ومن قدر على الوصول إلى البيت ببدنه، لزمه فرض الحجِّ وإن لم يجد الراحلة، وهو بمنزلة من وجدها ولا يقوى على المشي، وقال بذلك الضحاك وعكرمة.
وقال أبو حنيفة والثوري والشّافعيّ وأحمد وإسحاق: وجود الراحلة شرط، [فمن] لم يجدها لم يجب عليه فرض الحجِّ.
٤٩١ - مسألة:
المعضوب الّذي لا يثبت على الراحلة؛ إمّا لكبر أو ضعف أو زمانة أو غيره، لا يلزمه عندنا الحجِّ، وإن وجد المال وأمكنه أن يحج غيره عنه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هو مستطيع بالمال، يلزمه أن يحج غيره يؤدِّي عنه فرض الحجِّ.
وقال الشّافعيّ: إذا بذل له ابنه الطّاعة في أن يحج عنه وهو غير واجد للمال، لزمه فرضه.
وخالفه أبو حنيفة، فقال: لا يلزمه إِلَّا أن يكون واجدًا [للمال، يمكن أن] يحمل غيره عنه.
٤٩٢ - مسألة:
الأعمى إذا وجد من يهديه الطريق قائدًا يقوده أو غير ذلك، وهو يقدر
[ ٢٥٤ ]
على الوصول بنفسه، وجب عليه الحجِّ، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة [٣٠/أ]،: له أن يحج غيره عنه إن كان له مال، وإلا لم يجب عليه، كما [قال] في المعضوب الّذي لا يثبت على الراحلة.
إذا مات ولم يحج سقط عنه، ولم يخرج من ماله إِلَّا أن يوصي بذلك، فيكون من ثلثه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: إذا مات بعد وجوب الحجِّ عليه، قضى عنه من رأس ماله، وإن لم يترك شيئًا، وتطوع عنه إنسان، سقط عنه الفرض الّذي كان عليه.
٤٩٤ - مسألة:
يجوز أن يحج عن غيره قبل أداء فرضه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز، وإن أحرم عن غيره، صار عن نفسه كان قادرًا على الحجِّ أم لا.
قال: وكذلك لا يجوز أن يتطوع قبل أداء فرضه، وإن أحرم بالتطوع صار عن فرضه، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب ابن عبّاس - ﵄ - فيما حكي.
وقال أبو حنيفة: يتطوع قبل أداء فرضه.
وعندي: أنّه لا يجوز؛ لأنّ الحجِّ عندنا على الفور (١)، فهو مضيق مثل وقت الصّلاة إذا ضاق، فلا يجوز التطوع قبل الأداء، غير أنّه إذا أحرم به لزمه، ولم يكن عن فرضه؛ لخلاف النَّاس في ذلك.
هذا إذا كان قادرًا على الحجِّ، فإن لم يكن قادرًا ببدنه، ولم يقدر على الراحلة، جاز له أن يحج عن غيره إذا أعطي ما يحج به.
_________________
(١) في الأصل: "القول". والمثبت من (ط).
[ ٢٥٥ ]
وقول الحسن والنخعي مثل قولنا وقول أبي حنيفة.
وذهب الثّوريّ إلى أنّه إن أمكنه الحجِّ فلم يفعل، لم يجز له أن يحج عن غيره.
وهذا الّذي يقوى في نفسي، غير أنّه إن أحرم تطوعًا أو عن غيره، ويمكنه أداء حجه، مضى على إحرامه ولم ينقلب؛ لأجل خلاف النَّاس في وقت الحجِّ.
الحجِّ على الفور، إذا وجب لم يجز تأخيره، وبه قال أبو يوسف والمزني وداود.
ولا يحفظ عن أبي حنيفة في ذلك شيء، وأصحابه يقولون: إن قوله مثل قول مالك، وعليه يناظرون.
وعند الشّافعيّ: أنّه يجب وجوبًا موسعًا، ويجوز للذي وجب عليه أن يفعله في السنة الّتي تجتمع فرائض الحجِّ عليه، وله أن يؤخر سنة بعد سنة إلى أن يموت، ولا يكون عاصيًا بتأخيره.
وروي عن محمّد بن الحسن رواية شاذة له على التراخي.
٤٩٦ - مسألة:
[لأبي تمام، قال مالك: و] يلزم المرأة الحجِّ وإن لم يكن لها ذو محرم، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يلزمها.
٤٩٧ - مسألة:
ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، وبه قال أبو حنيفة والثوري والنخعي.
[ ٢٥٦ ]
وقال الشّافعيّ: لا ينعقد حجًّا، لكنه ينعقد عمرة وإن لم ينوها، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقيل: إنّه مذهب ابن عبّاس وجابر - ﵃ -، ورواه بعضهم عن عمر وابن مسعود - ﵄ - وليس بصحيح.
والمستحب عندنا وعند أبي حنيفة أن لا يفعل، فإن فعل لزم، وترك المستحب.
وحكي عن داود: أنّه يبطل إحرامه جملة.
العمرة سنّة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في القديم وأحكام القرآن.
وقال في الجديد وهو ظاهر مذهبه: إنها واجبة، وبه قال الثّوريّ وأحمد وإسحاق.
٤٩٩ - مسألة:
يجوز أن يعتمر من ليس في حج يوم عرفة، ويوم النَّحر، وأيام التّشريق، وبه قال الشّافعيّ.
وحكي عن أبي يوسف جواز يوم عرفة.
وقال أبو حنيفة: لا يعتمر في هذه الأيَّام حاج ولا غيره.
٥٠٠ - مسألة:
ويكره للإنسان أن يعتمر في سنة أكثر من مرّة، فإن اعتمر غيرها لزمته بالدخول فيها.
وخالفنا أبو حنيفة والشّافعيّ، وقالا: لا يكره.
٥٠١ - مسألة:
إفراد الحجِّ أفضل من القرآن، وبه قال [٣٠/ ب] الشّافعيّ إذا كان
[ ٢٥٧ ]
بعده (١) عمرة، فأمّا إذا لم يعتمر [بعده] فالقران أفضل (٢)، ومالك لا يفرق.
وقال أبو حنيفة والثوري: القرآن أفضل.
وقال أحمد وإسحاق: التمتع أفضل من القرآن والإفراد بلا عمرة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وللمكي أن يتمتع، فيعتمر من الحل، ثمّ يحرم بالحج من منزله، فإذا تمتع لم يكن عليه دم، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أهل العراق: ليس لهم تمتع ولا قرآن، فإن تمتعوا وجب عليهم الدِّم.
فالخلاف معهم في فصلّين: أحدهما: في جواز التمتع.
والثّاني: في وجوب الدِّم، وهو قول ابن الماجشون في القرآن وحده.
٥٠٣ - مسألة:
وللمتمتع إذا لم يجد الهدي، أن يصوم من حين يحرم إلى آخر أيّام مني الثّلاثة.
ووافقنا الشّافعيّ على أنّه لا يصوم في العمرة ولا بعد الفراغ منها، حتّى يحرم بالحج، وخالف في صيام أيّام مني، هو وأبو حنيفة.
وقال أبو حنيفة: له أن يصوم الثّلاثة الأيَّام، إذا أحرم بالعمرة قبل فراغه منها، وبعد فراغه من قبل أن يحرم بالحج.
٥٠٤ - مسألة:
ولا يجوز نحر هدي المتعة والقران قبل يوم النَّحر، وبه قال أبو حنيفة.
_________________
(١) في الأصل: "عنده بعد". والمثبت من (ط). انظر: الحاوي الكبير: ٤/ ٤٧، المجموع: ٧/ ١٤٢.
(٢) في الأصل بزيادة: "إذا كان بعده عمرة". وهي مخلة بالمعنى.
[ ٢٥٨ ]
وجوّز الشّافعيّ نحره من يوم يحرم بالحج.
إذا لم يصم الثّلاثة الأيَّام قبل يوم النَّحر، جاز أن يصومها في أيّام التّشريق وبعدها، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة: إذا جاز يوم النَّحر ولم يصم، استقر الهدي عليه، وهو الثّاني للشافعي.
