باب: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وإِنْ بِمُعَاطَاةٍ، وبِبِعْنِي فَيَقُولُ بِعْتُكَ، أَوْ بِابْتَعْتُ أَوْ بِعْتُكَ وبِرِضَى الآخَرِ فِيهِمَا، وحَلَفَ، وإِلا لَزِمَ إَنْ قَالَ أَبِيعُكَهَا بِكَذَا، أَوْ أَنَا [٤٦ / ب] أَشْتَرِيهَا بِهِ، أَوْ تَسَوَّقَ بِهَا فَقَالَ بِكَمْ؟ فَقَالَ بِمَائَةٍ، فَقَالَ أَخَذْتُهَا. وشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ إِلا بِسُكْرٍ، فَتَرَدُّدٌ، ولُزُومِهِ تَكْلِيفٌ، لا إِنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا، ورُدَّ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ، ومَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ، ومُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ، ومُصْحَفٍ، وصَغِيرٍ لِكَافِرٍ.
قوله: (ولُزُومِهِ تَكْلِيفٌ) لو قال رشد لكان أولى؛ لأنه أعم، وكأنه اعتمد قول ابن راشد القفصي: عبّر ابن الحاجب بالتكليف عن الرشد والطوع، على أنه في " التوضيح " ناقشه في الأول وصوّب الثاني بأن الأصوليين نصّوا أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف (١)، أما تراه قال بعده: (لا إن أجبر عليه جبرًا حرامًا).
وأُجْبِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ [وَإِنْ] (٢) بِعِتْقٍ أَوهبةٍ.
قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ وإِنْ بِعِتْقٍ أَوهبةٍ) غيا الإخراج بالعتق والهبة؛ لأن الإخراج بالبيع وهبة الثواب والصدقة أحرى منهما، على أن ابن عرفة قد قال: قول ابن شاس، وابن الحاجب: للكافر مشتري المسلم عتقه وصدقته وهبته من مسلم (٣) قبلوه، ولا أعرفه نصًا، ودلالة بيعه عليه دون فسخه واضحة، وفيه على الفسخ نظر وفي أخذه مما يأتي في ولد النصرانية، نظر فقف [على تمامه] (٤).
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ١١٩.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) قال ابن الحاجب: (والإسلام شرط المصحف والمسلم، وفيها: يصح ويجبر على بيعه، وله العتق والصدقة والهبة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٣٧، وانظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦١٥.
(٤) في (ن ١): (عليه).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ولَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ، لا بِكِتَابَةٍ ورَهْنٍ وأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ، إِنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلامِهِ ولَمْ يُعَيِّنْ، وإِلا عُجِّلَ كَعِتْقِهِ. وجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وفِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لانْقِضَائِهِ ويُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ كَبَيْعِهِ إِنْ أَسْلَمَ، وبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ، وفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنَ الإِمْضَاءِ وفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ، وهَلْ مَنْعُ الصَّغِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ مُطْلَقًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وَلَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ [عَلَى الأَرْجَحِ] (١» قال ابن عرفة: ويلزم في ولدها الكبير الرشيد أي المسلم.
وجبرُهُ تَهْدِيدٌ، وضَرْبٌ.
قوله: (وجبرُهُ تَهْدِيدٌ، وضَرْبٌ). ليس [هذا] (٢) براجعٍ لقوله: (وأجبر على إخراجه)؛ وإنما هذا في جبر العبد على الإسلام، وفي ذلك ذكره اللَّخْمِيّ فقال: ومحمل قول مالك وابن القاسم في الإجبار أنه بالتهديد والضرب ونحوه من غير قتل، ولو كان ذلك بالقتل ما حلّ البيع؛ لأن المشتري دخل على ما لا يدري هل يحيى أو يقتل؟ ولأنه لا يخلو ذلك العبد من أن يكون اشترى من السبي فيكون قد استحياه الإمام فلا يجوز قتله بعد ذلك، أو نزل به أحد من أهل الحرب فباعه من أحد المسلمين فكذلك لا يحلّ قتله.
فإن كانت أمة فذلك أبين؛ لأن النساء لا يقتلن إذا لم يسلمن، زاد المازري: ولأنه لم يتدين بدين الإسلام ثم أرتد عنه، وكذا نقل في " توضيحه " (٣).
ولَهُ شِرَاءُ البَالِغٍ (٤) عَلَى دِينِهِ، إِنْ أَقَامَ بِهِ، لا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
قوله: (وَلَهُ شِرَاءُ البَالِغٍ عَلَى دِينِهِ، إِنْ أَقَامَ بِهِ). أي [إن] (٥) أقام به المشتري في أرض الإسلام، وإن كان يخرج به لدار الحرب منع لما يخشى من اطلاع الكفار على عورة
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ١)، و(ن ٤).
(٢) ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ١٣٣.
(٤) في أصل المختصر والمطبوعة، و(ن ١): (بالغ).
(٥) ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
المسلمين. كذا في " الجواهر " (١) وعنها نقله في " التوضيح " (٢). وقد قال ابن يونس عن ابن المواز: لا يُمكّن الحربيون من شراء علج، ونقله أبو اسحاق عن ابن القاسم، وقاله أيضًا اللَّخْمِيّ وابن رشد.
والصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (والصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ) ظاهر اللفظ عطفه على قوله: (لا غَيْرِهِ) ولم أر لابن يونس فيه ترجيحًا في كتاب: التجارة لأرض الحرب؛ حيث هي مظنته.
وشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ، لا كَزِبْلٍ، وزَيْتٍ تَنَجَّسَ.
قوله: (وزَيْتٍ تَنَجَّسَ) خرج به نحو ثوب (٣) تنجس مما نجاسته عارضة وزوالها متمكن، ويجب تبيينه إن كان الغسل يفسده.
وانْتِفَاعٌ لا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ، وعَدَمُ نَهْيٍ.
قوله: (لا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ) تبع ابن عبد السلام في تقييده بالمحرم، وله نسبه في: " التوضيح " (٤)، وقد ردّه ابن عرفة بأن ظاهر إطلاقاتهم، ونصّ ابن محرز منع بيع من في السياق، ولو كان مأكول اللحم للغرر في حصول الغرض من حياته أو صيرورته (٥) لحمًا، وفي حصول ذكاته لاحتمال عدم حركته بعد ذبحه.
لا كَكَلْبِ صَيْدٍ، وجَازَ هِرٌّ، وسَبُعٌ لِلْجِلْدِ.
قوله: (لا كَكَلْبِ صَيْدٍ) اقتصر فيه على القول بالمنع، فمثّل به وإن كان مأذونًا فيه؛ لأن غير المأذون [فيه] (٦) أحرى بالمنع، وهذا في غاية الحسن.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦١٧.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ١٣١.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢): (ثبوت).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ١٤٢، ١٤٣.
(٥) في (ن ١)، و(ن ٢): (صيرورة).
(٦) ساقط من (ن ١)، و(ن ٢).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وحَامِلٌ مُقَرَّبٌ، وقُدْرَةٌ عَلَيْهِ، لا كَآبِقٍ، وإِبِلٍ أُهْمِلَتْ، ومَغْصُوبٍ إِلا مِنْ غَاصِبِهِ.
قوله: (وحَامِلٌ مُقَرَّبٌ) إدراجه في شرط المعقود عليه يعين أن الحامل هنا معقود عليها لا عاقدة، وكذا قال ابن الحاجب: ويجوز بيع المريض المخوف عليه والحامل المقرب على الأصحّ (١). هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول لا إلى الفاعل، وإنما سكت هنا عن المرض (٢) المخوف غير المشرف اكتفاءً بمفهوم قوله قبل: (لا كمحرم أشرف) وأما الحجر عليهما فقد ذكره في باب الحجر إذ قال: (وَعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ كَسُلٍّ وقُولَنْجِ وَحُمَّى قَوِيَّةٍ وحَامِلِ سِتَّةٍ).
تحرير:
ما اقتصر عليه المصنف هنا وصرّح ابن الحاجب بأصحيته، وهو الذي جعله ابن رشد المذهب، وأقامه من قول ابن القاسم في كتاب الخيار من " المدونة ": وإذا ولدت الأمة في أيام الخيار، كان ولدها معها في إمضاء البيع [٦٤ / ب] أو ردّه لمن له الخيار بالثمن المشترط (٣). وقال ابن يونس وعياض في مسألة كتاب الخيار: وهذه اعترضت بأنها بيع مريض، واعتذر عن ذلك فضل وابن أبي زمنين بأن بائعها لم يُعلم المشتري بحملها.
عياض: وهذا معترض بأن علم أحد المتبايعين بموجب الفساد يوجبه على أحد القولين قال: وقد (٤) يمكن أن يكون بيعها في آخر سادس شهورها، إذ لا يحكم لها بحكم المريض في أفعالها إلا فيما بعد السادس وتكون وضعته في السابع لتمام السادس في مدة الخيار، لا سيّما على رواية ابن وهب في إجازته في العبيد خيار شهر، وقد يمكن أن المتبايعين لم يعلما بحملها [جميعًا] (٥) حين العقد، فوقع العقد على صحة، وإنما يقع فيها الفساد بعلمهما معًا باتفاق أو بعلم أحدهما على الخلاف، فقال ابن عرفة: مقتضى قوله: (من قبل الحاجة) للاعتذار.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٣٨.
(٢) في (ن ٣): (المريض).
(٣) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٨٦.
(٤) في (ن ٣): (ولو لم).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
واقتصار الباجي على نقل قول ابن حبيب بالمنع أن المذهب منع بيع هذا المريض والحامل بعد ستة [أشهر] (١) خلاف نقل ابن رشد عن المذهب، ورد ابن محرز الحاجة للاعتذار المذكور بقوله: المذهب جواز بيع المريض والحامل بعد ستة أشهر، وللمتيطي في الهبة: " الحامل كالصحيحة حتى تدخل سادس شهورها، وقال بعضهم: حتى تدخل السابع، وقال الداودي حتى يأخذها الطلق.
وهَلْ إِنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً؟ تَرَدُّدٌ. ولِلْغَاصِبِ، نَقْضُ مَا بَاعَهُ إِنْ وَرِثَهُ، لا اشْتَرَاهُ، ووقف (٢) مرهون على رضا مرتهنه، وملك غيره على رضاه ولو علم المشتري والعبد الجاني على [رضا] (٣) مستحقها.
قوله: (وهَلْ إِنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً؟ تَرَدُّدٌ) منه يستروح أن فرض المسألة عزم الغاصب على الردّ.
وحُلِّفَ إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ.
قوله: (وحُلِّفَ إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ) الباء سببية فتتعلّق بـ (الرضا) أو بـ (ادعى).
ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ، إِنْ لَمْ يَدْفَعْ (٤) السَّيِّدُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الأَرْشَ. ولَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ (٥)، ورَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ، إِنْ كَانَ أَقَلَّ. ولِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، إِنْ تَعَمَّدَهَا ورُدَّ الْبَيْعُ فِي لأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، ورُدَّ لِمِلْكِهِ، وجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ، إِنِ انْتَفَتِ الإِضَاعَةُ وأُمِنَ كَسْرُهُ ونَقَضَهُ الْبَائِعُ، وهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ، إِنْ وُصِفَ الْبِنَاءُ، وغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ، وهُوَ مَضْمُونٌ، إِلا أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّةَ، فَإِجَارَةٌ تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِهِ. وعَدَمُ حُرْمَةٍ، ولَوْ لِبَعْضِهِ، وجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ، أَوْ ثَمَنٍ ولَوْ تَفْصِيلًا كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا، أَوْ رَطْلٍ مِنْ شَاةٍ، وتُرَابِ صَائِغٍ، ورَدَّهُ مُشْتَرِيهِ ولَوْ خَلَّصَهُ ولَهُ الأَجْرُ، لا مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا وحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وتِبْنٍ، إِنْ بِكَيْلٍ وَقَتٍّ جُزَافًا، لا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٣).
(٢) في الأصل: (ووقفت).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) في الأصل والمطبوعة: (يدفع له).
(٥) في الأصل والمطبوعة: (ثمنه).
[ ٢ / ٦٠١ ]
مَنْفُوشًا وزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ، إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلا أَنْ يُخَيَّرَ، ودَقِيقِ حِنْطَةٍ، وصَاعٍ، أَوْ كُلٍّ صَاعٍ مِنْ صَبْرَةٍ، وإِنْ جُهِلَتْ، لا مِنْهَا، وأُرِيدَ الْبَعْضُ وَشَاةٍ، واسْتِثْنَاءَ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ، ولا يَأْخُذُ لَحْمَ غَيْرِهَا.
قوله: (ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ، إِنْ لَمْ يَدْفَعْ السَّيِّدُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الأَرْشَ. ولَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ) (١) لو قال: ثم للمستحق رده أو أخذ ثمنه إن لم يدفع السيد أو المبتاع الأرش لكان أولى؛ لينطبق الشرط على الوجهين، وليتصل قوله: (ورجع المبتاع) به بما تفرّع عليه من كون المبتاع دفع الأرش للمستحق، وقد كان دفع الثمن للبائع الذي هو السيّد، فيرجع عليه بالأقل منهما.
وصُبْرَةٍ، وَثَمَرَةٍ، واسْتِثْنَاءَ قَدْرِ ثُلُثٍ، وجِلْدٍ، وسَاقِطٍ بِسَفَرٍ فَقَطْ، وجُزْءٍ مُطْلَقًا، وتَوَلاهُ الْمُشْتَرِي، ولَمْ يُجْبَرْ عَلَى [٤٧ / أ] الذَّبْحِ فِيهِمَا بِخِلافِ الأَرْطَالِ، وخُيِّرَ فِي دَفْعِ رَأْسٍ [وَجِلْدٍ] (٢) أَوْ قِيمَتِهَا وهِيَ أَعْدَلُ، وهَلِ التَّخْيِيرُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ قَوْلانِ. ولَوْ مَاتَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي جِلْدًا وسَاقِطًا، لا لَحْمًا، وجِزَافٍ إِنْ رِيءَ ولَمْ يَكْثُرْ جِدًَّا، وجَهِلاهُ، وحَزرَا واسْتَوَتْ أَرْضُهُ، ولَمْ يُعَدَّ بِلا مَشَقَّةٍ، ولَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ، إِلا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ لا غَيْرِ مَرْئِيٍّ.
قوله: (وصُبْرَةٍ، وثَمَرَةٍ، واسْتِثْنَاءَ قَدْرِ ثُلُثٍ (٣» ذكر القدر يدل أنه أراد الكيل لا الجزء.
وإِنْ مِلْءَ ظَرْفٍ ولَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ.
قوله: (وإِنْ مِلْءَ ظَرْفٍ ولَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ) في رسم أوصى من سماع عيسى من جامع البيوع قال ابن القاسم في رجلٍ وجد مكتلًا ملآن طعامًا فاشتراه [بدينار ففرغه، ثم قال: املأه لي ثانية بدينار: إن كان في موضع فيه مكاييل فلا أحبه، وهو بمنزلة صبرة اشتراها] (٤) بدينار فلا بأس به، فإن قال له: أعطني الآن كيلها بدينار، لم يكن فيه خير،
_________________
(١) زاد في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٢)،: (وأخذ ثمنه إن لم يدفع السيّد أو المبتاع الأرش)، وهو مختلط بما بعده
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) في (ن ٢): (الثلث).
(٤) ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
ولو وجد غرارة ملأى لم يكن بأس أن يشتريها بدينار، ولو جاءه بغرارة فقال له: املأ لي هذه الغرارة بدينار لم يكن فيه خير (١).
قال ابن رشد: هذا كما قال: " إنما يجوز شراء ذلك جزافًا إذا لم يقصدا فيه إلى الغرر بأن يجده جزافًا في وعاءٍ أو غيره فيشتريه كما وجده، فالفرق بين شراء الطعام يجده في المكتل أو الغرارة جزافًا بدينار وبين قوله: املأ لي ذلك ثانية بدينار - أن الأول لم يقصد إلى الغرر إذا اشتراه كما وجده جزافًا.
والثاني قصد إلى الغرر إذا ترك أن يشتريه بمكيال معلوم فاشتراه بمكيال مجهول، ولا يجوز الشراء (٢) بمكيال مجهول إلا في موضع ليس فيه مكيال (٣) معلوم على ما قاله في " المدونة " ودلّ عليه قوله في هذه الرواية: إن كان في موضع فيه مكاييل، فلما كان لا يجوز أن يقول له ابتداءً املأ لي هذه الغرارة بدينار إذ لا يعلم مبلغ كيلها لم يجز أن يقول ذلك بعد أن اشتراها ملأى كما وجدها إذ لا يعلم كيلها فتقدّم شراؤه إياها جزافًا.
ولو قال رجل لرجلٍ صبّر لي من طعامك هاهنا صبرة وأنا أشتريها منك جزافًا لما انبغى أن يجوز ذلك؛ لما فيه من القصد إلى الغرر على قياس ما قلناه (٤). انتهى.
وبه - والله تعالى أعلم - يجاب عن قول المازري: وقد يهجس في النفس أنه لا فرق بين ما أجازوه ومنعوه، إذ لا يختلف حزر الحازر لزيتٍ في قارورة أو لقدر ملئها زيتًا. ويأتي قول ابن يونس إن شاء الله تعالى.
وعلى ما قال ابن رشد عوّل شيخ شيوخنا أبو القاسم التازغدري فيما بلغنا عنه أنه أفتى بمنع: جزّف لي وأشترى منك. فقيل له فما تري في الجزار المسمى بالقماط (٥) الذي يصبّر اللحم صبرًا للبيع كل صبرة بدرهمين مثلًا، فيأتيه الرجل فيقول [٦٥ / أ] له: زدني على هذا
_________________
(١) في (ن ٣): (بأس).
(٢) في (ن ٣): (الاشتراء).
(٣) في (ن ٣): (مكيل).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٤٠٠ وما بعدها.
(٥) في (ن ١): (القساط).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وأشتريه منك بدرهمين. فقال: حكم البعض حكم الكلّ. يعني: أن ذلك ممتنع في البعض كما امتنع في الكلّ، سأله عن ذلك شيخنا الفقيه الحافظ أبو عبد الله القوري كذا وجدته بخطه.
ولما تكلّم الشيخ أبو العباس القباب على بيع الاستئمان آخر مسائل ابن جماعة، ذكر أن ما يفعله أهل بلادنا الآن حيث يأتي أحدهم إلى العطار فيدفع إليه درهما ويقول له: أعطني أبزارًا، فيأخذه ويجعل له شيئًا من الأبزار في [كاغد] (١) فيحمله (٢) المشتري من غير معرفة ولا رؤية له: لا يجوز على ما نصّ عليه ابن القاسم ومضى عليه الأشياخ؛ إلا أنه ألزم على قول الداودي وابن جماعة جوازه. فليتأمل في أصله.
إِلا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ.
قوله: (إِلا فِي [كَسَلَّةِ تِينٍ] (٣». في سماع أبي زيد: لو وجد عنده سلة مملوءة تينًا، فقال: أنا آخذها منك بدرهم واملأها ثانية بدرهم، فهو خفيف (٤)، بخلاف غرارة القمح، [ألا تراه لا يسلّم في غرارة القمح] (٥) ويسلّم في سلتين تينًا؛ لأنه معروف (٦).
ابن عبد السلام: أراد في " العُتْبِيَّة " أن الغرارة ليست بمكيال للقمح؛ لأن له مكاييل كالأردب [والقفيز والويبة] (٧) فالعدول عن تلك المكاييل إلى غيرها غرر، وأما التين فلا مكيال له، ولكن كثر تقدير الناس له بالسلل، فجرى ذلك مجرى المكيال للتين، وهذا ظاهر من كلامه في الرواية.
_________________
(١) في (ن ٢): (كاغط)، و(ن ٣): (كاغيد).
(٢) في (ن ٣): (ويحمله).
(٣) في (ن ٣): (كسلتين).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٨٤.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) نص ما وقفت عليه في سماع أبي زيد: (.. (وسئل) عن رجلٍ مرَّ ببياع وعنده سلّ تين، فقال: أنا آخذ منك هذا السلّ ومثله مرة أخرى بدرهم؟، قال: هذا خفيف من قِبَل أنَّه يجوز لي أن أسلف في أسلال من تين وعنب ورطب، قيل له: ألا تراه يشبه غرار قمح مَلأَى يقول له: بعنيها ومِلأَهَا بدينار؟ قال: هذا بين لا خير فيه؛ لأنه لا يجوز له أن يسلف في غرائر قمح).
(٧) في (ن ١): (والفقيز والوفية).
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقال ابن يونس بإثر كلامه في " العُتْبِيَّة ": وكذلك عندي هذه القارورة المملوءة بدرهم وملأها ثانية بدرهم هو خفيف؛ لأنه كالمرئي المقدر، ولو قاله قائل في الغزارة ما أبعد، ولكنه في القارورة أبين؛ لأنه لا يختلف ملؤها فليس فيه كبير خطر.
ابن عبد السلام: المعنى الذي أشار إليه في الرواية أنسب، وأجرى على القواعد، فإذا تأملته فهمت الجواب عن كلام ابن يونس.
وبهذا أجاب ابن عرفة وزاد: ذكر المازري أن بعضهم فرق بين الغرارة والسلة بأن القمح مكيل، فملء الغرارة منع بيع بمكيال مجهول والعنب غير مكيل فلم يكن ملء السلة منه كذلك.
وعَصَافِيرَ حَيَّةٍ بِقَفَصٍ، وحَمَامِ بُرْجٍ، وثِيَابٍ.
قوله: (وَعَصَافِيرَ حَيَّةٍ بِقَفَصٍ) هو وما بعده معطوف على غير مرئي؛ ولذا قال: (حَيَّةٍ).
ونَقْدٍ، إِنْ سُكَّ، والتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ، وإِلا جَازَ، فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِعِلْمِ الآخَرِ بِقَدْرِهِ خُيِّرَ وإِنْ أَعْلَمَهُ أَوَّلًا فَسَدَ كَالْمُغَنِّيَةِ.
قوله: (ونَقْدٍ، إِنْ سُكَّ، والتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ، وإِلا جَازَ) الفرق بين المسكوك وغيره ظاهر، والفرق بين تعامل العدد والوزن أنه إذا كان التعامل بالعدد كانت الآحاد مقصودة، وإذا كان التعامل بالوزن يصير المقصود مبلغ الوزن، ولا غرض في الآحاد حينئذ، فهو كغير المسكوك من الثمن، فيجوز بيعه جزافًا، على هذا التعليل اقتصر ابن عبد السلام؛ ولكن قال: فيه نظر؛ لأن ما يتعامل به وزنًا من المسكوك كثيرًا ما يرغب في كثرة آحاده؛ لأنه يسهل به شرّاء السلع اليسيرة الثمن كنصف الدرهم وربعه، فعلى هذا التقدير تكون آحاده مقصودة فلا يجوز بيعه جزافًا، وفي هذه المسألة طرق، وقد استوفاها ابن عرفة.
وجِزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أَوْ أَرْضٍ.
قوله: (وجِزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أَوْ أَرْضٍ) (جزاف): عطف على قوله: (لا غَيْرِ مَرْئِيٍّ) وأرض عطف على الضمير في منه، ومراده: أنه لا يجوز اجتماع جزاف مما أصله أن يباع كيلًا كالحب مع مكيل منه أو مع مكيل مما أصله أن يباع جزافًا كالأرض.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وجِزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ.
قوله: (وجِزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ) أي: ولا يجوز اجتماع جزاف مما أصله أن يباع جزافًا كالأرض مع المكيل منه، ولما أن كانت الأرض كناية عن الجنس المذكور ذكر الضمير العائد إليها، وفي بعض النسخ: (مع مكيلها). بالتأنيث على لفظ الأرض، وفي بعضها: (مع مكيلة) بالتاء المؤنثة، وهو وصف لأرض أي مع أرض مكيلة.
لا مَعَ حَبٍّ. ويَجُوزُ جِزَافَانِ، ومَكِيلانِ، وجِزَافٌ مَعَ عَرْضٍ، وجِزَافَانِ عَلَى كَيْلٍ، إِنِ اتَّحَدَ الْكَيْلُ والصِّفَةُ، ولا يُضَافُ لِجِزَافٍ عَلَى كَيْلٍ، غَيْرُهُ مُطْلَقًا.
قوله: (لا مَعَ حَبٍّ) أي: لا اجتماع (١) جزاف مما أصله أن يباع [جزافًا مع مكيل مما أصله أن يباع] (٢) كيلًا كالحب، بحيث يأتي كل على أصله، فإنه يجوز، وإن اجتمعا في صفقة وفاقًا لابن زرب خلافًا لابن العطار. قال ابن عرفة: " ولابن محرز مثل ابن زرب " (٣). انتهى. وقد ظهر لك أن كلام المصنف اشتمل على أربعة أقسام، ثلاثة ممنوعة [وواحد جائز] (٤)، وتصور بقية كلامه فيما يضاف للجزاف ظاهر، وأصل (٥) هذا كله لابن رشد في كتاب الغرر من " المقدمات "، وفي سماع ابن القاسم وسماع أصبغ من جامع البيوع (٦).
تنبيه:
من البيّن أن الموزون والمزروع في هذا الباب في معنى المكيل، وقد (٧) تنازل لذلك الشيخ أبو العباس القباب في قول ابن جماعة: لا يجوز أن يشتري الرجل قربة لبن على أن يزن زبدها.
_________________
(١) في (ن ١): (لاجتماع).
(٢) مكرر في: (ن ١).
(٣) نص ابن زرب: (ولا يجوز أن يشتري تمر نخلات يختارها المشتري ولا أن يشتري صبرة يختارها من صبر ثمر مختلفة الأجناس، أو الكيل، أو يوزن أو كيل أو جزاف صفقة واحدة. والجزاف: هو كل ما يكال، أو يوزن، أو يعد، فيباع بلا كيل، ولا وزن ولا عدد، مع كيل، أو وزن، مثل أن يبيع منه صبرة حنطة بلا كيل، وعشرة أرادب شعير صفقة واحدة، فلا يجوز ولا يباع جزاف كيلًا) انظر الخصال، لابن زرب، ص ١٢٨.
(٤) في (ن ٣): (وواحدة جائزة).
(٥) في (ن ١): (أصله).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٣٧٩، ٣٨٠، وانظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٦٣ و٨/ ٢٣.
(٧) في (ن ١): (وهذا).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وجَازَ بِرُؤْيَةِ (١) بَعْضِ الْمِثْلِيِّ والصِّوَانِ، وعَلَى الْبِرْنَامِجِ، ومِنَ الأَعْمَى، وبِرُؤْيَةٍ لا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا.
قوله: (وَجَازَ [٦٥ / ب] بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ والصِّوَانِ) كذا في عدة نسخ، بجرّ الرؤية بالباء فالفاعل ضمير يعود على البيع (٢).
وحَلَفَ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بِرْنَامِجٍ أَو (٣) مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ، وعَدَمَ دَفْعِ رَدِيٍّ أَوْ نَاقِصٍ، وبَقَاءِ الصِّفَةِ، إِنْ شُكَّ، وغَائِبٍ، ولَوْ بِلا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ.
قوله: (وَحَلَفَ مُدَّعٍ [لِبَيْعِ بِرْنَامِجٍ أو مُوَافَقَتَهُ] (٤) لِلْمَكْتُوبِ) كذا في بعض النسخ المدعي تصحيحها بأو العاطفة التي لأحد الشيئين، فكأنهما على هذا فرعان يحلف فيهما البائع:
أحدهما: أن يختلفا: هل كان البيع بينهما على البرنامج أم لا؟ (٥)
والثاني: أن يتفقا أنه كان على البرنامج ويختلفا في موافقة ما في العدل للمكتوب في البرنامج؟
فأما الثاني فالجواب فيه صحيح، وأما الأول فعهدته على المصنف أو على من قَوَّلَهُ
_________________
(١) في الأصل والمطبوعة: (رؤية).
(٢) زاد الخرشي الأمر وضوحا بعد اقتباس لفظ المؤلف فقال: (هَكَذَا فِي عِدَّةِ نُسَخٍ بِجَرِّ رُؤْيَةٍ بِالْبَاءِ، وعَلَى هَذَا فَفِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْمَحَلِّ عَنْ الْحَالِّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ عَلَى مَا هُوَ دَاخِلُ الصُّوَانِ فَيَكْفِي فِي الْجَوَازِ رُؤْيَةُ خَارِجِهِ عَنْ رُؤْيَةِ دَاخِلِهِ). انظر: شرح الخرشي: ٥/ ٣١٢.
(٣) في أصل المختصر والمطبوعة: (أن).
(٤) في (ن ١): (ليبيع برنامج وموافقته).
(٥) قال الحطاب ﵀ في مأخذ المؤلف هنا حول اختلاف النسخ: (مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ ﵀ كَافٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِ الْكَلَامِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا وهَلْ هِيَ بِإنَّ أَوْ بِإِذْ؟ واَلَّذِي فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ إنَّمَا هُوَ بِإِذْ فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمُدَّعٍ، وإِذْ مُضَافَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا، ومُوَافَقَتُهُ مُبْتَدَأٌ، ولِلْمَكْتُوبِ خَبَرُهُ أَيْ حَاصِلَةٌ لِلْمَكْتُوبِ، ويَكُونُ الْمَعْنَى، وحَلِفِ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ وَقْتَ الْبَيْعِ حَاصِلَةٌ إذْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَكْتُوبِ فِي دَعْوَى الْبَائِعِ، وفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنَّ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَوْ الْمَكْسُورَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى، وحَلَفَ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ مَوْجُودَةٌ أَوْ حَاصِلَةٌ، واَللَّهُ أَعْلَمُ). انظر: مواهب الجليل، للحطاب: ٤/ ٢٩٤، ولعلّ الحطاب ﵀ لو تأمل ما للمؤلف إلى نهايته لعلم ما اختاره المؤلف، لأنه قال بعد (وحلف مدعٍ لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ذلك ممن كتبه كذلك، ولعلّ الذاهب إلى ذلك اغترّ بلفظ " المدونة "؛ فإنه قال فيها في كتاب (بيع الغرر): ومن ابتاع عدلا ببرنامجه جاز أن يقبضه ويغيب عليه قبل فتحه، فإن ألفاه على الصفة لزمه، وإن قال: وجدته بخلاف الصفة فإن لم يغب عليه أو غاب عليه مع بيّنة لم تفارقه أو تقارّا فله الرضى به أو ردّه، وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، وأنكر البائع أن يكون مخالفًا للجنس المشترط أو قال (١) بعتك على البرنامج فالقول قول البائع؛ لأن المبتاع صدقه إذ قبضه على صفته (٢). كذا اختصره أبو سعيد وابن يونس، وزاد: يريد مع يمينه.
فأنت تراه فرض الكلام في " المدونة " أولًا في فرعنا الثاني، ثم عطف عليه فقال: (أو قال (٣) بعتك على البرنامج، ثم جاء بالجواب، فقد يتبادر لبعض الأفهام أن المعطوف فرض آخر اختلفا فيه هل كان البيع على البرنامج أم لا؟، وعلى هذا الوجه أتى بها صاحب " الشامل " إذ قال: ولو ذهب به قبل فتحه ثم ادعى أنه مخالف للوصف أو أنه لم يشتره (٤) على البرنامج فالقول للبائع مع يمينه؛ لأن المبتاع صدقه إذ (٥) قبضه على صفته. انتهى.
وهذا خلاف ما فهم عليه الشيخ أبو الحسن الصغير مسألة " المدونة " من أنها مسألة واحدة اتفق فيها المتبايعان أن بيعهما وقع على البرنامج، وإنما اختلفا في موافقة الصفة، فإنه بحث في قوله: أو قال بعتكه (٦) على البرنامج. فقال: انظر يمينه على هذا الفصل لا فائدة لها، وهذا مثل ما في السلم الثاني، أو لقد باعه على ما كان فيه من الكيل الذي يذكر؛ لأن المشتري يوافقه أنه باعه على البرنامج؛ ولكنه لم يجد فيه ما سمي على البرنامج، والذي يخرجه عن الإلغاز أن يحلف لقد باعه على البرنامج، ولقد كان فيه ما وصفته. انتهى.
_________________
(١) في (ن ٣): (وقال).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٢٨، وانظر المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢١٠.
(٣) في (ن ٣): (وقال).
(٤) في (ن ٣): (يشترط).
(٥) في (ن ١): (إذا).
(٦) في (ن ١): (بعتك).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فإن كان لفظ " المدونة ": وقال بعتكه بالواو، وكذا رأيته في نسخة عتيقة من
" مختصر " أبي محمد فهذا التأويل واضح، وإن كان بأو فكأنها بمعنى الواو (١)، وليس عند ابن عرفة إلا أنها مسألة واحدة فإنه لم يزد على أن قال: وفيها له قبض العدل بذلك فإن وجده دون الصفة (٢) أو العدد بالحضرة أو بعدها ببينة لم تفارقه صُدّق، وإلا فالقول قول البائع بيمينه لقبضه بتصديقه، وفي كثيرٍ من النسخ (وحلف مدعٍ لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب) وهذا أمثل، وكأنه قصد إلى محاذاة لفظ " المدونة " في أن دعوى البائع اشتملت على أمرين أحدهما: وافق عليه المشتري فلا يحلف عليه البائع، وهو كون البيع على البرنامج، والثاني تخالفا فيه، وعليه يحلف البائع وهو موافقة العدل لما في البرنامج، وفي بعض النسخ أن موافقته المكتوب بـ (إن) الشرطية الداخلة على الماضي المتعدي بضمير النصب ورفع المكتوب على الفاعلية، ولا وجه له.
أَوْ عَلَى يَوْمٍ.
قوله: (أَوْ عَلَى يَوْمٍ) معطوف على ما في حيّز لو إشارة لخلاف ابن شعبان، كأنه قال: ولو كان الغائب الموصوف على مسيرة يوم، كأنه أقلّ البعد، وهذا مفرع على قوله بعد: (ولم تمكن رؤيته بلا مشقة)، فكان حقّه أن يؤخره عنه كما فعل ابن الحاجب (٣) وابن عرفة، فإنه لما ذكر أن المعروف منع بيع حاضر العاقدين بصفته قال: وعلى المنع المعروف جواز بيع (٤) الغائب على مسافة يوم. وقال اللَّخْمِيّ: روى ابن شعبان منعه قال المازري لسهولة إحضاره، ولعلّ المصنف إنما قدّمه لجمعه مع نظيره في الخلاف.
[و] (٥) وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ.
قوله: (وْوَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ). هكذا هو فيما رأيناه من النسخ مصدرًا بواو الحال مع
_________________
(١) هي فيما وقفنا عليه بـ (أو). انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٢٨.
(٢) في (ن ١): (الصفحة).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٤٠.
(٤) في (ن ١): (ببيع).
(٥) في أصل المختصر والمطبوعة: (أو).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
إثبات لفظ غير، وهو جار على ما نسب في " التوضيح " للمَوَّازِيِّة و" العُتْبِيَّة "، قال: ولا يشترط ذلك على ظاهر المذهب، وهو الذي أخذه جماعة من " المدونة "، وقال ابن العطار: به العمل، وذكر المَتِّيْطِي: أن الشيوخ اختلفوا في تأويل " المدونة " على القولين، وجعل اللَّخْمِيّ وابن رشد في " المقدمات " [٦٦ / أ] ذلك شرطًا في جواز النقد). انتهى (١).
فلو جرى على ما رجحه (٢) في " التوضيح " لقال: أو وصفه بائعه، بالعطف بأو على غير (٣) في حيز لو، وبإسقاط لفظ غير، ويكون في غاية الحسن (٤).
أَوْ (٥) لَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنَ إِفْرِيقِيَّةَ (٦)، ولَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلا مَشَقَّةٍ.
قوله: (إن لَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنَ إِفْرِيقِيَّةَ). في " النوادر " عن ابن حبيب يجوز بيع الغائب على الصفة ما لم تتفاحش غيبته جدًا، فنقله المازري غير معزوٍ كأنه المذهب، ولم يحدّه بتعيين مسافة وقال ابن شاس: كإفريقية من خراسان (٧)، وقال اللَّخْمِيّ: لا يجوز إن كان بحيث يتغير عمّا رُئي عليه أو وصف به. ابن عرفة: ظاهر " المدونة " و" الجلاب " و" التلقين " (٨)، الإطلاق، وهو ظاهر في الأرض البيضاء.
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ١٩٧.
(٢) في (ن ١): (رجحته).
(٣) في (ن ١): (ما).
(٤) رحم الله المؤلف، وقدس الله روحه، فقد قال الخرشي: (فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِأَوْ، وهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا وَصْفٍ، والْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِلَا وصْفٍ عَلَى الْخِيَارِ أَوْ بِوَصْفٍ عَلَى اللُّزُومِ، ويُفْهَمُ اللُّزُومُ مِنْ كَوْنِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي عَقْدِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ، فَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ، وهَذِهِ النُّسْخَةُ أَوْلَى مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا، ووَصَفَهُ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي بِأَوْ يَكُونُ قَدْ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَى أَقْسَامِ بَيْعِ الْغَائِبِ) ولعل إشارة المؤلف هنا شحذت همة الخرشي لما قاله.
(٥) في أصل المختصر، والمطبوعة: (إن).
(٦) في أصل المختصر: (الأندلس إفريقية).
(٧) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٢٥.
(٨) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٠٨، وما بعدها. والتفريع، لابن الجلاب: ٢/ ١١٤. والتلقين، للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٣٦٢.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وَالنَّقْدُ فِيهِ ومَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ، وضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي.
قوله: (وَمَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ، وضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي). أي: وجاز النقد بشرط في العقار لأمنه، وضمان العقار من المشتري.
وفِي غَيْرِهِ إِنْ قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ، وضَمِنَهُ بَائِعٌ.
قوله: (وفِي غَيْرِهِ إِنْ قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ، وضَمِنَهُ بَائِعٌ). أي: وجاز النقد (١) في غير العقار إن قرب مكانه وضمان غير العقار من البائع.
إِلا لِشَرْطٍ أَوْ مُنَازَعَةٍ، وقَبْضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
قوله: (إِلا لِشَرْطٍ أَوْ مُنَازَعَةٍ). استثناء الشرط بيّن، وأما المنازعة ففرعها ابن شاس على تضمين المشتري فقال: حيث قلنا إن الضمان من المشتري فتلفت السلعة فتنازعا في سلامتها حين العقد ففي تعيين المدعي منهما قولان؛ لتعارض أصل السلامة وانتفاء الضمان، وتبعه ابن الحاجب (٢)، ونسب في " التوضيح " الأول: لابن حبيب وترجيح (٣) اللَّخْمِيّ من قول ابن القاسم في المَوَّازِيِّة (٤)، والثاني: لابن القاسم في " المدونة " انتهى.
وأصل هذا للخمي والمازري، وقد أشبع ابن عرفة الكلام فيه، وذكره في هذا المختصر تفريع على غير أصل؛ لأنه قطع فيه أن ضمان غير العقار من البائع، وحمله على المنازعة فيما كان ضمانه من المشتري بشرط عييّ وتعسف، ولو سلم لكان مخالفًا لما نسبه في " التوضيح " للمدونة، فتدبره. (٥) والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في (ن ٣): (العقد).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٢٨. وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٤٠.
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (وتخريج).
(٤) قال في النوادر: (ومن كتاب ابن المواز: قال: وأخذ ابن القاسم وأشهب بقول مالك الأخير في ضمان الشيء الغائب المبيع أنه من البائع إلا أن يشترط أنه من المبتاع، فيصير منه من يوم الشرط، ولا ينقد فيما شرط أن من المبتاع أو من البائع إلا في الربع والعقار) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٦/ ٣٦٦. وانظر: حاشية التوضيح ٧/ ٢٠٤.
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٠٣، وما بعدها.
[ ٢ / ٦١١ ]
[باب الصرف]
وحَرُمَ فِي نَقْدٍ وطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ ونَسَاء كَدِينَار (١) أَوْ دِرْهَمٍ وغَيْرِهِ بِمِثْلِهِمَا.
قوله: (كدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ وغَيْرِهِ بِمِثْلِهِمَا) كذا في كثير من النسخ بجر دينار بالكاف وعطف درهم بأو وعطف غيره بالواو، فضمير مثلهما يعود على دينار وغيره في صورة وعلى درهم وغيره في أخرى لا على دينار ودرهم، وتصوره ظاهر.
ومُؤَخَّرٌ ولَوْ قَرِيبًا، أَوْ غَلَبَةً، أَوْ عَقَدَ، ووَكَّلَ فِي الْقَبْضِ.
قوله: (ومُؤَخَّرٌ). عطف على دينار، وهو توطئة لما بعده من المبالغة، وهو راجع لربا النساء، كما أنّ ما عطف هو عليه راجع لربا الفضل، من باب اللف والنشر.
أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وطَالَ، أَوْ نَقْدَاهُمَا.
قوله: (أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وطَالَ، أَوْ نَقْدَاهُمَا) الطول قيد في غيبة نقد أحدهما لا في غيبة نقديهما معا. قال في " المدونة ": وإن اشتريت من رجلٍ عشرين درهما بدينار وأنتما في مجلسٍ واحد، ثم استقرضت أنت دينارًا من رجل إلى جانبك، واستقرض هو الدراهم من رجلٍ إلى جانبه، فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم فلا خير فيه (٢)، ولو كانت الدراهم معه، واستقرضت أنت الدينار، [فإن كان أمرًا قريبًا كحل الصرة ولا تُبعث (٣) وراءه ولا تقوم لذلك جاز، ولم يجزه أشهب] (٤).
قال ابن عبد السلام: فالحاصل أنهما (٥) إن تسلفا معًا فاتفق ابن القاسم وأشهب على فساد الصرف، وظاهره طال أو لم يطل، وإن تسلف أحدهما وطال فكذلك. وإن لم يطل
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (لا درهم)، وفي هامش الأصل: (كدينار) خطأ (غ)، ولعله يقصد ما للمؤلف هنا، وقد أشار الحطاب إلى أن نسخة المؤلف قليلة. انظر: مواهب الجليل: ٤/ ٣٠١.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٩٦.
(٣) في (ن ١): (تبعة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣). والنص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٩٤، ٩٥، وانظر المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٩٦.
(٥) في (ن ٣): (أنها).
[ ٢ / ٦١٢ ]
ففيه (١) اختلف ابن القاسم وأشهب؛ لأن تسلفهما (٢) معًا (٣) مظنة التأخير، بخلاف تسلف أحدهما.
أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ، أَوْ بِدَيْنٍ، إِنْ تَأَجَّلَ، وإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَابَ رَهْنٌ، أَوْ وَدِيعَةٌ، ولَوْ سُكَّ كَمُسْتَأْجَرٍ، وعَارِيَةٍ ومَغْصُوبٍ، إِنْ صِيغَ إِلا أَنْ يَذْهَبَ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، فَكَالدَّيْنِ، وبِتَصْدِيقٍ فِيهِ كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ، ومُقْرَضٍ ومَبِيعٍ بِأَجَلٍ، ورَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، ومُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ وبَيْعٌ وصَرْفٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ الجَّمِيعُ دِينَارًا، أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، وسِلْعَةٌ بِدِينَارٍ، إِلا دِرْهَمَيْنِ، إِنْ تَأَجَّلَ الجَّمِيعُ، أَوِ السِّلْعَةُ، أَواحد النَّقْدَيْنِ، بِخِلافِ تَأْجِيلِهِمَا أَوْ تَعْجِيلِ الجَّمِيعِ.
قوله: (أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ) هو مما انخرط في سلك الإغياء.
كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، ولَمْ يَفْضُلْ. وفِي الدِّرْهَمَيْنِ كَذَلِكَ، وفِي أَكْثَرَ كَالْبَيْعِ والصَّرْفِ، وصَائِغٌ يُعْطَى الزِّنَةَ، والأُجْرَةَ كَزَيْتُونٍ، وأُجْرَتِهِ لِمُعْصِرِهِ، بِخِلافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ، وأُجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ، والأَظْهَرُ خِلافُهُ.
قوله: (كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، ولَمْ يَفْضُلْ) تشبيه (٤) بقوله: (بِخِلافِ تَأْجِيلِهِمَا أَوْ تَعْجِيلِ الجَّمِيعِ) فِي مطلق الجواز سواء كان البيع فِي هذا نقدًا أو مؤجلا، وهذه طريقة ابن رشد.
