الهِبة بشاهد واحد
وسئل في رجل وهب ابنًا له صغيرًا موضعًا بشاهدٍ واحدٍ، وتوفي ولم يشهد غيره.
فهل تصح الهبة بالشاهد الواحد دون يمين أو توقف بخلال ما يكبر الابنُ ويحلف ما شاهده؟
فأجاب: يُسألُ الورثةُ: فإن وافقوا صحت الهبةُ للموهوب له، وإن لم يوافقوا حلفوا على نفي العلم، ووقف الموهوب بأيديهم إلى أن يبلغ الصبي، فإن حلف أخذه وإلا فلا.
نحلة الأب بنتيه في مرضه
وسئل في إنسان وقع في المرض، وتمادى مرضُه نحوًا من سبعة أشهر، وفي أثناء هذه المدة عقد النكاح على بنتين له، ونحل كلَّ بنتٍ أملاكًا من أملاكه والتزم لها شِوارًا بعدد معلوم، ثم توفي في مرضه ذلك.
فهل يصح فعلُه فيما ذكر أم لا؟
فأجاب عن المسألة: تقفُ النحلةُ على إجازة الورثة.
[ ١٥٨ ]
نحلة الأب ابنه قبل عقد نكاحه
وسئل عمن نحل ابنَه نحلةً وأشهد بها قبل عقد النكاح المنحول له بأيامٍ، هل يصحُّ ذلك أم لا؟
فأجاب: النحلةُ صحيحةٌ لازمةٌ للأب إن كان حازها الابن في صحة والده وحياته، وإن كان الأب قد مات قبل أن يحوزها فلا تصح له إلا بتسليم الورثة، لأنها تقدمت النكاح بخلاف ما هو في عقد النكاح فلا يفتقر لحوز وأما إن كان الأبُ حيًّا فيُجبر على التَّحْويز.
الحبس بشاهد واحد
وسئل في حبس بشاهد واحد؟
فأجاب: اختُلف في الحَبَس المعقب بشاهد واحد، فقيل: يحلف من يستحقه ويثبت الحبس له ولمن بعده. وقيل: يثبت له، فإن حلف من جاء بعده استحقه وإلا فلا.
والذي يترجح في مسألتنا: أن هذا الذي هو الحبس بيده يحلف مع
[ ١٥٩ ]
الشاهد الذي شهد على خطه، ويثبت له ولغيره لثبوت أصل الحبس، وصرفه فيما حبس عليه.
الحبس على مدرس العلم والحديث
وسئل عن حبس حبسَ على مقرىء العلم وقارىء الحديث، هل يجوز أن يخص مقرئ العلم نفسه بفائد الحبس ولا يعطي منه لقارىء الحديث شيئًا أم لا؟
فأجاب: لا يجوز أن يخص بالحبس أحد الصنفين إلا أن يكون في عقد الحبس دليل على ذلك.
والسلام على من يقف عليه، من محمد بن سراج، وفقها لله.
الكتب المحبسة على جامع غرناطة
وسئل عن كتب محبسة في خزانة الجامع الأعظم، فاشترط المحبس فيها ألا تُقرأَ إلا في الخزانة المذكورة، وأن لا تخرج منها، ومنها ما اشترط أن يخرج لكن بعد وضع رهن أو ثقة.
فهل يجوز أن يتعدى ما اشترط في الحبس فيأثم المتعدي بسبب ذلك أم لا؟
فأجاب: لا يجوز أن يُتعدَّى شرطُ المحبِّس، لأنه تصرف في ملك الغير بغير بإذنِهِ، لأن الانتفاعَ بالحبس على ذمة المحبس.
صرف أحباس المساجد
وسئل عن مسجد له أصول زيتون لا يُعلم هي هي محبسة على
[ ١٦٠ ]
الإمام أو للوقود؟ فاستمرت العادةُ بطول السنين أنه كان يقسم الزيت على الإمام والمسجد إلى أن منعت البادية ما كان يُعطَى للإمام من الزيت، وصرفوه في بناء المسجد وحصره ووقوده، وأن الزيت شط على ذلك كله، فهل يكون للإمام عادة كما كانت، أو يعطى منه شيئًا معلومًا؟
فأجاب: إن كان المسجدُ جرت العادةُ فيه أن يُدفعَ لإمامه شيء معلوم مما سئل عنه كان ذلك للإمام، وأما إن لم تكن عادة فَيُبَدَّأُ بالبناء ثم الحُصُر ثم الإمام.
ما يستحق الإمام من غلة أحباس المسجد
وسئل عن إمام قرية أَمَّ بها مدةً من عامين بطعام معلوم وفائدة أحباس المسجد، ومن جملة أحباسه أصول زيتون لم يكن فيها في العام الأول غلة، وجاءت في العام الثاني بغلة كاملة على العادة في غلة الزيتون أنها عام وعام. خرج هذا الإمام عن الإمامة في أكتوبر بعد تمام العامين، ودخل غيرُهُ فأراد الداخل أخذَ الغلةِ كلَّهَا. بينوا لنا لمن تكون الغلةُ منهما؟
فأجاب: إذا كانت الغلةُ في العام الذي خرج فيه الإمام من المسجد فله منها بحسب ما أمَّ فيه من شهور العام.
