لأشهب بن عبد العزيز المصري
رواية أبي سعيد سحنون بن سعيد
لمحمد بن أحمد بن تميم
باب ما يجوز للمحرم قتله
٩٩ - قال سحنون: قلت لأشهب: ما الذي يجوز للمحرم قتله من الدواب في إحرامه؟
فقال لي: اجتمع أمر المسلمين على أنه لا يجوز له إلا قتل ستة من الدواب حتى يحل: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب
[ ١١٣ ]
العقور والحية وما سوى ذلك من الدواب، الطير وغيرها.
فلا يجوز له قتلها [..] هذه الأشياء التي حل قتلها أو أشد. فأما الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور فمضت بها السنة عن رسول الله ﷺ أنه ليس على المحرم في قتلها جناح.
١٠٠ - أخبرني مالك بن أنس والليث بن سعد أن نافعًا حدثهما عن
[ ١١٤ ]
ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور».
١٠١ - وأخبرني مالك بن أنس أن عبد الله بن دينار حدثه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة».
١٠٢ - وأخبرني سفيان بن عيينة أن ابن شهاب حدثه عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب يقتلهن المحرم وفي الحرم: الفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والعقرب.
١٠٣ - وأخبرني مالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور».
[ ١١٥ ]
١٠٤ - وأخبرني ابن الدراوردي، ويحيى بن أيوب، أن هشام بن عروة حدثهما، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور».
١٠٥ - قال أشهب: فأما الحية، فقد مضت فيها السنة عن عمر بن الخطاب وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وتابعيهم.
أنه ليس على المحرم في قتلها جناح، ليس بين أحد من أهل العلم في ذلك اختلاف.
١٠٦ - أخبرني الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، أن ابن شهاب حدثهما، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب، سئل عن الحية أيقتلها المحرم؟
[ ١١٦ ]
فقال: هي عدو، فاقتلوهن حيث ثقفتموهن.
١٠٧ - قال لي الليث: وقال لي نافع: الحية [نتانها] بين لا ينفي أحد قتلها.
١٠٨ - قال لي سفيان بن عيينة، وحدثني سارق عن طارق، أنه قال: «أصبنا حيات بالرمل، ونحن محرمون، فقدمنا على عمر بن الخطاب، فسألناه عن ذلك؟ فقال: اقتلوهن فإنهنّ عدو»
١٠٩ - وأخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب حدثه، أن عمر بن الخطاب «أمر بقتل الحيات في الحرم»
١١٠ - وأخبرني القاسم بن عبد الله، أن محمد بن المنكدر حدثه، عن جابر بن عبد الله، أنه قال: «أحل للمحرم قتل الحية».
١١١ - وأخبرني سليمان بن بلال أنه قال: إني لأقود دابة عائشة زوج النبي، إذ جاء رجل من أهل الشام فناداها: يا أم المؤمنين، ما يحل لنا من قتل الدواب في الحرم؟ فقالت له عائشة: «اقتل الحية، والعقرب، والكلب العقور، والغراب، والفأرة».
١١٢ - قال أشهب: ومع هذا، إن ابن الدراوردي، ويحيى بن أيوب، وحاتم بن إسماعيل، حدثوني أن عبد الرحمن بن حرملة، حدثهم أنه
[ ١١٧ ]
سمع سعيد بن المسيب يقول: قال رسول الله ﷺ قال: «خمس يقتلهنّ المحرم: العقرب والحية والذئب والغراب والكلب».
١١٣ - وأخبرني ابن لهيعة، عن ابن أبي حسين، عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: «الحية تقتل في الحرم».
١١٤ - وأخبرني ابن لهيعة، عن أبي الزهر، أنه قال: سألت جابرًا: ماذا أُحل قتله من الدواب بمكة؟
قال: «الحية، والعقرب، والفأرة».
١١٥ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أنه سمع زيد بن أسلم سئل، أيقتل المحرم الحية وهل الكلب أعقر من الحية، إن العقور: كل ما يعقر.
١١٦ - قلت لأشهب: أيقتل في الحرم كل [..] / المحرم؟
فقال لي: المحرم، والحرم، في ذلك سواء. فللمحرم أن يقتل في إحرامه وفي الحرم، الحية، والعقرب، والفأرة، الصغير من ذلك والكبير في ذلك سواء، ما بلغ أربعين، وما لم يبلغ، عرض أو لم يعرض، حتى يبتديه […].
ولا أحب له أن يقتل في إحرامه، ولا في الحرم الغراب، ولا الحدأة، ولا صغار السباع إلا أن يضر به الغراب، أو الحدأة في الحرم، ولا في إحرامه، ويؤديه من بعيره، أو طعامه، أو غير ذلك، وإنما فرق بين
[ ١١٨ ]
الحية والعقرب والفأرة، وبين الغراب والحدأة وصغار السباع، أن الحية والعقرب والفأرة، ليسوا بصيد، وأن الطير كلها، والسباع كلها صيد.
وقد نهى الله ﵎ عن قتل الصيد، ثم أرخص رسول الله ﷺ فيما أرخص فيه منها، لإضرارها بالمحرم وبالحلال في الحرم، فرأينا لذلك ألا يقتل المحرم شيئًا منها إلا أن يضر به، ولا يقتل منها شيء في الحرم، إلا أن يضر أو يخاف.
١١٧ - وقد سألت مالكًا فقلت له: أرأيت كل ما أذن في للمحرم، أيقتل في الحرم؟
فقال لي: الناس يصيدون الغربان، أفيصاد في الحرم، [كره ذلك].
فقيل له: أفتقتل الحية، والعقرب في الحرم؟
فقال: لا أرى بذلك بأسًا، هما عدو، والفأرة مثلهما في رأيي، تقتل في الحرم، لأن ضررها في الحرم، مثل ضررها في السفر، والناس يتخدون الهر في الحرم
[ ١١٩ ]
١١٨ - فقلت لمالك: أرأيت العقرب الكبيرة والصغيرة، أيقتلها المحرم؟
فقال: نعم، وذلك لأن العقرب الكبيرة والصغيرة تلدغ وتضر، وليس الغراب مثل ذلك.
الغراب إذا كان صغيرًا لا ينقر، ولا يضر، وليس للمحرم أن يخرج ببازه، ولا بصقره فيتصيد الغربان. المحرم لا يصيد، وليس له أن يصيدها، وإن آذاه الغراب، أو خافه، فله أن يقتله، وليس له أن يتصيد بجلائهنّ.
١١٩ - فقلت له: أيقتل المحرم الغراب، والحدأة، من غير أن يضرا به؟
فقال: قال لي مالك: لا، إلا أن يضرا به، إنما أذن فيهما.
[ ١٢٠ ]
في رأي علي إذا خير فإما أن يصيبهما بديا على غير إضرار، فلا أرى ذلك وهما صيد، وليس للمحرم أن يصيد، ولا ذلك من شأنه، وليس مثل العقرب والفأرة، لأنهما صيد، وليس العقرب والفأرة صيد.
١٢٠ - فقيل لمالك: أفيقتل المحرم الذئب؟
فقال: إن كان يعدو على الناس، فله أن يقتله.
فأما صغار الذئاب، فلا أرى أن يقتلها [ولها مثل.
أرأيت فراخ
[ ١٢١ ]
الغربان في وكورها، أيذهب المحرم يصيدها؟
١٢١ - قلت لأشهب: فما تفسير قول رسول الله ﷺ: «الكلب العقور»، أهو هذا الكلب من كلاب الصيد، أو الماشية أو الدور؟
فقال لي: لا ليس له، ولكن الكلب العقور، كل ما عدا على الناس، وخافوه من السباع.
وقد قال ذلك سعيد بن المسيب، ومالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة.
[ ١٢٢ ]
ومن الدليل على أنه ليس بهذا الكلب الذي ذكرت، أن هذا الكلب، إذا لم يكن عقورًا، ليس على المحرم في قتله جناح، لأنه أنيس أهلي، ليس بصيد، فكيف بالعقور منها، فعرفنا أنه إنما أراد في رأينا، والله أعلم، ما عدا على الناس من الوحش، فذلك شبيه الفواسق، وهي أعظم ضررًا منها، فكيف يجوز للمحرم قتل الغراب والحدأة والفأرة.
١٢٢ - ولا يجوز له قتل السباع: الأسد، والنمر، والذئب، والفهد، وما أشبه ذلك. وهي أخطر ضررًا من هذه الدواب التي سماها رسول الله باسمها، إلا العقرب والحية، فإنهما [..] ضرر السباع العادية.
وقد أخبرتك ما أخبرني سفيان، أنه سمع زيد بن أسلم يقول: [..] أعقر من الحية أن الكلب العقور كل ما يعقر.
١٢٣ - وقال لي مالك بن أنس: الكلب العقور الذي أمر] المحرم أن يقتله، أن كل ما عقر الناس، وعدا عليهم وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، فهو الكلب العقور.
[ ١٢٣ ]
١٢٤ - فأما ما كان من السباع لا يعدو، مثل الضبع والثعلب والهر، وما أشبههم من السباع فلا يقتله المحرم، فإن هو قتله فداه. ولا يقتل المحرم من الطير شيئًا ضر إلا ما سمّى رسول الله ﷺ الغراب، والحدأة، فإن قتل شيئًا من الطير سواهما، فعليه جزاؤه.
١٢٥ - وأخبرني المنذر بن عبد الله الحزامي، وأنس بن عياض الليثي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، أنه قال: لا يقتل المحرم من الدواب شيئًا، إلا ما أرخص فيه رسول الله، أنه قال: «خمس فواسق، ليس على المحرم جناح في قتلهن: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة».
قال عبد العزيز: والحية لا يشك أحد في قتلها.
١٢٦ - قال عبد العزيز: فأما الكلب العقور، فإن تأويله في رأينا، كل ما عدا على الناس من السباع: الأسد، والنمر، والذئب، وما أشبه ذلك.
[ ١٢٤ ]
ومما دلنا على ذلك، أن الكلب الذي ليس بعقور، ليس في قتله على المحرم جناح، لأنه أنيس أهلي، فكيف بالعقور منها، فعرفنا أنه إنما أراد ما عدا من الوحش، فذلك يشبه الفواسق.
١٢٧ - قال أشهب: وأنا أرى مثل قول مالك في الضبع، والثعلب، والهر، وما أشبههن من السباع التي لا تضر، وإن ضرت، كانت مضرتها خفيفة من أنه لا يجوز للمحرم قتل شيء منها، فإن هو قتلها، فدى ما قتل منها. وقد جاء في الضبع خاصة سنة عن رسول الله ﷺ أنها صيد.
١٢٨ - أخبرني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمر الليثي، عن أبيه، عن عبد الله بن عثمان، عن جابر بن عبد الله، أنه قال: «الضبع
[ ١٢٥ ]
صيد، سمعت ذلك من رسول الله ﷺ.
١٢٩ - وجاءت السنة عن عمر بن الخطاب، أنه فرض في الضبع كبشين، وأما الثعلب، فإن ابن لهيعة، أخبرني عن أبي الزبير، أنه سأل جابرًا عن الذئاب والثعالب، أيصيدهن المحرم؟
[ ١٢٦ ]
فقال: أما الثعلب، فلا. وأما الذئاب فسباع.
١٣٠ - وأخبرني بن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، أن قبيصة بن ذؤيب، قال: «يقتل الذئب في الحرم».
١٣١ - قلت لأشهب: أرأيت ما قتل المحرم من الصيد، فجاوز قيمته من الطعام أو الصيام الدم، أيجاوز بها، أم ينتهي إلى الدم ولا يجاوزه؟
فقال لي: نعم، يجاوز به الدم ما بلغ، كما إذا لم يبلغ الدم، لم ينته به إليه. والدم شيء واحد، لا يزيد مرة ويقل أخرى.
١٣٢ - قلت لأشهب: أرأيت حلالًا وحرامًا، اشتركا في قتل صيد، أيكون على كل واحد منهما الجزاء، أم لا؟
فقال لي: ليس على الحلال في قتله شيء، وعلى المحرم جزاؤه، جزاء واحدًا.
١٣٣ - قلت له: أفرأيت حلالين اشتركا في قتل صيد في الحرم؟
فقال لي: هما بمنزلة محرمين، أصابا صيدًا في الحل، على كل واحد منهما جزاؤه وافيًا.
[ ١٢٧ ]
١٣٤ - قلت لأشهب: أرأيت ما ابتدأني من الطير، مثل العقبان، والنسور، فقتلته، أيكون علي جزاؤه؟
فقال لي: نعم، أرى عليك جزاءه، لأنه صيد، وقد حرم الله ﷿ عليك قتل الصيد وأنت حرام، إلا ما أرخص رسول الله ﷺ لك فيه منها، فليس لك أن تزيد فيها وإن غشيتك.
١٣٥ - قلت لأشهب: أرأيت اليربوع، والضب، والأرنب، والحمام، من حمام الحرم، أو من غير حمام الحرم، يقتله المحرم ما عليه؟ أو الدبسي أو القمري أو ما أشبهها من الطير، في الحل أو الحرم، ما عليه؟
فقال لي: ما لم يبلغ ما سألت عنه كله، أن يكون بقدر الشاة، فإنه ليس فيه إلا حكومة، قدره من الطعام، ثم يكون مجبرًا من أن يصوم مكان [كل] مدّ من ذلك الطعام يومًا، وإن شئت ذبحت فيه شاة، إلا
[ ١٢٨ ]
ما كان من الحمام [..] / أصبته بها، فإن عليك فيه شاة، كان كبيرًا أو فرخًا، مضت بذلك في حمام مكة السنة.