وبِخِلافِ دِرْهَمٍ [٤٧ / ب] بِنِصْفٍ، وفُلُوسٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ، وسُكَّا، واتَّحَدَتْ، وعُرِفَ الْوَزْنُ.
قوله: (وَبِخِلافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ، وفُلُوسٍ) خرج بالدرهم الدينار والدرهمان كما يصرح به، وبالنصف ما زاد عليه، وفهم من فرض الفلوس أنه لا يشترط عدمها بالبلد خلافا لمن اشترط.
_________________
(١) في (ن ٣): (ففيها).
(٢) في (ن ٣): (تسليفهما).
(٣) في الأصل: (مع).
(٤) في (ن ٣): (تشبيهه).
[ ٢ / ٦١٣ ]
وانْتُقِدَ الجَّمِيعُ وإِلا فَلا كَدِينَارٍ ودِرْهَمَيْنِ.
قوله: (وإِلا فَلا كَدِينَارٍ ودِرْهَمَيْنِ (١» كذا كان يصوبه شيخنا الفقيه الحافظ أبو عبد الله القوري أي: وإن لَمْ تتوفر الشروط فلا يجوز الردّ، ثم مثّل ببعض ما اختلفت (٢) فيه الشروط فقال: (كَدِينَارٍ ودِرْهَمَيْنِ) أي فلا يجوز الردّ [في الدينار ولا فى الدرهمين] (٣) فأكثر.
ورُدَّتْ زِيَادَةٌ بَعْدَهُ لِعَيْبِهِ، لا لِعَيْبِهَا، وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِلا أَنْ يُوجِبَهَا، أَوْ إِنْ عُيِّنَتْ؟ تَأْوِيلاتٌ.
قوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِلا (٤) أَنْ يُوجِبَهَا، أَوْ إِنْ عُيِّنَتْ) عطف (أو إن عينت) على (مُطْلَقًا) [٦٦ / ب] ولو عطفه على المستثنى لقال أو لَمْ تعين.
وإِنْ رَضِيَ [بِالْحَضْرَةِ] (٥) بِنَقْصِ وَزْنٍ، أَوْ بِكَرَصَاصٍ، أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ، أَوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ.
قوله: (وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَة بِنَقْصِ وَزْنٍ، أَوْ بِكَرَصَاصٍ، أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ، أَوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ) القدر يشمل الوزن والعدد، والإتمام يشمل تكميل الوزن والعدد وتبديل الرصاص ونحوه، ولا يشمل تبديل المغشوش المذكور بعده، ومعنى الإطلاق فِي المغشوش كان رضا قابضه بالحضرة أم لا، ولا شك (٦) أن الغش نقصان صفة لا قدرًا، والرصاص الصرف ونحوه متردد بينهما، وقد درج المصنف على إلحاقه بالقدر.
وأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ.
قوله: (وأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ) الضمير فِي (عَلَيْهِ) يعود على الإتمام الذي هو تكميل الوزن، والعدد وتبديل الرصاص ونحوه.
_________________
(١) في (ن ١): (أو درهمين).
(٢) في الأصل، و(ن ١): (اختلت).
(٣) في (ن ١): (بالدينار وإلا فدرهمين).
(٤) في (ن ١): (لا).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٦) في (ن ٣): (وشك).
[ ٢ / ٦١٤ ]
وإِنْ طَالَ نُقِضَ إِنْ قَامَ بِهِ.
قوله: (وَإِنْ طَالَ (١) نُقِضَ إِنْ قَامَ بِهِ) كأنه يشمل نقص الوزن وشبهه كالرصاص الصرف والمغشوش غير المعين، بدليل ما بعده، ومفهوم قوله: (إن قام به) أنه إن رضي [به] (٢) صح وإن طال.
فإن قلت: هذا خلاف مفهوم قوله أولًا: (وإن رضي بالحضرة)؟
قلت: قصاراه تعارض مفهومين فِي محل مختلف فيه فخطبه سهل.
كَنَقْصِ الْعَدَدِ، وهَلْ مُعَيَّنُ مَا غُشَّ كَذَلِكَ أَوْ يَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ؟ تَرَدُّدٌ.
قوله: (كَنَقْصِ الْعَدَدِ) ظاهره أن نقص العدد يوجب النقص مع الطول قام به أم لا، بِخِلافِ نقص الوزن، فكأنه فرق فِي هذا المحل بين نقص الوزن والعدد بِخِلافِ ما تقدم، وقد صرح فِي " التوضيح " بتعاكس المشهورين فيهما فقال: المشهور جواز الرضا مُطْلَقًا؛ لكن بشرط أن يكون النقص فِي الوزن وأما إن كان النقص فِي العدد فإنه لا يجوز الرضا على المشهور. انتهى (٣) وعهدته عليه والذي رأيت لِلَّخْميّ: أن النقص فِي الصرف على وجهين فِي العدد وفِي الوزن، وهو فِي الوزن على وجهين:
أحدهما: أن تكون الدنانير مجموعة.
والثاني: أن تكون عددا كالقائمة والفرادى فيجد (٤) كل دينار ناقصًا عن الوزن المعتاد، فإن انعقد الصرف على مائة دينار عددا أو على الوزن إِلا أنها غير معينة فوجد تسعة وتسعين (٥) فالمشهور [من المذهب] (٦) أن الصرف ينتقض قام بحقه فِي ذلك النقص أو لَمْ يقم، وإن كان الصرف على قائمة أو فرادى أو ما أشبه ذلك مما الصرف فيه على العدد،
_________________
(١) في (ن ١): (أطال).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٢٣.
(٤) في (ن ٣): (فيجب).
(٥) في (ن ٣): (وسبعين).
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ١).
[ ٢ / ٦١٥ ]
فوجد (١) بعضها تنقص عن الوزن المعتاد كان كالزائف إن تمسك به ولَمْ يقم صح الصرف.
وإن رده دخل الخلاف: هل ينفسخ ما ينوبه أو جميع الصرف؟ لِلَّهِ
وحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ، إِلا أَنْ يَتَعَدَّاهُ فَأَكْبَرُ مِنْهُ، لا الْجَمِيعُ، وهَلْ ولَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ؟ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ) الباجي: لكراهة قطع الدنانير المضروبة، وقال ابن رشد فِي رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع ابن القاسم، من كتاب الصرف: الدنانير المقطوعة يختلف فِي كراهة قطعها والصحاح (٢) المدورة النقص التي لا تجوز إِلا بالوزن يتفق على كراهة قطعها، وأما القائمة التي تجوز عددًا فقطع الزائد منها على وَزنها المعلوم جائز لمن استصرفها ومكروه لمن باع بها.
وأما ردها ناقصة فمكروه فِي البلد الذي تجوز فيه ناقصة، وحرام فِي البلد الذي لا تجوز فيه ناقصة (٣).
وقال فِي أول سماع أشهب منه: الدنانير التي قطعها من الفساد فِي الأرض هي (٤) الدنانير القائمة التي تجوز عددا بغير وَزن، فإذا قطعت فردت ناقصة اغترّ بها الناس فكان ذلك من الفساد فِي الأرض، وقد قيل فِي قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] إنه قطع الدنانير والدراهم، وقيل التراضي بالربا، وقيل منع الزكاة، وأولى ما قيل أنهم أرادوا جميع ذلك (٥)، وأما قطع الدنانير المقطوعة فليس من الفساد [في الأرض] (٦)، إنما هو مكروه، فرأى مالك قطعها لتوقّي شبهة الربا أفضل من
_________________
(١) في (ن ٣): (فيوجد).
(٢) في (ن ١): (الصحاح).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٦/ ٤٦٥.
(٤) في الأصل: (وهي).
(٥) قال القرطبي: (مما نهاهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم. . . وكانوا يتعاملون على الصحاح عدًّا وعلى المقروضة وزنًا، وكانوا يبخسون في الوزن، وقال ابن وهب: قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: ٩/ ٨٧، وما بعدها، وانظر: جامع البيان، للطبري: ١٢/ ١٠١، وما بعدها.
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٣).
[ ٢ / ٦١٦ ]
تركها لمن اقتضى دنانير فوجد [فيها] (١) فضلًا عن حقه فلا يعطيه عن الفضل دراهم، ولكن يقطع منها ما فضل فيرده على الدافع (٢). انتهى مختصرًا.
وهَلْ يُفْسَخُ فِي السِّكَكِ أَعْلاهَا أَوِ الْجَمِيعُ؟ قَوْلانِ، وشَرْطُ الْبَدَلِ جِنْسِيَّةٌ، وتَعْجِيلٌ، وإِنِ اسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سُكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ، أَوْ طُولٍ، أَوْ مَصُوغٌ مُطْلَقًا نُقِضَ، وإِلا صَحَّ، وهَلْ إِنْ تَرَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ. ولِلْمُسْتَحِقِّ إِجَازَتُهُ إِنْ لَمْ يُخْبَرُ الْمُصْطَرِفُ [بِتَعَدٍّ] (٣) وجَازَ مُحَلًّى، وإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ [عين] (٤)، إِنْ سُبِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إِنْ أُبِيحَتْ، وسُمِّرَتْ، وعُجِّلَ [بِغَيْرِ صِنْفِهِ] (٥) مُطْلَقًا، وبِصِنْفِهِ إِنْ كَانَ الثُّلُثَ، وهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلافٌ، وإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا، إِلا إِنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ. وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ (٦) الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسٍ سُدُسٍ.
قوله: (وَهَلْ يُفْسَخُ فِي السِّكَكِ أَعْلاهَا أَوِ الْجَمِيعُ (٧) قَوْلانِ) كذا فرّعه (٨) المازري على المشهور من اختصاص النقض بدينار إن أمكن ونسب الأول لأصبغ ووجّهه بأن العيب من جهة دافع الدراهم المردودة، فيكون مدلسًا إن علم بالزائف ومقصرًا فِي الانتقاد إن لَمْ يعلم به، فأمر أن يرد أجود ما فِي يديه من الدنانير، ونسب الثاني لسحنون، ووجّهه بأنه إذا كانت الدنانير سكّة مختلفه لَمْ يتأت الجمع فِي دينار وَاحد لأجل أن الدينار الذي تجتمع فيه الأجزاء تختلف فيه الأغراض [٦٧ / أ] من المصطرفين (٩)، فوجب فسخ الجميع.
وقول الشارح فِي " الكبير ": ويجري على [المشهور] (١٠) فيما تقدم أن الفسخ يختص
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٦/ ٤٧٥.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٦) في الأصل: (القليل القليل) كذا.
(٧) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٤): (والجميع).
(٨) في (ن ١): (فرعها).
(٩) في (ن ١): (المطرفي ن).
(١٠) في (ن ٣): (الخلاف).
[ ٢ / ٦١٧ ]
بالدينار الأصغر، إِلا أن يزيد عليه أن يختصّ الفسخ هنا بالدينار الأدنى إِلا أن يزيد [المنقوص أو المغشوش] (١) على قيمته، فينتقل إلى ما هو فوقه .. كلام فيه نظر.
قوله: (والأَصَحّ تخصيصه بالمسكوك) (٢). جيد وفِي إجباره على البدل خلاف كما قال: (وهل إن تراضيا تَرَدُّدٌ).
والأَجْوَدُ أَنْقَصُ، [وو الأوزن] (٣) أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ، وإِلا جَازَ، ومُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ كَفَّتَيْنِ ولَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلَى الأَرْجَحِ، وإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ، لا أَدْنَى وأَجْوَدُ.
قوله: (والأَجْوَدُ أَنْقَصُ [أو الأوزن] (٤) الأَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ) كذا فِي بعض النسخ وهو الصواب (٥)، فأما الأجود الأنقص فالدوران فيه ظاهر، وأما الأوزن الأجود سكة فقال فِي الأمهات: قلت فإن كانت سكة الوازن أفضل قال: قال مالك: لا خير فِي هاشمي ينقص خروبة بقائمٍ عتيق وَازن، فتعجّبت (٦) منه فقال لى طليب ابن كامل: لا تتعجب؛ قاله ربيعة، ابن القاسم: لا أدري من أين أخذه ولا بأس به عندي (٧).
واختصره أبو سعيد: وإن سألته أن يبدل لك دينارًا هاشميًا ينقص خروبة بدينار عتيق
_________________
(١) في (ن ٣): (المغشوش المنقوص).
(٢) قلت: لم أعثر على هذه العبارة في المختصر فيما توفر لدي من مختصرات. انظر: أصل المختصر لدينا، ص: ٤٧ / ب، والمختصر المطبوع، ص: ١٩٣، ط إحياء الكتب العربية، بدون تاريخ، وانظر: المختصر، بتحقيق أحمد على حركات، ط، دار الفكر، ١٤١٥، ص: ١٧٢، ١٧٣، وليست في شروح المختصر الأخرى، والراجح أنها تتمة لكلام بهرام الذي أورده الشارح، يظهر ذلك من السياق، فأوردوها النساخ على أنها فقره للمصنف شرحها المؤلف، ولولا تواطؤ النسخ لضممتها إلى كلام بهرام.
(٣) ما بين المعكوفتين في أصل المختصر، والمطبوعة: (أو).
(٤) في (ن ١) وأصل المختصر والمطبوعة: (أو).
(٥) قال الحطاب متعقبًا كلام المؤلف: (وأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا أَوْ الْأَوْزَنُ أَجْوَدُ سِكَّةً فَلَمْ نَرَهُ فِي النُّسَخِ الَّتِي عِنْدَنَا، وكَأَنَّهُ إصْلَاحٌ أَرَادَ بِهِ صَاحِبُهُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَالِكٍ وابْنِ الْقَاسِمِ ورَبِيعَةَ وقَدْ اسْتَوْفَى ابْنُ غَازِيٍّ الْكَلَامَ عَلَيْهَا). ٤/ ٣٣٥.
(٦) في (ن ٣): (فتعجب).
(٧) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٤٣١، ٤٣٢.
[ ٢ / ٦١٨ ]
قائمٍ وَازن فلا خير فيه عند ربيعة ومالك، وقال ابن القاسم: لا بأس به عندي (١). قال اللَّخْمِيّ: إن كانت سكّة الأوزن أجود فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم قال: ووجّهه شيخنا أبو الطيب بن خلدون باختلاف نفاق السكك فِي البلاد زاد ابن بشير: كمنع اقتضاء سمراء من محمولة زاد ابن شاس: وفتح من شعير قبل الأجل (٢) أي: فِي القرض، فقال ابن عبد السلام: تبع أبا الطيب على هذا التعليل أكثر الشيوخ، ولا شكّ أنه ربما يكون هذا الذي قاله ولكنه ليس بأكثر؛ إنما هو نادر فلا ينبغي أن يعتبر فِي الأحكام؛ ولهذا تعجب ابن القاسم منه، على أن الموضع الذي تعجب فيه ابن القاسم ظاهره (٣) أن الأزيد فيه كان أجود جوهرية لا فِي السكّة، إذ لا يمكن أن يقال أن سكة العتيق وهو القديم (٤) الذي ضرب فِي أيام بني مروان خير من سكة الهاشمي الذي ضرب فِي أيام بني العباس؛ لأن هذه الفتوى إنما كانت بعد ظهور الدينار العباسي، ولَمْ يظهر إِلا بعد انقراض دولة بني مروان، فالترجيح بينهما إنما هو من جهة أن المرواني أوزن وأجود ذهبًا وهذا هو المعروف فِي صفة العتيق؛ وبهذا يتبين لك أن انتصارهم (٥) لمالك بمسألة اقتضاء القمح من الشعير السلف قبل حلول أجله غير بيّن؛ فإن الشعير قد يراد للعلف وشبهه الذي يقوم (٦) فيه القمح مقامه، بِخِلافِ رديء القمح مع جيّده.
إلا أن ابن الحاجب لما كان محل القولين عنده إنما هو إذا كانت الجودة من جهة السكة لا من جهة الجوهرية - جاء احتجاجه بمسألة الشعير الذي يوافق ابن القاسم (٧) عليه حسنًا جيدًا (٨) انتهى.
_________________
(١) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٢٢.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٥٣.
(٣) في (ن ٣): (بما ظاهره).
(٤) في (ن ١): (القائم).
(٥) في (ن ١): (انتظارهم)، وفي (ن ٢)، و(ن ٣): (انتهارهم).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (لا يقوم).
(٧) في (ن ١): (ابن الحاجب).
(٨) في (ن ١): (جدًا) وانظر كلام ابن الحاجب في جامع الأمهات، ص ٣٤٣.
[ ٢ / ٦١٩ ]
على أن ابن عرفة قد زاد بحثًا فِي المسألة فقال بعد ذكر النقول التي قدمناها: هذا كلّه تسليم منهم بجري قول ابن القاسم على القياس، وصحة قوله لأسد (١) وسحنون: لا أدري من أين أخذه وكلاهما غير صحيح، أما الأول: فلأن الهاشمي الأنقص اختصّ بقبح النقص وفضل السكة؛ لأنها الثابتة الناسخة لسكة العتيق، والعتيق اختص بفضل الوزن (٢) والطيب على ما قال ابن عبد السلام واختص بقبح السكة فقد دار الفضل [من الجهتين] (٣) فيجب المنع، وهو قول مالك بِخِلافِ قول ابن القاسم وتعجبه وموافقة (٤) طُليب له حيث اعتذر بأن ربيعة قاله، وبه يتبين عدم صحة قوله: لا أدري.
والأَكْثَرُ عَلَى تَأْوِيلِ السِّكَّةِ والصِّيَاغَةِ كَالْجَوْدَةِ، ومَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ.
قوله: (والأَكْثَرُ عَلَى تَأْوِيلِ السِّكَّةِ والصِّيَاغَةِ كَالْجَوْدَةِ) إنما نسب ابن عبد السلام للأكثر نقيض هذا، وتبعه فِي " التوضيح " (٥) والطرق فيها متشعبة، وقد استوفاها ابن عرفة.
وبِخَالِصٍ. والأَظْهَرُ خِلافُهُ.
قوله: (وبِخَالِصٍ. وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ) أشار به لقول ابن رشد، فِي رسم البيع والصرف، من سماع أصبغ: كان الشيوخ يختلفون فِي مراطلة الذهب الخالصة بالذهب التي ليست بخالصة، فمنهم من كان يجيز ذلك قياسا على قول أشهب يعني فِي " المدونة " حيث أجاز بيع الدراهم (٦) الستوق (٧) بالدراهم الجياد وزنا بوزن، (٨) ومنهم من كان لا يجيز ذلك؛ لما
_________________
(١) في (ن ٣): (لا شك).
(٢) في (ن ١): (الأوزن).
(٣) في الأصل، و(ن ٢): (في الجتين).
(٤) في (ن ٣): (وموافقته).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٥٦، ٢٥٧.
(٦) في الأصل، و(ن ٢): (الدرهم).
(٧) في (ن ٢): (الستيق) و(الستوق) ما غلب عليه غشه من الدراهم. انظر: التعريفات، للجرجاني، ص: ١٥٦.
(٨) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٤٤٤، ونصها عن أشهب: (ولا أرى به بأسا في وجه الصرف أن يبيعه موازنة الدراهم الستوق بالدراهم الجياد وزنا بوزن؛ لأنه لم يرد بهذا الفضل بين الفضة والفضة، وإنما هذا يشبه البدل).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فيه من التفاضل بين الذهبين، ويتأول قول أشهب على اليسير من الدراهم، قياسًا على جواز بدل ناقص بوازن فِي العدد [٦٧ / ب] اليسير من الدراهم على وجه المعروف وهو الصحيح (١).
[و] (٢) لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لا يَغِشُّ [بِهِ] (٣). وكُرِهَ لِمَنْ لا يُؤْمَنُ، وفُسِخَ مِمَّنْ يَغِشُّ، إِلا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لا يَغِشُّ؟ أَقْوَالٌ، وقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وأَفْضَلُ صِفَةً. وإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وقَدْرًا، لا أَزْيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إِلا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ أَوْ دَارَ فَضْلٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ، وجَازَ بِأَكْثَرَ، ودَارَ الْفَضْلُ [مِنَ الْجَانِبَيْنِ] (٤) بِسِكَّةٍ وصِيَاغَةٍ وجودةٍ. وإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ. أَوْ عُدِمَتْ، فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الاسْتِحْقَاقِ والْعَدَمِ.
قوله: (وَلِمَنْ (٥) يَكْسِرُهُ أَوْ لا يَغِشُّ) كذا هو [بواو] (٦) العطف فِي أوله فهو أعمّ من أن يكون فِي بيع أو صرف أو مراطلة (٧).
وتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ ولَوْ كَثُرَ، إِلا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ، إِلا الْعَالِمَ بِعَيْبِهِ كَبَلِّ الْخُمُرِ (٨) بِالنِّشَاءِ، وسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ ورَدِيءٍ، ونَفْخِ اللَّحْمِ.
قوله: (وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ ولَوْ كَثُرَ، إِلا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ، إِلا الْعَالِمَ بِعَيْبِهِ كَبَلِّ الخُمُر بِالنِّشَاءِ، وسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ ورَدِيءٍ، ونَفْخِ اللَّحْمِ) هذا كله مسلوخ من كلام
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٣٠.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٥) في (ن ١): (أو لمن).
(٦) في (ن ٣): (بأو).
(٧) انظر تعقب الحطاب لما للمؤلف هنا في: مواهب الجليل: ٤/ ٣٣٥، وانظر: شرح الخرشي الذي قرر كلام المؤلف هنا: ٥/ ٣٤٩
(٨) وقع في كثير من النسح المطبوعة المشكولة وبعض الشروح: (الخَمْر) بفتح الخاء المعجمة، وتسكين الميم، وهو خطأ جسيم، والصواب: (الخُمُر) بضم الخاء والميم، جمع خمار، وانظر: إشارة الدسوقي لها في الشرح الكبير: ٣/ ٤٧.
[ ٢ / ٦٢١ ]
اللَّخْمِيّ آخر، كتاب الصرف، قال بعد ما ذكر غش هذه الأشياء وما شاكلها من لبن وزعفران ومسك: ويجوز على قول مالك الصدقة بذلك كله، وعلى قول ابن القاسم: تغسل الخُمُر حتى يذهب ذلك منها، ولا يتصدّق بها (١) عليه، ويعاقب، فالخلاف فِي القليل: هل يطرح أو يتصدّق به عليه
والخلاف فِي الكثير هل يتصدق به أو يترك لصاحبه ويعاقب. انتهى فاختار المصنف قول مالك، وأشار بلو لقول ابن القاسم.
_________________
(١) في (ن ٢): (بذلك)، و(ن ٣): (بما).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
[باب المطعومات]
عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وادِّخَارٌ (١). وهَلْ لِغَلَبَةِ [٤٨ / أ] الْعَيْشِ؟ تَأْوِيلانِ، كَبُرٍّ (٢) وشَعِيرٍ، وسُلْتٍ، وهِيَ جِنْسٌ؟ وعَلَسٍ، وأُرُزٍّ، ودُخْنٍ، وذُرَةٍ، وهِيَ أَجْنَاسٌ، وقُطْنِيَّةٍ، ومِنْهَا كِرْسِنَّةٌ، وهِيَ أَجْنَاسٌ. وتَمْرٍ، وزَبِيبٍ، ولَحْمِ طَيْرٍ، وهُوَ جِنْسٌ. ولَوِ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ كَدَوَابِّ الْمَاءِ، وذَوَاتِ الأَرْبَعِ، وإِنْ وَحْشًا، والْجَرَادِ. وَفِي رِبَوِيَّتِهِ خِلافٌ وفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلانِ، والْمَرَقُ، والْعَظْمُ، والْجِلْدُ كَهُوَ.
قوله: (كَبُرٍّ وشَعِيرٍ، وسُلْتٍ، وهِيَ جِنْسٌ). المازري: لَمْ يختلف المذهب أن القمح والشعير جنسٌ وَاحد، ورأي السيوري أنهما جنسان، ووافقه على ذلك بعض من أخذ عنه.
ابن عرفة: قال غير المازري هو عبد الحميد الصائغ قال: وفِي إجراء قول السيوري فِي السلت نظر، والأَظْهَر عدمه؛ لأنه أقرب للقمح من الشعير.
ويُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ، وذُو زَيْتٍ كَفُجْلٍ، والزُّيُوتُ أَصْنَافٌ كَالْعُسُولِ، لا الْخُلُولِ، والأَنْبِذَةِ.
قوله: (وذُو زَيْتٍ كَفُجْلٍ) مما اندرج فيه الكتان، وقد قال ابن عرفة: وفِي كون بزر الكتان ربويًا رواية زكاته، ونقل اللَّخْمِيّ عن ابن القاسم: لا زكاة فيه إذ ليس بعيش. القرافي: وهو ظاهر المذهب. انتهى (٣)، ثم قال بعد بنحو خمسة أوراق قال ابن حارث: اتفقوا فِي كل زيت يؤكل أنه ربوي وأجاز ابن القاسم التفاضل فِي زيت الكتان؛ لأنه لا يؤكل وقال أشهب: لا يباع قبل قبضه.
المارزي: قال بعض أشياخي: إن دهن اللوز غير ربوي؛ لأنه لا يستعمل غالبًا عندنا إِلا دواءً (٤) وهو بعيد عن أصل المذهب، لأن بعض القوت والإدام يترك أكلها لغلائها، ودهن الورد والياسمين والبنفسج ونحوها، إنما يتخذ دواء فتخرج عن حكم الطعام عند بعض أشياخي.
_________________
(١) في أصل المختصر: (الدِّخَار)، والمثبت في المطبوعة، وغالب الشروح.
(٢) في أصل المختصر: (كحب).
(٣) انظر الذخيرة، للقرافي: ٧٥، ٧٦.
(٤) في (ن ٢): (إلا دواء عندنا).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ابن عرفة: ما ذكره عن بعض أشياخه هو نصّ اللَّخْمِيّ، وقولهما فِي زيت الورد ونحوه يقتضي عدم وقوفهما عليه للمتقدمين. وفي رسم أسلم، من سماع عيسي، من ابن القاسم، من كتاب السلم والآجال: لا يعجبني الزنبق والخيري (١) بعضه ببعض إلى أجل متفاضلًا؛ لأن منافعه واحدة. ابن رشد: هذه أدهان حكم لها بحكم [الصنف] (٢) الواحد على أصله فِي مراعاة المنافع دون الأسماء (٣).
والأَخْبَازِ، ولَوْ بَعْضُهَا قُطْنِيَّةً إِلا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ، وبَيْضٍ، وسُكَّرٍ، وعَسَلٍ.
قوله: (والأَخْبَازِ، ولَوْ بَعْضُهَا قُطْنِيَّةً) هذا المشهور عند ابن رشد وهو خلاف قول ابن جماعة: وأخبازها كأصولها.
ومُطْلَقِ لَبَنٍ، وحُلْبَةٍ وهَلْ إِنِ اخْضَرَّتْ؟ تَرَدُّدٌ. ومُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ، وبَصَلٍ، وثُومٍ وتَابِلٍ كَفُلْفُلٍ، وكُزْبَرَةٍ، وكَرَاوِيَا، وآنِيسُونٍ، وشَمَارٍ، وكَمُّونَيْنِ - وهِيَ أَجْنَاسٌ.
قوله: (ومُطْلَقِ لَبَنٍ) هذا المعروف من المذهب، وقال اللَّخْمِيّ فِي كتاب السلم الثالث: يُختلف فِي بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلا لأنهما لا يدخران، [فمن منع] (٤) التفاضل بينهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره مما تقدم ذكره؛ لأنه كالرطب باليابس، ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب وغيره. وقال مالك فِي " المدوّنة ": ولا بأس بالسمن باللبن الذي قد أخرج زبده (٥)، وهذا لا يصح إِلا على القول أن التفاضل بينهما جائز؛ لأنه كالرطب باليابس، وأرى أن يجوز التفاضل فِي المخيض بالمضروب؛ لأنه مما لا يدخر، ومن منع ذلك حمله على الأصل، والاختلاف فيه كالاختلاف فِي التين [والعنب] (٦) الشتوى هل
_________________
(١) الزنبق: دهن الياسمين، انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٠/ ١٤٦، والخيري نبات أصفر له دهن.
(٢) في (ن ١): (المصنف).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ١٤٣.
(٤) في (ن ١): (فمنع).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٨١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٠٥.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
يمنع التفاضل فيه ويحمل على الغالب من جنسه أو يجوز لأنه لا يدخر فِي نفسه، وذكر المازري أخذ هذا من " المدونة " ولم يتعقبه.
وقال ابن بشير فِي كتاب التنبيه: ذكر اللَّخْمِيّ أن المذهب اختلف فِي اللبن المخيض، ولا نجد ذلك فِي المذهب؛ لأن اللبن مقتات وإن لَمْ يدخر [فدوامه كادخاره، والدليل عليه أنه لَمْ يختلف المذهب [٦٨ / أ] أن الربا جار (١) فِي لبن الإبل وإن لَمْ يعمل منه ما يدخر] (٢)، وإنما هذا لأنه متكرر الوجود، فأشبه ما يدخر للقوت، وإن اعتذر بأن لبن الإبل يعمل منه المصل (٣)، وهو مدخر فهذا غير صحيح؛ لأن المصل صورة نادرة، وأَيْضًا فإنه لا يدخر للقوت بل للتصرف فِي الطبخ كالأباريز.
ولما ذكر ابن شاس ما أخذ اللَّخْمِيّ من " المدونة "، قال: قال أبو الطاهر: فيما عوّل عليه نظر، ولعلّ قوله فِي " المدونة " مبني على أن السمن صيرته النار والصنعة جنسًا آخر (٤)، ولما ذكر ابن الحاجب تخريج اللَّخْمِيّ قال تبعًا لابن شاس: ورده ابن بشير بأن السمن نقلته الصنعة والنار، ثم زادوهما فإن بعده، فأما بلبن فيه زبد فلا (٥).
ابن عبد السلام: هذا الذي ردّ به على ابن بشير فِي غاية الظهور، إذ لو كانت النار والصنعة ناقلتين فِي هذا الموضع لجاز بيع الزبد بالسمن، وبيع اللبن الذي فيه زبد بالسمن؛ لحصول الصنعة والنار فِي السمن، وأما رده على اللَّخْمِيّ فقلق، وإنما يتوجه عليه الردّ أن لو كان تخريج اللَّخْمِيّ فِي كلّ لبن مضروب أو غير مضروب، فأما إذا كان تخريجه فِي المضروب وحده فإنه لا يتناوله أصلًا. انتهى.
وتكلّف فِي " التوضيح " له توجيهًا بعيدًا (٦). وقال: ابن عرفة: توهيم ابن الحاجب ابن
_________________
(١) في (ن ١): (جاز).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ١): (المصلى).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٥٧.
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٤٥.
(٦) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٧٩، ٢٨٠.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
بشير بما ذكر من لفظ " المدونة " بيّن، ويجاب بأن مراده بالصنعة مجموع المخض، وما بعده لا ما بعده فقط. وتوهيمه اللَّخْمِيّ وهم. انتهى. وبقيت فيها مباحث (١) بين ابن عبد السلام وابن عرفة، فشأنك بها إن وجدت المكان والإمكان، ومساعدة المذاكرين الأعيان.
لا خَرْدَلٍ، وزَعْفَرَانٍ، وخُضَرٍ (٢)، ودَوَاءٍ، وتِينٍ، ومُوزٍ، وفَاكِهَةٍ ولَوِ ادُّخِرَتْ بِقُطْرٍ.
قوله: (لا خَرْدَلٍ، وزَعْفَرَانٍ، وخُضَرٍ، ودَوَاءٍ، وتِينٍ) أما الخردل والخضر فما فيهما معروف، وأما الزعفران فقال ابن عرفة: قال ابن سحنون: اتفق العلّماء أن الزعفران جائز بيعه قبل استيفائه، ونقله ابن يونس بلفظ: أجمع العلّماء أنه ليس بطعام.
وفي " تهذيب الطالب " قال عبد الحقّ: رأيت لابن سحنون من منع سلف زعفران فِي طعامٍ لأجل: يستتاب، فإن لَمْ يتب ضربت عنقه؛ لإجماع الأمة على إجازته (٣)، فسألت أبا عمران عن ذلك؟ فقال: إن ثبت عنده ذلك الإجماع بخبر الواحد لَمْ يستتب، وإن ثبت له بطريق يحصل له العلم فذلك يستتاب.
ابن عرفة: الصحيح أن الإجماع الذي يستتاب منكره ما كان قطعيًا، وهو ما بلغ عدد قائله عدد التواتر، ونقل متواترًا على خلافٍ فيه.
ثالث الأقوال: إن كان نحو العبادات الخمس، وما نقلوه من الإجماع فِي الزعفران لَمْ أجده فِي كتب الإجماع، ومن أوعبها كتاب الحافظ أبي الحسن بن القطان، ووقفت على نسخةٍ منه بخطه فلم أجده فيها بحال.
وأما الدواء فكالصبر والشاهترج (٤)، ومعناه بالعجمية: سلطان العشب، [قيل] (٥): وهو المسمى عندنا بقول الصيب.
_________________
(١) في الأصل: (مباحيث).
(٢) في أصل المختصر: (وخضر وحس).
(٣) زاد في (ن ٢): (سلفة).
(٤) في الأصل، و(ن ١): (والشاهطرج).
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ١)، و(ن ٢)، وفي (ن ٣): (وقيل).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وفي " النوادر " قال ابن القاسم فِي حب الغاسول: ليس بطعام وإن كان تأكله الأعراب إذا أجدبوا. وفِي " النوادر " عن ابن حبيب: الحرف دواء، ويجوز بالحلباء إلى أجل متساويًا ومتفاضلًا. انتهى. والحرف هو حبّ الرشاد، وفيه قوة حتى قالوا: اسقه الحرف وألقه من الجرف (١). وقال ابن عرفة من عند نفسه: النارنج غير طعام، والليم طعام.
وأما التين فالبحث فيه معروف، ولكن وقع فِي آخر سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال: قال أصبغ: لا بأس ببيع ذكار (٢) التين بالتين إلى أجل متفاضلًا وغيره، وهو مثل النوى بالتمر (٣). ابن رشد: هذا صحيح؛ لأن الذكار لا يؤكل بحال، فحكمه حكم العرض باتفاق (٤). وأمّا التمر بالنوى فاختلف فيه قول مالك؛ من أجل ما فِي التمر من النوى، فأجازه مرة وكرهه مرة وفصّل مرة بين النقد والآجل وشبهه أصبغ به على مذهبه.
وكَبُنْدُقٍ، وبَلَحٍ إِنْ صَغُرَ، ومَاءٍ. وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ لأَجَلٍ، والطَّحْنُ، والْعَجْنُ، والصَّلْقُ إِلا التُّرْمُسَ، والتَّنْبِيذُ لا يَنْقُلُ، بِخِلافِ خَلِّهِ.
قوله: (وكَبُنْدُقٍ) لا يخفى اندراج الجوز ونحوه تحت هذه الكاف، وأما البلوط فقال سند ابن عنان: يختلف فيه، [على] (٥) الخلاف فيما يدّخر نادره، وقبله ابن عرفة.
وطَبْخِ لَحْمٍ بِأَبْزَارٍ، وشَيِّهِ، وتَجْفِيفِهِ بِهَا، والْخُبْزِ، وقَلْيِ قَمْحٍ وسَوِيقٍ.
قوله: (وطَبْخِ لَحْمٍ بِأَبْزَارٍ) (الأبزار) بفتح الهمزة جمع بزر، فيدخل فيه سائر التوابل السابقة، قال اللَّخْمِيّ: قال ابن حبيب فِي القديد والمشوي بيع أحدهما بالآخر [٦٨ / ب]
_________________
(١) في (ن ٢): (من الجوف).
(٢) في البيان والتحصيل، لابن رشد: بالدال المهملة، وهي في النوادر والزيادات بالذال المعجمة: ٦/ ٢١،، ولم أعثر لها على معنى بالإهمال أو الإعجام، إلا أنها أشبه بأن تكون معجمة لا مهملة، وقد ذكرها صاحب التاج والإكليل عن ابن القاسم بالذال، ونقلها عن أصبغ هو الصحيح.
(٣) في (ن ١): (في الثمر)، وفي (ن ٣): (بالثمر).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٣٤.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أو بالنيئ مثلًا بمثل لا يجوز؛ لأنه رطب بيابس (١)، وهذا (٢) إذا كان لا أبزار فيهما أو فيهما أبزار، فإن كان الأبزار فِي أحدهما جاز مثلًا بمثل ومتفاضلا. قال ابن حبيب: وذلك إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها النفقة (٣)، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا. قال ابن عرفة: فإن أضيف إلى الماء والملح بصل فقط أو ثوم - فكان بعض شيوخنا يراه معتبرًا وهو مقتضى (٤) آخر كلام ابن حبيب خلاف مقتضى أوله.
وسَمْنٍ، وجَازَ تَمْرٌ، ولَوْ قَدُمَ بِتَمْرٍ، وحَلِيبٌ، ورُطَبٌ، ومَشْوِيٌّ. وَقَدِيدٌ، وعَفِنٌ، وزُبْدٌ وسَمْنٌ.
قوله: (وسَمْنٍ) عدّ السمن فيما نقلته الصنعة كالجنوح إلى قول ابن بشير وقد تقدّم ما فيه عند قوله: (ومطلق لبن)، وقد عرفت قوله فِي كتاب: السلم الثالث من " المدونة ": ويجوز السمن بلبن أخرج زبده، فأما بلبن فيه زبده فلا يجوز (٥). وعليه يحوم المصنف، إِلا أنّ جعله السمن منخرطًا فِي سلك المنقولات بالصنعة يعطي جواز السمن بلبنٍ فيه زبدة، بل وبالزبد وليس كَذَلِكَ، وقد ينفصل عنه بجواب ابن عرفة عن توهيم ابن بشير فراجعه. وبالله تعالى التوفيق.
وَجُبْنٌ وأَقِطٌ بِمِثْلِهَا.
قوله: (وجُبْنٌ وأَقِطٌ بِمِثْلِهَا) فِي " النوادر ": قال ابن حبيب: والجبن كلّه صنف بقريه وغنميه لا يجوز فيه التفاضل، ولا رطبه بيابسه (٦).
كَزَيْتُونٍ، ولَحْمٍ، لا رَطْبِهِمَا بِيَابِسِهِمَا، ومَبْلُولٍ بِمِثْلِهِ.
قوله: (كَزَيْتُونٍ، ولَحْمٍ، لا رَطْبِهِمَا بِيَابِسِهِمَا) كذا فِي أكثر النسخ بتثنية الضميرين، فيكون لفظ رطبهما مجرورًا عطفًا على ما بعد الكاف، وهو الجاري على اصطلاحه فيما بعد
_________________
(١) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (يابس).
(٢) في الأصل: (وهل).
(٣) في (ن ٢): (المنفعة).
(٤) في (ن ١): (ما اقتضى).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٨١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٠٥.
(٦) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٦/ ١٨.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
كاف التشبيه، وهو أَيْضًا مناسب لعبارة ابن الحاجب، وفِي بعض النسخ (لا رطبهما بيابسها) بضمير المؤنث العائد على أكثر من اثنين، فيدخل فيه رطب الجبن بيابسه كما تقدّم، والرطب بالتمر كما يأتي وحينئذ يقلق الكلام؛ لأنك إذا عطفت لفظ رطبها على ما بعد الكاف لَمْ يطابقه، وإذا عطفته على المرفوعات قبل الكاف خرج الزيتون واللحم، وإليهما انصبّ معظم القصد، لكن يمكن أن يجعل رطبها فاعلًا بمحذوف من باب عطف الجمل، وفيه تكلّف فكان الضبط الأول أولى.
فأما الزيتون، ففي رسم أوصي أن ينفق على أمهات أولاده (١)، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، قال ابن رشد: بيع الزيتون الغضّ الطري بالزيتون الذي قد ذبل وعلم أنه قد نقص كيلًا بكيل، لا خلاف أنه لا يجوز (٢). وذكر ابن الحاجب فِي رطبه بيابسه بتحري النقص قولين (٣)؛ فقال ابن عرفة: لَمْ أجد من ذكر القولين نصًا فيه، وتخريجهما (٤) من غيره واضح. انتهى.
[وو قول] (٥) صاحب " التوضيح " وَمن تبعه: القَوْلانِ فِي " المدونة " وهم (٦)، وأما اللحم فقال فِي " المدونة ": ولا خير فِي اللحم النيء الغريض بقديد يابسٍ أو مشويٍ، لا متساويًا ولا متفاضلًا، وإن تحرى؛ [إذ لا يحاط] (٧) بتحريه، وإلى هذا رجع مالك وهو أحبّ قوليه إليّ، بعد أن كان أجازه تحريًا (٨). وجعل اللَّخْمِيّ شرط بيع اللحم بمثله من جنسه، كون الذبح [فيهما] (٩) فِي وَقتٍ وَاحد أو متقارب، قال: فإن بعدا أو جفّ الأول لَمْ
_________________
(١) في (ن ١): (الأولاد).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٣٩٥، ٣٩٦.
(٣) قال ابن الحاجب: (وو يجوز الزيتون بمثله اتفاقًا كاللحم باللحم واختلف في رطبهما بيابسهما بتحرى النقص)
(٤) في (ن ١): (وتخريجها).
(٥) في (ن ٣): (وقال).
(٦) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٩٧.
(٧) في (ن ١): (إلى لا يماط).
(٨) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١١٠، ١١١.
(٩) في (ن ١): (فيها).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
يجز وَزنًا ويختلف فيه على تحري النقص، ويجوز تفضلًا من ربّ الأول إن لَمْ يكن أدنى كالدنانير الناقصة بالوازنة. ابن عرفة منع قطع الدنانير صيّر وزنه كجودته، وقطع اللحم متيسر.
تكميل:
قال اللَّخْمِيّ: لا يجوز الرطب بالتمر مثلا بمثل، ويختلف إذا تحريا نقص الرطب إذا جفّ، وقد اختلف قول مالك فِي بيع الطري من اللحم باليابس على التحرّي، وفِي العجين بالدقيق على التحرّي، وأجاز فِي كتاب محمد رطب الخبز بيابسه على التحري، والمنع فِي جميع ذلك أحسن؛ لأن الفضل فِي ذلك محرّم وإن قلّ، والتحرّي لا يأتي على حقيقة المماثلة، وقد ذكر ابن بشير تخريج اللَّخْمِيّ وقال: ليس كما ظنّه؛ فإن الرطب حالة كماله اليبس، وله يراد، واللحم حال كماله الرطوبة، واليبس تغّير [عن] (١) كمال؛ فلذا ألغي فِي أحد القولين، والعجين دقيق أضيف إليه شيء فجاز بيعه بالدقيق، وقبله ابن عبد السلام.
وحاصله التفريق بأن الرطوبة فِي اللحم كمال لا اليبس، وفِي التمر على العكس وكون هذا ردًّا للقياس لا ينهض بل يردّ بأن نفس الرطب من اللحم قد يعود يابسًا، فالتحرّي فيه قريب الصدق لإمكان تجربته طريًا ويابسًا، وعين الرطب لا تصير تمرًا فلا تمكن تلك التجربة (٢) فيه، وبأنه قياس فاسد الوضع؛ لأنه فِي معرض النص وتقدّم نحو هذا فِي شحم الميتة.
ولَبَنٍ بِزُبْدٍ، إِلا أَنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ. واعْتُبِرَ الدَّقِيقُ فِي خُبْزٍ بِمِثْلِهِ كَعَجِينٍ بِحِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ. وجَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ.
قوله: (ولَبَنٍ بِزُبْدٍ، إِلا أَنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ) لو قال ولبن بزبد أو سمن وأسقط ذكر السمن من المنقولات [٦٩ / أ] السابقة لكان أسعد بموافقة " المدونة " (٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٢) في (ن ١): (التحرية).
