسن بن صالح: لا يفطر إِلَّا المأكول والمشروب دون غيرهما، وبه قال أبو طلحة في البَرَد أنّه لا يفطر؛ لأنّه غير مطعوم ولا مشروب، وإليه ذهب أهل الظّاهر.
وفرّق أبو حنيفة بين الجوزة الرطبة واللوزة، إذا ابتعلهما عامدًا، فقال: عليه الكفارة في اللوزة الرطبة، ولا كفارة عليه في الجوزة، وقال: لأنّ الجوز لا يؤكل بقشره.
٤٢٧ - مسألة:
الأسير إذا حبس والتبست عليه المشهور، فتحرى وصام شهرًا على أنّه رمضان، فوافقه أو ما بعده أجزأه، وإن كان ما قبله لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف أصحاب الشّافعيّ عنه على قولين: أحدهما: أنّه يجزيه، والآخر: لا يجزيه.
وقيل: إنّه قول واحد: لا يجزيه، كقولنا إذا كان قبله.
وقال الحسن بن صالح ومن تابعه من أهل الظّاهر: إنّه لا يجزيه على كلّ حال، سواء وافقه أو ما قبله أو بعده.
[وهذا خلاف الفقهاء كلّهم].
[ ٢٢٤ ]
يحتجم الصائم ولا يفطره، وبه قال من الصّحابة: ابن مسعود وابن عبّاس وأنس وأبو سعيد الخدري وابن عمر وزيد بن أرقم والحسن بن علي -﵃-، ومن التابعين: سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي، و[من الفقهاء]: الثّوريّ وأبو حنيفة والشّافعيّ وداود.
وقال قوم: إنها تفطر، وذهب إليه من الصّحابة: علي وأبو هريرة وعائشة -﵃-، ومن التابعين: عطاء والحسن، و[من الفقهاء]: الأوزاعي وأحمد وإسحاق، ومتأخري أهل الحديث [ابن] خزيمة وغيره.
٤٢٩ - مسألة:
ويجب على الصائم أن ينزه صيامه عن اللّفظ القبيح والشتم والسباب، فإن شتم أو سب أو أحرج إلى ما لا ينبغي، فليقل: "إنِّي صائم".
فإنّه يكره له الكلام بما لا ينبغي في الصوم، وإن كان مكروهًا في غير الصوم، ففي الصوم أشد؛ لأنّه فرض من فرائض الله، كما قال في الحجِّ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والفسوق محرم في غير الحجِّ، وإن فعل شيئًا من ذلك أو كذب لم يفطر.
وقال الأوزاعي: يكون مفطرًا.
٤٣٠ - مسألة:
يستاك في أي ساعات النهار شاء ولا يكره له ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول ابن عبّاس وعائشة وابن عمر -رضي الله
عنهم-.
وقال الشّافعيّ: أكرهه بعد الزَّوال إلى آخر النهار، وقيل: إنّه مذهب علي وابن عمر -﵃-.
والصّحيح عنه مثل قولنا، و[هو مذهب] الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
[ ٢٢٥ ]
ومن وطئ في رمضان عامدًا فعليه القضاء والكفارة إذا لم يكن له عذر، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأهل الكوفة.
إِلَّا النخعي والشعبي، ومثله عن سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير والأوزاعي أنّهم قالوا: لا كفارة عليه.
٤٣٢ - مسألة:
إذا شرع في صوم التطوع لزمه إتمامه، فإن خرج منه بغير عذر لزمه القضاء، وإن كان لعذر فلا قضاء، وبه قال أبو حنيفة في وجوب إتمامه، وقال: عليه القضاء [٢٥/ب]، وإن خرج منه لعذر.
وقال الشّافعيّ: لا يجب إتمامه ولا قضاء على من خرج منه على كلّ حال، ومثله صلاة التطوع.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في القضاء إذا كان الفطر لعذر، وبيننا وبين الشّافعيّ في وجوب الإتمام، ووجوب القضاء إذا أفطر بغير عذر.
٤٣٣ - مسألة:
ومن دخل في صيام الشهرين المتتابعين فمرض، أو أفطر في يوم غير فظن أن الشّمس قد غربت فإنّه يبني، إذا (١) أصح من مرض ولا يبتدئ، وبه قال الشّافعيّ.
وخالف أبو حنيفة.
_________________
(١) في الأصل: "أو". والمثبت من (ط).
[ ٢٢٦ ]