١٣٦ - أخبرني المنذر بن عبد الله الحزامي، وأنس بن عياض الليثي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، أن عثمان بن عفان، أمر بحمام، فأطير عنه، فوقع موقعًا أصابته فيه حية، فرأى عثمان أن بسببه كان قتله، فأمر بعض إخوانه يحكموا عليه، وذلك بمكة، فحكموا بشاة.
قال عبد العزيز: وبعض الناس يقول ذلك، من أجل أنه من حمام الحرم.
١٣٧ - وأخبرني بن لهيعة، عن ابن أبي حسين، أنه قال: حدثني مولى لأبي سعيد المهدي، أن عثمان بن عفان، أمر بحمام من حمام مكة، فأطير من واقف إلى واقف، فأخذته حية، فقتلته، فدعا نافع بن عبد الحارث، وهو عامله بمكة، فحكما عليه بعناق [..] ثنية.
١٣٨ - وأخبرني مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسليمان بن بلال، أن يحيى بن سعيد، حدثهم عن ابن المسيب، أنه قال: من قتل حمامة من حمام مكة، كان جزاؤها شاة، إذا قتلت بمكة.
١٣٩ - وأخبرني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، أنه سأل عطاء بن أبي رباح، عن رجل رمي حمامة من حمام الكعبة، فقتلها، فقال: ديتها شاة يذبحها، فيطعمها المساكين، دية حمام الكعبة على المحرم وغيره شاة.
[ ١٢٩ ]
١٤٠ - وأخبرني ابن لهيعة، أن جعفر بن ربيعة، حدثه عن علي بن شريح الصدفي، أنه حج هو وأصحاب له، وأن صاحبًا لهم غلق على حمامة في تابوت بمكة، وهو لا يعلم، فاستفتى الرجل ابن عمر في ذلك، ففرض عليه شاة.
١٤١ - وأخبرني القاسم بن عبد الله، أن يحيى بن سعيد حدثه، عن ابن المسيب، أنه قال: من أصاب حمامة من حمام مكة، ففيها شاة يهديها.
١٤٢ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أن عمرو بن دينار، حدثه عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أنه قال في الحمامة من حمام مكة: شاة.
١٤٣ - وأخبرني يحيى بن أيوب أن الحجاج بن أرطأة، حدثه عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير عن عمر بن الخطاب أنه جعل في حمام مكة شاة.
قال الحجاج: وقال عطاء بن أبي رباح في حمام مكة شاة.
١٤٤ - قال أشهب: فهذا في حمام مكة، فأما ما سوى حمام مكة من الحمام فحكومة، قدره من الطعام، وكذلك ما سوى الحمام من الطير، كله أو غيره من الصيد، مما لا يبلغ أن يكون جزاؤه شاة، فإنما فيه حكومة، قدره من الطعام.
[ ١٣٠ ]
١٤٥ - ومن الدليل على ذلك، أن ابن لهيعة، حدثني عن ابن أبي حبيب، أن ابن عباس، قال: في الطير إذا أصابه المحرم، قدر ثمنه، وأن عبد العزيز بن أبي سلمة، قال في حمام مكة الذي قتل عثمان، فحكموا عليه بشاة، قال: وبعض الناس يقول ذلك، من أجل أنه من حمام الحرم.
قال عبد العزيز: وما أصاب المحرم، فهو مثل ما أصيب في الحرم، وإن أخذ هذا بالاجتهاد، كان مدان من طعام، أو مد جبر من حمام واحد.
١٤٦ - ومن أحب أن يأخذ الحديث، فقد ذكر ذلك. وإن أبا حمزة أنس بن عياض الليثي، أخبرني أن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، حدثه عن ابن عباس، أنه قال: كل طير كان دون الحمام، فإنما فيه ثمنه.
وإن الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وأبا يوسف يعقوب بن عبد الرحمن، حدثوني أن هشام بن عروة، حدثهم عن أبيه، أنه قال: أدنى ما يكون في الصيد شاة، إلا أن الليث قال: كتب إليّ وأنا [..] أنس بن عياض، حدثني أن عبيد الله بن عمر، حدثه عن القاسم، وسالم في قطاة أصابها محرم فقال أحدهما: نصف المد. وقال الآخر: نصف المد جبر منها وما قطاه، فلما رأيت أحدهما يقول: نصف المد، ورأيت الآخر يذكر قلة ذلك.
١٤٧ - قلت: أرأيت إن ذبحت شاة، فقال لي: ما شئت، إنما أردنا أن نخبرك] أدنى الذي عليك.
[ ١٣١ ]
قال أشهب: وقد قيل في الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وليس عليه العمل، وذلك لأن أمر الناس، أنه لا يجوز في شيء من الهدي، ولا العقائق، ولا الضحايا، إلا الثني من كل شيء، إلا من الضأن، فإنه لا يجوز فيها ما دون الجذع، ويجوز منها الجذع. وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، إلا أن ابن عمر قال: لا يجوز في البدنة والضحايا، إلا الثني فما فوق ذلك.
وقد قلت لمالك حين حدثني، أن عمر بن الخطاب، قضى في الأرنب بعناق
[ ١٣٢ ]
وفي اليربوع بجفرة يحكم في شيء من جزاء هذا الصيد من الهدي، بدون الثني.
فقال لي: لا يحكم في شيء من جزاء الصيد بدون الثني، لا يحكم فيه، إلا بالثني فأعلى، إلا من الضأن، فإنه يقال في الضأن الجذع، وأحب إلي في ذلك كله الثني من الضأن، وغيرها في جزاء الصيد والهدي كله، وفي الضحايا.
[ ١٣٣ ]
١٤٧ م - وقد قال لي مالك مثل ما أخبرتك، في جزاء حمام مكة، أن في الحمام شاة.
وقال ذلك لي في فراخها، قال: أرى في كل فرخ من فراخ حمام مكة قتله محرم، أو قتله غير محرم شاة، وأخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: في كل حمام من حمام مكة، شاة.
[ ١٣٤ ]
باب ما جاء في النذور في الهدايا، وفي الرجل يرمي الصيد فيجرحه وفي ذبح المحرم الداجن
١٤٨ - قلت لأشهب: أرأيت من قال: الله علي أن أهدي هذا الثوب، هذا أو ثوبي هدي، وثوبه يبلغ أن يشتري به هديًا، أيهدي الثوب، أم يبيعه، فيشتري به هديًا؟ أم يشتري به هديًا، ولا يبيعه؟
فقال لي: أرى أن يشتري به هديًا، أو يبيعه، فيشتري بثمنه هديًا، جدعًا من الضأن، أو شيئًا مما سواها، ولا يهدي الثوب نفسه، فإن لم يبلغ الثوب ثمن هدي، شرك في هدي، بما يبلغ من ثمن الثوب.
١٤٩ - قلت لأشهب: أرأيت رجلًا رمى صيدًا فجرحه، أعليه ما نقصه، أم قيمته كاملة؟
فقال لي: بل أرى عليه جزاءه تامًا.
١٥٠ - قلت له: أفرأيت إن جعلت عليه جزاءه تامًا، فأخرجه، ثم وجده بعد ذلك فقتله، أترى عليه جزاء آخر، أم لا؟
[ ١٣٥ ]
فقال لي: نعم، أرى عليه جزاء آخر، لأن جزاءه الأول، إنما كان احتياطًا عليه، خوفًا من أن يكون جرحه إياه، قد أهلكه، فإذا علم أن ذلك لم يجب عليه، فليس يخرجه ذلك مما وجب عليه الآن، وكذلك من ظن أنه قد حنث بيمين، فأعتق لها رقبة، ثم فعل بعد أن أعتق الرقبة في ظهاره ما أوجب عليه كفارة الظهار، فإنه لا يجزئ من بالكفارة الأولى، لأنه أوجبها على نفسه قبل وجوبها عليه، فعليه قضاء ما وجب عليه بعدها. وكذلك من جرح رجلًا، ثم كفر كفارة القتل في حياة الرجل، ثم مات بعد أن كفر، فلا يجزئه ذلك، وعليه الكفارة، وكذلك من نذر صيامًا إن فعل كذا وكذا، أو ظن أنه قد فعله، فصام الصيام، ثم فعله بعد، وذكر أنه لم يكن فعل يوم صام، فلا يجزئه ذلك الصيام، وعليه أن يبتديه من يوم فعل الذي وجب عليه الصيام بفعله.
١٥١ - قلت لأشهب: فأنت ترى، إذا رأيت أنه إذا أجزأ ذلك الصيد ثم قتله، أن عليه الجزاء مرة أخرى، أنه إن جرحه، فلم يكفر حتى قتله أنه ليس عليه إلا جزاء فقط.
فقال لي: نعم، لا أرى عليه إلا جزاءه، وإن كان ذلك في غير فور واحد، إلا أن يكون قد برئ من ذلك الجرح، ثم قتله بعد ذلك، فأرى عليه فيه، ما بين قيمته صحيحًا، وقيمته دية الذي أصابه من ضربته، إن كان به من ذلك ما ينقصه، وعليه جزاؤه كاملًا في قتله، ثم هو مخير فيما صار عليه في ما بين قيمته، في أن يهدي به هديًا، أو يشتري به حنطة، فيطعمها المساكين مدا مدا، وفي أن يصوم يصوم مكان كل يوم مدا.
[ ١٣٦ ]
١٥٢ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يجرح الصيد، فيكفر عنه قبل أن يموت، ثم يموت بعد الكفارة، أتجزئه الكفارة أم لا؟
فقال لي: لا أراها تجزئه، لأنه أداها قبل وجوبها عليه، وكذلك الذي يتمتع بالعمرة إلى الحج ممن لم يجد هديًا، فيصوم قبل / أن يهل بالحج، فلا يجزئه ذلك، لأنه صام قبل وجوبه عليه.
وكذلك لو كان ممن يجد الهدي، فأهدى قبل أن يحرم بالحج، لم يجزه إذا أحرم، لأنه أهداه قبل وجوبه عليه، وكذلك الذي يصيب المسلم خطأ، فيكفر قبل موته، ثم يموت، فلا تجزئه تلك الكفارة، لأنه كفرها قبل وجوبها عليه.
١٥٣ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يذبح البقرة، أو الشاة، أو البعير، أو الإوز، أو الدجاج، أو الداجن كله؟
فقال لي: لا بأس عليه في ذلك كله، وهو له جائز، لأن الله ﵎ إنما قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وليس شيء مما ذكرت صيدًا، ولا له أصل ولا له أصل في الصيد.
١٥٤ - قلت لأشهب: فالحمام؟
فقال لي: إني لأكرهه، ولا أحبه، لأني أخاف أن يكون أصله الصيد، إلا ما كان من هذه الحمام المشترى له، فإني لا أعلم لها أصلًا في الصيد، وأحب إلي تركها أيضًا.
[ ١٣٧ ]
١٥٥ - قلت لأشهب: أرأيت ما أصاب المحرم من الضفادع؟
فقال لي: إني لا أرى أن يطعم قبضة من طعام، أو حفنة، لأنها وإن كانت من ساكن الحرم، فقد نُهي عن قتلها.
١٥٦ - قلت لأشهب: أفرأيت ما كان من طير الماء، أيصيبه المحرم؟
فقال لي: إنه وإن كان من طير الماء، فإنه ساكن في البر، إلا أن معاشه في الماء، وكذلك بعض دواب الماء، معاشه في البر، فكل إلى أصله الذي هو منه، وإن كان معاشه من غيره. وأرى ما أصاب المحرم من طير الماء، أن عليه جزاءه، كغيره من الطير التي لا تعيش من الماء.
وقد بلغني عن عطاء بن أبي رباح، أنه كره أن يصيبه المحرم.
١٥٧ - قلت لأشهب: وكل ما كان من ساكن الماء، فليس على المحرم جناح في صيده؟
قال لي: نعم، لا بأس بذلك، ولا شيء عليه فيه، وإنما هو كله
[ ١٣٨ ]
حيتان أو شبهه. وقد قال لي مالك: صيد الحيتان في البحر، والأنهار، والبرك، وما أشبه ذلك حلال للمحرم، يصيده.
١٥٨ - وأخبرني بن أبي لهيعة، عن ابن أبي حسين، أنه قال: سئل عطاء بن أبي رباح عن الحيتان التي تكون في مواجل الحرم، أيأكلها المحرم، ويصطادها؟
فقال: نعم، قال الله ﷿: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.
١٥٩ - وأخبرني بعض أهل العلم، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أنه قال: كان لا يرى للمحرم بأسًا بصيد البحر.
١٦٠ - قلت لأشهب: أرأيت إن قتل المحرم الضفدع، والسّلحفاة، والسرطان؟
فقال لي: أما السرطان: فلا أرى به بأسًا، لأنه من ساكن البحر، وأنه يحل بغير ذكاة.
وأما السلحفاة: فإن كانت التي تكون في الصحارى، فإني أرى أن يطعم حفنة من طعام، أو قبضة، وإن كانت التي تكون في البحر، فإن تلك يقال لها: اللبير. فلا شيء عليه فيها.