وحكي عن أبي حنيفة أيضًا: أنّه إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتّى جاز يوم النَّحر، استقر في ذمته هديان؛ أحدهما: للمتعة أو للقران، والآخر: لتحلله بغير هدي ولا صيام.
٥٠٦ - مسألة:
إذا دخل في الصوم عند عدم الهدي ثمّ وجد الهدي، استحب له الرجوع إلى الهدي من غير إلزام، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يبطل صومه الثّلاثة الأيَّام، ويجب الرجوع إلى الهدي.
٥٠٧ - مسألة:
وإذا رجع من مني، جاز له أن يصوم السبعة الأيَّام قبل الرجوع إلى أهله، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه.
والآخر: لا يصومها حتّى يرجع إلى أهله.
٥٠٨ - مسألة:
حاضروا المسجد الحرام الذين لا دم عليهم للمتعة ولا دم للقران، هم أهل مكّة بعينها وذي طوى وأشباههما.
وأمّا مني وعرفة والمناهل، مثل. قديد وعسفان ومر ظهران، فعليهم الدِّم.
[ ٢٥٩ ]
وقال أبو حنيفة: هم من كان منزله من الميقات أو دونه، وما وراءه ليس من حاضري المسجد الحرام.
وقال الشّافعيّ: هم من كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصّلاة، فإذا كان بين منزله وبين الحرم طرف من أطراف الحرم، من أي طرف كان، مسافة لا يقصر في مثلها الصّلاة، وهي ستة عشر فرسخًا، فإنّه متى تمتع لم يكن عليه هدي، وهو في حكم المقيمين بالحرم.
وقد ذهب مجاهد وطاووس إلى أنّه من كان ساكن الحرم، فأمّا إذا كان خارجًا عنه، فليس من حاضري المسجد الحرام، وبه قال داود.
أشهر الحجِّ: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وقال أبو حنيفة: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة بلياليها، وروي عن مالك مثل هذا.
وقال الشّافعيّ: شوال وذو القعدة وتسعة أيّام وعشر ليال من ذي الحجة.
٥١٠ - مسألة:
إذا جاوز الميقات يريد الحجِّ أو العمرة، فأحرم بعد مجاوزته، وجب عليه الدِّم ولم يسقط عنه؛ لرجوعه إليه محرمًا.
وقال أبو حنيفة: إذا رجع إليه ملبيًا فلا دم عليه، وإن لم يلب فعليه دم.
وقال الشّافعيّ: لا دم عليه إذا رجع بعد إحرامه إليه على كلّ حال، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
٥١١ - مسألة:
[لأبي تمام، قال مالك: و] على القارن الهدي، وتجزئه شاة، وبه قال العراقي والشّافعيّ.
[ ٢٦٠ ]
وقال داود: لا شيء عليه.
وذكر عن الشّعبيّ: أن عليه بدنة.
[قال مالك: و] إذا اختضبت المحرمة فعليها الفدية، وبه قال العراقي. وقال الشّافعيّ: لا شيء عليها.
٥١٣ - مسألة:
ويكره لبس المعصفر، ولا شيء على لابسه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: عليه الفدية.
٥١٤ - مسألة:
[قال مالك]: من ساق هديًا في عمرته، كان له هدية إذا حل منها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: إذا ساق هديًا لم يحل حتّى ينحر.
٥١٥ - [مسألة:
قال مالك: والحلاق نسك، وعلى من أخّره تأخيرًا فاحشًا الدِّم، وبه قال العراقي.
وللشافعي قولان فيها].
٥١٦ - مسألة:
ويكره الطيب عند الإحرام، وبه قال محمّد صاحب أبي حنيفة في رواية ابن سماعة (١) عنه.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشّافعيّ: ليس بمكروه.
_________________
(١) هو: أبو عبد الله محمّد بن سماعة بن عبيد التميمي الحنفي: الإمام الفقيه، حدّث عن اللَّيث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وروى كتب محمّد، من مؤلفاته: أدب القاضي، وكتاب المحاضر والسجلات. توفي: ٢٣٣ هـ. انظر: الجواهر المضية: ٣/ ١٦٨، الطبقات السنبة (٢٠١٩).
[ ٢٦١ ]
يكفيه أن ينوي حجًّا أو عمرة عند دخوله فيه ويعتقده بقلبه، ويصير محرمًا وإن لم يلب ولا قلّد هديًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصير محرمًا بمجرد الاعتقاد، ولا بد من زيادة أمر آخر؛ إمّا تقليد هدي إن كان معه، أو وجد معه، أو تلبية، وإن لم يكن هدي، وجبت التَّلبية، ولا يصير محرمًا بالنية بمجردها.
وليس بمذهبه على ما يحكيه أصحابنا.
وقال بعض أصحاب الشّافعيّ: التَّلبية واجبة بكل حال.
١٤ - فصل:
قال الشّافعيّ: التَّلبية ليست بواجبة من طريق السُّنَّة، وتاركها بأسرها في الحجِّ لا دم عليه.
٥١٨ - مسألة:
إن اقتصر على تلبية النبيّ - ﷺ - فحسن، وإن زاد عليها ما يليق بها فحسن، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: المستحب والأفضل الاقتصار على تلبية الرسول - ﷺ - فحسب ولا ينقص منها، ويجوز أن يزيد عليها شيئين:
أحدهما أن يقول بعد التَّلبية: "لَبَّيْكَ إِلَىَ الحَقِّ"؛ لأنّ أبا هريرة - ﵁ - رواه عن النّبيّ - ﷺ - (١)، وليس هذا زيادة؛ لأنّ التَّلبية تقتضيه وهو معقول منها.
_________________
(١) أخرجه النسائي (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٢٩٢٠)، وابن خزيمة: ٤/ ١٧٢، وابن حبّان: ٩/ ١٠٩، والحاكم: ١/ ٤٥٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قال الزيلعي: وحديث أبي هريرة غريب عنه، لكنه روى زيادة مرفوعة في حديث أخرجه النسائي، وابن ماجه عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁. ثمّ ساقه. انظر: نصب الراية ٣/ ٢٥.
[ ٢٦٢ ]
والثّاني: أن يقول إذا رأى ما يعجبه: "لَبَّيْكَ إن العيش عيش الآخرة"؛ لما روي عن مجاهد قال: كان النَّاس يزدحمون على رسول الله - ﷺ - فأعجبه ذلك، فقال في التَّلبية: "لَبَّيكَ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَةِ" (١).
فإذا زاد هاتين لم يكن في الفضل، إِلَّا كمن اقتصر على تلبيته - ﷺ -.
ولا تلبس المرأة القفازين، وهما لباس اليد من المخيط، فإن لبستهما محرّمة افتدت، وهو الظّاهر من قول الشّافعيّ.
ونقل عن المزني جوازه، وهو قول أبي حنيفة.
٥٢٠ - مسألة:
من لبس أو تطيب ناسيًا، فنزع الثِّياب وغسل الطيب في الحال، فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة والمزني: عليه الفدية طال أم لا، مثل قولنا إذا طال.
وقال الشّافعيّ: لا شيء عليه طال أم لم يطل، وانتفع به أم لا.
٥٢١ - مسألة:
يكره للمحرم رفع صوته بالتلبية في سائر المساجد، إِلَّا المسجد الحرام ومسجد مني.
وقال الشّافعيّ في أظهر قوليه: يستحب ذلك في سائر المساجد.
وروى ابن نافع عن مالك: أنّه يرفع صوته في المساجد الّتي بين مكّة والمدينة، وهو وفاق [٣١/ب].
_________________
(١) أخرجه بهذا اللّفظ البيهقي في الكبرى: ٧/ ٤٨، مرسلًا عن مجاهد. وأخرجه ابن خزيمة: ٤/ ٢٦٠، والحاكم: ١/ ٤٦٥؛ عن ابن عبّاس بلفظ: "إنّما الخير خير الأخرة"، وقال: وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، كما أخرجه الطبراني في الأوسط: ٥/ ٣١٧، وقال الهيثمي: "وإسناده حسن". انظر: مجمع الزوائد: ٣/ ٢٢٣.
