الْبَاغِيَةُ: فِرْقَةٌ خَالَفَتِ الإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ.
قوله: (أَوْ لِخَلْعِهِ) ابن يونس لَو قام عَلَى إمام من أراد إزالة ما بيده: فروى عيسى عَن ابن القاسم عَن مالك: إِن كَانَ مثل عمر بن عبد العزيز وجب عَلَى الناس الذبّ عنه والقيام معه، وأما غيره فلا، دعه وما يراد منه [١٣٥ / ب] ينتقم الله من الظالم بظالم ثُمَّ ينتقم من كليهما.
فَلِلْعَدْلِ [٧٩ / ب] قِتَالُهُمْ، وإِنْ تَأَوَّلُوا كَالْكُفَّارِ، ولا يُسْتَرَقُّونَ، ولا تُحْرَقُ شَجَرُهُمْ، ولا تُرْفَعُ رُؤُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ، ولا يَدْعُوهُمْ بِمَالٍ.
قوله: (وَلا يُسْتَرَقُّونَ، ولا تُحْرَقْ شَجَرُهُمْ، ولا تُرْفَعُ رُؤُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ، ولا يَدَعُوهُمْ بِمَالٍ) معنى (يَدَعُوهُمْ): يتركوهم، وهُوَ بفتح الدال، واتفقت النسخ عَلَى إسقاط نون العلامة منه، وذلك يدل عَلَى إسقاطها من يسترقوا، كما فِي كثير من النسخ، وعلى تسكين آخر (تحرق) وترفع؛ بناءً عَلَى أن الكلام طلب لا خبر، وذلك سائغ؛ إِلا أن الغالب فِي عبارات الفقهاء الإخبار، وفِي عبارة الشارع (١) الطلب، وقد يشبه أن يكون لفظ المصنف ولا يوادعهم أي: ولا يتاركهم الإمام عَلَى مال (٢) من الموادعة وهِيَ المتاركة، فالتبس اللفظ عَلَى ناقله من المبيضة، وحينئذ تبقى الأفعال مرفوعة، فأما نفي الاسترقاق والإحراق ففي " الذخيرة " عَن نظائر ابن بشير: " لا تسبى ذراريهم ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع شجرهم (٣). إِلا أن لفظ المصنف فِي الاسترقاق أعمّ.
وأما المثلة بالرؤوس فأحرى فِي المنع مما فِي الجهاد، وقد ذكره فِي " الذخيرة " هنا، وأما منع الموادعة عَلَى مال فمذكور فِي " الذخيرة " عَن نظائر ابن بشير (٤)، وفِي بعض نسخ ابن الحاجب.
_________________
(١) في الأصل، (ن ١)، و(ن ٢): (الشارح).
(٢) زاد في (ن ١): (وفِي عبارة الشارح الطلب وقد يشبه أن يكون).
(٣) انظر: الذخيرة، للقرافي: ١٢/ ٩.
(٤) انظر: السابق.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
وَاسْتُعِينَ بِسِلاحِهِم (١) عَلَيْهِمْ إِنِ احْتِيجَ لَهُ، ثُمَّ رُدَّ كَغَيْرِهِ، وإِنْ أُمِّنُوا لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ.
قوله: (وَاسْتُعِينَ بِسِلَاحِهِم عَلَيْهِمْ إِنِ احْتِيجَ لَهُ، ثُمَّ رُدَّ كَغَيْرِهِ) أي: كغير السلاح من سائر أموالهم وهذا نصّ ما فِي " النوادر " عَن ابن حبيب عَن ابن الماجشون ولَمْ يذكروا غيره فهو المذهب، ويقع فِي نسخ هذا المختصر: (وَاستعين بمالهم). وهُوَ عندي تصحيف. والله سبحانه أعلم.
وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحٍ.
قوله: (وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحٍ) قال فِي " الذخيرة ": وهو بالذال المنقوطة (٢). " انتهى. وكلام الجوهري يدل عَلَى الوجهين (٣).
وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، ووَرِثَهُ، ولَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوَّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا، ومَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ، وحَدٌّ أَقَامَهُ.
قوله: (وَوَرِثَهُ) كذا فِي " الذخيرة " (٤).
وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ، وضَمِنَ الْمُعَانِدُ النَّفْسَ والْمَالَ، والذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِصٌ، والْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ.
قوله: (وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ) فِي " النوادر " إِن قاتل مَعَ المتأولين أهل الذمة وضع عنهم ما وضع عَن المتأولين وردوا إلي ذمتهم، وإِن قاتلوا مَعَ أهل العصبية المخالفين للإمام العدل فهو نقض لعهدهم يوجب استحلالهم، وإِن كَانَ السلطان غير عدل وخافوا جوره، واستعانوا بأهل العصبية لَمْ يكن ذلك منهم نقضًا (٥).
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (بمالهم).
(٢) انظر: الذخيرة، للقرافي: ١٢/ ٧.
(٣) الذَّفُّ: الإِجْهازُ على الجَرِيحِ، وهو بالذال المنقوطة، والدال المهملة، بمعنى واحد. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٩/ ١١٠.
(٤) قال في الذخيرة: (من قتل أباه أو أخاه من البغاة لم يحرم عليه ميراثه لأنه لم يتعجل ما أجله الله تعالى فيحرم) انظر: الذخيرة، للقرافي: ١٢/ ١٢.
(٥) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٤/ ٤٦٩، ٤٧٠.
[ ٢ / ١١٠٠ ]
ابن عرفة: هذا إِن خرجوا مَعَ أهل العصبية طوعًا، وإِن أكرهوهم لَمْ يكن نفس خروجهم نقضًا؛ لصحة تعلق الإكراه بِهِ، فإن قاتلوا معهم كَانَ قتالهم نقضًا لعهدهم لامتناع تعلّق الإكراه بقتال من لا يحل قتاله.
ونزلت هذه المسألة بتونس أيام حوصر أبو الحسن المريني، وقامت بغاة عَلَيْهِ بتونس، وحاصروا قصبتها، واستعانوا بأجناد النصارى، ثُمَّ قدر عليهم وردّهم إِلَى ذمتهم. وبالله تعالى التوفيق.
[ ٢ / ١١٠١ ]