باب من رمى الجمار بالطين أو الحديد، ومن رمى الجمار بسبع حصيات معًا، أو ثماني حصيات
١ - قلت لأشهب: أرأيت من رمي جمرة العقبة يوم النحر، أو الجمار بعد يوم النحر بالطين، أو بالحديد، أو بالبندق، أيجزئه ذلك أم لا؟
فقال لي: لا أراه يجزئه، وهو عندي بمنزلة من لم يرم، وذلك لأن رسول الله ﷺ علم الناس مناسكهم، ثم قال: «وعليكم بحصى الخذف»
[ ٤٩ ]
وليس الطين، ولا البندق، وليس الحديد بحصى.
٢ - قلت لأشهب: أرأيت من رمي جمرة من الجمار بسبع حصيات معًا؟
[ ٥٠ ]
فقال لي: لا أراه يجزئه منها إلا حصاة واحدة، وعليه أن يرمي سبع حصيات، فتكمل رمية الجمرة بسبع حصيات، حصاة حصاة، [لا بحصاتين] حصاتين، أو ثلاثًا ثلاثًا.
قال: [..] وكل رمية رما [ها] / بحصاتين، أو ثلاث حصيات، فلا يعتد فيها إلا بحصاة حصاة، ثم يكمل رميه على ذلك، حتى يرمي سبع رميات، وكذلك إن رمى السبع الحصيات في رميتين، رمية بأربع حصيات، ورمية بثلاث حصيات، فإنه يعتد برميتي حصاتين، ثم يرمي خمس رميات، في كل رمية بحصاة.
٣ - قلت لأشهب: أرأيت إن رمى بثماني حصيات، زاد حصاة، رماها ثامنة؟
[ ٥١ ]
فقال لي: لا شيء عليه، لأنه قد رمى سبعًا، وليس زيادته الثامنة بشيء، ولا علة فيها [بشيء].
باب من وضع الحصى على الجمرة، أو طرحها طرحًا، ولم يقذف بها ومن رمى، فوقعت حصاة منها قريبًا من الجمرة، أو في حجور الناس، أو في المحامل
٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن وضع الحصى وضعًا، أو طرحها طرحًا، ولم يقذف بها.
فقال لي: ما طرح يشبه الرمي، ولا أرى عليه فيه شيئًا، وما وضع، فلم يرم به، فأرى أن يعيد في أيام الرمي، وليهرق دمًا لذلك، إن كان قد فاته الرمي.
[ ٥٢ ]
٥ - قلت لأشهب: أرأيت إن رمى فوقعت حصاة منها قريبًا؟
فقال لي: أراها تجزئه إذا كان ذلك قريبًا، وإن كان ذلك بعيدًا، لم يجزه.
٦ - قلت لأشهب: أرأيت إن نفد حصاه، فأخذ حصاة من عند الجمرة، فرمى بها، أتراه يجزئه؟
فقال لي: لا أراه يجزئه، لأنه حصى قد رمي به.
٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن رمى فوقع في حجور الناس، أو في المحامل فنفضوه أيجزئه؟
[ ٥٣ ]
فقال لي: لا أرى ذلك يجزئه، وأرى أن يعيد ما وقع في حجور الناس، وفي المحامل، وإن نفضوه، لأنهم رموا معه رميته.
باب من بات ليالي منى بمكة، أو بغيرها
٨ - قلت لأشهب: أرأيت من بات ليالي منى كلها بمكة، إلا أنه يأتي فيرمي الجمار، أعليه شيء؟
فقال لي: نعم، أرى عليه دمًا، يشتريه في الحل، فيدخله الحرم هديًا، إن بات الليالي كلها، أو بات منها ليلة، أو أكثر من ليلة بمكة، أو من وراء العقبة. لأنه لا يجوز لأحد أن يبيت ليالي منى عن منى من وراء العقبة، لا بمكة ولا بغيرها، ولأن ابن عباس قال: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا»، وإن رسول الله ﷺ قال: «لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى حتى يقضي حجه».
[ ٥٤ ]
وأخبرني ذلك القاسم بن عبد الله العمري عن حميد بن أبي حميد أنه حدثه عن محمد بن المنكدر عن رسول الله ﷺ بذلك. وإن مالكًا بن أنس، والليث بن سعد حدثاني أن نافعًا حدثهما، عن ابن عمر أنه قال: قال عمر بن الخطاب: «لا أحد من الحاج ليالي منى وراء العقبة».
[ ٥٥ ]
إلا أن الليث قال: ليالي منى إلا بمنى.
قال ابن عمر: «وكان عمر بن الخطاب يبعث إلى من نزل وراء العقبة حتى يدخل منى» إلا أن مالكًا لم يذكر في إدخالهم من وراء العقبة ابن عمر. وإن القاسم بن عبد الله حدثني أن عبد الله بن دينار، حدثه عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: «لا يبيتن أحد من الحاج من وراء العقبة» وكان يبعث رجالًا، فيدخلون من وراء العقبة من الحاج منى.
وسمعت مالكًا يقول في الذي يبيت / ليلة من ليالي منى بمكة: «لو أهدى، أرى أن يهدي هديًا، ولا يبيت إلا بمنى».
[ ٥٦ ]
قال ابن عباس: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا».
باب من يدخل مكة ليالي منى، فيطوف ويقضي حوائجه ولا يبيت إلا بمنى
٩ - قلت لأشهب: أفرأيت من كان يدخل مكة في ليالي منى كلها، فيطوف ويقضي حوائجه، ولا يبيت إلا بمنى؟
فقال لي: إن الإقامة بمنى لأحب إليّ، وما أرى عليه شيئًا، وقد كان ابن عمر لا يأتي مكة من منى، إلا حين يفيض، لا يزيد على سبع واحد، فلذلك كان أحب إلي له الإقامة بمنى، إلا الإفاضة.
حدثني ذلك أنس بن عياض الليثي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر ولم أر عليه في ذلك شيئًا إن أكثر الاختلاف إلى مكة، لأنه
[ ٥٧ ]
بلغني أن رسول الله ﷺ كان يدخل مكة ليالي منى كلها. أخبرني ذلك الزنجي مسلم بن خالد،، عن صدقة بن يسار عن رسول الله ﷺ.
باب رفع الأيدي عند الجمرتين والصبي إذا ترك رمي الجمار أو أصاب صيدًا
١٠ - قلت لأشهب: أرأيت رفع الأيدي عند الجمرتين اللتين يوقف عندهما؟
[ ٥٨ ]
فقال لي: ترك ذلك أحب إلي، وإن رفع يديه رفعًا، لا يشهر في مدهما، لم أر بذلك بأسًا، وإن رفعهما رفعًا فيه شهرة، فلا أرى عليه فيه شيئًا إلا الزجر عنه.
١١ - قلت لأشهب: أرأيت صبيًا ترك رمي الجمار كلها، أو أصاب صيدًا؟
فقال لي: عليه جزاء ما أصاب من الصيد، وعليه أن يعود، فيرمي
[ ٥٩ ]
ما ترك من الرمي إن كان ترك الرمي كله، أو ما ترك منه إن كان في أيام الرمي، وإن كانت أيام الرمي قد انقضت فعليه الهدي.
باب المجنون يحرمه أبوه، والمغمى عليه
١٢ - قلت لأشهب: أرأيت المجنون المغلوب إن أحرمه أبوه، أيجوز عليه الإحرام؟
[ ٦٠ ]
فقال لي: قد جاز الإحرام على الصبي الذي لا يعقل، والمجنون المغلوب على عقله بمنزلته، فأرى ذلك جائزًا طلبه.