[ ٢٦٣ ]
إذا لم يجد المحرم النعلين، جاز أن يلبس الخفَّين ويقطعهما أسفل من الكعبين، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وعروة بن الزبير وغيره.
وذهب عطاء ابن أبي رباح وسعيد بن سالم (١) وأحمد بن حنبل: إلى أنّه يلبس الخفَّين على حالهما من غير قطع.
٥٢٣ - مسألة:
إذا لبس المحرم السراويل لعدم الإزار فعليه الفدية [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة.
وذكر عن الشّافعيّ: أنّه لا فدية عليه، وقيل: إنّه قول الزّهريُّ والثوري وأحمد وإسحاق.
٥٢٤ - مسألة:
إذا لبس الخفَّين وقطعهما أسفل من الكعبين، فلا فدية عليه؛ من الحاجة إليهما، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية سواء وجد النعلين أم لا، وللشافعي قول آخر مثله.
٥٢٥ - مسألة:
إذا لبس القباء على عادة لبسه وأدخل كفيه فيه، وجبت عليه الفدية [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وغيره: لا فدية عليه، كما لو انقلب بإزار أو كساء.
_________________
(١) هو: أبو عثمان سعيد بن سالم القداح المكي، الخراساني الأصل: الإمام المحدث الفقيه، صدوق يهم، روى عن ابن جريج والثوري وغيرهما، وعنه ابن عيينة والشّافعيّ وغيرهما. توفي قبل المائتين. انظر: السير: ٩/ ٣١٩، التهذيب: ٤/ ٣١.
[ ٢٦٤ ]
ولا يغطي المحرم وجهه، فإن فعل فقد أساء ولا فدية عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يغطي وجهه واجبًا، كالمرأة في وجهها.
وقال الشّافعيّ: ليس عليه أن يكشفه، ولا يكون مسيئًا بكشفه.
٥٢٧ - مسألة:
قد ذكرنا أن المتمتع هو الّذي يحرم بالعمرة في شهور الحجِّ، ثمّ يحل منها ويحج من عامه؛ سواء ساق هديًا أو لم يسق، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن لم يسق معه هديًا، فهو متمتع يحل من عمرته، ثمّ يحرم بالحج، وإن كان ساق هديًا، فإنّه إذا فرغ من عمل العمرة، أقام على إحرامه بالعمرة، ولم يحل منها ويحرم بالحج ويأتي بأفعاله، ثمّ يحل منهما جميعًا.
وفائدة مقامه: اجتنابه ما يجتنب المحرم، ولزومه من الفدية ما لزمه لو لم يفعل من أفعال العمرة شيئًا، بعد إحرامه بها.
٥٢٨ - مسألة:
[إذا لبس المحرم الخفَّين وقد قطعهما أسفل الكعبين، مع وجود النعلين أفتدى.
وقد ذكرنا عن أبي حنيفة: أنّه يوجب عليه الفدية مع عدم النعلين، فمع وجودهما أولى.
وللشافعي قولان: أحدهما؛ مثل قولنا، والآخر: لا فدية عليه].
٥٢٩ - مسألة:
إذا حلق المحرم شعر بدنه، وجبت عليه الفدية، مثل شعر رأسه [هذا مذهبنا]، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أهل الظّاهر: لا فدية.
[ ٢٦٥ ]
وإن حلق أو نتف شعرة أو شعرتين أو ثلاث، أطعم قبضة من طعام.
وقال الشّافعيّ: تلزم الفدية بثلاث شعرات فما فوقها.
وقال أبو حنيفة: لا تلزمه الفدية بأقل من ربع الرّأس إذا حلقه.
وقال أبو يوسف: لا تجب بأقل من حلق نصف الرّأس.
ولذلك اختلفوا في القدر الّذي يقع به التحلل؛ فعند الشّافعيّ: بقطع شعرات، وقال أبو حنيفة: ربع الرّأس، وقال أبو يوسف: النّصف.
وبنوا التحلل فيه على وجوب الفدية كلّ واحد على أصله.
وعندنا: لا يقع التحلل إِلَّا بحلق جميعه أو أكثره، والفدية تتعلّق بمثدار ما يترفه به، ويزيل معه الأذى.
٥٣١ - مسألة:
لا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوّج غيره، ولا وكيلًا فيه، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّزه أبو حنيفة وأصحابه.
٥٣٢ - مسألة:
واختلفت الرِّواية عن مالك في الفرقة من نكاح المحرم، فقال مرّة: يكون فسخًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال بتطليقة بائنة.
[وقال أبو حنيفة: النِّكاح صحيح، لا يفسخ].
٥٣٣ - مسألة:
ولا يجوز الطّواف من غير طهارة، ولا يجوز إِلَّا بما تجوز به الصّلاة، وبه قال الشّافعيّ.
[ ٢٦٦ ]
وقال أبو حنيفة: ليس من شرط صحته الطّهارة، وهي واجبة فيه، لكن إن طاف جنبًا أو محدثًا وأمكنه أن يعيد الطّواف أعاد، وإن رجع إلى بلده سقط الفرض عنه، إِلَّا أن يجبره بالدم مع كراهة ترك الإعادة.
ومنهم من يقول: يجزئ بغير طهارة وهو مكروه، وليست الطّهارة واجبة له، وإنّما تجب للصلاة.
من طاف في الحجر أعاد [٣٢/أ] ولم يجزه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن أمكنه أعاد، وإن رجع إلى أهله جبره بدم.
٥٣٥ - مسألة:
إذا نكس الطّواف لم يجزه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا ينكسه، وإن نكسه وأمكنه الإعادة أعاد، وإن رجع إلى بلده جبره بدم.
٥٣٦ - مسألة:
عدد الطّواف: سبعة أشواط، فإن نقص منها شيئًا، لم يحل له النِّساء وقتل الصَّيد، وإن رجع إلى أهله، لزمه الإتيان بالطواف كاملًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن أتى بأربعة أشواط، وهو أكثر الطّواف وأمكنه إتمامه أتمه، وإن رجع إلى بلده جبره بدم.
٥٣٧ - مسألة:
ركعتا الطّواف من مسنونات الحجِّ، إن تركها مع الإمكان، استحب له ابتداء الطّواف ويركع عقيبه، وإن رجع إلى بلده ركعهما حيث هو وأهدى.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال [في أحد قوليه]: إن تباعد؛ إن شاء أن بهما، وإن شاء ترك، وهو استحباب.
[ ٢٦٧ ]
وقال أيضًا مثل قولنا، وكذلك أبو حنيفة.
ولكنهما قالا: إذا أن بلده صلاهما ولا دم عليه، وكذلك إذا تباعدا.
السعي بين الصفا والمروة سبع مرات، وهو عندنا ركن من أركان الحجِّ لا يتم إِلَّا به، ولا ينوب عنه الدِّم، ولا عن شيء منه، وبه قال الشّافعيّ وأحمد، وعائشة - ﵂ -.
وروي عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عبّاس - ﵃ -: أنّه غير واجب.
وقال أبو حنيفة: هو واجب، إِلَّا أن الدّم ينوب عنه.
وإذا حقق هذا خرج عن الوجوب.
٥٣٩ - مسألة:
من جمع بين الحجِّ والعمرة صار قارنًا، وكفاه سعي واحد، وطواف واحد، وفعل فعل المنفرد، وهو عندنا إجماع الصّحابة - ﵃ -، وقال به من التابعين: عطاء وطاووس والحسن البصري ومجاهد، ومن الفقهاء: مالك والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: يطوف القارن طوافين، ويسعى سعيين، وهم: الشّعبيّ والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال أبو حنيفة: يحتاج إلى أن يفرّق بين كلّ واحد من النسكين بفعله، فيطوف للعمرة أوَّلًا ويسعى، ثمّ يفعل أفعال الحجِّ كلها، حتّى أنّه قال: إذا دخل القارن إلى مكّة ولم يطف ويسع للعمرة، وخرج إلى عرفة ووقف بها، انقضت عمرته ووجب عليه قضاؤها.
ووافق في أنّه يكفي حلاق واحد بعد الوقوف.
٥٤٠ - مسألة:
الوقوف بالمشعر سنة، ولا يفسد الحجِّ بتركه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
[ ٢٦٨ ]
وقال قوم: هو فرض.