(٣) قال في المدونة: (وو يجوز السمن بلبن أخرج زبده، فأما بلبن فيه زبد فلا يجوز) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٨١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٠٥.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فائدة: أنشد الشيخ أبو الحسن الصغير لبعضهم:
السَّمْنُ والزُّبْدُ والأَجْبَانُ والْأَقِطُ فَالسَّمْنُ بِالزُّبْدِ كُلٌّ لا يَجُوزُ مَعَا
وَالْجُبْنُ بِالأَقِطِ الْمَذْكُورِ بَيْعُهُمَا مُمَاثِلًا ذَاكَ عِنْدِي لَيْسَ مُمْتَنِعَا
إن الْحَلِيبَ بِهَذَا الْكُلِّ مُمْتَنِعٌ وبِالضَّرِيبِ مُبَاحٌ مَا قَدْ امْتَنَعَا
أَمَّا الْحَلِيبُ فَبِالْمَضْرُوبِ بِعْهُ ولا تَبْغِ الزِّيَادَةَ فِي شَيْءٍ فَيَمْتَنِعَا
قال: وما ذكره من جواز بيع الجبن بالأقط متماثلا جاز على مفهوم كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أما الجبن بالمضروب ففيه اختلاف فمن أجازه فعنده أنه لا يمكن أن يخرج من المضروب جبن بحال، ومن كرهه أمكن أن يخرج منه الأقط عنده، والجبن بالأقط لا يجوز التفاضل فيه فظاهره جواز التماثل فيهما خلاف قول اللَّخْمِيّ: لا يجوز بيع شيء من هذه بالآخر. انتهى.
ولو قال بدلًا من البيتين الأولين:
السَّمْنُ والزُّبْدُ والأَجْبَانُ مَعَ أَقِطٍ لا تبتعن بعضها بالبعض إذ منعا
والجُبْن إن بِعْتَهُ بالمثْلِ منْ أَقِطٍ فَلا يَرَاهُ أَبُو اسْحَاقَ مُمْتَنِعَا
لكان أتمّ وأعمّ، وأسلم من العيب المسمى بالإشارة إلى التصريح، وهو عند أرباب القوافي قبيح جدًا كالوهم والخطأ على ما ذكرنا فِي ذيل (الخزرجية).
وهَلْ إِنْ وُزِنَا؟ تَرَدُّدٌ. واعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ، وإِلا فَبِالْعَادَةِ، فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي إِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَحَرِّيهِ لِكَثْرَتِهِ.
قوله: (وهَلْ إِنْ وُزِنَا؟ تَرَدُّدٌ) قال ابن عبد السلام: لما ذكر ابن القصار قولي مالك فِي بيع القمح بالدقيق جمع بينهما بأن القول بالجواز محمول على الوزن، وأن القول بالمنع محمول على الكيل، وهذا الجمع غير صحيح؛ لأن قائله فسّر قول مالك بما نصّ مالك على خلافه؛ وذلك أن مالكا قال فِي كتاب: الصرف من " المدونة " أنه لا يباع القمح وَزنًا (١)، فإذا لَمْ
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٢١.
[ ٢ / ٦٣١ ]
يجز بيعه بالدراهم ونحوها مما هو مخالف لجنسه خشية الوقوع فِي الغرر؛ لأنه عدل به عن غير مكياله، فكيف يجوز بيعه وَزنًا بما يمتنع التفاضل بينه وبينه وهو دقيقه.
وذكر ابن عرفة نحو هذا عن بعض شيوخه وقال: كنت أجيبه بأنه فِي البيع غرر؛ لأن المعروف فيه الكيل والموزون منه مجهول القدر، فيؤدي إلى جهل قدر المبيع، وفِي المبادلة بين القمحين إنما المقصود اتخاذ قدر ما يأخذ وما يعطي، وهو حاصل فِي الوزن؛ ولذا أجازه اللَّخْمِيّ إذا كانت المماثلة تجوز بالكيل والوزن.
تنبيه:
ذكر الباجي عن " الموازية ": أن القمح بالدقيق يجوز بالرّزم كيلًا قال القباب: يعني أن الدقيق يرزم فِي المد، ويظهر أن هذا القول مشكل لاختلاف الرزم، وقد منعوا الكيل رزمًا [للغرر فِي البيع] (١) فكيف بهذا؟. انتهى. وقد سبق ابن عبد السلام لاستشكاله فقال: وفيه نظر؛ لأن البيع بالرزم مكروه، ولو كان بالمخالف فِي الجنس فكيف بهذا؟ وقال ابن عرفة: إن أراد ابن عبد السلام كراهة تنزيه فهو تمسك منه بظاهر سماع ابن القاسم تركه أحبّ إليّ، وابن رشد حمله على الوجوب. قال: وكذا وجدته هنا رزمًا بزاي بعد الراء، ويحتمل كون اللفظة (ردمًا) بدال بعد الراء، والردم السدّ قاله الجوهري، فيكون مطلق الصب (٢).
_________________
(١) في (ن ١): (في الغرر للبيع).
(٢) قلت: وفي لسان العرب: (رَزَمَ الشيء يَرْزِمه ويرزمه رَزْمًا ورَزَّمه: جمعه في ثوب، وهي الرِّزْمة أَيضًا لما بقي في الجُلَّةِ من التمر، يكون نصفها أَو ثلثها أَو نحو ذلك. وفي حديث عمر: أَنه أَعطى رجلًا جَزائرَ وجعل غرائرَ عليهن فيهن من رِزَمٍ من دقيق، قال شمر: الرِّزْمة قدر ثلث الغِرارة أَو ربعها من تمر أَو دقيق. قال زيد ابن كَثْوة: القَوْسُ قدر ربع الجُلَّة من التمر، قال: ومثلها الرِّزْمة. ورازَمَ بين ضَرْبين من الطعام)، انظر: لسان العرب: ١٢/ ٢٣٨، ورزم الشيء جمعه، فعلى هذا فلفظة الرزم أشبه هنا من الردم التي رجّحها ابن عرفة، وأقرّه عليها المؤلف، والسماع المذكور في: البيان والتحصيل، كتاب البيوع، من سماع ابن القاسم، من رسمٍ أوله أخذ يشرب خمرًا.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
[باب البيوع المنهي عنها]
وفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إِلا بِدَلِيلٍ كَحَيَوَانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ، إِنْ لَمْ يُطْبَخْ، أَوْ بِمَا لا تَطُولُ حَيَاتُهُ، أَوْ لا مَنْفَعَةَ فِيهِ، إِلا اللَّحْمَ، أَوْ قَلَّتْ فَلا يَجُوزُ إِنْ بِطَعَامٍ لأَجَلٍ كَخَصِيِّ ضَأْنٍ، وكَبَيْعِ الْغَرَرِ كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا، أَوْ عَلَى حُكْمِهِ، أَوْ حُكْمِ غَيْرِهِ، أَوْ رِضَاهُ وتَوْلِيَتِكَ سِلْعَةً لَمْ تَذْكُرْهَا، أَوْ ثَمَنَهَا بِإِلْزَامٍ، وكَمُلامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ، فَيَلْزَمُ، وبَيْعِ الْحَصَاةِ.
قوله: (بِإِلْزَامٍ) ينبغي أن يكون منطبقًا على قوله: (كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا) وما عطف عليه.
وهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتَهَاهَا.
قوله: (وهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتَهَاهَا؟) أي: بيع منتهى الحصاة من الأرض.
أَوْ يَلْزَمُ بِوُقُوعِهَا أَوْ عَلَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ بِلا قَصْدٍ.
قوله: (أَوْ يَلْزَمُ بِوُقُوعِهَا أَوْ عَلَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ بِلا قَصْدٍ) نفي القصد يرجع لهذين التأويلين معًا.
أَوْ بِعَدَدِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ؟ تَفْسِيرَاتٌ، وكَبَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الإِبِلِ أَوْ ظُهُورِهَا، أَوْ إِلَى أَنْ يُنْتَجَ النِّتَاجُ - وهِيَ الْمَضَامِينُ والْمَلاقِيحُ - وحَبَلُ الْحَبَلَةِ، وكَبَيْعِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، ورَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ، أَوْ بِمِثْلِهِ، إِنْ عُلِمَ. [٤٨ / ب] وَلَوْ سَرَفًا عَلَى الأَرْجَحِ ورُدَّ، إِلا أَنْ يَفُوتَ.
قوله: (أَوْ بِعَدَدِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ) عبّر عن هذا فِي " المعلم " بأن يقول: ارم بالحصاة، فما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير، وكذا نقله فِي " الإكمال " وفِي " إكمال الإكمال " وعبارة اللَّخْمِيّ، وقيل: كان الرجل يضرب بالحصاة فما خرج كان له من الدنانير والدراهم (١) مثله قال: وهذا التأويل أبينها (٢)؛ لأنه مجهول.
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (أو الدراهم).
(٢) في (ن ٢): (أبينهما)، وفي (ن ٣): (بينهما).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وكَعَسِيبِ الْفَحْلِ يُسْتَأْجَرُ عَلَى عُقُوقِ الأُنْثَى. وجَازَ زَمَانٌ أَوْ مَرَّاتٌ، فَإِنْ أَعَقَّتِ انْفَسَخَتْ، وكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ [يَبِيعُهَا] (١) بِالإِلْزَامِ بِعَشْرَةٍ نَقْدًا، أَوْ أَكْثَرَ لأَجُلٍ أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ [بِثَمَنٍ وَاحِدٍ] (٢) إِلا لِجَوْدَةٍ ورَدَاءَةٍ، وإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا.
قوله: (عَلَى عُقُوقِ الأُنْثَى) المعروف فِي اللغة: إعقاق. بصيغة الرباعي وكذا أعقت (٣).
لا طَعَامٍ وإِنْ مَعَ غَيْرِهِ كَنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلاتٍ، إِلا الْبَائِعَ يَسْتَثْنِي خَمْسًا مِنْ جِنَانِهِ، وكَبَيْعِ حَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ، واغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ وكَمُزَابَنَة مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ.
قوله: (لا طعام (٤» أشار به لقوله آخر كتاب: الخيار من " المدونة ": وأما الطعام فلا يجوز أن يشتري منه على أن يختار (٥) من صبر (٦) مصبرة أو من نخيل أو شجر مثمر عددًا يسمّيه اتفق الجنس أو اختلف أو كذا وكذا عذقًا من هذه النخلة [٦٩ / ب] يختارها المبتاع ويدخله التفاضل فِي بيع الطعام من صنفٍ وَاحد مع بيعه قبل قبضه إن كان على الكيل؛ لأنه يدع هذه وقد ملك اختيارها ويأخذ هذه وبينهما فضل فِي الكيل، ولا يجوز فيه التفاضل؛ وكَذَلِكَ إن اشترى منه عشرة آصع محموله بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام لَمْ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) قلت: تعقب الشراح بعضهم بعضًا في هذا الموطن، فقال بعضهم هي بفتح أولها، وقال بعضهم بضمها وقد جاء في لسان العرب: (العَقُوق من البهائم: الحامل، وقيل: هي من الحافر خاصةً، والجمع عُقُقٌ وعِقاق، وقد أَعَقَّتْ وهي مُعِقّ وعَقُوق، فمُعِقّ على القياس، وعَقوق على غير القياس، ولا يقال مُعِقّ إِلا في لغة رديئة. . . وكل انشقاق فهو انْعِقاقٌ. . . وقال أَبو حاتم في الأَضداد: زعم بعض شيوخنا أَن الفرس الحامل يقال لها عَقوق، ويقال أَيضًا للحائل عَقوق. . . وفي الحديث: " من أَطْرَقَ مسلمًا فعَقَّتْ له فرسُه كان لَهُ كأَجر كذا "؛ عَقَّتْ أَي حَمَلت. والإِعْقاقُ بعد الإِقْصاصِ، فالإِقْصاصُ في الخيل والحمر أَوَّل الحَمْلِ، ثم الإِعْقاقُ بعد) انظر: لسان العرب: ١٠/ ٢٥٩،، والحديث (أورده أبو بكر الشيباني في الأحاد والمثاني من حديث أبي كبشة الأنماري، برقم (١٢٨٢). ٢/ ٤٧٨. وانظر: حاشية الدسوقي: ٣/ ٥٨، ومواهب الجليل، للحطاب: ٤/ ٣٦٤، وشرح الخرشي: ٥/ ٣٨٧،، وانظر: تفصيل العدوي في شرحه على الخرشي: ٥/ ٣٨٧.
(٤) في (ن ١): (إطعام).
(٥) في (ن ٢): (خيار).
(٦) في (ن ٢)، و(ن ٣): (صبره).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
يجز، ويدخله ما ذكرنا وبيعه قبل قبضه، وكَذَلِكَ هذا القمح عشرة بدينار وهذا التمر عشرة بدينار إلزامًا، ويدخله بيعه قبل قبضه وهو من بيعتين فِي بيعة (١).
وفي " التقييد ": هنا تنبيهان جيدان:
أحدهما: أن تعليله بالتفاضل يدل على أنه إنما تكلّم على الربوي خاصة، وأما غيره فإن اشتراه جزافًا وَجده مكانه جاز إذا تبين الفضل، وإن كان على العدد جاز إذا كان على غير الإلزام، وإن كان على الإلزام لَمْ يجز؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه، فعلى هذا من أراد الخروج من الخلاف فِي شراء الخضرة فليتخيّر ما يأخذ وحينئذ يبتاعه إذ يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه مما يعد على القول أن بيع الطعام قبل قبضه يدخل فيما لا يدخر، وأما المزابنة (٢) فمنتفية ليسارة القبضة، وإنما يدخل ذلك فِي الأحمال فتأمله.
الثاني: أن المفهوم من قوله: فِي عشرة محمولة وتسعة سمراء لَمْ يجز؛ أنهما لو تساويا فِي الكيل لجاز، وعلى ذلك حملها فضل. وقال: إن فيه لمغمزًا؛ لأن الطعام بالطعام لا يجوز فيه خيار ساعة. وقبله عبد الحقّ فِي " التهذيب " قال: وليس يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه لو أسلم فِي محموله جاز أن يأخذ سمراء مثل الكيل بعد الأجل وهو بدل.
وقال ابن حبيب: إن ذلك لا يجوز. قال الباجي: وعلته بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن هذا بيع ليس باقتضاء، فيلزم على التعليل بالتأخير إذا اختلفت الأجناس أو كان مما يجوز فيه التفاضل أن يمنع لعدم المناجزة. قال أبو عمران: إِلا أن يكون فِي فور واحد فيجوز. انتهى.
قلت: إنما يصحّ هذا فِي الجنس الواحد مما يجوز فيه التفاضل فأما إذا اختلفت الأجناس فلا يجوز بحال كالثياب، ثم قال فِي " التقييد ": ونحوه قول أبي اسحاق: لو
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٩٨، ١٩٩، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ١٩٩ وما بعدها.
(٢) المزابنة: (المُزابنة: بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر كيلاَ وكذلك كل ثمر بيع على شجره بثمر كيلاَ، وإِنما نهى عنه لأَن الثمر بالثمر لا يجوز إِلا مثلًا بمثل، فهذا مجهول لا يعلم أَيهما أَكثر؛ ولأَنه بيع مُجازفة من غير كيل ولا وزن، ولأَن البَيِّعَيْن إِذا وقفا فيه على الغَبْن أَراد المغبون أَن يفسخ البيع وأَراد الغابن أَن يُمْضيه فَتزابَنا فتدافعا واختصما) انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٣/ ١٩٥.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
كان مدان من حنطة يأخذ أحدهما قد وَجب عليه ولا فضل فِي صفة أحدهما على الآخر - لكان خفيفًا إذا لَمْ يتراخ (١) فِي ذلك؛ لأنه إذا تراخى يصير خيارًا فِي بيع [بعض] (٢) أحد الطعامين بصاحبه فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز الخيار فِي الصرف ولا فِي المراطلة. انتهى.
وقال ابن عرفة: قال ابن الكاتب (٣): معنى رواية ابن حبيب إن تأخر الاختيار عن وَقت العقد. قال ابن عرفة: إن روعي مانع التأخير وَجب كون معناها إن عقدا على عدم تنجيز الاختيار، وبحث فِي قول فضل، وزاد عن التونسي: إن كان الاختيار فِي آحاد طعام يجوز فيه التفاضل كالقثاء لَمْ يدخله إِلا الغرر إن اختلفت كالثياب أو التراخي فِي بيع طعام بآخر لا بيع طعام قبل قبضه، وذكره المازري غير معزو. انتهى.
وفِي رسم شكّ من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: وسئل مالك عن التين يباع كيلًا أو وزنًا وهو أخضر، فيريد أن يبدله من صاحبه بغيره قبل أن يقبضه؟ قال: لا خير فيه. قلت: فالبطيخ يباع كَذَلِكَ أترى أن يبدله بغيره؟ قال هو مثله لا خير (٤) فيه.
قال ابن رشد: المعنى فِي هذه المسألة أنه أراد أن يبدله بأكثر من صنفه أو من غير صنفه [أو بمثله من غير صنفه] (٥) فذلك (٦) لا يجوز؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى، ولو أبدله من صنفه بمثله قبل أن يقبضه لجاز؛ لأنه بدل المثل، ولو قبضه لجاز بدله بغير صنفه أكثر أو أقل ولا يجوز بصنفه إِلا مثلا [بمثل] (٧).
فأما البطيخ فيجوز إذا قبضه أن يبدله بصنفه وبغير صنفه متفاضلًا باتفاق؛ لأنه مما لا يدخر أصلا، وكذا سائر الفواكه التي لا تدخر إِلا نادرًا على المشهور فِي المذهب، وكَذَلِكَ
_________________
(١) في الأصل: (يتارخ).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
(٣) في الأصل، و(ن ٤): (كنانة).
(٤) في (ن ١): (جبر).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (فكذلك).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
لو قبض بعض ما اشترى منه من التين، ثم أراد أن يأخذ بالبقية (١) غير التين أو صنفًا آخر من التين أو أقل أو أكثر لَمْ يجز، ولو أراد أن ينتقل من صنفٍ إلى صنف آخر قبل أن ينبرم البيع بينهما وهما فِي حال التراوض لجاز (٢)، وبعده فِي رسم حلف من السماع نفسه: وسئل مالك عمن اشتري بدينار قمحًا، فاكتال نصفه، ثم سأله أن يعطيه بالنصف الباقي زيتًا أو عدسًا؟ فقال: لا خير فيه.
قال ابن القاسم: لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفي. قال فِي قول مالك: وإن كان شعيرًا وأخذ مثل كيله فلا بأس به (٣).
قال أبو العباس القباب: القمح والشعير عنده (٤) صنف واحد، فهو كمن وَجب له قمح طيب فسمح فأخذ (٥) منه رديًا (٦)؛ فلهذا أجازه. انتهى.
وتقدّم [٧٠ / أ] قول عبد الحقّ، وقد ضبط ابن عرفة هذا الفصل فقال: وشراؤه الطعام على الاختيار لزوما لا يجوز فِي غير متماثلين مُطْلَقًا ولا فيهما ربويين جزافًا ولا كيلا إن اختلف قدره، ثم استشهد بنصّ " المدونة " السابق ثم قال: وشاهدت فتوى شيوخ شيوخنا أن شراء العنب من البائع الذي بعض عنبه أسود وبعضه أبيض: إنما يجوز إن عين المشتري الأخذ من أحدهما، وكذا شراء التين من البائع المختلف تينه، محتجًا بما تقدّم من نصّ " المدونة " وغيرها.
وأفتيت بجواز ذلك؛ لأن المنع المذكور إنما هو فيما بيع على الإلزام حسبما مرّ، وبياعات أهل زماننا فِي الأسواق إنما هي بالمعاطاة؛ فهي منحلّة قبل قبض المبيع، ولا يعقدونها بالإيجاب والقبول اللفظي بحال، ويؤيد ما قلته سماع القرينين، يعني فِي رسم
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (البقية).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٨١.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٧٦.
(٤) في (ن ١): (عندي).
(٥) في (ن ٣): (يأخذ).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (دينًا).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
البيوع، من جامع البيوع، سئل مالك، فقيل له: جئت إلى صاحب فاكهة فأعطيته درهمًا، وقلت له: أعطني رطبًا، فلما دفعت إليه الدرهم بدا لي فقلت له: أعطني نصفه بطيخًا ونصفه تينًا؟ قال: أرجو أن يكون هذا خفيفًا، ولا بأس به.
قال ابن رشد: إنما أجاز هذا لأن عقد البيع لَمْ يتمّ بينهما، وإنما كانا فِي حال التراوض إذ لَمْ يقطعا السعر بعد، فلو أراد أن يأخذ درهمه لكان ذلك له، ولو كان البيع قد انعقد بينهما لَمْ يجز ذلك على ما مضى فِي رسمي شكّ وحلف، من سماع ابن القاسم (١).
وجَازَ إِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ، ونُحَاسٌ بِتَوْرٍ، لا فُلُوسٌ وكَكَالِئٍ بِمِثْلِهِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ بِمُؤَخَّرٍ، ولَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ، أَوْ مُوَاضَعَةٍ [وَمُتَأَخِّرٍ جِدَادُهُ] (٢)، أَوْ مَنَافِعَ عَيْنٍ، وبَيْعُهُ بِدَيْنٍ وتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ ومُنِعَ بَيْعُ دَيْنِ مَيِّتٍ، أَوْ غَائِبٍ ولَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ، وحَاضِرٍ إِلا أَنْ يُقِرَّ، وكَبَيْعِ الْعُرْبَانِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَرِهَ الْبَيْعَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ، وكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا، وإِنْ بِقِسْمَةٍ، أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا لِعَبْدِ سَيِّدِ الآخَرِ مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا.
قوله: (أو منافع عَيْنٍ) معطوف على (مُعَيَّنًا).
وصُدِّقَتِ الْمَسْبِيَّةُ ولا تَوَارُثَ.
قوله: (ولا تَوَارُثَ) أي من الجانبين، فهو كقوله فِي " المدونة ": ولا يتوارثان بذلك (٣).
مَا لَمْ تَرْضَ، وفُسِخَ مَا لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ، وهَلْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَذَلِكَ، أَوْ يُكْتَفَى بِحَوْزٍ كَالْعِتْقِ؟ تَأْوِيلانِ. وجَازَ بَيْعُ نِصْفِهِمَا وبَيْعُ أَحَدِهِمَا لِلْعِتْقِ، والْوَلَدُ مَعَ كِتَابَةِ أُمِّهِ، ولِمُعَاهَدٍ التَّفْرِقَةُ.
قوله: (مَا لَمْ تَرْضَ) هذا الذي اقتصر عليه هو اختيار اللَّخْمِيّ؛ فإنه قال: القول أنه حقّ للأم أحسن، ولو كان ذلك لحقّ الولد فِي الحضانة لَمْ يفرق بين الصغير وبين كلٍ من للصبي متعلق به فِي الحضانة كالجدة والخالة والعمة، وتسليمهم ذلك دليل على أن النهي
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٣٢، ٢٣٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٧٩.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
إنما يختصّ بالأمّ من [الموجودة] (١)، ثم قال: وعلى القول أنه حقّ للأم [لئلا توله] (٢) يصحّ رضاها، وبه أخذ إذا علم صحة رضاها، وأنها غير مكرهة ولا خائفة ولا مخدعة. انتهى.
مع أنهم أخذوا من قوله فِي كتاب: التجارة لأرض الحرب من " المدونة " إلا أن يستغني الولد عنها إن ذلك من حقّ الولد، مع أن المصنف فِي " توضيحه " لَمْ يعرّج على اختيار اللَّخْمِيّ أصلا بل اقتصر على أن قال: واختلف: هل النهي لحقّ الولد؟ وعليه ما فِي " الموازية ": إذا رضيت الأم بالتفرقة فليس ذلك لها أو هو حقّ للأم، وعليه ما فِي المختصر: إذا رضيت الأم بالتفرقة فلا بأس، واختار المازري، وابن يونس، وغيرهما الأول (٣).
وكُرِهَ الاشْتِرَاءُ مِنْهُ، وكَبَيْعٍ وشَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ لا يَبِيعَ إِلا تَنْجِيزَ (٤) الْعِتْقِ.
قوله: (إِلا تَنْجِيزَ الْعِتْقِ) كذا الصواب بنصب تنجيز، وتجريده من باء الجر، وهو كقول ابن الحاجب: مثل أن لا يبيع ولا يهب غير تنجيز العتق للسنة (٥).
ولَمْ يُجْبَرْ إِنْ أَبْهَمَ كَالْمُخَيَّرِ بِخِلافِ الاشْتِرَاءِ عَلَى إِيْجَابِ الْعِتْقِ كَأَنَّهَا حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ، أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ كَبَيْعٍ وسَلَفٍ.
قوله: (ولَمْ [يجبر] (٦) إن أبهم كالمخير) زاد فِي كتاب: البيوع الفاسدة (٧): وكان للبائع ترك العتق وتمام البيع، أو يرّد [البيع] (٨)، فإن ردّ بعد أن فات فعليه القيمة (٩). فقف على بسطها فِي: " التقييد ".
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (الواحدة)، وفي (ن ٤) (الموجدة).
(٢) في (ن ٣): (الثلاث وله).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٣٩.
(٤) في أصل المختصر، والمطبوعة: (بتنجيز).
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٤٩، واختيار المؤلف هنا لم تحوجه إلى تطويل الخرشي في ثبوت الباء، ثم قال: (ولَا شَكَّ أَنَّ تَجْرِيدَ الْبَاءِ أَحْسَنُ)، انظر: شرح الخرشي: ٥/ ٤٠٣.
(٦) في (ن ٢)، الأصل، (ن ٣): (يجز).
(٧) أي: من المدونة.
(٨) في (ن ٢)، و(ن ٣): (العتق).
(٩) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٥٨.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وصَحَّ إِنْ حُذِفَ أَوْ حُذِفَ شَرْطُ كالتَّدْبِيرِ (١).
قوله: (أَوْ حُذِفَ شَرْطُ كالتَّدْبِير) كذا فِي بعض النسخ بإدخال الكاف (٢) على التدبير، وهو مطابق لقوله فِي " التوضيح " إذا قلنا بفساد البيع وفسخه لأجل اشتراط التدبير ونحوه، فأسقط البائع (٣) شرطه فقال ابن القاسم: يمضي. وقال أشهب: لا يمضي (٤).
كَشَرْطِ رَهْنٍ، وحَمِيلٍ، وأَجَلٍ ولَوْ غَابَ. وَتُؤُوِّلَتْ بِخِلافِه، وفِيهِ إِنْ فَاتَ أَكْثَرُ الثَّمَنِ والْقِيمَةِ إِنْ أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي، وإِلا فَالْعَكْسُ، وكَالنَّجْشِ يَزِيدُ لِيَغُرَّ، وإِنْ عَلِمَ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ.
قوله: (وكَالنَّجْشِ يَزِيدُ لِيَغُرَّ) هذا نحو تفسير المازري وغيره، وهو خلاف قول مالك فِي " الموطأ ": والنجش أن تعطيه فِي سلعة أكثر من ثمنها، وليس فِي نفسك اشتراؤها ليقتدي بك غيرك (٥). قال ابن عرفة: وقول المازري وغيره: الناجش هو الذي يزيد فِي سلعة ليقتدي به غيره أعمّ من قول مالك؛ لدخول إعطائه مثل ثمنها أو أقل فِي قول المازري، وخروجه من قول مالك.
وقال ابن العربي فِي " العارضة ": والذي عندي إن بلّغها الناجش قيمتها ورفع الغبن عن صاحبها فهو مأجور، ولا خيار لمبتاعها. قال ابن عرفة: وكان بالكتبيين من تونس رجل مشهور بالصّلاح عارف بالكتب، يستفتح للدلالين ما يبنون عليه فِي الدلالة، ولا غرض له فِي الشراء، وهذا جائز على ظاهر تفسير مالك واختيار ابن العربي لا على ظاهر تفسير المازري، ثم حصل فيمن لَمْ يزد على القيمة المنع؛ لظاهر قول الأكثر، والجواز لدليل قول مالك: والاستحباب لابن العربي. انتهى. واستبعد ابن عبد السلام قول ابن العربي.
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (التدبير).
(٢) في (ن ١): (كاف).
(٣) في الأصل: (المانع).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٣٣.
(٥) انظر: الموطأ، للإمام مالك برقم (١٣٦٧) كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ لِيَكُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ لا الْجَمِيعِ، وكَبَيْعِ حَاضِرٍ لِعَمُودِيٍّ ولَوْ بِإِرْسَالِهِ لَهُ، وهَلْ لِقَرَوِيٍّ؟ قَوْلانِ. وفُسِخَ وأُدِّبَ وجَازَ الشِّرَاءُ لَهُ، وكَتَلَقِّي السِّلَعِ أَوْ صَاحِبِهَا كَأَخْذِهَا فِي الْبَلَدِ بِصِفَةٍ ولا يُفْسَخُ. وجَازَ لِمَنْ عَلَى كَسِتَّةِ أَمْيَالٍ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ، وَرُدَّ ولا غَلَّةَ.
قوله: (وجَازَ سُؤَالُ [٧٠ / ب] الْبَعْضِ لِيَكُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ) هذا عكس النجش.
فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ [بِالثَّمَنِ] (١)، وإِلا ضَمِنَ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ، ومِثْلَ الْمِثْلِيِّ بِتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ وعَقَارٍ.
قوله: (فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ) أشار به لقوله أول [كتاب] (٢) البيوع الفاسدة: قال مالك: يرد الحرام البين فات أو لَمْ يفت، وما كان مما كرهه الناس رُدّ إِلا أن يفوت فيترك (٣). كذا اختصره أبو سعيد وهو فِي الأمهات من رواية ابن وهب (٤)، ومعنى يردّ فات أو لَمْ يفت: أنه [ترد] (٥) عينه إن لَمْ يفت وقيمته إن فات، كذا فسره ابن يونس، وزاد قال ابن المواز عن ابن القاسم: مثال ما كرهه الناس أن يسلم فِي حائط بعينه وقد أزهى، ويشترط أخذه تمرًا فيفوت بالقبض.
وبِطُولِ زَمَنِ حَيَوَانٍ، وفِيهَا شَهْرٌ وشَهْرَانِ [٤٩ / أ]، واخْتَارَ أَنَّهُ خِلافٌ، وقَالَ: بَلْ فِي شِهَادَةٍ، وبِنَقْلِ عَرْضٍ ومِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ، وبِالْوَطْءِ، وبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ، وخُرُوجٍ عَنْ يَدٍ، وتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ، وإِجَارَتِهِ، وأَرْضٍ بِبِئْرٍ، وعَيْنٍ، وغَرْسٍ، وبِنَاءُ عَظِيمَيِ الْمَؤُونَةِ.
قوله: (وبِطُولِ زَمَنِ حَيَوَانٍ، وفِيهَا شَهْرٌ وشَهْرَانِ، واخْتَارَ أَنَّهُ خِلافٌ، وقَالَ: بَلْ فِي شِهَادَةٍ) نحوه فِي " التوضيح "، والذي لِلَّخْميّ فِي أول البيوع الفاسدة: اختلف فِي الطول فِي الحيوان فقال فِي كتاب التدليس فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، فكاتبه ثم عجز بعد
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٥٤.
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٤٨
(٥) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (ترك).
[ ٢ / ٦٤١ ]
شهر: أنه طول، وقد فات (١)، وقال فِي السلم الثالث، فِي الشهرين والثلاثة: ليس بفوت فِي العبيد والدواب، إِلا أن يعلم أنه تغير، وهو أحسن، إِلا أن يكون المبيع صغيرًا، فإن المدة اليسيرة يتغير فيها وينتقل (٢).
وقال المازري: اختلف فِي مجرد طول الزمان يمرّ على الحيوان ولَمْ يتغيّر فِي ذاته ولا سوقه، هل هو فوت؟ فذكر ما فِي الكتابين من " المدونة " ثم قال: اعتقد بعض أشياخي أنه اختلاف قول على الإطلاق، وليس كَذَلِكَ؛ إنما هو اختلاف فِي شهادة بعادة؛ لأنه أشار فِي " المدونة " إلى المقدار من الزمان الذي لا يمضي إِلا وقد تغيّر الحيوان، فتغيره فِي ذاته أو سوقه معتبر، وإنما الخلاف فِي قدر الزمان الذي يستدل به على التغير، فقال (٣) ابن عرفة: فِي ردّه (٤) على اللَّخْمِيّ تعسّف واضح؛ لأن حاصل كلامه أن الخلاف إنما هو فِي قدر الزمان الذي هو مظنة لتغيّره لا فِي التغير، وهذا هو نفس مقتضى (٥) كلام اللَّخْمِيّ لمن تأمله وأنصف. انتهى.
وأما ابن عبد السلام فكأنه قبل اعتراض المازري، فقال فِي قول ابن الحاجب: وفِي طول الزمان فِي الحيوان قَوْلانِ (٦). يعني: أن فِي مجرد طول الزمان فِي الحيوان من غير ضميمة تغير فِي بدن ولا سوق (٧) قولين، وأنكر بعضهم وُجود الخلاف فِي ذلك، وتأوّل ما وَقع فِي " المدونة " على أنه خلاف فِي شهادة: هل الطول المحدود بالحد الذي ذكره يستلزم التغير فِي البدن لا خلاف فِي مجرد الطول؟ وذلك أنه ذكر فِي كتاب: العيوب (٨): أن مرور شهر على الحيوان يكون فوتًا، وذكر فِي كتاب السلم أن الشهر والشهرين لا يكون
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٨٦.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٦٣.
(٣) في (ن ١): (قال).
(٤) أي: في رد المازري.
(٥) في (ن ١): (ما اقتضى).
(٦) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٦٣.
(٧) في (ن ٢)، و(ن ٣): (الأسواق).
(٨) في (ن ٣): (البيوع).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
فوتًا. انتهى. فتأمل كلام هؤلاء الأئمة مع كلام المصنف هنا، وفِي " التوضيح " وَنصّه شارحًا لقول ابن الحاجب: وفِي طول الزمان فِي الحيوان قَوْلانِ. أي: وفِي مجرد الطول (١) فقط قَوْلانِ، فالقول بأنه مفيت مذهب " المدونة "، والقول الآخر ذكره ابن شاس (٢)، وعلى المشهور فذكر فيها فِي العيوب أن مرور شهر (٣) فوت.
وذكر فِي السلم أن الشهر والشهرين ليس بفوت، وحمله اللَّخْمِيّ على الخلاف، ورأى المازري أنه ليس بِخِلافِ وإنما هو اختلاف فِي شهادة (٤).
وفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعُ فَقَطْ، لا أَقَلُّ. ولَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلَى الْمَقُولِ والْمُصَحَّحِ، وفِي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا تَأْوِيلانِ، لا إِنْ قَصَدَ بِالْبَيْعِ الإِفَاتَةَ.
قوله: (وفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعُ فَقَطْ) أي: وفاتت بالغرس والبناء جهة فقط هي الربع، يريد أو الثلث، والمسألة مبسوطة فِي نوازل أصبغ من كتاب " جامع البيوع "، ومن قول ابن رشد فيها: إذا كان الغرس بناحية منها وجلّها (٥) لا غرس فيه، وجب أن يفوت منها ما غرس، ويفسخ البيع فِي سائرها إذ لا ضرر على البائع فِي ذلك إذا كان المغروس من الأرض يسيرًا مما لو استحقّ من يد المشتري فِي البيع الصحيح لزمه الباقي ولم يكن له أن يردّه، ووجه العمل فِي ذلك أن ينظر إلى الناحية التي فوتها بالغرس ما هي من جميع الأرض، فإن كانت الثلث [أو الربع] (٦) فسخ البيع فِي الباقي بثلثي الثمن أو بثلاثة أرباعه، فسقط عن المبتاع إن كان لَمْ يدفعه وردّ إليه إن كان قد دفعه وصح البيع فِي الناحية الفائتة
_________________
(١) في (ن ٢): (طول الزمان).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٨٠ قال: (مجرد طول زمان يمر على الحيوان ولم يتغير في ذاته ولا سوقه، فاختلف فيه هل يكون فوتًا أم لا؟ وو رأى الإمام أبو عبد الله أن المعتبر تغير البدن أو السوق. وإنما اعتبر طول الزمن لأنه لا يخلو عنه في العادة وصار الاختلاف في حد الزمن الدال بالعادة على ذلك).
(٣) في (ن ٣): (الشهر).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٥٢٩.
(٥) في (ن ١): (وجهلا).
(٦) في (ن ٢)، و(ن ٣): (والربع).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
بالقيمة يوم القبض، فمن كان له منهما على صاحبه فضل رجع به عليه إذ قد تكون قيمة (١) تلك الناحية أقل مما نابها من الثمن أو أكثر (٢).
وارْتَفَعَ الْمُفِيتُ إِنْ عَادَ بِلا تَغَيُّرِ السُّوقِ.
قوله: (وَارْتَفَعَ الْمُفِيتُ إِنْ عَادَ، [بِلا تَغَيُّرِ السُّوقِ] (٣» إشارة لقوله فِي أول البيوع الفاسدة: فإن تغيّر سوق السلعة ثم عاد لهيئته لَمْ يكن للمبتاع ردّها؛ لأن القيمة قد وجبت، وأما إن باعها ثم رجعت إليه بعيب أو شراء أوهبة أو ميراث فله الردّ إِلا أن يتغير سوقها قبل رجوعها إليه فذلك [٧١ / أ] فوت، وإن عاد لهيئته، وأشهب يفيتها بعقد البيع (٤). وبالله تعالى التوفيق.
[باب بيوع الآجال]
ومُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ كَبَيْعٍ، وسَلَفٍ، [وَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ] (٥)، لا مَا قَلَّ كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ.
قوله: (وَمُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ كَبَيْعٍ، وسَلَفٍ، وسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ) مثال ما يمنع لاتهامهما على قصد البيع والسلف أن يبيع (٦) سلعتين بدينارين إلى شهر، ثم يشتري واحدة منهما بدينار نقدًا، فالسلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها ملغاة، وقد خرج من يد البائع سلعة ودينار نقدًا يأخذ عنهما عند الأجل دينارين أحدهما عوض عن السلعة وهو بيع، والثاني عوض عن الدينار المنفرد وهو سلف.
ومثال ما يمنع لاتهامهما على قصد سلف بمنفعة المسألة التي هي أصل هذا الباب، أن يبيع سلعة بعشرة إلى شهر، ثم يشتريها بثمانية نقدًا، فقد رجعت إليه سلعته، وخرج من يده ثمانية يأخذ عنها عشرة.
_________________
(١) في (ن ١): (فيه).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٥٨، ٥٩.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (إلا بتغير سوق).
(٤) المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٤٥، ١٤٦.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٦) في (ن ١): (بيع).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أَوْ أَسْلِفْنِي وأُسْلِفُكَ، فَمَنْ بَاعَ لأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وطَعَامٍ وعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ لِلأَجَلِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلاثٌ، وهِيَ مَا عَجَّلَ فِيهِ الأَقَلُّ، وكَذَا الْمُؤَجَّلُ (١) بَعْضُهُ مُمْتَنِعٌ مَا يُعَجَّلُ فِيهِ الأَقَلُّ، أَوْ بَعْضُهُ كَتَسَاوِي الأَجَلَيْنِ، إِنْ شَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، ولِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لأَبَعْدَ إِذَا [شَرَطَاهَا] (٢)، والرَّدَاءَةُ والْجَوْدَةُ كَالْقِلَّةِ والْكَثْرَةِ، ومُنِعَ بِذَهَبٍ وفِضَّةٍ، إِلا أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًَّا.
قوله: (أَوْ أَسْلِفْنِي وأُسْلِفُكَ) لفظ (أُسْلِفُكَ) منصوب بإضمار إن بعد الواو على معنى الجمع، قاله فِي " التوضيح " (٣).
وبِسِكَّتَيْنِ إِلى أَجَلٍ.
قوله: (وبِسِكَّتَيْنِ إِلى أَجَلٍ) معطوف على (بِذَهَبٍ)، ويتناول ثماني عشرة صورة؛ لأنه إما للأجل نفسه أو لأقرب منه أو لأبعد، إما بمثل الثمن عددًا أو أقل أو أكثر والسكة الثانية إما أجود من الأولى أو أردأ (٤) منها، وكلها ممنوعة للدين بالدين.
كَشِرَائِهِ لِلأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ.
قوله: (كَشِرَائِهِ لِلأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ) الدراهم المحمدية أجود من الدراهم اليزيدية، وهذا تمثيل لا تشبيه قصد فيه لعكس ما فرض فِي " المدونة " إذ قال: " وإن بعت ثوبًا بعشرة دراهم محمدية إلى شهر فلا تبتعه بعشرة يزيدية إلى ذلك الشهر (٥)، كذا اختصره أبو سعيد، زاد ابن يونس: لرجوع ثوبك إليك وكأنك بعت يزيدية بمحمدية إلى أجل " انتهى.
وإنما قصد المصنف العكس (٦)؛ لأنه مختلف فيه، فبيّن مختاره من الخلاف، وقد ذكر
_________________
(١) في المطبوعة (لو أجل).
(٢) في المطبوعة (اشترطاها).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٣٥٦.
(٤) في (ن ١): (أدنى).
(٥) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٣٥.
(٦) في الأصل، (ن ١): (للعكس).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
المازري أن فِي كون علته (١) اشتغال الذمتين بسكَّتين مختلفتين، أو لأن اليزيدية دون المحمدية طريقتين للأشياخ وعليهما منع عكس مسألة " المدونة " وجوازه، وعزى ابن محرز الأولى لأكثر المذاكرين والثانية لبعضهم. قال أبو الحسن الصغير: ومفهوم قوله فِي " المدونة ": " فلا تبتعه بعشرة يزيدية إلى ذلك الشهر. أنه لو ابتاعه بعشرة يزيدية نقدًا لجاز، وليس هذا بمراد؛ لأنه كأنه ابتاعه بأقلّ، ولو بعت الثوب بعشرة يزيدية إلى شهر جاز أن تبتاعه (٢) بعشرة محمدية نقدًا كما لو ابتعته بأكثر من الثمن نقدًا ". انتهى. وانظر كلام ابن يونس وأبي إسحاق فِي أصلهما.
وإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ، جَازَتْ ثَلاثُ النَّقْدِ فَقَطْ، وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً ومِقْدَرًا [كَعَيْنِهِ] (٣).
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ، جَازَتْ ثَلاثُ النَّقْدِ فَقَطْ) المراد بالثمن هنا ثمن المبيع فِي الصفقة الأولى، أي فإن اشترى المبيع بعرض مخالف فِي الجنسية للثمن الذي كان باعه به كما إذا باع ثوبًا بجمل ثم اشتراه ببغل أو بغيره مما هو مخالف للجمل فِي الجنسية، جازت صور النقد الثلاث، وهي أن تكون قيمة هذا العرض الثاني مساوية لقيمة الجمل فِي مثالنا أو أقل أو أكثر، ونبّه بقوله: (فقط) على منع صور الأجل التسع للدين بالدين.
والدليل على أنه أراد هذا: أنه لما شرح فِي " توضيحه " قول ابن الحاجب: " فإن كانا نوعين جازت الصور كلها؛ إذ لا ربا فِي العروض " (٤) قال: مراده بالصور كلها صور النقد الثلاث، وأما صور الأجل التسع فممتنعة؛ لأنه دين بدين. قال: وكأنه أطلق فِي قوله: لا ربا فِي العروض، ومراده نفي ربا الفضل لوضوحه؛ إذ لا يخفى على من له أدنى مشاركة أن ربا النساء يدخل فِي العروض حكى هذا عن شيخه المنوفي. (٥) وأما ابن عرفة
_________________
(١) في (ن ١): (علة).
(٢) في (ن ١): (تبتعه).
(٣) في المطبوعة: (كمثله).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٥٣.
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٣٦٩.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
فقال: موافقًا لابن عبد السلام وقول ابن شاس: إن كان الثمنان عرضين من جنسين جازت الصور التسع (١)، تبع فيه ابن بشير، وتبعهما ابن الحاجب وهو وهم ". انتهى.
ومراد ابن شاس بالصور التسع: الصور الاثنتا عشرة (٢)؛ إِلا أنه عدّ ما كان لأجل دون الأجل كالنقد، واستدل ابن عرفة على توهيم الجماعة بقوله فِي كتاب: السلم الثالث من " المدونة ": وإن بعت ثوبًا بمائة درهم إلى شهرٍ جاز أن تشتريه (٣) بعرضٍ أو طعام نقدًا كان ثمن العرض أقل من مائة أو أكثر، وإن اشتريته بعرض مؤجل إلى مثل أجل المائة أو دونه أو أبعد منه لَمْ يجز؛ لأنه دين بدين (٤).
[فَيَمْنِعُ] (٥) بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ، أَوْ أَبْعَدَ، إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ.
قوله: [٧١ / ب] (فَيَمْنِعُ بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ، أَوْ أَبْعَدَ، إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ) لا شكّ أن الواو هنا أولى من الفاء، وأن الشرط مختصٌ بهاتين الصورتين، وأما الثلاث التي فِي الضمن فممنوعة غاب أو لَمْ يغب.