[ ١٦١ ]
خروج الإمام بعد دفع الأرض المحبسة على المسجد
مزارعة
وسئل عن إمام أعطى الأرضَ المحبسةَ على المسجد لشريكين مزارعةً، وزال من الإمامة في إبان الزراعة، فلما كان قبل زواله بيسير دفع للشريك الواحد حظه من الزريعة، وزرع الشريك ما كان بيده. وزال من الإمامة ومكث الحصن مدة من
شهر أو نحوه بغير إمام، فحينئذ زرع الشريك الآخَرُ ما كان بيده من تلك الأرض وجعل الزريعة من عنده. ثم إن أهل الحصن نظروا إمامًا آخر وأرادوا أن يدفعوا ذلك الذي استفيد في تلك الأرض، أعني النصف منها، وقال الإمام الأولُ: الزرع لي، لكوني أنا دفعت الأرضَ للشريك، فهل يكون الزرع للإمام الأولِ - ما دفع حظه من الزريعة وما زرعه الشريك من عنده - أو يكون له الزرع الذي دفع حظه من الزريعة دون غيره؟
فأجاب: للإمام الخارج من الإمامة حظُّه من الزرع الذي أعطى زريعته ويغرم كراء الأرض، ولا شيء له من الزرع الذي لم يدفع زريعته.
زرع الإمام الأرضَ المحبسة على المسجد
وسئل عن رجل كان إمامَ موضعٍ، وكان للمسجد الذي يؤمُّ فيه أرضٌ محبسة عليه، فزرع الأرضَ على حسب العادةِ في ذلك، ثم إنَّ أهلَ الموضِع أخرجوه وأخروه عن الإمامة، والزرعُ لم يتم بل بقي لزمان حصاده مدة، ثم إنه دخل إمامُ آخر عوضه، فأراد الإمامُ الثاني أن يتبع الأولَ بكراء الأرض المزدرعة من يوم خرج إلى يوم الحصاد وقلع الكتان، فقيل له: لا يجب لك شيء، لأن الإمامَ أخرجَ وهو كارهٌ فكأنهم غصبوه.
فأجاب: يجب على الإمام الذي زال أن يؤديَ كراءَ ما بقيَ من شهوره العامِ بنسب ما بقي من شهورِ السنةِ، ويقض عليه ما ينوبه من كراء الأرض في العام كله إذا وزع عن شهور العام.
[ ١٦٢ ]
المعاملة في فرن محبس على مسجد
وسئل عن فرنٍ حُبس على مسجدٍ اتفق إمامُه والفرّانُ على حظ معلوم منه بالأيام.
هل يجوز هذا الاتفاقُ على هذا الوجه أم لا؟
فأجاب: المعاملة في الفرن على الأيام جائزة كما ذكر في السؤال، ومانع ذلك جاهل. قاله ابن سراج.
ما يناله الإمامُ من الفرن المحبس على المسجد
وسئل في قريةٍ لها فرنَان، أحدها للجانب والآخر للمسجد، ولكل فرن جهة معلومة من ديار القرية، ربما طبخ بعض أناس من الجهتين بفرن الجهة الأخرى لقصد أو عارض يعرض له، فانتقل من جهة فرن الجانب قوم لفرن الأحباس، فقال بعض الناس: لا يجوز للإمام ذلك، وأخذه لذلك الدقيق الذي يتألف، قادح فيه، فبينوا لنا وجه الصواب في القضية؟
فأجاب: ليس على الإمام جناح في ذلك ولا على غيره، وهو حلال، ومن ادعى تحريمه فهو جاهل متقول على الشرع، يجب عليه التوبةُ من كلامه.
الرجوع في التحبيس
وسئل عن رجل كانت له أملاكٌ وكان بعض جيرانه يضرُّ بِهِ،
[ ١٦٣ ]
فجاء يومًا ووجده قد قُطع له فيها أشجار، فلحقه من ذلك غيظ شديد، فخاف على نفسه وقوعَ الشر بينه وبين جيرانه فحبسها دفعًا للشر لا تقربًا إلىالله تعالى، ثم أراد الرجوع في ذلك متعذرًا بكونه حبسها على غير وجه التحبيس ولكونها ليس فيها للمسجد منفعة بسبب كثرة الماء فيها وعدم من يحفر بلاطها، فهل له رجوع لهذا العذر أم لا؟
فأجاب: التحبيس لازم إلا ن يثبت أنه لم يقصده، وأما إن جهل أمرُه فهو لازم لا رجوع له فيه.
صرف أحباس المساجد المعطلة في مساجد أخرى
وسئل عن أحباسٍ مكتراةٍ من قَبْل استيلاء العدوِّ على الحصن، فتعطلت عمارتها ولم تتم مدة الكراء، فهل يلزمهم الكراء لبقاء مدته أم يُحط عنهم ذلك؟ إذ لا يمكن
تعميرها.