إذا حلق محرم شعر حلال، [قال مالك]: أستحب له أن يفتدي خوف قتل الدواب، ولا ينبغي له أن يفعل، وإن تيقن أنّه لم يقتل، فلا فدية عليه، وبه قال الشّافعيّ.
وأوجب أبو حنيفة عليه الفدية.
٥٤٢ - مسألة:
يقصّر أهل مكّة مع أهل الآفاق الصلوات بمنى وعرفة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز لهم أن يقصروا، إِلَّا في سفر يقصر فيه غيرهم من المسافرين.
٥٤٣ - مسألة:
إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة [عندنا]، لم يصلّ الإمام الجمعة وكذلك بمنى، ويصلّي الظهر بعرفة ركعتين من غير جهر، هذا إذا كان الإمام من غير أهل عرفة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: يصلّي الجمعة بعرفة. وقد سأل أبو يوسف مالكًا عن هذه المسألة بحضرة الرشيد، فقال له مالك: "سقاؤنا بالمدينة يعرفون ألَّا جمعة بعرفة، وعليه أهل الحرمين، وهم أعرف من غيرهم به" (١).
٥٤٤ - مسألة:
قد ثبت أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر، فإن فأتت أحد الصّلاة معه، فله أن [٣٢/ ب] يجمع منفردًا بين الصلاتين، وبه قال الشّافعيّ ومحمد وأبو يوسف.
_________________
(١) لم أجد مصدر القصة، ولكني وجدتها عند: شرح ابن بطّال: ٤/ ٣٤١، أنوار البروق: ٢/ ٥٦٧.
[ ٢٦٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يجمع إِلَّا مع الإمام، ويصلّي كلّ صلاة في وقتها.
الاعتماد في الوقوف بعرفة في اللّيل بليلة النَّحر، والنهار يوم عرفة تبع له، فإن وقف جزءًا من النهار ووصله بجزء من اللّيل، ويدفع من عرفة بعد غروب الشّمس أجزأه، وإن وقف جزءًا من النهار وحده لم يجزه، وإن وقف جزءًا من ليلة النَّحر، أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النَّحر أجزأه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزَّوال، واللّيل كله تبع، ولو وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا مع اللّيل أجزأه، فجعلا اللّيل الّذي قد استوت أجزاءه تبعًا للنهار الّذي اختلفت أجزاءه، ثمّ يقولون: إن وقف جزءًا من النهار دون اللّيل فعليه دم، وإن وقف جزءًا من اللّيل دون النهار فلا دم عليه.
وحكي عن أحمد: أن وقت الوجوب من طلوع الفجر من يوم عرفة، إلى طلوع الفجر من يوم النَّحر، فسوّى بين أجزاء اللّيل والنهار، فأي وقت وقف من ليل أو نهار أجزأه.
٥٤٦ - مسألة:
المبيت بالمزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام ليسا بركن في الحجِّ، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الشّعبيّ والنخعي والليث وحماد ابن أبي سليمان: هو فرض.
٥٤٧ - مسألة:
إذا وطئ المحرم بعد الوقوف [بعرفة]، وقبل رمي جمرة العقبة، فسد حجه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد، كما لو وطئ بعد الرمي.
[ ٢٧٠ ]
إذا وطئ بعد رمى جمرة العقبة، وقبل الطّواف، ففي فساد الحجِّ روايتان: الصّحيح منها: أنّه لا يفسد، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
٥٤٩ - مسألة:
دم الفساد بدنة، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: شاة.
٥٥٠ - مسألة:
إذا وطئ مرارًا، لم يلزمه إِلَّا هدي واحد، سواء كفر عن الأوّل قبل الثّاني أم لا، وبه قال أبو حنيفة والمزني ومحمد بن الحسن، إذا لم يكفّر عن الأوّل، وإن كفّر عن الأوّل فعليه للثاني كفارة، [ووافقنا على هذا الشّافعيّ].
واختلف قول الشّافعيّ إذا لم يكفّر عن الوطء الأوّل، فقال مثل قولنا وقول أبي حنيفة.
وقال أيضًا: عليه لكل وطء كفارة، كفّر عن الأوّل أم لا.
وعلى القول بأنّه يجب في كلّ وطء كفارة، ما الّذي يجب في الوطء الثّاني؟
فعلى قولين: قول: إنّه يجب بدنة مثل الأوّل، وقول: شاة بخلاف الأوّل.
٥٥١ - مسألة:
إذا أفسد الحجِّ أو العمرة، قضاهما من حيث ابتدأهما، إِلَّا أن يكون أحرم بهما أبعد من الميقات، فلا يلزم القضاء من ذلك الموضع، وبه قال أبو حنيفة.
وعنده: إن كان إحرام العمرة من الميقات ثمّ أفسدها، قضاها من الحل ولم يلزمه قضاؤها من الميقات الّذي أحرم بها منه.
ووافق في الحجِّ أنّه يقضيه من حيث ابتدأه.
[ ٢٧١ ]
وقال الشّافعيّ: يقضيهما ولو من دويرة أهله، إن أحرم بهما منه.
ومن فاته الحجِّ فله أن يتحلل منه بعمل العمرة، والفوات إنّما يكون لفوات عرفة، فيسقط عنه رمي الجمار ومبيت المزدلفة ومنى، وإذا كان كذلك استحببنا له أن يتحلل بعمرة من الطّواف والسعي، فيستأنفهما بعد ذوات الوقوف بعرفة، فإن فعل ذلك فقد تحلل [من الحجِّ]، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وزفر والشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: ينقلب إحرامه عمرة، ويكون بطوافه وسعيه متحللًا من العمرة لا من الحجِّ الفائت.
وقال المزني: لا يسقط عنه المبيت [٣٣/ أ] بمزدلفة ومنى ولا الرمي، قال: لأنّ الّذي فاته هو الوقوف، وغيره لم يفته، فعليه أن يأتي بكل ما قدر عليه.
وهو مذهب فاسد بإجماع الصّحابة.
٥٥٣ - مسألة:
ولا يجوز دخول مكّة إِلَّا بإحرام من حج أو عمرة؛ لمباينتها باختصاصها جميع البلدان، وأرخص للحطابين وأصحاب الفاكهة، ومن أشبههم ممّن قرب منها، مثل: جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة ترددهم إليها، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي [قولان] مثل قولنا، وقول: إن ذلك استحباب لا واجب، وروي عن مالك مثله.
ولا يختلف قول الشّافعيّ: إن الإمام وأصحابه إذا أرادوا دخولها؛ لقتال عدو أو بغي، إنّه يجوز لهم دخولها بغير إحرام، والخلاف في دخولها للتجارة أو غيرها.
[ ٢٧٢ ]
ومن دخلها بغير إحرام، فلا قضاء عليه سواء عاد من سنته، فحج أو لم يحج، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إنّه إن عاد من سنته فأحرم بحجة الإسلام أجزأه عنهما، ولو مكث إلى قابل كان عليه لأجل الدخول الإحرام.
٥٥٥ - مسألة:
من فاته الحجِّ فتحلل بعمرة، فإنّه يقضي الحجِّ من قابل، وعليه الهدي، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا هدي عليه.
٥٥٦ - مسألة:
إذا تحلل بعمرة لفوات الحجِّ، [لم] يلزمه إعادة العمرة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أصحاب أبي حنيفة: عليه قضاء حجة وعمرة.
٥٥٧ - مسألة:
إذا ذبح الهدي بمكة، جاز أن يطعم منه مساكين الحل يحمل إليهم اللّحم، وبه قال أبو حنيفة، وكذلك يجوز الإطعام بغير مكّة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز أن يفرّقه إِلَّا في الحرم، وكذلك الإطعام.
٥٥٨ - مسألة:
يحج بالصبي، و[يكون] حجه تطوعًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء إن فعل محظور الإحرام، وإنّما يفعل به ذلك، ويجتنب محظوراته على وجه التعليم له؛ ليعتاده ويهون عليه، كما قالوا في صلاته: إنها لا تكون صلاة أصلًا،
[ ٢٧٣ ]
وقالوا: إن بلغ قبل الوقوف بعرفة، فاستأنف إحرامًا بحجة الإسلام، صح له الوقوف.
