الْيَمِينُ تَحْقِيقٌ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ كَبِاللهِ، وتَاللهِ، وايْمِ اللهِ، وحَقِّ اللهِ، والْعَزِيزِ، وعَظَمَتِهِ، وجَلالَتِهِ، وإِرَادَتِهِ، وكَفَالَتِهِ، وكَلامِهِ، والْقُرْآنِ، والْمُصْحَفِ.
وإِنْ قَالَ أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ. وكَقُدْرَةِ اللهِ، وأَمَانَتِهِ، وعَهْدِهِ، وعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ، إِلا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ، وكَأَحْلِفُ، وأُقْسِمُ، وأَشْهَدُ، إِنْ نَوَى بِاللهِ، وأَعْزِمُ، إِنْ قَالَ [٢٦ / أ] بِاللهِ، وفِي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ، لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ، وحَاشَ اللهِ، ومَعَاذَ اللهِ، واللهُ رَاعِ أَوْ كَفِيلْ، والنَّبِيِّ والْكَعْبَةِ.
قوله: (لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) الظاهر أن مراده بسبق اللسان كمراد ابن الحاجب وغيره، وهو أن يسبق اللسان للفظ من غير عقد (١)، كقوله: بلى والله، ولا والله، وفي هذا قَوْلانِ، المشهور ما في " المدوّنة " أنه ليس بلغو، وذهب إسماعيل القاضي والأبهري إلى أنه المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، واختاره اللخمي وابن عبد السلام وابن أبي جمرة، وإليه كان يميل شيخ شيوخنا الفقيه المحدّث أبو القاسم العبدوسي، فإذا تقرر هذا فحمل كلام المصنف على المشهور؛ بناءً على ردّ النفي لحكم المسألة التي [قبله] (٢) تليه، أولى من حمله على القول الثاني، بناءً على ردّ النفي لقوله: (بذكر اسم الله)، على أن يكون التقدير اليمين تحقيق ما لَمْ يجب بذكر اسم الله لا بسبق لسانه؛ ولذلك اقتصر بعد على تفسير اللغو بما يعتقده، فظهر نفيه. والله تعالى أعلم.
وكَالْخَلْقِ، والإِمَاتَةِ، وهُوَ يَهُودِيٌّ، وغَمُوسٍ بِأَنْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ.
قوله: (وَكَالْخَلْقِ، والإِمَاتَةِ) [الإماتة] (٣) بكسر الهمزة وبتاءين آخره، ضد الإحياء. قال ابن يونس: لا كفارة على من حلف بشيءٍ من صفات أفعاله تعالى كالخلق والرزق
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٣٢.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٣٨٢ ]
والإحياء والإماتة (١)، وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت، فهذا حالفٌ بالله فعليه الكفارة، وإن كانت تسميته تقتضي صفات الفعل. انتهى.
ولما ضبطه الشارح الأمانة، بفتح الهمزة وبالنون قبل آخره، فرّق بينه وبين أمانة الله التي تقدّمت، بأن ذلك مضاف لاسم الله، وهذا غير مضاف، وثبت على ذلك في " الشامل " ولَمْ أقف على هذا التفريق لمن يوثق به بل قال في " الذخيرة " أمانة الله تعالى تكليفه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وتكليفه كلامه القديم (٢).
وحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، ولْيَسْتَغْفِرِ اللهَ، وإِنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ، فَكَفَرَ، ولا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ ولَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللهِ.
قوله: (بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ) مفهومه: لو تبين صدقه لَمْ تكن يمين غموس، وهو المتبادر من قوله في " المدونة ": قال مالك: [ومن قال] (٣): والله ما لقيت فلانًا أمس وهو لا يدري ألقيه (٤) أم لا، ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف برّ وإن كان على خلاف ذلك أثم، وكان كمتعمد (٥) الكذب فهي أعظم من أن تكفّر، وعلى هذا المعتبر (٦) حملها ابن الحاجب (٧).
قال ابن عبد السلام: وعليه حمل ابن عتاب لفظ " العتبية " فيما يشبه مسألة " المدوّنة "، وحمل غير واحد من الشيوخ لفظ " المدوّنة " على أنه وافق البرّ في الظاهر [لا أن إثم] (٨) جرأته بالإقدام على الحلف شاكًا سقط عنه؛ لأن ذلك لا يزيله إلا التوبة، وهو ظاهر في الفقه، إلّا أنه بعيد في لفظ " المدوّنة ". انتهى.
_________________
(١) في الأصل: (المحي والمميت).
(٢) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٤/ ٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ١): (ألقيت).
(٥) في (ن ٣): (متعمد).
(٦) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (المتبادر).
(٧) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٩٥، وانظر المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٠٠، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٣٣.
(٨) في (ن ٣): (لأن تم).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وممن حملها على موافقة البر لا نفي إثم الحلف على الشكّ، وإن كان دون إثم التعمد. أبو الفضل عياض: قال: ابن عرفة وهو خلاف قول محمد في الحالف على شكّ أو ظن، إن صادف صدقًا، فلا شيء عليه، وقد خاطر. وقال اللخمي: الصواب أنه آثم.
كَالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ، إِنْ قَصَدَهُ كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ.
قوله: (كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ) أي في الأخيرين أشار به لما في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور: ومن حلف لا فعل كذا إلا أن يقضي الله أو يريد غيره: فليس استثناءً. عيسى: هو في اليمين بالله استثناء (١).
ابن عرفة: فحمله ابن حارث وابن رشد على الخلاف في اليمين بالله، واختار قول عيسى، وظاهر " النوادر " حمل قول ابن القاسم على اليمين بالطلاق، فلا يكون خلافًا، والأول أظهر لسماعه إياه في الأيمان بالطلاق، من قال لامرأته: إن فعلت كذا إلا أن يقدر الله فأنت طالق إن فعلت حنث. انتهى، فقف على تمامه في رسم إن خرجت (٢).
وأَفَادَ بِكَإِلا فِي الْجَمِيعِ.
قوله: (وأَفَادَ بِكَإِلا فِي الْجَمِيعِ) أي: في جميع متعلقات اليمين مستقبلة وماضية كانت [٣٦ / ب] اليمين منعقدة أو غموسًا، وكذا لابن عبد السلام.
إِنِ اتَّصَلَ، إِلا لِعَارِضٍ.
قوله: (إِنِ اتَّصَلَ) شرط في الاستثناء بإن شاء الله، وبإلا، وأخواتها.
ونَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وقَصَدَ، ونَطَقَ بِهِ وإِنْ سِرًَّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ.
قوله: (ونَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وقَصَدَ) كأنه يحوم على ما حرر ابن عبد السلام أن الاستثناء بإن لابد أن يكون المقصود به حل اليمين، وما أشبه ذلك، وأما إن جرى على اللسان من غير قصد، كما قال في " العتبية ": إذا تكلّم به لهجًا فإنه لا ينتفع به، وكذلك إذا تكلّم تبرّكًا؛
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٣/ ١٧٠.
(٢) نص المسألة في سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق: (وسئل عن رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا إلا أن يقدر فأنت طالق. قال: إن فعله فهي طالق). انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ١٨٨.
[ ١ / ٣٨٤ ]
لأنه على مضادة حل اليمين كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وكما في الصحيح: " إن سليمان - ﵇ - لو قال إن شاء الله لتمَّ مراده " (١) وكما روي ابن عباس أن الرسول - ﵇ - قال ثلاثًا: " والله لأغزون قريشًا " ثم قال: " إن شاء الله " (٢) فهذا وأشباهه مما يقصد به التبرك هو تأكيد لمقتضى اليمين على الضد من الاستثناء الذي يُبوِّبُ له الفقهاء. انتهى. وقد ظهر أن هذا خاص بالمشيئة (٣)، وأن المصنف لَمْ يقنع بقوله أولًا: كالاستثناء بإن شاء الله. إن قصد خلاف عادته في الاختصار.