فأجاب: بأن الأحباس التي حبست على المساجد التي استولت الكفارُ على مواضعها فإنها تُصرف على مساجد المسلمين.
بيع الأنقاض التي بأرض الحبس
وسئل عن أرض محبسة اغترس فيها وبنى، فلما بلغ حد الانتفاع أراد الباني أو الغارس أو ورثته بيع ما غرس وبنى خاصة، إذ الأرض محبسة، فهل تجوز هذه المسألةُ مطلقًا أو يشترط البائعُ القلعَ والهدمَ، والضمائرُ منعقدةٌ على التبقيةِ أو العادة التبقية؟
فأجاب: بيع الأنقاض المبنية في الأرضِ المحبسةِ من غير شرط القلعِ والهدمِ، فيهِ خلافٌ، منعه جماعة من أهل المذهب، وأجازه جماعةٌ أخرى، والصحيح جوازه إذا جرت العادةُ بإبقائها.
[ ١٦٤ ]
بيع حبس لا منفعة فيه
وسئل عن شَعْرَاء بأحواز قرية قرطبة من عمل قمارش حبست على المسجد بالقرية المذكورة منذ أزيد من مائة عام، وإن المسجد المذكور لم ينتفع بها منذ حبست عليه إلى الآن، وأهل القرية يريدون بيعها ووضع ثمنها في بناء المسجد وبلغ ثمنها سبعة دنانير فضية عشرية. فهل يجوز لهم بيعها أم لا؟
فأجاب: إذا ثبت ما ذكر جاز بيع الشعراء وجعل ثمنها في مصالح المسجد المذكور.
الانتفاع بأَنقاض المسجد المهدم
وسئل عن قرية بأرض قمارش تعرف بالزاوية، وكانت قرية ضعيفة، فهلكت فأحاط بميراث مسجدها قرية أخرى تعرف بالزنج، فهلكت قرية الزنج فأحاط
بميراث مسجدها قرية أقوطة، فبقي مسجد قرية الزنج من غير بناء فخفنا عليه من فساد عدته، مثل القرمد والخشب والدفاف. فهل يجوز أن يؤخذ ما بقي منه أو يصلح - إن كان معه سبب لذلك؟ فنريد من كمال فضلكم أن تبينوا لنا حكم هذه المسألة المباركة.
فأجاب: المسجد الخرب الذي لا يُصلَّى فيه لبناء من يجاوره يؤخذ نقضه ويبنى به مسجد آخر.
متى يجوز هدم المسجد
وسئل عن مسجد قرية خلت من السكان حتى لم يبق فيها
[ ١٦٥ ]
للسكنى إلا داران، غير أن المسجد والقرية في وسط العمران، وعلى طريق تُسلك على الدوام، فقلما يخلو المسجد ممن يصلي فيه، وله حبس أُضيف إلى حبس مسجد القرية القريبة منه، التي هي عامرة وصار ينتفع به، ومسجد القرية هو جيد البناء، إلا أن بعضه يحتاج للإِصلاح وفيه عدة جيدة، فهل يجوز هدمه واستخلاص أنقاضه وآلته يبنى بذلك مسجد القرية العامرة لكون بعض أهل الموضع يرومون ذلك خوفًا أن يبقى المسجد الذي بالقرية الخالية على ما هو عليه فتهدم آلته أم يؤخذ من فائد أحباسه، التي أضيفت لمسجد القرية العامرة، ما يصلح به بناؤه ويرم ويبقى مسجدًا كما كان؟ على أن القرية الخالية لم يبق فيها أحد يسكن، وهي منذ عشرين عامًا خالية، وإنما بقي من الدارين اللتين بقيتا فيها بعض بنائهما بغير سكنى.
فأجاب: الجواب، وبالله التوفيق، أنه إن كان المسجد المشار إليه في السؤال أعلاه، يخاف من اجتماع أهل الشر والفساد فيه، فيهدم ويستعان بنقضه في مسجد آخر، وإن كان لا يخاف من ذلك فيه، فيبنى ما تهدم منه من أوقافه التي نقلت لغيره من المساجد.
[ ١٦٦ ]
البيع والمبادلة
البيع بثمن منجم مع شرط فاسد
وسئل عن رجل باع ملكًا له من آخر بثمن منجم، وشرط عليه البائعُ في عقد الابتياع أن الثمنَ يبقى لأنجمه المذكورة سواء عاش المشتري أو مات ودفع له الأنجم وأحال في باقيها، ثم قيل له بعد ذلك: إنَّ الصفقةَ لا تجوز بسبب الشرط المذكور، فبقي في نفسه من ذلك شيء إلى أن اجتمع مع المشتري، فقال له: المشتري: إذ هي فاسدة. فإنا نشهد بفسخها ونعقد بعد ذلك عقدة أُخرَى صحيحة، فطاوعه البائعُ على ذلك، وأشهدا بالتفاسخ، فلما انعقد الفسخ بينهما هرب منه، ولم يقدر بعد على ضمه لتجديد العقد، وهو الآن يطلب البائع بما دفع إليه من الثمن، والمحال الذي أحاله البائع على المشتري يقول الآن للبائع: حين أحلتني في بقية الثمن خرجت أنت عن العقدة فبأي وجه حللتها وفسختها ولم يبق لك فيها طلب؟ والبائع المذكور لم يفسخ العقدة إلا ظانًا أنها مفسوخة، فلكم الفضل في بيان الحكم في النازلة بيانًا شافيًا.