[ ١٣٩ ]
وأما الضفدع فقد أعلمتك، أنه يرفع فيها حديث، ألا تقتل، وأكثر دهرها أيضًا البر، وهي تعيش في الصحارى، فأرى أن يطعم فيها حفنة، أو قبضة من طعام.
١٦١ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يصيد الصيد، فلا يخلى سبيله حتى يخلي؟
فقال لي: أرى أن يخلى سبيله، لأنه أخذه أخذًا، لا يجوز له، وكذلك الذي يأخذ الصيد في الحرم، فيخرجه إلى الحل، عليه أن يرده إلى الحرم، وإن كانت قد ولدت عنده أولاد، فأرى عليه تحليتها بما ولدت.
١٦٢ - قلت لأشهب: أرأيت إن أصابها وهو محرم، فحبسها حتى حل ثم ذبحها، أو أصابها في الحرم حلالًا، فأخرجها إلى الحل، ثم ذبحها، أيحل أكلها؟
فقال لي: لا أرى أن يؤكل، وأرى عليه الجزاء.
١٦٣ - قلت لأشهب: / أرأيت إن جزأها، وأكل لحمها؟
فقال لي: أراه أكل ميتة، لا يحل أكلها، ولا جزاء عليه، ولا غرم فيما أكل منها، إلا جزاء قتلها.
[ ١٤٠ ]
١٦٤ - قلت لأشهب: أرأيت محرمًا اشترى من محرم صيدًا، أيلزمه الثمن أم لا؟ وكيف إن أرسله هذا المشتري، أيلزمه الثمن أم لا؟
فقال لي: إن كان المحرم الذي باع الصيد، كان بيده ملكًا قبل أن يحرم، فلا أرى أن يفسخ البيع بينهما، وأرى الثمن لازمًا للمشتري، ولا يجوز للمشتري أن يذبحه، ولا يأمر بذبحه، ولا يبيعه حتى يحل، خوفًا من أن يذبحه الذي يبيعه إياه في حرمه، قبل أن يحل، وإن كان الذي باع الصيد، لم يكن بيده ملكًا قبل أن يحرم، وإنما صاده في إحرامه، فإن البيع بينهما مفسوخ، باعه من حلال، أو باعه من حرام. وإن أرسله الذي ابتاعه منه، وهو محرم، أو هو حلال، فلا شيء عليه فيه، ورجع على الحرام الذي اصطاده في حرمه، فباعه إياه بالثمن الذي ابتاعه به منه.
١٦٥ - قلت لأشهب: أفرأيت إن اشترى محرم صيدًا من حلال، أيلزم المحرم الثمن للحلال أم لا؟
فقال لي: نعم، أرى الثمن له لازمًا، وأحب إلي أن يخلى سبيله، وإن لم يفعل حتى مات في يديه محرمًا، فلا جزاء عليه فيه، ولكن إن ذبحه، أو قتله، فأرى عليه جزاءه، وأحب ذلك إلي فيه، أن يرسله، ولا شيء عليه فيه، ولا على الحلال الذي باعه محرمًا، إن قتله المحرم في إحرامه.
١٦٦ - قلت لأشهب: أفرأيت إن لم يشتره هذا المحرم، ولكن صاده صيدًا، فحبسه عنده حتى مات، أيكون عليه الجزاء؟
[ ١٤١ ]
فقال لي: نعم، أرى عليه جزاءه إن مات في إحرامه، أو في حله بعد أن حل.
١٦٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن أخذ صيدًا في الحرم، فخلى عنه في الحل، أيلزمه الجزاء أم لا؟
فقال لي: إن خلاه في حل فيه من المعاش ما كان في الحرم، أو ما يعينه عنه، وفي موضع أمنه عليه، فلا شيء عليه فيه. وإن كان خلاه في موضع على غير ذلك، رأيت عليه جزاءه.
١٦٨ - قلت لأشهب: أرأيت ما عرض المحرم الصيد فيه للتلف؟
فقال لي: فعليه فيه الجزاء إن تلف، أو لم يدر أتلف لما عرضه إياه من التلف، أو لم يتلف، فأرى عليه جزاءه أيضًا.
١٦٩ - قلت لأشهب: أرأيت إن نتف المحرم صيدًا، ثم حبسه حتى نسل ريشه وطال، أيكون عليه الجزاء أم لا؟
فقال لي: لا جزاء عليه إن كان إنما خلى سبيله فطار بموضعه الذي أخذه به، أو كان خلاه بموضع ليس عليه فيه تلف، وإن كان خلاه في موضع غير الموضع الذي أخذه به، وهو مخوف عليه فيه التلف، فأرى عليه جزاءه.
[ ١٤٢ ]
١٧٠ - قلت لأشهب: أرأيت لو أن محرمًا وهب صيدًا لحلال، أترى له أن يقتله أم لا؟
فقال لي: إن كان صاده قبل إحرامه، فلا أرى بأسًا أن يقبله، ولا أراه يجوز له أن يقتله، ولا يذبحه حتى يحل الذي وهبه له، أو يموت قبل ذلك، فيكون قد حل بموته، لأن المحرم الذي وهبه له، لم يكن يجوز له أن يذبحه، ولا يقتله حتى يحل، وإن كان صاده بعد إحرامه، فلا أراه يجوز له أن يقتله، وإن تلف / في يده، أو ذبحه، وقد قتله، فأرى جزاءه على المحرم، ولا أرى على الذي ذبحه فيه جزاء، ولا أرى أكله يحل لمحرم، ولا لحلال.
١٧١ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم إذا أصاب الصيد عمدًا أو خطأ، أرأيت إن أصابه أولًا لم يصبه قط، غير مرته هذه، أو كان قد أصابه قبل هذه؟
فقال لي: إن جزاء الصيد عمدًا، فريضة من الله ﷿ في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فإن جزاءه خطأ سنة ليس فيها اختلاف عند أحد من أهل العلم، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ فرأى ذلك بعض أهل العلم، أنه لا يحكم على العائد في جزاء الصيد بشيء، لأن الله، إنما ذكره بالانتقام منه.
ورأى غيره من أهل العلم، وهو أحبه إلي، أن عليه مع النقمة جزاء الصيد، وأن ذلك أدنى ما كان عليه فيه، كما أن الله ﷿ فرض الكفارة في قتل المسلم. خطأ، فرأى أهل العلم، أن القاتل عمدًا، أدنى الذي عليه من الكفارة أن يكفر بما فرض الله ﷿ على قاتله خطأ.
[ ١٤٣ ]
١٧٢ - قلت لأشهب: أرأيت من قتل صيدًا في الحرم، وهو حلال، كيف يحكم عليه؟
فقال لي: الحكومة عليه فيه، مثل الحكومة فيه على من قتله محرمًا ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
١٧٣ - قلت لأشهب: أرأيت الشجرة من شجر الحرم، قطعها محرم؟
فقال لي: لا أرى على المحرم في ذلك جزاء، لأن الله ﷿ إنما جعل الجزاء في الصيد، ولم يجعله في الشجر.
وقد قاله لي مالك بن أنس. قال: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر في الحرم جزاء، ولم يبلغنا أن أحدًا حكم عليه فيه بشيء، وبئس ما صنع.
[ ١٤٤ ]
باب احتشاش المحرم وغيره من الحرم
١٧٤ - قلت لأشهب: أفيحتش المحرم، أو غيره، لدابته من الحرم؟
فقال لي: لا. وقد سئل مالك عن ذلك، فقال: لا؟
١٧٥ - قال أشهب: ومن الدليل على أنه لا يحتش لدابته في الحرم، أن
[ ١٤٥ ]
ابن الدراوردي حدثني، أن محمد بن عمرو بن علقمة، حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ وقف عام الفتح على الحجون، ثم قال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني لم أخرج منك، ما خرجت، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا يحل لأحد كان بعدي، ما أحلت لي إلا ساعة من نهار، وهي بعد ساعتنا هذه من النهار حرام، لا يعضد شجرها ولا يحتش كلؤها» /.
فقال له رجل يقال [..]: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لبيوتنا ولقبورنا، فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذحر».
١٧٦ - فأخبرني يحيى بن سليم الطائفي، عن ابن أبي حسين، عن عطاء بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحسن، وطاوس أن رسول الله ﷺ
[ ١٤٦ ]
قال يوم خطب في فتح مكة: ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماء، وخلق الأرض، فهي حرام بحرام الله، لم يحل لأحد كان قبلي، ولا يحل لأحد كان بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار يقصرها رسول الله بيده لا ينفر صيدها ولا تعضد عضاهها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها، فقال له العباس: وكان شيخًا مجربًا: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لا بد منه للقبر، ولظهور البيوت، فسكت رسول الله ﷺ شيئًا، ثم قال: «إلا الإذخر فإنه حلال».
١٧٧ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أن داود بن سابور، حدثه عن مجاهد، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فهي حرام بحرام الله، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، [و] لا ينفر صيدها».
١٧٨ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أن ابن جريج، حدثه عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا يعضد على بعيره في الحرم، فقال له: ما هذا يا عبد الله؟ إن هذا حرم الله، وإنه لا ينبغي لأحد أن يعضد شجرة.
فقال: إني لم أعلم، فسكت عنه عمر، ولم يقل له شيئًا.
[ ١٤٧ ]
١٧٩ - قال أشهب: وفي هذا دليل على أنه ليس في الشجر جزاء، لأنه لو كان فيه شيء، لأمره به عمر بن الخطاب، حين أخره بجهالته، بما عليه في عضد شجر الحرم، كما نهاه عن عضدها.
١٨٠ - وأخبرني سليمان بن بلال، أن يحيى بن سعيد، حدثه أن عمر بن الخطاب قال: إن الحرم لا يقتل صيده، ولا يعضد شجره.
١٨١ - قلت لأشهب: أرأيت من أدخل بازا الحرم، أترى أن يؤمر بإرساله؟
فقال لي: ما ذلك عليه، ولكني أرى أن يخرجه من الحرم، وإنما رأيت ذلك، خوفًا على الصيد منه، أن يصيبه أو ينفره، فإن رسول الله ﷺ قال: «لا ينفر صيدها». فأما في نفير الباز، فإني لا أرى عليه في ذلك شيئًا، لأنه قد صار ملكًا بيده، مالًا من ماله قبل إحرامه.
[ ١٤٨ ]
١٨٢ - قلت لأشهب: أرأيت إن أفلت على شيء من حمام الحرم، فقتله، أترى عليه جزاءه؟
فقال لي: إن لم يكن ضيع في أمره فلا أرى عليه فيما قتل جزاء، وإن كان ضيع فأفلت من تضييعه، فأرى عليه جزاء ما قتل.
١٨٣ - قلت لأشهب: أرأيت الظبي يكون في الحل / قرب الحرم يرميه الرجل، والرجل في الحل، فأصابه في الحل، فانطلق إلى الحرم، فمات فيه؟
فقال لي: إن كان بلغ مقاتله، فلا أرى بأسًا أن يأكله، ولا شيء عليه في قتله، وإن كان لم يبلغ مقاتله، فلا أرى أن يأكله، ولا جزاء عليه فيه، لأنه إنما أصابه حيث يجوز له أن يصيبه.
١٨٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن ذبح جزاء الصيد في غير مكة؟
فقال لي: لا يجزئه، إلا أن يكون ذبحه بمنى في أيام الذبح بمنى، فيجزئه. وكذلك الهدي كله حيث ذبح. ولا يجزئ إلا بمنى، في ليالي منى، أو بمكة، في غير ليالي منى، وما كان غير ذلك فلا يجزئ.
١٨٥ - قلت لأشهب: أرأيت من ذبح جزاء صيده بمكة، فأطعمه مساكين غير مساكين مكة، حمله إليهم، أيجزئه أم لا؟
فقال لي: نعم، يجزئ ذلك عنه، وكذلك إن جزاء الصيد، بإطعام مساكين يطعمه أي مساكين شيئًا من مساكين أهل مكة أو غيرهم، ولا أرى أن يجوز له أن يجزئ الصيد إلا بما قال الله ﷿: ﴿مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ
[ ١٤٩ ]
كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. فأما أن يعطى مكان الطعام دراهم، أو عرضًا، قيمة الطعام، فلا أرى ذلك، ولا أراه يجزئه إن فعل.
١٨٦ - قلت لأشهب: أرأيت إن اشترى هديًا في جزاء الصيد، أو في جماع، في حج، أو عمرة، أو في قبلة، أو في فدية أذى، فسرق الهدي، هل يضمنه أم لا؟
فقال لي: هو ضامن له في كل ذلك، حتى يبلغ محله، إلا أنه في الجماع في الحج، أو العمرة، أو القبلة، محرمًا عليه هدي مكانه ليس له عنه مندوحة، وأنه في جزاء الصيد، وفدية الأذى، مخيرًا في جزاء الصيد، فيما جعل الله عدله من الصيام، وفي إطعام المساكين.
وفي فدية الأذى في النسك، وفي الصيام، وفي الصدقة، وهدي جزاء الصد محله مما في أيام الحج، فإذا انقضت أيام منى، فمحله مكة.
وكذلك هدي القبلة، وكل ما سمى الله ﷿ هديًا. فأما فدية الأذى، فإن الله ﷿ لم يسمه هديًا، وإنما سماه نسكًا، فهو ينسك به حيث شاء.