وفي سماع أشهب: إن كان لهجًا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] لم يغن شيئًا (٤). وفي " النوادر " عن محمد: وكذا إن كان سهوًا أو استهتارًا. وابن عرفة: وتفسير ابن عبد السلام كونه لهجًا بأنه غير منوي وكونه للتبرك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] خلاف سماع أشهب.
إِلا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالِ عَلَيَّ حَرَامٌ وهِيَ الْمُحَاشَاةِ.
قوله: (إِلا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالِ عَلَيَّ حَرَامٌ وهِيَ الْمُحَاشَاةِ) ابن محرز: إنما فرّق الفقهاء بين الاستثناء والمحاشاة لاختلاف معناهما، فما كان بابه إيقاف حكم اليمين كلها أو حلّها، ورفع حكمها فذلك ما لا يصح فيه الاستثناء بالقلب حتى ينطق به اعتبارًا بعقد اليمين، بل هذا آكد؛ لأنه حل وإيقاف، وقد يحتاط في أصل عقد اليمين [فيلزم بالقلب من غير نطق.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٢٦٦٤) كتاب الجهاد والسير، باب من طلب الولد للجهاد، ومسلم، برقم (١٦٥٤)، كتاب الأيمان، باب الاستثناء.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٣٢٨٥) كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت، وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٤٣) كتاب الأيمان، ذكر نفي الحنث عن من استثنى في يمينه بعد سكتة يسيرة. والحديث روي مرسلا وموصولا، والأقرب فيه الإرسال لا الاتصال، كما قال ابن أبي حاتم. انظر: عون المعبود، لمحمد شمس الحق: ٩/ ١٢١.
(٣) في (ن ٣): (بالمسئلة).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٣/ ١٣٩.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وما كان بابه رفع الحكم عن بعض ما يتناوله اليمين] (١) أو إيقافه، نُظرت: فإن كان من أول ما حلف عزله في نفسه وعلّق اليمين بما سواه فذلك له؛ لأن ذلك المقدار الذي عزله ما انعقد فيه يمين ولا تعلّق به حكمها، وهو الذي يسميه الفقهاء محاشاة، وإن كان لَمْ يعزله في أصل عقده، بل علق يمينه بجميع الأشياء المحلوف عليها، ثم استدرك بالاستثناء بعضها، فلا ينفعه الاستثناء هنا حتى يحرك به لسانه؛ لأنه إنما يريد حلّ ما قد انعقد بيمينه وإيقاف حكمه، وذلك ما لا يصح إلاّ بالنطق، وسواء كان استثناءُه بإلا أو غيرها من الألفاظ التي تتناول البعض. انتهى.
وقال ابن عبد السلام -[بعد أن أشار إلى بعض كلام ابن محرز] (٢) -: وهذا ظاهره أنه قصد تفسير قاعدة المذهب في هذا؛ لا أنه اختيار له خالف فيه نصوص المذهب، فقف على بقية كلامه وكلام ابن عرفة. وبالله تعالى التوفيق.
وفِي النَّذْرِ الْمُبْهِمِ، والْيَمِينِ، والْكَفَّارَةِ، والْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْتُ، ولا فَعَلْتُ، أَوْ حِنْثٍ بِلأَفْعَلَنَّ، وإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ - إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ، ونُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ، أَوْ رَطْلانِ خُبْزًا بِإِدَامٍ كَشِبَعِهِمْ أَوْ كِسْوَتِهِمْ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، ولِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وخِمَارٌ، ولَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، والرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، ولا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ ومُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ ونَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ، إِلا أَنْ يُكَمِّلَ، وهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ، ولَهُ نَزْعُهُ إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وإِلا كُرِهَ، وإِنْ كَيَمِينٍ وظِهَارٍ، وأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ، ووَجَبَتْ بِهِ إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ، وفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وعِتْقُهُ، وصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، ومَشْيٌ بِحَجٍّ، وكَفَّارَةٌ، وفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ، وتَحْرِيمُ الْحَلالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ والأَمَةِ لَغْوٌ، وتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ.
[قوله: (وفِي النَّذْرِ الْمُبْهِمِ) هذا مستأنف وهو خبر مقدم لـ: " إطعام "] (٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٣٨٦ ]
وزِيدَ فِي الأَيْمَانِ يَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ.
قوله: (وزِيدَ فِي الأَيْمَانِ يَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) أي: وزيد على بت من يملك وعتقه وصدقة ثلث ماله، ومشي بحجّ وكفارة، إن جرت العادة باليمين به.
وفيه تنبيهات:
الأول: ظاهره أنه إن لَمْ يكن في ملكه رقيق لَمْ يلزمه عتق، خلاف قول الباجي: إن لَمْ يكن له رقيق لزمه عِتْقُ رقبةٍ إذ قال ابن زرقون: هو غير معروف، وقبل ابن عرفة قول ابن زرقون، وقال في " التوضيح " فيه نظر؛ لما في " الجواهر " عن الطرطوشي أن المتأخرين أجمعوا أنه إن لَمْ يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة (١).
الثاني: لَمْ يبين (٢) هنا وقت اعتبار ثلث ماله اكتفاءً بقوله بعد: (وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ) وعليه قاس في " التوضيح " عتق من يملك يوم اليمين، واعترض قول ابن الحاجب: يوم الحنث (٣).
الثالث: خصص المشي بالحجّ دون العمرة، وكذا فسّر كلام ابن الحاجب مستدلًا بقول أبي بكر بن عبد الرحمن: يلزمه من كل نوع من الأيمان أوعبها، فكما لزمه الحجّ ماشيًا دون العمرة لزمه طلاق الثلاث دون الواحدة، مع أن ابن رشد قال في رسم [من] (٤) أوصى من سماع عيسى من النذور: المشي في حجّ أو عمرة (٥).
الرابع: مقتضى قوله: " اُعتيد " مبنيًا للمفعول: أن المعتبر عادة بلاد الحالف كما اختاره ابن عبد السلام - لا عادة الحالف فقط كما قال ابن بشير وأتباعه، وإلا وجب طرده في بقيتها.
_________________
(١) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٤/ ٣٨٦، وانظر: ما نقله عن الجواهر، لابن شاس: ١/ ٣٤٤.
(٢) في (ن ٣): (يعتبر).
(٣) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٤/ ٣٨٦، وجامع الأمهات، ص، ٢٣٣، وعبارة ابن الحاجب التي وقفنا عليها في جامع الأمهات، والتوضيح (حين الحنث) لا (يوم الحنث) والفرق هين.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة: من (ن ٢).
(٥) نظر: انظر السماع المذكور واستيعاب ابن رشد للمسألة في: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٨، وانظر إشارة المصنف في: ٣/ ١٨٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الخامس: إنما [لم يقل] (١) ولا نية تخصص اكتفاءً بقوله [٣٧ / أ] بعد: (وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ).
أَوْ قَالَ لا ولا، أَوْ حَلَفَ لا يَحْنَثُ.
قوله: (أَوْ قَالَ لا ولا) أي: أو قال مجاوبًا: لا والله، ولا أنت، لمن قال له: وأنا لما حلف لا بعت سلعتي من فلان، ونصّها في كتاب ابن يونس عن ابن المَوَّاز: ومن حلف لا باع سلعته من فلان فقال له آخر: وأنا، فقال: لا (٢) والله ولا أنت، فباعها منهما جميعًا فعليه كفّارتان، وفي الطلاق طلقتان، ولو باعها من أحدهما ثم ردها عليه فباعها من الثاني، فعليه كفارتان، وقاله مالك وابن القاسم: ومن قال: والله لا بعتها من فلان ولا من فلان: فكفارة واحدة تجزيه؛ باعها منهما أو من أحدهما، وردّها عليه فباعها أَيْضًا من الآخر فهم سواء.