فأجاب: تصفحت السؤال المكتوب أعلاه، والجواب أنَّ العقدة أولًا، الظاهر فيها أن البيع صحيح والشرط فاسد، ولا يقال بفساد البيع لأن بعض العلماء خارج المذهب يرى أن الدين لا يحل بموت من هو عليه، وابن القصَّارِ يرى أنه إن التزم الورثة أداءَ الدين عند أجله وكانوا أملياء، أنْ يحكم على صاحب الدين بذلك، وإنما رأى مالك رضيالله عنه أن يحل
[ ١٦٧ ]
الدين بموت من هو عليه، لأنَّ الميتَ تخرب ذمته بموته، فيؤدي إلى خسارة صاحب الدين، فلذلك حكم بحلوله، لا أنه يثبت فيه سُنةٌ تمتنعُ مخالفتُها.
فإذا كان الأمر هكذا فيكون البيعُ صحيحًا، والشرط فاسدًا، وأما ما وقع بينهما بعد ذلك من الفسخ فإن ثبتَ ما ذكر في السؤال من أن الفسخ لم يكن إلا في ظاهر الأمر دون الباطن فلا يلزم الفسخ، وإلا فيلزم فيه.
والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج.
بيع ورق التوت
وسئل عن بيع ورق التوت تحريًا دون وزن، يكون بعضها بقرية وبعضها بقرية أخرى؟ وهل يجوز التفاضلُ فيها؟ وهل تجوز المعاوضة بالعصير تحريًا إذا بدا صلاحهُ أو يشتري هذا وهذا وتقع المقاصَّةُ في هذا الثمن؟ وهل يجوز بيعه حِصْرمًا إذا كان غير طيب.
فأجاب: يجوز بيع ورق التوت بعضها ببعض تحربًا إذا كان البائع والمشتري عارفين بالتحري، أو قدَّمَا عَارِفًا يركنان لقوله، ويجوز التفاضلُ فيهما وأن يكون بعضها بقرية وبعضها بقرية أخرى، ولا تجوز المعاوضة بالعصير لعدم التناجز، ولا يتقاص، ولا أن يأخذ عصيرًا في ثمن عصير آخر، ويجوز بيع العنب حِصْرمًا إذا كان يقطع حصرمًا، وقد كان بلغ أَنْ ينتفع به فيما ينتفع بالحصرم.
[ ١٦٨ ]
بيع القصيل بالطعام
وسئل عن بيع القصيل بالطعام؟
فأجاب: بيع القصيل بالطعام جائز باتفاق، نقدًا أو إلى أجل ويبادر لاتصال القصيل ولا يتركه حتى يتحبب، وإن تركه حتى تحبب فُسخ البيع على المنصوص لابن القاسم.
دفع سلعة عوضًا عن سلعة أخرى في الذمة
وسئل عمن وجب عليه حرير، هل يدفع قمحًا أو كتانًا أو غيره من السلع؟
فأجاب: له أن يأخذ عن الدين ما ذكر في السؤال إذا تعجله، إلا أن يكون هذا المأخوذ صنف الدين الذي دفع في الحرير وأخذ أقل أو أكثر فلا يجوز.
من أسلَمَ طعامًا في عروض
وسئل فيمن أسلم لآخر قمحًا في حرير، فلما حان أمَدُهُ أرادَ الغريمُ أنْ يعطيَهُ قيمةَ الحريرِ دراهمَ فهل يجوز ذلك؟
فأجاب: ذلك جائز بشرط التعجيل لئلا يكون فسخَ دينٍ في دين.
[ ١٦٩ ]
مبادلة الطَّعَامِ وزنًا
وسئل عن المبادلة في الطعام يَجعلُ هذا طعَامَهُ في كفةٍ والآخر في الكفة الأخرى؟.
فأجاب: لا تجوزُ المبادلةُ بأن يجعل الملحُ في كفةٍ والشعيرُ في كفةٍ، وكذلك ما أشبه هذا، لأنه كالزنة بحجر مجهول، فلا يجوز لأنه غرر، إلا أن يُعرفَ مقدارُ وزنِ أحدِهِمَا بما يوزن به الآخر فيجوز، لأنه يصير معلومًا، وقد نصَّ على المنعِ فيما ذكر المنع فيه عبدُ الملك بن حبيب.
وسئل عن إمام يجتمع له في فرنِ الأحباسِ دقيقٌ مختلطٌ من الذرة والقمح والشعير والسلت.