وقال الشّافعيّ: إذا بلغ ونوى بإحرامه المتقدم حجة الإسلام أجزأه.
إذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، ولسيده أن يقره عليه أو يفسخه، واستحب ألَّا يفسخه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن داود: أن إحرامه لا ينعقد.
٥٦٠ - مسألة:
والرمي بالحجارة، وأمّا عداها من: حجارة الكحل والزرنيخ والذهب والفضة والمدر وغيره، فلا يجوز، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّزه أبو حنيفة بكل ما كان من جنس الأرض الّذي ذكرناه، ولا يجوز بالذهب والفضة وشبهه، ويجوز عنده بكل شيء حتّى بالعصفور الميِّت.
وجوّزه داود بكل شيء، وبالذهب والفضة.
٥٦١ - مسألة:
لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل الفجر من يوم النَّحر، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقال الشّافعيّ: إن رمى قبل الفجر بعد نصف اللّيل أجزأه، وبه قال عطاء وعكرمة،
وقال الثّوريّ والنخعي: لا يجوز قبل طلوع الشّمس.
٥٦٢ - مسألة:
يجوز تقديم الحلاق على الذَّبح، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن قدمه فعليه دم.
[ ٢٧٤ ]
والمستحب عندنا وعند الشّافعيّ: أنّه يقدم الذَّبح على الحلاق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] وبه احتج أبو حنيفة في وجوب الدِّم إذا قدمه.
١٥ - فصل:
جوّز الشّافعيّ تقديم الحلاق على الرمي في أحد قوليه، وهو إذا جعله نسكًا لا يوجب [٣٣/ ب] فيه الدِّم.
وعندنا وعند أبي حنيفة: لا يقدم الحلاق على الرمي، ومن قدمه فعليه فدية.
١٦ - فصل:
الحلاق نسك من مناسك الحجِّ والتقصير.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال في أحد قوليه: إنّه مباح وليس بنسك، أعني مباحًا بعد الحظر بعقد الإحرام، فإذا زال الإحرام زال [تحريمه]؛ كتقليم الأظافر واللباس والطيب، ولا يثاب عليه.
٥٦٣ - مسألة:
ويأكل من الهدي كله، إِلَّا من فدية الأذى، وجزاء الصَّيد، ونذر المساكين.
وقال أبو حنيفة: يأكل من هدي القرآن والمتعة والتطوع، ولا يأكل ممّا سواها.
فوافق في هذا القدر، وخالف فيما عداه.
وقال الشّافعيّ: الهدي على ثلاثة أضرب:
- هدي واجب بحكم الإحرام، لا يجوز أن يأكل منه.
- وهدي يجب بالنذر، فهو على وجهين: أحدهما: أنّه كالمتطوع يجوز الأكل منه، والآخر: لا يأكل.
[ ٢٧٥ ]
- وهدي التطوع: يجوز الأكل منه. وهو موضع وفاق.
الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة سنة، وإن صلَّى المغرب بعرفة في وقتها والعشاء في وقتها أجزأه، وإن كان المستحب أن لا يفعل؛ لأنّه ترك سنة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إِلَّا الجمع بمزدلفة.
٥٦٥ - مسألة:
المستحب [عند مالك] قطع التَّلبية في الحجِّ، إذا زالت الشّمس من يوم عرفة، وقال أيضًا: إذا راح إلى الموقف.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقطع حتّى يرمي الجمرة يوم النَّحر بأول حصاة.
٥٦٦ - مسألة:
لا يخطب إمام الحاج يوم النَّحر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يخطب.
٥٦٧ - مسألة:
من ترك المبيت بمزدلفة ليلة النَّحر، أو ليلة من ليالي مني بعد يوم النَّحر فعليه دم، إِلَّا من أرخص له، من رعاة الإبل في تأخيرهم اللَّيلة الّتي بعد يوم النَّحر.
وقال أبو حنيفة: لا دم عليه.
وقال الشّافعيّ: إن ترك ليلة المبيت فعليه مد، وإن ترك ليلتان فمدان، وإن كان ثلاثة فدم.
٥٦٨ - مسألة:
إذا رمى وحلق حل له كلّ شيء، إِلَّا النِّساء والصَّيد، وكره له الطيب.
[ ٢٧٦ ]
ووافق الشّافعيّ في الوطء في الفرج.
وله في الوطء دون الفرج، والقبلة للشهوة، وقتل الصَّيد، وعقد النِّكاح قولان:
قول مثل قولنا: إن جميعه لا يحل إِلَّا بالتحلل الثّاني الّذي هو طواف الإفاضة.
والثّاني: إنّه يحل بالتحلل الأوّل قبل الطّواف.
ووافق أبو حنيفة والشّافعيّ في أنّه يحل كلّ شيء، إِلَّا النِّساء، لكنه لم يفصّل الصَّيد والوطء كما قال الشّافعيّ.
لا يجوز رمي الثّلاثة الأيَّام الّتي بعد يوم النَّحر، إِلَّا بعد الزَّوال، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هذا القياس، لكنا استحسنا أن يكون في اليوم الثّالث قبل الزَّوال.
وقال طاووس: يجوز قبل الزَّوال في الأيَّام الثّلاثة.
٥٧٠ - مسألة:
إذا رمى بالسبع حصيات دفعة واحدة، لم يجزه إِلَّا عن حصاة، ويرمي ستًّا بعدها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجزئه ذلك، بل إن طرحهن طرحًا ولم يرم بها، لم يجزه عن سبع رميات، وإنّما يجزئه عنها إذا رمى بها رميًا لا طرحًا.
٥٧١ - مسألة:
إذا حج الولي بالصبي نظر، فإن كان للصبي من يحفظه ويكفله، ولا يخاف عليه ضيعة، فالنفقة الّتي تزيد على نفقة الحضر في مال الولي، وإن كان يخاف ضياعه ولا كافل له، فالنفقة في مال الصبي كلها.
[ ٢٧٧ ]
وللشافعي: قولان: أحدهما مثل قولنا، والثانى؛ إن النفقة من مال الصبي على كلّ وجه.
إذا وطئ في الحجِّ ناسيًا، أفسد [٢٤/أ] حجه كالعمد، وكما يفسد به الصوم.
وقال الشّافعيّ في أحد قوليه: لا يفسد بالوطء الناسي؛ لأنّه بمنزلة الطيب، ولا يؤثر في إفساد الحجِّ.
٥٧٣ - مسألة:
من كرّر النظر أو قبّل، أو تذكر فردد على قلبه التذكر حتّى أنزل، أو وطى دون الفرج، أو باشر للذة حتّى أنزل فسد حجه. وفي التذكر خلاف لمالك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يفسد الحجِّ بذلك.
١٧ - فصل:
عند أبي حنيفة أنّه لا يفسد حج من يلوط، أو وطئ امرأة في قبل أو الموضع المكروه، وبناه على أصله أن هذه الأشياء لا توجب الحدّ.
وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا وقول الشّافعيّ؛ إنّه يفسد.
وقال في البهيمة مثل قول أبي حنيفة.
٥٧٤ - مسألة:
إذا أحرم بحجتين معًا، أو بحجة ثمّ أدخل عليها أخرى، أو بعمرتين معًا، أو عمرة بعد أخرى، لم ينعقد إحرامه إِلَّا بحجة واحدة أو عمرة، ولا قضاء عليه للأخرى ولا دم عليه، وبه قال الشّافعيّ ومحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يلزمانه جميعًا.
ثمّ إن أبا حنيفة يقول: يكون محرمًا بهما حتّى يتوجه في المسير، فإن
[ ٢٧٨ ]
توجه في المسير، أو نقض أحدهما فعليه القضاء من قابل في الحجِّ والدم، وكذلك إذا أدخل حجًّا على حج، أو عمرة على عمرة، انعقد بهما إحرامه، وترتفض إحداهما إذا يتوجه في السير، وعليه القضاء والدم، وإذا أحصر قبل أن يتوجه في السير، فعليه هديان.