١٣ - قلت لأشهب: أرأيت المغمى عليه، أيرمي عنه أصحابه.
فقال: نعم، يرمون عنه، وإن أفاق في أيام الرمي، رمى الرمي الذي رمي عنه، ولا أرى أن يضعوا الحصى في كفه، ثم يرموا بها من كفه، ولا أن يأخذوها من كفه فيرموا بها، ولا هدي عليه واجبًا.
باب تحيين المريض التكبير حين يرمى عنه، والوقوف عنه عند الجمرتين
١٤ - قلت لأشهب: أرأيت المريض، هل يتحين حين يرمى عنه، فيكبر لكل حصاة تكبيرة؟
[ ٦١ ]
فقال لي: نعم، وقد قاله لي مالك.
١٥ - قلت لأشهب: أرأيت المريض، هل يوقف عنه عند الجمرتين ويتحين هذا المريض حال وقوفهما فيدعو هو أيضًا، ويقف عن نفسه في موضعه؟
فقال لي: أما أن يتحين ذلك فيدعو ويكبر ويهلل، فإني أحب ذلك له، وأما أن يقف في نفسه، فإني لا أرى ذلك له.
[ ٦٢ ]
باب الرجل يقصر من بعض رأسه، أو يحلقه بالنورة، أو يغسل رأسه بالخطمي قبل الحلاق، أو أخر الحلاق إلى آخر أيام منى
١٦ - قلت لأشهب: أرأيت الرجل إن قصر من بعض رأسه، أيجزئه أم لا؟
فقال لي: لا أرى أن يجزئه حتى يجهد / في عد رأسه تقصيرًا.
١٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن حلق رأسه بالنورة، أيجزئه ذلك من
[ ٦٣ ]
الموسى والجلمين؟.
فقال لي: لا أرى ذلك يجزئه.
١٨ - قلت لأشهب: أرأيت إذا حل الحلاق للرجل، أترى له أن يغسل رأسه بالخطمي قبل الحلاق؟
فقال لي: لا أكره ذلك له، وقد قال ذلك عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وقاله لي مالك، وقال لي: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بأن يغسل المحرم رأسه بعد أن يرمي جمرة العقبة، وقبل أن يحلق رأسه بالغاسول، وذلك أنه إذا رمي جمرة العقبة، فقد حل له قتل القمل، وحلاق الشعر، وإلقاء التفث
[ ٦٤ ]
ولبس الثياب.
١٩ - قلت لأشهب: أرأيت من أخر الحلاق إلى بعد أيام النحر، أو بعد أيام التشريق، أعليه شيء أم لا؟
فقال لي: أما من أخره إلى انقضاء أيام التشريق، فإن أحب إلي أن: يهدي بعد أن يحلق. وأما من ذكره في أيام التشريق، فإني أرى أن يحلق، ولا شيء عليه.
باب ما يجب على المحصر بعدة من الحلاق والتقصير، أو يترك الحلاق والتقصير، أو أحصر وليس معه هدي، أو أحصر بمرض ومعه هدي، يبعث به، أم ينحره، أم يحبسه
٢٠ - قلت لأشهب: أرأيت المحصر بعدو، أيجب عليه الحلاق
[ ٦٥ ]
أو التقصير؟
فقال لي: نعم، يفعل بموضعه الذي هو به ما يفعل الحاجون بمنى، من نحر الهدي إن كان معه، وحلاق رأسه، وكل ما يفعله الحاج الحال.
٢١ - قلت لأشهب: أرأيت إن ترك الحلاق، في الإحصار أو التقصير، أيكون عليه لذلك شيء أم لا؟
فقال لي: إن كان تركه وقد حل من غيره، فأرى عليه الهدي إذا مضت أيام منى، وإن كان لم يحل من غيره، فلا أرى عليه شيئًا، إذا حل ثم حلق أو قصر، والمحصر ينحر هديه حيث أحصر من البلاد.
٢٢ - قلت لأشهب: أرأيت إن أحصر، وليس معه هدي؟
فقال لي: يحل، ولا هدي عليه ينتظره، وعليه الهدي بعد حلوله، لقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وذلك على أهل مكة وغيرهم.
[ ٦٦ ]
٢٣ - قلت لأشهب: أرأيت إن أحصر بمرض ومعه الهدي، أيبعث به، أم ينحره، أم يحبسه حتى ينطلق به هو؟
فقال لي: إن بعث به فحسن، وإن حبسه حتى ينطلق به فهو محسن. وأما أن ينحره حيث هو، فإن ذلك ليس له، وإن نحره غرمه، وإن كان في الحرم ما لم ينحره بمكة.
٢٤ - قلت لأشهب: أرأيت من رمي جمرة العقبة، فغسل رأسه بخطمي قبل أن يحلق أو تطيب، أو لبس الثياب قبل أن يحلق؟
[ ٦٧ ]
فقال لي: كل ذلك جائز لا بأس به، إلا أنّا نكره له من الطيب ما علق به ريحه، وذلك لأنه إذا رمي جمرة العقبة، فقد حل له لبس الثياب، وإلقاء التفث، وحلاق الشعر، ولا بأس أن يغسل، وقد حل له غسله، ولا بأس بأن يلبس الثياب قبل أن يحلق، لأنه قد حل له لبسها.
باب المرء إذا حلق رأسه هل يجب عليه أن يأخذ من لحيته وأظفاره، ومحرم حلق رأس حلال أو حرام أو حلقه بغير أمرهما
٢٥ - قلت لأشهب: هل يجب على المرء إذا حلق أن يأخذ من لحيته، ومن أظفاره، ويستحد، أم ليس ذلك بواجب عليه؟ وهل يعد ذلك تفثًا، أم لا؟
فقال لي: نعم، يعد ذلك كله ذلك كله من التفث، وكل ما منعه إحرامه، فهو من التفث الذي لا يجوز له مادام أنه ليس واجب عليه أن يأخذ لحيته، ولا من أظفاره، ولا أن يستحد، وذلك [..] لم أر ذلك عليه واجبًا، لأن الواجب ما أوجب الله ﷿ وإنما حرم الله ﷿ الحلاق والتقصير، وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ وليست اللحية من الرأس.
[ ٦٨ ]
٢٦ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يحلق رأس الحلال، أو رأس الحرام، ما يجب عليه؟
فقال لي: على المحرم الذي حلق رأس الحلال إن خاف أن يكون قتل قملًا أو طرحه أن يطعم مسكينًا، وعلى المحرم الذي أمكنه من رأسه فحلقه، فدية الأذى، وليس على الحلال الذي أمكنه من رأسه شيء.
٢٧ - قلت لأشهب: أرأيت إن حلق محرمًا بغير أمره؟
فقال لي: أرى عليه فدية الأذى عن المحرم المحلوق، وأن يطعم مسكينًا فيما يخاف أن يكون قتل من قمله، مدًا من حنطة.