أَوْ بِالْقُرْآنِ والْمُصْحَفِ والْكِتَابِ أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا أَوْ مَهْمَا لا مَتَى مَا ووَاللهِ ثُمَّ واللهِ وإِنْ قَصَدَهُ.
قوله: (أَوْ بِالْقُرْآنِ والْمُصْحَفِ والْكِتَابِ) قطع هنا بتعدد الكفارة، وهو عند ابن رشد ظاهر قول ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى قال: لاختلاف التسميات، وإن كان المحلوف به واحدًا، وهو كلام الله تعالى القديم (٣) وهو خلاف ما ذكر ابن يونس عن ابن المَوَّاز وابن حبيب: أن كفارة واحدة تجمعها.
وَالْقُرْآنِ، والتَّوْرَاةِ، والإِنْجِيلِ، ولا كَلَّمَهُ غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا.
قوله: (والْقُرْآنِ، والتَّوْرَاةِ، والإِنْجِيلِ) قطع هنا بعدم التعدد، وكذا قال سحنون في " نوازله "، وقد صرح ابن رشد بأنه خلاف ظاهر سماع عيسى الذي فوقه (٤)، ولَمْ ينقل ابن يونس في الفرعين إلا كفارة واحدة، وقال آخر كلامه: لأن ذلك كلّه كلام الله ﷿ وهو صفة من صفات ذاته، فكأنه حلف بصفةٍ واحدة، فعليه كفارة واحدة باتفاق.
_________________
(١) في (ن ٣): (قال).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة: من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٥ وما بعدها.
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٥، ١٧٦.
[ ١ / ٣٨٨ ]
فإن قلت: فما وجه تفريق المصنف؟
قلت: كأنه لما رأى المنصوص في الثانية الاتحاد لَمْ يمكنه العدول عنه، وعول في الأولي على ظاهر قول ابن القاسم، وإن خالف نصّ غيره لتقديم أهل المذهب ابن القاسم على غيره؛ مع أن مدرك الحكم في المسألتين واحد، وكثيرًا ما يفعل مثل هذا لتبقى الفروع معروضة للنظر. والله تعالى أعلم.
وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وسَاوَتْ فِي اللهِ وغَيْرِهَا.
قوله: (وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وسَاوَتْ) في هذه العبارة قلق؛ لأن النية التي تنيف أي: تزيد، والتي تساوي، أي تطابق ليست مخصصة ولا مقيدة، وإنما المخصصة والمقيدة التي تنقص، فالوجه أن يقال: واعتبرت [نية] (١) الحالف، إن نافت أو ساوت، وإلا خصصت وقيدت، كما قال القاضي في " تلقينه ": يُعمل على النية إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه، بتقييد مطلقه أو تخصيص عامّه، ثم قال: وذلك كالحالف [لا آكل] (٢) رؤوسا أو بيضًا أو لا سبح في نهر أو غدير، فإن قصد معنى عامًا وعبّر عنه بلفظ خاص، أو معنى خاصا وعبّر عنه بلفظ عام حكم بنيته، إذا قارنها عرف التخاطب كالحالف: لا أشرب لفلان ماءً، يقصد قطع المن، فإنه يحنث بكل ما ينتفع به من ماله.
وكذا: لا لبس ثوبًا من غزل زوجته، يقصد قطع المن، دون عين المحلوف عليه (٣).
ولحسّن عبارة " التلقين " انتحلها صاحب " الجواهر " إعجابًا بها (٤)، وحولها دندن ابن عرفة إذ قال: والنية إن وافقت ظاهر اللفظ أو خالفته بأشدٍّ اعتبرت، وإلا فطرق، فلو قال المصنف، وخصصت نية الحالف، وقيدت، كإن نافت أو ساوت، بزيادة الكاف والعطف بأو لكان أمثل.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل و(ن ٤).
(٢) في (ن ١)، و(ن ٣): (لأكل).
(٣) انظر: التلقين، للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٣٤٨.
[ ١ / ٣٨٩ ]
فإن قلت: لعل قوله: (نافت) من باب المنافاة، مفاعلة من النفي فيرجع لمعنى النقص، وتكون الزيادة والمطابقة أحرى بالاعتبار والمساواة على هذا بمعنى المعادلة في الاحتمال، من غير ترجيح أي: أمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، وأمكن أن لا يقصد على حد سواء ويشفع له محاذاة قول ابن الحاجب: فإن تساويا قبلت (١)، وينعشه عطف ساوت بالواو دون أو، ويكون معنى قوله بعد: (كإن خالفت) كأن لَمْ تساو.
قلت: لو لَمْ يكن في هذا من التكلّف إلا استعمال المنافاة، التي هي المضادة في مثل هذا المعنى لكان كافيًا في قبحه، ولولا خشية السآمة لطرقنا فيه احتمالًا آخر. والله تعالى أعلم (٢).
كَطَلاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي أَلا يَتَزَوَّجَ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لا آكُلُ سَمْنًا، ولا أُكَلِّمُهُ [فَقَالَ نَوَيْتُ شَهْرًا] (٣). وكَتَوْكِيلِهِ [٢٦ / ب] فِي لا يَبِيعُهُ، ولا يَضْرِبُهُ، إِلا لِمُرَافَعَةٍ وبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ فِي طَلاقٍ وعِتْقٍ فَقَطْ، أَوِ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، لا إِرَادَةِ مَيِّتَةٍ، وكَذِبٍ فِي طَلاقٍ وحُرَّةٍ، أَوْ حَرَامٌ، وإِنْ بِفَتْوَى ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ، ثُمَّ عُرْفٌ، قَوْلِيٌّ ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَوِيٌّ، ثُمَّ شَرْعِيٌّ، وحَنِثَ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. ولا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، ولَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ سَرِقَةٍ، لا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ.
قوله: (كَطَلاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي أَلا يَتَزَوَّجَ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لا آكُلُ سَمْنًا) أربع تشبيهات مختلفة الجهات،
فالأول تمثيل لقوله: (وغيرها) وهو تنبيه بالأعلى على الأدنى.
والثاني: تمثيل للنية المخصصة لعموم اللفظ.
والثالث: [٣٧ / ب] تشبيه للنية المخالفة القريبة، التي يفصل فيها بين القضاء والفتيا، بغير المخالفة المقبولة مطلقًا، ومنه يظهر أن قوله: (إلا لمرافعة) راجع لما بعد هذه الكاف
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٣٥.
(٢) أطال الحطاب ﵀ النفس في المسألة، وفسر المنافاة بما وصفه المؤلف بأنه من التكلف، فطالع الأمر عنده في مواهب الجليل: ٤/ ٤٢٧، وما بعدها.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة، وقد خلت منها الشروح الأخرى للمختصر.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فقط، على القاعدة التي أسلفناكها في مقدمة الكتاب (١)، مع أنه عطف عليه الاستخلاف الذي هو أعمّ.
والرابع: وهو قوله: (كسمن ضأن) تمثيل للمخالفة القريبة؛ ولذلك قابله بالمخالفة البعيدة إذ قال: (لا إرادة ميتة ) إلى آخره، وهو بخفض إرادة عطفًا على سمن. والله تعالى أعلم.
وبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ، وبِالنِّسْيَانِ إِنْ أَطْلَقَ، وبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ، وبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لا آكُلُ، لا مَاءٍ ولا تَسَحُّرٍ فِي لا أَتَعَشَّى، وذَوْقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ، وبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ، لا أَقَلَّ، وبِدَوَامِ رُكُوبِهِ ولِبْسِهِ فِي لا أَرْكَبُ وأَلْبَسُ، لا فِي كَدُخُولٍ، وبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ، وبِجَمْعِ الأَسْوَاطِ فِي لأَضْرِبَنَّهُ كَذَا، وبِلَحْمِ الْحُوتِ، وبَيْضِهِ، وعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا وبِكَعْكٍ، وحُشْكِنَانٍ، وهَرِيسَةٍ وإِطْرِيَةٍ (٢) فِي خُبْزٍ، لا عَكْسِهِ، وبِضَأْنٍ ومَعْزٍ ودِيَكَةٍ، ودَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، ودَجَاجٍ، لا بِأَحَدِهِمَا، فِي آخَرَ، وبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ، وبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ لا بِكَخَلٍّ طُبِخَ، وبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي لا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلْتِنِي، وبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي لا أُفَارِقُكَ، أَوْ فَارَقْتَنِي إِلا بِحَقِّي، ولَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وإِنْ أَحَالَهُ، وبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لا الْعَكْسِ، وبِفَرْعٍ فِي لا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ، أَوْ هَذَا الطَّلْعَ، لا الطَّلْعِ أَوْ طَلْعًا إِلا نَبِيذَ زَبِيبٍ، ومَرَقَةَ لَحْمٍ، أَوْ شَحْمِهِ، وخُبْزَ قَمْحٍ وعَصِيرَ عِنَبٍ وبِمَا أَنْبَتَتِ الْحِنْطَةُ إِنْ نَوَى الْمَنَّ، لا لِرَدَاءَةٍ أَوْ كَسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ وبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ، ودَارِ جَارِهِ، أَوْ بَيْتِ شِعْرٍ، كَحَبْسٍ أُكْرِهُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، لا بِمَسْجِدٍ، وبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ، لا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ، وبِتَكْفِينِهِ فِي لا نِفِعِهُ حَيَاتَهُ، وبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا، فِي لا أَكَلْتُ طَعَامَهُ إِنْ أَوْصَى، أَوْ كَانَ مَدِينًا.
قوله: (وبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) قال في " المدوّنة ": ومن قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لَمْ أتزوج عليك، فأراد ألا يتزوج عليها، فليطلّقها واحدة ثم يرتجعها فتزول يمينه، ولو
_________________
(١) يعني ما قاله في أول الكتاب: (ومن قاعدته غالبًا: أنه إذا جمع مسائل مشتركة في الحكم والشرط نسّقها بالواو، فإذا جاء بعدها بقيد علمنا أنه منطبق على الجميع، وإن كان القيد مختصًا ببعضها أدخل عليه كاف التشبيه، فإذا جاء بالقيد علمنا أنه لما بعد الكاف).
(٢) الإطرية: بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، قيل: هي ما تسمى في زماننا بالشعرية، وقيل: ما يسمى بالرشتة. انظر: الشرح الكبير، للدردير: ٢/ ١٤٣.
[ ١ / ٣٩١ ]
ضرب أجلًا كان على برّ وليس له أن يحنث [نفسه] (١) قبل الأجل، وإنما يحنث إذا مضى الأجل ولَمْ يفعل ما حلف عليه (٢).
قال ابن رشد في رسم لَمْ يدرك من سماع عيسى من كتاب الظهار: المشهور فيمن كانت يمينه على بر فحلف أن لا يفعل فعلًا بطلاق أو مشيٍ أو عتق أو ظهار أو غير ذلك مما هو غير معين مما عدا اليمين بالله أنه لا يجوز أن يطلّق ولا أن يمشي ولا أن يعتق ولا أن يكفّر عن ظهاره ولا أن يصوم قبل أن يحنث، فإن فعل شيئًا من ذلك قبل الحنث لَمْ يجزه، ولزمه أن يفعله مرة أخرى إن حنث (٣). انتهى بتلخيص " جامع الطرر ". وبه يفسر كلام المصنف.
وبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ وقَرَأَ.
قوله: (وبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ وقَرَأَ) هكذا في بعض النسخ بزيادة (وقرأ) أي: وقرأه المحلوف عليه بلسانه، وبهذا يكون مطابقًا لمفهوم قوله: (لا قراءته بقلبه) أي لا قراءة المحلوف عليه بقلبه دون لسانه، وهكذا جاء عن أشهب أن الكتاب إذا وصل إلى المحلوف عليه فقرأه بقلبه ولَمْ يقرأه بلسانه فلا يحنث، واحتجّ على ذلك بأن من حلف أن لا يقرأ فقرأ بقلبه، لَمْ يحنث.
قال ابن عبد السلام: والظاهر أنه يحنث إذا قرأ الكتاب بقلبه؛ لأن المقصود من ترك المقاطعة قد حصل كما لو تلفّظ بقراءته. وقال ابن حبيب: إن وصل الكتاب إلى المحلوف عليه فقرأ عنوانه حنث، فإن لَمْ يقرأه وأقام عنده سنين لَمْ يحنث.
اللخمي: ولا وجه لهذا؛ لأنه إنما يحنث بالمكاتبة؛ لأنها ضربٌ من المواصلة يرفع بعض المقاطعة؛ فلذلك يقع بنفس وصول الكتاب إلى المحلوف عليه، وإن لَمْ يقرأه.
قال شيخ شيوخنا الفقيه النظار أبو القاسم التازغدري: فقول أشهب المتقدّم أبعد من هذا وأحرى بالاعتراض، وفي " التوضيح " وإذا كان الظاهر عند اللخمي الحنث بأخذ
_________________
(١) في (ن ١): (بنفسه).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ١٠١، ١٠٢، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١١٤.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٥/ ١٨٦ وما بعدها.
[ ١ / ٣٩٢ ]
الكتاب وإن لَمْ يقرأه فلأن (١) يكون الحنث في مسألة أشهب فيما [إذا] (٢) قرأه بقلبه أولى (٣)، فلو اقتصر المصنف على قوله: (وبكتابٍ إن وصل)، وأسقط ذكر القراءة بالقلب واللسان؛ لكان أسعد بظاهر " المدونة " وأجرى مع اختيار أهل النظر، ونصّ ما في النوادر وكتاب ابن يونس قال أشهب: وإن ارتجع الكتاب بعد أن وصل إلى الرجل وقرأ منه بقلبه ولَمْ يقرأه بلسانه فلا شيء عليه (٤). ففهمه الأئمة (٥) كابن عبد السلام وابن عرفة والمصنف على أن المحلوف عليه هو الذي قرأه كما تقدّم، ولا يصحّ إلا هذا، ولا يلتفت لمن ردّه للحالف الذي كتبه؛ لأن ذلك لو كان يعتبر لحنث بنفس كتبه إذا ذاك قراءة بقلبه.
أَوْ رَسُولٍ، فِي لا أُكَلِّمُهُ، ولَمْ يِنْوِ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ والطَّلاقِ، وبِالإِشَارَةِ لَهُ، وبِكَلامِهِ ولَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، لا بِقِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ.
قوله: (أَوْ رَسُولٍ) يريد إن بلّغه الكلام (٦) قال أبو الحسن الصغير: فلو لَمْ يبلغه الرسول لَمْ يحنث، إلا أن يسمعه المحلوف عليه حين أمره، فيحنث.
ولا قَرَأَة أحد عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ، ولا بِسَلامِهِ عَلَيْهِ بِصَلاةٍ، ولا كِتَابِة الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ولَوْ قَرَأَ عَلَى الأَصْوَبِ والْمُخْتَارِ، وبِسَلامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَنْ يُحَاشِيهِ، وبِفَتْحٍ عَلَيْهِ، وبِلَا عِلْمِ إِذْنِهِ فِي لَا تَخْرُجِي (٧) إلَّا بِإِذْنِي.