ووافقه أبو يوسف غير أنّه قال: ينعقد إحرامه بها، وترتفض إحداهما عقيب الإحرام قبل التوجه.
طواف الوداع، ويسمى: طواف الصدر، ليس بواجب ولا مسنون، ومن تركه فحجه تام، ولا دم عليه، وقد أساء بتركه.
وقال أبو حنيفة: هو واجب، وليس من أركان الحجِّ.
وقال الشّافعيّ: هو مستحب مثل قولنا، وله قولان: أحدهما: إنّه نسك يجب بتركه الدِّم، والقول الآخر مثل قولنا؛ إنّه ليس نسك ولا دم عليه.
٥٧٦ - مسألة:
إذا وطئ في حجه وأفسده، لم يخرج بالفساد من حجه وإحرامه على ما كان، ويلزمه أن يأتي بها في أفعاله.
والمراد بقولنا فسد حجه: أنّه لا يجزئه عن فرضه، وأن عليه قضاءه وإن كان تطوعًا، هذا قول الفقهاء بأسرهم. وهو عندنا إجماع الصّحابة.
إِلَّا أن داود وأصحاب الظّاهر قالوا: إن فسد حجه خرج منه، ولم يلزمه أن يأتي بباقي أفعاله.
٥٧٧ - مسألة:
تجوز الإجارة على الحجِّ وإن كنا نكرهها، وبه قال الشّافعيّ.
ومنع [منها] أبو حنيفة، وهذا على إحدى قولي الشّافعيّ إذا جوّز
[ ٢٧٩ ]
الحجِّ عن الغير، جازت الإجارة، ولم يفرّق بين أن يحج عن حي معضوب، أو عن ميت.
ونحن نجوّز ذلك بعد الموت.
ولم يفرّق أبو حنيفة في ذلك، ومنع الإجارة مطلقًا؛ لأنّ من أصله ألَّا يقع عن الغير، ولا تصح فيه النِّيابة كقولنا، وقال: إن أعطى نفقة ليحج [عنه]، كان الحجِّ للحاج، وللمعطي ثواب المال.
وهكذا ينبغي أن يكون على أصلنا.
إِلَّا أن أصحاب أبي حنيفة ناقضوا، فذكر محمّد في الجامع الكبير (١): أنّه إذا مات وعليه فرض الحجِّ، فحج عنه بعض ورثته أجزأه.
٥٧٨ - مسألة:
ومن استأجر أجيرًا للحج عن ميت، فصد الأجير بعدو أو موت في بعض الطريق، فله من الأجرة بحساب ما عمل إلى الموضع الّذي صد فيه أو مات، ولم يفرّق أصحابنا بين أن يحدث هذا بعد إحرامه أو قبل.
وقال الشّافعيّ [٣٤/ ب]: إذا لم يأت بالحج، لم يستحق شيئًا، فإن مات بعد أن أتى ببعض أركان الحجِّ، فهل يستحق شيئًا أم لا؛ على قولين.
وروي عن الإصطخري والصيرفي (٢) مثل قولنا.
_________________
(١) الجامع الكبير: من كتب محمّد بن الحسن الشيباني المعتمدة الّتي سبقت الإشارة إليها عند ترجمته.
(٢) في الأصل: "الاسطخري والبصري"، والمثبت من (ط). أمّا الأوّل فهو: القاضي أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الإصطخري الشّافعيّ: شيخ الشّافعيّة ببغداد ومحتسبها، من أكابر أصحاب الوجوه في المذهب، من مؤلفاته: كتاب الأقضية. توفي: ٣٢٨ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ٢٣٠، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٠٩. وأمّا الثّاني فهو: أبو بكر محمّد بن عبد الله الصيرفي الشّافعيّ: الفقيه الأصولي أحد أصحاب الوجوه في الفروع، وأعلمهم بالأصول بعد الشّافعيّ، من مؤلفاته: شرح الرسالة، وكتاب في الشروط. توفي: ٣٣٠ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ١٨٦، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١١٦.
[ ٢٨٠ ]
[وقد ذكرنا عن أبي حنيفة: أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الحجِّ].
إذا وطئ زوجته في الحجِّ فأفسدا حجهما، ثمّ خرجا للقضاء تفرقا حين يحرمان، فصار كلّ منهما على حدة، ولا يجتمعان حتّى يحلا.
وقال الشّافعيّ: يفرقان من المكان الّذي وطئ فيه حتّى يحلا.
وقال أبو حنيفة: لا أعرف للافتراق معنى.
ولم يبين مالك هل الافتراق واجب أو مستحب؟
وعندي: أنّه مستحب احتياطًا.
وللشافعي قولان: أحدهما: أنّه واجب، والآخر: مستحب.
٥٨٠ - مسألة:
ومن أحرم بالحج وعقده عقدًا مستقرًا لم يجز له فسخه، وهو قول الجماعة.
وجوّزه أهل الظّاهر.
٥٨١ - مسألة:
يوم الحجِّ الأكبر [عندنا هو] يوم النَّحر.
وقال قوم: يوم عرفة.
٥٨٢ - مسألة:
إذا قتل المحرم الصَّيد الّذي لا يبتدئ بالضرر عمدًا أو خطأ، وجب عليه الجزاء، ويأثم في العمد، ولا إثم عليه في الخطأ، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال مجاهد: إذا قتله ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء، وإنّما الجزاء على الخاطئ.
[ ٢٨١ ]
وقال داود عكسه: على العامد الجزاء، والخاطىء والناسي لا جزاء عليهما.
إذا قتل صيدًا بعد صيد، لزمه الجزاء لكل صيد ولو تكرر منه مرارًا، وبه قال الفقهاء.
وقال داود: لا جزاء عليه، إِلَّا في أول مرّة جزاء وحد.
٥٨٤ - مسألة:
قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وهي: الإبل والبقر والغنم، فإن قتل المحرم ماله مثل من النعم في المنظر، يكون أقرب شبهًا به، فعليه مثله؛ ففي الغزال شاة، والنعامة بدنة، وحمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب في قتل الصَّيد قيمته؛ كان له مثل أم لا، وهو بالخيار بين أن يصدق قيمته، وبين أن يصرفها في النعم، فيشتري نعمًا بها ويهدي.
٥٨٥ - مسألة:
قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فلا يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين.
وقال الشّافعيّ: يجوز ذلك.
واختلف أصحاب أبي حنيفة، فبعضهم قال بمثل قولنا، والآخرون مثل قول الشّافعيّ.
٥٨٦ - مسألة:
يجب في صغار الصَّيد الّذي له مثل ما يجب في كباره.
وقال أبو حنيفة: في الصغير قيمته، وفي الكبير قيمته.
[ ٢٨٢ ]
وقال الشّافعيّ: في النعامة الصغيرة فصيل، وفي الكبيرة بدنة، وفي حمار الوحش الكبير بقرة، وفي ولده عجل، يجب في صغار الصَّيد صغار النعم، ويختلف الجزاء باختلاف الصَّيد من الصغر والكبر.
ومن فقأ عين الصَّيد أو كسر (١) رجله وما أشبه، ولم يمت منه، فلا شيء عليه، وبه قال داود.
وقال الشّافعيّ: يلزمه إن وجد نقصًا في دم اشتراه ليراق، وإلا تصدق بمقدار بين قيمته صحيحًا وقيمته ناقصًا.
وأبو حنيفة يعتبر ما نقص من قيمته.
وقال محمّد بن الموّاز: إن بدا وعليه نقص، فعليه من قيمته ما نقصه على أصله.
٥٨٨ - مسألة:
من قتل صيدًا أعور، أو مقطوع اليد، أو مكسور القرن، فداه بصحيح.
وقال أبو حنيفة: تعتبر قيمته على ما كان عليه.
وقال الشّافعيّ: يفديه بمثله؛ إن كان المقتول أعور، فداه بأعور مثله، وإن كان مقطوع الرَّجل واليد، فبمثله من النعم.
٥٨٩ - مسألة (٢):
إذا اختار قاتل الصَّيد أن يحكم [٣٥/ أ] عليه بالطعام، قُوّم الصَّيد كم كان يساوي من الطّعام على أنّه حي.
وأبو حنيفة على أصله في أنّه يقوّم.