باب المحرم يأخذ من شاربه، أو بعض أظفاره، أو أخذ من شعره شيئًا أو احتجم وهو مفرد أو قارن
٢٨ - قلت لأشهب: أرأيت محرمًا أخذ من شاربيه، أو قص أظفاره
[ ٦٩ ]
أو بعضها، أو أخذ من شعره شيئًا يسيرًا، أو مد يده إلى لحيته، فدلكها فانتثر شعرًا، أو في رأسه ما عليه؟
فقال لي: من أخذ من شاربه، أو قص أظفاره أو بعضها، أو أخذ من شعره شعرًا وإن كان ليس بالكثير، فإني أرى عليه فدية الأذى، وإن كان إنما أخذ من شعره شعرات ثلاثًا أو أربعًا، أو ما أشبه ذلك، فأرى أن يطعم مسكينًا.
وأما من مد يده إلى لحيته فدلكها، أو إلى رأسه فدلكه، أو حكها فانتثر من رأسه، أو من لحيته شعرًا، فإني لا أرى عليه شيئًا.
[ ٧٠ ]
٢٩ - قلت له: ما حد ما إذا أخذ المحرم من شعره وجب عليه به دم؟
فقال لي: إنه ليس يجب عليه الدم فقط، وحد ذلك، أنه إذا أخذ من ذلك الشيء له البال، وجبت عليه الفدية، من صيام، أو صدقة، أو نسك، وإذا أخذ من ذلك الشيء الذي لا بال له، أجزأه إطعام مسكين، ومن نتف إبطيه، أو أحدهما، أو استحد، فعليه فدية الأذى.
٣٠ - قلت لأشهب: أرأيت إن احتجم، فحلق موضع المحاجم، القارن وغير القارن، وفي حلق الرأس، أهما في الفدية سواء؟
فقال لي: نعم، إن حلق قارن، أو غير قارن رأسه، أو من رأسه موضع المحاجم، أو موضع محجمه، فقد وجب عليه فدية الأذى، فدية واحدة، وإن كان قارنًا ليس عليه إلا هدي واحد، وسعي واحد في قرانه.
باب فدية الأذى إذا نسك بشاة، أيجوز له أن يذبحها بمكة وغيرها
٣١ - قلت لأشهب: أرأيت فدية الأذى إن نسك بشاة، أيكون ذلك
[ ٧١ ]
له بغير مكة، وأرأيت إن أراد أن يطعم المساكين، أو يصوم في فدية الأذى، أيكون ذلك له بغير مكة؟
فقال لي: نعم، فدية الأذى من صيام، أو صدقة، أو نسك، كائنًا ذلك النسك ما كان، من بعير، أو بقرة، أو شاة، يجزئ بكل مكان بمكة وبغيرها من البلاد، وليس عليه أن يكون شيئًا من ذلك بمكة، لأن الله ﷿ لم يسمه هديًا، ولأنه قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
وقد أخبرني مالك بن أنس، والليث بن سعد، أن يحيى بن سعيد، حدثهما عن يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر، أخبره أنه كان مع عبد الله بن جعفر، فخرج معه من المدينة، فمروا على حسين بن علي، وهو مريض، فأقام عليه عبد الله حتى إذا خاف الفوت، خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس، وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه، فأمر علي برأسه، فحلق، ثم نسك عنه بالسّقيا، فنحر بها عنه بعيرًا ..
وقال لي مالك: الأمر عندنا، أن المفتدي يجعل فديته حيث شاء: النسك، أو الصيام، أو الصدقة، بمكة أو بغيرها من البلدان، إن افتدى
[ ٧٢ ]
بصدقة، أو نسك، أو صيام، فإنه يجزئ عنه حيث فعل ذلك، إن أحب افتدى بمكة، وإن أحب أن يفتدي بغيرها افتدى بها.
٣٢ - قلت لأشهب: أرأيت جزاء الصيد إن كان دمًا، أو طعامًا، أو صيامًا، أيكون بغير مكة؟
فقال لي: أما ما كان منه دمًا، فإنه لا يكون دون مكة، لقول الله ﵎: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
وأما الصيام والصدقة، فحيث شاء من البلاد، لأن الله ﷿ لم يصف في كتابه تبليغه الكعبة، كما وصف في الهدي.
٣٣ - قلت لأشهب: أرأيت من رمي جمرة العقبة، فلم يبق إلا أن يحلق أو يقصر، فبدأ فقلم أظفاره، أو أخذ من شاربيه، أو استحد، أو
[ ٧٣ ]
اطَّلى بنورة؟
فقال لي: لا شيء عليه، ولا بأس بذلك، إلا فيما أخر من الحلاق، فإنه يستحب له تعجيله.
٣٤ - قلت لأشهب: أرأيت محرمًا قلم أظفاره كلها، أو أظفار يديه، أو أظفار يد واحدة؟
فقال لي: أرى عليه في كل ذلك فدية الأذى، من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وإن قلم من كل يد ورجل أصبعًا، رأيت عليه فدية الأذى، وإن قلم أصبعًا أو أصبعين، رأيت أن يطعم مسكينًا، ولم أر عليه فدية الأذى.
[ ٧٤ ]
٣٥ - قلت لأشهب: أرأيت إن هو قلم أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد، أو في مجالس مختلفة، أهذا سواء، عليه كفارة واحدة، أم كفارات، لكل مجلس كفارة؟
فقال لي: بل عليه لكل مجلس كفارة فدية الأذى، إلا أن يكون مجلسًا منها إنما قلم فيه أصبعًا، أو أصبعين، فلا أرى عليه فيه إلا إطعام مسكين.
٣٦ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يصيبه في كفه الأذى، فيحتاج إلى تقليم أظفاره، أيكفر أم لا؟
فقال لي: أرى عليه فدية الأذى، وليس هذا مثل أن تنكسر، إذا تكسر ألقاها ولا شيء عليه.
[ ٧٥ ]
٣٧ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يقص أظفار الحلال، أو حلالًا قص أظفار محرم؟
فقال لي: أما المحرم الذي قص أظفار الحلال، فلا شيء عليه، ولا على الحلال الذي قصت أظفاره.
وأما الحلال الذي قص أظفار محرم، فإني أرى على المحرم فدية الأذى، وإن قصها وهو نائم، فأرى ذلك على الحلال الذي قصها له.
باب المحرم إذا دلّ المحرم أو الحلال على الصيد، فقتله
٣٨ - قلت لأشهب: أرأيت محرمًا، دل محرمًا أو حلالًا، على صيد فقتله؟
[ ٧٦ ]
فقال لي: أرى على كل واحد منهما جزاء كاملًا، وإن دل حلالًا، فلا شيء على الحلال، وجزاؤه على المحرم الدال.
وإن دل حلال محرمًا على صيد فقتله، لدار عليه جزاؤه، ورأيت جزاءه على المحرم الذي قتله.
وقد أخبرني الليث بن سعد، أن نافعًا حدثه عن ابن عمر، أنه قال: لا يحل لحرام أن يدل على صيد، ولا يأمر به، ولا يبتاعه، فيذبحه أو يمسكه.
وأخبرني ابن لهيعة عن ابن أبي حسين أنه قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: أمرني إنسان بصيد وأنا حرام، فذبحته له، لست من ذلك الصيد في شيء، إلا أني أعنته على ذبحه، فضحك ثم قال: [حسبه قد غرمته.
٣٩ - قلت: أتبعت صيدًا وأنا حلال، فلم أذبحه حتى أحرمت.
فقال: غرمته، وإن أتبعته حرامًا، فذبحته غرمته أيضًا.
[ ٧٧ ]
قلت له: أتبعت صيدًا وأنا حرام، فلم أذبحه حتى حللت، ثم ذبحته؟
فقال: لا بأس، لم تقتله في حرمك، فلما حللت قتلته.