وهدي التمتع، محله بمنى، في أيام النحر، عمن كان وقف بعرفة، ومحله إن لم يكن وقف بعرفة، أو انقضت أيام منى بمكة، وكل الهدي يوكل منه، إلا ما كان من جزاء الصيد، أو فدية أذى، لأن الله ﷿ قرنهما بالصدقة.
١٨٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن ذبحه، ثم سرق منه، قبل أن يتصدق به، أيجزئه أم لا؟ فقال لي: نعم، يجزئه، لأنه بلغ محله، وقضى الذي فيه، مما له أشعر، وقلد والذي عليه في فدية الأذى، لأنه قد نسك به.
١٨٨ - قلت لأشهب: أرأيت من أكل من لحم جزاء الصيد، أو لحم فدية الأذى؟
[ ١٥٠ ]
فقال لي: أرى عليه [جزاء الصيد ثابتة، وأرى أن يبتدئ فدية الأذى.
وأما ما كان من هدي واجب / عليه، سواء فدية الأذى، أو جزاء الصيد، فإنه يأكل منه، ولا شيء عليه فيه، إذا كان قد نحره في محله، أو هدي التطوع يأكل منه، إذا بلغ محله، كما يأكل من هدي الواجب. وإن لم يبلغ هدي التطوع محله، فلا يأكل منه، وإن أكل منه غرمه كله.
وأما هدي الفريضة، إذا لم يكن جزاء صيد، ولا فدية أذى، فإنه يأكل منه، وإن لم يبلغ محله، وعليه البدل.
١٨٩ - قلت لأشهب: أرأيت لحم نسك فدية الأذى، أو جزاء الصيد، أيقسم على مسكين واحد، أو يتصدق به، أم على مساكين؟
وأرأيت إن حكم عليه طعامًا، كيف يطعمه؟
فقال لي: ليس في تقدير إطعام المساكين من نسك الأذى، أو جزاء الصيد، حد معلوم لا يقصر عنه، ولا يزاد عليه، ولكن في تفرقة الطعام عليهم في جزاء الصيد، وفي فدية الأذى شيء معلوم.
أما في جزاء الصيد، فلكل مسكين ما يكفيه، غذاء وعشاء.
وأما في فدية الأذى، فمدان من حنطة، لكل مسكين، جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ في فدية الأذى، وأحدث ما قلت لك في الإطعام في جزاء الصيد، أن يطعم كل مسكين، ما يجزئه، غذاء وعشاء، إن الله ﵎ ذكر في كفارة الأيمان ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فقدر أهل العلم ذلك، أن يطعم كل مسكين مدًا من حنطة، ورأوا ذلك مجزئًا عنه في غذائه وعشائه.
[ ١٥١ ]
١٩٠ - قلت لأشهب: أرأيت إذا حكمت عليه في جزاء الصيد طعامًا فوقع كسر المد، أيعطى مدا، الكسر مسكينًا على حده، أم يطعمه مسكينًا ممن قد أخذ مدا؟
فقال لي: بل أرى أن يعطيه مسكينًا ممن لم يأخذ أحب إليّ، وإن أعطاه مسكينًا ممن قد أخذ، أجزأ عنه.
١٩١ - قلت لأشهب: أرأيت إن حكمت عليه بالصيام، فكان عليه بقية بعض مد؟
فقال لي: أرى عليه به صيام يوم كامل يصومه.
١٩٢ - قلت لأشهب: أرأيت الصيام في كفارة الصيد، أمتتابع أم متفرق؟
فقال لي: كل ما كان في كتاب الله ﷿ من الصيام، فيصام تباعًا أحب إلي. وإلى غير واحد من أهل العلم، ولا أراه واجبًا أن يصام تباعًا، إلا ما سمى الله في كتابه تباعًا.
١٩٣ - قلت لأشهب: أرأيت حلالًا صاد صيدًا، ثم أحرم وهو في يده، فأرسله، فأخذه إنسان آخر، فلما حل، جاء يطلبه منه، من أحق به؟
[ ١٥٢ ]
فقال لي: الذي أخذه أخيرًا أحق به، لأن الأول قد أخرجه من ملكه، وخلى سبيله، إلا أن يكون له عذر في أنه لم يعلم أنه ليس عليه أن يرسله، فيكون أحق به ممن أخذه أخيرًا، إلا أن يكون الذي أخذه أخيرًا، إنما أخذه بعد طول زمان وفوت.
١٩٤ - قلت لأشهب: أفرأيت إن كان إنما صاده وهو حرام، ثم أرسله، فلما حل، جاء يطلبه، وهو في يد رجل، قد صاده بعدما أرسله الأول، مزاولًا به؟
فقال لي: أرى الآخر أولاهما به، وإن كان ذلك قريبًا، لأنه قد صاده صيدًا لا يجوز له ملكه به، وإن كان قد كان عليه إرساله، فقد أرسله في مأمنه، وخرج من ملكه وصار من أخذه أحق به منه، ألا ترى أن الذي أخذه لو ذبحه مكانه، جاز له، فكذلك إذا أمسكه.
١٩٥ - قلت لأشهب: أرأيت الجرادة يصيبها المحرم، أو يصاد في الحرم؟
فقال لي: لا يجوز لمحرم أن يصيد جرادة، ولا أن يصيبها حرام، ولا حلال في الحرم، لأن الجراد من صيد البر، فيه معاشه وموئله، وجزاء الجراد قبضة من طعام، أو ثمره التمر خير منها، ولكن القبضة من أول ما تطعم، فرأينا فيها قبضة [..] /، ولما مضى في
[ ١٥٣ ]
الجرادة من الأثر بالقبضة، وأرى في الجرادات قبضة، مثل ما في الجرادة، لأن قبضة من طعام أجزأ من جرادات. وقد أخبرني مالك بن أنس، أن زيد بن أسلم، حدثه أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أصبت جرادات بسوطي وأنا محرم؟
فقال له عمر: أطعم قبضة من طعام.
١٩٦ - وأخبرني ابن لهيعة، أن بكير بن عبد الله، حدثه عن القاسم بن محمد، أن ابن عباس أفتى محرمًا قتل جرادة، أن يتصدق بقبضة من طعام.
فقال لي ابن لهيعة، وأخبرني ابن أبي حبيب، أن ابن عباس كان يقول: أدنى ما يكون من الصيد، الجرادة فيها قبضة من تمر، أو كسرة من خبز.
قال لي ابن لهيعة، وأخبرني خالد بن يزيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: «أذاء الجرادة، قبضة من طعام».
١٩٧ - قال أشهب: فلهذه الأحاديث، رأيت في الجرادة والجرادات قبضة من طعام، وإن قبضة من أقل ما يطعم أحد، وقد جاء في الجرادة تمرة.
١٩٨ - أخبرني مالك بن أنس، أن يحيى بن سعيد حدثه، أن رجلًا فسأله جاء إلى عمر بن الخطاب، عن جرادة قتلها وهو محرم؟.
[ ١٥٤ ]
فقال عمر لكعب:: تعال نحكم.
فقال كعب: درهم.
قال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم أو إنك لكثير الدراهم، لتمرة خير من جرادة.
١٩٩ - وأخبرني ابن لهيعة، أن بكيرًا حدثه، أن عمر بن الخطاب، سأل كعبًا عن الحرام إذا قتل جرادة؟
فقال كعب: درهم، فقال عمر: لا علم لك، ثمرة خير من جرادة.
٢٠٠ - وأخبرني ابن الدراوردي، أن زيد بن أسلم، حدثه عن عطاء بن يسار، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن جرادات أصابهن وهو محرم؟
[ ١٥٥ ]
فقال: في الجرادة ثمرة.
٢٠١ - وأخبرني القاسم بن عبد الله العمري، أن عمرًا مولى المطلب، حدثه عن عطاء بن يسار، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن جرادات، أصابهن وهو محرم؟
فقال عمر: في الجرادة تمرة.
٢٠٢ - قال أشهب: فهذا فيما أصاب المحرم من الجراد.
٢٠٣ - وفيما أصيب في الحرم، أن داود بن عبد الرحمن، وعبد الله بن رجاء وغيرهما، حدثوني أن ابن جريج، حدثهم عن عطاء بن أبي رباح، أنه سأل ابن عباس: أيصاد الجراد في الحرم؟
[ ١٥٦ ]
فقال: لا، ونهى عنه. فقال له: إن قومك يأخذونه، وهم لمتحابون في المسجد الحرام. فقال: لا يعلمون.
٢٠٤ - قال أشهب: ومن جزاء كل جرادة بتمرة، أو كل جرادة بقدرها من الطعام خبزًا، أو حبًا، أجزأ ذلك عنه.
وفي الجرادة الواحدة، قبضة من طعام أحب إلي، والجرادات كذلك قبضة.
باب ما في القملة والبعوضة والنملة والذباب والقراد والحلم
٢٠٥ - قلت لأشهب: فما في القملة، والبعوضة، والنملة، والذباب، والقراد والحلم؟
[ ١٥٧ ]
فقال لي: إنما في القملة قبضة من طعام، لأنها من التفث إن كانت منك، وإن كانت ليس منك، ففيها وفي القراد، وفي الحلمة، وفي البعوضة، والنملة، وفي الذباب، أي ذلك أصاب المحرم قبضة من طعام أحب إليّ.
وإن قتلها كلها، ثمرة، أو قتل عدة من ضرب منها، فقبضة من طعام أيضًا،، وإن جزاء القملة إذا لم تكن منه، أو القراد، أو الحلمة، أو النملة، أو البعوضة، أو الذباب، تمرة أو بكسرة بقدر التمرة، فذلك [يجزئ، ولو جرى؟] بعوضتين، أو قرادتين، أو حلمتين، أو قملتين بتمرة /، أو بكسرة بقدر التمرة، رأيت ذلك مجزئًا، وكان قد جزاهما بخير منهما.
٢٠٦ - وقد أخبرني ابن لهيعة، أن ابن أبي حبيب، حدثه عمّن حدثه، أنه سأل سعيد بن المسيب، عن الحرام يقتل القراد، والخنفساء، فصمت ابن المسيب شيئًا، ثم قال: ما أجد له عدلًا، إلا تمرة.
٢٠٧ - قال ابن لهيعة، وأخبرني خالد بن يزيد، أنه سأل عطاء، عن محرم قتل دودًا، أو قملة، أو قرادًا، أو دبرة، أو شيئًا مما يشبه ذلك عمدًا.
فقال: إن تعمد، فليتصدق بأكلة، أو نحوها.
٢٠٨ - وأخبرني يحيى بن أيوب، وحاتم بن إسماعيل، أن عبد الرحمن بن حرملة، حدثهما قال: [مرت بي خنفساء وقراد وأنا محرم، فأخذت عددًا، فغرزت فيهما فقتلتهما، فسألت ابن المسيب عن ذلك؟
فقال: ليس عليك شيء، تمرة وتمرة خير منهما.
وفي حديث حاتم: يتصدق بتمرة، وتمرة خير منهما.
٢٠٩ - وأخبرني سليمان بن بلال، أن عبد الله بن حرملة حدثه، قال:
[ ١٥٨ ]
قتلت حنظبًا وأنا محرم، فسألت ابن المسيب، فأمرني أن أتصدق بتمرة.
قال: تمرة خير منها.
٢١٠ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أن عبد الرحمن بن حرملة، حدثه أن رجلًا سأل ابن المسيب، فقال: قتلت قرادًا، أو حنظبًا، وأنا محرم؟
فقال: تصدق بتمرتين.
٢١١ - وأخبرني أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، ويحيى بن سليم الطائفي، أن عبيد الله بن عمر، حدثهما أنه سمع رجلًا يسأل القاسم بن محمد، ماذا في القراد يقتله المحرم؟
فقال القاسم: وما القراد، التمرة خير منه، بل نصف تمرة، خير منه.
[ ١٥٩ ]
٢١٢ - وأخبرني القاسم بن عبد الله العمري، أن عمر بن محمد بن زيد حدثه، قال: حضرت سالم بن عبد الله، ورجل يسأله عمن يقتل الدواب الصغار، وهو محرم؟
فقال: تمرة يتصدق بها، خير منها.
باب المحرم يأخذ بيض ما لا يجوز اصطياده في إحرامه أو يأخذه الحلال في الحرم، فيشويه، أو يسلقه، أو يقليه، أيصلح أكله؟
٢١٣ - قلت لأشهب: أرأيت ما أخذ المحرم من بيض ما لا يجوز له اصطياده في إحرامه، أو أخذه الحلال في الحرم، فشواه، أو سلقه، أو قلاه، أيصلح أكله أم لا؟
فقال لي: لا أرى أكله يجوز لحلال ولا لحرام، وذلك لأن أخذه لم يكن يجوز، فكذلك أكله لا يجوز.
٢١٤ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم إذا أصاب الصيد على وجه الإحلال والرفض لإحرامه، ثم أصاب بعد ذلك صيدًا كثيرًا، أيكون عليه الجزاء في جميع ذلك، أم لا؟ وكيف إن ترك إحرامه، ثم انصرف ففعل ما يفعل الحلال، أيكون عليه لكل ما فعل كفارة، وكيف إن فعل الشيء الواحد مرات؟
فقال لي: إنه من رفض إحرامه، فهو بمنزلة من لم يرفضه، لأن رفضه إياه باطل وهو على إحرامه على حاله، فكل ما فعل في إحرامه بعد رفضه إياه، يلزمه فيه ما يلزم المحرم غير الرافض لإحرامه، من جزاء صيد، أو فدية أذى، أو إصابة شيء أو غير ذلك من الأشياء كلها التي يفعل المحرم
[ ١٦٠ ]
في إحرامه قبل حله، وبعد رميه جمرة العقبة، فإنه إذا رماها، حل من كل شيء، إلا النساء.