وقال الشّافعيّ: يقوّم المثل من النعم، فيخرج قيمته طعامًا.
_________________
(١) في الأصل: "كبش أو". والمثبت من (ط).
(٢) تكررت هذه المسألة في الأصل تباعًا.
[ ٢٨٣ ]
إذا جرح الصَّيد وغاب عنه ولم يعرف خبره، فعليه جزاؤه.
وقال الشّافعيّ: الاحتياط له في ذلك، ولا يلزمه إِلَّا ما نقص الجرح.
وقال أصحابه: لا يلزمه؛ لأنّه يكون إيجاب جزاء بالشك، مع جواز أن يموت من غير جرحه.
٥٩١ - مسألة:
إذا صيد من أجله وهو محرم، حرم عليه أكله وعلى غيره أيضًا، وكذلك إن أعان المحرم إنسانًا على قتل صيد؛ بأن دلّه عليه، أو أشار عليه، أو إلى مكانه، أو ناوله شيئًا ليقتله به، لم يجز للمحرم أكله، فإن أكله أو شيئًا منه، فعليه جزاؤه إذا صيد من أجله، وكان عالمًا بذلك وإن كان القاتل حلالًا، وبه قال الشّافعيّ في منع الأكل.
وهل عليه الجزاء؟ [فهو] على قولين: أحدهما مثل قولنا، والآخر: لا جزاء عليه.
وجوّز أبو حنيفة لمن صيد من أجله أن يأكل منه، ولا جزاء عليه.
وينظر في معاونته، فإن كان أعان على قتله بأمر لا يتوصل إلى قتله إِلَّا به، مثل أن يدلُّ على موضع الصَّيد وموكره الّذي اختبأ فيه، والصائد لا يعلم بذلك، ولم يكن للصائد شيء يقتله به، فناوله المحرم سكينًا أو سيفًا، فإنّه يحرم عليه وعليه جزاء، وإن أعانه بما يتوصل معه إلى قتل الصَّيد من غير معونته (١)، فإنّه لا يحرم عليه.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيمن صيد من أجله، فهو يجوّز له أكله بلا جزاء، ومنعنا منه وإن أكل فعليه الجزاء.
وحكي عن أصبغ: ألَّا جزاء.
_________________
(١) في الأصل: "مؤنة". والمثبت من (ط).
[ ٢٨٤ ]
فبيننا وبينه الخلاف إذا دلّ على الصَّيد، وناول القاتل سكينًا ليقتل، فقال: لا يأكل، وعليه الجزاء.
وحصل الخلاف بيننا وبين الشّافعيّ في أحد قوليه، فإنّه يقول: لا جزاء على من صيد من أجله إذا أكل.
إذا قتل المحرم الصَّيد أو ذكاه صار ميتة، لا يحل لحلال ولا حرام أكله، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: جواز أكله لغير القاتل.
٥٩٣ - مسألة:
إذا قتل المحرم الصَّيد أو أكل منه، لم يلزمه إِلَّا جزاء واحد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليه في قتله جزاء كامل، وفي أكله ضمان ما أكل.
وقال محمّد وأبو يوسف مثل قولنا.
٥٩٤ - مسألة:
إذا دل محرم حلالًا أو محرمًا (١) على صيد فقتله المدلول، فلا شيء على الدال وقد أساء، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا دل المحرم حلالًا على صيد، فعلى المحرم الدال الجزاء، ولا شيء على الحلال، وإن دل محرمًا فقتله المحرم، فعليهما جزاءان.
٥٩٥ - مسألة:
الحلالط إذا دخل الحرم حرم عليه قتل صيد الحرم والاصطياد فيه، فإن قتل صيدًا فعليه الجزاء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
_________________
(١) جاء في الأصل: "دل محرمًا حلال أو محرم". وهو تحريف. والمثبت من (ط).
[ ٢٨٥ ]
وقال داود: لا جزاء عليه.
١٨ - فصل:
قال أبو حنيفة: إذا قتل الحلال صيد الحرم، لم يجزه الصِّيام إن ثبت أن الحلال ممنوع من قتله، وإنه يضمنه بالجزاء مثله من النعم، أو قيمته إن لم يكن له مثل.
فينبغي أن يكون الخيار فيه؛ بين الجزاء بالمثل أو الإطعام أو الصِّيام.
وإذا اختار قاتل الصَّيد أن يحكم عليه بالصيام؛ صام مكان كلّ مد يومًا، [وبه قال الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة أنّه قال: يصوم بدل كلّ مدين يومًا]، شبها بكفارة الظهار وفدية الأذى، وهي بكفارة الصوم أشبه.
٥٩٧ - مسألة:
إذا أدخل الحلال معه من صيد الحل، جاز له أكله وذبحه بالحرم [٣٥ / ب] وبيعه وهبته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له فيه شيء من ذلك، وعليه أن يرسله.
٥٩٨ - مسألة:
من قطِع شيئًا من شجر الحرم، فقد ساء ولا شيء عليه، وإن كان القاطع حلالًا أو حرامًا، وبه قال داود
وقال أبو حنيفة: إن قطع ما أنبته الآدميون، فلا شيء عليه، وإن كان ما أنبته الله تعالى، فعليه الجزاء.
وقال الشّافعيّ: عليه الجزاء في الجميع.
وحكى بعض أصحابه: أن مذهب الشّافعيّ مثل أبي حنيفة في التفرقة.
[ ٢٨٦ ]
القارن إذا قتل صيدًا، وجب عليه جزاء واحد، وكذلك إذا لبس أو تطيب أو أفسد حجة القرآن، وجب عليه في ذلك كفارة واحدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجب عليه جزاءان؛ للصيد وكذلك في جميع ما ذكرناه.
٦٠٠ - مسألة:
إذا اشترك محرمان في قتل صيد أو جماعة، فعلى كلّ واحد جزاء كامل في نفسه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: جزاء واحد.
٦٠١ - مسألة:
إذا قتل محرم صيدًا مملوكًا، وجب عليه الجزاء مع القيمة للمالك، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال المزني: لا جزاء عليه، وعليه القيمة لا غير.
٦٠٢ - مسألة:
في حمام مكّة شاة.
واختلف عن ابن القاسم في حمام الحرم غير حمام مكّة، فقال: شاة كحمام مكّة، وقال أيضًا: حكومة.
ولم يختلف قوله في حمام الحل؛ أن فيه حكومة، أعني قيمته.
وقال أبو حنيفة: في الجميع قيمته، بناءً على أصله في جزاء الصَّيد الّذي له مثل [من النعم، فإن عليه فيه القيمة].
وقال الشّافعيّ: في حمام الحرم والحل شاة.
[ ٢٨٧ ]
وغير الحمام من عصفور وقطا وسفيان وسبع، وغيره من القنبر وشبهه، ففيه الجزاء، وبه قال سائر الفقهاء.
وقال داود: لا شيء عليه فيه، والجزاء في الحمام خاصّة.
٦٠٤ - مسألة
من ملك صيدًا قبل إحرامه ثمّ أحرم والصَّيد في بيته، لم يزل ملكه عنه، ولم يلزمه إرساله، وإن كان بيده وقد أحرم، زال ملكه عنه ووجب إرساله.
وقال أبو حنيفة: يجب إرساله إن كان بيده بعد الإحرام، و[لم] يقل بزوال ملكه.
وللشافعي قولان إذا كان في بيته؛ قول: مثل قولنا، والآخر: يزول ملكه.
٦٠٥ - مسألة:
إذا أحرم وهو في يده فأرسله رجل من يده، لم يكن عليه ضمانه، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: عليه ضمانه؛ لأنّ وجوب الإرسال عنده لا يخرجه عن ملكه، فكأنّه قتل صيدًا يملكه المحرم.
وللشافعي قولان؛ أحدهما: مثل قولنا، والثّاني: مثل العراقي.
٦٠٦ - مسألة:
في بيض النعامة على المحرم في الحل أو الحرم عشر ثمن البدنة؛ لحكم الصّحابة - ﵃ - في النعامة ببدنة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: فيها قيمتها.
وقال داود: لا شيء فيها.