وهَلْ [غَيْرُ] (٦) صَنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لا؟ تَرَدُّدٌ وإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا.
قوله: (وَهَلْ غَيْرُ صَنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لا؟ تَرَدُّدٌ) سقط لفظ (غير) فِي بعض النسخ، ولا يصحّ إِلا إذا جعل الصنف بمعنى الجنس، وهو خلاف اصطلاح ابن الحاجب (٧).
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٨٤.
(٢) في الأصل، و(ن ٢): (الاثنا عشر).
(٣) في (ن ١): (يشتريه).
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٨٧.
(٥) في المطبوعة: (فيمتنع).
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٧) نص ابن الحاجب: (فإن اختلفا في الجودة والرداءة فهما كالزيادة والنقص، فإن كان غير صنفه كالشعير أو السلت مع القمح أو المحمولة مع السمراء فحكى عبد الحق جوازه مطلقًا) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٥٣.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ لأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ بِأَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ.
قوله: (وإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ لأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ بِأَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ) أطلق النقد على الحال، وما كان لأجل دون الأجل، فالممتنع عنده خمس صور.
لا بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ، إِلا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ.
قوله: (لا بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ) أي: والمسألة بحالها من النقد بوجهيه، فهذه أربع صور صرّح بجوازها، يبقى من الاثنتي عشرة ثلاث جائزة [أَيْضًا] (١) وهي: ما كان للأجل نفسه، ولوضوحها سكت عنها، وأما قول ابن الحاجب: يمتنع منها ما تعجّل فيه الأقلّ (٢). فقال فِي " التوضيح ": " ظاهره أنه لا يمتنع غيره وليس كَذَلِكَ؛ فإن الصور الثلاث التي بعد الأجل كلها ممتنعة أَيْضًا " نصّ [عليها] (٣) المازري (٤). ولم يتعقبه ابن عبد السلام، ولا ابن عرفة.
ولَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا، أَوْ لأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ.
قوله: (ولَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا، أَوْ لأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ) أطلق النقد أَيْضًا على الحال وما كان لأجل دون الأجل، فاشتمل هذا الكلام على سبع صور وسيصرّح بمفهوم قوله: (بأكثر) حيث يقول: (وبمثل وأقل (٥) لأبعد)، وسكت عن الثلاث التي للأجل نفسه لوضوح جوازها، فخرج من كلامه أن سبعًا ممنوعة وخمسًا جائزة.
أَوْ بِخَمْسَةٍ وسِلْعَةٍ.
قوله: (أَوْ بِخَمْسَةٍ وسِلْعَةٍ) أي: أو اشترى الثوب وحده بخمسة وسلعة، والمسألة بحالها من كون الثمن نقدًا بوجهيه أو لأبعد، فهذه ثلاث ممنوعة تبقى من صور الأجل (٦) واحدة للأجل نفسه وجوازها لا يخفى (٧).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣)، وفي (ن ٢): (عنده أيضًا).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٢٥٣، ٢٥٤.
(٣) في الأصل، (ن ١)، و(ن ٢): (عليه).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٣٨٠.
(٥) في (ن ٣): (أو أقل).
(٦) في (ن ٢): (الأصل)، وفي الأصل، و(ن ٣)، و(ن ٤): (الأقل).
(٧) للحطاب ﵀ تفصيل جيد في هذه المسألة، وشرحًا وافيًا، انظر: مواهب الجليل: ٤/ ٣٩٩.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
امْتَنَعَ لا بِعَشَرَةٍ وسِلْعَةٍ.
قوله: (امْتَنَعَ لا بِعَشَرَةٍ وسِلْعَةٍ) هذا مقابل ما يليه قبله، ولكنه خاصّ بحالتي النقد، وأما لأبعد (١) فممتنع عملًا بقوله: أو لا يمتنع منها (٢) ثلاث، وهي ما عجّل فيه الأقل.
وبِمِثْلِ وأَقَلَّ لأَبْعَدَ، ولَوِ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّعْجِيلِ فقَوْلانِ كَتَمْكِينِ بَائِعٍ مُتْلِفٍ مَا قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الأَجَلِ، وإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ، مُنِعَ مُطْلَقًا.
قوله: (وَبِمِثْلِ وأَقَلَّ لأَبْعَدَ) هذا مقابل ما قبل ما يليه، فهو تصريح بمفهوم قوله: (أَوْ لأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ) كما قدّمنا، ففي الكلام تلفيف غير مرتب، وقد ظهر لك أن قوله: (لأبعد) يرجع للمثل والأقلّ، وأما قول ابن الحاجب مشيرًا للمنع: وكَذَلِكَ بأكثر منه أو بمثله إلى أبعد (٣). فقد قال فِي " التوضيح " تبعًا لابن عبد السلام: لا مانع من المثل، وإنما تبع ابن الحاجب فيه ابن بشير، فهو الذي ذكر المنع وحده، ولا وجه له، وقد نصّ ابن محرز والمازري على جوازه (٤).
كَمَا لَوِ اسْتَرَدَّهُ، إِلا أَنْ يَبْقَى الْخَمْسَةُ لأَجَلِهَا، لأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوِ الْمُؤَخِّرَ مُسْلِفٌ، وإِنْ بَاعَ حِمَارًا لأَجَلٍ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ ودِينَارًا نَقْدًا، أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا، إِلا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، لِلأَجَلِ.
قوله: (كَمَا لَوِ اسْتَرَدَّهُ، إِلا أَنْ يَبْقَى الْخَمْسَةُ لأَجَلِهَا، لأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوِ الْمُؤَخِّرَ مُسْلِفٌ) الاستثناء والتعليل (٥) [قاصران] (٦) على ما بعد الكاف على قاعدته الأكثرية المنبّه عليها أول الكتاب، ولما استثنى المنفي (٧) للأجل بالجواز نفى المعجّل والمؤخر بالمنع، فعللّ ذلك بأن كلًا منهما مسلف أي: فأدى ذلك لاجتماع بيعٍ وسلف.
_________________
(١) في (ن ٣): (لا يبعد).
(٢) في (ن ١): (مثلها).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٥٤.
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٣٨٣.
(٥) في (ن ١): (والتعجيل).
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٧) في (ن ٣)، (ن ٤): (المبقي).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ أوَ (١) بِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ. جَازَ، إِنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ، وصَحَّ أَوَّلُ مِنْ بُيُوعِ الأَجَلِ فَقَطْ، إِلا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ، وهَلْ مُطْلَقًا [٤٩ / ب]، أَوْ إِنْ كَانَتِ (٢) الْقِيمَةُ أَقَلُّ؟ خِلافٌ.
قوله: (وَإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ أوَ بِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ. جَازَ، إِنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ) هكذا ينبغي أن يكون (أوَ بِيعَ) معطوفًا بأو لا بالواو، فهما مسألتان أعطاهما جوابًا واحدًا، والمزيد فِي الثانية منهما عين أو غيره ما لَمْ يختلف العينان كذهب وفضة أو كمحمدية ويزيدية فعلى ما تقدّم، وفهم من قوله: (لَمْ يُقْبَضْ) أنه لو قبض لجاز عجل المزيد أم لا، وهو قول أبي محمد ابن أبي زيد.
[فصل] (٣)
جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ.
قوله: (جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ) وفِي بعض النسخ بنماء: أي بزيادة، وهو حسن فإن هذا وإن كان جائزًا أحد وجوه العينة التي مدارها على طلب النماء فِي العين، وقد قال ابن عرفة: بيع أهل العينة: هو البيع المُتَحَيَّل به على دفع عين فِي أكثر منها.
ولَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ، وكُرِهَ خُذْ بِمِائَةٍ مَا بِثَمَانِينَ، أَوِ اشْتَرِهَا ويُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ ولَمْ يُفْسَخْ، بِخِلافِ. اشْتَرِهَا [لِي] (٤) بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لأَجَلٍ. وَلَزِمَتِ الآمِرَ، إِنْ قَالَ لِي. وفِي الْفَسْخِ إِنْ لَمْ يَقُلْ لِي إِلا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إِمْضَائِهَا ولُزُومِهِ الاثْنَا عَشَرَ قَوْلانِ. وبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وآخُذُهَا بَاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا، إِنْ نَقَدَ الْمَأْمُورُ بِشَرْطٍ، ولَهُ الأَقَلُّ مِنْ جُعْلِهِ أَوِ الدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا والأَظْهَرُ والأَصَحُّ لا جُعْلَ لَهُ، وجَازَ بِغَيْرِهِ كَنَقْدِ الآمِرِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي، فَفِي الْجَوَازِ والْكَرَاهَةِ قَوْلانِ، وبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ لأَجَلٍ وأَشْتَرِيهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، فَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى، ولا تُعَجَّلُ الْعَشَرَةُ.
قوله: (وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ) ظاهره أن هذا مفرع على مسألة المطلوب منه سلعة كما قد
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (و).
(٢) في أصل المختصر: (كان).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٤)، وهو في بيع العينة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
يوهمه لفظ عياض إذ قال فِي كتاب: الصرف من " تنبيهاته ": الوجه الرابع المختلف فيه: ما اشترى ليباع ثمن بعضه معجّل وبعضه مؤجّل، فظاهر مسائل الكتاب والأمهات جوازه، وفِي " العتبية " كراهته لأهل العينة ". انتهى. فقد يسبق للوهم أن قوله: (بثمن) متعلّق بقوله: (ليباع) وليس ذلك بمراد إذ لَمْ يفرضوها هكذا بل زاد عياض بعده متصلًا به ما نصّه:
" قال [٧٢ / أ] ابن حبيب: إذا اشترى طعامًا أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه ويؤخر بعضه إلى أجل فإن كان اشتراه ليبيعه كله لحاجته لثمنه فلا خير فيه، وكأنه إذا باعه بعشرةٍ نقدًا وعشرةٍ إلى أجل قال له: خذه فبع منه ما تريد أن تنقدني، وما بقي فهو لك ببقية الثمن إلى الأجل، وإنما يعمل هذا أهل العينة وهو قول مالك، فروجع فيها غير مرة فقال: أنا قلته. قاله ربيعة وغيره قبلي " قال محمد بن لبابة: وغيره يعني ابن هرمز. وذكر ابن عبدوس نحوه من رواية ابن وهب وابن نافع عن مالك، ونزّل ابن لبابة ما جاء فِي ذلك من الجواز والمنع على التفريق بين أهل العينة وغيرهم، فجوز (١) فِي غير أهل العينة ومنع فِي حقّهم ". انتهى.
وقال: فِي رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب: " السلم والآجال ": سئل مالك عن رجلٍ من أهل العينة باع من رجلٍ طعامًا بثمن إلى أجل على أن ينتقد (٢) من ثمنه دينارًا؟ فكره ذلك. قال: وقال مالك: لست أول من كرهه، فقد كرهه ربيعة وغيره.
قال ابن رشد: هذه بيعة واحدة صحيحة فِي ظاهرها، إذ يجوز للرجل أن يبيع سلعته بدينار نقدًا ودينار إلى أجل فلا يتهم بالفساد فيها إِلا من علم ذلك من سيرته وهم أهل العينة، والذي يخشى فِي ذلك أن يكون الذي تراوضا عليه وقصدا إليه أن يبيع منه الطعام على أن يبيع منه بدينار فيدفعه إليه، ويكون الباقي له بكذا وكذا دينارًا إلى أجل؛ وذلك غرر؛ إذ لا يدري ما يبقى له من الطعام إذا باع منه بدينار، وقد قال بعض أهل العلّم: إنه لو دفع إليه الدينار من ماله لَمْ يكن بذلك بأس.
_________________
(١) في (ن ١): (فيجوز).
(٢) في الأصل، و(ن ٤): (ينقد).
[ ٢ / ٦٥١ ]
وفِي سماع سحنون " أن ذلك لا يجوز وإن دفع إليه الدينار من عنده؛ لأنه يخلفه من الطعام يريد أن التهمة لا ترتفع عنه بذلك؛ لأنه إن كان البيع وقع على أن ينقده الدينار من الطعام فلا يصلحه أن يدفعه من عنده، كما أنه إذا وقع على الصحة لا يفسده أن ينقد الدينار من الطعام " (١). انتهى.
وإذا تأملت هذه النقول علمت أن كلام عياض المذكور فيه تقديم وتأخير، وأن تقديره ما اشترى بثمن بعضه مؤجل وبعضه معجّل ليباع، فقوله: (بثمن) متعلّق (باشترى) لا (بيباع) (٢)، فهي إذًا مسألة أخرى غير مفرعة على مسألة المطلوب منه سلعة، وقد نقل فِي " التوضيح " كلام عياض (٣)، ولم يزد ما بعده مما فيه البيان لما قررنا، والظن بالمصنف أنه لا يفهمها على غير ما فرضها عليه الأئمة فهذا عجب فتدبره.
فإن قلت: لعلّ المصنف إنما فرعها على مسألة المطلوب منه سلعة تنبيهًا على أن المختار عنده من الخلاف هو الجواز، وإن تركبت المسألة من الوصفين فتكون غير المركبة أحرى بالجواز.
قلت: هذا أبعد ما يكون من التأويل، ولكن ربما يقربه الظن الجميل، وتبقى العهدة فِي التزام جواز المركبة عليه، والله سبحانه أعلم بما جنح إليه، وقد نقلها ابن شاس على ما فرضها عليه الأئمة، فذكر أن من صور العينة أن يشتري من أحد أهل العينة سلعة بعشرة نقدًا وعشرة إلى أجل فيمنع منه خاصة، ويقدر كأنه اشتراها [ليبيع منها بعشرة يدفعها نقدًا ويبقى له باقي السلعة] (٤) لينتفع بثمنها معجلًا، ثم يدفع عنه عشرة مؤجلة، والغالب أن السلعة لا تساوي العشرين، فيؤول إلى ذهب فِي أكثر منها (٥).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ١٠٢.
(٢) في (ن ١) (يباع)، وفي (ن ٢)، و(ن ٤): (بيباع).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٠١.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٦٨٩.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ، ولَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَهَلْ لا يُرَدُّ الْبَيْعُ إِذَا فَاتَ فَلَيْسَ عَلَى الآمِرِ إِلا الْعَشَرَةُ؟ أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ.
قوله: (أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ) أي ويفسخ الثاني فات أو لَمْ يفت، إِلا أنه إذا فات رجع إلى القيمة يوم القبض.
[باب [بيع] (١) الخيار]
إِنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
قوله: (إِنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ) أي لا بمجلس، وهي إحدى المسائل التي حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة ألَّا يفتي فيها بقول مالك، والثانية: التدمية البيضاء. والثالثة: جنسية القمح والشعير. وقال ابن رشد: إنما تكلّم مالك على شعير بلده.
كَشَهْرٍ فِي دَارٍ، ولا تَسْكُنُ، وكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ، واسْتَخْدَمَهُ.
قوله: (وَلا تَسْكُنُ) قال ابن محرز: قالوا وأما الدور فإنما له أن يدخلها بنفسه لاختبار أحوالها ومبيتها، فأما أن ينتقل إليها بأهله ومتاعه فإنه لا يمكن من ذلك، ومتى فعله أدى كراءه للبائع؛ لأن الغلة للبائع فِي أيام الخيار قبَل المشتري أو ردٌ، ولو أن المشتري شرط أن يسكنها بأهله مدة الخيار على أن لا يؤدي فيها كراءً لكان البيع فاسدًا؛ لأنه من بيع العربان (٢).
وكَثَلاثٍ فِي دَابَّةٍ، وكَيَوْمٍ لرُكُوبِهَا، ولا بَأْسَ بِشَرْطِ الْبَرِيدِ. أَشْهَبُ. والْبَرِيدَيْنِ.
قوله: [٧٢ / ب] (وَكَثَلاثٍ فِي دَابَّةٍ، وكَيَوْمٍ فِي رُكُوبِهَا) يعني أن أمد الخيار فيها ثلاثة كالثوب، فإذا شرط ركوبها للاختبار فيوم، فليست بمنزلة الدار التي لا تسكن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، (ن ٤).
(٢) قال في لسان العرب: بيع العُرْبانِ: هو أَن يَشْتَري السِّلْعةَ، ويَدْفَعَ إِلى صاحبها شيئًا على أَنه إِن أَمْضَى البيعَ حُسِبَ من الثمن، وإِن لم يُمْضِ البيعَ كان لصاحِبِ السِّلْعةِ، ولم يَرْتَجِعْه المشتري، وقال في جامع الأمهات: بيع العربان وهو أن يعطي شيئًا على أنه إن كره البيع أو الإجارة لم يعد إليه. انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٤٩. ولسان العرب، لابن منظور: ١/ ٥٩٢.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
والثوب الذي لا يلبس مُطْلَقًا، ولا بمنزلة الرقيق الذي يستخدم مُطْلَقًا بل لها حالة بين حالتين بقدر الحاجة، إلى الاختبار. وبنحو هذا فسّر ابن يونس قوله فِي " المدونة: والدابّة تركب اليوم وشبهه " (١) فقال: قال ابن حبيب: يجوز الخيار فِي الدابّة اليوم واليومين والثلاثة كالثوب، وإنما ذكر مالك اليوم فِي شرط ركوبها، وأما على غير ذلك فلا فرق بينها وبين الثوب. ونحوه فِي " النكت ".
وأما أبو عمران فعاب هذا على من قاله، وألزم عليه أن يكون فِي " المدونة " لَمْ يجب عما سئل عنه من أمد الخيار فِي الدابّة، وإنما أجاب عن الركوب. قال أبو الحسن الصغير: ولا يعني فِي " المدونة " ركوب النهار كلّه بل الركوب اليسير. انتهى، وهو راجع إلى قول الباجي: يحتمل أن يريد (٢) ركوب اليوم فِي المدينة على حسب ما يركب الناس فِي تصرفاتهم والبريد والبريدين لمن خرج من المدينة يختبر سيرها (٣).
وفِي كَوْنِهِ خِلافًا تَرَدُّدٌ، وكَثَلاثَةٍ فِي ثَوْبٍ وصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ.
قوله: (وَفِي كَوْنِهِ خِلافًا تَرَدُّدٌ) لعلّ اللائق باصطلاحه تَأْوِيلانِ (٤).
وهَلْ إِنْ نَقَدَ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وهَلْ إِنْ نَقَدَ؟ تَأْوِيلانِ):
أحدهما: أن الخيار إنما يصحّ بعد البتّ إذا نقد المشتري الثمن، فإن لَمْ ينقد لَمْ يجز؛ لأنه بيع دين بسلعة فيها خيار.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٧٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ١٧٠.
(٢) في (ن ١): (يكون).
(٣) انظر: المنتقى، للباجي: ٦/ ٤٣٢.
(٤) يريد المؤلف أن المسألة لم يتردد فيها المتأخرون من المالكية؛ كما توحي عبارة المصنف، حيث للمتقدمين منهم نصوص فيها، وترددهم لا يكون إلا مع عدم نصهم، فخالف المصنف مصطلحه الذي نبّه عليه في أول مختصره بقوله: (وبالتردد لتردد المتأخرين في النقل، أو لعدم نص المتقدمين). وقد أورد الخرشي قول ابن القاسم وأشهب في المسألة، ثم قال: (والْأَحْسَنُ لَوْ قَالَ تَأْوِيلَانِ) قريبًا من عبارة المؤلف هنا، وقد أجاب العدوي عن المصنف بأنه يشير لاختلاف أبي عمران وعياض، وهما من المتأخرين، فاستقامت عبارته مع مصطلحه. انظر: شرح الخرشي: ٥/ ٤٥٦، ٤٥٧.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
والثاني: أنه يجوز نقد أو لَمْ ينقد؛ لأن المقصود بالخيار تطييب نفس من جعل له الخيار منهما.
وضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشْتَرِي، وفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ، أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ، أَوْ مَجْهُولَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ عَلَى مَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ ورَدَّ أُجْرَتَهُ.
قوله: (أَوْ مَجْهُولَةٍ) كجعل الخيار إلى أن تمطر السماء قاله فِي " التوضيح " (١) وأما إن لَمْ يؤجلاه فقال فِي " المدونة ": ومن ابتاع شيئًا بالخيار ولم يضرب له أجلًا جاز البيع، وجعل له من الأمد ما ينبغي فِي مثل تلك السلعة (٢).
ويَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ.
قوله: (ويَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ) أي: ويلزم (٣) الشيء المبيع من هو بيده منهما بانقضاء أمد الخيار، وكأنه لوّح لكونه فِي اليد بقوله: (ورُدَّ فِي كالغد) قال فِي " المدونة ": ومن اشترى سلعة أو ثوبًا على أنه بالخيار يومين أو ثلاثة، فلم يختر حتى مضت أيام الخيار، ثم أراد الردّ والسلعة فِي يده أو أراد أخذها وهي بيد البائع، فإن كان بعيدًا من أيام الخيار، فليس له ردّها من يده ولا أخذها من يد البائع، وتلزم من هي بيده من بائع أو مبتاع، ولا خيار للآخر فيها، وإن كان بعد غروب الشمس من آخر أيام الخيار أو كالغد أو قرب ذلك فذلك له (٤).
_________________
(١) قد طالعت ذلك في مظانه في التوضيح فلم أقف عليه، إنما له: (ولا يجوز في شيء من السلع أن تكون مدة الخيار فيه مجهولة؛ فإن عقدا على ذلك؛ كقولهما: إلى قدوم زيد؛ ولا أمارة عندهم على قدومه، أو إلى أن يولد لفلان ولد؛ ولا حمل عنده، أو إلى أن ينفق سوق السلعة؛ ولا سلعة، أو يغلب على الظن عرفا أنها تنفق فيه، إلى غير ذلك مما يرجع إلى الجهل بالمدة؛ فالبيع فاسد. لكن إن وقع العقد على أنه بالخيار ولم يعين مدة معلومة ولا مجهولة؛ فالعقد صحيح ويحمل على خيار مثل السلعة كما تقدم؛ ولو زاد في مدة الخيار على ما هو أمد خيارها فسد البيع) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٠٩.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٩٧
(٣) في (ن ١): (وو يلزم رد).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٩٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ١٩٨.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
ورُدَّ فِي كَالْغَدِ، وبِشَرْطِ نَقْدٍ كَغَائِبٍ، وعُهْدَةِ ثَلاثٍ، ومُوَاضَعَةٍ، وأَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رِيُّهَا، وجُعْلٍ.
قوله: (كَغَائِبٍ) تفصيله قبل فِي الغائب، حيث قصد ذكره بالذات يعيّن أنه أراد هنا فِي التنظير ما بعد غير العقار.
وإِجَارَةٍ لِحِرْزِ (١) زَرْعٍ.
قوله: (وَإِجَارَةٍ لِحِرْز زَرْعٍ) حرز الزرع حفظه وحراسته، وكذا عدّ أبو اسحاق الغرناطي فِي " وثائقه " الإجارة على حراسة الزرع من هذه النظائر، وكذا نقل الشعبي عن ابن الهندي: أن من استأجر أجيرًا يحرس له زرعًا لا يجوز أن ينقده الإجارة بشرط؛ لأن الزرع ربما تلف فتنفسخ فيه الإجارة، إذ لا يمكن فيه الخلف، فهو إن سلم كان إجارة وإن لَمْ يسلم كان سلفًا (٢).
تنبيهات:
الأول: فِي بعض النسخ لجزّ زرع - بالجيم والزاي المشددة - بمعنى الحصاد، وهو صحيح المعنى؛ لأن العلّة التي فِي الحراسة موجودة فِي الحصاد، وقد التبس ذلك على كثير من النساخ فكتبوه بالباء مكان اللام وبضم الجيم وإسكان الزاي وهمزة بعدها، وهو تصحيف فظيع.
الثاني: هذه العلّة التي ذكروها هنا جارية فِي كلّ ما لا يقضي فيه بالخلف (٣) كالصبيين والفرسين وما ألحق بذلك، فيلزم أن لا يجوز النقد بشرط فِي شيءٍ منها والله تعالى أعلم.
الثالث: قد اتضح لك أن الحكم الذي ذكره المصنف هنا مفرّع على عدم القضاء بالخلف (٤) مع أنه لَمْ يذكره فِي باب الإجارة مع ما لا يقضي فيه بالخلف إذ قال: (وفسخت
_________________
(١) في أصل المختصر: (بجزء)، وقد نبه المؤلف على فساده.
(٢) في (ن ٢): (جعلًا).
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بالحلف).
(٤) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بالحلف).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
بتلف ما يستوفي منه لا به إِلا صبي (١) تعليم (٢) ورضيع، وفرس نزو وروض، وسن لقلع، [٧٤ / أ] فسكنت كعفو القصاص)، والعذر له أنه يغتفر فِي الكلام الجارف للنظائر ذكر غير المشهور عنده، وقد فعل هذا فِي أماكن (٣).
وأَجِيرٍ تَأَخَّرَ شَهْرًا.
قوله: (وَأَجِيرٍ تَأَخَّرَ شَهْرًا) أي إذا تأخرت المنفعة المشتراة من الأجير المعين العاقل أو غيره شهرًا ونحوه - لَمْ يجز النقد فيها بشرط كان الثمن المنقود عينًا أو عرضًا أو منافع من جنس تلك المنفعة أو من غير جنسها، فلو تأخرت إلى عشرة أيام أو ونحوها جاز؛ ففي سماع أشهب: لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعنّي خمسة أيام، [٧٣ / أ] وأعينك خمسة فِي حصاد الزرع ودرسه وحمله.
قال ابن رشد: لأنه من الرفق ومنعه ضرر بالناس؛ لأن الكثير منهم لا يقدر على الاستئجار وإن قدر ربما استغرقته الإجارة فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك، وإنما يجوز ذلك فيما قلّ وقرب من الأيام، وإن اختلفت الأعمال؛ ففي رسم البيع، من سماع أصبغ عن أشهب: لا بأس أن يأخذ الرجل عبد الرجل نجارًا يعمل له اليوم على أن يعطيه عبده الخياط يخيط له غدًا وإن قال له: احرث لي فِي الصيف وأحرث لك فِي الشتاء فلا خير فيه. والمرأة تقول للمرأة: انسجي ليّ اليوم وأنسج لك غدًا لا بأس به، وكَذَلِكَ انسجي ليّ اليوم وأغزل لك غدًا إذا وصفتا الغزل (٤).
ابن عرفة: وعلى هذا تجري مسألة دُولَة النساء الواقعة عندنا فِي عصرنا، فِي اجتماعهن فِي الغزل لبعضهن حتى يستوفين، فإن قربت مدة استيفائهن الغزل لجميعهن كالعشرة الأيام ونحوها، وعينت المبتدأ لها ومن يليها إلى آخرهن ووُصف الغزل: جازت، وإِلا فسدت.
_________________
(١) في (ن ٢): (بصبي).
(٢) في (ن ٤) (تعلم).
(٣) نقل عبارة المؤلف هنا العدوي في حاشيته على الخرشي، ونسبها للشبرخيتي من شراح المختصر.
(٤) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٤٤٨.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
تنبيه:
هذه النظائر فِي " الوثائق الغرناطية "، وزاد فيها الجنات والأرحاء [وو الأرض] (١) المبيعة على التكسير، وهو بيع الأرض مزارعة، وزاد بعضهم بيع الحائط على عدد النخل.
ومُنِعَ وإِنْ بِلا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وغَائِبٍ، وكِرَاءٌ ضُمِّنَ، وسَلَمٍ بِخِيَارٍ، واسْتَبَدَّ بَائِعٌ، أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَشُورَةِ غَيْرِهِ، لا خِيَارِهِ ورِضَاهُ، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى نَفْيِهِ فِي مُشْتَرٍ، وعَلَى نَفْيِهِ فِي الْخِيَارِ فَقَطْ، وعَلَى أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِيهِمَا، ورَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتَبَ، أَوْ زَوَّجَ ولَوْ عَبْدًا.
قوله: (وَمُنِعَ وإِنْ بِلا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وغَائِبٍ، وكِرَاءٌ ضُمِّنَ، وسَلَمٍ بِخِيَارٍ) ذكر الأربعة غير واحد، وزاد أبو الحسن الصغير خامسًا (٢) وهو: العهدة، وكنت نظمت الخمسة وضابطها وحكمها وعلتها فِي بيتين من عروض الكامل فقلت:
النقدُ فِيمَا لا يَنْجُزُ قَبْضُهُ بَعْدَ الخِيَارِ رِبًا بِإِطْلاَقٍ يُرَى
فَسخٌ لِدَيْنٍ فِيهِ وهُوَ بِعُهْدَةٍ سلم مواضعة وعَيْب والكرا
وقولنا: فسخ لدين. بدل من: ربا. والضمير فِي " فيه " يعود على الدين أي: فسخ لدين فِي دين، وإن شئت جعلته عطف بيان وهو أنسب؛ إذ حقيقة القصد به منكشفة، ولا يمنع من ذلك تنكيره، فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين، فإن جعلت ربا خبرًا ففسخ مرفوع، وإن جعلته مفعولًا ثانيًا ليرى فانصب فسخًا، ولو أضمرت له مبتدأً لارتفع (٣) على التقديرين ولَمْ يخصص الكراء فِي النظم بالمضمون.
على أن المصنف قد خصصه به اتباعًا لِلَّخْميّ؛ لكن قال أبو الطاهر بن بشير: لا يجوز فِي السلم ولا فِي الكراء المضمون؛ لأنه فسخ دين فِي دين، وهو بيّن على القول بأن الخيار على الحلّ حتى ينعقد، وأما إن قلنا إنه على (٤) العقد حتى ينحلّ فقد يقوى جواز هذا لكنهم
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٢) في (ن ١): (خامسها).
(٣) في (ن ١): (لا ارتفع).
(٤) في (ن ١): (عن).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
لَمْ يقولوه، ويمكن أن يكون احتياطًا، ولو كان هذا معينًا أو غائبًا أو ما يتواضع من الجواري فإنه يجري على القولين فِي جواز أخذ هذه الأشياء من دين ". انتهى.
وقصدنا المعظم منه هذا الإجراء (١)، ولما (٢) ذكره ابن عرفة قال: ومذهب " المدونة " منع أخذ هذه الأشياء عن الدين. وقال أبو الحسن الصغير: الكراء المضمون والمعين سواء يعني على مذهب ابن القاسم فِي " المدونة "، وقد ظهر لك أن المصنف لو لَمْ يقيّد الكراء بكونه مضمونًا لكان أولى؛ ليجري على المشهور، ويوافق قوله فيما تقدّم أو منافع عين.
أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا، أَوْ رَهَنَ، أَوْ آجَرَ، أَوْ أَسْلَمَ لِلصَّنْعَةِ، أَوْ تَسَوَّقَ، أَوْ جَنَى إِنْ تَعَمَّدَ، أَوْ نَظَرَ الْفَرْجَ، أَوْ عَرَّبَ دَابَّةً، [أَوْ هَلبَهَا] (٣) أَوْ وَدَّجَهَا، لا إِنْ جَرَّدَ جَارِيَةً وهُوَ رَدٌّ مِنَ الْبَائِعِ، إِلا الإِجَارَةَ.
قوله: (أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا) اتبع فِي هذه العبارة ابن الحاجب، وقد قبل فِي توضيحه قول ابن عبد السلام: فِي لفظة [قصد] (٤) تجوّز؛ فإن: القصد بمجرده دون الفعل لا يدل على الاختيار أو يدل عليه؛ ولكنه لا يعلم حتى يرتفع النزاع بسببه إِلا أن يريد أن القاصد أقرّ على نفسه بذلك، ولعلّ هذا مراده؛ لأن فِي " المدونة ": وإذا كان الخيار للمبتاع في الجارية فجردها فِي أيام الخيار ونظر إليها فليس ذلك رضًا، وقد تجرد للتقليب إِلا أن يقرّ أنه فعل ذلك متلذذًا فهذا رضًا.
قال: ونظر المبتاع إلى فرج الأمة رضًا؛ لأن الفرج لا يجرد فِي الشراء ولا ينظر إليه إِلا النساء ومن يحلّ له الفرج " (٥) انتهى. وقد صرّح المصنف بهذين الفرعين بعد. انتهى (٦).
_________________
(١) في (ن ١): (الإجزاء).
(٢) في (ن ٣): (مما).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٨٢، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ١٨٠.
(٦) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٢٢.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
ولا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ، إِلا بِبَيِّنَةٍ.
قوله: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ، إِلا بِبَيِّنَةٍ) نحو هذه العبارة لابن الحاجب (١)، وناقشه ابن عبد السلام بأنه (٢) قابل بين الاختيار والردّ؛ مع أنّ الردّ أحد نوعي الاختيار، ثم أجاب بما قد علمت، وأضرب فِي " التوضيح " عن هذه المناقشة، فالعبارة عنده مرضية؛ فمن ثمّ [٧٣ / ب] انتحلها ها هنا، ويمكن على بعد أن يكون قوله: (اخْتَارَ) شاملًا لاختيار الإمضاء والردّ، ويكون قوله: (أَوْ رَدَّ) تنبيهًا على فرعٍ آخر، وذلك إذا قبض المشتري السلعة على خيارٍ فِي شرائها ثم قال بعد أيام الخيار: لَمْ أرضها وقد رددتها إلى ربّها، وأنكر ربّها أن يكون ردّها إليه؛ وعلى هذا ففاعل (رَدَّ) قاصر على المشتري، وفاعل (اخْتَارَ) متناول لهما؛ هذا إن ساعده النقل.
ولا يَبِعْ [مُشْتَرٍ] (٣)، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ، أَوْ لِرَبِّهَا نَقْضُهُ؟ قَوْلانِ. وانْتَقَلَ لِسَيِّدِ مُكَاتِبٍ عَجَزَ.
قوله: (وَلا يَبِعْ مُشْتَرٍ) نهي فيجزم الفعل، أو نفي فيرفع، وعلى كلٍ منهما فهو مناسب لقوله فِي " المدونة ": ولا ينبغي أن يبيع حتى يختار (٤).
ولِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ ولا كَلامَ لِوَارِثٍ، إِلا أَنْ يَأْخُذَ [٥٠ / أ] بِمَالِهِ.
قوله: (وَلِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ ولا كَلامَ لِوَارِثٍ، إِلا أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ) أي: ولا كلام لوارث مع الغرماء إِلا أن يأخذ الشيء الذي فيه الخيار بماله الخاصّ به. قال فِي " المدونة ": قال ابن القاسم: وإن أحاط الدين بمال الميت فاختار غرماؤه أخذًا أو ردًا، وذلك أوفر لتركته، وأرجى لقضاء دينه فذلك لهم دون ورثته، فإن ردّوا لَمْ يكن للورثة الأخذ إِلا أن يؤدوا (٥) الثمن من أموالهم دون مال الميت (٦).
_________________
(١) عبارة ابن الحاجب: (ولا يقبل أنه رد واختار لفظًا إلا ببينة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٥٧.
(٢) في (ن ١): (لأنه).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٨٣.
(٥) في (ن ٣): (يردوا).
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٧٩، وله بدل قول المؤلف: (وأرجى لقضاء)، (وأرد لقضاء) والسياق لا يستقيم به، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ١٧٧.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ابن يونس: حكي عن أبي محمد أن الغرماء إذا اختاروا الأخذ إنما يجوز ذلك لهم إذا كان ما طلع من فضل فللميت يقضون به دينه، وإن كان نقصان فعلى الغرماء بِخِلافِ المفلس يؤدي عنه الثمن هذا ما كان من فضل أو نقص فللمفلس أو عليه، والفرق بينهما أن الثمن لازم للمفلس والذي ابتاع بخيار لَمْ يلزمه ثمن إِلا شيء بمشيئة الغرماء فلم يجب أن يدخلوا على الورثة ضررًا.
ولِوَارِثٍ، والْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيعِ إِنْ رَدَّ بَعْضَهُمْ، والاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ، وهَلْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلانِ، وإِنْ جُنَّ نَظَرَ السُّلْطَانُ وَ[انْتَظَرَ] (١) الْمُغْمَى، وإِنْ طَالَ فُسِخَ، والْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، ومَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ، إِلا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَالَهُ، والْغَلَّةُ وأَرْشُ مَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ لَهُ، بِخِلافِ الْوَلَدِ، والضَّمَانُ مِنْهُ، وحَلَفَ مُشْتَرٍ إِلا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، أَوْ يُغَابَ عَلَيْهِ، إِلا بِبَيِّنَةٍ، وضَمِنَ الْمُشْتَرِي إِنْ خُيِّرَ الْبَائِعُ الأَكْثَرَ، إِلا أَنْ يَحْلِفَ، فَالثَّمَنُ كَخِيَارِهِ، وكَغَيْبَةِ بَائِعٍ، والْخِيَارُ لِغَيْرِهِ. وإِنْ جَنَى بَائِعٌ والْخِيَارُ لَهُ عَمْدًا فَرَدٌّ، وخَطَأً، فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ، وإِنْ تَلِفَتِ انْفَسَخَ فِيهِمَا، وإِنْ خُيِّرَ غَيْرُهُ وتَعَمَّدَ فَلِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ أَوْ أَخْذُ الْجِنَايَةِ، وإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الأَكْثَرَ، وإِنْ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَخْذُهُ نَاقِصًا أَوْ رَدُّهُ، وإِنْ تَلَفَتِ انْفَسَخَ، وإِنْ جَنَى مُشْتَرٍ والْخِيَارُ لَهُ ولَمْ يُتْلِفْهَا عَمْدًا فَهُوَ رِضًا، وخَطَأً فَلَهُ رَدُّهُ ومَا نَقَصَ، وإِنْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَ الثَّمَنَ، وإِنْ خُيِّرَ غَيْرُهُ وجَنَى عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ أَخْذُ الْجِنَايَةِ أَوِ الثَّمَنِ، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الأَكْثَرَ، وإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ وقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ فَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا ضَمِنَ وَاحِدًا بِالثَّمَنِ فَقَطْ. ولَوْ سَأَلَ فِي إِقْبَاضِهِمَا، أَوِ [ادَّعَى] (٢) ضَيَاعَ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ، ولَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي.
قوله: (وَلِوَارِثٍ) هو معطوف على قوله: (ولِسَيِّدِ مُكَاتِبٍ) وهذا الوارث لَمْ يحط الدين بمال موروثه بِخِلافِ الذي قبله، ومن العجب أن الظاهر من كلام الشارح أنه يصل هذا بما قبله وأنه يقرؤه: (ولا كلام لوارثٍ إِلا أن يأخذ ماله)، ولوارث بإسقاط الباء، ويعتقد أن ما من قوله: (ماله) موصولة، و(له) صلتها (ولوارث) معطوف على (له) وهذا ركيك ويلزم عليه مع ركاكته ثلاث محذورات:
_________________
(١) في المطبوعة: (نظر).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
[ ٢ / ٦٦١ ]
أوّلها: فوات الكلام على اجتماع الورثة والغرماء المحيط دينهم، مع شهرة المسألة فِي " المدونة " وَغيرها.
وثانيها: فوات الكلام الصريح على الوارث المنفرد.
وثالثها: التكرار والتهافت مع ما ذكر بعد من النظر والاستحسان. والله سبحانه أعلم.
كَسَائِلٍ دِينَارًا فَيُعْطَى ثَلاثَةً لِيَخْتَارَ، فَزَعَمَ تَلَفَ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا. وإِنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا، فَكِلاهُمَا مَبِيعٌ، ولَزِمَاهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وهُمَا فِي يَدِهِ، وفِي اللُّزُومِ لأَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلٍّ. وفِي الاخْتِيَارِ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قوله: (كَسَائِلٍ دِينَارًا فَيُعْطَى ثَلاثَةً لِيَخْتَارَ، فَزَعَمَ تَلَفَ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا). كذا فِي " المدونة " وو نصّه على اختصار أبي سعيد: " وكَذَلِكَ الذي يسأل رجلًا دينارًا فيعطيه ثلاثة دنانير ليختار أحدها، فيزعم أنه تلف منها ديناران، فإنه يكون شريكًا " (١). ومعنى قوله: (يكون شريكًا) أن له فِي كلّ دينار ثلاثة ويحلف على ما ذكر من الضياع فِي الثلثين إن كان متهمًا. نقله فِي " جامع الطرر " عن " المقرب " وجعلها أبو اسحاق وابن محرز على ثلاثة أوجه:
الأول: إذا قبضها على أن له أخذها غير معين إما قضاءً أو سلفًا فيجب أن يكون شريكًا فيها.
الثاني: أن يقبضها ليريها أو يزنها، فإن وجد فيها طيبًا وازنًا أخذه وإِلا ردّها كلها، فهذه عنده على الأمانة فلا يضمن منها شيئًا.
الثالث: أن يقبضها لتكون رهنًا عنده حتى يقتضي حقّه معها أو من غيرها، فهذه يكون ضامنًا لجميعها إِلا أن يثبت هلاكها. انتهى. وقبله عياض. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٨٨.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
[باب الردّ بالعيب]
ورُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا وإِنْ بِمُنَادَاةٍ، لا إِنِ انْتَفَى.
قوله: (كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا) هذا التمثيل لابن عبد السلام، فإنه لما تكلّم على قول ابن الحاجب: وما فيه غرض ولا مالية [فيه] (١) ففيه روايتان (٢). قال: هذا القسم مستبعد الوقوع؛ لأن الأثمان تابعة للأغراض، فإذا اشترط فِي المبيع وصف تتعلّق به الأغراض فلم يوجد ذلك الوصف فِي المبيع فالغالب [أن] (٣) الثمن ينقص لأجله، إِلا فيما يتعلّق به الغرض للقليل من الناس، كما إذا اشترى أمة على أنها نصرانية فوجدها مسلمة، وقال أردتّ أن أزوجها من غلامي النصراني، أو اشترى أمة على أنها ثيّب فوجدها بكرًا وقال: إن عليه يمينًا فِي ملك الأبكار أو أنه (٤) لا يطيق إصابتها فقد وقع فِي هذا النوع اضطراب ". انتهى.
فأما مسألة النصرانية ففي سماع عيسى (٥)، وأما مسألة الأمة فذكر أبو الأصبغ بن سهل: أنه كتب إليه [٧٤ / أ] فيها من فاس، فأجاب بهذا، وقد أغفلها ابن عرفة. وسمعت شيخنا الفقيه الحافظ أبا عبد الله القوري يقول: قال أبو عبد الله محمد بن عمر بن الفتوح: " سبب انتقالي من تلمسان إلى فاس عجز فقهاء تلمسان عن مسألتين إحداهما: هذه، قالوا فيها هذا كمن ضاع له قب فوجد حمامًا، والقبّ فِي اللغة هو الكوب واحد الأكواب (٦)، والثانية مسألة كتاب: الأيمان والنذور من " المدونة " فيمن التزم من النذور
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٥٨.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ٣): (أمة).
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٣٢٥.
(٦) لم أقف على هذا المعنى في كتب اللغة، والذي في لسان العرب: (القَبُّ: الثَّقْبُ الذي يجري فيه المِحْوَرُ من المَحالَةِ؛ وقيل: القَبُّ الخَرْقُ الذي في وَسَط البَكَرة؛ وقيل: هو الخشبة التي فوق أَسنان المَحالة؛ وقيل: هو الخَشَبَةُ المَثْقُوبة التي تَدور في المِحْوَر؛ وقيل: الخَشَبة التي في وَسَط البَكَرة وفوقها أَسنان من خشب، والجمعُ من كل ذلك أَقُبٌّ، لا يُجاوَزُ = = به ذلك. القَبُّ: رئيسُ القوم وسَيِّدُهم؛ وقيل: هو المَلِكُ؛ وقيل: الخَليفة؛ وقيل: هو الرَّأْسُ الأَكْبر، القَبُّ: ما بَين الوَرِكَينِ. وقَبُّ الدُّبُر: مَفْرَجُ ما بين الأَلْيَتَيْنِ. والقِبُّ، بالكسر: العَظم الناتىء من الظهر بين الأَلْيَتَين. والقَبُّ: ضَرْبٌ من اللُّجُم، أَصْعَبُها وأَعظمها). انتهى باختصار من: لسان العرب: ١/ ٦٥٨ قلت: وفي تاج العروس: أنه كيل للغلات، فلعل هذا من ذاك. انظر: تاج العروس، للزبيدي: ٣/ ٥٠٩.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ما لا يبلغه عمره ". انتهى. وقول المصنف: (ليمين) يشمل اليمين أن لا يملك وأن لا يطأ.