٤٠ - قلت له: أتبعت صيدًا وأنا حرام، فمات عندي موتًا في الحرم؟
فقال: إذن تغرمه. قلت له: تفهم فيها يا أبا محمد؟
فقال: ما أراك إلا قد غرمته.
٤١ - قلت له: أتبعته وأنا حرام، فأهديته لقوم أحلة، فذبحوه في حرمي؟
فقال: تغرمه وإن لم يذبحوه حتى تحل، فلا غرم عليك.
٤٢ - قلت له: أرأيت لو دل حرام حلالًا على صيد، فقتله الحلال؟
قال: يغرمه الحرام الدال عليه.
٤٣ - قلت له: أرأيت لو دل حلال حرامًا عليه، فقتله الحرام، من يغرمه؟
فقال: يغرمه الحرام المدلول عليه.
[ ٧٨ ]
باب إشراك الرهط المحرمين في قتل الصيد
٤٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن أشرك رهط محرمين، في قتل صيد وهم محرمون، أيكون على كل واحد منهم الجزاء كاملًا، أو جزاء واحدًا يجزئهم؟
فقال لي: هذا مما قد اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال: جزاء واحدًا على جميعهم، ومنهم من قال: على كل واحد منهم جزاء كاملًا، وأحب ذلك إلي، أن على كل واحد منهم جزاءه كاملًا، بمنزلة الكفارة في قتل النفس، يشترك في قتلها العدد، فيكون على كل واحد منهم كفارة قتل النفس، ولا يشتركون في كفارة واحدة.
وقد قاله لي مالك: أن على كل واحد منهم جزاءه.
[ ٧٩ ]
٤٥ - قلت لأشهب: أرأيت القارن يصيب الصيد، وهو محرم؟
فقال لي: ليس عليه إلا جزاء واحدًا، وكذلك المحرم، يصيب الصيد في الحرم، ليس عليه إلا جزاء واحدًا، بمنزلة ما لو أصابه محرمًا في الحل، أو أصابه في الحرم حلالًا.
باب تقويم الصيد يصيبه المحرم
٤٦ - قلت لأشهب: كيف يقوم الصيد إذا أصابه المحرم أفي موضعه دراهم، أم جزاؤه من النعم نظيره؟
فقال لي: ما بلغ من الصيد أن يكون له مثل من النعم، كان فيه جزاؤه من النعم، أو جزاؤه من الطعام ما يجزي مجزائه في الأكل على قدره، أو عدل ذلك الطعام صيامًا، لكل مد منه يومًا، وما لم يبلغ أن يكون له عدل من النعم، كان فيه قدره من الطعام، ثم يكون الذي أصابه مخيرًا في ذلك الطعام الذي هو قدر الصيد، وفي أن يصوم مكان كل مدّ منه يومًا، فإن لم
[ ٨٠ ]
يبلغ مدا، صام يومًا إن شاء، وإن كان مدا أو أي شيء كائنًا ما كان، وإن قل، صام إن شاء مكانه يومين، وإن كان مدين وشيء، وإن قل صام مكانه إن شاء ثلاثة أيام، لأنه لا يكون صيام أقل من يوم، وقد يطعم/ المسكين أقل من مد.
٤٧ - قلت لأشهب: وترك مصيد الصيد، مخيرًا في الهدي، وفي الطعام وفي الصيام؟
فقال لي: نعم، هو مخير في أي ذلك شاء حكم به عليه، لأن الله قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
فإذا أصاب المحرم شيئًا من ذلك، فإنه يحكم عليه بأي ذلك شاء،
[ ٨١ ]
الهدي إن أحب، أو الصدقة، أو الصيام، وكل ما قال الله ﷿ عليه فيه كذا أو كذا أو كذا، فهو فيه مخير، وليس بمنزلة ما قال فيه عليه كذا.
فإن لم يجد، فكذا ما كان هكذا، فهو فرض بعد فرض، لا يكون له الآخر حتى لا يجد الأول، والذي عليه كذا أو كذا مخير بأي أحب، فليس عليه غيره، وقد قاله لي مالك بن أنس. وقاله عبد العزيز بن
[ ٨٢ ]
أبي سلمة وغيرهما من أهل العلم.
باب من جرح صيدا وهو محرم، أو صاد صيدًا فأرسله
٤٨ - قلت لأشهب: أرأيت الرجل يجرح الصيد، ولا يقتله، هل عليه شيء أم لا؟
فقال لي: إن جهل أمره، حتى لا يدرى، أمات من ذلك الجرح أم لا، فإني أرى عليه جزاءه.
وكذلك الذي يأخذ الفراخ من عشها، ثم يرسل بها غيره، يردها إن لم يقدر على علم أنها ردت كان عليه جزاؤها.
وإن كان هو ردّها نفسه في عشها، أو علم ذلك يقينًا، أنها قد ردت، إما بشهادة العدول، وإما بغير ذلك مما لا شك فيه عنده، فلا شيء عليه فيه.
[ ٨٣ ]
وقد أخبرني أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، قال: حدثني الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، قال: سألت ابن المسيب، عن محرم أخذ فراخ طير، يقال له البلص؟ فقيل له: إنه لا يصلح لك أخذه، فبعث به غلامًا له، ليرده إلى عشه؟
فقال ابن المسيب: أرده هو نفسه؟
فقال: لا، ولكنه بعث به مع غلامه. فقال ابن المسيب: فليفده.
٤٩ - قلت لأشهب: أفرأيت إن صاد صيدًا، ثم أرسله.
فقال لي: لا شيء عليه، إلا أن يكون أرسله في أرض يخاف ألا ينجو من الكلاب أو السباع، فأرى عليه جزاءه، فكذلك إن صاد طيرًا، ثم أرسله مسلمًا إن أرسله في أمان على الطير من الصقور والبزاة، فلا شيء عليه.
[ ٨٤ ]
وإن أرسله في أرض يخاف عليه من الصقور والبزاة وغير ذلك من الآفات، فأرى عليه جزاءه.
٥٠ - قلت لأشهب: أرأيت المحرم يطرد الصيد حتى يخرجه من الحرم؟
فقال لي: أرى عليه جزاءه، إلا أن يكون قد علم أنه قد رجع إلى الحرم سالمًا، لأنه قد أباحه للمتصيدين، ولا بأس أن يكون قد أصابه بعضهم، ولكنه لو طرده من الحرم في الحرم، أو من الحل إلى الحل، لم أر عليه فيه شيئًا، إذا لم يكن طرده طردًا يخاف عليه منه قتل البهر إياه، فإن كان قد طرحه ذلك الطرد، ثم لم يدر أسلم من ذلك أم لا، فأرى عليه جزاءه.
باب من رمى من الحل صيدًا في الحرم فقتله، أو رماه من الحرم والصيد في الحل
٥١ - قلت لأشهب: أرأيت من رمى من الحل صيدًا في الحرم فقتله، أو رماه من الحرم، والصيد في الحل؟
فقال لي: عليه جزاء في ذلك كله، أما إذا قتل الصيد، والصيد في الحرم أو كان الرجل في الحل، فإنه قتله حيث لا يجوز له من أمانه، لأن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾
[ ٨٥ ]
وأما إذا قتله والصيد في الحل، والرجل في الحرم، فرميته [..] كانت طعنته ورميته بمنزلة يده، وقد خرج قتله من الموضع الذي / لا يحل فيه قتل الصيد.