وعن عمر بن الخطاب: والطيب، فأما النساء بعد رمي الجمرة، ة، فذلك مجتمع عليه، غير مختلف فيه عند أحد من أهل العلم.
وأما الطيب، فقد اختلف فيه أهل العلم، وليس فيه عن عمر بن الخطاب، ولا عن عبد الله بن عمر اختلاف، أنه لا يطيب حتى يزور البيت. وخالفهما غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين. وذكر في الحديث عن رسول الله ﷺ الرخصة فيه، بأنه كان يتطيب لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، فرأينا ترك الطيب حين يطاف بالبيت أحوط، ورأينا أنه لا فدية / على من يتطيب، لحديث رسول الله ﷺ في ذلك.
وأخذ غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم به.
باب الصيد بعد رمي جمرة العقبة
٢١٥ - قلت لأشهب: أفرأيت الصيد بعد رمي العقبة؟
فقال لي: لا يجوز. ومن صاد بعد رمي العقبة، فعليه جزاؤه، ما لم يطف بالبيت بعد رميها، لأن الله ﵎ يقول: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
ومن لم يطف بالبيت طواف الزيارة، فقد بقي عليه من حرمة مس النساء.
وعن عمر: والطيب. ولا أرى أنه لم ينه عن ذلك عمر بن الخطاب،
[ ١٦١ ]
كما نهى عن مس النساء والطيب، إلا لأن الناس بمنى، ومنى من الحرم، وليس بموضع صيد، فلذلك فيما أرى والله أعلم، لم ينه عن ذلك.
باب من رمي جمرة العقبة، وزار البيت، ولم يحلق رأسه، ثم أصاب صيدًا
٢١٦ - قلت لأشهب: أفرأيت من رمي جمرة العقبة، وزار البيت، ولم يحلق رأسه، ثم أصاب صيدًا في الحل، أيكون عليه الجزاء أم لا؟
فقال لي: إن تأخير رامي الجمرة حلاق رأسه حين زار البيت، مما قد اختلف فيه. فمن أهل العلم من يرى ذلك مجزئًا، لما سئل عنه رسول الله ﷺ من أمر الحج بعد رمي الجمرة، فيما يقدم منه ويؤخر، فقال: «افعل ولا حرج». ومنهم من رأى أن عليه إعادة الزيارة بعد أن يحلق رأسه، أو يقصر.
[ ١٦٢ ]
ففي قول من رأى ذلك مجزئًا عنه، لا جزاء عليه فيما أصاب من الصيد في الحل بعد الزيارة، قبل حلاق رأسه.
وفي قول من رأى أن ذلك لا يجزئ عنه، عليه الجزاء فيما أصاب من الصيد في الحل بعد الزيارة قبل حلاق رأسه، حتى يزور بعد الحلاق، وأنه استحب له جزاءه، ولا أرى عليه واجبًا للاختلاف فيه، وإن رسول الله ﷺ سئل بعد رمي الجمرة عن أشياء من أمر الحج، قدم بعضها، وأخر بعضها؟ فقال: «افعل ولا حرج».
باب من أصاب صيدًا في العمرة بعدما طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة في الحل قبل الحلاق
٢١٧ - قلت لأشهب: أرأيت من أصاب صيدًا في العمرة بعدما طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة في الحل، قبل الحلاق؟
فقال لي: لا جزاء عليه، وذلك أنه إذا قضى من العمرة سعيه بين
[ ١٦٣ ]
الصفا والمروة، فقد حل له كل ما حرم عليه من إلقاء التفث، ولبس الثياب، وحلق الشعر، فلا أرى عليه جزاءه، وقد كان أحب إليّ، ألا يصيد حتى يحلق، أو يقصر، كما أحب له ألا يصيب النساء، حتى يقصر، أو يحلق.
٢١٨ - قلت لأشهب: أرأيت إن حلق أو قصر بمنى، ثم أصاب صيدًا قبل الزيارة؟
فقال لي: قد أعلمتك أنه قد بقي عليه من حرمة مس النساء.
وفي قول عمر: والطيب. فأرى لذلك أنه قد صاد محرمًا إذا بقي عليه من إحرامه شيء، وأن عليه جزاء ذلك الصيد.
٢١٩ - قلت لأشهب: أفرأيت إن أصاب صيدًا، وقد نسي رمي الجمرة بعد أن زار؟
فقال لي: أرى عليه جزاءه، وعليه أن يرمي الجمرة، ثم يعيد الزيارة.
وإنما التقديم والتأخير الذي أرخص فيه، ما بعد رمي الجمرة، وكذلك بلغني عن عطاء بن أبي رباح، أن رسول الله ﷺ إنما سُئل بعد رمي الجمرة؟
فقال: «افعل ولا حرج».
[ ١٦٤ ]
باب ما جاء في جزاء الصيد، تعطى منه جارية أبيه أو أخيه أو ولده أو جده أو ولد ولده أو مكاتبه أو أمته أو عبده أو مدبّره أو أمهات أولاده وامرأته
٢٢٠ - قلت لأشهب: أرأيت جزاء الصيد، أتُعطى منه جارية أب، أو أخ، أو ولد، أو جد، أو وولد ولد، أو مكاتبه أو أمته، أو عبده، أو مدبّره، أو أمهات أولاده، أو امرأته؟
فقال لي: أما من كان من هؤلاء غنيًا، أو تلزمه نفقته، وهو واجد لنفقتهم، فلا يعطي منه أحدًا منهم شيئًا. فإن أعطى منهم أحدًا منهم شيئًا على ما وصفت لك، فعليه إعادة الجزاء.
وأما من كان منهم لا تلزمه نفقته، وهو محتاج، أو نفقته تلزمه، وهو غير واجد، فلا أرى عليه ضيقًا في إعطائهم منه، بقدر ما يعطى غيرهم من نظرائهم. ولا أرى أن يأكل هو منه شيئًا، فإن أكل منه شيئًا، غرم الجزاء كله. وكذلك فدية الأذى.
فأما ما سوي ذلك،، مما يجب عليه أن يتطوع به، لم يجعله نذرًا للمساكين بنيته أو لفظًا، فإنه لا بأس أن يأكل منه، ويطعم من شاء، من غني أو فقير.
٢٢١ - قلت لأشهب: أفرأيت ما أطعم من ذلك أهل الذمة؟
[ ١٦٥ ]
فقال لي: لا أحب له أن يطعم أهل الذمة، من نسك نسكه لله واجبًا عليه، أو تطوع به، فإن أطعم أحدًا منهم، فلا أرى عليه بدل ذلك، كان واجبًا، أو متطوعًا به، إلا فدية الأذى، أو جزاء الصيد، ونذر المساكين، فإني أرى إن أطعم أحد منهم منه شيئًا، أن يجزئه ثانية.
باب جزاء الصيد، يقول الحاج أو المحرم: قوموه عليّ من الطعام تمرًا، أو عدسًا، أو شعيرًا، أو حمصًا، أو أرزًا، أو جلجلانًا، أو ما أشبه ذلك
٢٢٢ - قلت لأشهب: أرأيت جزاء الصيد، إن قلت: قوموه عليّ من الطعام تمرًا، أو عدسًا، أو شعيرًا، أو حمصًا، أو أرزًا، أو جلجلانًا، أو ما أشبه ذلك؟
فقال لي: ليس لك ذلك، إلا أن يكون الذي سألت أن يقوموه عليك هو معاشك، وقوت عيالك، فإما أن تكون تأكل الحنطة، أو التمر، أو الشعير، هو قوتك وقوت عيالك، فتقول: قوموه علي عدسًا، فليس ذلك لك، وكذلك من وجبت عليه كفارة يمين، فأراه تكفيرها بالعدس، أو بالحمص، أو بالجلجلان، لم يكن ذلك له، ولكن يكفر بما يأكل، ويقوت به عياله.
[ ١٦٦ ]
٢٢٣ - قلت لأشهب: أفرأيت إن كنت أقوت نفسي، وعيالي التمر، فقوم الصيد علي تمرًا، فأردت ألا أصوم، وأن أطعم المساكين التمر، أيعطى كل مسكين مدا مدا؟
فقال لي: إن كان بين قوت المساكين تمرًا، وقوتهم حنطة اختلاف، يعطى كل مسكين من التمر ما يجزئه لغذائه وعشائه، إن كان التمر أجزأ من الحنطة، أو كانت الحنطة أجزأ من التمر.
قلت لأشهب: أفرأيت إن لم أرد إطعام التمر، فأردت أن أصوم مكانه، أصوم مكان كل مد يومًا، أو مكان كل مسكين يومًا؟
فقال لي: إن صمت مكان كل مسكين يومًا أجزأ عنه، وإن كانت الأمداد أكثر من المساكين، ويصوم مكان كل من ما أحب إليّ، إذا كانت الأمداد أكثر من المساكين، وإن كانت المساكين أكثر من الأمداد، فأحب إلي أن يصوم مكان كل مسكين يومًا. وإن صمت مكان كل مد يومًا أجزأ عنك. وإن كانت المساكين أكثر من الأمداد، وإنما رأيت هذا من قبل أنك لو أعطيت كل مسكين مدا، لم أر ذلك ضيقًا، لأنه والحنطة منها، وقيل: الإجزاء وإن اختلف إجزاؤهما.
٢٢٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن قوم على الصيد طعامًا، فأطعمت من ذلك الطعام، ثم قلت: أرى أصوم لما بقي من هذا الطعام عدد المساكين، ولا أطعم؟
فقال لي: ليس لك أن تفرق كفارة جزاء الصيد، فيجعل بعضه هديًا، وبعضه طعامًا، وبعضه صيامًا، ولا .. وبعضه طعامًا، ولا صيامًا،
[ ١٦٧ ]
ولا بعضه طعامًا، وبعضه صيامًا، إنما لك الخيار في .. بعض الذي / خيرك الله ﷿ من الهدي، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا، فأي ذلك شئت واحدًا منه جعلت كفارتك فيه، وليس لك أن تفرق كفارتك فيه كله، فإن كنت قد فعلت فأهديت .. الهدي، وصمت ثلث الصيام، وأطعمت ثلث المساكين، فما أهديت باطل، وأنت مخير في المستقبل، في أن تهدي هديًا كاملًا كله، ولا صيام عليك ولا إطعام مساكين في أن تطعم المساكين بقية ما وجب عليك من إطعامهم في جزاء ما أصبت من الصيد، يحتسب فيه بالثلث الذي أطعمت، حتى تكمل جزاء الصيد كله طعامًا، وفي أن تصوم بقية ما وجب عليك من الصيام، في جزاء ما أصبت من الصيد، تحسب فيه بالثلث الذي صمت من صيام ما لزمك من الصيد.
وإنما فرق بين احتسابك بما كنت أطعمت، وبما كنت صمت، وبين احتسابك بما كنت أهديت، أنك إذا صمت على صيامك الذي كنت صمت، أو أطعمت على طعامك الذي كنت أطعمت، فقد صمت العدة كلها، وأطعمت العدة كلها على ما كانت وجبت عليك به، وأنك إذا أهديت على هديك الذي كنت أهديت، لم يكن الهدي الذي لزمك على ما كان وجب عليك به، لأنه وجب عليك أن تهدي هديًا كله لك، لا شريك لك فيه، فلم تُهد إلا ما لك فيه شريك، وكذلك كفارة الأيمان، إن أطعمت اليوم خمسة مساكين، وغدًا خمسة، أو بعد ستة، أو كسوتهم كذلك، أو صمت اليوم يومًا أو يومين إن كنت من أهل الصيام، ثم صمت اليوم الثالث بعد أيام، أو سنة، أجزأ ذلك عنك. وإن كنا لنستحب متابعة ذلك في المساكين، وفي الصيام، وهو في الصيام أشد، لأن إطعام المساكين مفترق، إنما يعطى أحدهم، ثم يعطى الآخر بعده، وأن الأيام
[ ١٦٨ ]
متصلة، وأنها من الصيام الذي ذكر الله ﷿ في كتابه، وإنك لو أعتقت في كفارة يمين نصف عبدين لم يجز ذلك عنك. وكذلك كفارة الظهار، وكفارة قتل النفس، لأن الله ﵎ قال في قتل النفس: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وإنما هذا تحرير نصف رقبتين. وقال في الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فهذا أيضًا تحرير نصف رقبتين.
وقال في كفارة اليمين: «أو تحرير رقبة» فهذا تحرير نصف رقبتين. وليس تحرير رقبة، كما قال الله ﷿. فلذلك اختلف في هذا الإطعام، والصيام، والعتق، والهدي، لأن الهدي مثل العتق. قال الله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فهذا ليس بهدي، إنما هو نصف هديين، وليس كما قال الله ﷿.