وبِمَا الْعَادَةُ السَّلامَةُ مِنْهُ كَعَوَرٍ وقَطَعٍ، وخِصَاءٍ، واسْتِحَاضَةٍ، ورَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ، وعَسَرٍ، وزِنًا، وشُرْبٍ وبَخَرٍ، وزَعَرٍ وزِيَادَةِ سِنٍّ، وظُفْرٍ، وبُجَرٍ، وعُجَرٍ، ووَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ، لا جَدٍّ، ولا أَخٍ، وجُذَامِ أَبٍ، أَوْ جُنُونِهِ بِطَبْعٍ، لا بِمَسِّ جِنٍّ وسُقُوطِ سِنَّيْنِ وفِي الرَّائِعَةِ الْوَاحِدَةُ، وشَيْبٍ بِهَا فَقَطْ، ولَوْ قَلَّ، وجُعُودَتِهِ، وصُهُوبَتِهِ، وكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا ولَوْ وَخْشًا، وبَوْلٌ فِي فِرَاشٍ فِي وَقْتٍ يُنْكَرُ، إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْبَائِعِ.
قوله: (وَظُفْرٍ، وبُجَرٍ، وعُجَرٍ) الجوهري: الظَفَرَة بالتحريك جليدة تغشى العين ناتئة (١) من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها، وهي التي يقال لها: ظفر. عن أبي عبيد وقد ظفرت عينه بالكسر تظفر ظفرًا، وفِي " مختصر العين " الظفر (٢): جليدة [تغشى البصر] (٣) يقال عين ظفرة، وقد ظفر الرجل.
الجوهري: والبجر بالتحريك خروج السرة ونتوئها وغلظ أصلها. وفِي " مختصر العين ": الأبجر العظيم البجرة وهي السرة، وقد بجر.
الجوهري: العجرة بالضم العقدة فِي الخشب أو فِي عروق الجسد، ثم قال والعجر بالتحريك: الحجم والنتوء يقال: " رجل أعجر بين [العجر] (٤) " أي عظيم البطن ونحوه فِي " مختصر العين " وقال المتيطي: العجرة هي العقدة تكون على ظهر الكفّ أو الذراع أو سائر الجسد، وهي عيب يردّ به.
_________________
(١) في الأصل، و(ن ١) و(ن ٢) و(ن ٣): (نابئة).
(٢) في (ن ٣): (الظفرة).
(٣) في الأصل: (تغشى العين البصر)، وساقط من (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وإِلا حَلَفَ، إِنْ أَقَرَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ وتَخَنُّثِ عَبْدٍ، وفُحُولَةِ أَمَةٍ إِنِ اشْتَهَرَتْ، وهَلْ هُوَ الْفِعْلُ أَوِ التَّشَبُّهِ؟ تَأْوِيلانِ، وقَلَفِ ذَكَرٍ. وأُنْثَى مُوَلَّدٍ، أَوْ طَوِيلِ الإِقَامَةِ.
قوله: (وَإِلا حَلَفَ، إِنْ أَقَرَّتْ عِنْدَ (١) غَيْرِهِ) أي: وإن لَمْ يثبت بولها عند البائع حلف البائع أنه لا يعلمه إن أقرّت أي وضعت بيد غير المتبايعين من امرأة أو رجل ذي زوجة، فيقبل خبر المرأة أو الزوج عن امرأته ببولها. قاله ابن حبيب، وصححه ابن رشد، ونقل اللَّخْمِيّ عن ابن عبد الحكم: يحلف البائع ويبرأ؛ إذ قد تُكْرِه الأمة مبتاعَها فتفعله، ولو أسقط المصنف الضمير من (غيره) لكان أبين، ولو قال: إن بالت عند أمين؛ لكان أبين من هذا كلّه.
وخَتْنِ مَجْلُوبِهِمَا كَبَيْعٍ بِعُهْدَةٍ مَا اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَةٍ.
قوله: (كَبَيْعٍ بِعُهْدَةٍ مَا اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَةٍ) كذا فِي سماع أشهب من ابتاع عبدًا بالبراءة أو بيع ميراث فلا يبعه بيع الإسلام وعهدته حتى يبين أنه ابتاعه بالبراءة، ولو أخبره بذلك بعد العقد يريد فسخ البيع لَمْ يفسخ إنما عليه أن يبين، ثم للمبتاع رده إن شاء (٢).
ابن يونس: وكذا فِي كتاب محمد وذلك كعيب كتمه؛ لأنه يقول: لو علمت أنك ابتعته بالبراءة لم أشتره منك إذ قد أصيب به عيبًا وتفلس أو تكون عديمًا، فلا يكون لي الرجوع على بائعك قال بعض أصحابنا: يجب على هذا لو باع عبدًا قد وهب [له] (٣) ولَمْ يبين أنه وهب له أن يكون للمشتري متكلّم فِي ذلك؛ إذ لو ظهر له عيب لَمْ يكن له متكلم مع الواهب.
وكَرَهَصٍ.
قوله: (وَكَرَهَصٍ) الجوهري: والرهصة أن يدوي باطن حافر الدابة من حجر تطؤه مثل الوقرة قال الشاعر:
_________________
(١) في (ن ١): (عنده).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٢٧٨، ٢٧٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
[ ٢ / ٦٦٥ ]
كبَزْغِ البِيطَرِ الثَّقْفِ رَهْصَ الكَوادِنِ (١)
قال الكسائي: " يقال: رهصت الدابة بالكسر وأرهصها الله مثل وقرت وأوقرها الله، ولَمْ يقل رهصت فهي مرهوصة ورهيص وقاله غيره ". انتهى. فيصحُّ هنا إسكان الهاء كما فِي قوله: رهص الكوادن. وفتحها كما حكى الكسائي.
وعَثَرٍ.
قوله: (وَعَثَرٍ) فِي " مختصر العين ": " عثر الرجل يعثر عثورًا، وعثر الفرس عثارًا، وعثرت على الأمر عثرًا اطلعت عليه. انتهى. والجاري عليه أن يقول هنا: وعثار؛ ولكن قال فِي " خلاصة المحكم ": عثر يعثر ويعثر عثرًا وعثارًا ومعثرًا: كبا (٢)، وعليه جرى هنا.
وحَرَنٍ.
قوله: (وحَرَنٍ) قال الجوهري: " فرس (٣) حرون: لا ينقاد، وإذا اشتدّ به الجري وقف، وقد حرن يحرن حرونًا، وحرُن (٤) بالضم أي: صار حرونًا، والاسم الحران، وفِي " مختصر العين " حرنت الدابة تحرن حرانًا وحرنت " انتهى. فالآتي عليهما أن يقول هنا وحرون أو حران.
وعَدَمِ حَمْلٍ [٥٠ / ب] مُعْتَادٍ، لا ضَبْطٍ، وثُيُوبَةٍ، إِلا فِيمَنْ لا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا، وعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ قُبُلٍ، وكَوْنِهَا زَلاءَ، وكَيٍّ لَمْ يُنَقَّصْ، وتُهْمَةٍ بِسَرِقَةٍ حُبِسَ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ.
قوله: (وَعَدَمِ حَمْلٍ مُعْتَادٍ) أي: أن يجد الدابّة لا تحمل على ظهرها حمل أمثالها المعتاد.
ومَا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلا بِتَغَيُّرٍ كَسُوسِ الْخَشَبِ، والْجَوْزِ، ومُرِّ قِثَّاءٍ، ولا قِيمَةَ، ورُدَّ الْبَيْضُ، وعَيبٍ قَلَّ بِدَارٍ، وفِي قَدْرِهِ. تَرَدُّدٌ ورَجَعَ بِقِيمَتِهِ كَصَدْعِ جِدَارٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ.
قوله: (ورَجَعَ بِقِيمَتِهِ) كذا فِي أكثر النسخ بإضافة (قيمة) إلى ضمير العيب القليل،
_________________
(١) البيت نسبه الخليل للطرماح، انظر: " كتاب العين ": ٧/ ٤٢٢، ونسبه الصاغاني للأخطل، وهو غير صحيح.
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (كبارًا).
(٣) في (ن ١): (وفرس).
(٤) في (ن ١): (أو حرن).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فيكون قوله: (كَصَدْعِ جِدَارٍ) مثالًا للعيب القليل الذي هو عيب قيمة لا عيب ردّ، فعلى هذا لَمْ يذكر القليل جدًا كسقوط شرافة، ويعضده قوله: (وفِي قدره تَرَدُّدٌ وفِي بعضها بقيمة) بإسقاط الضمير؛ كأنه أضاف قيمة لكاف [٧٤ / ب] التشبيه، فيبقى قوله: (وَعَيبٍ قَلَّ بِدَارٍ) متناولًا للقليل جدًا الذي لا ردّ فيه ولا قيمة كسقوط شرافة، ولكن يبعده قوله: (وفِي قدره تَرَدُّدٌ).
إِلا أَنْ يَكُونَ وَجْهَهَا، أَوْ بِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ.
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ وَجْهَهَا) أي: إِلا أن يكون العيب القليل وجهها.
كَمِلْحٍ بِبِئْرِهَا بِمَحَلِّ الْحَلاوَةِ.
قوله: (كَمِلْحٍ بِبِئْرِهَا) كذا فِي بعض النسخ بكاف التشبيه، وهو خير من النسخ التي فيها أو ملح معطوفًا بأو.
وإِنْ قَالَتْ أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ، لَكِنَّهُ عَيْبٌ، إِنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ. وتَصْرِيَةُ الْحَيَوَانِ كَالشَّرْطِ كَتَلْطِيخِ ثَوْبِ عَبْدِهِ بِمِدَادٍ فَيَرَدُّهُ بِصَاعٍ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ، وحَرُمَ رَدُّ اللَّبَنِ، لا إِنْ عَلِمَهَا مِصْرَاةً، أَوْ لَمْ تُصِرَّ، وظَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ، إِلا إِنْ قُصِدَ واشْتُرِيَتْ فِي وَقْتِ حِلابِهَا، وكَتَمَهُ، ولا بِغَيْرِ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ عَلَى الأَحْسَنِ، وتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهَا عَلَى الْمُخْتَارِ والأَرْجَحِ، وإِنْ حُلِبَتْ ثَالِثَةً، فَإِنْ حَصَلَ الاخْتِبَارُ بِالثَّانِيَةِ فَهُوَ رِضًا، وفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ، وفِي كَوْنِهِ خِلافًا تَأْوِيلانِ. ومَنَعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ، ووَارِثٍ رَقِيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أَنَّهُ إِرْثٌ، وخُيِّرَ مُشْتَرٍ ظَنَّهُ غَيْرَهُمَا، وتَبَرِّي غَيْرِهِمَا فِيهِ [كَإِنْ] (١) لَمْ يَعْلَمْ إِنْ طَالَتْ إِقَامَتُهُ، وإِنْ عَلِمَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ بِهِ ووَصَفَهُ أَوْ أَرَاهُ لَهُ ولَمْ يُجْمِلْهُ، وزَوَالُهُ إِلا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ، وفِي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وطَلاقِهَا وهُوَ الْمُتَأَوَّلُ، والأَحْسَنُ، أَوْ بِالْمَوْتِ فَقَطْ وهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ لا، أَقْوَالٌ، ومَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا إِلا مَا لا يُنَقِّصُ، كَسُكْنَى الدَّارِ وحَلَفَ إِنْ سَكَتَ بِلا عُذْرٍ فِي كَالْيَوْمِ، لا كَمُسَافِرٍ اضْطُرَّ لَهَا أَوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ.
قوله: (وإِنْ قَالَتْ أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ، لَكِنَّهُ عَيْبٌ، إِنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ) مفهوم قوله: (إِنْ رَضِيَ) أن له الردّ إن (٢) لَمْ يرض، وظاهره وإن كانت الأمة إنما قالت ذلك بعد أن
_________________
(١) في المطبوعة: (مما).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (إذا).
[ ٢ / ٦٦٧ ]
دخلت فِي ضمانه وهو مقتضى النسخ التي وقفت عليها من " التوضيح " (١)، وليس ذلك بصحيح، وإنما يصحّ ذلك لو ثبت أنها كانت ادعت ذلك وهي (٢) فِي ضمان بائعها، كما فرضه شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن عبد السلام، إذ قال: من اشترى أمة ثم اطلع على أنها ادعت على البائع أنه استولدها، وثبت ذلك عنده ببينة: لَمْ يحرم على المشتري استدامة ملكها بمجرد هذه الدعوى؛ ولكنه عيب يجب له به الردّ على البائع إن أحب، فإن رضي به أو صالح عنه، ثم أراد أن يبيع تلك الأمة لزمه أن يبين كما يلزمه ذلك فِي جميع العيوب، وكما كان يجب ذلك على بائعها منه، فيجب أن يحمل كلام المصنف هنا على فرض ابن عبد السلام، وإِلا كان مخالفًا للروايات ونصوص العلّماء.
ففي أول مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب " العيوب ": " قال مالك فيمن اشترى جارية فأقامت عنده سنين ثم قالت: قد ولدت من سيدي الذي باعني، لا يحرمها ذلك على سيدها، وذلك عيب تردّ به إن باعها وكتمه. قال ابن القاسم: يريد إذا باعها المشتري الذي زعمت له ذلك، فإنه إذا لَمْ يبين لمشتريها منه أنها قد ذكرت له أنها ولدت من (٣) سيّدها الأول كان عيبًا تردّ منه؛ لأن أهل الورع لا يقدمون على مثل هذا " (٤). انتهى.
وذكرها فِي " النوادر " ثم زاد، وكَذَلِكَ فِي كتاب محمد وابن حبيب قال ابن رشد: ولو قالت ذلك فِي عهدة الثلاث أو فِي الاستبراء يعني المواضعة لكان له ردّها [به] (٥) على قياس قوله: إن ذلك عيب يجب عليه أن يبينه إذا باعها؛ لأن (٦) ما حدث من العيوب فِي العهدة والاستبراء، فضمانه من البائع، وبذلك (٧) أفتى ابن لبابة وابن مزين (٨) وعبيد الله بن يحيي
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٤٠.
(٢) في (ن ١): (وهو).
(٣) في المصدر المنقول منه: (مع).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٢٤٣.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٦) في (ن ٢)، و(ن ٣): (لا).
(٧) في (ن ١): (ولذلك).
(٨) في (ن ١): (وابن مزيد).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وغيرهم من نظائرهم، وقع ذلك فِي أحكام ابن زياد خلاف ما روى المدنيون عن مالك من أنّ ذلك ليس بعيب تردّ منه، إذ لا يقبل منها، وقد روى داود بن جعفر عن مالك نحوه قال: إذا سرق العبد فِي عهدة الثلاث ردّ بذلك، وإن أقرّ على نفسه بالسرقة (١) لم يردّ؛ لأنه يتهم على إرادة الرجوع لسيده، ومعنى ذلك عندي (٢) إذا كانت سرقته التي أقرّ بها مما لا يجب [عليه] (٣) القطع فيها " انتهى، وعليه اقتصر ابن عرفة، وناقشه فِي تقييد السرقة بما لا قطع فيه فقال: " وو ما يتوهم فِي هذا، وليس بمحل خلاف ". انتهى.
ومن العجب أنه نقل فِي " التوضيح " كلام ابن رشد هذا بعد الكلام الموهم لما تقدم، فلعلّ ذلك من تصحيف الناسخ، وقد نقل ابن شاس: المسألة على ما هي فِي السماع المذكور، وزاد: أن الضابط فِي اعتبار حاله حدوث العيب أن كلّ حالة يكون ضمان المبيع فيها باقيًا على بائعه، فحدوث العيب فيها يقتضي الخيار، وكل حالة انتقل الضمان فيها إلى المبتاع فلا ردّ له بما يحدث فيها من العيوب (٤).
فَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ.
قوله: (فَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ) كذا لابن شاس وابن الحاجب (٥) وقال اللَّخْمِيّ: قال ابن القاسم فِي كتاب محمد فيمن اشترى عبدًا وأقام فِي يديه (٦) ستة أشهر لغيبة البائع، ولَمْ يرفع إلى السلطان حتى مات العبد: فله أن يرجع بالعيب ويعذر بغيبة البائع؛ لأن الناس يستثقلون الخصوم عند القضاة، ولأنه يرجو إذا جاء البائع أن لا يكلفه ذلك. انتهى.
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بالوقت).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (عنده).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٧٠٤.
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٧١١. قال: (وو ترك التقصير أن يرد مع التمكن وعدم العذر إن كان البائع حاضرًا، فإن كان غائبًا استشهد شاهدين بالرد، فإن عجز حضر عند القاضي فأعلمه) وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٦٠.
(٦) في (ن ١): (وقام بيده).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
واعتمده ابن عرفة ثم قال: وقول ابن الحاجب إن كان البائع غائبًا استشهد شهيدين. يقتضي أن إشهاده (١) شرط فِي ردّه أو فِي سقوط اليمين عنه إن قدم ربه ولو لَمْ يدَّعِ عليه ذلك، ولا أعرفه لغير ابن شاس.
فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ فَتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ إِنْ رُجِيَ قُدُومُهُ.
قوله: (فَتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ إِنْ رُجِيَ قُدُومُهُ) كذا فِي النسخ المصححة، على أن رجاء القدوم شرط فِي التلوم. [٧٥ / أ]
كأنْ لَمْ يُعْلَمْ موضعهُ (٢) عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (كأنْ لَمْ يُعْلَمْ موضعه عَلَى الأَصَحِّ) القول بأن من لَمْ يعلم موضعه الذي تغيب فيه بمنزلة بعيد الغيبة فيقضي عليه بعد التلوم. هذا قول أبي مروان بن مالك من أئمة قرطبة فكّ الله أسرها، والقول بأنه بمنزلة القريب الغيبة فلا يقضي عليه حتى تزيد البينة غيبة بعيدة ثم تقول بحيث لا يعلمون هو قول (٣) أبي عمر ابن القطان، والمصوب للأول هو أبو الأصبغ بن سهل قال: وقول ابن القطان محال فِي النظر؛ لأنه لا يجوز أن يكلف من يقول لا أعلم حيث غاب أن يزيد مغيبًا بعيدًا، فيجعل عالمًا لما قد انتفى من علمه وهو تناقض ثم: استدلّ على صحة ما صوّب بمسائل من " المدونة " والأسمعة، وذلك مبسوط فِي " نوازله " وفِي " المتيطية ". وفهم من كلام المصنف أن القريب (٤) الغيبة لا يقضى عليه وهو معنى قوله فِي المدونة: لَمْ يعجل الإمام على القريب الغيبة. أبو الحسن الصغير ويكتب إليه ليقدم، فإن أبى أن يقدّم حكم عليه كما يحكم على الملد الحاضر.
_________________
(١) في (ن ٣): (الشهادة).
(٢) في أصل المختصر: (قُدُومُهُ).
(٣) في (ن ١): (كقول).
(٤) في (ن ٣): (قريب).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وفِيهَا أَيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ، وفِي حَمْلِهِ عَلَى الْخِلافِ تَأْوِيلانِ. ثُمَّ قَضَى إِنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وصِحَّةَ الشِّرَاءِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا، وفَوْتُهُ حِسًَّا كَكِتَابَةٍ وتَدْبِيرٍ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا ومَعِيبًا، ويُؤْخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النِّسْبَةُ، ووُقِفَ فِي رَهْنِهِ وإِجَارَتِهِ لِخَلاصِهِ، ورُدَّ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرَ كَعَوْدِهِ لَهُ بِعَيْبٍ أَوْ بِمِلْكٍ مُسْتَأْنَفٍ كَبَيْعٍ أَوهبةٍ أَوْ إِرْثٍ، فَإِنْ بَاعَهُ لأَجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا، أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، أَوْ بِأَكْثَرَ إِنْ دَلَّسَ، فَلا رُجُوعَ وإِلا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ، ولَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ، وتَغَيُّرِ الْمَبِيعِ إِنْ تَوَسَّطَ [٥١ / أ]، فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ ورَدُّهُ، ودَفْعُ الْحَادِثِ وقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي.
قوله: (وفِيهَا أَيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ، وفِي حَمْلِهِ عَلَى الْخِلافِ تَأْوِيلانِ) أشار بهذا لقول المتيطي، قد قال فِي كتاب: التجارة لأرض الحرب من " المدونة " إن بعدت غيبته قضى عليه (١)، ولم يذكر التلوم، ونحوه لابن القاسم فِي كتاب: القسم منها، وحمله غير واحد من الشيوخ على الخلاف لما فِي كتاب العيوب يعني من قوله: وأما البعيد فيتلوم له إن كان يطمع بقدومه، فإن لَمْ يأت قضى عليه برد العيب ثم يبيعه عليه الإمام ويقضي المبتاع ثمنه الذي نقد بعد أن تقول بينته: إنه نقد الثمن وهو كذا وكذا دينارًا، فما فضل حبسه الإمام للغائب عند أمين، وإن كان نقصانا رجع المبتاع على البائع بما بقي له من الثمن (٢).
ثم قال المتيطي عن بعض الموثقين: " وو القَوْلانِ متفقان، وكأنه قال يتلوم له الإمام إن طمع [بقدومه ولم] (٣) يخف على العبد (٤) ضيعة، فإن خاف ذلك عليه أو لَمْ يطمع بقدوم الغائب باع العبد ". انتهى. فقول المصنف: (نَفْيُ التَّلَوُّمِ) هو بحذف مضاف أي: نفي ذكر التلوم، ولو قال وفيها أَيْضًا السكوت عن التلوم؛ لكان أبين.
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٥٦.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٨٧.
(٣) في (ن ٣): (لقدومه ولا).
(٤) في (ن ١)، و(ن ٣): (البعد).
[ ٢ / ٦٧١ ]
ولَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبْغٍ أَنْ يَرُدَّ ويَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ الْبَيعِ (١) عَلَى الأَظْهَرِ، وجبرَ بِهِ الْحَادِثُ.
قوله: (وَلَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبْغٍ أَنْ يَرُدَّ ويَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ الْبَيعِ عَلَى الأَظْهَرِ) صوابه على الأرجح إن كان أشار به إلى قول ابن يونس، حكي عن القابسي أنه قال: القيمة فِي ذلك يوم الحكم لا يوم البيع؛ لأنه إذا ردّه فقد فسخ البيع يوم الحكم، وهذا خلاف قولهم: إذا نقص فأراد الردّ وردّ ما نقص أن القيمة فِي هذا يوم البيع فكَذَلِكَ كان يكون إذا زاد، ولا فرق بينهما.
قال ابن عرفة: ونسب المازري قول القابسي لمحمد فقط قائلًا: لأن الزيادة لَمْ يقع فيها معاقدة بين المتبايعين، وذكر قول ابن يونس ولم يتعقبه، وتعليل محمد فرق واضح بين الزيادة والنقص. ورأيت بخط شيخنا الفقيه الحافظ المشاور أبي عبد الله القوري مصلحًا فِي نسخته من هذا المختصر (ويشترك بما زاد يوم البيع على الأرجح والحكم على الأَظْهَر)؛ [وعلى هذا فالإشارة بقوله: (يوم البيع على الأرجح) إلى ما تقدّم من كلام ابن يونس، وبقوله: (والحكم على الأَظْهَر)] (٢) إلى قول ابن رشد فِي (المقدمات) ما نصّه:
" وأما الزيادة بما أحدثه المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ والخياطة والكمد وما أشبهه مما لا ينفصل عنه إِلا بفساد فلا اختلاف أن ذلك يوجب له الخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يردّ ويكون شريكًا بما زاد؛ لأنه أخرج ماله فيه فلا يذهب هدرًا، ووجه العمل فِي ذلك أن يُقَوّم الثوب يوم البيع سليمًا من عيب التدليس، فإن كانت قيمته [مائة قوّم أَيْضًا يوم البيع بعيب (٣) التدليس، فإن كانت قيمته] (٤) ثمانين قوّم أَيْضًا يوم الحكم [غير مصبوغ] (٥)، فإن كانت قيمته خمسة وثمانين قوّم أَيْضًا يوم الحكم
_________________
(١) زاد في أصل المختصر: (عَلَى الأَرْجَحِ والْحُكْمُ)، وانظر: إشارة المؤلف لها في شرح المسألة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) في المقدمات: (بقيمة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) في المقدمات: (مصبوغًا).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
مصبوغًا، فإن كانت قيمته خمسة وتسعين كان مخيّرًا بين أن يمسك ويرجع بخمس الثمن، أو يردّ ويأخذ جميع الثمن، ويكون شريكًا فِي الثوب بما تقع العشرة التي بين القيمتين من الخمسة والتسعين، وذلك جزآن من تسعة عشر.
وإن كانت الأسواق حالت بنقصان لَمْ يقوّم يوم الحكم غير مصبوغ، وقوّم مصبوغًا، فإن كانت قيمته يوم الحكم مصبوغًا خمسة وثمانين [٧٥ / ب] كان شريكًا فِي الثوب إن ردّه بجزءٍ من سبعة عشر، وهو ما تقع الخمسة التي بين قيمته يوم الحكم مصبوغًا [وبين قيمته يوم الشراء غير مصبوغ من قيمته يوم الحكم مصبوغًا] (١).
وتحصيل هذا الذي قلناه: أن الأسواق إن كانت حالة بزيادة لَمْ يكن بد أن يقوّم فِي الردّ يوم الحكم مصبوغًا أو غير مصبوغ، إذ لا يصح أن يكون شريكًا بما زادت الأسواق، وإن كانت الأسواق حالت بنقصان لَمْ يقوّم يوم الحكم إِلا مصبوغًا خاصّة، فكان شريكًا بما زادت قيمته يوم الحكم مصبوغًا على قيمته يوم الشراء غير مصبوغ على ما ذكرناه. وهذا قول بعض أهل النظر وفيه عندي نظر.
والقياس: أن يقوّم يوم الحكم مصبوغًا وغير مصبوغ، وإن حالت الأسواق بنقصان فيكون شريكًا بما زاد الصبغ على كل حال؛ لأن حوالة الأسواق ليست بفوت فِي الزيادة ولا فِي النقصان، ويلزم البائع أن يأخذ ثوبه بزيادته ونقصانه فكما تكون له الزيادة ولا يشاركه بها المبتاع، وإنما يشاركه بما زاد الصبغ خاصّة فكَذَلِكَ يكون عليه [النقصان] (٢) ويشاركه المبتاع بما زاد الصبغ ولا ينقص من ذلك بسبب حوالة الأسواق.
وفُرِقَ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وغَيْرِهِ إِنْ نَقَصَ كَهَلاكِهِ بِالتَّدْلِيسِ، وأَخْذِهِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ، وتَبَرُّؤٍ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ ورَدِّ سِمْسَارٍ جُعِلا، ومَبِيعٍ لِمَحَلِّهِ إِنْ رُدَّ بِعَيْبٍ، وإِلا رُدَّ إِنْ قَرُبَ، وإِلا فَاتَ كَعَجْفِ دَابَّةٍ وسِمَنِهَا، وعَمًى، وشَلَلٍ، وتَزْوِيجِ أَمَةٍ، وجبرَ بِالْوَلَدِ.
قوله: (وتَزْوِيجِ أَمَةٍ) يفسره قوله فِي " المدونة ": وإن زوّج الأمة من عبد (٣) أو من
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، وانظر: نقل المؤلف عن المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٣٩٩، والنص به بعض اختلاف عما هو منقول هنا.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (عبده).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
رجلٍ حرّ ثم ظهر على عيبٍ فله ردّها وليس للبائع فسخ النكاح، وعلى المبتاع ما نقصها النكاح، وإن لَمْ ينقصها فلا شيء عليه (١).
إِلا أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ، أَوْ يَقِلَّ، فَكَالْعَدَمِ كَوَعَكٍ، ورَمَدٍ، وصُدَاعٍ، وذَهَابِ ظُفُرٍ، وخَفِيفِ حُمًّى.
قوله: (كَوَعَكٍ) مما فسّره به فِي المشارق أنه إزعاج الحمى المريض وتحريكها إياه، وفِي " مختصر العين ": " وعكته الحمى وعكًا: دكته ". وفِي صحاح الجوهري: الوعك مغث الحُمّى، والمغث ضرب ليس بالشديد " قال ابن الحاجب: وفيها الوعك والحمى والرمد من الأول (٢) أي: اليسير.
ابن عبد السلام: لَمْ أقف على الوعك فِي " المدونة "؛ إنما فيها الرمد والحمى. ابن عرفة: فيها مع الرمد والحمى الصداع وكلّ وجعٍ ليس بمخوف (٣)، ثم ساق نصّ " الصحاح ".
ووَطْءِ ثَيِّبٍ، وقَطْعِ مُعْتَادٍ والْمُخْرِجُ عَنِ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ. فَالأَرْشُ كَكِبَرِ صَغِيرٍ وهَرَمٍ، وافْتِضَاضِ بِكْرٍ، وقَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ إِلا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، أَوْ بِسَمَاوِيٍّ زَمَانَهُ كَمَوْتِهِ فِي إِبَاقِهِ، وإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، وهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلَى الْمُدَلِّسِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ [رُجُوعُهُ عَلَى] (٤) بَائِعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ زَادَ فَلِلثَّانِي، وإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ [الثَّانِي] (٥)؟ قَوْلانِ.
قوله: (وَافْتِضَاضِ بِكْرٍ) عدّ هذا من المفيت مخالف للمنصوص، وإنما هو من المتوسط، فلعلّ مخرج المبيضة وضعه فِي غير محلّه، وقد ذكره فِي التوضيح على الصواب فقال: " وأما وطءُ البكر فهو عند مالك من الثالث، وقيّده الباجي بالعلية. قال: وأما
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٨٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٣١٣.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٦٠.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٧٣.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الوخش فذلك لا ينقصها بل يزيدها، وكذا نقل المازري عن بعض المتأخرين ". انتهى (١). ومراد المازري ببعض المتأخرين الباجي (٢).
قال ابن عرفة: ووطءُ البكر المنصوص من الثالث، وتخريج قول ابن وهب أحري. الباجي (٣): قول مالك فِي وطءِ البكر: ما نقص من ثمنها. يريد إذا كانت ممن ينقصها الافتضاض؛ لأن الوخش لا ينقصها ربما زاد فيهنّ، وقبله المازري ونحوه قوله فِي كتاب: المرابحة من " المدونة ": لو كانت أمة فوطأها لَمْ يبين إِلا أن يكون افتضّها وهي ممن ينقصها، وأما الوخش التي ربما كان أزيد لثمنها فلا بيان عليه. (٤).
ولَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعِيَتْ رُؤْيَتُهُ إِلا بِدَعْوَى الإِرَاءَةِ، ولا الرِّضَا بِهِ إِلا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ، ولا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ لإِبَاقِهِ بِالْقُرْبِ.
قوله: (وَلَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ .. إلى قوله: بالقرب) اشتمل على ثلاث مسائل كلّها فِي " المدونة " (٥).
وهَلْ يُفْرَقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْبِ يَرْجِعُ بِالزَّائِدِ وأَقَلِّهِ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلاكِهِ فِيمَا بَيْنَهُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ. ورُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ ورُجِعَ بِالْقِيمَةِ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً.
قوله: (ورُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ) هذا أعمّ من أن يكون الثمن عينًا أو سلعة، فما بعده أخصّ منه.
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٧٤.
(٢) انظر: ما للباجي مما أشار له المؤلف في: المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٦/ ٨٨.
(٣) في (ن ٣): (والباجي).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢١٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٣٥١.
(٥) قال في تهذيب المدونة: (ومن ابتاع عبدًا فأبق عنده بقرب البيع، فقال للبائع: أخشى أنه لم يأبق لقرب البيع إلا وقد أبق عندك فاحْلِف، فلا يمين عليه. وما جهل أمره فهو على السلامة حتى تقوم بينة. وإن دلس البائع بعيب في العبد فرد عليه، فليس له أن يُحلّف المبتاع أنه لم يرض به بعد علمه به، إلا أن يدعي علم رضاه بمخبر أخبره أنه تسوق به بعد علمه بالعيب أو رضيه، أو يقول: قد بينته له فرضيه. وكذلك إن قال: احلف أنك لم تر العيب عند الشراء، فلا يمين له عليه حتى يدعي أنه أراه إياه فيحلّفه، أو يقيم بينة فيقضي له بها) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
إِلا أَنْ يَكُونَ الأَكْثَرَ، أَواحد مُزْدَوَجَيْنِ، أَوْ أُمًَّا ووَلَدَهَا، ولا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ، فَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ وفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ، ورَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ.
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ الأَكْثَرَ) مستثنى مما علمت أنه أعمّ.
ورَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ والْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ، إِلا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي. وحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ.
قوله: (والْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ، إِلا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي). هاتان مسألتان والاستثناء قاصر على الثانية منهما كما فِي " المدونة " (١) وغيرها.
تنبيه:
قيّد ابن الحاجب العيب المتنازع فيه بالخفي (٢)؛ فقال ابن عبد السلام: كلامه يدل أن المذهب عنده أن لا قيام للمشتري بالعيب الظاهر، وهو قول ابن حبيب، وعليه يعتمد غير واحدٍ ممن صنّف فِي الأحكام، وكذا يعتمد عليه أصحاب الوثائق، ومذهب " المدونة " عند جماعة أنه لا يلزم المشتري سوى اليمين أنه لَمْ يره وقت البيع، ويحكم له بالردّ، ومنه مسألة الزلاء والأقطع والأعور فقد أوجب للمشتري فِي " المدونة " الردّ بذلك، وكثرة وقوع هذه المسائل وأشباهها يوجب ضعف قول من قال: لعلّ معنى ما فِي " المدونة " فِي أمة أو عبد عقد عليهما البيع، وهما غائبان. انتهى.
قال ابن عرفة: ما نسبه لابن حبيب ذكره عنه ابن يونس، وصوّبه ونسب لمالك خلافه فِي مسألة الزلاء فِي " المدونة "، وفيما ذكره عن غير واحد من الموثقين [٧٦ / أ] نظر؛ لأن المتيطي وغيره منهم وابن سهل وغيره من الأندلسيين أوجبوا اليمين على البتّ فِي العيب الظاهر، ومثله لابن عات فِي غير موضع من " الطرر " منها قوله: من امتنع من دفع ثمن ما ابتاعه لدعوى عيب به إن كان ظاهرًا (٣) الأطول فِي القيام به لَمْ يلزمه دفعه حتى يحاكمه. وقال ابن رشد: إن كان شيئًا ينقضي من ساعته.
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٩٤
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٦١.
(٣) في الأصل، و(ن ١): (ظاهر).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
والحقّ أنه لا خلاف فِي الردّ بالعيب الخفي، وكلام المتقدمين والمتأخرين يدل على أن العيب الظاهر مشترك أو مشكك يطلق على الظاهر الذي لا يخفى غالبًا على كلّ من اختبر المبيع تقليبًا، ككون العبد مقعدًا أو مطموس العينين، وعلى ما يخفى عند التقليب على من لَمْ يتأمل ولا يخفى غالبًا على من تأمل، ككونه أعمى وهو قائم العينين، فالأول لا قيام به، والثاني يقام به اتفاقًا فيهما.
ومما يدل على ذلك قول اللَّخْمِيّ قال مالك: يردّ بالعيب القديم من غير يمين، كان العيب مما يخفى أو ظاهرًا مما لا يخفى. قال [في كتاب] (١) محمد: طالت إقامته أو لَمْ تطل. قال ابن القاسم: لا يمين له إِلا أن يكون من الظاهر الذي لا يشك أنه لا يخفى مثل قطع اليد أو الرجل أو العور. [قال اللَّخْمِيّ: أما العور] (٢) فإن كان قائم العين وقد ذهب نورها فيصحّ أن يردّ به، وإن طال وإن كان مطموس العين لَمْ يردّ به وإن قرب إِلا أن يكون بفور الشراء، ولو قيل: إنه لا يصدّق أنه لَمْ يره لكان وجهًا، وكَذَلِكَ قطع اليد إذا كان قد قلب يديه، وإن قال كتمني العبد هذه اليد حلف على ذلك فيما قرب، وقطع الرجل أبين، ألا يمكّن من الردّ إِلا أن يكون بفور ما تصرف بين يديه عند العقد، وكان الشراء وهو جالس.
قال مالك فِي كتاب محمد: لو ابتاع بعض النخاسين عبدًا فأقام عنده ثلاثة أشهر حتى ضرع ونقص حاله فوجد عيبًا لَمْ أر أن يردّ؛ لأنه يشتري فإن وجد ربحًا باع، وإلا خاصم، فأرى أن يلزم مثل هؤلاء فيما علموا وفيما لَمْ يعلموا. قال ابن القاسم: والذي هو أحبّ إليّ: إن كان عيبًا يخفى أحلف أنه ما رآه وردّ، وإن كان على غير ذلك لزمه. ثم قال ابن عرفة: ولابن يونس فِي ترجمة الردّ بالعيب والتداعي فيه ما نصّه: " قال ابن حبيب: وهذا فيما يخفى، وأما الظاهر فاليمين على البت "، فما نقله ابن يونس أولًا عن ابن حبيب هو فِي القسم الأول، وما نقله عنه ثانيًا هو فِي الثاني، فلو تأمل نقليه ما حمل قوله أولًا على الخلاف.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
قال: ثم وقفت على ما نقل ابن الحاجّ فِي " نوازله " عن ابن أبي زمنين ما نصّه: " من اشترى شيئًا وأشهد على نفسه أنه قلب ورضي، ثم وجد عيبًا مثله يخفى عند التقليب حلف ما رآه، وردّه إن أحبّ، وإن كان ظاهرًا مثله لا يخفى عند التقليب لزمه، ولا ردّ له، وإن لَمْ يشهد أنه قلّبه ورضي ردّه من الأمرين معًا، قاله عبد الملك وأصبغ ". انتهى كلام ابن عرفة.
وما ذكر عن " نوازل " ابن الحاجّ مثله فِي " نوازل " ابن سهل عن ابن حبيب عن مطرف وأصبغ، وتأمل ما نقله اللَّخْمِيّ من قول مالك فِي الذي يشتري فإن وجد ربحًا [باع] (١) وإِلا خاصم هل فيه مستند من وجه ما؟ لما أفتى به شيخ شيوخنا أبو محمد عبد الله العبدوسي من عدم رد الدابة بالعيب بعد شهر.
وقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وإِنْ مُشْرِكَيْنِ (٢)، ويَمِينُهُ بِعْتُهُ وفِي [ذِي] (٣) التَّوْفِيَةِ، وأَقْبَضْتُهُ، ومَا هُوَ بِهِ بَتًَّا فِي الظَّاهِرِ، وعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ.
قوله: (وقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وإِنْ مُشْرِكَيْنِ) زاد ابن عرفة: والواجب فِي قبول غير العدل عند الحاجة إليه سلامته من جرحه من الكذب، وإِلا لَمْ يقبل اتفاقًا.
والْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ ولَمْ تُرَدَّ، [بِخِلافِ وَلَدٍ، وثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وصُوفٍ تَمَّ] (٤) كَشُفْعَةٍ، واسْتِحْقَاقٍ، وتَفْلِيسٍ، وفَسَادٍ ودَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، إِنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وإِنْ لَمْ يَحْكُمْ.
قوله: (وَلَمْ تُرَدَّ (٥) كَشُفْعَةٍ، واسْتِحْقَاقٍ، وتَفْلِيسٍ، وفَسَادٍ) أما غير الثمرة فواضح، وأما الثمرة فشهر المازري أنها لا تردّ مع أصولها إذا أزهت فِي الردّ بالعيب، والبيع
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣)، (ن ٤).
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (مشتركين).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من نسخة المؤلف.
(٥) هكذا بالأصول التي بين أيدينا، ونص المختصر المشروح عند المؤلف به نقص يدل عليه شرحه، وما هو بأصل المختصر، ومطبوعته، وقد أثبتناه بالأصل المثبت.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
الفاسد، وترد مع أصولها، وإن أزهت بالشفعة والاستحقاق ما لَمْ تيبس، وترد معها وإن يبست فِي التفليس ما لَمْ تجد.
قال: وكان بعض أشياخي يرى أنه لا يتحقق فرق بين هذه المسائل، وأنه يخرّج فِي كلّ واحدة منها ما هو منصوص فِي الأخرى، وقبله ابن عرفة بعد أن نقل غيره، وعليه اقتصر فِي " التوضيح " (١) وقد كنت نظمت هذا المعنى فِي رجز، مع زيادة بعض الفوائد فقلت:
الخَرجُ بالضّمَانِ فِي التفْليسِ والْعَيْبُ عن جَهْلٍ وعَنْ تدْلِيسِ
وفاسدٍ وشفعةٍ ومستحقٍ ذي عوضٍ ولو كوقفٍ فِي الأحقّ
والحدُ فِي الثمارِ فيما انتقيا يضبطه (٢) تجد عفزًا شسيا
[٧٦ / ب] الخرج والخراج لغتان اجتمعتا فِي قراءة نافع ومن وافقه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون:٧٢]، ودخل تحت الكاف من قولنا: كوقف الاستحقاق بالجزية، ومعنى فِي الأحقّ فِي القول الأحقّ، تلويحًا بقول المغيرة ومن وافقه، ومعنى انتفيا: اختير، وهو مبني لما لَمْ يسم فاعله، والتاء فِي: تجد للتفليس والجيم وحدها أو مع الذال للجد، والعين والفاء فِي (عفز) للعيب، والفساد، والزاي للزهو والشين والسين فِي: شسيًا للشفعة والاستحقاق، والياء لليبس، واختصرتها فِي بيتٍ من (المجتث) فقلت:
ضمن يخرج وافيًِّا تجد عفازا (٣) شسيًا
على أنّا مسبوقون لهذا التركيب الذي هو (تجد عفازًا شسيًا) [سبق إليه الوانوغيي] (٤).
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٤٩٦.
(٢) في (ن ٣): يقبضه.
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (عفازًا).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ولَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إِنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ، ولا بِغَبْنٍ ولَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، وهَلْ إِلا أَنْ يَسْتَسْلِمَ ويُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، أَوْ يَسْتَأْمِنَهُ؟ تَرَدُّدٌ. ورُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ، إِلا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ، ودَخَلَتْ [٥١ / ب] فِي الاسْتِبْرَاءِ.
قوله: (وَلا بِغَبْنٍ ولَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، وهَلْ إِلا أَنْ يَسْتَسْلِمَ ويُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، أَوْ يَسْتَأْمِنَهُ؟ تَرَدُّدٌ) اقتصر هنا على طريقتين من الثلاث التي ذكر فِي " التوضيح " (١)، وترك منها طريقة عبد الوهاب فِي " المعونة " (٢) أنه لا خلاف فِي ثبوت الخيار لغير العارف، وفي العارف القَوْلانِ، فلو قال هنا: وهل إِلا لغير عارف أو إِلا أن يستسلم إلى آخره لاستوفى، ولابن عرفة هنا تحرير فعليك به.
والنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ولَهُ الأَرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ، وفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وبَرَصٍ.
قوله: (وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ولَهُ الأَرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ) كذا فِي بعض النسخ: وهو جارٍ على قاعدته الأكثرية من ردّ الاستثناء لما بعد الكاف فقط، وضمير (له) الثاني عائد على العبد، وفي بعضها والنفقة والأرش كالموهوب له؛ وعلى هذا فله خبر مبتدأ (٣) وضميره للبائع ولامه للملك بالنسبة للأرش، والموهوب، وبمعنى على بالنسبة للنفقة من باب قوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] فيه استعمال اللفظ الواحد فِي حقيقته ومجازه وفيه الفصل بالخبر بين المستثنى والمستثنى منه (٤).
وجُنُونٍ (٥)، لا بِكَضَرْبَةٍ إِنْ شُرِطَتَا أَوِ اعْتِيدَتَا، ولِلْمُشْتَرِي إِسْقَاطُهُمَا، والْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ، لا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالِعٍ، أَوْ مُصَالِحٍ فِي دَمٍ عَمْدٍ، أَوْ مُسْلَمٍ فِيهِ، أَوْ بِهِ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ، أَوْ مَبِيعٍ عَلَى كَمُفْلِسٍ.
قوله: (وَجُنُونٍ، لا بِكَضَرْبَةٍ) أشار بهذا لما نقل فِي " التوضيح " عن الباجي (٦) وغيره:
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٥٠٢، ٥٠٤.
(٢) انظر: المعونة، للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ١٠٤٩.
(٣) في (ن ٣): (المبتدأ).