هل يجوز له المبادلةُ بالذرة مثلًا أو القمح حبوبًا فيجعل الحبوب في كفةٍ والدقيق في الكفة الأخرى؟
فأجاب: لا تجوز المبادلةُ على الوجه المذكور المسؤول عنه، إلا أن يكون بغير ما اختلط به مثل أن يختلط دقيق قمحِ ودقيقُ شعيرٍ، فيبدله بدقيق ذرة بالميزان بالصنجة لا في كفتين، لأن دقيقَ الذرة صنف آخر ودقيق الشعير والقمح صنف واحد، وأما بيعه بالدراهم فيجوز.
سلف الدقيق وزنًا
وسئل عن سلف الدقيق بالوزن حسبما جرت به العادةُ،
[ ١٧٠ ]
وذلك أنَّ بعضَ أهلِ الزمانِ منعه، ورأى أنه لا يجوز إلا كيلًا، لأنه المعروفَ في الدقيق عند الفقهاء
الأقدمين؟.
فأجاب: روى النسائي وغيرُه عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: المِكْيَالُ عَلى مِكْيَالِ أهْلِ المَدِينَةِ، والوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ فاتفقَ العلماءُ، إلاَّ مَنْ شذَّ منهم ممن لا يُعتدُّ به في المسألة، على أنه يرجع لهذا الحديث في نصب الزكاة، فالمعتبر في الدنانير والدراهم العدد والأواقي المعتبرة في الشرع، وَتُرَدُّ دَرَاهِمُنَا ودنانيرنا إليها، وتعتبر سكتنا بالنسبة إليها، وكانت سكة الذهب والفضة معروفة بمكة قبل الإسلام، فأقرَّهَا النبي ﵇ على ما كانت عليه في الجاهلية وقَدَّرَ بها النصابَ، وكذلك المعتبر في الحبوب من التمر والقمح والشعير والقطاني، وغير ذلك الكيل، فيكون على مقدار النصاب المشروع بمكيال أهل المدينة، ويعتبر في كيل كل بلدٍ نسبته في النصاب بالمقدار المحدود شرعًا إلى مكيالِ أهلِ المدينة، ولا يعتد بما جرت به العادةُ إن كانت مخالفةً لعادةِ الشرع بالوزن، فيما كان المعروف فيه في الشرع الكيل وبالعكس، وكذلك الكفارات على تفصيل فيها، وكذلك فدية الأَذَى.
[ ١٧١ ]
وأما في البيوع والسَّلَمِ والمعاملات فتُعْتَبَرُ العوائدُ وما جرى به عرفُ كل موضعٍ من كيلٍ أو وزن، ولا أعلمُ في ذلك خلافًا، فالتمر مثلًا كان المعروف فيها بالشرع الكيل، وعندنا المعروف فيها الوزن فلا يجوز عندنا التعامل فيها بالكيل، لأنه مجهول فيقع في الغرر، وقد نهى النبيصلى الله عليه وسلم عن بيعِ الغرر فيخص بهذا النهي قولهصلى الله عليه وسلم: المِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المَدِينَةِ الحديث المتقدم.
وأما المبادلةُ فيما تطلب فيه المساواةُ شرعًا فهل يُعتبر فيهَا ما هو معتادٌ في موضع التعامل كالبيوع، وإن خالفَ عادة الشرع، أو لا يُعتبر إلا ما اعتبر فيه في الشرع من كيل أو غيره؟
اختُلِفَ في ذلك على قولين:
أحدهما: أنه اعتبر ما جرت به العادةُ في موضع التعامل، وهذا قول ابن القصَّار، فأجاز مبادلة القمح بالقمح وزنًا، وأجاز مبادلة القمح بدقيقه وزنًا، وقيد إحدى الروايتَيْنِ عن مالك بالمنع من مبادلة القمح بالدقيق إلاَّ إذا كانت بالكيل، ورأى أنها إذا كانت بالميزان جازت كما قال في الرواية الأخرى.
والقول الثاني: أنه يُعتبر فيها ما قرر في الشرع في ذلك الشيء من كيل أو وزن، وهذا قول الباجي ومال إليه بعده جماعة من المتأخرين كابن
[ ١٧٢ ]
شاس وابن الحاجب وغيرهما.
فوجه القولِ الأولِ أنَّ المقصودَ المساواةُ وقد حصلت.
والمعتبر فيهما ما يعلم به ذلك عادة كالبيوع، ويُخَصُّ الحديث المتقدم وهو قولهصلى الله عليه وسلم: المِكْيَالُ علَى مِكْيَالِ أهْلِ المَدِينَةِ والوزْنُ وَزْنُ أهْلِ مَكَّةَ بالزكاة والكفارات.
ووجه القول الآخر: أنَّ المعتبر ما عرفَ في الشرع، فيه يتحقق التساوي، لأن الشارع لما أمر بالمُمَاثَلَةِ اعتبر فيها ما كانت تحصل به في زمانه، ويعضده بالحديث المتقدم ويعمه في الزكاة والمبادلة، بخلاف المعاملة فإنه يخصه بحديث النهي عن بيع الغرر، ومنع في كتاب الصرف من المدونة بيع القمح وزنًا فيحتمل أن يكونَ وجهُ المنع ما تقدم فيكون مذهب اعتبار العادة عندهم فيه الكيل فمخالفتها توقع في الغرر، وعبارات الفقهاء في الموطإ وغيره تقتضي أنَّ التعاملَ في الدقيق بالكيل، والمعروف فيه عندنا بالعادة الوزن لا الكيل.