[ ٢٨٨ ]
كلّ السِّباع الّتي طبعها تبتدئ بالضرر، إذا قتلها محرم فلا جزاء عليه، كالأسد والنمر والفهد والذئب، وما أشبهه صغار وكبار.
وقال أبو حنيفة: فيها الجزاء إِلَّا أن تؤذي، فيدفعها عن نفسه.
وقال في الكلب العقور والذئب: لا جزاء فيه، وإن لم يبتدئ بالضرر.
وقال الشّافعيّ: لا جزاء في قتل جميع ما لا يؤكل، سواء كان طبعه ابتداء الأذى أم لا، والجزاء واجب في كلّ ما يؤكل لحمه من سباع الطير أو الوحش.
٦٠٨ - مسألة:
ولا جزاء على من قتل صيد المدينة، وهو مكروه [عندنا].
وأبو حنيفة: لا يكرهه.
واختلف قول الشّافعيّ في الجزاء فيه، فقال: لا جزاء فيه، وقال أيضًا: يؤخذ سلب القاتل. ولم يختلف قوله إنّه محرم.
٦٠٩ - مسألة [٣٦ / أ]:
ويستأنف الحكم في كلّ ما مضت فيه حكومة وفيما لم تمض، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يكتفي بما مضى.
٦١٠ - مسألة:
الهدي يساق من الحل إلى الحرم، ويوقف بعرفة إن كان في حج (١). وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إن اشتراه في الحرم ونحره ولم يقف به أجزأه.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إن كان في حج". وهو تكرار.
[ ٢٨٩ ]
ومن حصره العدو فحل من إحرامه، فلا هدي عليه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: عليه الهدي.
غير أن أبا حنيفة يقول: لا ينحر ما وجب عليه من الهدي إِلَّا في الحرم.
وقال الشّافعيّ: ينحر مكان حصره.
٦١٢ - مسألة:
لا حصر إِلَّا بالعدو. فمن أحصر بمرض لم يتحلل دون البيت بالطواف والسعي [الّذي هو] عمل العمرة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد.
وقال أبو حنيفة: المرض كالعدو في الإحصار، [و] يتحلل بغير عمل العمرة، وبه قال النخعي.
٦١٣ - مسألة:
إذا تحلل من المرض بعمل عمرة وفاته الحجِّ فعليه دم، ولا يذبحه إِلَّا بمكة أو بمنى، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ؛ ينحره حيث أحصر، حلَّا كان أو حرمًا.
ومن أصحابه من قال: إن قدر على الحرم بنفسه أو يبعثه، لم ينحره في الحل، وإن لم يقدر جاز في الحل، [وليس هذا من مذهب الشّافعيّ].
٦١٤ - مسألة:
ولا قضاء على المحصر بعدو إذا فاته ما دخل فيه، إِلَّا أن يكون حجة الإسلام، به قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليه قضاء الحجِّ [من قابل].
٦١٥ - مسألة:
إذا لم يجد المحصر بمرض عندنا هديًا، جاز له الصِّيام، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
[ ٢٩٠ ]
وقال أبو حنيفة: لا بدَّ له، وهو الثّاني للشافعي.
وإذا استظل المحرم على المحمل افتدى.
وقال أبو حنفية والشّافعيّ: لا فدية عليه.
٦١٧ - مسألة:
ومن طاف بالبيت راكبًا من غير عذر أعاد الطّواف، فإن فات فعليه دم، وبه قال أبو حنيفة. وجوّزه الشّافعيّ.
٦١٨ - مسألة:
لا يقرّد (١) المحرم بعيره.
وجوّزه أبو حنيفة والشّافعيّ، وقيل: إن عمر وابن عمر - ﵄ - كانا يفعلانه.
٦١٩ - مسألة:
إذا حاضت المعتمرة قبل الطّواف، وضاق عليها وقت الحجِّ، أردفت الحجِّ ولم ترفض عمرتها [وحجت قارنة]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: نقضت العمرة.
١٩ - فصل:
وقال أبو حنيفة في القارن إذا وقف بعرفة قبل الطّواف لعمرته: إنّه يكون رافضًا لها.
وقال مالك والشّافعيّ: لا يكون رافضًا وحكمها باق، وينوب عمل الحجِّ عنها.
_________________
(١) في الأصل: "يقلّد". والمثبت من (ط). ومعناه: نزعت عنه قراده. انظر: لسان العرب ٣/ ٣٤٩.
[ ٢٩١ ]
لا يجوز إدخال عمرة على حج.
وقال أبو حنيفة: يجوز ويصح، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر مثل قولنا.
٦٢١ - مسألة:
من ترك من طوافه شيئًا ولو شوطًا، وسعى لم يصح سعيه إِلَّا بكمال طوافه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يعيد سعيه بعد أن يكمل ما دام بمكة، فإن تباعد جبره بدم.
٦٢٢ - مسألة:
للمرأة أن تحرم بحج الفرض بغير إذن زوجها، وليس له أن يحللها، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، وقال: ليس لها أن تحرم إِلَّا بإذنه، وقال أيضًا: لها ذلك.
ثمّ إذا أحرمت، هل له أن يحللها أم لا؟ على قولين: فعلى القول بمنعها إذا أحرمت، له أن يحللها، وإن أحرمت لم يكن له أن يحللها.
٦٢٣ - مسألة:
ومن أحرم بالحج من مكّة، فلا يطوف طواف القدوم بالبيت، حتّى يرجع من مني.
وروي عن مالك: أنّه إن طاف وسعى ثمّ فرغ من الحجِّ أجزأه.
وجوّز ذلك أبو حنيفة والشّافعيّ.
٦٢٤ - مسألة:
ومن طاف بعد العصر، فلا يركع حتّى تغرب الشّمس، وبه قال أبو حنيفة.
وجوّزه الشّافعيّ.
[ ٢٩٢ ]
لا يجوز [٣٦/ ب] الاشتراك في البدنة الواجبة.
وجوّزه أبو حنيفة والشّافعيّ، غير أن الشّافعيّ يجوّزه مع اختلاف القرب، مثل أن يكون على الواحد هدي قران، والآخر تطوع أو نذر أو متعة، أو لأحدهم قربة والآخر لا شيء عليه ويريد اللّحم.
ومنع أبو حنيفة أن يشتركا إذا كان أحدهما يريد اللّحم، والآخر قربة، وجوّزه فيما سوى ذلك.
٦٢٦ - مسألة:
النسك في فدية الأذى يذبحها حيث شاء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يذبح إِلَّا في الحرم، ويصوم حيث شاء مثلنا.
٦٢٧ - مسألة:
تشعر البدن مع التقليد، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة ومكروه.
٦٢٨ - مسألة:
ولا منحر في الحجِّ إِلَّا بمنى، ولا عمرة إِلَّا بمكة.
وجوّزه أبو حنيفة والشّافعيّ في أي موضع كان من الحرم.
٦٢٩ - مسألة:
تقديم (١) الإحرام على التروية أفضل منه [في] يوم التروية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: [إيقاعه في] يوم التروية أفضل.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "يوم". وهو تحريف.
[ ٢٩٣ ]
٦٣٠ - مسألة:
اختلف أصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول إلى الحجِّ، إِلَّا بدفع المال إلى المتغلب الجائر. فقال بعضهم: لا يجب عليه الحجِّ.
وقال شيخنا أبو بكر - ﵀ -: إذا لم يتمكن إِلَّا بمال كثير، بحيث يشق عليه ويخرج على العادة لم يلزمه، كماء الطّهارة، والرقبة في الكفارة، و[أمّا] إن كان قريبًا فالحج واجب عليه.
[قال القاضي]: والذي عندنا أنّه ينظر في أحوال النَّاس؛ فرب كثير المال لا يثقل عليه دفع ما تفاحش فيلزمه.
ومن يمشي ولا يقدر على الراحلة أو يجدها، إِلَّا أنّه مقلّ، فإنّه أيضًا يعتبر، فإن كان المشي القريب بحيث لا يجحف بمثله لزمه، وإن كان ممّا لا يحتمله حال مثله، وإن أطاقه لم يلزمه، وهو قول مالك في شراء الماء للطهارة.
[ ٢٩٤ ]