(٤) نقل كلام المؤلف هنا وصوبه الحطاب في: مواهب الجليل: ٤/ ٤٧٤، والخرشي في شرحه: ٥/ ٥٤٠.
(٥) زاد في المطبوعة: (وَجُنُونٍ بُطِبْعٍ أَوْ مَسِّ جِنٍّ).
(٦) انظر المنتقى، للباجي: ٦/ ٦٠.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
أن الجنون الذي يردّ به فِي السنة على المشهور هو ما كان من مسّ الجانّ، ومعناه الوسوسة خلافًا لابن وهب الذي يراه موجبًا للردّ، ولو كان بضربة أو غيرها ". انتهى (١). وقال ابن رشد فِي رسم الكبش من سماع يحيي: يردّ على ما فِي " المدونة " من الجنون وذهاب العقل وإن لَمْ يكن ذلك من مسّ جنون إذا لَمْ يكن ذلك من جناية (٢)، وذهب ابن حبيب إلى أنه لا يجب ردّه إِلا من الجنون، وذهب ابن وهب إلى أنه يردّ بذهاب العقل، وإن كان ذهابه بجنايةٍ عليه، فهي ثلاثة أقوال. وبالله تعالى التوفيق (٣).
ومُشْتَرىً لِلْعِتْقِ، أَوْ مَأْخُوذٌ عَنْ دَيْنٍ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، أَوْ وُرِثَ، أَوْ وُهِبَ أَوِ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا، أَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ مِنْ زَيْدٍ أَوْ مِمَّنْ أَحَبَّ، أَوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، أَوْ مُكَاتَبٍ بِهِ، أَوِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا، وسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا وضُمِنَ بَائِعٌ مَكِيلًا بِقَبْضِهِ بِكَيْلٍ كَمَوْزُونٍ ومَعْدُودٍ، والأُجْرَةُ عَلَيْهِ، بِخِلافِ الإِقَالَةِ والتَّوْلِيَةِ والشَّرِكَةِ عَلَى الأَرْجَحِ، فَكَالْقَرْضِ.
قوله: (أَوْ وُرِثَ، أَوْ وُهِبَ) عبّر عنهما الغرناطي بالمبيع فِي الميراث، والموهوب للثواب، وزاد العبد المقال فيه، ونظائر أخر ربما يتضمنها كلام المصنف.
واسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ. ولَوْ تَوَلاهُ الْمُشْتَرِي، وقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ، وغَيْرِهِ بِالْعُرْفِ. وضُمِنَ بِالْعَقْدِ، إِلا الْمَحْبُوسَةَ لِلثَّمَنِ أَوِ الإِشْهَادِ، فَكَالرَّهْنِ إِلا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ، وإِلا الْمُوَاضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضَةِ، وإِلا الثِّمَارَ لِلْجَائِحَةِ، وبُرِّئَ الْمُشْتَرِي لِلتَّنَازُعِ والتَّلَفُ وَقْتَ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِيٍّ يَفْسَخُ وخُيِّرَ الْمُشْتَرِي إِنْ عُيِّبَ أَوْ غَيَّبَ أَوِ اسْتُحِقَّ شَائِعٌ وإِنْ قَلَّ، وتَلَفُ بَعْضِهِ واسْتِحْقَاقُهُ كَعَيْبٍ بِهِ، وحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأَقَلِّ إِلا الْمِثْلِيَّ.
قوله: (واسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ. ولَوْ تَوَلاهُ الْمُشْتَرِي) أي واستمر الضمان فِي معيار الشيء المبيع من مكيال أو ميزان (٤)، ولو تولى المشتري كيله أو وزنه.
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٥١٤.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٣٥٦، ٣٥٧. ونصها: (أرأيت عهدة السنة إنما هو من الجنون والجذام والبرص أرأيت إن جنى على العبد رجل فضرب رأسه بحجر فذهب عقله ألسيده أن يرده في السنة في قول مالك؟ قال: لا أدري ما قول مالك بن أنس فيه، وليس هذا بمنزلة الجنون، وأراه من المشتري).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٣٣٧.
(٤) في (ن ٣): (موزون).
[ ٢ / ٦٨١ ]
ولا كَلامَ لِوَاحِدٍ فِي قَلِيلٍ لا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ، وإِنِ انْفَكَّ، فَلِلْبَائِعِ الْتِزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِهِ، لا أَكْثَرَ. ولَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا ورُجِعَ لِلْقِيمَةِ، لا إِلَى التَّسْمِيَةِ. وصَحَّ ولَوْ سَكَتَا، لا إِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لَهَا وإِتْلافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ، والْبَائِعِ والأَجْنَبِيِّ يُوجِبُ الْغُرْمَ، وكَذَلِكَ [تَعَيُّبُهُ] (١).
قوله: (ولا كَلامَ لِوَاحِدٍ فِي قَلِيلٍ لا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ، وإِنِ انْفَكَّ، فَلِلْبَائِعِ الْتِزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِهِ، لا أَكْثَرَ. ولَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا) اشتمل هذا الكلام مع شدة اختصاره على الأقسام الخمسة التي ذكر ابن رشد فِي رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم من كتاب: جامع البيوع إذ قال: الفساد الموجود فِي الطعام وما فِي معناه من المكيل والموزون من العروض ينقسم على خمسة أقسام:
أحدها: أن يكون مما لا ينفكّ عنه الطعام كالفساد اليسير فِي قيعان الأهراء والبيوت.
والثاني: أن يكون مما ينفك عنه الطعام؛ إِلا أنه يسير (٢) لا خطب له.
الثالث: أن يكون مثل الخمس والربع ونحو ذلك.
الرابع: أن يكون مثل الثلث والنصف.
الخامس: أن يكون أكثر من النصف وهو الجلّ.
وأما إن كان مما لا ينفكّ عنه الطعام لجري (٣) العادة فهو للمشتري لازم ولا كلام له فيه، وأما إن كان مما ينفكّ عنه الطعام إِلا أنه يسير لا خطب له فإن أراد البائع أن يلتزم المعيب (٤) ويلزم المشتري السالم بما ينوبه من الثمن كان ذلك له بلا خلاف، وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم ويردّ المعيب بحصته من الثمن لَمْ يكن ذلك له على ما فِي " المدونة "، وروى يحيي عن ابن القاسم أن ذلك له.
_________________
(١) في المطبوعة: (إتلافه).
(٢) في (ن ١): (يسيره).
(٣) في (ن ١)، و(ن ٣): (بجري).
(٤) في (ن ٢): (العيب).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وأما إن كان مثل الربع والخمس فإن [٧٧ / أ] أراد البائع أن يلزم (١) المشتري السالم بحصته من الثمن ويستردّ المعيب كان ذلك له بلا خلاف، إذ لا اختلاف فِي أن استحقاق ربع الطعام أو خمسه لا يوجب للمبتاع ردّ الباقي، وإن أراد المبتاع أن يردّ المعيب (٢) ويلتزم (٣) السالم بحصته من الثمن لَمْ يكن له ذلك بلا خلافٍ أَيْضًا.
وأما إن كان الثلث أو النصف، فأراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن لَمْ يكن ذلك له على مذهب ابن القاسم [وروايته عن مالك، وكان] (٤) [ذلك له على مذهب أشهب] (٥) واختيار سحنون، ولم يكن للمبتاع أن يلتزم السالم ويردّ المعيب بحصته من الثمن.
[وأما إن كان الجلّ وأكثر من النصف فلا اختلاف فِي أنه ليس للبائع أن يلزم (٦) المشتري بحصته من الثمن، ولا للمبتاع] (٧) أن يردّ المعيب بحصته من الثمن (٨).
وقد أشار المصنف إلى الأول بقوله: (ولا كلام لواحدٍ فِي قليل لا ينفكّ كقاع)، وإلى الثاني والثالث بقوله: (وإن انفكّ فللبائع التزام الربع بحصته) أي: فللبائع التزام الربع المعيب فما دونه لنفسه بما ينوبه من الثمن، وإلى الرابع والخامس بقوله: (لا أكثر) أي ليس للبائع التزام المعيب لنفسه إذا كان أكثر من الربع كالثلث فما فوقه، وانطبق قوله: (وليس للمشتري التزامه بحصته مُطْلَقًا) على الأربعة التي بعد الأول؛ لخروج الأول بقوله: (لا كلام لواحد).
_________________
(١) في (ن ١): (يلتزم).
(٢) زاد في (ن ١): (وأما إن كان الجل وأكثر من النصف فلا اختلاف في أنه ليس للبائع أن يلزم المشتر السالم بحصته من الثمن).
(٣) في (ن ٣): (ويلزم).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٦) في (ن ٣): (يلتزم).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٨) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٢٨٨، ٢٨٩.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وإِنْ أَهْلَكَ بَائِعٌ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ، فَالْمِثْلُ تَحَرِّيًا لِيُوَفِّيَهُ ولا خِيَارَ لَكَ، أوَ أَجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ، إِنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مَا يُوَفَّى، فَإِنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ، وإَنْ نَقَصَ، فَكَالاسْتِحْقَاقِ، وجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إِلا مُطْلَقَ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ.
قوله: (أوَ أَجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ، إِنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مَا يُوَفَّى). عدل هنا عن المثل إلى القيمة فرارًا من الجهل بالتماثل بِخِلافِ استهلاك البائع، وصرح هنا بأن البائع يتولى الشراء، وهو ظاهر " المدونة " عند بعض الشيوخ.
ولَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أُخِذَ بِكَيْلٍ، أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ.
قوله: (أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ) معطوف على قوله: (أُخِذَ بِكَيْلٍ) أي: أو كان كلبن شاة، وهذا مناسب لاجتماعهما فِي كونهما فِي ضمان البائع قبل القبض، ولو عطفته على قوله: (كَرِزْقِ قَاضٍ) لكان فِي حيّز لو المشعرة بالخلاف؛ ولكنه يؤدي إلى تشتيت فِي الكلام، ويفوت معه التنبيه على مناسبتهما (١) فِي الضمان المذكور.
ولَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ، إِلا كَوَصَيٍّ لِيَتِيمَيْهِ. وجَازَ بِالْعَقْدِ جُزَافٌ وكَصَدَقَةٍ، وبَيْعُ مَا عَلَى مُكَاتَبٍ مِنْهُ، وهَلْ إِنْ عُجِّلَ الْعِتْقُ تَأْوِيلانِ، وإِقْرَاضُهُ، أَوْ وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ، وبَيْعُهُ لِمُقْتَرِضٍ، وإِقَالَةٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئِكَ لا بَدَنَهُ كَسَمْنِ دَابَّةٍ، وهُزَالِهَا، بِخِلافِ الأَمَةِ، ومِثْلُ مِثْلِكَ، إِلا الْعَيْنَ، ولَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا، وإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِ، والإِقَالَةُ بَيْعٌ إِلا فِي الطَّعَامِ [٥٢ / أ] وَالشُّفْعَةِ والْمُرَابَحَةِ، وتَوْلِيَةٌ وشِرْكَةٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْكَ، واسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا، وإِلا فَمَبِيعٌ كَغَيْرِهِ.
قوله: (ولَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ، إِلا كَوَصَيٍّ لِيَتِيمَيْهِ) هذا كقول ابن الحاجب: ولا يقبض من نفسه لنفسه إِلا من يتولى طرفي العقد كالأب فِي ولديه (٢) والوصي فِي يتيمة (٣). فذكر فِي " التوضيح " أن لهذا الكلام تفسيرين:
أحدهما: - وهو أولاهما - أن يكون أشار به لقوله فِي " المدونة ": وإن أعطاك بعد الأجل عينًا أو عرضًا فقال لك: اشتريه طعامًا وكله ثم اقبض حقك لَمْ يجز؛ لأنه بيع
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (مناسبتها).
(٢) في (ن ١): (ولده).
(٣) جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٦٤.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
الطعام قبل قبضه إِلا أن يكون مثل رأس مالك ذهبًا أو ورقًا (١) فيجوز بمعنى الإقالة.
والثاني: وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أن من كان عنده طعام وديعة وشبهها، فاشتراه من مالكه فإنه لا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء؛ لأن ذلك القبض السابق لَمْ يكن قبضًا تامًا، بدليل أن ربّ الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه من التصرف كان له ذلك، إِلا أن يكون ذلك القبض قويًا كما فِي حقّ الوالد لولديه الصغيرين؛ فإنه إذا باع طعام أحدهما من الآخر، وتولى البيع والشراء عليهما كان له بعد ذلك أن يبيع ذلك الطعام على من اشتراه له قبل قبضه ثانيًا حسيًا، وكَذَلِكَ الوصي فِي يتيمه، وكَذَلِكَ الأب فيما بينه وبين ابنه الصغير، وفي النفس شيء من جواز هذه المسألة (٢)؛ لا سيما والصحيح عند أهل المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه متعبّد به، فإن لَمْ يكن اتفاق فِي المسألة، فأصول المذهب تدل على جريان الخلاف فيها، والأقرب منعها. والله تعالى أعلم
وقال ابن عرفة: ما ذكره ابن الحاجب سبقه به ابن شاس (٣)، وما ذكراه هو ظاهر السلم الثالث من " المدونة " فيه لمالك: إن اشتريت طعامًا فاكتلته لنفسك ورجل واقف على غير موعد فلا بأس أن تبيعه منه على كيلك أو على تصديقك فِي كيله (٤) إن لَمْ يكن حاضرًا أو لَمْ يكن بينكما فِي ذلك موعد (٥)، فقوله: (لا بأس أن تبيعه منه على كيلك) يريد به أن كيلك السابق لشرائك إياه يكفي فِي بيعك إياه مشتريه منك عن كيله ثانيًا، فيجوز له بيعه بذلك دون كيله إياه بحضوره وعلمه لا بيان كفايته فِي شرائه لوضوح بيان ذلك وامتناع السؤال عنه، والاتفاق عليه، وهو دليل على أنّ علم مبتاع طعام كيله بحضوره إياه ودوام علمه ذلك بعد [٧٧ / ب] شرائه إياه يتنزل منزلة كيله إياه بعد شرائه، فيلزم مثله فِي مسألتي الأبّ والوصي ضرورة علمهما بذلك لحضورهما.
_________________
(١) في تهذيب المدونة: (فيعطيك مثله صفة ووزنًا فيجوز) والسياق يسلتزمها، انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٧٤.
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (المسائل).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٧٢٢، قال: (حيث اشترطنا القبض، فليس لأحد أن يقبض من نفسه لنفسه، إلا من يتولى طرفي العقد كالأب في ولديه والوصي في يتيميه).
(٤) في (ن ٣): (كيلك).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٧٢، المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٩٠.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فقوله: فِي النفس من ذلك شيء. ليس كَذَلِكَ لوضوح جريه على نصّ " المدونة "؛ لكنه مع ذلك مختلف [فيه] (١) ولا يوجب ذلك فيه إشكالًا كأغلب مسائل " المدونة ".
وَضَمِنَ الْمُشْرَكُ (٢) الْمُعَيَّنَ.
قوله: (وضمن المشرك (٣) المعين) هذا هو الصواب (المشرَك) بلا تاء وبفتح الراء وبالكاف فِي آخره اسم مفعول من أشرك الرباعي، وما عدا هذا تصحيف، وأشار به لقوله فِي كتاب: السلم الثالث من " المدونة ": وإن ابتعت (٤) سلعة بعينها فلم تقبضها حتى أشركت فيها رجلًا ثم هلكت السلعة قبل قبض المشرك (٥) أو ابتعت طعامًا فاكتلته ثم أشركت (٦) فيه رجلًا فلم تقاسمه حتى ذهب الطعام فضمان ذلك منكما، وترجع عليه بنصف الثمن (٧). [قال عياض فِي قوله: (وترجع عليه بنصف الثمن)] (٨): دليل على أنه لا فرق بين أن يكون نقد أو لَمْ ينقد، وأنها بِخِلافِ المحبوسة فِي الثمن لما كانت الشركة معروفًا، وقيل إن الهلاك ببينة، ولو كان بدعواه لجرى الخلاف فيه على [المحتسبة] (٩) فِي الثمن، وهذا ضعيف.
وطَعَامًا كِلْتَهُ وصَدَّقَكَ، وإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إِنْ أَطْلَقَ عَلَى النِّصْفِ.
قوله: (وَطَعَامًا كِلْتَهُ وصَدَّقَكَ) تقدم فوقه نصّ " المدونة "، وقال فيها بعد ذلك بيسير: وإن ابتعت طعامًا فاكتلته (١٠) ثم أشركت (١١) فيه رجلًا أو وليته على تصديقك فِي كيله
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ٤).
(٢) في الأصل: (المشتري)، وفي المطبوعة: (المشترك) وانظر: تعليق المؤلف.
(٣) في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٤): (المشتري).
(٤) في (ن ١): (بعت).
(٥) في (ن ٢)، و(ن ٣): (المشتري).
(٦) في الأصل، و(ن ١): (اشتركت).
(٧) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٦٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٨٢.
(٨) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٩) في (ن ٢): (المحبسة).
(١٠) في (ن ١): (فكلته).
(١١) في الأصل، و(ن ١): (اشتركت).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
جاز وله أو عليه المتعارف من زيادة الكيل أو نقصانه، وإن كثر ذلك رجع عليك بحصة النقصان من الثمن ورد كثير الزيادة.
وإِنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُمَا، فَلَهُ الثُّلُثُ.
قوله: (وَإِنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُمَا، فَلَهُ الثُّلُثُ) أشار به لقوله فِي السلم الثالث من " المدونة ": وإذا ابتاع رجلان عبدًا وسألهما رجل أن يشركاه فيه ففعلا فالعبد بينهم أثلاثًا (١).
ابن محرز: معنى مسألة الكتاب أنه لقيهما مجتمعين.
وإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَرَيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ جَازَ، إِنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، ولَهُ الْخِيَارُ.
قوله: (وَإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَرَيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ جَازَ، إِنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، ولَهُ الْخِيَارُ) إشارة لقوله فِي السلم الثالث أَيْضًا: وإن اشتريت سلعة ثم وليتها لرجلٍ ولم تسمها له ولا ثمنها أو سميت أحدهما فإن كنت ألزمته إياها لَمْ يجز؛ لأنه مخاطرة وقمار، وإن كان على غير الإلزام جاز وله الخيار إذا رآها وعلم الثمن (٢).
وإِنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبد (٣) ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَكَرِهَ، فَذَلِكَ لَهُ وإلا ضيّقُ صَرْفٌ، ثُمَّ إِقَالَةُ طَعَامٍ، ثُمَّ تَوْلِيَةٌ، وشَرِكَةٌ فِيهِ، ثُمَّ إِقَالَةُ عُرُوضٍ، وفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ، ثُمَّ ابْتِدَاؤُهُ.
قوله: (وَإِنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبد ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَكَرِهَ، فَذَلِكَ لَهُ) كذا فِي " المدونة " إثر الكلام السابق قال: وإن أعلمته أنه عبد فرضي [به] (٤) ثم سميت له الثمن فلم يرض فذلك له، وهذا من ناحية المعروف يلزم المولى، ولا يلزم المولى إِلا أن يرضى، وأما إن كنت بعت منه عبدًا فِي بيتك بمائة دينار ولم تصفه له ولا رآه قبل ذلك فالبيع فاسد، ولا يكون المبتاع فيه بالخيار إذا نظره؛ لأن البيع وقع على الإيجاب (٥) والمكايسة، ولو كنت جعلته فيه بالخيار إذا نظره جاز وإن كان على المكايسة (٦).
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٦٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٨٢.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٦٨: والمدونة، لابن القاسم: ٩/ ٨٤.
(٣) في أصل المختصر: (عيب).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٥) في الأصل، و(ن ١): (إيجاب).
(٦) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٨٥.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
[باب المرابحة والمداخلة والثمار، والعرية والجائحة والمنازعة] (١)
وجَازَ مُرَابَحَةٌ.
قوله: (وجَازَ مُرَابَحَةٌ) أي: وجَازَ البيع مرابحة، فـ (مُرَابَحَةٌ) منصوب عَلَى الحال.
والأَحَبُّ خِلافُهُ ولَوْ عَلَى مُقَوَّمٍ. وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلانِ. وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ [قَائِمَةٌ] (٢). كَصَبْغٍ، وطَرْزٍ، وقَصْرٍ، وخِيَاطَةٍ، وكَمْدٍ، وفَتْلٍ، وتَطْرِيَةٍ وأَصْلُ مَا زَادَ فِي الثَّمَنِ كَحُمُولَةٍ، وشَدٍّ، وَطَيٍّ اعْتِيدَ أُجْرَتُهُمَا، وكِرَاءِ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ، وإِلا لَمْ يُحْسَبْ، كَسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ.
قوله: (وَالأَحَبُّ خِلافُهُ) هذا قريب من قوله فِي " التوضيح ": هو محتاج إلى صدق وبيان وإِلا أُكل الحرام فِيهِ بسرعة؛ لكثرة شروطه ونزوع النفس فِيهِ إلى الكذب؛ ولهذا قال ابن عبد السلام: كَانَ بعض من لقيناه يكره للعامة الإكثار من بيع المرابحة لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان. انتهى (٣). ومال المازري لمنعه إن افتقر إدراك جملة أجزاء الربح لفكرة حسابية. وفي " التنبيهات ": البيوع باعتبار صورها فِي العقد أربعة:
بيع مساومة، وهو أحسنها، وبيع مزايدة، وبيع مرابحة وهو أضيقها، وبيع استرسال واستنامة، وجعل فِي " المقدمات " موضع المساومة المكايسة، وقال: البيع عَلَى المكايسة والمماكسة أحبّ إلى أهل العلّم وأحسن عندهم (٤).
فائدة:
الاستنامة: النون قبل الألف والميم بعدها هكذا فِي [٧٨ / أ] النسخ الصحيحة من " المقدمات " (٥) و" التنبيهات " وغيرهما وهو صحيح لفظًا ومعنىً، قال الجوهري
_________________
(١) في (ن ٢): المزارعة.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٥٥٦.
(٤) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٤٢١، وقد عرف ابن رشد بيع المكايسة: بأنه مساومة الرجل الرجل في سلعة، فيبتاعها منه بما يتفقان عليه من الثمن، ثم لا قيام للمبتاع فيها بغبن ولا بغلط.
(٥) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (المقيدات).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
واستنام إليه أي: سكن إليه واطمأن، وقال فِي " مختصر العين ": واستنام الرجل استأنس إليه ". انتهى، وهو راجع لمعنى الاسترسال والاستئمان، ويقع فِي بعض " المقدمات ": الاستمانة بالميم قبل الألف والنون بعدها كأنه من باب الأمانة والأمن وهو وهم وتصحيف تأباه صناعة التصريف؛ لما علم من اختصاص باب الاستعاذة (١) بالأجوف. نعم يجوز (٢) أن يقال فِيهِ الاستيمان عَلَى وزن الاستفعال من غير تاء من باب: الأمانة والأمن كالاستدخال والاستخراج ونحوهما من الصحيح، عَلَى أنه إِذَا قيل الاستمانة (٣) من الأمانة والأمن فقد حذف فاءه الصحيحة فأين هذا من الاستعاذة، وبابها مما حذفت عينه المعتلة، فتعين أنه خطأ فاحش. وبالله تعالى التوفيق (٤).
إِنْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وحَمْلُهَا كَذَا، أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ وبَيَّنَ كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ولَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْحُ، وزِيدَ عُشْرُ الأَصْلِ، والْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ لا أَبْهَمَ كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وطَيِّهَا بِكَذَا أَوْ لَمْ يُفَصِّلْ، وهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلانِ، ووَجَبَ تَبْيِينُ مَا يُكْرَهُ كَمَا نَقَدَهُ وعَقَدَهُ مُطْلَقًا.
قوله: (إِنْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وحَمْلُهَا كَذَا، أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ [وبَيَّنَ] (٥) كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ولَمْ يُفَصِّلا (٦) مَا لَهُ الرِّبْحُ)، ثُمَّ قال: (لا أَبْهَمَ كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وطَيِّهَا بِكَذَا أَوْ لَمْ يُفَصِّلْ (٧» الشرط راجع لقوله:
_________________
(١) في (ن ١): (الاستعادة).
(٢) في الأصل: (بجواز).
(٣) في الأصل: (الاستنامة).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٤٢١، وما أشار إليه المؤلف هنا من تلك الفائدة قد تتبعته في موضعه من المقدمات فوجدت: (بيع الاستنابة) فما قال فيه المؤلف وله وجه: (إنه خطأ فاحش) فكيف لو رأى هذا المثبت المحقق الذي لا وجه له هنا ولا تعلق، وقد نقل كلام المؤلف هنا حرفًا حرفًا العدوي في شرحه، ونسبه للشبرخيتي، فلعل الشبرخيتي نقله من المؤلف دون أن يحيل عليه، انظر: شرح العدوي على الخرشي: ٥/ ٥٧٣.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٦) في (ن ٢)، الأصل، (ن ٣): (يعطا).
(٧) في (ن ١): (أو لم يفصل).
[ ٢ / ٦٨٩ ]
(وجَازَ) وكأنه يحوم عَلَى اختصار الأقسام الخمسة التي ذكرها عياض فِي
" التنبيهات " إذ قال: لا تخلو مسائل المرابحة من وجوهٍ خمسة:
أحدها: أن يبين جميع ما لزمه مما يحسب وما لا يحسب مفصلًا ومجملًا، ويشترط ضرب الربح عَلَى الجميع، فهذا وجه صحيح لازم للمشتري فِيمَا يحسب وما لا يحسب ويضرب الربح عَلَى جميعه بشرطه.
الثاني: أن يفسّر ذلك أَيْضًا ويفسّر ما يحسب ويربح عَلَيْهِ وما لا يربح عَلَيْهِ وما لا يحسب جمله، ثُمَّ يضرب بالربح عَلَى ما يجب ضربه عَلَيْهِ خاصة، فهذا صحيح جائز أَيْضًا عَلَى ما عقداه.
الوجه الثالث: أن يفسر المؤنة فيقول هي عليّ بمائة رأس مالها كذا، ولزمها فِي الحمل كذا، وفِي الصبغ والقصارة كذا، وفِي الشدّ والطي كذا، وباعها عَلَى المرابحة للعشرة أحد عشر أو للجملة أحد عشر، ولَمْ يفصلا ولا شرطا ما يوضع عَلَيْهِ الربح مما لا يوضع ولا ما يحسب مما لا يحسب، فمذهبهم جواز هذا وفضّ الربح عَلَى ما يجب، وإسقاط ما لا يحسب فِي الثمن، وفِي هذا نظر.
الوجه الرابع: أن يبهم ذلك كلّه ويجمعه جملة فيقول: قامت عليّ بكذا، [أو ثمنها كذا] (١)، وباع مرابحة للعشرة درهم فهذا بيّن الفساد عَلَى أصولهم؛ لأنه لا يدري ما يحسب له الثمن وما لا يحسب وما يضرب له الربح مما لا يضرب، فهو جهل بالثمن منهما جميعًا، وإن علم ذلك البائع فالمشتري جاهل به، وهذه صورة البيوع الفاسدة، وهو عندي ظاهر " المدونة ".
الوجه الخامس: أن يبهم فِيهَا النفقة بعد تسميتها فيقول: قامت عليّ بمائة بشدها وطيها وحملها وصبغها أو يفسرها فيقول: عشرة منها فِي مؤنتها، ولا يفسر المؤنة فهذه أَيْضًا فاسدة؛ لأنها عادت بمجهلة الثمن ويفسخ " قاله أبو اسحاق وغيره " انتهى بلفظه.
_________________
(١) في (ن ١): (انتهى كذا).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
إلا أنّا رتبناه عَلَى كلام المصنف، واسقطنا منه ما لا تعلّق له به، وقد أشار إلى الوجهين الأولين معًا بقوله: (إن بيّن الجميع) وإلى الثالث بقوله: (أو فسّر المؤنة فَقَالَ هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وَحَمْلُهَا كَذَا، أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ وبَيَّنَ كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ولَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْحُ)؛ إِلا أن المناسب لكلام عياض أن يقول عَلَى المرابحة بإسقاط أو ومعنى وبيّن: بيّن المقدار كما مثل، وإلى الرابع بقوله: (لا أبهم كقامت بكذا) وإلى الخامس بقوله: (أو [٧٨ / ب] قامت بشدها وطَيِّها بكذا ولَمْ يفصل).
والأَجَلِ، وإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ.
قوله: (والأَجَلِ، وإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ) أي ووجب عَلَيْهِ بيان الأجل وإن باع هو السلعة بالنقد ثُمَّ أخر به، ففي (بيع) ضمير يعود عَلَى البائع بالمرابحة، وكذا فِي " المدونة " أن من ابتاع سلعة بدراهم نقدًا ثُمَّ أخّر بالثمن فلا بيع مرابحة حَتَّى يبين ذلك.
تكميل:
قال فِي " المدونة ": فإن باعها بالنقد ولم يبين فالبيع مردود، وإن قبلها المبتاع بالثمن إلى ذلك الأجل (١). وللشيوخ فِيهَا كلام حسن، ولو قال المصنف وإن بيع بالنقد رد لانصرف كلامه لهذا الوجه، ولكن لَمْ أره كذلك فِي شيء من النسخ.
وطُولِ زَمَانِهِ وتَجَاوُزِ الزَّائِفِ وهِبَةٍ إِنِ اعْتِيدَتْ وأَنَّهَا لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أَوْ مِنَ التَّرِكَةِ ووِلادَتِهَا. وإِنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا وجَذِّ ثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ.
قوله: (وطُولِ زَمَانِهِ) أي: ووجب (٢) أن يبين طول إقامة الشيء المبيع بيده إن طال مقامه عنده قال فِي " المدونة ": وإن ابتاع سلعة أو عروضًا أو حيوانًا فحالت أسواقها بزيادة أو نقصان أو تقادم مكثها عنده فلا يبيعها مرابحة حَتَّى يبين؛ لأن الناس فِي الطريّ أرغب من الذي تقادم فِي أيديهم (٣).
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (وجب).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٠٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٦٩١ ]
وصُوفٍ تَمَّ، [أو لا] (١) وإِقَالَةِ مُشْتَرِيهِ، إِلا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، والرُّكُوبِ واللُّبْسِ والتَّوْظِيفِ ولَوْ مُتَّفِقًا إِلا مِنْ سَلَمٍ لا غَلَّةِ رَبْعٍ كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ، لا إِنْ وَرِثَ بَعْضَهُ، وهَلْ إِنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ، أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ، وإِنْ غَلِطَ بِنَقْصٍ وصُدِّقَ، أَوْ أَثْبَتَ رَدَّ، أَوْ دَفَعَ مَا تَبَيَّنَ ورِبْحَهُ، وإِنْ فَاتَ خُيِّرَ مُشْتَرِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ، ورِبْحِهِ وقِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ، مَا لَمْ تَنْقُصْ عَنِ الْغَلَطِ ورِبْحِهِ، وإِنْ كَذَبَ لَزِمَ الْمُشْتَرِي، إِنْ حَطَّهُ، ورَبِحَهُ بِخِلافِ الْغِشِّ وإِنْ فَاتَتْ، فَفِي الْغِشِّ أَقَلُّ الثَّمَنِ والْقِيمَةِ، وفِي الْكَذِبِ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّحِيحِ ورِبْحِهِ، أَوْ قِيمَتِهَا، مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ ورِبْحِهِ، ومُدَلِّسُ الْمُرَابَحَةِ كَغَيْرِهَا.
قوله: (وَصُوفٍ تَمَّ أو لا) هذا هو الصواب بزيادة (أو لا) حَتَّى يساعده قوله فِي " المدونة "، وأما إن جز صوف الغنم فليبينه كَانَ عَلَيْهَا يوم الشراء أم لا؛ لأنه إن كَانَ عَلَيْهَا يومئذ تامًا [فقد صارت له حصة من الثمن، وإن لَمْ يكن تامًا] (٢) فلم ينبت إِلا بعد مدة تتغير فيها (٣).
[ما يتناوله البيع]
تَنَاوَلَ الْبِنَاءُ والشَّجَرُ الأَرْضَ وتَنَاوَلَتْهُمَا، لا الْبَذْرَ والزَّرْعَ (٤).
قوله: (وتَنَاوَلَتْهُمَا والْبَذْرَ لا الزَّرْعَ) هذا هو الصواب، بتقديم البذر المثبت عَلَى الزرع المنفي أي: وتناولت الأرض البناء والشجر والبذر المغيّب فِيهَا لا الزرع البارز عَلَى وجهها؛ لأن إبّار الزرع خروجه من الأرض عَلَى المشهور.
ومَدْفُونًا.
قوله: (وَمَدْفُونًا) خرج به النابت من أصل الخلقة.
كَلَوْ جُهِلَ.
قوله: (كَلَوْ جُهِلَ) لو قال ولو جهل لكان أجرى عَلَى اصطلاحه.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر والمطبوعة، وانظر: كلام المؤلف على المسألة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٤): (فيه) وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٠٣.
(٤) في أصل المختصر، والمطبوعة: (وتَنَاوَلَتْهُمَا، لا الزَّرْعَ والْبَذْرَ).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ولا الشَّجَرُ الْمُؤَبَّرَ، أَوْ أَكْثَرُ (١)، إِلا بِشِرْطٍ كَالْمُنْعَقِدِ، ومَالِ الْعَبْدِ، وخِلْفَةِ الْفَصِيلِ، وإِنْ أُبِّرَ النِّصْفُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، ولِكِلَيْهِمَا السَّقْيُ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِالآخَرِ، والدَّارُ الثَّابِتَ كَبَابٍ، ورَفٍّ، ورَحًا مَبْنِيَّةٍ [٥٢ / ب] بِفَوْقَانِيَّتِهَا، وسُلَّمًا سُمَّرَ، وفِي غَيْرِهِ قَوْلانِ، والْعَبْدُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ.
قوله: (وَلا الشَّجَرُ الْمُؤَبَّرَ) هكذا فِي النسخ الصحيحة برفع الشجر ونصب المؤبر، أي: ولا يتناول الشجر الثمر المؤبر، وأما قوله: (أو أكثر) فمرفوع عَلَى كلّ حال، عطفًا عَلَى الضمير المستكن فِي المؤبر.
وهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وهُوَ الأَظْهَرُ؟ أَوْ لا كَمُشْتَرِطٍ زَكَاةً مَا لَمْ يَطِبْ، وأَلا عُهْدَةَ وأَلا مُوَاضَعَةَ ولا جَائِحَةَ؟ أَوْ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلا بَيْعَ؟ أَوْ لا غَرَضَ فِيهِ ولا مَالِيَّةَ وصُحِّحَ؟ تَرَدُّدٌ. وصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ ونَحْوِهِ بَدَا صَلاحُهُ، إِنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، وقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ، أَوْ عَلَى قَطْعِهِ إِنْ نَفَعَ واضْطُرَّ لَهُ ولَمْ يُتَمَالأْ عَلَيْهِ، لا عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوِ الإِطْلاقِ، وبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ، إِنْ لَمْ يُبَكَّرْ، لا بَطْنٌ ثَانٍ بِأَوَّلَ، وهُوَ الزَّهُوُّ، وظُهُورُ الْحَلاوَةِ، والتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ، وفِي ذِي النَّوْرِ بِانْفِتَاحِهِ، والْبُقُولِ بِإِطْعَامِهَا وهَلْ هُوَ فِي الْبِطِّيخِ الاصْفِرَارُ؟ أَوِ التَّهَيُّؤُ لِلتَّبَطُّخِ؟ قَوْلانِ. ولِلْمُشْتَرِي بُطُونُ كَيَاسِمِينَ، ومَقْثَأَةٍ. ولا يَجُوزُ بِكَشَهْرٍ، ووَجَبَ ضَرْبُ الأَجَلِ إِنِ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ، ومَضَى بَيْعُ حَبٍّ أَفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ.
قوله: (وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وهُوَ الأَظْهَرُ؟ أَوْ لا). تمامه: (وصُحِّحَ تَرَدُّدٌ) وما بينهما [اعتراض بـ] (٢) نظائر ترجع لقوله: (أو لا) والثاني مذهب " المدونة " قال ابن مغيث: وبه الفتوى، وإليه أشار بقوله: (وصُحِّحَ).
ورُخِّصَ لِمُعْرٍ أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ، وإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ كَلَوْزٍ لا كَمَوْزٍ، إِنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ (٣) وبَدَا صَلاحُهَا، وكَانَ بِخَرْصِهَا ونَوْعِهَا يُوَفَّى عِنْدَ الْجِذَاذِ فِي الذِّمَّةِ.
قوله: (لا كَمَوْزٍ) إشارة لقوله فِي " المدونة " ومن أعرى شيئًا من الخضر والفواكه مثل
_________________
(١) في الأصل والمطبوعة: (أكثره).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٤).
(٣) في المطبوعة: (بالعربية).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
التفاح والرمان والخوخ والبطيخ والموز والقصب الحلو والبقول فلا يباع بخرصه؛ لأنه يقطع أخضر ولكن بعين أو بعرض حين جواز بيعه؛ لأنه لو أعرى ثمر نخل قد أزهت أو أرطبت لَمْ يجز له شراؤها بخرصها رطبًا (١).
وخَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ.
قوله: (وخَمْسَةَ أَوْسُقٍ) بالنصب عَلَى خبر كَانَ المحذوفة أي: وكان خمسة أوسق، يدلّ عَلَيْهِ (وكَانَ بِخَرْصِهَا).
ولا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (ولا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الأَصَحِّ) أشار به لقول ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إِذَا أعراه أكثر من خمسة [أوسق] (٢) فاشترى خمسةً بالخرص والزائد عَلَيْهَا بالدنانير أو الدراهم فقال بعض شيوخنا: إنه جائز، ومنع منه بعضهم، قال: والصواب (٣) ألا يجوز؛ لأنها رخصة خرجت عن حدّها، كما لو أقاله من طعامٍ ابتاعه قبل قبضه وباعه سلعة في (٤) عقد واحد، وكمساقاة وبيع وقراض وبيع .. ونحو ذلك من الرخص فإنه لا يجوز، وكذلك هذا، وإنما عبّر المصنف بالأَصَحّ دون الأَرْجَح؛ لأن ابن يونس حاكٍ للتصويب عن غيره.
وقد ذكر المازري فِي هذا قولين عن الأشياخ، وخرّجه عَلَى البيع مع الصرف أو مع النكاح فِي عقدٍ واحد، وعَلَى نقله اقتصر ابن عرفة (٥).
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٤٣، ٢٤٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٦٥.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٣) في (ن ٢): (وهو الصواب).
(٤) في (ن ١): (ففي).
(٥) في (ن ٤) ما نصه: فائدة: عقودٌ منعناها مع البيع ستة يجمعها في اللفظ جص مشنق فجعل وصرف والمساقاة شركة نكاح قراض منع هذا محقق كتب عليها طرة بخط صغير وفي نهايتها إلى هنا وما بين السابق واللاحق كتبت لفظة (صح).
[ ٢ / ٦٩٤ ]
إِلا لِمَنْ أَعْرَى عَرَايَا فِي حَوَائِطَ، فَمِنْ كُلٍّ، خَمْسَةٌ.
قوله: (إِلا لِمَنْ أَعْرَى عَرَايَا فِي حَوَائِطَ، فَمِنْ كُلٍّ، خَمْسَةٌ) وفِي بعض النسخ وكلّ خمسة بواو الحال والأول أولى؛ لموافقته لقوله فِي " المدونة ": ومن أعرى أناسًا شتى من حائط أو من حوائط له فِي بلدٍ واحد أو فِي بلدانٍ شتى خمسة أوسق لكلٍّ واحد أو أقلّ أو أكثر جَازَ له أن يشتري من كل واحدٍ قدر خمسة أوسق فأدنى (١).
إِنْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ لا بِلَفْظٍ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (إِنْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ لا بِلَفْظٍ عَلَى الأَرْجَحِ) كذا فِي " التوضيح " أن ابن يونس رجّح هذا القول (٢)، والذي فِي أصل ابن يونس أنّه حكى هذا الترجيح عن غيره، ونصّه: قال بعض أصحابنا: يؤيد ذلك قول مالك فيمن اشترى حوائط فأصابتها جائحة إن كَانَ شراؤه ذلك فِي صفقات فجائحة كلّ حائط عَلَى حدة، وإن كَانَ فِي صفقة روعي ثلث الجميع.
لِدَفْعِ الضَّرَرِ، أَوْ لِلْمَعْرُوفِ.
قوله: (لِدَفْعِ الضَّرَرِ، أَوْ لِلْمَعْرُوفِ) أي: قصد أحدهما كافٍ فِي الجواز، [٧٩ / أ] وهو مذهب " المدونة " قال فِيهَا: وأما العرية فيجوز شراؤها بالخرص لمعريها لوجهين: إما لرفع ضرر دخوله ولخروجه أو ليرفق فِي الكفاية (٣)، ومفهومه أن الشراء إِذَا كَانَ لغير أحد هذين الغرضين (٤) كالتجر لَمْ يجز، وقد صرح اللخمي بمنعه وإن بالعين.
فَيَشْتَرِي بَعْضَهَا كَكُلِّ الْحَائِطِ، وبَيْعِهِ الأَصْلَ. وجَازَ لَكَ شِرَاءُ أَصْلٍ فِي حَائِطِكَ بِخَرْصِهِ، إِنْ قَصَدْتَ الْمَعْرُوفَ فَقَطْ، وبَطَلَتْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ.
قوله: (فَيَشْتَرِي بَعْضَهَا كَكُلِّ الْحَائِطِ، وبَيْعِهِ الأَصْلَ) أي فيجوز شراء العرية فِي هذه المسائل لوجود أحد الوجهين وهو المعروف، وإن فقد الآخر وهو [رفع الضرر فأما
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٤٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٦٤.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٥٩١.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٤١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٢٦١.
(٤) في (ن ١): (القريطين).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
شراء] (١) بعض العرية أو كل الحائط المعري فصرح بجوازه فِي " المدونة " (٢)، وأما شراء بائع الأصل عريته التي كَانَ أعراها قبل البيع وهو المراد بقوله: (وبَيْعِهِ الأَصْلَ) فقال عبد الحقّ ما نصّه: " يجوز له شراء العرية وإن باع أصل حائطه عَلَى قول [ابن القاسم] (٣)؛ لأنه يجيز شراءها لوجهين: للرفق، ولرفع الضرر ". انتهى.
ولَمْ يذكره فِي " المدونة " وإنما قال: وإِذَا باع المعري حائطه أو أصله دون ثمرته أو ثمرته دون أصله أو الثمرة من رجل، والأصل من آخر جَازَ لمالك الثمرة شراء العرية الأولى بخرصها (٤).
وهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ، أَوْ [وٍ] (٥) أَنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلانِ. وزَكَاتُهَا وسَقْيُهَا عَلَى الْمُعْرِي، وكُمِّلَتْ بِخِلافِ الْوَاهِبِ.
قوله: (وَهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ، أَوْ وأَنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلانِ) كذا هو الصواب (أو وإن يطلع) بواو العطف بعد أو؛ تنبيهًا عَلَى أن المعتبر فِي القول الثاني مجموع الأمرين. قال فِي " الصحاح ": اطّلع النخل إِذَا أخرج طلعه، ومثله فِي " مختصر العين " (٦).
وتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ والْمَقَاثِي، وإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ.
قوله: (وتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ والْمَقَاثِي) كأنّه نبّه بالثمار عَلَى ما يدّخر كالنخل (٧) والعنب، ونبّه بالموز عَلَى ما لا يدّخر كالخوخ والرمان، ونبّه بالمقاثي عَلَى ما يطعم بطونًا كالورد والياسمين حسبما هو مبسوط فِي " المدونة " (٨)، وينطبق قوله: (وإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ) عَلَى الجميع.
_________________
(١) في (ن ١): (دفع الضرر فإشراء).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢٤٣.
(٣) في (ن ١): (ابن يونس)، وراجع المنقول عن ابن القاسم في المسألة السابقة.
(٤) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٤٠.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر والمطبوعة.
(٦) زاد المؤلف الواو هنا، وقال الخرشي: (الصواب زيادة واو قبل أن. .إلخ). انظر: شرح الخرشي: ٦/ ٤١.
(٧) في (ن ٣): (كالثمر).