قوله: (ولا قَرَأَة أحد عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ) الأقرب أن يحمل (٨) على ما إذا كان الحالف لما كتب الكتاب بدا له فأمسكه أو رماه أو نهى حامله عن إيصاله للمحلوف عليه فقرأه شخص على المحلوف عليه من غير (٩) إذن الحالف فإن الحالف لا يحنث.
_________________
(١) في (ن ١): (فلا).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٤/ ٤٤٦.
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٤/ ١٢٥.
(٥) في (ن ٢): (الأربعة).
(٦) في (ن ١): (الكتاب).
(٧) في أصل المختصر: (تخرجني).
(٨) في (ن ٣): (يحلف).
(٩) في (ن ١): (عند).
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقد نقل في النوادر ما يشبهها فقال: ولو قال الحالف للرسول اقطع كتابي ولا تقرأه أو رده إليّ فعصاه وأعطاه للمحلوف عليه فقرأه (١) فلا يحنث كما لو رماه راجعًا عنه بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه. انتهى فمسألتنا أحرى.
وبِعَدَمِ إِعْلامِهِ فِي لأُعْلِمَنَّهُ، وإِنْ بِرَسُولٍ، وهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ تَأْوِيلانِ. أَوْ إِعْلامِ (٢) وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ لأَوَّلَ فِي نَظَرٍ، وبِمَرْهُونٍ فِي لا ثَوْبَ لِي وبِالْهِبَةِ والصَّدَقَةِ فِي لا أَعَارَهُ، وبِالْعَكْسِ، ونُوِّيَ، إِلا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ، وبِبَقَاءٍ ولَوْ [٢٧ / أ] لَيْلًا فِي لا سَكَنْتُ، لا فِي لأَنْتَقِلَنَّ، ولا بِخَزْنٍ.
قوله: (وَبِعَدَمِ إِعْلامِهِ) كذا هو الصواب بمصدر الرباعي، وكذا قوله: (وإعلام (٣) وال ثان).
وَانْتَقَلَ فِي لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ.
قوله: (وانْتَقَلَ فِي لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا) أي: فإن كانا في بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك وإن كان معه في قرية فكذلك أَيْضًا، وإن كان في حارة (٤) انتقل عنها [٣٨ / أ] وكذا الدار والبيت، وهذا معنى ما في " المدوّنة " وغيرها (٥)، وهو مما نظر فيه إلى المقاصد والسبب المحرك لليمين، وقاله ابن بشير.
_________________
(١) في (ن ٣) توسطت هذه العبارة: (شخص على المحلوف عليه من غير إذن الحالف فإن الحالف لا يحنث، وقد نقل) وهي مقحمة مخالفة لنصّ النوادر، انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٤/ ١٢٦.
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (وعلم).
(٣) في النسخ الأخرى: (وعلم).
(٤) في (ن ٣): (حاضرة)، والحَارَة: كل مَحَلَّةٍ دنت مَنازِلُهم فهم أَهل حارَةٍ. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٤/ ٢٢٥. والحاضِرَةُ: هي المُدُنُ والقُرَى والرِّيفُ، الحاضِرَةُ والحاضِرُ: الحَيُّ العظيم أَو القومُ. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٤/ ١٩٧.
(٥) نص تهذيب المدونة: (ومن حلف أن لا يساكن فلانًا، فسكن كل واحد منهما في مقصورة في دار جمعتهما، فإن كان إذ حلف هذا في دار واحدة وكل واحد منهما في منزله حنث، وإن كان في بيت فلما حلف انتقل عنه إلى منزل في الدار، يكون مدخله ومخرجه ومرفقه في حوائجه على حدة لم يحنث، إلا أن يكون نوى الخروج من الدار، وكذا إن حلف أن لا يُساكن أخته امرأته وكانت ساكنتين في حجرة واحدة، فانتقلتا إلى دار سكنت هذه في سفلها، وهذه في علوها، وكل مسكن مستغن عن الآخر بمرافقه إلا أن سُلّم العلو في الدار، ويجمعهما باب واحد فلا يحنث. وإن حلف أن لا يساكن فلانًا، وهما في دار فساكنه في قرية أو مدينة لم يحنث، إلا أن يساكنه في دار). انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ١١٤، ١١٥. وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٣١،، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٤/ ١٤٣، ١٤٤.
[ ١ / ٣٩٤ ]
أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا، ولَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ، وبِالزِّيَارَةِ إِنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ، لا لِدُخُولِ عِيَالٍ، إِنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا، ومَبِيتٍ بِلا مَرَضٍ وسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لأُسَافِرَنَّ ومَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ ونُدِبَ كَمَالُهُ، كَأَنْتَقِلَنَّ ولَوْ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ لا بِكَمِسْمَارٍ، وهَلْ إِنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ وبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الأَجَلِ، وبِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ تَفِ، كَأَنْ لَمْ يَفُتْ، عَلَى الْمُخْتَارِ. وبِهِبَةٍ لَهُ، أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وإِنْ مِنْ مَالِهِ، أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إِلا بِدَفْعِهِ، ثُمَّ أَخْذِهِ لا إِنْ جُنَّ، ودَفْعَ الْحَاكِمُ، وإِنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلانِ. وبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ، فِي لأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ولَيْسَ هُوَ لا إِنْ قَضَى قَبْلَهُ، بِخِلافِ لآكُلَنَّهُ، ولا إِنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا.
قوله: (أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا، ولَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ) عطفه بأو تنبيهًا على أنهما إذا كانا ساكنين في دار فالحالف مخير في الانتقال وضرب الجدار، وهذا قول ابن القاسم في " المدوّنة " (١)، وأما مالك فكره الجدار فيها وأشار بلو لخلافين:
أحدهما: الخلاف في الحاجز إذا لَمْ يكن بناءً وثيقًا بالحجر ونحوه بل كان من جريد النخل وشبهه. والثاني: الخلاف في إجزاء الحاجز إذا عين الدار فقال: بهذه الدار مثلًا كما تلفظ به المصنف. أما الأول فبالجريد فسّر ابن محرز " المدوّنة " خلافًا لابن الماجشون وابن حبيب.
وأما الثاني فقال ابن عرفة والمصنف: ظاهر قوله في " المدونة " سماها أم لا (٢). إجزاء الحاجز في المعينة، وهو خلاف قول ابن رشد في سماع أصبغ: لو عيّن الدار لم يبر بالجدار (٣).
وقد سبقهما لهذا أبو الحسن الصغير وزاد: إذ المساكنة التي هي مفاعلة يزيلها الجدار بخلاف السكنى. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) قال في المدونة: (سئل مالك وأنا أسمع عن: رجل حلف أن لا يساكن ابنا له أو أخا له وكانا في دار واحدة، فأراد أن يضربا في سوط الدار حائطًا ويقستماها، ويفتح هذا بابه إلى السكة، وهذا بابه إلى السكة الأخرى قال مالك: ما يعجبني، وكرهه. قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسا، ولا أرى عليه شيئًا) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٣٢.
(٢) هذه عبارة تهذيب المدونة في النص المسوق أعلاه، انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ١١٣.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٣/ ٢٣٥، ونص ابن رشد: (ولو عيّن الدار فحلف ألا يساكنه في هذه الدار لما برّ بأن يبنيا فيها جدارًا).
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَبَرَّ إِنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ، وهَلْ ثَمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إِنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ تَأْوِيلانِ. وبَرِئَ فِي الْحَاكِمِ إَنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ، وإِلا بَرَّ كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ، ولَهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ، أَوْ إِذَا اسْتَهَلَّ أَوْ إِلَى رَمَضَانَ، أَوْ لاسْتِهْلالِهِ شَعْبَانُ، وبِجَعْلِ ثَوْبٍ قِبَاءً، أَوْ عِمَامَةً فِي لا أَلْبَسُهُ، لا إِنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ، [وَلا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ] (١)، وبِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ، فِي لا أَدْخُلُهُ إِنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقَهُ، وبِقِيَامٍ علَىَ ظَهْرِهِ، وبِمُكْتَرى فِي لا أَدْخُلُ لِفُلانٍ [بَيْتًا] (٢)، وبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ، وإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وبِالْكَلامِ أَبَدًا، فِي لا أُكَلِّمُهُ الأَيَّامَ، أَوِ الشُّهُورَ، وثَلاثَةً فِي كَأَيَّامٍ.