٥٢ - وقد أخبرني ابن لهيعة، أن أبا الزبير، حدثه أنه سأل جابر بن عبد الله، عمن يرمي الصيد وهو في الحرم، أو يرسل عليه كلبه أو طائره، والصيد في الحل؟
فقال جابر: لا يجوز، وقد قاله ابن شهاب، ومالك أنس.
٥٣ - قلت لأشهب: أفرأيت ما أرسل عليه كلبه في الحرم، فقتل ذلك الصيد في الحل؟
فقال لي: كل شيء صيد في الحرم، أو أرسل عليه كلبه في الحرم، فقتل ذلك الصيد في الحل، فإنه لا يحل أكله، وعلى من فعل ذلك جزاء الصيد، وقد قاله لي مالك.
[ ٨٦ ]
٥٤ - وأخبرني بن لهيعة قال: سألت عطاء عن رجل أرسل كلبه في الحرم، فأخذ الصيد في الحل؟.
فقال عطاء: يفديه.
٥٥ - وأخبرني سليمان بن بلال، أنه سأل يحيى بن سعيد، عن رجل أرسل كلبه في الحرم، فأخذ الصيد في الحل؟.
فقال: يفديه.
٥٦ - قلت لأشهب: أفرأيت الرجل يرسل كلبه على الصيد في الحل، فيطلبه حتى يصيده في الحرم، وإنما أرسله عليه في الحل؟
فقال لي: لا يؤكل، لأنه قتله في الموضع الذي لا يحل فيه اصطياده، وليس عليه في ذلك جزاء، إلا أن يكون قريبًا من الحرم، فعليه جزاؤه.
وقد قاله لي مالك بن أنس.
٥٧ - وأخبرني المفضل بن فضالة، أن ابن جريج حدثه عن عطاء
[ ٨٧ ]
ابن أبي رباح، أنه قال في الرجل يرمي الصيد في الحل، ثم يتحامل فيدخل الحرم فيموت فيه.
قال: ليس عليه فيه شيء.
قال أشهب: وأنا لا أرى عليه شيئًا، وإن كان قد بلغ مقاتله، فلا أرى عليه بأسًا يأكله، لأن الحياة التي تحامل بها حتى دخل الحرم، لا أراها حياة، وكذلك الذي يذبح الذبيحة، ثم يقع من يده في الماء، فتموت غمًا، أنه لا بأس بأكلها، لأنه قد أجهز ذبحها، وليست حياتها حياة التي وقعت بها في الماء، وكذلك الذي يرمي الصيد، وهو في شاهقة فيجهز على مقاتله، ثم يتردى فتدق عنقه، فلا بأس بأكله، ولم تكن حياته التي تردى بها، فاندقت عنقه، حياة.
٥٨ - قلت لأشهب: أفرأيت البزاة، أهي عندك بمنزلة الكلاب إذا
[ ٨٨ ]
أرسلت في الحل والصيد في الحرم، أو والصيد في الحل، قريبًا من الحرم، ثم لم يأخذه إلا في الحرم، وإذا أرسلت في الحرم والصيد في الحل، فأخذته في الحل؟
فقال لي: نعم، ذلك كله سواء، وهو كله بمنزلة رميه بيده، وطعنه برمحه، إذا رمى أو طعن وهو في الحرم صيدًا في الحل لم يحل أكله، وكان عليه جزاؤه.
٥٩ - قلت لأشهب: أرأيت ما أصاب المحرم من الصيد برميته، أو بكلبه، أو ببازه، أو ملكه، ثم ذبحه وسمّى، أيأكله هو أو غيره من المحرمين أو الحالين؟
فقال لي: إن التسمية إنما تكون على ما يجوز ذبحه، أو صيده، وليس يجوز للمحرم أن يصيد صيدًا، وإن سمى الله ﷿ على اصطياده، أو ذبحه]، وما صاد محرم من صيد أو ملكه ثم ذبحه، فلا يحل أكله لحلال ولا لحرام، لأنه ليس بذكي، خطأ كان ذلك، أو عمدًا، وقد قاله لي مالك.
وما قتل المحرم أو ذبح من الصيد، فلا يحل أكله لحلال ولا لحرام، لأنه ليس بذكي، خطأ كان ذلك أو عمدًا.
قال لي مالك: وقد سمعت ذلك من غير واحد من أهل العلم، قالوا: ما قتل المحرم من الصيد أو ذبحه، فلا يحل أكله لأحد، حلال ولا محرم، خطأ كان ذلك أو عمدًا، لأنه ليس بذكي، وليس بمنزلة ما أذن الله عل بذكاته من الإنساك [..] من الصيد
[ ٨٩ ]
٦٠ - قلت لأشهب: أفرأيت ما قتل من الصيد بمكة وقد […] / قتله حلال؟
فقال لي: هو مثل الذي يصيده في الحل وهو محرم فيذبحه، لأنه نُهي أن يصيد الصيد وهو محرم، وجعله الله ﷿ حرمًا آمنًا، فلا يحل أكله لحلال ولا لحرام، لأنه ليس بذكي، وليس على وجه ما أحلت ذكاته، وقد سأله مالكًا عن ذلك، فقاله لي حرفًا بحرف.
٦١ - قلت لأشهب: أفرأيت ما صاد الحلال في حرم رسول الله ﷺ ثم ذبحه، أيحل لمحرم أو حلال أن يأكله؟
فقال لي: ما أرى أن يؤكل، لأنه حرم رسول الله ﷺ أن يؤخذ طيرها.
وقال ﷺ: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة مثل ما حرم».
وما أراه كالذي يصاد بمكة، وما أرى أن يؤكل.
وقد قلت لمالك: أرأيت ما صاد الحلال في حرم رسول الله ﷺ، ثم ذبحه، أيحل لمحرم أو حلال أن يأكله؟
فقال لي: «ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه».
٦٢ - قلت لأشهب: أفرأيت ما صاد الحلال من الصيد في الحل من
[ ٩٠ ]
أجل محرم، أيحل لذلك المحرم، أو لأحد من المحرمين، أو لأحد من الحالين أن يأكله؟
فقال لي: لا أرى أنه صيد على وجه ما يجوز اصطياده له، فلا أحب أكله لحلال، ولا لحرام ممن صيد له بعينه، أو لم يصد له، إذا كان اصطياد الحلال إياه بعد إحرام الذي اصطاده من أجله، وإن كان اصطياده إياه له قبل إحرامه، فلا بأس بأكله إياه، وأكل غيره من المحرمين والحالين.
٦٣ - وقد سألت مالكًا عن ما صيد من أجل محرم بعينه، وعن قول عثمان: «إنما صيد من أجلي؟».
فقال لي: ذلك في رأيي، أنه صيد له بعد أن أحرم. فأما ما صيد من أجل محرم، أو محرمين، ثم ذبح قبل إحرامهم، فلا بأس به، إنما ذلك بمنزلة رجل صاد هاهنا صيدًا فذبحه، وحمل لحمه معه، ثم أحرم.
فأما ما صيد من أجل محرم بعينه، أو محرمين بأعيانهم بعدما أحرموا، فلا أحب لأحد من المحرمين، ولا لحالين، أن يأكله ما صاد من أجل محرم، وذبح من أجله، فلا يأكله هو، ولا محرم غيره ولا حلال، وما صيد أيضًا يراد به المحرمون، فإنه ما صيد قبل إحرامهم فلا بأس به، وما صيد بعد إحرامهم، فلا يؤكل.