فإذا تقرر هذا فنقول: السلف يشبه المبادلةَ في طلب التساوي ابتداءً، فلا يجوز التفاضُلُ فيه بالشرط ويشبه المبايعةَ في كونه متعلقًا بالذمة، والذي يترجح، والله أعلم، أنْ يُعتبر فيه بابُ المبايعة، لأنه يتعلق بالذمة، فيعتبر فيه ما يعلم به المقدارَ عادةً لِيُعلم ما يرد ويرتفع به الغرر، لأنه إذا انتقلَ فيه إلى
[ ١٧٣ ]
مكيالٍ لم يعتبر في
العرف وقع في الجهل والغرر، لأن بعضَ القمح أخفُّ وزنًا من غيره، بخلاف المبادلة فإنها في معين.
ووجه آخر وهو أنْ يُقال: القرض بُني فيه على المسامحة في القضاء، فيجوز اقتضاء أقلَّ مع الرضى باتفاق واقتضاء أكثر من غير شرط على اختلاف، والمبادلة لا يجوز فيها شيءٌ من المسامحة بالزيادة أو النقصان، وإن كان مع الرضى، باتفاق.
فيدل هذا على افتراق البابين، وأن القرض يُسمح فيه ما لا يُسمح في المبادلة، فقد بُني فيه على ما يحصل به التماثل بالعادة ولا يلزم ما اعترف به الشرع ويضيق فيه كما ضُيِّقَ في باب المبادلةِ، ولأن القرضَ أصلُه المنعُ لأنه مبادلة بالتأخير، ولكن سمح فيه لما فيه من الرفق فهو مبني على التخفيف.
ووجه آخر: أن التفاضُلَ في مبادلة العرض بالعرض جائزةٌ، وفي القرض يمنع باتفاق مع الشرط، لكونه سلفًا جرَّ منفعةً، فدلَّ على أنَّ عِلَّةَ المنعِ في البابين ليست واحدة وأنها في المبادلة التفاضلُ وفي السلف الوقوعُ في سلفٍ جرَّ منفعةً، وإذا افترقت علةُ المنعِ لم يُقَسْ أحدُ البابين على الآخر، وهذا كله على طريقة الباجي.
وأما على طريقة ابن القصار فيجوز بلا إشكالٍ، لأنه إذا أجازه في المبادلة فمن باب أولَى أنْ يجيزَهُ في السَلفَ.
[ ١٧٤ ]
فعلى هذا يترجح في المسألة المسؤول عنها أن يكون في الدقيق عندنا بالميزان.
والسلام عل من يقف عليه من ابن سراج وفقه الله.
وسئل هل يجوز سلف الدقيق من الجيران بالوزن أم لا؟ فإن بعض الناس منعه ورأى أنه ربا، وهل يجوز سلف الخبز بالشخص واحدة بواحدة أو بالعدد إن كان أكثر على أن تكون خبزة في مقابلة خبزة، أو تكون اثنتان باثنتين أو ثلاث بثلاث؟
فأجاب: سلف الدقيق بالوزن جائز، لا أعلم فيه خلافًا، والقول بأنه ربا خطأ،
وسلف الخبز تحريًا بأن يقدر ما في الخبزة من مقدار الدقيق، فإذا رد المتسلف خبزة نظر، فإن قدر أنها مثلها فلا إشكال، وإن كانت أقل ورضيَ المسلف بذلك فهوجائز، وإن لم يرض فلا يلزمه ذلك، وله طلب ما نقص، وأمَّا إن كانت أكثر ورضي المتسلف بدفع الزائد فيجوز على قول عيسىبن دينار مطلقًا، وعلى قول أشهب إن كانت الزيادة يسيرة، وأما على قول ابن القاسم فيظهر أن يمنع، لأنه يمنع الزيادة في السلف من غير شرط، ويحتمل أن يقال بالجواز في هذه المسألة على
[ ١٧٥ ]
مذهبه لِيَسَارَةِ الزيادة، ولقصد المعروف بين الجيران، والتساوي فيها من كل وجه قد يصعب، والذي يترجح عندي في هذه المسألة خصوصًا الجواز لما ذكرته.