قوله: (وبَرَّ إِنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ (٣» هكذا في أكثر النسخ وهو اللائق بجر مفوض (٤).
وهَلْ كَذَلِكَ فِي لأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ شَهْرٍ؟ قَوْلانِ. وسَنَةٌ فِي حِينٍ، وزَمَنٍ، وعَصْرٍ، ودَهْرٍ، وبِمَا يُفْسَخُ، أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ، فِي لأَتَزَوَّجَنَّ، وبِضَمَانِ الْوَجْهِ، فِي لا أَتَكَفَّلُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ، وبِهِ لِوَكِيلٍ، فِي لا أَضْمَنُ لَهُ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وهَلْ إِنْ عَلِمَ تَأْوِيلانِ. وبِقَوْلِهِ، مَا ظَنَنْتُهُ قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ، فِي لَيُسِرَّنَّهُ، وبِاذْهَبِي الآنَ إِثْرَ: لا كَلَّمْتُكِ، حَتَّى تَفْعَلِي، ولَيْسَ قَوْلُهُ لا أُبَالِي، بَدْءًا لِقَوْلِ آخَرَ، لا أُكَلِّمُكَ حَتَّى تَبْتَدِئَنِي، وبِالإِقَالَةِ، فِي: لا تَرَكَ مِنْ حَقَّهِ شَيْئًا إِنْ لَمْ تَفِ، لا إِنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ، ولا إِنْ دَفَنَ مَالًا ولَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخَذْته.
قوله: (وهَلْ كَذَلِكَ فِي لأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ شَهْرٍ قَوْلانِ) أي: إذا حلف ليهجرنه، وأطلق فقيل: تكفيه ثلاثة أيام، وقيل: شهر.
وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لا خَرَجْتِ إِلا بِإِذْنِي.
قوله: (وبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لا خَرَجْتِ إِلا بِإِذْنِي) أي: [إذا حلف لها لا خرجت إلا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٣) في (ن ٣): (تقاضًا أو مفوضًا).
(٤) تفسير المسألة كما شرحها المواق حيث نقل كلام ابن بشير ونصه: (إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ حَقَّهُ فَغَابَ الْغَرِيمُ بَرَّ بِقَضَاءِ وَكِيلِهِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ فَالْحَاكِمُ الْعَدْلُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ دَفَعَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِ عَدْلٍ بَرِيءَ مِنْ الْحِنْثِ ولَمْ يَبَرَّ مِنْ الدَّيْنِ) انظر: التاج والإكليل: ٣/ ٣٠٨.
[ ١ / ٣٩٦ ]
بإذني] (١) فرآها تحتفل للخروج فتركها؛ فإنه يحنث، ولا يكون تركها مع العلم إذنًا. قاله اللخمي ونصّه: " وإن قال لا خرجت إلّا بإذني فرآها تخرج فلم يمنعها حنث على مراعاة الألفاظ إلّا أن تكون له نية ".
لا إِنْ أَذِنَ لأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلا عِلْمٍ، وبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكِ آخَرَ فِي: لا سَكَنْتِ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ دَارَ فُلانٍ هَذِهِ، إِنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ، لا دَارَ فُلانٍ، ولا إِنْ خَرِبَتْ وصَارَتْ طَرِيقًا إِنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وفِي لا بَاعَ مِنْهُ، أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْتُ فَقَالَ هُوَ لِي ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ [٢٧ / ب] ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ ولَزِمَ الْبَيْعُ، وأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إِلا أَنْ تُؤَخِّرَنِي.
قوله: (ولا إِنْ خَرِبَتْ وصَارَتْ طَرِيقًا إِنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ) أي: إن لَمْ يأمر الحالف بتخريبها حتى صارت طريقًا، هذا هو المتبادر من لفظه، على أنّا لَمْ نقف عليه هكذا لغيره؛ وإنما ذكر هذا في " المدونة "، فيمن دخلها مكرهًا بعدما بنيت فقال: " وإن حلف أن لا يدخل هذه الدار فتهدمت وخربت حتى صارت طريقًا فدخلها لَمْ يحنث، فإن بنيت بعد ذلك فلا يدخلها وإن دخلها مكرهًا لَمْ يحنث [إلّا أن يأمرهم بذلك فيحنث. (٢) ويحتمل أن يكون المصنف فهم أن معنى ما في " المدوّنة "] (٣): إلا أن يأمرهم بالهدم والتخريب وفيه بعد. والله تعالى أعلم.
لا فِي دُخُولِ دَارٍ وتَأْخِيرِ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ ولا دَيْنَ، وتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إِنْ أَحَاطَ وأَبْرَأَ، وفِي بِرِّهِ فِي لأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا، وفِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وأُكِلَتْ.
قوله: (لا فِي دُخُولِ دَارٍ) أشار به لقوله في " المدوّنة ": وإن حلف بطلاق أو غيره أن لا يدخل دار زيد أو لا يقضيه حقّه إلا بإذن محمد فمات محمد لَمْ يجزه إذن وارثه إذ ليس بحق يورث فإن دخل أو قضاه حنث (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ١١٧، وانظر المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٣٤، ١٣٥.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ١٢٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٤٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلانِ.
قوله: (أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا) ليس من تمام مسألة الهرة؛ وإنما هي مسألة ثالثة في أكل الطعام المحلوف على أكله بعد فساده، والقَوْلانِ فيها عن ابن القاسم في رسم إن أمكنني من سماع عيسى، وذكر اللخمي فيها عن مالك: الحنث، وعن سحنون: البر، واختار الحنث لوجهين:
أحدهما: حمله على العادة، والعادة أن يؤكل غير فاسد.
والثاني: أنه إذا فسد ذهب بعضه، ومن حلف على شيءٍ ليأكلنه لَمْ يبر إلا بأكل جميعه، فإن كان خبزًا رطبًا فيبس فذلك أخف؛ لأن جميعه موجود.
إِلا أَنْ تَتَوَانَى، وفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لا كَسَوْتُهُمَا ونِيَّتُهُ الْجَمْعُ واسْتُشْكِلَ.
قوله: (إِلا أَنْ تَتَوَانَى) أي إلا أن تتراخى المرأة في قبولها من الزوج حتى خطفتها الهرة. قال في سماع أبي زيد من كتاب: الأيمان بالطلاق: وإن توانت قدر ما لو أرادت أن تأخذها وتحرزها دون الهرة فعلت فهو حانث (١).
[فصل في النذر]
النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ ولَوْ غَضْبَانَ، وإِنْ قَالَ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، بِخِلافِ إِنْ شَاءَ فُلانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ، وإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ كَللهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ، ونُدِبَ الْمُطْلَقُ، وكُرِهَ الْمُكَرَّرُ وفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ، ولَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لا غَيْرُ، وصِيَامٌ بِثَغْرٍ، وثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إِلا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَا لِي فِي كَسَبِيلِ اللهِ وهُوَ الْجِهَادُ، والرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ وأُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ إِلا لِتَصَدُّقِهِ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ، وكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ، وإِلا فقَوْلانِ.
قوله: (إِلا لِتَصَدُّقِهِ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) الضمير في به للمال، وهذا الفرع في " النوادر " و" النكت "، ولهما عزاه أبو الحسن الصغير وتبعه في " التوضيح "، وفي بعض النسخ: (كتصدق) بالكاف فيدخل تحت الكاف من نذر صدقة ماله، فظنّ لزوم جميعه،
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٦/ ٣٢٧.