باب من أطعم بعض جزاء الصيد، ولم يجد بعضًا
٢٢٥ - قلت لأشهب: أفرأيت من أطعم في جزاء الصيد، ولم يجد الإطعام، أيجوز له أن يصوم مكان ما لم يجد من الإطعام يومًا لكل مسكين بالعذر الذي له، لأنه لم يجد؟
فقال لي: لا أرى ذلك يجزئ عنه، وإن فعل رأيت عليه أن يتم صيامه، حتى يكمل جزاء الصيد كله صيامًا، وكذلك من كسا المساكين، ثم عجز عن كسوة بعضهم، فليس له أن يطعم مكان كسوة كل مسكين مسكينًا، ولكن له أن يدع الكسوة ويبدي] إطعام عشرة مساكين، وكذلك
[ ١٦٩ ]
من أطعم كفارة يمينه بعض المساكين، ثم عجز عن إطعامهم، وعن / كسوتهم، وعن تحرير رقبة ليس له أن يصوم مكان كل مسكين يومًا فقط، إلا أن يكون ما بقي عليه من عدد المساكين ثلاثة فأكثر، فلا يكون عليه أن يصوم إلا ثلاثة أيام، كفارة اليمين، لمن لم يجد عتقًا، ولا كسوة، ولا إطعامًا.
٢٢٦ - قلت لأشهب: أفرأيت إن كان لمن قد بقي عليه من إطعام المساكين، أو كسوتهم، يومًا أو أيامًا، ولا قوة له على الكفارة فيما بقي عليه، إلا بالصيام، فصام ذلك اليوم الذي وجب عليه عند نفسه، من المسكين الذي عجز عن كسوته، أو طعامه، أو صيام تلك الأيام، وهي ثلاث أو أكثر، مكان ما عجز عنه من المساكين، ينوي ذلك، وإياه تعمّد، أيجزئ ذلك عنه؟
فقال لي: إن كان إنما صام يومًا مكان مسكين، عجز عنه، فأرى ذلك اليوم مجزئًا عنه، وعليه أن يصوم يومين معه، أو بعده، وإن كان إنما صام أيامًا، وإن زادت على ثلاثة، مكان ما عجز عنه من المساكين، فقد أجزأ ذلك عنه في كفارة يمينه، إذا كانت تلك الأيام ثلاثة أو أكثر من الثلاثة الأيام كفارة يمينه، وما زاد، فليس من كفارة يمينه في شيء، والله يصنع به فيه ما أحب، لا يصنع عمل عامل أراد وجهه فيما وافق الحق.
٢٢٧ - قلت لأشهب: أرأيت من أصاب صيدًا، فلم يكفر عنه في حجه حتى رجع إلى بلده، فبعث بهدي مكان ما أصاب من ذلك الصيد، أيجزئه أم لا؟
وأرأيت إن بعث به في حج قابل، أو حج هو به قابلًا فساقه؟
فقال لي: إن بعث به في حج قابل، أو حج هو به، فإنه ينحره بمنى إن كان قد وقفه بعرفة عشية عرفة، أو ليلة المزدلفة، قبل أن يطلع الفجر،
[ ١٧٠ ]
وهو مجزئ عنه، وإن كان لم يقفه بعرفة حتى طلع الفجر من ليلة المزدلفة، فلا منحر له بمنى، ولا بمكة، حتى يمضي أيام منى، فينحره بمكة، وهو مجزئ عنه، وإن كان قد وقفه بعرفة، ثم لم ينحره بمنى حتى مضت أيام منى، إما بجهالة، وإما لأنه ضل منه، فإنه ينحره بمكة، وهو مجزئ عنه. وإن كان إنما بعث به في غير إبان الحج، أو سار به هو نفسه، فإنه ينحره بمكة، وهو مجزئ عنه، وإن كان لما بعث به في غيره قد وقفه بعرفة، ثم نحره بمكة في أيام منى قبل انقضائها لم يجز عنه.
وإن كان نحره بمنى في أيام منى، ولم يقفه بعرفة، فإنه غير مجزئ عنه أيضًا، وإن كان وقفه بعرفة، ثم لم ينحره بمنى حتى مضت أيام منى، ثم نحره بمنى، فهو غير مجزئ عنه أيضًا، لأنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف بعرفة، ولا نخر بمنى، إلا أيام منى، وأنه لا نحر بمكة في أيام منى، حتى تنقضي أيام منى، وكل من نحر بموضع، لا يجوز له النحر به يوم نحره، ولا يجزئه النحر في أيام منى بمنى، لما قد وقف بعرفة.
والمنحر في غير أيام منى بمكة، فمن نحر في غير المنحر في حينه، لم يجزه، وذلك لأن رسول الله ﷺ قال بمنى في الحج: «هذا المنحر، وكل منى منحر». وقال في العمرة: «المروة منحر. وكل فجاج مكة منحر، وطرقها منحر».
٢٢٨ - قلت لأشهب: وكذلك فدية الأذى، وما يجب، والهدي؟
فقال لي: أما كل هدي واجب وغير واجب، فهو على ما وصفت لك في جزاء الصيد، لأن الله ﵎ قال في الهدي: ﴿هَدْيًا بَالِغَ
[ ١٧١ ]
الْكَعْبَةِ﴾، فكل ما كان هديًا، فهو في هذا سواء، أما فدية الأذى، فإنه ليس بهدي، وصاحبه ينحره حيث شاء، إن نحره بمكة في أيام منى، أو نحره / بمنى، في غير أيام منى، فإني أرى ذلك مجزئًا عنه كله، وأرى وقفه بعرفة، أو لم يقفه بها، فلينحره حيث شاء، إذا كان إنما نوى به فدية الأذى.
٢٢٩ - قلت لأشهب: أرأيت ما بلغ من الصيد هديين؟
فقال لي: ليس يبلغ شيء من الصيد هديين، إنما هو هدي واحد، يقول الله ﵎: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
باب من أحصر بعدو، أو بغير ذلك
٢٣٠ - قلت لأشهب: أرأيت من أحصر بعدو، أو بغير عدو، ومعه هدي، أينحره قبل يوم النحر؟
[ ١٧٢ ]
فقال لي: أما من أحصر بعدو مقيم، فإنه ينحره قبل يوم النحر، ويحلق رأسه قبل يوم النحر، ويحل من كل ما كان منه حرامًا، وأما من أحصر بغير عدو، من مرض أو غيره، فإنه لا يحل في شيء من أمر نفسه، ولا ينحر هديه، وإن كان بمكة، حتى يمضي يوم عرفة، وليلة المزدلفة. فإذا مضى يوم عرفة، وليلة المزدلفة، أو مضى منها ما لو أطلق عنه، لم يدرك الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر، جاز له الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة. ولا يحل حتى يطوف بهما، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، نحر هديه ثم حلق أو قصر، ثم قد حل من كل شيء، كان به محرمًا، ثم عليه حج قابل، والهدي لما فاته من الحج، وإن كان قارنًا فعل ما وصفت لك، وعليه أن يقرن قابلًا، ويهدي هديين: هديًا لقرانه، وهديًا لما فاته من الحج.
٢٣١ - قلت لأشهب: أرأيت هذا المحصر بعدو، ومعه الهدي، وهو حاج أو قارن، إن نحر هديه قبل يوم النحر، أيجزئه ذلك، أم عليه البدل؟
فقال لي: إن كان نحره بعد أن فاته الوقوف بعرفة، وإن كان قد طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، فإن ذلك لا يجزئه، لأن منحره بمنى
[ ١٧٣ ]
بعد، وإنما منحره بمكة، إذا كان قد فاته الوقوف بعرفة، وكذلك إن كان إنما هو هدي تطوع، فإنه إن نحره وقد فاته الوقوف بعرفة أجزأ عنه، ولا بدل عليه فيه، وإن نحره ولم يفته الوقوف بعرفة، فعليه البدل، لأنه نحره قبل محله.
٢٣٢ - قلت لأشهب: أرأيت من أحصر حتى فاته الحج، فحج من قابل، أينحر هدي إحصاره قبل يوم النحر؟
فقال لي: إن نحره قبل يوم النحر، لم يجز ذلك عنه، وكان عليه البدل، ولكنه ينحره بمنى أيام النحر كلها، إن كان قد وقفه بعرفة، وإن كان لم يقفه بعرفة، فلينحره بمكة بعد مضي أيام منى.
٢٣٣ - قلت لأشهب: أرأيت إن لم يجد هذا المحصر هديًا في قابل، أو كان قد جامع في حج، فكان هذا قضاء لذلك الحج، فلم يجد ما يهدي، أيجزئه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع؟
فقال لي: نعم، أرى ذلك مجزئًا عنه.
٢٣٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن حج من قابل، يريد قضاء حجته التي جامع فيها، ففرق أن يكون عليه دمان: دم للقران، ودم لما جامع في حجته التي هذه قضاؤها، أم لا يجوز له القرآن؟
فقال لي: لا أراه يجوز له القرآن، لأن عليه قضاء الحجة التي أفسد، على ما كان وجبت عليه من إفراد الحج، فقرانه في هذا باطل، وهو مفرد إن شاء]، وإن أبي، إذا نوى بذلك قضاء حجته التي
[ ١٧٤ ]
أفسد، وكذلك لو أفسد عمرته، فلما كان من قابل، قرن بين الحج والعمرة، يريد بذلك قضاء عمرته، وجه القياس في ذلك أنه معتمر، وإن حجه باطل، ولكني أستحسن أن يكون قارنًا، يهدي لقرانه، ولا يحل إلا يوم النحر، لأن المعتمر يحل بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وقد طاف هذا بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة عند دخوله، فإن كان ذلك أجزأه، فتلبيته تعد لحجه، وإن كان ذلك لم يجزه، فإنه يحله من حجه وعمرته رمي الجمرة يوم النحر، إلا ما بقي عليه من النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت، فيحل من كل شيء.
٢٣٥ - قلت لأشهب: أرأيت إذا بلغ جزاء الصيد بدنة، أو بقرة، فاشترى بثمنه غنمًا فذبحها وتصدق بها، أتجزئه؟
فقال لي: لا أراها تجزئه، وكذلك من وجب عليه عتق رقبة بيضاء، فاشترى بثمن البيضاء أسود، أو سوداء، فأعتقهم، لم يجزئه، ولكن من وجب عليه بقرة، فأهدى بدنة أجزأه، وكذلك من وجب عليه شاة، فأهدى مكانها بقرة، أو بعيرًا، أجزأه ذلك، وكذلك الذي يجب عليه عتق فطيم، فيعتق رجلًا كبيرًا، أو يجب عليه عتق أسود، فيعتق أبيض، يجزئه ذلك، لأنه أعتق أفضل مما وجب عليه، والرقيق أشد تقاربًا على كل حال من الغنم، والبقر، والإبل.
٢٣٦ - قلت لأشهب: أرأيت إن كان نظير الصيد من البدن، فقال: احكموا عليّ بقيمة الصيد غنمًا، أيكون ذلك له؟
فقال لي: لا أرى لك له، فإن أهدى بقيمة الصيد غنمًا، لم أر ذلك يجزئ عنه، ورأيت عليه البدل، بجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا.
[ ١٧٥ ]
٢٣٧ - قلت لأشهب: أرأيت جزاء الصيد من الهدي أيقلد ويشعر؟
فقال لي: نعم، يقلّد ويشعر، ويوقف به بعرفة، إن كان في أيام الحج، وكذلك كل هدي من جزاء صيد، أو نذر، أو تطوع، أو غير ذلك مما هو هدي.
٢٣٨ - قلت لأشهب: أرأيت الشجرة أصلها في الحل، وغصونها في الحرم، هل على الرجل بأسًا أن يقطعها؟
فقال لي: ما أرى بذلك بأسًا أن يقطعها، ولا أراه يجوز له، إذا كان أصلها في الحرم، ولها غصن في خارج الحرم، أن يقطع ذلك الغصن، لأن الشجرة في الحرم، فهي كلها فيه، وإن بدر منها شيء.
٢٣٩ - قلت لأشهب: أفرأيت إن كان أصلها في الحل، وغصونها في الحرم، أو كان أصلها في الحرم، وغصونها في الحل، على موقع غصن من أغصانها طائر؟
[ ١٧٦ ]
فقال لي: إن كان ذلك الغصن في الحل، وإن كان أصل الشجرة في الحرم، فلا بأس أن يصاد، وإن كان ذلك الغصن في الحرم، وإن كان أصل الشجرة في الحل، فلا يجوز أن يصاد، وذلك لأن الطير ليس من الشجرة كما الغصن منها، وإنه إنما وقوعه على ذلك الغصن، بمنزلة ما لو كان منتريًا نترًا عليه، غير قابض جناحيه، أو قابض لهما، وباسط غير واقع على الغصن، إن كان ذلك في الحرم حرم اصطياده، وإن كان في الحل، حل اصطياده /.
٢٤٠ - قلت لأشهب: أرأيت من قطع من شجر الحرم، أيجوز له أن ينتفع به، وقد قطع منه؟
فقال لي: لا أرى بأسًا بانتفاعه به، لأنه قد فات الذي كره له من قطعه، ولا جزاء عليه فيه.
٢٤١ - قلت لأشهب: أرأيت ما كان قد يبس من مسجد الحرم، هل يحتطب، وينتفع به؟
فقال لي: نعم، لا بأس بذلك.