[ ٩١ ]
٦٤ - قال أشهب: ومن الدليل على أنه لا يؤكل ما صيد من أجل المحرمين، أن ابن لهيعة، حدثني أن عبد الله بن أبي جعفر، حدثه عمر، حدثه عن أبي موسى الأشعري، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الصيد لكم حل ما لم تقتلوه، أو يقتل لكم وأنتم حرم».
وإن ابن الدراوردي، وسليمان بن بلال، وأبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثوني أن عمرو مولى المطلب، حدثهم عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ
[ ٩٢ ]
أنه قال: «كلوا لحم الصيد وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم». إلا أن ابن الدراوردي، وسليمان بن بلال، لم يذكرا المطلب في حديثهما، ولكنهما قالا: عن رجل من الأنصار عن جابر. وإن مالك بن أنس، حدثني أن عبد الله بن أبي بكر، حدثه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: «رأيت عثمان بن عفان بالعرج، في يوم صائف، وهو محرم، وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتى بلحم صيد. فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: ولا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي.
٦٥ - وإن ابن لهيعة، أخبرني أن أبا النضر، حدثه عن بشر بن سعيد، أن عثمان بن عفان، كان يصاد له الوحش على المناهل، ثم تذبح له، فيأكلها وهو محرم [زمنًا من خلافته، ثم إن الزبير بن العوام كلمه فقال: ما ندري ما هذا … لنا، ومن أجلنا لو تركناه.
[ ٩٣ ]
٦٦ - وإن ابن أبي الزناد، حدثني أن أباه حدثه، أن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أخبره أن أهل العرج […] لعثمان بن عفان قضى وهو محرم، ففرت إليه، فأمرهم عثمان أن يأكلوه وهم محرمون، وفيهم [..] عمرو بن ربيعة، فتركوا الطعام من أجل أن عثمانًا تركه، فقال لهم عثمان: كلوا [فإني لست کهيئتکم إنما صيد لي، فأكلوا ولم يأكل عثمان منه شيئًا.
٦٧ - وإن ابن أبي الزناد أخبرني [..] حدثه عن يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب/، أن أباه عبد الرحمن بن حاطب، أخبره أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب، فيهم عمرو بن العاص بالروحاء، فقرب إليهم لحم صيد وهم محرمون. فقال لهم عثمان: كلوا فإني غير آكله. فقال له عمرو بن العاص: تأمرنا بما لست آيلًا. فقال عثمان: إني لولا أني أظن أنه إنما صيد من أجلي وأميت من أجلي لأكلت فكلوا، فأكل القوم. قال عثمان: إني لست كهيئتكم، إنما اصطيد من أجلي،، وأميت من أجلي.
٦٨ - وإن سليمان بن بلال، حدثني أن عمرو مولى المطلب، حدثه عن المطلب، أنه قال: خرج عثمان حاجًا، وخرج معه المهاجرون والأنصار، فأتاه أمير الروحاء بغطاء مستوى، فقال عثمان: كلوا فإنه صيد لي، ولم يصد لكم، فأكلوا ولم يأكل.
٦٩ - قال أشهب: وإنما لم يجز لعثمان أكله، لأنه ذبح من أجله وهو
[ ٩٤ ]
محرم، فكان ذبحًا لا يجوز، فبذلك لا يجوز أكله لغيره من المحرمين، ولا الحالين، لأنه أميت ميتة لم يؤذن فيها، ولم تجز لمن أماتها، ومن الدليل على أنه إنما يكره من ذلك ما صيد للمحرمين بعد إحرامهم، ولا يكره ما صيد لهم وذبح قبل الإحرام. أن المفضل بن فضالة،، حدثني أن ابن جريج، حدثه عن حيان الأعرج العبدي، عن أبي الشعثاء، أنه قال: أتي رسول الله ﷺ بصيد فقال: «احسبوا، فإن كان صيد قبل أن أحرم، فحسبوا فوجدوه صيد بعدما أحرم، فقال: لا تقربوه».
٧٠ - قلت لأشهب: أرأيت ما يوجد من لحم الصيد على الطريق، ابتاعه المحرم فيأكله؟
فقال لي: أما ما كان من ذلك يتعرض به الحاج، ومن أجلهم صيد، وكان ذلك بعد إحرامهم، فإني أكرهه وأنهى عنه، ولو ابتاعه محرم، لم أر عليه جزاءه.
وأما الشيء منه، يكون عند الرجل لأهله، لم يرد به المحرمين، فابتاعه، فإنه لا بأس به، وقد قاله لي مالك.
[ ٩٥ ]
٧١ - قلت لأشهب: أفرأيت محرمًا صيد من أجله، فصنع له، فأكل منه وهو يعلم أنه إنما صيد من أجله؟
فقال لي: لا أرى عليه جزاء ذلك الصيد كله إذا أكل منه، وقد قاله لي مالك بن أنس.
باب المضطر إلى أكل الميتة وهو محرم
٧٢ - قلت لأشهب: أرأيت المضطر إلى أكل الميتة وهو محرم، أيصيد الصيد فيأكله، أم يأكل الميتة؟
فقال لي: بل يأكل الميتة، وذلك أن الله ﷿ لم يرخص للمحرم في
[ ٩٦ ]
قتل الصيد، على حال من الحال، وقد أرخص في الميتة على حال الضرورة، وقد قاله لي مالك، وقاله الحسن بن أبي الحسن البصري، أخبرني ذلك عنه بعض أهل العلم.
٧٣ - قلت لأشهب: أرأيت المضطر إلى أكل الميتة وهو محرم، وقد وجد صيدًا صيد من أجله، وذبح من أجله وهو محرم، ولم يأمر به، ولم
[ ٩٧ ]
يدل عليه، ولم يعلم باصطيادهم إياه له، حتى علم عند اضطراره إلى الميتة، أيأكله أم يأكل الميتة؟
فقال لي: بل يأكله، ويجزئه أحب إلي ممن يأكل الميتة، لأن عثمان بن عفان قد أكله سنينًا من خلافته، ثم جوزه لغيره ممن لم يصد له.
وأما أكل غيره إياه من المحرمين الذين لم يصد من أجلهم، فهو أحب إلي، لا شك فيه من الميتة، ولا جزاء عليه.
وأما من أعطيت له، فإن فيه شكًا، وأكله أحب إلي من أكل الميتة، لكن عثمان أباه سنين [..]
قلت لأشهب: أرأيت لو أن محرمًا صاد صيدًا فذبحه هو أو غيره، فجعلت جزاءه، ثم إنه أكل منه، أيكون عليه قيمة ما أكل، أو دم إحرام، ولا […].
فقال لي: لا شيء عليه فيه إلا جزاءه، بمنزلة ما لو لم يأكل […] لأنه قد غرم [..].
فسواء أكل منه، أو لم يأكل في الحرم […] / إثم الأكل أن يكون أكل غير ذكي.
فأما أن يوجب ذلك عليه جزاء آخر، أو غرم ما أكل منه، فليس ذلك عليه. وقد قاله لي مالك بن أنس في الذي يصيد الصيد وهو محرم، ثم
[ ٩٨ ]
يأكله، إنما عليه كفارة واحدة، بمنزلة ما لو قتله، ولم يأكله.
باب المحرم إذا كسر بيض الطير
٧٤ - قلت لأشهب: أرأيت بيض الطير إذا كسرها المحرم، وفيها فراخ، أو لا فراخ فيها؟
فقال لي: أرى ذلك سواء، إن كان فيها فراخ، أو لا فراخ فيها، وأرى جزاء ذلك عشر ما في أبويه، بمنزلة دية جنين الحرة، فيه عشر دية أمه، وبمنزلة جنين الأمة، فيه عشر قيمة أمه.