رد ابن سراج على تعقيب القربَاقي على هذه الفتوى
لم يبينّ هذا المعترض وجهًا للاعتراض، ولا أبدى مانعًا في الفقه، ولا نقل قول إمام يعارض به، فقلت وبالله التوفيق:
سلف الدقيق بالميزان جائز، لا أعرف أحدًا ممن يقتدى به منعه، وذلك أنه يطلب في السلف معرفة المقدار المسلف ليعلم قدر ما يؤخذ، وقد حصل بالوزن، وبه أيضًا يعرف التساوي، وقد أجاز ابن القصار رحمهالله مبادلة الحنطة بدقيقها وزنًا، وفسّر به قول مالك، وكذلك أجاز مبادلة القمح بالقمح وزنًا لأن المقصود المساواة، وقد حصلت، وعلى هذا يكون قول ابن القصار نصًا في مسألتنا، لأنه إذا أجاز ذلك في المبادلة كانت إجازته في السلف أولى وأحرى، ولا أعلم لهذا المانع وجهًا، فإن كان استند إلى القول بالمنع من مبادلة القمح بالقمح وزنًا فلا دليل له، لأن باب المبادلة أشد، لأنه يمنع فيه التفاضل في الصنف الواحد الربوي، وإن كان التفاضل يسيرًا جدًا، ولذلك منعت الزيادة اليسيرة في المراطلة، وإن كانت حبةً بإجماع لحصول الربا بذلك، وباب السلف أخف لما فيه من الرفق
[ ١٧٦ ]
والمعروف بين الناس، لا سيما الدقيق بين الجيران، ولأن قضاءً أقل إذا رضيه المسلف جائز باتفاق، وقضاء أكثر من غير شرط، إذا رضي المتسلّف، جائز مطلقًا على قول ابن حبيب وعيسىبن دينار، ويجوز عند أشهب إن كانت الزيادة يسيرة، ووجه الجواز مطلقًا قولهصلى الله عليه وسلم: خَيَارُكُمْ أحْسَنَكُمْ قضاءً، فحمله على إطلاقه في زيادة الصفة، وروى البزَّار عن ابن عباس رضيالله عنه أن رسولاللهصلى الله عليه وسلم: اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ أرْبعينَ صَاعًا فَرَدَّ إلَيْهِ ثمانين: أَرْبَعِينَ عَنْ سَلَفِهِ، وأَرْبَعِينَ فَضْلًا.
فقد تبينّ من هذا أن باب المبادلة لا يُسْمَح فيه بِشَيْءٍ من التفاضل اختيارًا بخلاف القرض، ولا يقاس فرع على أصل إلا بشرط اتفاقهما في العلّة، ومهما حصل فرق لم يصح القياس.
ووجه آخر: وهو أن العلة في منع الزيادة في المبادلة التفاضل، وفي السلف عند من منع ردّ الأكثر الوقوع في سلف جرّ منفعة، وهو ممنوع لا للتفاضل بدليل أنه منع ذلك في سلف العروض وهي لا يدخلها الربا، وقد أجاز اقتضاء أقل في الطعام وغيره، والطعام يدخله الربا، وإذا اختلفت العلة لم تقس إحدى المسألتين على الأخرى.
ووجه آخر: وهو أنه من باع طعامًا بثمن لم يجز أن يَقتضيَ بعد المفارقة من ذلك الثمن طعامًا من جنس الطعام المبيع أجود أو أكثر باتفاق، وقد نصّ في المدونة أنه من أسلف آخر مائة درهم تنقص نصفًا أنه يجوز أن يقتضي منها مائة وازنة.
[ ١٧٧ ]
ووجه آخر: أن المبادلة في الربويات لا يجوز فيها التأخير، والقرض مبادلة بالتأخير، لكن جاز لما فيه من الرفق.
فهذه الأمور تدل على افتراق حكم البابين، وأنه يسمح في باب القرض ما لا يسمح فيه في باب المبادلة، فلا يلزم على هذا القائل باعتبار المعيار الشرعي في المبادلة
أن يقوله في القرض، فينبغي الجواز في مسألتنا، لأن معرفة المساواة تحصل بالميزان، وهو المعروف عندنا في الدقيق، على أنه لا يجوز عندنا بيعه إلا به، لأن المبايعة إنما تكون بالمعيار المعروف، وإن خالفت العادة عادة الشرع، كالتمر مثلًا لايجوز بيعه عندنا بالكيل، وإن كان ذلك هو المعروف في عادة الشرع له لما يقع في الغرر المنهي عنه، ويعتضد في مسألتنا بما تقدم عن ابن القصار.
إذا تقرر هذا فيقال: قد جرى العرف عند الناس والجيران في سلف الدقيق بالميزان، وهو يحصل به التساوي المطلوب في السلف، ولا يعرفون فيه الكيل، وله وجه صحيح، فلا يمنعون منه، لأن الناس إذا جرى عملهم على شيء له وجه صحيح يستند إليه لا ينبغي أن يحمل الناس على قول إمام، ويلزمون ذلك، إن كانوا مستندين في عملهم لقول إمام معتمد، أمّا إن كان المانع لا مستند له إلا مجرد نظره من غير نص ولا مشاورة فمنعه خطأ، فقد نصّ العلماء على أن من شرط تغيير المنكر أن يحقق كونه منكرًا، وإلا فلا يجوز، ومن شرطه أيضًا أن يكون متفقًا عليه عند العلماء.
فحسب هذا الرجل إن كان ظهر له المنع أن يمتنع منه في خاصة نفسه، ويتورع في ذاته، ولا يحمل الناس عليه ويدخل عليهم شغبًا في
[ ١٧٨ ]
أنفسهم وحيرة في دينهم لمجرد نظره من غير استناد لمن يعتمد عليه من العلماء، فهذا ما يتعلق بالمسألة من الفقه.