٢٤٢ - قلت لأشهب: أفرأيت من احتطب من شجر الحرم فباعه، ما يصنع بثمنه جاهلًا كان أو ناسيًا؟
[ ١٧٧ ]
فقال لي: يأكله، ويجعله مجعل ماله.
٢٤٣ - قلت لأشهب: أرأيت السبع يقتله الرجل في الحرم، من غير أن يبدأه السبع؟
فقال لي: لا أرى عليه بأسًا، وأرى ألا بأس عليه في أن يبدأ من السباع كل ما كان مخوفًا، مثل الأسد، والنمر، وما أشبههما.
٢٤٤ - قلت لأشهب: أرأيت الباز المعلم إذا قتله المحرم، أيجعل عليه قيمته معلمًا، أو غير معلم؟
فقال لي: أما جزاؤه من الهدي، فمثل ما قتل، هديًا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا، على غير التعليم واصطياده، ولكن قيمته لمن هو له، على الذي قتله معلمًا بالغًا ما بلغ، فعليه جزاؤه هديًا، أو عدل ذلك من الطعام، أو الصيام، وعليه لربه قيمته معلمًا من الذهب والفضة.
٢٤٥ - قلت لأشهب: أرأيت من أحصر في العمرة بعدو، أيكون محضرًا أم لا؟
فقال لي: نعم، هو محصر، يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه بحيث هو، وإنما أحصر رسول الله ﷺ في عمرة.
٢٤٦ - قلت لأشهب: أرأيت من أهل بالحج، ففرط حتى مضى الحج، أعليه الحج من قابل؟
فقال لي: من فاته الحج بعذر، كان عليه الحج من قابل، فكيف بمن
[ ١٧٨ ]
فرط فيه بلا عذر، لا يكون عليه الحج من قابل، وأرى أنه بالخيار كان مفرطًا حتى فاته الحج، أو غلبه ذلك بمرض، أو غيره من الحصر عن الحج، ما لم يكن بعدو مقيم، في أن يقيم على إحرامه بالحج إلى قابل، وفي أن يحل بعمرة، ثم عليه الحج من قابل.
٢٤٧ - وأخبرني سفيان بن عيينة، أن عمرو بن دينار، حدثه عن ابن عباس، أنه قال: «لا حصر إلا حصر عدو».
باب المرأة تهل بالحج مع غير ذي محرم منها
٢٤٨ - قلت لأشهب: أرأيت المرأة تُهل بحجة، ولا تجد ثقة تخرج معه، ولا ولي لها، أو لها ولي، لا يخرج معها؟
فقال لي: إن المرأة ليستحب لها ألا تسافر يومًا وليلة إلا ومعها ذو محرم، وذلك أن مالك بن أنس، حدثني أن سعيد بن أبي سعيد المقبري، حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة،
[ ١٧٩ ]
تؤمن بالله ورسوله، تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي حرمة منها»، وإنما هذا عندنا، لمن وجد ذا حُرمة فحج معها.
فأما إذا لم تجد، وهي ضرورة، فإنا نرى أن تحج مع جماعة من فإن لم تجد نساء، فمع جماعة النساء من أهل الثقة، لأن الله ﷿ قال:
[ ١٨٠ ]
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
٢٤٩ - وقد أخبرني ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن ابن شهاب، أنه قال: إذا كانت المرأة لم تحج، ثم غاب عنها زوجها حجت، وإن كانت قد حجت، فلا تحج إلا بإذنه.
٢٥٠ - قال لي ابن لهيعة: وأخبرني بكير، عن نافع، أن ابن عمر كان يحج معه مواليات له، ليس معهن محرم.
٢٥١ - وأخبرني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عمن أخبره، عن عائشة زوج النبي ﷺ، أنه ذكر لها عن أبي سعيد الخدري حديثًا عن رسول الله ﷺ «في ألا تسافر المرأة إلا مع ذي حرمة منها» قالت: يغفر الله لأبي سعيد، ما كل النساء لها حُرمة.
٢٥٢ - وأخبرني السبيعي عيسى بن يونس، أن الأوزاعي، حدثه عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: «ليس على الرجل حج امرأته، إلا أن يشاء».
قال الأوزاعي: وقال نافع: هو عليه، إن كانت لم تحج
[ ١٨١ ]
٢٥٣ - قال الأوزاعي: سمعت [مكحولًا يقول: «عليكم حج نسائكم».
٢٥٤ - وأخبرني يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، حدثه قال: قلت / لعطاء بن أبي رباح: «أتحج المرأة مع غير ذي محرم؟»
فقال: لا، فقلت: فالمرأة تحج معها موالياتها بلبن، وضعها ورفعها، أتحج؟ فقال: نعم.
٢٥٥ - قال أشهب: فأرى ألا تحج المرأة مع غير ذي محرم، إلا أن تكون صرورة، لا تجد ذا محرم، تخرج معها، فتخرج مع نساء إن وجدتهن، وإن لم تجدهن فمع ثقات من الرجال، فإن لم تجد نساء،
[ ١٨٢ ]
ولا ثقات من الرجال تخرج معهن، كانت عندي ممن لم تجد إلى الحج سبيلًا، وكانت في سعة وعذر، إلى أن تجد إليه سبيلًا، بما وصفت لك.
فأما الذي سألت عنه، من أنها أحرمت، ثم لم تجد ذا حرمة، ولا جماعة نساء، ولا ثقات من الرجال، تخرج معهن، فإني أراها حرامًا أبدًا، حتى تجد السبيل إلى البيت مع ذي محرم، أو جماعة نساء، أو مع ثقات من الرجال، وهي عندي بمنزلة المحضر بمرض، وليست بمنزلة المحضر بعدو، ولأنه إنما جاءت السنة في المحضر بعدو، أنه يحل بمكانه الذي أحصر به، ويحلق رأسه، وينحر هديه، ولم يأت ذلك في محضر سواه، ولا أرى لها أن تخرج مع من لا تأمن على نفسها، وتخافه على حرمتها، وأن يركبها بما هو أعظم عليها من التخلف عن حجها.
٢٥٦ - قلت لأشهب: أرأيت امرأة أحرمت بغير إذن زوجها، أو كانت أمة، فأحرمت بغير إذن سيدها؟
فقال لي: أما المملوك، فإحرامه باطل بغير إذن سيده، وكذلك الصبي بغير إذن وليه، إذا كان ذلك مضرًا به في بدنه وماله.
وأما ذات الزوج، فأرى إحرامها ماضيًا عليها، تمضي فيه لوجهها، وتوعظ فيه في المستقبل من أمرها، وإن كانت غير صرورة.
٢٥٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن أحصر بمرض حتى ذهب الحج، أيهدي إذا وصل إلى البيت، أم يؤخر هذا الهدي إلى حجته المقبلة إن رأيت عليه الحج؟
فقال لي: إن كان معه هدي، فعليه أن ينحره، ويحل بعمرة إن شاء، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل، فإن حل بعمرة، فعليه الحج من قابل، وما استيسر من الهدي، ولا يجزئه الهدي الذي كان معه، وإن أهدى من عامه ذلك الهدي، الذي وجب عليه، في حصره في عامه هذا
[ ١٨٣ ]
الذي حل فيه من حجه، من عمرة، أو من قابل، ما لم يحرم بالحج قابلًا، لم يجز ذلك عنه.
ومن الدليل على أنه ليس له أن يهديه حتى تحرم بالحج من قابل، أن مالك بن أنس حدثني، أن يحيى بن سعيد، حدثه أن سليمان بن يسار، أخبره أن أبا أيوب الأنصاري، خرج حاجًا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة، أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال له عمر: «اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلًا، فاحجج، واهد ما استيسر من الهدي».
٢٥٨ - وإن مالكًا بن أنس، والليث بن سعد، حدثاني أن نافعًا، حدثهما عن سليمان بن يسار، وهبار بن الأسود، خرج حاجًا من الشام، فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ فقال: أخطأنا العدة، وكنا نرى أن هذا اليوم، يوم عرفة.
فقال له عمر: اذهب أنت ومن معك إلى البيت، فطف به سبعًا، وإلى الصفا والمروة، فتطوف بهما سبعًا، وانحر هديًا، إن كان معك، ثم احلقوا، أو قصروا، وارجعوا، فإذا كان عامًا قابلًا، حجوا، واهدوا إن وجدتم سعة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم.
قال أشهب: فإنما الهدي في الإحصار، إذا حج من قابل.
٢٥٩ - قلت لأشهب: أفرأيت من قرن بين الحج والعمرة، ثم فاته الحج؟
فقال لي: إن شاء القيام على إحرامه إلى قابل، وعليه الهدي في قرانه، وإن شاء حل بعمرة، فإذا كان قابلًا، فعليه أن يحج ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديًا لقرانه الحج مع العمرة، وهديًا لما فاته من الحج. وقد قاله لي مالك.
٢٦٠ - قلت لأشهب: أفرأيت من حج تطوعًا، وهو
[ ١٨٤ ]
لم يحج حجة الإسلام، ففاته الحج / في حجة التطوع، أيجعلها عمرة، ثم عليه حج قابل؟
فقال لي: نعم، إن شاء جعلها عمرة فحل، ثم عليه حج قابل واجب، وإن كان قد حج حجة الإسلام، وعليه مع ذلك، ما استيسر من الهدي، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل، ولا يهدي عليه، لأنه لم يستمتع بالعمرة، وأحب إليّ أن يهدي لتأخيره الحلاق إلى قابل، وليس بواجب عليه، وقد سمعت مالكًا سئل عمن حج تطوعًا، وقد حج حجة الإسلام، ففاته الحج في حجته التطوع، أيجعلها عمرة، ثم عليه حج قابل واجب؟
فقال: نعم، يجعلها عمرة، ثم عليه حج قابل واجب، وإن كان قد حج حجة الإسلام.
٢٦١ - قلت لأشهب: أفرأيت من قدم معتمرًا في أشهر الحج، فقضى عمرته، ثم أهل بالحج من مكة، فكسر، أو أصابه أمر، لا يقدر معه على الوقوف بعرفة، حتى فاته الوقوف بعرفة؟
فقال لي: يقيم حتى إذا برئ، خرج إلى الحل، ثم رجع إلى مكة، فطاف بالبيت سبعًا، وبين الصفا والمروة، ثم يحل، ثم عليه حج قابل والهدي، لأن حجه صار عمرة، وإنما أهل من داخل الحرم، وليس يهل أحد بعمرة من داخل الحرم، ولكن لو كان أهل من الميقات بالحج، أو خارجًا من الحرم، ثم دخل مكة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم أصابه أمر، حال بينه وبين الحج، فإنه لم يكن عليه أن يخرج إلى الحل، ثم يدخل كما كان عليه، حين أهل بالحج من داخل الحرم، ثم صار حجه عمرة، أن يخرج، ولكنه يطوف بالبيت، الآن طوافًا آخر، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يحل بعمرة، وعليه حج قابل، والهدي، وإنما أعاد هذا الطواف والسعي، ولم يجتزئ بالأول، لأن طوافه الأول
[ ١٨٥ ]
وسعيه، إنما كان نوى به الحج، لم ينو به العمرة التي أحل بها، هذا إذا اختار أن يحل، فأما إن اختار الإقامة على حجه إلى قابل، فإن ذلك له، فإذا كان قابلًا يقدم مكة، طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة.
وإن كان قد طاف وسعى في إحرامه في العام الماضي، وإن اجتزأ به رأيته مجزئًا عنه، ويعيد الطواف والسعي أحب إليّ، حتى يكون طوافه وسعيه موصولًا بعمل حجه، وقد قال لي مالك: من قدم معتمرًا في أشهر الحج، فقضى عمرته، ثم أهل بالحج من مكة، فكسر أو أصابه أمر لا يقدر معه على الوقوف مع الناس بعرفة، فإنه يقيم حتى إذا برئ، خرج إلى الحل، ثم رجع إلى مكة، فطاف بالبيت سبعًا، وهو الصفا والمروة، ثم يحل، ثم عليه حج قابل والهدي، ومن أهل من الميقات بالحج، ثم دخل مكة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم أصابه أمر، حال بينه وبين الحج حتى فاته، فليتطوف بالبيت طوافًا آخر، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يحل بعمرة، وعليه حج قابل والهدي.
٢٦٢ - قلت لأشهب: أفرأيت ما ذبحت من الهدي عن إحصاري. أو في تمتع، أو جزاء صيد، أو في فدية أذى، أو في حج فاتني، أو في حج جامعت فيه، فسُرق ما ذبحت من ذلك كله، قبل أن أتصدق به على المساكين، أو قبل أن أتصدق منه بشيء؟
[ ١٨٦ ]
فقال لي: إنه ليس عليك أن تتصدق من هذا، إلا بما كان جزاء صيد، أو فدية أذى، لأنهما مقرونان بالصدقة، أو هدي نذرته للمساكين، وما سوى هذين، فلك أن تأكل أو توكل، وتهدي لمن كان غنيًا، أو فقيرًا، وكل ما سألت عنه فيما نحرت، أو ذبحت، فقد قضيت الذي عليك فيه، وخرجت من ضمنه، شرق أو لم يسرق، ولا شيء عليك فيه.