وقد قاله لي مالك ولم أعلم أن قوله اختلف فيه قط، وهو مما قد
[ ٩٩ ]
اختلف فيه قول أهل العلم قديمًا، فمنهم من قال فيها أجنة مخاض، ما سلم منها كان هديًا. ومنهم من قال في البيضة إذا كسرها المحرم وفيها الفرخ درهم، وإن لم يكن فيها فرخ، فنصف درهم.
٧٥ - أخبرني ذلك ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: دية بيض حمام الكعبة إذا كسرها المحرم وفيها الفرخ درهم، وإن لم يكن فيها فرخ، فنصف درهم.
٧٦ - وأخبرني ابن لهيعة، أنه سمع عطاء بن أبي رباح، سئل عن محرم أصاب بيض نعام، فقال: فيها أجنة مخاض، ما سلم منها كان هديًا.
[ ١٠٠ ]
ومنهم من قال: في بيض الطير إذا أصابها المحرم قدر ثمن البيض.
٧٧ - أخبرني ذلك ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن ابن عباس قال في بيض الطير إذا أصابها المحرم: قدر ثمن البيض.
٧٨ - وأخبرني محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، عن خصيف، أن أبا عبيدة بن عبد الله حدثه بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، أنه جعل في بيض النعام يصيبه المحرم قدر ثمنه.
وقد بلغني في حديث يرفع، أنه أمر رجلًا أصاب بيض نعام وهو محرم، أن يصوم مكان كل بيضة يومًا، لم أسمع فيه شيئًا أعجب إليّ، ولا أقوى من القياس من أن تكون البيضة من أبويها بمنزلة الجنين من أمه.
[ ١٠١ ]
٧٩ - قلت لأشهب: أفرأيت إن فرخ الفرح من البيضة فاضطرب؟
فقال لي: إن كان قد تم خلقه، ونبت ريشه، فأرى فيه جزاءه تامًا، وهو مثل جزاء أبويه، لأنه لو ذبح حينئذ، لرأيته حلالًا.
وكذلك الذي يرمي الصيد، فيجهض ولدها فيخرج حيًا، إن كان قد ثم خلقه ونبت شعره، فأرى فيه جزاءه وافيًا، وإن لم يتم خلقه، أو لم ينبت شعره، فلا أرى فيه جزاءه كاملًا، ولكني أرى فيه عشر ما في أبويه، بمنزلة جنين الحرة، فيه عشر دية أمه، وبمنزلة جنين الأمة، فيه عشر قيمة أمه ما لم يستهل، فإن استهل كان فيه من الحرة ديته، وكان فيه من الأمة قيمته.
٨٠ - قلت لأشهب: أرأيت لو أن محرمًا ضرب بطن عنز من الظباء، فألقت جنينها ميتًا، ثم ماتت هي، وكيف إن ألقته حيًا ثم مات وماتت، أيكون في كل واحد الجزاء كاملًا؟
[ ١٠٢ ]
فقال لي: إن ماتت قبل إلقائها إياه، ثم خرج منها بعد موتها ميتًا أو حيًا، فإني لا أرى فيها وفيه، إلا جزاء واحدًا، وكذلك إن ماتت ولم تلقه.
فأما إن ألقته حيًا أو ميتًا، ثم ماتت، فإن عليه فيها جزاءها، وعليه في جنينها إن كان خرج حيًا وقد تم خلقه ونبت شعره جزاءه أيضًا كاملًا، وإن كان إنما خرج ميتًا، أو خرج حيًا، ولم يتم خلقه، ولم ينبت شعره، فعليه قيمة عشر ما في أبويه.
٨١ - قلت لأشهب: أفرأيت من رمى طيرًا على بيضة، فقتله وكسر بيضه؟
فقال لي: فيه جزاؤه / وهي بيضة، في كل بيضة عشر ما في أبويه، كان فيها فراخ أو لا فراخ فيها، لأن هذه البيض قد زالت وخرجت، ولكن لو قتل الطير، وفيها بيضها قد عششت لتبيضها، لم يكن عليه إلا جزاء الأم، ولا جزاء عليه فيما فيها من بيض، وإن شق عنها، حتى رؤي ما فيها من عدد البيض.
٨٢ - قلت لأشهب: أفرأيت من ضرب فسطاطًا له، فتعلق به صيد
[ ١٠٣ ]
فعطب، أعليه جزاء؟
فقال لي: لا جزاء عليه، لأنه إنما فعل ما يجوز له، والمؤمن أعظم حرمة من الصيد، لو تعلق بذلك الفسطاط فعطب، كان هدرًا، لا عقل ولا قود.
قلت له: أفرأيت إن احتفر بئرًا، فعطب فيها صيد، أعليه جزاؤه؟
[ ١٠٤ ]
فقال لي: إن كان احتفرها بحيث لا يجوز له احتفار هاته، فعليه جزاؤه، وإن كان احتفارها بحيث يجوز له، فلا جزاء عليه، بمنزلة ما لو عطب فيها مسلم خرًا، كان هدرًا، لا عقل ولا قود.
٨٣ - قلت لأشهب: أرأيت إن رآني صيد وأنا محرم، ففزع مني، فعطب من غير أن أصنع به شيئًا، إلا أني عابر سبيل، أيكون علي الجزاء؟
فقال لي: لا جزاء عليك، ولو فزع لذلك منك رجل من المسلمين، أو صبي فعطب، ولم يكن منك ما يفزعه، كان هدرًا لا عقل ولا قود، والصيد في جميع هذه الوجوه كلها بمنزلة المسلم، فحيث عليك دية المسلم، فعليك به جزاء الصيد، وحيث لا يكون عليك دية المسلم، فلا جزاء عليك للصيد.
[ ١٠٥ ]
٨٤ - قلت لأشهب: أرأيت إن أفزعت صيدًا، فاشتد فتكسر، أتراني ضامنًا لهم؟
فقال لي: نعم، أراك له ضامنًا، وعليك جزاؤه، لأنك نفرت به، وكذلك لو أفزعت صبيًا أو رجلًا فعطب بإفزاعك إياه، كانت عليك ديته.
[ ١٠٦ ]
٨٥ - قلت لأشهب: أرأيت محرمًا صاد صيدًا، فأتاه حلال أو محرم، فأخذه من يده فأرسله، أيضمن له شيئًا أم لا؟
فقال لي: لا أرى على واحد منهما ضمانًا له، وذلك لأنه قد كان على المحرم إرساله، وعلى السلطان أن يكلفه ذلك قيمًا صاغرًا، وكذلك من رأى مغتصبًا لما لا يجوز له اغتصابه، فانتزعه من يده ورده إلى أهله، لا شيء له عليه فيه.
٨٦ - قلت لأشهب: أفرأيت إن نازعه حين أراد أخذه منه، وأرسله من يده، فقتله، أيضمنه للمحرم الذي صاده أم لا؟ وعلى من ترى منهما الجزاء، أو كيف إن كان هذا المنازع الذي نازع المحرم الذي في يده الصيد حلال فقتله في يد المحرم، أيضمن للمحرم قيمته؟
فقال لي: إن كانا محرمين جميعًا، فإني أرى جزاءه عليهما جميعًا،
[ ١٠٧ ]
يجزئه كل واحد منهما جزاء وافيًا، وإن كان المنازع حلالًا، فإني لا أرى على الحلال له شيئًا، وأرى عليه جزاءه كله، جزاء واحدًا.