وأما جواب هذا الإنسان، الذي أتى بسجع كسجع الكهان، فهو أن يقال: ثَبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بِغرّة: عبدٍ أو وليدةٍ، فقال المقضي عليه: كيف أغرم ما لا شرب ولا أكَلَ، ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذلك بطل؟! وفي رواية أخرى: يُطَلُّ، فقال رسول الله ﷺ: إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ، قال الراوي: من أجل سجعه
الذي يسجع، وَوَجْهُ إنكاره ﷺ أنه أتى بالاسجاع ليستميل بها القلوب لغير الحق لأجل الفصاحة، وروى أبو داوود أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ تَعلَّمَ صَرْفَ الكَلاَم لِيَسْبِي بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالٍ والنِّسَاءِ لَمْ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا وروى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إلَيَّ وَأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامة أَحاسِنَكُمْ أخْلاقًا. وإنَّ أبغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُون والمُتَشَدِّقُون والْمُتَفَيْهقُونَ. قالوا: يا رَسُول الله: قَدْ عَلمْنا الثرِّثَّارِينَ والْمُتَشَّدَّقِين فَمَا الْمُتَفَيْهُقُون؟ قال: الْمُتَكَبِّرُونَ قال الترمذي: الثرثار هو كثير الكلام، والمتشدق الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبدو عليهم.
[ ١٧٩ ]
ففي هذا وأشباهه عظة لهذا الرجل، فإن الذي كان ينبغي له ويليق به أن يبين وجه الصواب ممّا قال، ويستدل على صحة ما ادّعاه، وأمّا ما أتى به من الأسجاع الرديئة فإن كان لم يرها قبيحة في حق نفسه فإنها قبيحة، وعدم صدق الطريقة التي انتسب إليها، فإن من أقامهالله مقام الاقتداء، وانتسب للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وجعل في رتبة الإمامة، وحلّ محلّ من تُرجى شفاعته يوم القيامة، فيجب عليه أن يتأدّب بأدب الشرع ويَقتدي بأهله. ولا يضع الشيء في غير محله، فقد قال النبي ﷺ: أنْزلُوَا الناس مَنَازِلَهُمْ وروي أن مالكًا ﵁ كانت أمه ترسله وهو صغير إلى حلقة ربيعة وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل أن تتعلّم من علمه، وروي عن ربيعة أنه قال: لا تعلموا العلم سفهاءكم فيصرفوا أخلاقهم فيه.
فمن أقامه الله تعالى في تعليم العلم وبثّه للناس والفتيا به واسطة بين الربّ وعباده، فيجب عليه أن يشكر مولاه على ما أقامه فيه، ويسأل من ربِّه التوفيق والتسديد، ويفكّر في جوابه إذا وقف عند ربّه ويسأله عن كل مسألة أفتى فيها وفيما يكون
خلاصه.
والبحث عن المسائل من أحسن العمل إذا صحّت النية، وكان على
[ ١٨٠ ]
طريقة الناس والعلماء، فإن تبينّ الحق وجب الرجوع إليه، وإن وقع اختلاف ولكل واحد من الناظرين وجه صحيح ارتفعت المسألة خلافية، كما كانت العلماء العاملون.
والبحث في المسائل الفقهية وإجراؤها على الأصولِ الصحيحة مع صحّة النيّة من أفضل العبادات وأقرب القربات وأعظم الوسائل إلى الله، فإن اتّعظ هذا الإنسان وانتهى عن حاله وشاور فيما يشكل عليه وبحث وناظر على طريقة الطلبة والعلماء فحسن، وإن عاد لحاله رفعت أمره وبينت حاله في هذا وفيما صَدَرَ منه قبل عند من يجب، فقد قيل: إنالله يَزَعُ بالسلطان ما لاَ يَزَعُه بالقرآن.
والله يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه بمنه وفضله، ولله در القائل: اصبر على كل الأذى تحمد، سوى أذى له تعلق بالدين، والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج ورحمة الله وبركاته.
تراجع في إقاله
وسئل عن رجل اشترى دارًا من رجل آخر دفع له من الثمن أربعين دينارًا وبقي منه أمر يسير، ثم مات المشتري وبقي ورثته، فقالوا للبائع: أَقِلْنَا في الدار المذكورة، ورد لنا الثمنَ في آخر السنة، فقال لهم: نعم على شرط أنْ تصبروا عليَّ في الذي صار قِبَلِي من الثمن للعَاقد.
[ ١٨١ ]
فتشاهدوا على ذلك، فلما حان الأمدُ الذي خرجوا عليه طالبوه بالثمن، فقال لهم: قد بدا لي في تلك الإقالة ولا أريد إلا بقية الثمن، وهو إذ ذاك يعمر الدار، وما زال منها؟
فأجاب: إذا ثبتت الإقالةُ فلا مقال له بعد ذلك، وهي لازمة له.
قاله ابن سراج وفقه الله تعالى.
[ ١٨٢ ]