ثبوت هلال شوال
وسئل عن أهل وطن أُخبِروا بظهور هلال شوال بموضع آخر، فمنهم من صدَّق وأكل، ومنهم من ترددت نيتُه؟
فأجاب: إن عيدَ الفطرِ المسؤولِ عنه لم يثبت أنه كان يوم الخميس بشهادة من يُعتدُّ به، فمن أفطر ذلك اليومَ فعليه القضاء، ولا كفارة عليه لأنه متأول غير مُنْتَهِك. وأما من رآه وتحققه من غير شك، أعني رأى هلاله، فأفطر فهو غير آثم فيما بينه وبينالله، وكان من حقه أن لا يفطر، كما قال مالك في الموطأ وهو المشهور في المذهب.
ولا يجوز أن يبني الإنسان في رؤية الهلال إلا على عدلين محققي
[ ١١٥ ]
العدالة فأكثر أو على جماعة يعلم أنهم صادقون بالعادة. ولا يجوز أن يعتمد في الإخبار أنه قد ثبت رؤية الهلال إلا على رجل صادق عنده، وأما المتردد ولم يفطر فصومه صحيح.
الرسم الوارد برؤية هلال شوال
وسئل عن الرسم الوارد برؤية الهلال المذكور.
فأجاب: الرسم المشار إليه في السؤال لا يعول عليه، لأن نائب القاضي الذي أعلم بثبوته إعلامًا مطلقًا أظهر به جهله وعدم معرفته بما يُشترطُ في الشهادة على رؤيةِ الهلال. وذلك أنَّ الرسمَ كان فيه أربعة شهود، وكتب على الأول: إنه عدل وعلى الثاني: أُثني عليه، ولم يكتب على اسم الثالث والرابع شيئًا، ثم كتب عليه: أعلم بثبوته فلان.
ووجه الصواب في هذا: أن لو كُتب بأداء الشهود وعدالة الأول والثناء على الثاني، فإن كان شهد عند القاضي الوارد عليه هذا الخطاب شهود آخر تعاضدت
شهادتهم بهذا، وإلاَّ فلاَ يُعملُ عليه بمجرده، لأنَّ الهلال لا يثبت إلا بشهادة عدلين فأكثر أو بعدد يستحيل تواطؤُهم على الكذب عادةً حسبما ذكروه في ذلك، ولا يكتفي بمجرد الثاني في التزكية.
فتبين بهذا أن إعلام هذا المعلم بثبوت الرسم إعلامًا مطلقًا جهل وقلة علم بما يشترط في الشهادة على الهلال، وقد بين وجه مستنده. ولا خلاف أن القاضي إذا بين وجه مستنده، وهو خطأ، أنه يُنقض حكمه. ولو كان هذا الرسم في حق آدمي ما كان يحكم به إلا بعد الإعذار وتقرير
[ ١١٦ ]
الشهود وغير ذلك مما يشترط في الحكم حسبما هو مقرر في كتب الأحكام وأما حق الله تعالى كثبوت الأهلة فلا إعذار فيه، فلا يُعول على ما ثبت فيه إلا بشرطه.
فإذا تقرر هذا فيقال: لا يجوز الإفطارُ اعتمادًا على ذلك الرسم بمجرده، ومن أفطر وجب عليه القضاءُ، والظاهر أنه لا كفارة عليه لأنه معتمد على من قلده ممن أفتاه بذلك ولم يكن منتهكًا. ومن شرط وجوب الكفارة الانتهاك.
وأما المفتي بجواز الإفطار اعتمادًا على ذلك الرسم خاصة فلا إشكال في جرأته وجهله، لأنه يدل على عدم اطلاعه ومعرفته بما يشترط في الإعلام، وحكم ما يرد عليه، وما يُعد تزكيةً من الألفاظ المزكَّى بِها، ومراتب الشهود والشهادة، إلى غير ذلك. ولو علم هذا أو مسألةً منها واحدةً لَمَا أفتى بما أفتى. فقد ارتكب أمرًا عظيمًا قال الله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) إلى قوله: (مسؤولا). وقال تعالى: (قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا).
في هاتين الآيتين عظةٌ للمفتِي، كما قال بعض العلماءِ.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: مَنْ أُفْتِيَ بِغيرِ عِلمِ كان إثْمهُ على
[ ١١٧ ]
من أفْتَاهُ. وفي الحديث: أجْرأْكُم علَى النَّارِ أجْرَأُكُمْ عَلَى الفتْيَا.
ومحمل هذا على من لم يعتمد على مُستَنَدٍ صحيح.
وفي العتبية عن مالك ﵁ أنه قال: إذا كان من يُشار إليه يُفتي بالجهالة سرت في الناس. وقال أيضًا: إذا كان الشيءُ من أمر دينك فعليك أيضًا فيه بالثقة فلن يُنجِيَكَ أنْ تَقُولَ: سمعت، وقد كان يُقال: كفى بالمرء كذبًا.
فهذا ما حضر من الكلام على هذه المسألة، ومن خالف فيه أو في بعضه فعليه الدليل قاله ابن سراج.
عدالة المخبر برؤية الهلال
وسئل عن الصوم والإفطار بمجرد الخبر؟
[ ١١٨ ]
فأجاب: لا ينبغي لأحد أن يعتمد في صومه وفطره عمن لا تعرف عدالته فإن أفطر فلا كفارة عليه، لأنه متأول.
وأما القرية إذا لم يكن فيها قاضٍ ولا من يعتني بارتقاب الهلال فيعتمد على من أخبره من أهل العدالة أنه رآه، وإن كان واحدًا، سواء كان من أهل القرية أو غيرها أو يكتفي أيضًا بخبر الواحد العدل بحصول الرؤية على شرطها في قرية أخرى. قاله ابن سراج.
إضرام النار للإعلام بالرؤية
وسئل عن إضرام النار من قرية إلى أخرى إعلاَمًا برؤية الهلال؟
فأجاب: النار توقد علامة على رؤية الهلال حسبما ذكر، إذا كان قد حصل لأهل القرية ثقة من أهل القرية الأخرى أنهم لا يوقدون النار إلا إذا رأوا الهلال، بنوا عليه وإلا فلا. قاله ابن سراج.
[ ١١٩ ]