٨٧ - قلت لأشهب: أرأيت لو أن حلالًا أحرم وفي يده صيد، أيجب عليه إرساله، وكيف إن لم يرسله حتى أتاه رجل، فأطلقه من يده، أيضمن له أم لا؟
[ ١٠٨ ]
فقال لي: لا أرى عليه إرساله، ولكنه يخلفه في أهله، ولا يسافر به، ولا ضمان عليه فيه، فإن سافر به معه، فأراه له ضامنًا.
ومن أرسله من يده، فأرى له عليه قيمته يوم أرسله من يده، لأنه ليس [..] ملك صيدًا بثمن أو اصطياد وهو يجوز له ملكه، ثم أحرم أو دخل به [..] يرسله، ولكني لا أرى أن يذبحه ولا ينفره، [..] / ولا بأس بذبحه في الحرم إذا حللت.
وقد بلغني عن القاسم بن محمد، وعبد الله بن أبي سلمة، وغيرهما من أهل العلم، سُئلوا هل يصلح لرجل أن يأكل ظبيًا وجده على بعض المياه وهو محرم، والظبي داجن؟
فقالوا: لا. وقال ربيعة: ترك ذلك أحسن.
وقال مالك: لا أرى أن يذبحه المحرم، لأن الله ﷿ قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ والذي يصيد الصيد وهو حلال، ثم يقتله إذا أحرم، بمنزلة المحرم يشتري صيدًا ثم يقتله، وقد نهى الله ﵎ عن قتله.
[ ١٠٩ ]
٨٨ - وأخبرني يحيى بن أيوب، أن ابن جريج، حدثه عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: كل شيء سبي سبيًا، فهو صيد، وكل شيء ولد بالقرى، فهو صيد.
٨٩ - قلت لأشهب: فما الفرق بين أن يملك الصيد حلالًا، ثم يحرم فلا يجوز له قتله، وبين أن يدخله الحرم حلالًا، ثم يجوز له في الحرم قتله؟ وإنما نهي المحرم عن الاصطياد، وجعله الله ﷿ حرما آمنًا؟
فقال لي: الفرق بين ذلك، الضرورة، لأن الإحرام ينقضي عنك بلا كلفة، وأنت في مندوحة من ذبحه إلى حلك بلا مؤونة، وسكان الحرم لا ينقضي ذلك عنهم إلى مدة إلا بسفر ومشقة، ألا ترى أنه لم يكن عليك إرساله في إحرامك، إذا ملكته في حلك بمشقة إرساله وعتقه من يدك، وذهاب سبيك، ووقفت عن ذبحه إلى المدة التي يحل لك بها ذبح الصيد، أو لا ترى أيضًا، أنه لا يجوز لك إذا كنت محرمًا قتل القمل، ولا حلاق الشعر، ولا تقليم الأظفار، ولا قتل الفراد، ولا الحلم، ولا خشاش الأرض، حتى ينقضي حرمك، لأن له مدة ينتهي إليها، يتسع عليك فيه الضيق بلا مؤونة، وإن ذلك يجوز لك كله في الحرم، لأنه مدة لا يتعضى ذلك عنك إلا بمؤونة وكلفة من الخروج من الحرم إلى الحل مسافرًا أو دون ذلك، ولو خرجت مرة لم تنهك عن ثانية، ولو خرجت مرتين لم تنهياك عن ثالثة، وكذلك أمر الإسلام في أشياء كثيرة، ما ضاق منها واشتدت مؤنته وعظمت رزيته فخفف بوضع الإصر فيه، لقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وإن هذا من قبل الصيد في الحرم، لمن أدخله مالكًا له من الحل، لمما قد اختلف فيه، إلا أن جماعة أهل العلم من أهل المدينة على ما قلت لك فيه.
[ ١١٠ ]
٩٠ - وقد أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه سأل جابرًا، أكل ما ذبح بمكة من الصيد، مما صيد في الحل؟
فقال جابر: بعد، وقال: لا بأس أن يدخل بالصيد مكة حيًا، فيذبح إذا صيد في الحل.
٩١ - وأخبرني ابن عمر الجمحي، أنه سمع عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة يقول: أهدي إلى عائشة زوج النبي ﷺ، قال أشهب: أراه قال بمكة صيدًا فردته وقالت: لا آمن العبدان، أن يكونوا أخذوه من الحرم.
٩٢ - وأخبرني الزنجي مسلم بن خالد، أن صدقة بن يسار، حدثه أنه سأل سعيد بن جبير، عن الصيد يدخل به الحرم حيًا؟
فقال لي: كله، لا تجد في نفسك منه شيئًا.
٩٣ - وقال الزنجي: وقال عمرو بن دينار: لو أهدي لي ظبي ومكث] عندي ليالي ثم انفلت، فمكث في الحرم أربعة أيام، ثم وجدته في [..] والحالين لأخذته فأكلته بعد أن أعرف أنه ظبي؟
٩٤ - قال لي الزنجي وحدثني [..] بن كثير، عن مجاهد، أنه أكل في مرضه الذي توفي فيه لحم صيد، دخل به حرم مكة ذبح فيه.
٩٥ - وأخبرني داود بن عبد الرحمن العطار، قال: حدثني ابن أبي حبيب، أنه قال: ما صيد في الحل، ثم ذبح بمكة، فلا بأس بأكله. وقال [..] يصطاده في الحل، ثم يدخل به الحرم فيذبح فيه / أنه لا بأس به وبأكله لأهل مكة وغيرهم.
[ ١١١ ]
٩٦ - قال أشهب: ولم يثبت عندي أن أحدًا كرهه، إلا ابن عباس، وابن عمر، فإن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمر الليثي، حدثني أن عطاء بن أبي رباح، حدثه عن ابن عباس أنه قال: «لا يحل أكل لحم صيد، دخل به الحرم حيًّا».
٩٧ - قال عطاء: وأهدى عبد الله بن عامر، إلى ابن عمر أظبيًا بمكة، فقال ابن عمر: لما بلغت ما منها أهداها إلي لأردنها، فردها إليه.
٩٨ - قال أشهب: فأما ابن عمر، فإنه كان يحمل على نفسه في كل أمر حاك في نفسه فيها الاحتياط، حتى إذ كان ينضح في عينيه الماء في الجنابة، ويتوضأ من الرعاف، ويقطع الدم من ثوبه بالجلم، وقد رأى ابن عمر أمر هذا الصيد على غير السهل فيه ما جاز له أن يرده إلى من استحله، لأنه قد أعانه على قتله برده إياه إليه.
تم الجزء الرابع من الحج والحمد الله كثيرًا لا شريك له، وصلى الله وملائكته على محمد النبي، وعلى آله وسلم.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
قرأت جميعه على أبي عباس في كتابي هذا وكتابه.
وقرأت عليه ما في أطرافه لسحنون، وسمعت جميعه أيضًا عن سهل بن عبد الله عن سحنون سنة ست وسبعين ومئتين. ٢٧٦ هـ.
قرأ جميعه عبد الله بن أحمد البجلي على أبي العباس محمد عبد الرحمن بن خلفون اللواتي وأبي الحسين بن أبي سهل التاجي وموسى سنة [؟] هـ.
[ ١١٢ ]