٢٦٣ - قلت لأشهب: أرأيت من بعث معه بهدي فدية، أو هدي إحصار، أو هدي، أو جزاء صيد، فبلغ محله، ونحره عن صاحبه، أيجوز للمبعوث منعه، أن يأكل منه؟
فقال لي: أما ما كان من الهدي، غير فدية الأذى، أو جزاء الصيد، فلك أن تأكل منه كما يأكل مثلك، وإن كنت عنه غنيًا. وأما ما كان منه فدية أذى، أو جزاء صيد، فليس لك أن تأكل منه شيئًا إلا [..] ذلك فقيرًا، فتأكل منه بالمعروف، كما توكل غيرك من أهل الفقر إليه [..] صاحب الهدي، لأن صاحب الهدي، وإن كان فقيرًا، لا يجوز له / أن يأكل من فدية الأذى، ولا جزاء الصيد، وإن كان إلى ذلك فقيرًا، وإنما هو بمنزلة رجل لا يملك إلا دينارًا.
فقال: هو صدقة على المساكين، فلا يجوز لصاحبه الذي تصدق به، أن يأخذ منه مع المساكين، كما يعطى غيره منه.
٢٦٤ - قلت لأشهب: أرأيت جلد كل هدي، ذكرت لك أو لم أذكر لك من الهدي كله، ما على المهدي فيه؟
فقال لي: إن كان جلد جزاء صيد، أو فدية أذى، فليس له أن ينتفع به، ولا يبيعه فيتصدق بثمنه،،، ولكن عليه أن يتصدق به، على مسكين أو مساكين يجمعهم فيه كما يتصدق بلحمه، وإن كان جلد ما سوى الصيد وفدية الأذى من الهدي، فإنه يصنع به ما شاء، إن شاء تصدق به، وإن شاء
[ ١٨٧ ]
وهبه لبعض أهله، وإن شاء حبسه لنفسه ما ينفع به، كما أنه يدخر من لحم ذلك الهدي، ويطعم منه من أهله من شاء.
٢٦٥ - قلت لأشهب: أرأيت من أحرم بالحج، فقدم مكة، فطاف لحجته، وسعى بين الصفا والمروة، ثم خرج إلى بعض الآفاق، الطائف أو غيره، فأحصر بمرض، أيحل لأنه قد كان طاف بالبيت، أم لا يحل حتى يطوف بالبيت طوافًا آخر؟
فقال لي: سواء خرج إلى بعض مواضع الطائف، أو غيرها، بعد أن يسعى بين الصفا والمروة لحجته، أو لم يخرج حتى حصر بمرض ففاته الحج، لا يجزئه الطواف الأول، والسعي بين الصفا والمروة، ولا يكون فيه حلالًا، لأن طوافه ذلك وسعيه، إنما كان نوى به الحج، ولم ينو به العمرة، ولم يكن له أن نوى به العمرة وهو في مهل من الحج، ولا يحل حتى يعود إلى البيت، فيطوف به سبعًا، ويركع الركعتين، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق، ثم قد حل من حجة بعمرة، ثم عليه حج قابل والهدي، وقد أعلمتك ذلك فوق هذا، وأعلمتك قول مالك لي، أنه من دخل مكة محرمًا بالحج، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم أصابه كسر، أو علة، حتى فاته الحج، أن عليه أن يطوف بالبيت طوافًا آخر، ويسعى بين الصفا والمروة سعيًا آخر، ويحل بعمرة، لأن طوافه الأول وسعيه، إنما نوى به الحج، ولم ينو به العمرة.
٢٦٦ - قلت لأشهب: أرأيت من أحصر بعرفات، بعدما وقف بها، بمرض أو بطن متحرق، أو كسر، كيف يصنع، وهل يجزئه حجه هذا؟.
[ ١٨٨ ]
وهل يكون عليه دم لما غاب عنه من أيام منى، ولما لم يقف بالمشعر الحرام، ولتأخير الحلاق، ولما أخر من الزيارة؟
فقال لي: نعم، يجزئه حجه هذا، ولا قضاء عليه فيه، وعليه فيما فاته من الوقوف بالمشعر الحرام هدي، لأن ابن عباس، قال: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهريق دمًا».
فأما فيما تخلف عنه من المبيت بمنى، في لياليها، ومن الرمي أيام الرمي، فإنه قد كان ينبغي له أن يأمر من يرمي عنه، وينحر هديًا إن كان معه، فإذا لم يفعل، فأرى عليه مع الهدي الذي لما ترك من الوقوف بالمشعر الحرام، أن يهدي بدنة فيما فاته من الرمي، وعليه مع ذلك هدي، فيما فاته من المبيت ليالي منى بمنى، ولا أحب له أن يحلق رأسه، حتى يفوته أيام الرمي، لأنه إنما يحل له الحلاق برمي جمرة العقبة يوم النحر، وإن تخلفه يوم النحر لاستعذار مرضه، أو علته، وأنه على ثقة من أنه لا يقدر على الرمي يوم النحر أو بعده، لم أر عليه شيئًا، ولا من لبس ثيابه.
فأما الحج، فإنه لا يفوت من وقف بعرفة، وإن لم يشهد شيئًا من المناسك، سوى ما تم قد حل، إذا حلق رأسه من كل شيء حرم منه، إلا النساء. وعن عمر: والطيب، حتى يطوف بالبيت طواف الإفاضة، وإذا قام مريضًا بالذي أصابه عن البيت، والطواف به سنين.
٢٦٧ - قلت لأشهب: أرأيت من أحرم بالحج، ثم أحصر، وقد / واقع النساء، أو كان قارنًا؟
فقال لي: إنه من أحرم قارنًا، أو منفردًا بالحج، فعليه التمام، فإن فاته
[ ١٨٩ ]
الحج، فإن حجه يصير عمرة إن شاء، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم قد حل من عمرته وحجه، ثم عليه عام قابل، الحج والعمرة، قارنًا ويهدي هديين: هديًا لقرانه، وهديًا لما فاته من الحج، وأنه من أحرم قارنًا، أو مفردًا بالحج، ثم أفسد حجه وعمرته، إن كان قارنًا، فعليه أن يتم حتى يقضي عمل الحج كله، ثم عليه عام قابل، الحج والهدي فيما أفسد من حجه، وإن كان قارنًا، فعليه أن يقرن قابلًا، ويهدي هديين: هديًا لما أفسد من حجه وعمرته، وهديًا لقرانه، فإذا قرن أو أفرد، ثم أفسد حجه، بإصابة أهله، وفاته الحج، فقد صار حجه عمرة، فليطف بالبيت، وليسعى بين الصفا والمروة، فإذا كان قابلًا، قرن بين الحج والعمرة، وليس له أن يقيم على الحج الفاسد إلى قابل، كما يقيم على الحج الفائت، ولا بد له من أن يحل منه، ثم عليه حج قابل، قارنًا قضاء لحجه، وعمرته التي أفسد بإصابة أهله، وعليه الهدي لما أفسد من حجه وعمرته، ما استيسر من الهدي في قرانه، وما استيسر من الهدي لما فاته من الحج.
٢٦٨ - قلت لأشهب: أرأيت من أحرم ونوى بإحرامه حجًا أو عمرة، ثم أنسي ذلك، فلم يدر أحجًا نوى، أم عمرة؟
فقال لي: أرى أن يهل بالحج، ثم يكون بمنزلة القارن في أمره كله، لأنه إن كان أهل بالحج، فهو حاج على حاله، وإن كان إنما أهل بالعمرة، فله أن يدخل الحج على العمرة، فيكون قارنًا، احتطت عليه خوفًا من أن يكون أهل بالعمرة لهذا القرآن، وأخرجته بالذي أمرته من إدخال الحج على العمرة، من أن يحلق رأسه بمكة في العمرة، خوفًا من أن يكون محرمًا بالحج، فيحل قبل أن [..] له، وإن كان إنما كان معتمرًا، فقد صار قارنًا، وأوجبت عليه الهدي.
٢٦٩ - قلت لأشهب: أرأيت من أحرم، ولم ينو في إحرامه حجًا، ولا عمرة؟
[ ١٩٠ ]
فقال لي: أحب إلي أيضًا أن يقرن، فإن كان ذلك الإحرام إنما كان عمرة، فلا بأس بإدخال الحج على العمرة، وإن كان ذلك الإحرام، إنما كان حجًا، فإدخاله العمرة على الحج باطل، وهذا القرآن احتياطًا مني عليه، خوفًا من أن يكون إحرامه ذلك كان عمرة، ثم أدخل الحج عليه.
٢٧٠ - قلت لأشهب: أرأيت من تمتع بالعمرة في أشهر الحج، ثم قضى عمرته، وحل منها، ثم أحرم بالحج، فجامع في حجه، أسقط عنه دم المتعة أم لا؟
فقال لي: إنه من تمتع بالعمرة إلى الحج، ثم أهل بالحج قبل أن يرجع إلى بلاده فقد وجب عليه الهدي، فليس المعصية التي ركب في إصابة أهله، بواضعة عنه ما وجب عليه، فعليه أن يتم على حجه هذا الفاسد، ويتم على الهدي الذي أوجب عليه فيه، فإذا كان قابلًا، وأهدى لما أفسد من حجه، وكذلك العابر يفسد حجه، فعليه أن يقرن من قابل، بعد إتمامه حجه هذا، وعليه هديان: هديًا لقرانه، وهديًا لما أفسد من حجه.
٢٧١ - قلت لأشهب: أرأيت لو أن رجلًا طاف طواف الزيارة، ونسي الركعتين حتى جامع أهله، أو طاف ستة أطواف، أو خمسة، فظن أنه قد أتم طوافه، ثم صلى ركعتي الطواف، ثم جامع، ثم ذكر أنه إنما كان طاف أقل من سبعة أطواف؟
فقال لي: إن طواف الزيارة، وهو طواف الإفاضة، إنما هو كله سبعة أطواف، ثم الركعتان وذلك طواف الإفاضة، فمن طافه على هذا حل من كل شيء حرم عليه، من نساء أو غير ذلك [..] عن شيء من هذا، من سجدة نسيها من الركعتين، أو من شوط نسيه من الطواف [..] ركع
[ ١٩١ ]
الركعتين حتى أصاب أهله، فهو بمنزلة من أصاب أهله / قبل الإفاضة، فعليه أن يعتمر ويهدي.
٢٧٢ - قلت لأشهب: وكذلك لو طاف طواف الزيارة، فأكمله، وركع الركعتين فأكملهما، إلا أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام في الركعتين.
قال لي: نعم، أراه كذلك، أراه بمنزلة من لم يركع، فليعتمر ويهدي.
٢٧٣ - قلت لأشهب: وكذلك لو لم يقرن فيهما؟
فقال لي: نعم، لأن من لم يقرن في الصلاة، فهو بمنزلة من لم يصل فليعتمر ويهدي.
٢٧٤ - قلت لأشهب: وكذلك لو ركع الركعتين في الحجر، أو في البيت؟
فقال لي: لا، ليس هذا مثل ما سألت عنه، لأن أشد ما في هذا، أنه إنما صلى لغير قبلة، فهي صلاة تُجزئ على حال، ومن صلى بغير قراءة، أو بغير إحرام، أو بغير تمام الركوع والسجود، فلم يصل، فلا أرى على هذا الذي أصاب أهله بعد أن طاف بالبيت، وركع الركعتين، إلا أنه ركعهما من لم يحج، أو في البيت شيئًا، ولأن يهدي شاة أحب إليّ، ويعيد الركعتين، وإن لم يفعل، فلا شيء عليه لأن المكتوبة نفسها، إذا صليت إلى غير القبلة استدبارًا، لم يكن على المصلي كذلك إلا إعادتها في الوقت، فإذا ذهب الوقت، فلا إعادة عليه، وأنه إذا انحرف عنها فلا إعادة عليه، فكيف بهاتين الركعتين، وقد صلاهما إلى قبلة وإن كان قد ترك بعضها خلفه.
٢٧٥ - قلت لأشهب: أرأيت من أصاب أهله بعد الإفاضة والركعتين، وقبل أن يحلق أو يقصر؟
فقال لي: أحب إلي أن يهرق دمًا، هديًا بالغ الكعبة، ولا أراه واجبًا
[ ١٩٢ ]
ولا اعتمار عليه، وقد قاله لي مالك أن أحب إليه أن يهرق دمًا، قال لي مالك وذلك أن أيوب السختياني حدثني عن سعيد بن حنين، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا».
٢٧٦ - قال أشهب: وأخبرني بعض أهل العلم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن سعيد بن حنين، أن رجلًا قال لابن عباس: إني أصبت امرأتي، فقالت: إني لم أقصر، فجعلت أقرض بأسناني شعرها، وأنا عليها. فقال له ابن عباس: «اذبحا شاة، فتصدقا بها».
٢٧٧ - وأخبرني أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، أن حميد الطويل، حدثه أنه سأل الحسن البصري، عن امرأة قدمت بعمرة، فطافت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم وقع عليها زوجها قبل أن تقصر؟
٢٧٨ - فقال الحسن: ليهديا هديًا، بعيرًا أو بقرة.
قال حميد: ثم ذكروا لنا بعض إخواننا، أن ابن عباس، سئل عن ذلك؟
فقال: إنها لشبهه، فقيل: إن المرأة شاهد، فسكت وقال: ليهديا هديًا، بعيرًا أو بقرة.
تم الخامس والحمد الله كثيرًا
وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وسلم
[ ١٩٣ ]
القسم الثالث