[ ١ / ٣٩٨ ]
فأخرجه، ثم أراد الرجوع في ثلثيه، بعد صيرورته بيد الغير، فهو شبه التصدق على معين من هذا الوجه، وهذا الفرع وإن لَمْ يكن مذكورًا في مشاهير الكتب فعليه حمل ابن راشد قول ابن الحاجب: فلو أخرجه ففي مضيه قَوْلانِ (١)، وعضده في " التوضيح " بأنه المأخوذ من كلام ابن بشير. انتهى (٢).
ولفظ ابن بشير: " اختلف المذهب فيمن تصدق بجميع ماله، هل يمضي فعله أم لا؟ ثم قال بعد كلام: " وإنما الخلاف المتقدم إذا أخرج جميعه هل يمضي فعله أم لا "؟، وحمله ابن عرفة على الصدقة [٣٨ / ب] المجردة من النذر واليمين، وبه فسّر ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب، وليس هذا شبه المعين في الصورة فلا يندرج تحت الكاف.
وَمَا سَمَّى وإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ، وبَعْثُ فَرَسٍ وسِلاحٍ لِمَحَلِّهِ إَنْ وَصَلَ وإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وعُوِّضَ كَهَدْيٍ ولَوْ مَعِيبًا عَلَى الأَصَحِّ، ولَهُ فِيهِ إِذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بِالأَفْضَلِ، وإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ.
قوله: (وَمَا سَمَّى وإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) (مَا سَمَّى) معطوف على فاعل (لَزِمَ) وجملة (أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) صفة لمعين، وجعل المعين غاية؛ لأنه الذي يمكن إتيانه على الجميع، فالجزء ولو كثر كتسعة أعشار أحرى.
وكُرِهَ بَعْثُهُ وأُهْدِيَ بِهِ، فَإِنْ عَجِزَ عُوِّضَ الأَدْنَى، ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إِنْ احْتَاجَتْ، وإِلا تُصُدِّقَ بِهِ، وأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لأَنَّهُ وِلايَةٌ مِنْهُ ﷺ والْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ ولَوْ لِصَلاةٍ وخَرَجَ مَنْ بِهَا وأَتَى بِعُمْرَةٍ كَمَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لا غَيْرُ، إِنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا مِنْ حَيْثُ نَوَى، وإِلا حَلَفَ أَوْ مِثْلِهِ إِنْ حَنَثَ بِهِ، وتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ ورَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، ولِحَاجَةٍ كَطَرِيقٍ قُرْبَى اعْتِيدَتْ، وبَحْرًا اضْطُرَّ لَهُ، لا اعْتِيدَ عَلَى الأَرْجَحِ، لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وسَعْيِهَا.
قوله: (وأُهْدِيَ بِهِ) مبني لما لَمْ يسم فاعله، فهو أعم من أن يفعل ذلك ربّ الثوب أو غيره.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٤١.
(٢) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٤/ ٤٤٥. وانظر كلام ابن الحاجب في جامع الأمهات، ص: ٢٤١.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وهَلْ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوّلا (١) نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمِ إِذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلاتٌ.
قوله: (وهَلْ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوّلا نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمِ إِذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلاتٌ) كلام معقد كرَّر فيه هل مرتين، قابل كل واحدة منهما بأو العاطفة ولا النافية، على طريق التلفيف كأنه قال: وهل اختلف أم لا؟، فقيل له: في أي شيءٍ يختلف؟ فقال: هل يقومه على نقد نفسه أم لا؟، فقيل له: إذا قلنا بترك التقويم فعلى أيّ وجه؟ فقال: ندبًا، ثم كمل بالتأويل الثالث. فقال: أو التقويم إن كان بيمين. هذا ما انقدح لي في تمشيته ولعلّك ينقدح لك أجلى منه (٢). على أن استعمال (أو) معادلة لـ (هل) فيه ما فيه عند أهل اللسان، إلا أنه شائع بين الفقهاء، وهذا المختصر مشحون به، وبعد فهمك اللفظ لا يخفاك تنزيل كلام الشيوخ عليه، وما جرى في عبارة الشارح من قوله: (هل يجوز أن يقومه على نفسه ابتداءً)؟ يقتضي أنه يضبط (أوّلًا) الأول بتشديد الواو ظرفًا؛ لتفسيره إياه بقوله: (ابتداءً). والله سبحانه أعلم.
ورَجِعَ وأَهْدَى إِنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ، أَوِ الْمَنَاسِكَ والإِفَاضَةِ نَحْوَ الْمِصْري قَابِلاْ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ، وإِلا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ إِنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وإِلا مَشَى مَقْدُورَهُ.
قوله: (نَحْوَ الْمِصْري) هو فاعل رجع.
ورَكِبَ وأَهْدَى فَقَطْ كَأَنْ قَلَّ ولَوْ قَادِرًا كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ.
قوله: (كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ) كذا ذكر في " المدونة " أنه إذا مشى في حجّه كله وركب في الإفاضة فقط لَمْ يعد ثانية وأهدى (٣) قال ابن محرز معنى: قوله: " وركب في الإفاضة ":
_________________
(١) في النسخة المطبوعة، وأصل المختصر: (أو لا) مركبة من (أو) و(لا)، وضبطها على إشارة المؤلف في اسنتاجه عن الشارح الشيخ بهرام.
(٢) استحسن الخرشي كلام الشارح هنا، ونقله مختصرًا له في شرح العبارة، ثم قال: (هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ) انظر: شرح الخرشي: ٣/ ٥٠٦، ٥٠٧.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي:، والنص اختصره المؤلف، ونصه بتمامه: (وإذا مشى حجّه كله وركب في الإفاضة فقط، أو مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى) وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ٧٧، ٧٨.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ركب في رجوعه من منى إلى مكة [أبو الحسن الصغير: أي في سيره إلى الإفاضة من منى إلى مكة] (١).
وكَعَامٍ عُيِّنَ، ولْيَقْضِهِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ.
قوله: (ولْيَقْضِهِ) لماّ ذكر أن من ركب في العام المعين لا يرجع، بيّن أن من لَمْ يمش فيه أو مشي وتراخى حتى فاته لابد له من قضائه، يريد إذا فاته لغير عذر. قال ابن بشير: إن أطال في الطريق حتى جاوزه العام المعين فقد أثم في التأخير، ويلزمه القضاء على أصل المذهب.
قال ابن عرفة: ومقابل المعروف في قول ابن الحاجب: على المعروف (٢)، لا أعرفه، وتركه لنسيان أو عذر كالصوم والاعتكاف كذلك.
وكَإِفْرِيقِيٍّ وكَأَنْ فَرَّقَهُ ولَوْ بِلا عُذْرٍ، وفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ ورُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلانِ.
قوله: (وكَإِفْرِيقِيٍّ) بالواو عطفًا على قوله: (كَأَنْ قَلَّ (٣»، فهي إحدى النظائر التي يجب فيها الهدي بلا رجوع.
وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إِلا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ، ولَوْ مَشَى الْجَمِيعُ ولَوْ [٢٨ / أ] أَفْسَدَ أَتَمَّهُ ومَشَى فِي قَضَائِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ ورَكِبَ فِي قَضَائِهِ، وإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنِ النَّذْرِ، وهَلْ إِنْ لَمْ يَنْذُرْ حَجًَّا؟ تَأْوِيلانِ، وعَلَى الضَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ.
قوله: (والْهَدْيُ وَاجِبٌ إِلا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ (٤» أي: والهدي المذكور واجب سواءً كان مما يجب معه الرجوع، أو مما لا يجب معه الرجوع إلّا فيمن شهد المناسك راكبًا فإنه مندوب. قال ابن يونس: في هذا قال ابن المَوَّاز: قال مالك: ويهدي أحبّ إليّ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٢) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٣٩، ونصه ". . . فإن كان معينًا ففاته أثم وعليه قضاؤه على المعروف ".