(٨) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٤٢٥.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ومِنْ عَرِيَّتِهِ لا مَهْرَ إِنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ الْمَكِيلَةِ، ولَوْ مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وبَرْنِيٍّ، وبُقِّيَتْ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا وأُفْرِدَتْ، أَوْ أُلْحِقَ أَصْلُهَا، لا عَكْسُهُ أَوْ مَعَهُ، ونُظِرَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْبُطُونِ إِلَى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ، لا يَوْمَ الْبَيْعِ، ولا يُسْتَعْجَلُ عَلَى الأَصَحِّ. وفِي الْمُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ لِلدَّارِ تَأْوِيلانِ وهَلْ هِيَ مَا لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وجَيْشٍ أَو وسَارِقٌ خِلافٌ وتَعْيِيبِهَا كَذَلِكَ وتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وإِنْ قَلَّتْ كَالْبُقُولِ والزَّعْفَرَانِ والرَّيْحَانِ والْقَرْطِ والْقَضْبِ (١) وَوَرَقِ التُّوتِ، ومُغَيَّبِ الأَصْلِ كَالْجَزَرِ ولَزِمَ الْمُشْتَرِي بِاقِيهَا وإِنْ قَلَّ، وإِنِ اشْتَرَى أَجْنَاسًا فَأُجِيحَ بَعْضُهَا. وُضِعَتْ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وأُجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكِيلَتِهِ، وإِنْ تَنَاهَتِ الثَّمَرَةُ، فَلا جَائِحَةَ. كَالْقَصَبِ الْحُلْوِ، ويَابِسِ الْحَبِّ، وخُيِّرَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَيْنَ سَقْيِ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكِهِ، إِنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ [٥٣ / أ] فَأَكْثَرُ، ومُسْتَثْنًى [كِيلَ] (٢) مِنَ الثَّمَرَةِ تُجَاحُ بِمَا يُوضَعُ، يَضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِهِ.
قوله: (ومِنْ عَرِيَّتِهِ) معطوف عَلَى ما فِي حيّز الإغياء.
[اختلاف المتبايعين]
إِنِ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ حَلَفَا، وفُسِخَ، ورَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا، وفِي قَدْرِهِ، كَمَثْمُونِهِ أَوْ قَدْرِ الأَجَلِ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ حَمِيلٍ حَلَفَا وفُسِخَ، إِنْ حُكِمَ بِهِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا كَتَنَاكُلِهِمَا، وصُدِّقَ مَنِ (٣) ادَّعَى الأَشْبَهَ، وحَلَفَ إِنْ فَاتَ.
قوله: (إِنْ حُكِمَ بِهِ) [قيّد] (٤) فِي الفسخين معًا.
ومِنْهُ تَجَاهُلِ الثَّمَنِ، وإِنْ مِنْ وَارِثٍ، وبَدَأَ الْبَائِعُ، وحَلَفَ عَلَى [نَفْيِ] (٥) دَعْوَى خَصْمِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ، وإِنِ اخْتَلَفَا فِي انْتِهَاءِ الأَجَلِ، فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي، وفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوِ السِّلْعَةِ فَالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا، إِلا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ، أَوْ بَقْلٍ بَانَ بِهِ ولَوْ كَثُرَ، وإِلا فَلا، إِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأَخْذِ، وإِلا، فَهَلْ يُقْبَلُ [الدَّفْعُ] (٦)؟ أَوْ فِيمَا هُوَ الشَّأْنُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ. وإِشْهَادُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مَثْمُونِهِ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) في المطبوعة: (مشتر).
(٤) في (ن ١): (قيل).
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
قوله: (وَمِنْهُ تَجَاهُلِ الثَّمَنِ) أي من الفوت، وكذا وقع لابن عبد السلام أن مجهلة الثمن عند أهل المذهب تتنزل منزلة الفوات، وردّه ابن عرفة بأنه لو كَانَ فوتًا ما (١) ردّت فِيهِ السلعة، [وقد قال فِيهَا: إن حلف ورثة المبتاع حلف ورثة البائع ورُدّت السلعة] (٢).
وحَلَّفَ بَائِعهُ، إِنْ بَادَرَ كَإِشْهَادِ الْبَائِعِ بِقَبْضِهِ. وفِي الْبَتِّ مُدَّعِيهِ كَمُدَّعِي الصِّحَّةِ إِنْ لَمْ يَغْلِبِ الْفَسَادُ. وهَلْ إِلا أَنْ يَخْتَلِفَ بِهِمَا الثَّمَنُ فَكَقَدْرِهِ؟ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَحَلَّفَ بَائِعَهُ، إِنْ بَادَرَ) ينبغي أن يقرأ (حلّف) مشدد اللام رباعيًا و(بائعه) بالنصب عَلَى المفعولية. أي: وحلّف المشتري بائعه إن بادر المشتري، وإِذَا خففت اللام ورفعت البائع عَلَى الفاعلية جَازَ، والفاعل بـ (بادر) ضمير المشتري عَلَى كلّ حال.
والْمُسْلَمُ إِلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، أَوِ السِّلْعَةِ كَالْمُشْتَرِي [بالنقد] (٣) فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِنِ ادَّعَى مُشْبِهًا.
قوله: (وَالْمُسْلَمُ إِلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، أَوِ السِّلْعَةِ كَالْمُشْتَرِي بالنقد) السلعة معطوفة عَلَى العين، فالتقدير أو فوات السلعة، ولم يقيّد الفوات فِيهَا بشيء، فدلّ [على] (٤) أنّه يقع بأدنى الأشياء، وهو حوالة الأسواق، وهذا هو المشهور.
وإِنِ ادَّعَيَا مَا لا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ، وفِي مَوْضِعِهِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ عَقْدِهِ، وإِلا فَالْبَائِعُ، وإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ تَحَالَفَا [تَفَاسَخَا] (٥) وفُسِخَ كَفَسْخِ مَا يُقْبَضُ بِمِصْرَ، وجَازَ بِالْفُسْطَاطِ، وقُضِيَ بِسُوقِهَا، وإِلا فَفِي أَيِّ مَكَانٍ.
قوله: (وإِنِ ادَّعَيَا مَا لا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ). كذا هو الصواب بألف التثنيه فِي (ادَّعَيَا)، ويفهم من هذا التفريع (٦) فِي المشبه بعض ما فاته ذكره فِي المشبه به وهو المشتري.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (لما).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة، وفي أصل المختصر: (في النقد).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٦) في (ن ١): (التعريف).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
[باب السلم والقرض والمقاصّة]
شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ، أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلاثًا ولَوْ بِشَرْطٍ، وفِي فَسَادِهِ بِالزِّيَادَةِ، إِنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًَّا تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَفِي فَسَادِهِ بِالزِّيَادَةِ، إِنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًَّا تَرَدُّدٌ) لَمْ يحتج إلى تقييده بالعين اكتفاءً بقوله بعد: (وتَأْخِيرُ حَيَوَانٍ إلى آخره)، والخلاف فِي المسألة للمتقدمين، وكأنه فهم عن المتأخرين تَرَدُّدا فِي النقل عنهم، فعبّر عنه بالتَرَدُّدٌ.
وجَازَ بِخِيَارٍ لِمَا يُؤَخَّرُ، إِنْ لَمْ يُنْقَدْ، وبِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ، وبِجُزَافٍ، وتَأْخِيرُ حَيَوَانٍ بِلا شَرْطٍ.
قوله: (وتَأْخِيرُ حَيَوَانٍ بِلا شَرْطٍ) ليس فِي الأمهات فِيهِ كراهة، وكذا اختصره ابن يونس، وظاهر " التهذيب " دخول الخلاف فِيهِ (١).
وهَلِ الطَّعَامِ والْعَرْضِ كَذَلِكَ، إِنْ كِيلَ وأُحْضِرَ، أَوْ كَالْعَيْنِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وَهَلِ الطَّعَامِ والْعَرْضِ كَذَلِكَ، إِنْ كِيلَ وأُحْضِرَ، أَوْ كَالْعَيْنِ؟ تَأْوِيلانِ) اعلم أنّه كره فِي " المدونة " تأخير الثوب والطعام بغير شرط (٢)، فمن الشيوخ من رأى هذه الكراهة مقيدة بما إِذَا لَمْ يكل الطعام ولم يحضر الثوب، فأما إِذَا كَيّل الطعام وحضر (٣) الثوب فقد انتقل ضمانهما إلى المسلم إليه، وصار كالحيوان، فلا معنى للكراهة، وعَلَى هذا التأويل نبّه بقوله: (وهل الطعام والعرض كذلك إن كيل وأحضر؟) ومن الشيوخ من حمل هذه الكراهة عَلَى إطلاقها وقال: إن الطعام والثوب لما كَانَ يغاب عَلَيْهِما [٧٩ / ب] أشبها الدنانير والدراهم، فأشبهت (٤) صورة التأخير فيهما الدين بالدين، بِخِلاف ما لو كَانَ رأس
_________________
(١) قال في تهذيب المدونة: (وإذا كان رأس مال السلم عرضًا أو طعامًا أو حيوانًا بعينه، فتأخر قبضه الأيام الكثيرة أو الشهر، أو إلى أجل، فإن كان ذلك بشرط فسد البيع، وإن لم يكن بشرط وكان ذلك هربًا من أحدهما فالبيع نافذ، مع كراهية مالك لهما في ذلك التأخير البعيد بغير شرط، وإن قبضه بعد يوم أو يومين فلا بأس به) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٨.
(٢) / ٣٨.انظر النص السابق ..
(٣) في (ن ٣): (وأحضر).
(٤) في (ن ١): (فأشبه).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
مال السلم ما لا يغاب عَلَيْهِ كالعبد، فإنه لا يتصور فِيهِ شبه الدين بالدين.
وعَلَى هذا التأويل نبّه بقوله: (أو كالعين) إِلا أن تشبيهه بالعين يقتضي التحريم، وإنما ذكر ابن يونس وابن محرز وغيرهما الكراهة كما هو لفظ " المدونة ". نعم قال ابن عبد السلام عندما قرر ما قدمناه: رأى بعضهم أن الكراهة إِذَا كَانَ رأس مال السلم طعامًا أشد منها إِذَا كَانَ ثوبًا؛ لأن الطعام مع كونه يغاب عَلَيْهِ هو أَيْضًا لا يعرف بعينه، والثوب يعرف بعينه فيقوى شبه الدين بالدين فِي الطعام ما لا يقوى فِي الثياب، فلم يقنع بهذا فِي " التوضيح " حَتَّى زاد ما نصّه: " ينبغي أن تحمل كراهة الإمام فِي الطعام عَلَى التحريم؛ لأنه إِذَا لَمْ [يكل لم] (١) يكن بينه وبين العين فرق، وينبغي إِذَا حضر الثوب أن يجوز؛ لأنه بحضوره يتعين ولا يكون دينًا بدين (٢).
ورُدَّ زَائِفٌ.
قوله: (ورُدَّ زَائِفٌ) مصدر مضاف للمفعول معطوف عَلَى فاعل (جَازَ).
وعُجِّلَ، وإِلا فَسَدَ مَا يُقَابِلُهُ لا الْجَمِيعُ عَلَى الأَحْسَنِ.
قوله: (لا الْجَمِيعُ عَلَى الأَحْسَنِ) كأنه أشار بالأحسن لاختيار ابن محرز، وقد (٣) قبله ابن عرفة ولَمْ يذكره فِي " التوضيح ".
والتَّصْدِيقُ فِيهِ كَطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ، ثُمَّ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ الزَّائِدُ الْمَعْرُوفُ والنَّقْصُ، وإِلا فَلا رُجُوعَ لَكَ، إِلا بِتَصْدِيقٍ أَوْ بَيِّنَةٍ لَمْ تُفَارِقْ.
قوله: (والتَّصْدِيقُ فِيهِ كَطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ) قرانه بطعام من بيع. يدل أن مراده التصديق فِي كيل الطعام المسلم فِيهِ، وأما التصديق فِي رأس المال فلا يجوز، وقد تقدمت له النظائر التي لا يجوز فِيهَا التصديق وأن هذا منها.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٣٠.
(٣) في (ن ٣): (وقيل).
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وحَلَفَ لَقَدْ أَوْفَى مَا سَمَّى، أَوْ لَقَدْ بَاعَهُ عَلَى مَا كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ، إِنْ أَعْلَمَ مُشْتَرِيهِ، وإِلا حَلَفْتَ ورَجَعْتَ.
قوله: (وَإِلا حَلَفْتَ ورَجَعْتَ) ينطبق عَلَى مفهوم قوله: (وحَلَفَ لَقَدْ أَوْفَى مَا سَمَّى) وعَلَى مفهوم قوله: (إِنْ أَعْلَمَ مُشْتَرِيهِ).
وإِنْ أَسْلَمَتْ عَرْضًا فَهَلَكَ بِيَدِكَ فَهُوَ مِنْهُ إِنْ أَهْمَلَ، أَوْ أَوْدَعَ، أَوْ عَلَى الانْتِفَاعِ.
قوله: (أَوْ عَلَى الانْتِفَاعِ) هذا كقول اللخمي: وإن أمكنه من الرقاب وهي لمنافع (١) استثناها (٢) منه صدق.
ومِنْكَ إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ ووُضِعَ لِلتَّوَثُّقِ.
قوله: (وَمِنْكَ إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ ووُضِعَ لِلتَّوَثُّقِ) أي بإشهاد أو رهن أو كفيل، وأما حبسه فِي عوضه فلا، وقد قال اللخمي: لَمْ يكن له حبسه لما كَانَ الثمن إلى أجل بِخِلاف البيع عَلَى النقد.
ونُقِضَ السَّلَمُ وحَلَفَت، وإِلا خُيِّرَ الآخَرُ، وإِنْ أَسْلَمْتَ حَيَوَانًا أَوْ عَقَارًا فَالسَّلَمُ ثَابِتٌ، ويُتَّبَعُ الْجَانِي، وأَنْ لا يَكُونَا طَعَامَيْنِ ولا نَقْدَيْنِ، ولا شَيْئًا فِي أَكْثَرَ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ، إِلا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ كَفَارِهِ الْحُمُرِ فِي الأَعْرَابِيَّةِ، وسَابِقِ الْخَيْلِ.
قوله: (وَنُقِضَ السَّلَمُ وحَلَفَت) كذا فِي بعض النسخ حلفت بـ: تاء الخطاب، وهو أولى لبيانه.
لا هِمْلاجٍ، إِلا كَبِرْذَوْنٍ [٥٣ / ب]، وجَمَلٍ كَثِيرِ الْحَمْلِ.
قوله: (لا هِمْلاجٍ) فِي " الصحاح ": " الهملاج من البرازين واحد الهماليج، ومشيها الهملجة، فارسيٌ معرّب ". وفِي " الخلاصة ": " الهملجة والهملاج حسن سير الدابّة فِي سرعة (٣)، ودابّة هملاج الذكر والأنثى فِيهِ سواء ". وفِي " مختصر العين " نحوه.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (المنافع).
(٢) في (ن ٣): (استثناؤه).
(٣) في (ن ١): (صرعة).
[ ٢ / ٧٠١ ]
وصُحِّحَ، وبِسَبْقِهِ.
قوله: (وَصُحِّحَ، وبِسَبْقِهِ) أي: وصحح اعتبار سبقه أَيْضًا. قال ابن عبد السلام: " والمعتبر فِي الإبل عندهم الحمل خاصّة وليس السبق عندهم فِيهَا بمعتبر، وفِيهِ نظر، فإن العرب كانوا يقاتلون عَلَيْهَا ويريدون بعضها للركوب دون الحمل، وهو موجود إلى الآن والناس كإبل مائة لا تجد فِيهَا راحلة واحدة فما كَانَ منها يصلح للركوب فينبغي أن يسلم فِيمَا يصلح للحمل، وكذلك العكس ". انتهى.
ونكت فِي " التوضيح " عَلَى قوله: المعتبر عندهم فِي الإبل الحمل خاصة فقال: " فسّر التونسي النجابة بالجري فقال: النجيب منها صنف وهو ما بان بالجري، والحميل (١) صنف والدنئ صنف، وينبغي اعتبار كل من الحمل والسبق والسير "، وهو الذي قاله اللخمي ". انتهى (٢).
وحاصل ما عند اللخمي: أن الإبل صنفان: صنف يراد للحمل، وصنف [يراد] (٣) للركوب لا للحمل، وكل منهما جيد، وحاشٍ، فيسلم ما يراد للحمل [فِيمَا يراد للركوب وعكسه اتحد العدد أو اختلف، وما يراد للحمل] (٤) أو للركوب لا يسلم بعضه فِي بعض إِلا أن يكثر عدد الردي، فتحصل المباينة (٥)، فيجوز سلم صنف جيّد فِي كامل ردي.
وقال المازري: الإبل لا تراد للجري والسبق، بل للحمولة، فيعتبر التفاضل فِيهَا من هذه الناحية، وتبعه ابن بشير (٦). قال ابن عرفة: وهو خلاف متقدم نقل اللخمي، ثُمَّ ذكر اضطراب نقل الباجي فِيهِ، وناقش كلام ابن عبد السلام المتقدم، وقال: أوّله فِي السبق وآخره فِي السير (٧).
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (والحميل).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٣٥.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢)، و(ن ٣).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٣): (المبايعة).
(٦) في (ن ٢): (ابن شاس).
(٧) في (ن ٣): (اليسير).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وبِقُوَّةِ الْبَقَرِ ولَوْ أُنْثَى وكَثْرَةِ لَبَنِ الشَّاةِ.
قوله: (وبِقُوَّةِ الْبَقَرِ) معطوف فِي المعنى عَلَى قوله (كفَارِهِ الحُمُر)، كأنه قال: إِلا أن تختلف المنفعة كفاره الحمر أو تختلف المنفعة بقوة البقر، ولا يجوز أن يعطف عَلَى قوله: (بِسَبْقِهِ) الذي هو معمول لـ (صُحِّحَ)؛ لأن هذا هو أصل المذهب لا يحتاج لمن يصححه.
وظَاهِرُهَا عُمُومُ الضَّأْنِ. وصُحِّحَ خِلافُهُ، وكَصَغِيرَيْنِ فِي كَبِيرٍ وعَكْسِهِ، أَوْ صَغِيرٍ فِي كَبِيرٍ وعَكْسِهِ، إِنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْمُزَابَنَةِ، وتُؤُوِّلَتْ عَلَى خِلافِهِ كَالآدَمِيِّ وكَالْغَنَمِ وجِذْعٍ طَوِيلٍ غَلِيظٍ فِي غَيْرِهِ، وكَسَيْفٍ قَاطِعٍ فِي سَيْفَيْنِ دُونِهِ، وكَالْجِنْسَيْنِ، ولَوْ تَقَارَبَتِ الْمَنْفَعَةُ كَرَقِيقِ الْقُطْنِ والْكَتَّانِ، لا جَمَلٍ فِي جَمَلَيْنِ مِثْلِهِ عُجِّلَ أَحَدُهُمَا.
قوله: (وَظَاهِرُهَا عُمُومُ الضَّأْنِ (١» أشار به لقول أبي بكر بن يونس: [٨٠ / أ] وظاهر " المدونة " أن الضأن (٢) والمعز سواء ما عرف من ذلك بغزر اللبن والكرم جَازَ أن يسلم فِي غيره.
وَكَطَيْرٍ عُلِّمَ، لا بِالْبَيْضِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ ولَوْ آدَمِيًَّا، وغَزْلٍ وطَبْخٍ إِنْ لَمْ يَبْلُغِ النِّهَايَةَ، وحِسَابٍ، أَوْ كِتَابَةٍ. وَالشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ.
قوله: (وَكَطَيْرٍ عُلِّمَ) لما ذكر فِي " التوضيح " قول ابن الحاجب: " وبِخِلاف طير الأكل [باتفاق (٣). قال: يعني أن طير الأكل] (٤) لا يجوز سلم صغيرها فِي كبيرها ولا كبيرها فِي صغيرها باتفاق فِي الصنف الواحد، وأخرج بطير الأكل طير التعليم فإنه يختلف بسببه ". انتهى (٥). والذي عند ابن عبد السلام: أنّه أخرج بطير الأكل طير البيض، ولم يذكر طير التعليم هو ولا ابن عرفة.
_________________
(١) في (ن ٢): (الضمان).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (الضمان).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧١.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٣٩.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وأَنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ كَالنَّيْرُوزِ، والْحَصَادِ والدَّرَاسِ وقُدُومِ الْحَاجِّ. واعْتُبِرَ مِيقَاتُ مُعْظَمِهِ، إِلا أَنْ يُقْبَضَ بِبَلَدٍ كَيَوْمَيْنِ، إِنْ خَرَجَ حِيَنِئذٍ بِبِرٍّ، أَوْ بِغَيْرِ رِيحٍ. والأَشْهُرُ بِالأَهِلَّةِ، وتُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ مِنَ الرَّابِعِ، وإِلَى رَبِيعٍ حَلَّ بِأَوَّلِهِ وفَسَدَ فِيهِ عَلَى الْمَقُولِ فِيهِ (١) فِي الْيَوْمِ، وأَنْ يُضْبَطَ بِعَادَتِهِ (٢) مِنْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ عَدَدٍ كَالرُّمَّانِ، وقِيسَ بِخَيْطٍ، أَوِ الْبَيْضِ، أَوْ بِحِمْلٍ أَوْ جُرْزَةٍ فِي كَقَصِيلٍ، لا بِفَدَّانٍ. أَوْ بِتَحَرٍّ وهَلْ بِقَدْرِ كَذَا؟ أَوْ يَأْتِي بِهِ ويَقُولُ كَنَحْوِهِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ) لعلّه أراد نصف الشهر الناقص، وإِلا فالوجه أن يقول: أقلّه نصف شهر ليوافق النصّ.
وفَسَدَ بِمَجْهُولٍ وإِنْ نَسَبَهُ أُلْغِيَ، وجَازَ بِذِرَاعِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ كَوَيْبَةٍ وحَفْنَةٍ.
قوله: (كَوَيْبَةٍ وحَفْنَة). أي: كويبة مع حفنة. عياض: " والويبة عشرون مدًّا ". انتهى، فهي خمسة آصع، والحفنة ملء يدٍ واحدة، كذا فِي كتاب الحج الثالث من " المدونة " (٣). وقال الجوهري: " الحفنة ملء الكفين من طعام.
وفِي الْوَيْبَاتِ والْحَفَنَاتِ قَوْلانِ.
قوله: (وفِي الْوَيْبَاتِ والْحَفَنَاتِ قَوْلانِ) أي: مع الحفنات.
وأَنْ تُبَيَّنَ صِفَتُهُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ فِي السَّلَمِ عَادَةً.
[قوله: (وأَنْ تُبَيَّنَ صِفَتُهُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ فِي السَّلَمِ عَادَةً)] (٤) كذا لابن الحاجب، فقال فِي " التوضيح " تبعًا لابن عبد السلام: ظاهره أن الصفة إِذَا كانت لا تختلف القيمة بسببها أنّه لا يجب بيانها فِي السلم (٥). وعبارة غيره أقرب؛ لأنهم يقولون: يبين فِي السلم جميع الأوصاف التي تختلف الأغراض بسببها، واختلاف الأغراض لا يلزم منه اختلاف القيمة؛ لجواز أن يكون ما تعلّق به الغرض صفة يسيرة عند التجار، أو أن
_________________
(١) في المطبوعة: (لا).
(٢) في الأصل (نفادته).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٤٣١ ونصها: (قال مالك: والحفنة يد واحدة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٦٩.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
تكون الصفة المعينة وإن وجدت لكن فقدت صفة أخرى يكون فقدها مساويًا لوجود الصفة المذكورة قال: وإنما قال فِي السلم؛ لأن السلم يغتفر فِيهِ من الإضراب عن بعض الأوصاف ما لا يغتفر مثله فِي بيع النقد، ولا ينعكس؛ لأن السلم مستثنى من بيع الغرر، بل ربما كَانَ التعرض للصفات الخاصة فِي السلم مبطلًا [له] (١) لقوة الغرر.
كَالنَّوْعِ، والْجَوْدَةِ، والرَّدَاءَةِ، وبَيْنَهُمَا.
قوله: (كَالنَّوْعِ، والْجَوْدَةِ، والرَّدَاءَةِ، وبَيْنَهُمَا) ظرفٌ ساكن الياء كما عند الشارح لا فعل مفتوح الياء مشددها كما فِي بعض النسخ، فهو كقول المتيطي لما ذكر السلم فِي الطعام قال: " بعض الموثقين: وأما الصفة مع ذكر الجنس فلابد منها، ويكفي فِي ذلك أن يقال: جيّد أو متوسط أو رديء ". انتهى ونحوه فِي " النوادر " وغيرها. انتهى.
واللَّوْنِ فِي الْحَيَوَانِ والثَّوْبِ، والْعَسَلِ، ومَرْعَاهُ.
قوله: (والْعَسَلِ، ومَرْعَاهُ) لا أذكر من ذكر المرعى فِي العسل، والمصنف مطّلع (٢)، ولم يذكره ابن عرفة مع كثرة اطلاعه؛ إِلا أنّه قال: حاصل أقوالهم وصف كلّ نوع تختلف أصنافه بما يعين الصنف المسلم فِيهِ دون غيره ". انتهى.
وأما اللون فقال المتيطي: وتصف العسل بالبياض والخثرة والصفاء أو بالحمرة والملوسة، والصفاقة، وكذا ذكر اللون فِي التين والعنب والزبيب، وفِي " النوادر ": وتصف (٣) السمن ببقري أو غنمي، وجيد أو وسط أو رديء، وإِلا لَمْ يجز، وتصف كذلك (٤) العسل مع ذكر خاثر أو رقيق وإِلا فسخ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٢) في (ن ٣): (معطل).
(٣) في (ن ٢): (ويصف).
(٤) في الأصل، (ن ١): (بذلك).
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وفِي التَّمْرِ، والْحُوتِ، والنَّاحِيَةَ، والْقَدْرَ [وفِي الْبُرِّ] (١) وجِدَّتُه، ومِلأَهُ، إِنِ اخْتَلَفَ الثَّمَنُ بِهِمَا.
قوله: (وفِي التَّمْرِ، والْحُوتِ، والنَّاحِيَةَ، والْقَدْرَ) كأنه يعني بالناحية بلد التمر والحوت، وبالقدر قدرهما فِي الصغر والكبر، فأما الحوت فهذا فِيهِ بين؛ لأنه قال فِي " المدونة ": والسلم فِي الحيتان الطرية جائز إِذَا سمى جنسًا من الحوت وشرط ضربًا معلومًا صفته وطوله وناحيته (٢). عَلَى أن عياضا ذكر تأويلين فِي الناحية هل هي القدر أو الجهة إِذَا اختلفت الجهات فكان حوت بعضها أفضل من بعض.
وأما التمر فكأنه عوّل فِيهِ عَلَى بعض ما حكى فِي توضيحه عن المازري إذ قال: زاد بعض العلّماء فِي التمر البلد واللون وكبر الثمرة وصغرها وكونه جديدًا أو قديمًا (٣).
وسَمْرَاءَ، ومَحْمُولَةً بِبَلَدٍ هُمَا بِهِ، ولَوْ بِالْحَمْلِ، بِخِلافِ مِصْرَ فَالْمَحْمُولَةُ، والشَّامُ فَالسَّمْرَاءُ.
قوله: (وسَمْرَاءَ، ومَحْمُولَةً بِبَلَدٍ هُمَا بِهِ، ولَوْ بِالْحَمْلِ) هذا اختصار ما فِي " التوضيح " (٤)، وهو جارٍ عَلَى طريقة ابن بشير إذ قال ما نصّه: " إن كَانَ البلد مما ينبتان فِيهِ فلابد من ذكر أحد الصنفين، فإن لَمْ يذكر [ذلك] (٥) فسد السلم، وإن كَانَ مما يجلبان إليه، فابن حبيب لا يرى أن يفسد السلم بترك ذكر أحد الصنفين. ورأى (٦) الباجي أن مقتضى الروايات خلاف قوله: ولا ينبغي أن يختلف فِي مثل هذا، وإنما كل منهما تكلّم عَلَى شهادته، فإن اختلفت الأثمان أو الأغراض (٧) باختلاف الصنفين فلابد من ذكر أحدهما، وإن لَمْ تختلف بذلك فلا معنى لذكره ". انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من نسخة المؤلف على ما يأتي في مسألة تالية، أو يكون اختصرها.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٩، ٢٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ١٥.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٦٩.
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٧٠.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٦) في (ن ١): (ورد).
(٧) في (ن ٢): (والأغراض).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وهو عكس نقل ابن يونس عن ابن حبيب، فإنه لما ذكر قوله فِي " المدونة ": وإن أسلم فِي الحجاز حيث تجتمع السمراء والمحمولة (١) ولَمْ يسم جنسًا فالسلم فاسد حَتَّى [٨٠ / ب] يسمي سمراء من محمولة، ويصف جودتهما فيجوز (٢). قال ما نصّه: " قال ابن حبيب: وهذا فِي مثل بلدٍ تحمل إليه، فأما بلد تنبت فِيهِ السمراء والبيضاء فيجزيه، وإن لَمْ يذكر ذلك وذكر جيدًا نقيًا وسطا أو مغلوثًا وسطًا، وقول ابن حبيب: هذا لا وجه له، وسواء بلد ينبت فِيهِ الصنفان أو يحملان إليه؛ لابد فِي ذلك من ذكر الجنس إِذَا كانا مختلفين ". انتهى.
وعلى طريقة ابن يونس اقتصر أبو الحسن الصغير وابن عرفة، كما اقتصر المصنف عَلَى طريقة ابن بشير، ولم أر من نبه عَلَى اختلاف الطريقتين. وبالله تعالى التوفيق.
[وَنَقِيٍّ، أَوْ غَلِثٍ] (٣). وفِي الْحَيَوَانِ وسِنُّهُ، والذُّكُورَةَ، والسِّمَنَ، وضِدَّيْهِمَا.
قوله: (وَنَقِيٍّ، أَوْ غَلِثٍ) كذا فِي بعض النسخ بكسر القاف وتشديد الياء وعطف غلث عَلَيْهِ، وينبغي أن يكون بكسر اللام، وهو إشارة لقول المتيطي: " قال بعض الموثقين: وحسن أن يذكر مع ذكر الجيد أو المتوسط أو الرديء نقي أو متوسط فِي النقاء أو مغلوث، فإن سقط ذكر الصفة من العقد فسد السلم، وإن سقط ذكر النقاء منه لَمْ يفسد، وقاله أَيْضًا محمد بن أبي زمنين " انتهى.
وفِي " النوادر " عن ابن حبيب ما يشهد لنقل المتيطي فِي هذه، ولنقل ابن يونس فِي التي فوقها.
وفِي اللَّحْمِ، وخَصِيًَّا، ورَاعِيًا، أَوْ مَعْلُوفًا، لا مِنْ كَجَنْبٍ.
قوله: (وفِي اللَّحْمِ، وخَصِيًَّا) كذا هو فِي نسخٍ كثيرة بنصب خصيًا وما عطف عَلَيْهِ، وذلك يدل عَلَى أن قوله: (وَالْقَدْرَ (٤) وجِدَّتُه، ومِلأَهُ) وما بعده من المعاطيف منصوبة عطفًا عَلَى قوله: (صفته) ويلزم من ذلك أن يقرأ قوله (وأن يبين صفته) مبنيًا للفاعل لا للنائب.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (والحمولة).
(٢) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٧.
(٣) في الأصل: (ونقي الغلث).
(٤) زاد في نسخة المختصر والمطبوعة: (وفِي الْبُرِّ).
[ ٢ / ٧٠٧ ]
وفِي الرَّقِيقِ، والْقَدَّ، والْبِكَارَةَ، واللَّوْنَ.
قوله: (وَفِي الرَّقِيقِ، والْقَدَّ، والْبِكَارَةَ) كذا فِي أكثر النسخ بإسقاط اللون لتقدمه فِي الحيوان الذي هو أعم من الرقيق.
قَالَ وكَالدَّعْجِ، وتَكَلْثُمِ الْوَجْهِ.
قوله: (قَالَ وكَالدَّعْجِ، وتَكَلْثُمِ الْوَجْهِ) الجوهري: " الدعج شدة سواد العين مع سعتها، والكلثوم الكثير (١) لحم الخدين والوجه.
وفِي الثَّوْبِ وَالرِّقَّةِ، والصَّفَاقَةَ، وضِدَّيْهِمَا.
قوله: (وفِي الثَّوْبِ والرِّقَّةِ، والصَّفَاقَةَ، وضِدَّيْهِمَا) ليس هذا من تمام المحكي عن المازري بل هذه [مسألة] (٢) ثاني سلوم (٣) " المدونة " قال فِيهَا: ومن أسلم فِي ثوبٍ حرير واشترط طوله وعرضه ولم يشترط وزنه جَازَ إِذَا وصفه ووصف صفاقته وخفته وإنما السلم فِي الثياب بصفة وذراع معلوم (٤) طوله وعرضه وصفاقته وخفته ونحوه (٥). قال أبو الحسن الصغير: أي رقته وغلظه. قال ابن يونس: أنكر سحنون قوله فِي ثوب الحرير أبو الحسن الصغير، ورأى أن الصفة لا تحصره (٦)، وأنّه لابد من الوزن؛ لتفاوت ذلك.
ابن عرفة: لَمْ يذكر ابن يونس موجب إنكاره، فلعلّه عدم شرط وزنه، والصواب قول ابن القاسم، بل شرط وزنه مع صفة ما شرط من صفاقة أو خفة متنافٍ.
وفِي الزَّيْتِ والْمُعْصَرَ مِنْهُ، وبِمَا يُعْصَرُ، وحُمِلَ فِي الْجَيِّدِ والرَّدِيءِ عَلَى الْغَالِبِ، وإِلا فَالْوَسَطُ، وكَوْنُهُ دَيْنًا ووُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، وإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَهُ.
قوله: (والمعصر منه) كذا فِي النسخ عَلَى صيغة اسم مفعول الرباعي، ووجه الكلام
_________________
(١) في (ن ٢): (كثير).
(٢) في (ن ٣): (المسألة).
(٣) جمع (سلم).
(٤) في (ن ٢): (معلومًا).
(٥) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٦٨.
(٦) في (ن ٢)، و(ن ٣): (يحصره).
[ ٢ / ٧٠٨ ]
المعتصر بزيادة التاء خماسية (١) أو المعصور ثلاثيًا من قوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] عَلَى القول بأنه بمعنى يستغلون (٢)، وقيل بمعنى: ينجون، حكاهما الجوهري.
لا نَسْلِ حَيَوَانٍ عُيِّنَ وقَلَّ أَوْ حَائِطٍ.
قوله: (لا نَسْلِ حَيَوَانٍ عُيِّنَ وقَلَّ) كأنه معطوف عَلَى محذوف دلّ عَلَيْهِ السياق أي: فيجوز محقق الوجود عند حلوله لا نسل حيوان معين، وتبع فِي قيد القلة ابن شاس إذ قال: لو كانت الإشارة إلى نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها لمن أراد، وإنما أشير إليها لمعنى انفردت به لجاز السلم فِي نسلها إِذَا وصف (٣).
قال ابن عرفة: ظاهره أنّه هو المذهب، وظاهر " المدونة " منعه مُطْلَقًا من هنا (٤)، ومن الزكاة الثاني إِذَا منع السلم إلى الساعي. ويتخرج جوازه من قول بعض الشيوخ: يجوز السلم فِي تمر قرية صغيرة لمن لا ملك له فِيهَا إِذَا كَانَ الغالب بيع بعض أهلها قدر ذلك.
وشُرِطَ، إِنْ سُمِّيَ سَلَمًا لا بَيْعًا إِزْهَاؤُهُ، وَسَعَةُ الْحَائِطِ وكَيْفِيَّةُ قَبْضِهِ، لِمَالِكِهِ، وشُرُوعُهُ وإِنْ لِنِصْفِ شَهْرٍ، وأَخْذُهُ بُسْرًا، أَوْ رُطْبًا [لا تَمْرًا] (٥). فَإِنْ شَرَطَ تَتَمُّرَ الرُّطَبِ مَضَى بِقَبْضِهِ، وهَلِ الْمُزْهِي كَذَلِكَ، وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ [٥٤ / أ] تَأْوِيلانِ. فَإِنِ انْقَطَعَ رَجَعَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ، وهَلْ عَلَى الْقِيمَةِ وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ أَوِ الْمَكِيلَةِ؟ تَأْوِيلانِ. وَهَلِ الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ كَذَلِكَ؟ أَوْ إِلا فِي وجُوبِ تَعْجِيلِ النَّقْدِ فِيهَا؟ أَوْ تُخَالِفُهُ فِيهِ، وفِي السَّلَمِ فِيمَنْ لا مِلْكَ لَهُ تَأْوِيلاتٌ. وإِنِ انْقَطَعَ مَالَهُ إِبَّانٌ، ولَوْ مِنْ قَرْيَةٍ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي فِي الْفَسْخِ والإِبْقَاءِ.
قوله: (وَشُرِطَ، إِنْ سُمِّيَ سَلَمًا لا بَيْعًا إِزْهَاؤُهُ إلى آخره) هو كقوله فِي " توضيحه ": " قال بعض القرويين: وهذه الشروط إنما تلزم إن سموه سلما، وأما إن سموه بيعًا فلا يلزم،
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (خماسيًا).
(٢) في (ن ٢): (يشتغلون).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٥٢.
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٧.
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ويكون عَلَى الفور إذ بعقد البيع يجب قبض المبيع ". انتهى (١). واشتراط الإزهاء فِي البيع عَلَى التبقية أحرى.
وإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ وجَبَ التَّأْخِيرُ، إِلا أَنْ يَرْضَيَا بِالْمُحَاسَبَةِ، ولَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُقَوَّمًا.
[فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ ويَفْسَدُ بِهِ] (٢) ويَجُوزُ فِيمَا طُبِخَ، واللُّؤْلُؤِ، والْعَنْبَرِ، والْجَوْهَرِ، والزُّجَاجِ، والْجِصِّ والزِّرْنِيخِ، وأَحْمَالِ الْحَطَبِ، والأَدَمِ، والصُّوفِ بِالْوَزْنِ، لا بِالْجِزَرِ، والسُّيُوفِ، و[تَوْرٍ وشِرَاءِ] (٣) تَوْرٍ [جَازَ] (٤) لِيُكَمِّلَ، والشِّرَاءُ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ كَالْخَبَّازِ، وهُوَ بَيْعٌ وإِنْ لَمْ يَدُمْ فَهُوَ سَلَمٌ كَاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ أَوْ سَرْجٍ.
قوله: (إِلا أَنْ يَرْضَيَا بِالْمُحَاسَبَةِ) كذا هو الصواب بتثنية الفاعل.
وفَسَدَ بِتَعْيِينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ أَوِ الْعَامِلِ.
قوله: (وفَسَدَ بِتَعْيِينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ أَوِ الْعَامِلِ) كذا فِي النسخ [٨١ / أ] الصحيحة كعبارة ابن الحاجب (٥)، وإِذَا تأملت هذه العبارة وجدتها مع شدة اختصارها موفية نصًا ومفهومًا بقول (٦) ابن رشد فِي " المقدمات ": " السلم فِي الصنائع عَلَى أربعة أقسام:
إما أن لا يعين الصانع والمعمول منه، وإما أن يعينهما، وإما أن لا يعين الصانع ويعين المعمول منه وعكسه.
فأما الأول فهو سلم لا يجوز إِلا بضرب الأجل ووصف العمل وتعجيل رأس المال.
وأما الثاني: وهو أن يشترط عمله ويعين ما يعمل منه فليس بسلم، وإنما هو من باب البيع والإجارة فِي الشيء المبيع، فإن كَانَ يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل أو تمكن إعادته للعمل فيجوز عَلَى أن يشرع فِي العمل أو عَلَى أن يؤخر الشروع فِيهِ بشرط ما
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٥٧، وفيه بدل (قبض) (عقد).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧١.
(٦) في (ن ١): (نقل).
[ ٢ / ٧١٠ ]
بينه وبين ثلاثة أيام ونحوها، فإن كَانَ عَلَى أن يشرع فِي العمل جَازَ بشرط تعجيل (١) النقد وتأخيره، وإن كَانَ عَلَى أن يتأخر الشروع فِي العمل إلى ثلاثة أيام ونحوها لَمْ يجز تعجيل النقد بشرط حَتَّى يشرع فِي العمل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن لا يشترط عمله بعينه ويعين المعمول منه فهو أَيْضًا من باب البيع والإجارة فِي المبيع (٢) إِلا أنّه يجوز عَلَى تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام بتعجيل النقد وتأخيره.
وأما الوجه الرابع: وهو أن يشترط عمله دون أن يعين المعمول منه فلا يجوز عَلَى حال؛ لأنه يجتذبه أصلان متناقضان أحدهما لزوم النقد، لكون ما يعمل منه مضمونًا، والثاني امتناعه لاشتراط عمل العامل بعينه (٣).
وإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ واسْتَأْجَرَهُ جَازَ، إِنْ شَرَعَ عَيَّنَ عَامِلَهُ أَمْ لا.
قوله: (وإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ واسْتَأْجَرَهُ جَازَ) كذا قال ابن الحاجب بإثر المسألة المفروغ منها، فقال فِي " التوضيح ": فارقت هذه المسألة التي قبلها بأن التي قبلها لَمْ يدخل فِيهَا المبيع فِي ملك البائع أولًا، وهذه دخل فِي ملكه ثُمَّ أجّره عَلَى عمله. انتهى (٤). وأصله لابن عبد السلام.
لا فِيمَا لا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ والأَرْضِ، والدُّورِ، والْجِزَافِ، ومَا لا يُوجَدُ، وحَدِيدٍ وإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ فِي سُيُوفٍ وبِالْعَكْسِ، ولا كَتَّانٍ غَلِيظٍ فِي رَقِيقِهِ، إِنْ لَمْ يُغْزَلا، وثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ.
قوله: (والأَرْضِ، والدُّورِ وما بعدهما) معطوفات عَلَى (ما) من قوله: (لا فِيمَا لا يمكن وصفه لا عَلَى تراب المعدن).
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (بتعجيل).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (البيع).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٣٥٦، ٣٥٧، وله بدل (عمل العامل)، (عمل المستعمل).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٥٠.
[ ٢ / ٧١١ ]
ومَصْنُوعٍ قُدِّمَ لا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ كَالْغَزْلِ، بِخِلافِ النَّسْجِ إِلا ثِيَابَ الْخَزِّ. وإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ اعْتُبِرَ الأَجَلُ، وإِنْ عَادَ اعْتُبِرَ فِيهِمَا، والْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ. وجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قُبُولُ صِفَتِهِ فَقَطْ كَقَبْلَ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ مُطْلَقًا. وفِي الطَّعَامِ إِنْ حَلَّ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً، أَوْ لَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إِنْ غَابَ.
قوله: (هَيِّنَ الصَّنْعَةِ) من أوصاف مصنوع.
وجَازَ أَجْوَدُ وأَرْدَأُ، لا أَقَلُّ، إِلا عَنْ مِثْلِهِ، ويُبْرِئُ مِمَّا زَادَ، ولا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ، وعَكْسُهُ، وبِغَيْرِ جِنْسِهِ، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وبَيْعُهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ، لا طَعَامٍ، ولَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، وذَهَبٍ، ورَأْسُ الْمَالِ وَرِقٌ، وعَكْسُهُ.
قوله: (وَجَازَ أَجْوَدُ وأَرْدَأُ) هذا خلاف تفصيل ابن شاس إذ قال: وإن أتى بالجنس وهو أجود وجب قبوله، وإن كَانَ أردى جَازَ قبوله ولم يجب. وتبعه ابن الحاجب (١). قال ابن عبد السلام: وهو قول غير واحد من المتأخرين، واستبعده هو وابن هارون، إذ لا يلزم الإنسان قبول المنة، وتبعهما فِي " التوضيح " فقال: " والمذهب خلافه؛ لأن الجودة هبة، ولا يجب قبولها، واستدل بقوله فِي الصرف من " المدونة ": ومن أقرضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية أو قضاك دنانير عتقاء عن هاشمية، أو قضاك سمراء عن محمولة أو شعير لَمْ تجبر عَلَى أخذها حلّ الأجل أو لَمْ يحلّ.