(٣) في (ن ١): (أقل).
(٤) في (ن ١)، و(ن ٣): (فمندوب).
[ ١ / ٤٠١ ]
من غير إيجاب، ولَمْ يره في الهدي (١) مثل من عجز في الطريق. ابن يونس: يريد عجزًا يوجب عليه العودة فيه أم لا. قال ابن القاسم: لأن بعض الناس لَمْ يوجب عليه العودة في المشي إذا بلغ مكة وطاف، ورأى أن مشيه قد تم، وأرخص له في الركوب إلى عرفة، فلذلك عندي لَمْ يوجب عليه مالك الهدي.
وعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إِنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا.
قوله: (وعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إِنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) هذا شامل للحجّ والعمرة.
كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا، إِنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً لا الْحَجِّ والْمَشْيِ فَلأَشْهُرِهِ إِنْ وَصَلَ.
قوله: (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا) مراده بالإطلاق ضد التقييد؛ لاندراج المقيدة فيما قبل، فلو قال: مطلقة لكان أبين، وربما صح كسر اللام من قوله: (مطلِقًا) على أنه حال (٢) من مضاف محذوف، أي كناذر العمرة حال كونه مطلقًا غير مقيد، وبهذا تعلم أن قوله: لا الحج خاص بالمطلق دون المقيد، وأن كلامه قد اشتمل على أربع صور: حج وعمرة مقيّدان، وحج وعمرة مطلقان.
وإِلا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قوله: (وإِلا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الأَظْهَرِ) لَمْ أقف عليه لابن رشد، بل لابن يونس ومثله لابن عبد السلام إذ قال: قيّد قوله في " المدونة ": لا يلزمه إحرام الحجّ إلّا في أشهر الحج (٣) بما إذا أمكن وصوله إلى مكة من موضع الحلف، إن خرج في أشهر الحج، فهذا هو الذي له التأخير بالإحرام، وأما إذا كان لا يصل إلى مكة إذا خرج من موضع الحلف، فهذا يجب عليه الخروج قبل أشهر [الحج] (٤)، ثم اختلف هل يخرج محرمًا قبل أشهر الحج أو يخرج حلالًا؟ [٣٩ / أ] فإذا دخلت عليه أشهر الحج أحرم سواء وصل إلي الميقات أم لا.
_________________
(١) في (ن ١): (الهدم).
(٢) في (ن ٣): (حال محذوف من. . .) وهو خطأ والمثبت هو الصواب.
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ٣٦٣.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٤٠٢ ]
والأول هو مذهب [ابن] (١) أبي زيد، والثاني مذهب ابن القابسي (٢)، والظاهر مذهب أبي محمد؛ لأن المنذور هو الإحرام بالعمرة أو الحجّ لا الخروج إليهما، فإذا وجب تعجيل المنذور وجب تعجيل الإحرام.
وَلا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابِهَا.
قوله: (ولا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابِهَا) فاعل يلزم ضمير يعود على النذر معلقًا وغير معلق، ويأتي التفصيل في التي بعدها.
أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ.
قوله: (أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ) [أي: وكذا لا يلزمه شيء إذا قال مثلًا: كل مال أكتسبه] (٣) صدقة إن كلّمت فلانًا. قال ابن رشد في رسم إن أمكنني من سماع عيسى: إذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكسبه أبدًا فلا شيء عليه باتفاق، وفي حلفه بصدقة ما يفيده أو يكسبه إلى مدة ما أو في بلدٍ ما قَوْلانِ. وأما إذا قال كلّ مال أملكه إلى كذا صدقة إن فعلت كذا، ففيه خمسة أقوال؛ من أجل أن لفظة أملك تصلح للحال والاستقبال، فعلى تخليصه للاستقبال قَوْلانِ:
أحدهما: لا شيء عليه. والثاني: يلزمه إخراج جميع ما يملك إلى ذلك الأجل.
وعلى حمله على الحال والاستقبال معًا ثلاثة أقوال:
أحدها: يلزمه إخراج ثلثه الساعة (٤)، وجميع ما يفيده إلى الأجل (٥). والثاني: ثلثهما.
والثالث: ثلث ماله الساعة فقط، وهذا كله في اليمين.
[وأما إذا نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده أبدًا فيلزمه أن يتصدق بثلث ذلك قولًا] (٦) واحدًا، وأما إذا نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده إلى أجل أو في بلد لزمه إخراج جميع ذلك
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (القاسم).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ٣): (ثله السعة).
(٥) في (ن ١): (أجل).
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
[ ١ / ٤٠٣ ]
قولًا واحدًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقوله - ﵇ -: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (١) وإن كان لَمْ ينص في " المدونة " وغيرها على التفرقة في هذا بين النذر واليمين؛ فالوجه عندي حمل هذه المسائل على اليمين دون النذر، وإنما يستويان في صدقة الرجل بجميع ما يملك من المال؛ لقوله ﵇ لأبي لبابة وقد نذر أن ينخلع من جميع ماله: " يجزيك الثلث من جميع ذلك " (٢). انتهى مختصرًا (٣).
وقد قبله ابن عبد السلام وابن عرفة، وبه يفسر كلام المصنف هنا.
أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ.
قوله: (أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ) ما للمدونة فيه واللخمي وابن عبد السلام معروف (٤). قال ابن عرفة: ونذر شيء لميت صالح معظم في نفس الناذر لا أعرف فيه نصًا، وأرى إن قصد مجرد كون الثواب للميت تصدق به بموضع الناذر، وإن قصد الفقراء الملازمين لقبره أو زاويته تعيّن لهم إن أمكن وصوله لهم.
أَوْ مَالُ غَيْرٍ، إِنْ لَمْ يُرِدْ إِنْ مَلَكَهُ، أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلانٍ ولَوْ قَرِيبًا، إِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ، أَوْ يُنَوِّهُ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ، والأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ كَنَذْرِ الْحَفَاءِ أَوْ حَمْلَ فُلانٍ إِنْ نَوَى التَّعَبَ، وإِلا رَكِبَ وحَجَّ بِهِ بِلا هَدْيٍ، وأَلْغَى عَلَيَّ الْمَسِيرُ، والذِّهَابُ، والرُّكُوبُ لِمَكَّةَ، ومُطْلَقُ الْمَشْيِ ومَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وإِنْ لاعْتِكَافٍ، إِلا لِقَرِيبٍ جِدًَّا فقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا ومَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلْيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلاةً بِمَسْجِدِهِمَا، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ. وهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلافٌ، والْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكْةُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٣١٨)، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة، والترمذي برقم (١٥٢٦) كتاب النذور والأيمان، باب من نذر أن يطيع الله فليطعه.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٦٦٥٨) من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁.
(٣) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ٣/ ٢٠٩، وما بعدها، وهي مسألة طويلة قال ابن رشد: (.. وهي نحو خمسين مسألة ..)، وقد وقعت في رسم البراءة لا رسم إن أمكنني كما أشار المؤلف.
(٤) قال في التاج والإكليل في الاستدال بما للمدونة مما عناه المؤلف: (. . . من قال لله علي إن أنحر بدنة أين ينحرها؟ قال: بمكة قلت: وكذلك إذا قال: لله علي هدي؟ قال: ينحره أيضا بمكة. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم. قلت: فإن قال: لله علي أن أنحر جزورًا. أين ينحره؟ أو لله علي جزور أين ينحره؟ قال: ينحره في موضعه الذي هو فيه) انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٣/ ٣٤٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٤٧٩.
[ ١ / ٤٠٤ ]