[قال ابن القاسم: وإن قبلتها جَازَ فِي العين من بيع أو قرض (٢) قبل الأجل أو بعده، ولا يجوز فِي الطعام حَتَّى يحلّ] (٣) الأجل كَانَ من قرض أو من بيع؛ لأن الطعام يرجى تغير أسواقه، وليس العين كذلك. ولابن القاسم قول فِي إجازته (٤) من قرض قبل الأجل إن لَمْ يكن فِي ذلك وأبى ولا عادة.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٥٧، وقال ابن الحاجب: (وأداؤه بجنسه بعد أجله بأردى أو بنوع آخر يجوز، وبأجود يجب) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧٣.
(٢) في (ن ١): (عرض). والنص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١١٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٤٢٦.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) في (ن ٣): (إجازه).
[ ٢ / ٧١٢ ]
سحنون: وهو أحسن إن شاء الله تعالى. قال فِي " التوضيح ": والمحمدية والعتق والسمراء أفضل. انتهى (١).
وكأنه أحال المسألة عن وجهها، وأما ابن عرفة فقال فِيمَا ذكر ابن هارون وابن عبد السلام عن ظاهر المذهب: نظر، بل ظاهر قوله فِي " المدونة ": من اشترى جارية على جنس [فوجد] (٢) أجود منه لزمه (٣)، كنقل ابن شاس؛ لأن مسألة " المدونة " عامة فِي البيع والسلم، والأَظْهَر إن دفعه [المسلم] (٤) إليه عَلَى وجه التفضل لَمْ يلزم قبوله، وإن دفعه لدفعه عن نفسه مشقة تعويضه بمثل ما شرطه لزمه قبوله.
وجَازَ بَعْدَ أَجَلِهِ الزِّيَادَةُ لِيَزِيدَهُ طُولًا كَقَبْلَهُ، إِنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ، وغَزْلٍ يَنْسِجُهُ.
قوله: (إِنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ) هذا تنكيت على قول بعض شراح ابن الحاجب أن الضمير فِي قوله: (إن عجلها (٥) يعود عَلَى الزيادة لا عَلَى ثمنها، [وقد ردّ] (٦) ذلك عَلَيْهِ فِي " التوضيح " (٧)، وسمعت أن قائل ذلك هو برهان الدين السفاقسي صاحب " إعراب القرآن العزيز ".
لا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ وَلا يَلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ ولَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.
قوله: (لا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ) هذا خلاف ما لابن شاس وابن الحاجب (٨) أن [الأعرض
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٧٦.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٠/ ٣٠٩.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٥) نص ابن الحاجب بتمامه: (وإن زاده قبل الأجل دراهم على ثوب أطول أو أعرض جاز إن عجلها) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٧٣.
(٦) في (ن ٢): (ورد).
(٧) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٧٧.
(٨) قال ابن شاس: (وإن زاده بعد الأجل دراهم على أن أعطاه أزيد في الثوب طولًا أو عرضًا، جاز) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٥٧. وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧٣ (فإن زاده بعد الأجل دراهم على ثوب أطول أو أعرض جاز أن عجلها).
[ ٢ / ٧١٣ ]
كالأطول (١). قال فِي " التوضيح ": وفِيهِ نظر وإنما جوّز فِي " المدونة " الأطول، ومقتضى كلام اللخمي أن] (٢) الأعراض (٣) متفق عَلَى منعه؛ لأنه قال إِذَا زاده دراهم ليأخذ إِذَا حلّ الأجل [٨١ / ب] أصفق أوراق أو أعرض لَمْ يجز، وهو فسخ دين فِي دين، ويجوز ذلك إِذَا حلّ الأجل وكان العرض الثاني حاضرًا أو قاما ليقضيه قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول وهو عَلَى الصفة فِي الجودة جَازَ عند ابن القاسم وقال سحنون: هو فسخ دين فِي دين، والأول أصوب وهو مقتضى كلام ابن يونس. انتهى (٤).
وأما ابن عرفة فأغفل كلام اللخمي وقال: قال الباجي: إن زاده عَلَى أن يزيده [في الصفاقة والطول ففي " المَوَّازِيَّة " لا يجوز؛ لأنه نقله لصفةٍ أخرى (٥).
ابن زرقون: ولا يجوز عَلَى أن يزيده] (٦) فِي العرض. ابن عرفة: إن أراد مع الزيادة فِي الصفاقة فصواب، وإن أراد دونها ففِيهِ نظر، وظاهر قوله فِي " المدونة " كما لو دفعت إليه غزلًا ينسجه ستًا فِي ثلاثة ثُمَّ زدته دراهم وغزلًا عَلَى أن يزيدك فِي طول أو عرض جَازَ (٧) أنّه فِي هذه جائز أَيْضًا، والحق إن كَانَ الثوب للتفصيل فزيادة العرض كالطول وإِلا لَمْ يجز؛ لأنه يصير العرض صفة فِيهِ.
_________________
(١) في الأصل: (ن ١)، و(ن ٤): (الأعراض كالأطوال).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (الأعرض).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٥/ ٦٧٩.
(٥) انظر: المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٦/ ٣٨٢.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٧) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٦٧.
[ ٢ / ٧١٤ ]
[فصل] (١)
يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ، إِلا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ. ورُدَّتْ، إِلا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَالْقِيمَةُ. كَفَاسِدِهِ، وحَرُمَ هَدِيَّتُهُ، إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا، أَوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ، كَرَبِّ الْقِرَاضِ وعَامِلِهِ. ولَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (كَرَبِّ الْقِرَاضِ وعَامِلِهِ. ولَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ) مقتضى " التوضيح " (٢) أن هذا الإغياء المشعر بالخلاف مع التصريح بالأَرْجَحية راجع للثاني فقط؛ لأنه قال فِي " التوضيح ": وألْحق بهدية المديان هدية ربّ المال لعامله؛ لأنه يقصد بذلك أن يديم (٣) العمل، وأما هدية العامل لربّ المال فإن لَمْ يشغل المال منع باتفاق، وإن شغله فللمتأخرين قَوْلانِ بناءً عَلَى اعتبار الحال أو المآل، واختار ابن يونس المنع مُطْلَقًا. انتهى (٤).
وأما ابن عرفة فقال ظاهر قول المازري أن خلاف المتأخرين عامّ فِي كونها من العامل لربّ المال وعكسه، وقال ابن بشير: أما هدية العامل لربّ المال فإن لَمْ يشغل المال منعت اتفاقًا، وإن شغل ففي المنع والجواز قَوْلانِ للمتأخرين، فخصّ النقل بكونها من العامل، وفِيهَا للقراض (٥) هدية عامل القراض كالمديان.
وذِي الْجَاهِ والْقَاضِي، ومُبَايَعَتِهِ مُسَامَحَةً.
قوله: (وذِي الْجَاهِ والْقَاضِي) عطف من يأخذ عَلَى من يعطي اتكالًا عَلَى تمييز ذهن السامع.
أو جَرُّ مَنْفَعَةٍ كَشَرْطِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ.
قوله: (وجَرُّ مَنْفَعَةٍ) الأصوب ضبطه مصدرًا مرفوعًا معطوفًا بالواو على هديته كما فِي بعض النسخ.
_________________
(١) أحكام القرض.
(٢) في (ن ٢): (الترجيح).
(٣) في (ن ٣): (يدير).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٦١.
(٥) في (ن ٢)، (ن ٤): (لعطاء)، وفي (ن ٣): (العطاء).
[ ٢ / ٧١٥ ]
ودَقِيقٍ أَوْ كَعْكٍ بِبَلَدٍ، وخُبْزِ فُرْنٍ بِمَلَّةٍ، أَوْ عَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا كَسَفْتَجَةٍ، إِلا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ، وكَعَيْنٍ كُرِهَتْ إِقَامَتُهَا، إِلا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ فِي الْجَمِيعِ [٥٤ / ب] كَفَدَّانٍ مُسْتَحْصَدٍ خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ يَحْصُدُهُ ويَدْرُسُهُ ويَرَدُّ مَكِيلَتَهُ، ومُلِكَ، ولَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ، إِلا بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ، كَأَخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، إِلا الْعَيْنَ.
[قوله: (وَدَقِيقٍ أَوْ كَعْكٍ بِبَلَدٍ وخُبْزِ فُرْنٍ [بملة) هما] (١) فِي " المدونة " معا] (٢).
_________________
(١) في (ن ١): (لملتهما).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٤٦، قال فيها: (ولا يجوز للحاج قرض كعك أو سويق على أن يوفيه ببلد آخر، وليسلفه ولا يشترط) وقال أيضا: (ومن أقرضته خبز الفرن فلا تشترط عليه خبز تنور أو ملة، ويجوز قضاؤكه بغير شرط تحريًا) انظر: ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ٧١٦ ]
[أحكام المقاصة]
تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ فِي دَيْنَيِ الْعَيْنِ مُطْلَقًا، إِنِ اتَّحَدَا صِفَةً وقَدْرًا، حَلا أَواحدهُمَا، أَمْ لا. وإِنِ اخْتَلَفَا صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أَوِ اخْتِلافِهِ، فَكَذَلِكَ إِنْ حَلا وإِلا فَلا كَأَنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ، والطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ، ومُنِعَا مِنْ بَيْعٍ، ولَوْ مُتَّفِقَيْنِ، ومِنْ قَرْضٍ وبَيْعٍ تَجُوزُ، إِنِ اتَّفَقَا وحَلا، لا إِنْ لَمْ يَحِلا، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا. وتَجُوزُ فِي الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا إِنِ اتَّحَدَا جِنْسًا وصِفَةً كَأَنِ اخْتَلَفَا جِنْسًا واتَّفَقَا أَجَلًا، وإِنِ اخْتَلَفَا أَجَلًا مُنِعَتْ إِنْ لَمْ يَحِلا أَواحدهُمَا. وإِنِ اتَّحَدَا جِنْسًا والصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ إِنِ اتَّفَقَ الأَجَلُ وإِلا فَلا مُطْلَقًا.
قوله: (كَأَنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ) هذا وفاق لابن شاس وابن الحاجب (١) وابن عبد السلام وابن هارون، وأما ابن عرفة فقال: الأسعد بالمذهب قول ابن بشير: إن اختلفا فِي المقدار والصفة لَمْ تجز المقاصّة إِلا أن يحلّ الأجلان، وكذلك إن اتفقا فِي المقدار دون الصفة لقبول (٢) ابن يونس قول ابن حبيب: وإن كَانَ أحد المذهبين ناقضًا والآخر وازنا لَمْ تجز المقاصّة حَتَّى تحل الوازنة.
وقال محمد: إن اختلف العدد فكان أولهما حلولًا (٣) أكثرهما جازت المقاصّة ومثله فِي " النوادر "؛ ولأن علة بيع (٤) الزيادة فِي البدل كونه صريح معاوضة فِي معينين حسيين تختلف الأغراض فِي أعيانهما، وإِلا لما طلبت المبادلة فيهما، فاندرجت تحت بيع الذهب بالذهب، فالزيادة فيها (٥) ربًا والمقاصة عرية عن هذا؛ لأن العوضين فِيهَا غير معينين، فكانت الزيادة فِيهَا محض هبة. انتهى. فتأمله مع ما فِي " التوضيح " (٦).
_________________
(١) قال ابن شاس: (وإن اختلف الصفة والوزن، أو اختلفت الوزن، وإن اتفقت الصفة فلا يختلف في المنع، إذ هو بدل العين بأكثر منه) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٦١. وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٧٥، ونصه: (وإن كانا من بيع فإن اختلفا أو رؤوس الأموال أو الأجل امتنع).
(٢) في (ن ٢): (كقول).
(٣) في (ن ١): (حلوا).
(٤) في (ن ٢)، و(ن ٣): (منع).
(٥) في (ن ٣): (فيهما).
(٦) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٢٧٠.
[ ٢ / ٧١٧ ]
[باب الرهن]
الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا (١)، ولَوِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ كَوَلِيٍّ، ومُكَاتِبٍ، ومَأْذُونٍ، وآبِقٍ، وكِتَابَةٍ، واسْتُوفِيَ مِنْهَا، أَوْ رَقَبَتِهِ، إِنْ عَجَزَ، وخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ، وإِنْ رُقَّ جُزْءٌ فَمِنْهُ، لا رَقَبَتِهِ وهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلانِ كَظُهُورِ حُبُسِ دَارٍ، ومَا لَمْ يَبْدُ صَلاحُهُ، وانْتُظِرَ لِيُبَاعَ، وحَاصَّ مُرْتَهِنُهُ فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ، فَإِذَا صَلَحَتْ بِيعَتْ فَإِنْ وَفَّى رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وإِلا قُدِّرَ مُحَاصًَّا بِمَا بَقِيَ، لا كَأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، وكَجَنِينٍ، وخَمْرٍ، وإِنْ لِذِمِّيٍّ، إِلا أَنْ يَتَخَلَّلَ، وإِنْ تَخَمَّرَ أَهْرَاقَهُ بِحَاكِمٍ، وصَحَّ مُشَاعٌ.
قوله: (الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ) أي: إعطاء من يجوز له البيع احترازًا من الصغير والمجنون والعبد والمحجور عَلَيْهِ ونحوهم وبالإعطاء عبّر ابن الحاجب (٢)؛ فقال ابن عرفة: يتعقب بأنه لا يتناول الرهن بحال لأنه اسم والإعطاء مصدر وهما متباينان، وإنما الرهن مال قبض توثقًا به فِي دين.
وحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إِنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ.
قوله: (وَحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إِنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ) كذا فِي النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا بجرّ جميعه بالباء أي: وحيز الجزء المشاع بحوز جميعه.
وَلا يَسْتَأْذِنُ شَرِيكَهُ، ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ.
قوله: (وَلا يَسْتَأْذِنُ شَرِيكَهُ، ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ) أي: وللشريك أن يقسم ما يقبل القسمة ويبيع حظه أو الجميع صفقة، ويسلّم ما باع لمبتاعه. [٨٢ / أ] قال ابن عرفة: وصوّب الباجي قول ابن القاسم: " لا يفتقر لإذن الشريك؛ لأن ذلك لا يمنعه بيع حظه أو دعاءه لبيع جميعه، فإن باعه بغير جنس الدين كَانَ الثمن رهنًا وإن كَانَ بجنسه قضى منه الدين إن لَمْ يأت برهنٍ مثله " (٣) انتهى. وقال ابن عبد السلام: الصحيح عندي ما قال الباجي، فليتأمل مع قوله فِي " التوضيح ": ينبغي أن يستأذنه أَيْضًا عَلَى قول ابن
_________________
(١) في أصل المختصر: (غرلًا) وهو تصحيف.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧٦، ونصه: (الرهن: إعطاء امرىء وثيقة بحق).
(٣) انظر: المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٧/ ٢٥٩.
[ ٢ / ٧١٨ ]
القاسم؛ لأن الشريك قد يدعو [لبيع الجميع] (١)، [فيؤدي إلى بيع النصيب المرتهن، ومن حقّ المرتهن أن يتوثق فِي الرهن، حتى لا يكون لأحد حقّ فِي إزالة يده عنه إِلا بعد قضاء الدين، فإذا استؤذن لَمْ يكن له أن يدعو لبيع الجميع] (٢) قبل القضاء. انتهى مختصرًا. فشأنك به (٣).
ولَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ ويَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ لَهُ، ولَوْ أَمَّنَا شَرِيكًا فَرَهَنَ حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وأَمَّنَا الرَّاهِنَ الأَوَّلَ بَطَلَ حَوْزُهُمَا، والْمُسْتَأْجَرُ والْمُسَاقَى، وحَوْزُهُمَا الأَوَّلُ كَافٍ والْمِثْلِيُّ ولَوْ عَيْنًا بِيَدِهِ، إِنْ طُبِعَ عَلَيْهِ. وفَضْلَتُهُ، إِنْ عُلِمَ الأَوَّلُ ورُضِيَ ولا يَضْمَنُهَا الأَوَّلُ كَتَرْكِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَحَقَّةِ.
قوله: (ولَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ ويَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ لَهُ) أي: وللراهن اكتراء جزء شريكه، ويقبض المرتهن الجزء للراهن، يريد أو يقاسمه الرقاب أو المنافع، قاله اللخمي.
ورَهْنُ نِصْفِهِ، ومُعْطِي دِينَارًا لِيَسْتَوْفِيَ نِصْفَهُ [وَيَرُدَّ نِصْفَهُ] (٤). فَإِنْ حَلَّ أَجَلُ الثَّانِي أَوَّلًا قُسِمَ، إِنْ أَمْكَنَ. وإِلا بِيعَ وقُضِيَا، والْمُسْتَعَارُ لَهُ.
قوله: (ورَهْنُ نِصْفِهِ) هو مجرور عطفًا عَلَى كـ (ترك)، وأشار به لقوله [في] (٥) أول رهون " المدونة ": ومن ارتهن نصف ثوبٍ فقبض جميعه فهلك عنده لَمْ يضمن إِلا نصفه، ثُمَّ شبهه بمسألة الدينار (٦).
ورَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا، وضَمِنَ إِنْ خَالَفَ، وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِذَا أَقَرَّ الْمُسْتَعِيرُ لِمُعِيرِهِ وخَالَفَ الْمُرْتَهِنُ ولَمْ يَحْلِفِ الْمُعِيرُ؟ تَأْوِيلانِ، وبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ كَأَنْ لا يُقْبَضُ.
قوله: (أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ) الفاعل بأدى ضمير يعود عَلَى صاحب الرهن المعار؛
_________________
(١) في (ن ١): (يدعو البيع)، وفي (ن ٣): (يدعو لمبيع).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣١٩.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٤٨، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٢٩٧.
[ ٢ / ٧١٩ ]
لأنه لما كَانَ أداء الدين من ثمن شيئه كَانَ مؤديًا (١) وإن لَمْ يباشر الأداء فهو كقول أبي سعيد: ويتبع المعير المستعير بما أدى عنه من ثمن سلعته (٢).
وبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعِ فَاسِدٍ ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ، وحَلَفَ الْمُخْطِئُ الرَّاهِنُ أنّه ظَنَّ لُزُومَ الدِّيَّةِ ورَجَعَ.
قوله: (وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعِ فَاسِدٍ [ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ) أشار به لقول ابن شاس: " ولو شرط عَلَيْهِ رهنًا فِي بيعٍ فاسدٍ] (٣) فظنّ لزوم الوفاء به فرهنه فله الرجوع عنه كما لو ظنّ أن عَلَيْهِ دينًا فأداه، ثُمَّ تبين أن لا دين فإنه يستردّ ". انتهى (٤). وهو نصّ ما وقفت عَلَيْهِ فِي " وجيز " الغزالي، وقد أصاب ابن الحاجب فِي إضرابه عنه صفحًا، وأما المصنف فنقله فِي " التوضيح " عند قوله: (ويعمل له) (٥)، وأما ابن عرفة فلم يعرّج عَلَيْهِ بقبولٍ ولا ردّ؛ خلاف المألوف من عادته، وما أراه إِلا مخالفًا للمذهب، فتأمله مع ما قبل ابن عرفة من قول (٦) اللخمي: إن كَانَ الرهن بدينارين قضى أحدهما أو بثمن عبدين استحقّ أحدهما أو رد بعيب أو بمائة ثمن عبد بيع بيعًا فاسدًا، فكانت قيمته [خمسين فالرهن رهن] (٧) بما بقي (٨).
وتأمله أَيْضًا مع قول ابن يونس: قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: من ابتاع بيعًا فاسدًا عَلَى أن يرتهن بالثمن رهنًا صحيحًا أو فاسدًا فرهنه إياه وقبضه: فإنه أحقّ به من الغرماء؛ لأنه عَلَيْهِ وقع البيع، وكذا إن كَانَ البيع صحيحًا والرهن فاسدًا، عَلَى أن اللخمي وابن يونس [لم يتنازلا] (٩) لظن اللزوم.
_________________
(١) في (ن ٣): (مؤيدًا).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٧١.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٧٠، ٧٧١.
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣١٠.
(٦) في (ن ٣): (كلام).
(٧) في (ن ٣): (خمسون فالرهن رهنًا).
(٨) في (ن ١): (لما بقي).
(٩) في (ن ١): (ينازلا).
[ ٢ / ٧٢٠ ]
أَوْ فِي قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيمٍ، وصَحَّ فِي الْجَدِيدِ، وبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ، ولَوْ جَدَّ فِيهِ، وبِإِذْنِهِ فِي وَطْءٍ، أَوْ إِسْكَانٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، ولَوْ لَمْ يُسْكِنْ، وتَوَلاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ، أَوْ [٥٥ / أ] فِي بَيْعٍ وسَلَّمَ، وإِلا حَلَفَ وبَقِيَ الثَّمَنُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ كَالأَوَّلِ كَفَوْتِهِ بِجِنَايَةٍ، وأُخِذَتْ قِيمَتُهُ، وبِعَارِيَةٍ أُطْلِقَتْ وعَلَى الرَّدِّ.
قوله: (أَوْ فِي قَرْضٍ) معطوف عَلَى قوله: (في بَيْعِ فَاسِدٍ).
أَوِ اخْتِيَارًا (١)، فَلَهُ أَخْذُهُ، إِلا بِفَوْتِهِ بِكَعِتْقٍ، أَوْ حُبُسٍ.
قوله: (أو اختيارًا) يريد غير العارية؛ لتقدمها.
أَوْ تَدْبِيرٍ، أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ، وغَصْبًا، فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا.
قوله: (أَوْ تَدْبِيرٍ) كذا نقله ابن يونس عن " المَوَّازِيَّة "، وبحث ابن عبد السلام تكلّم فِيهِ ابن عرفة.
وإِنْ وَطِئَ غَصْبًا فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وعَجَّلَ الْمَلِيءُ الدَّيْنَ وقِيمَتَهُ، وإِلا بُقِّيَ وصَحَّ بِتَوْكِيلِ مُكَاتِبِ الرَّاهِنِ فِي حَوْزِهِ، وكَذَلِكَ أَخُوهُ عَلَى الأَصَحِّ لا مَحْجُورِهِ ورَقِيقِهِ والْقَوْلُ لِطَالِبِ تَحْوِيزِهِ لأَمِينٍ. وفِي تَعْيِينِهِ نَظَرَ الْحَاكِمِ، وإِنْ سَلَّمَهُ دُونَ إِذْنِهِمَا لِلْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، ولِلرَّاهِنِ ضَمِنَهَا أَوِ الثَّمَنَ، وانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ، وجَنِينٌ.
قوله: (وَإِنْ وَطِئَ غَصْبًا فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وعَجَّلَ الْمَلِيءُ الدَّيْنَ وقِيمَتَهُ، وإِلا بُقِّيَ) أي: وإن لَمْ يكن الواطئ مليًا بقي الرهن لأجله، ومنه يفهم ما ذكر فِي " المدونة " من بيع الجارية بعد الوضع وبعد حلول الأجل (٢).
وقد أجاد بعض الأذكياء ممن لقيناه إذ نظم النظائر المذكورة فِي هذا المحلّ من " التوضيح " فقال: رحمه الله تعالى:
تُبَاعُ عِنْدَ مَالِكٍ أُمُّ الْوَلَدْ لِلدَّيْنِ فِي سِتِّ مَسَائِلَ تُعَدْ
_________________
(١) في المطبوعة (ورجع اختيارًا).
(٢) قال في المدونة: (ومن رهن أمته ثم وطئها الراهن فأحبلها، فإن وطئها بإذن المرتهن أو كانت مُخْلاة تذهب حيث شاءت وتجيء في حوائج المرتهن فهي أم ولد للراهن، ولا رهن للمرتهن فيها، وإن وطئها على وجه الغصب والتسور بغير إذن المرتهن عجل ربها الحق إن كان مليًا، وكانت له أم ولد، وإن لم يكن له مال بيعت الجارية بعد الوضع) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٧٠.
[ ٢ / ٧٢١ ]
وَهِيَ إنْ أَحْبَلَ حَالَ عِلْمِهِ بِمَانِعِ الْوَطْءِ وحَالَ عُدْمِهِ
مُفْلِسٌ مَوْقُوفَةً لِلْغُرَمَا ورَاهِنٌ مَرْهُونَةً لِيَغْرَمَا
أَوْ ابْنُ مِدْيَانِ إمَاءِ التَّرِكَةِ أَوْ الشَّرِيكُ أَمَةً لِلشَّرِكَةِ
أَوْ عَامِلُ الْقِرَاضِ مِمَّا حَرَّكَهْ أَوْ سَيِّدُ جَانِيَةٍ مُسْتَهْلَكَهْ
فِي هَذِهِ السِّتَّةِ تَحْمِلُ الْأَمَهْ حُرًّا ولَا يَدْرَأُ عَنْهَا مَلْأَمَهْ
والْعَكْسُ جَاءَ فِي مَحَلٍّ فَرْدِ وهْوَ حَمْلُ حُرَّةٍ بِعَبْدِ فِي الْعَبْدِ
فِي الْعَبْدِ يَغْشَى مَالَهُ مِنْ مُعْتِقِهْ ومَا دَرَى السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهْ
فَالْأُمُّ حُرَّةٌ ومِلْكُ السَّيِّدِ بِمِثْلِ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ وَلَدِ
وفَرْخُ نَخْلٍ، لا غَلَّةٌ وثَمَرَةٌ، وإِنْ وُجِدَتْ، ومَالُ عَبْدٍ.
قوله: (وفَرْخُ نَخْلٍ) يشير به لقول ابن الجلاب (١): وفراخ النخل والشجر رهن مع أصولها، وعَلَى نقله اقتصر [٨٢ / ب] المصنّف فِي " التوضيح " وَابن عرفة وقرانه بالشجر، وقوله: مع أصولها، يقوي أنّه بالخاء المعجمة، فهو كقول ابن رشد: فسيل النخل داخل مع أصله (٢).
تكميل:
قال ابن بشير: ولا يدخل البيض فِي الرهن لتكرر الولادة.
_________________
(١) في (ن ٤): الحاجب، وهو من كلام ابن الجلاب، وفيما وقفنا عليه من مطبوعة التفريع، لابن الجلاب: (وفراخ النحل والشجر رهن مع أصوله) فـ (النحل) بالحاء المهملة، و(أصوله) بدون ألف التأنيث، وهو كذلك فيما وقفنا عليه من نسختين مطبوعتين للتفريع، انظر: التفريع، ط، المكتبة العلمية، ص: ٢/ ٢٧٤، وط، دار الغرب، ص: ٢/ ٢٦٠. ونقله الباجي في المنتقى بقوله: (زاد الشيخ أبو القاسم: وفراخ النخل) أي: بالحاء المعجمة، على ما اختاره وقواه المؤلف من كلام ابن عرفة، انظر: المنتقى: ٧/ ٢٤٦.
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
وارْتَهَنَ إِنْ أَقْرَضَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ يَعْمَلْ لَهُ وإِنْ فِي جُعْلٍ، لا فِي مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ، ونَجْمِ كِتَابَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَتِهِ، إِنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ، لا قَرْضٍ وفِي ضَمَانِهِ إِذَا تَلِفَ تَرَدُّدٌ، وأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ شُرِطَ بِبَيعٍ وعُيِّنَ وإِلا فَرَهْنٌ ثِقَةٌ.
قوله: (وَارْتَهَنَ إِنْ أَقْرَضَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ يَعْمَلْ لَهُ) كذا فِيمَا رأينا من النسخ وفِيهِ قلق، وعبارة ابن الحاجب أبين منه إذ قال: ويجوز عَلَى أن يقرضه أو يبيعه أو يعمل له (١). ويكون بقبضه الأول رهنًا، وكذا عبارة ابن عرفة إذ قال: قال: المازري ويتقرر (٢) الرهن والتزامه قبل انعقاد الحقّ الذي يؤخذ به الرهن، خلافًا للشافعي، وفِيهَا إن دفعت لرجلٍ رهنًا بكلّ ما أقرض لفلان جَازَ.
والْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لا يُفِيدُ، ولَوْ شَهِدَ الأَمِينُ، وهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وبِهِ عُمِلَ؟ أَوِ التَّحْوِيزِ؟ (٣). وفِيهَا دَلِيلُهُمَا ومَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إِنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ، وإِلا فتَأْوِيلانِ، وبَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إِنْ بِيعَ بِأَقَلَّ، أَوْ دَيْنُهُ عَرْضًا، وإِنْ أَجَازَ تَعَجَّلَ وبَقِيَ إِنْ دَبَّرَهُ، ومَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ، وعَجَّلَ، والْمُعْسِرُ يَبْقَى، فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ والْبَاقِي لِلرَّاهِنِ، ومُنِعَ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونُ هُوَ مَعَهَا، وحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئَ إِلا بِإِذْنٍ، وتُقَوَّمُ بِلا وَلَدٍ حَمَلَتْ أَمْ لا.
قوله: (وَالْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لا يُفِيدُ. وَلَوْ شَهِدَ الأَمِينُ. وهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وبِهِ عُمِلَ؟ أَوِ التَّحْوِيزِ، وفِيهَا دَلِيلُهُمَا) أشار بقوله: (وَبِهِ عُمِلَ) إلى قول ابن عات فِي " طرره " والعمل أنّه إِذَا وجد بيده وقد حازه كَانَ رهنًا وإن لَمْ يحضر والحيازة ولا عاينوها؛ لأنه صار مقبوضًا وكذا الصدقة، وهو مراد ابن عبد السلام ببعض الأندلسيين.
وأشار بقوله: (وفِيهَا دليلهما) إلى قول ابن رشد فِي " المقدمات " ما نصّه: " ولا تنفع الشهادة فِي حيازة الرهن إِلا بمعاينة البينة (٤)؛ لأن فِي تقارّ المتراهنين بالحيازة إسقاط حقّ غيرهما إذ قد يفلس الراهن فلا يقبل منه إقراره بعد التفليس بالحيازة، ولو وجد الرهن
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٧٧.
(٢) في (ن ٣): (ويقرر).
(٣) في المطبوعة: (أو التجويز تأويلان).
(٤) في المقدمات: (الرهن).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
بيد المرتهن بعد التفليس فادعى أنّه قبضه قبل التفليس، وجحد ذلك الغرماء لجرى الأمر عَلَى الاختلاف فِي الصدقة توجد بيد المتصدق عَلَيْهِ بعد موت المتصدق فيدعي قبضها فِي صحته، وفِي " المدونة " دليل القولين معًا ولو لَمْ يتعلق بذلك للغرماء حقّ لوجب أن يصدق الراهن ويقبل إقراره له؛ لأنه قد حاز الرهن فيكون بإقراره له شاهدًا عَلَى حقه إلى مبلغ قيمته " (١). انتهى، ونقله المتيطي بلفظه.
فأنت ترى المصنف ترك كلام ابن رشد فِي غير محله إذ ردّ دليلي " المدونة " لبينة الحوز والتحويز، وإنما قال ذلك ابن رشد فِيمَا إِذَا وجد الرهن بيد المرتهن بعد التفليس فادعى أنّه قبضه قبله ولا بينة له، وقال ابن عرفة: ظاهر عموم قوله فِي كتاب الهبة من " المدونة ": ولا يقضي بالحيازة إِلا بمعاينة البينة لحوزه فِي حبسٍ أو رهن أو هبة أو صدقة " (٢). أن مجرد الإشهاد والإقرار بالحوز لغو، وكَانَ يجري فِي المذاكرات: أن التحويز فِي حوز الرهن شرط لا يكفي الحوز دونه لبقاء ملك الراهن بِخِلاف الهبة.
وفِي هبة " المدونة " أَيْضًا: " ومن وهب لرجلٍ هبة لغير الثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب جَازَ قبضه إذ يقضى عَلَى الواهب بذلك إِذَا منعه إياها (٣). ظاهر تعليله بالقضاء عَلَيْهِ بذلك يوجب كون الرهن كذلك، وفِي " النوادر " عن مطرف وأصبغ فِي الرهن يوجد بيد المرتهن بعد موت راهنه يقبل قوله: حزته فِي صحته وكذا فِي الهبة خلاف قول ابن حبيب وابن الماجشون لا يقبل فيهما ". انتهى.
وفِي كتاب الهبة أَيْضًا: ولو أقرّ المعطِي فِي صحته أن المعطَى قد حاز وقبض وشهدت عَلَيْهِ بإقراره بينة ثُمَّ مات لَمْ يقبض بذلك إن أنكر ورثته (٤). قال عياض: ظاهره بيد من [كانت حين] (٥) المخاصمة فهذا الحكم فِيهَا وهو عَلَى قول عبد الملك وابن حبيب، وقال
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٦٤، ٦٥.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٣٤٧.
(٣) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٣٥٧. وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٥/ ١٣٨.
(٤) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٣٤٧.
(٥) في (ن ٣): (كاتب عند).
[ ٢ / ٧٢٤ ]
مطرف وأصبغ: إن كانت بيد المتصدق عَلَيْهِ وقت الاختلاف فذلك يكفِيهِ مع ثبوت أصل الصدقة والبينة عَلَى من يريد إخراجها من يده.
قال أبو الحسن الصغير: " وسبب الخلاف الاستصحاب؛ لأن (١) استصحاب الملك لا ينتقل عنه إِلا بيقين، واستصحاب هذا الانتقال أنّه كَانَ بوجهٍ جائز " انتهى فتأمل [كلامه] (٢) هذا كله مع تنزيل المصنف. والله ﷾ أعلم.
ولِلأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ.
قوله: (ولِلأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ) إنما جَازَ وإن كَانَ فِي نفس العقد؛ لأنه محض توكيل سالم عن توهم كون الراهن فِيهِ مكرهًا كما قال ابن عرفة.
كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ.
قوله: (كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ) أي بعد العقد لا فِي نفس العقد كذا نسب فِي " التوضيح لصاحب البيان، وابن زرقون. قال: " لكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه؛ لأنه هدية المديان ". انتهى (٣) والذي لابن رشد فِي رسم [٨٣ / أ] شكّ من سماع ابن القاسم أن مذهب " المدونة " و" العُتْبِيَّة ": أن ذلك لا يجوز ابتداءً؛ لأنها وكالة اضطرار لحاجته إلى ابتياع ما اشترى أو استقراض ما استقرض ثُمَّ قال: " وأما لو طاع الراهن للمرتهن بعد العقد بأن يرهنه رهنًا ويوكله عَلَى بيعه عند حلول أجل الدين لجاز باتفاق؛ لأن ذلك معروف من الراهن إلى المرتهن فِي الرهن والتوكيل عَلَى البيع ". انتهى القصد منه فقف عَلَيْهِ كلّه فِي أصله (٤).
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (بأن).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٥٢.
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ١٦: ١٨.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وإِلا مَضَى فِيهِمَا، ولا يُعْزَلُ الأَمِينُ، ولَيْسَ لَهُ إِيصَاءٌ بِهِ. وبَاعَ الْحَاكِمُ، إِنِ امْتَنَعَ، ورَجَعَ مُرْتَهِنُهُ بِنَفَقَتِهِ فِي الذِّمَّةِ، ولَوْ لَمْ يَأْذَنْ، ولَيْسَ رَهْنًا بِهِ إِلا أَنْ يُصَرَّحَ بِأَنَّهُ رَهْنٌ بِهَا.
وهَلْ وإِنْ قَالَ: نَفَقَتُكِ فِي الرَّهْنِ؟ تَأْوِيلانِ. فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ: تَأْوِيلانِ. وإِنْ أَنْفَقَ مُرْتَهِنٌ عَلَى: كَشَجَرٍ خِيفَ عَلَيْهِ: بُدِئَ بِالنَّفَقَةِ، وتُؤُوِّلَتْ عَلَى [عَدَمِ] (١) جَبْرِ الرَّاهِنِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وعَلَى التَّقْيِيدِ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ، إِنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ولَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِكَحَرْقِهِ، ولَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ.
قوله: (وَإِلا مَضَى فِيهِمَا) أي وإن قال إن لَمْ آت فوقع البيع من الأمين [أو] (٢) المرتهن مضى. قال فِي " المدونة ": ومن ارتهن رهنًا وجعله عَلَى يد عدل أو عَلَى يد المرتهن إلى أجل كذا، وشرط إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل وإِلا فلمن عَلَى يديه الرهن بيعه فلا يباع إِلا بإذن السلطان، وإن اشترط (٣) ذلك فإن بيع نفذ بيعه ولا يردّ (٤).
أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ، إِلا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقًا.
قوله: (أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ، إِلا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقًا) الضمير فِي محلّه يعود عَلَى الرهن أي المحل المعتاد للرهن الذي لا ينتقل (٥) منه عادة، وبه تقيّد فتوى الباجي بعدم الضمان فِي العلم.
تنبيه:
لم يعرّج هنا عَلَى ما اشترط ابن المواز من أن يعلم أن النار من غير سبب المرتهن؛ كأنه حمله عَلَى الخلاف، وقد نقل فِي " التوضيح " الخلاف فِي كونه خلافًًا أو تفسيرًا (٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) في (ن ٣): (شرط).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٣.
(٥) في (ن ١): (ينقل)، وفي (ن ٢)، و(ن ٣): (لا ينقل).
(٦) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٧١.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
[٥٥ / ب] وأَفْتَي بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ.
قوله: (وَأَفْتَي بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ) ذكر هنا فِي " التوضيح " فتيا الباجي والمازري والسيوري (١)، واقتصر ابن عرفة عَلَى الأولى.
وإِلا فَلا، ولَوِ اشْتَرَطَ ثُبُوتَهُ، إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ فِي دَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ.
قوله: (وإِلا فَلا) أي لَمْ يكن بيده أو كَانَ مما لا يغاب عَلَيْهِ أو شهدت بينة بحرقه، أو علم احتراق محلّه وبقي منه شيء محرق فلا ضمان عَلَيْهِ.
وحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنّه تَلِفَ بِلا دُلْسَةٍ، ولا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ واسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ، إِنْ قُبِضَ الدَّيْنُ، أَوْ وُهِبَ، إِلا أَنْ يُحْضِرَهُ [الْمُرْتَهِنُ] (٢)، أَوْ يَدْعُوهُ لأَخْذِهِ، فَيَقُولُ: أَتْرُكُهُ عِنْدَكَ. وإِنْ جَنَى الرَّهْنُ واعْتَرَفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إِنْ أَعْدَمَ، وإِلا بَقِيَ، إِنْ فَدَاهُ، وإِلا أُسْلِمَ بَعْدَ الأَجَلِ، ودَفْعِ الدَّيْنِ وإِنْ ثَبَتَتْ، أَوِ اعْتَرَفَا وأَسْلَمَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ أَيْضًا، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ، وإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِدَاؤُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَقَطْ، إِنْ لَمْ يُرْهَنْ بِمَالِهِ ولَمْ يُبَعْ إِلا فِي الأَجَلِ.
قوله: (وحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنّه تَلِفَ بِلا دُلْسَةٍ، ولا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ) بهذا قال يحيي ابن مزين قال ابن عرفة: ولو ادعى الراهن تغييب المرتهن الرهن فقال العتبي: لا يمين عَلَيْهِ إِلا أن يدعي الراهن علم ذلك، وأنّه أخبره بذلك من وثق (٣) به، فإن حلف حلف له المرتهن. وقال ابن مزين يحلف لقد ضاع وما دلس فِيهِ وما يعلم له موضعًا، وأنكر قول العتبي، وقال: يمين توجب يمينًا هذا لا يكون، وأجابه العتبي بأن اللعان (٤) اليمين فِيهِ
_________________
(١) نص كلام المصنف في التوضيح: (وذكر المازري أنه نزل عندهم سنة ثمانين وأربعمائة لما فتح الروم رومة والمهدية ونهبوا الأموال وكثرة الخصومات مع المرتهنين والصناع، وفي البلد مشايخ من أهل العلم متوافرون، فأفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده قد أخذه الروم، وأفتيت بتصديقهم، قال: وكان القاضي يعتمد حينئذ فتواي فتوقفت لكثرة من خالفني حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم علينا كتاب المنتقى للباجي فذكر فيه في الاحتراق مثل ما أفتيت به) وقد سقت كلام المازري لتضمنه كلام الباجي والسيوري. انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٧٢.
(٢) زائد من المطبوعة.
(٣) في (ن ١): (يوثق).
(٤) يقصد ما يكون بين المتلاعنين في القذف.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
توجب (١) يمينًا. وقال ابن حارث: إن كَانَ ممن (٢) يتهم بذلك حلف وإِلا فلا.
وبِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ، وإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أَوْ أُسْقِطَ، فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فِيمَا بَقِيَ كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، والْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنِيَّةِ، وهُوَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، لا الْعَكْسُ إِلَى قِيمَتِهِ، ولَوْ بِيَدِ أَمِينٍ عَلَى الأَصَحِّ، مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ، وأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ.
قوله: (وبِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ) تبع هنا ابن الحاجب فِي الاقتصار عَلَى قول ابن المواز وهو أحد قولي أشهب، وترك قول مالك وابن القاسم يكون رهنًا به، ونقل ابن يونس قول أشهب: أنّه لا يكون رهنًا، ثُمَّ عارض بين (٣) قوله وقول ابن القاسم فِي هذه المسألة بقوليهما فِي مسألة اللؤلؤ من كتاب الوكالات، إِذَا أمر رجلًا أن يشتري له لؤلؤًا وقال له: انقد عني؛ فإن ابن القاسم عدّه مسلفا ولا يرى له إمساك اللؤلؤ بثمنه. وأشهب يرى له إمساكه رهنًا قال: فخالف كل منهما أصله، وقد نقل هذا كله فِي " التوضيح " (٤).
وأصل هذه المعارضة لأبي إسحاق التونسي النظار، وله نسبها ابن عرفة، وزاد: ويجاب لابن القاسم بأن الدافع فِي الجناية مرتهن فانسحب عَلَيْهِ حكم وصفه. ولأشهب بتقدم اختصاص الراهن (٥) بملك العبد قبل جنايته، فاستصحب وعدم تقدم اختصاص الأمر بالسلعة قبل الشراء ". انتهى. وأما ابن عبد السلام فقال: ظاهر ما فِي كتاب محمد عن ابن القاسم أنّه يكون رهنًا بالفداء والدين.
وهكذا فهم ذلك بعضهم وفِيهِ نظر؛ ولذلك والله تعالى أعلم أسقطه ابن الحاجب. انتهى. ولعلّ المصنف عَلَيْهِ اعتمد هنا، وإن لَمْ يعرج عَلَيْهِ فِي " توضيحه ".
_________________
(١) في (ن ٢): (أوجب).
(٢) في (ن ٣): (مما).
(٣) في (ن ١): (يبين).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٧/ ٣٨٢.
(٥) في (ن ١): (الرهن).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وإِنْ نَقَصَ حَلَفَا، وأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ.
قوله: (فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وإِنْ نَقَصَ حَلَفَا) الضمير فِي (زاد) للمرتهن، وفي (نقص) للراهن، وفِي (حلفا) لهما، وبهذا شرح فِي " التوضيح " كلام ابن الحاجب وبه يطابق اللفظ المعنى والفاء فِي (فإن نقص) تشعر أن المسألة بحالها فهي أولى من الواو.
وإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ، ثُمَّ قُوِّمَ، وإِنِ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ.
قوله: (وإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ). تالف اسم فاعل من تلف، وقد أفرط فِي التصحيف من ضبطه بباء الجر الداخلة عَلَى (ألف): أحد عقود الأعداد فأحوجه ذلك إلى الاعتذار بأنه عَلَى سبيل التمثيل، وإِلا فلا فرق بين الألف والمائة وغيرهما (١). [٨٣ / ب]
وإِنْ تَجَاهَلا، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، واعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ، إِنْ بَقِيَ. وهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أَوِ الْقَبْضِ أَوِ الرَّهْنِ إِنْ تَلِفَ؟ أَقْوَالٌ. وإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا كَالْحَمَالَةِ.
قوله: (وإِنْ تَجَاهَلا، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ) عبّر عن هذا فِي " التوضيح " بأن قال: وإن جهل الراهن والمرتهن قيمته وصفته فالرهن بما فِيهِ وليس لأحدهما قبل الآخر شيء، وعَلَى هذا حمل أصبغ الحديث الرهن بما فِيهِ قيل، ولا خلاف عندنا فِي ذلك. انتهى وأصله للخمي، وعلله بأن كلّ واحدٍ منهما لا يدري هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا.
_________________
(١) قال في تهذيب المدونة: (فإن اختلفا في قيمة الهالك وصفاه وقومت تلك الصفة).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
[باب التفليس]
لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ، وسَفَرِهِ إِنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ.
قوله: (وسَفَرِهِ إِنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ) الضمير فِي سفره يعود عَلَى المديان لا بقيد كونه أحاط الدين بماله؛ ولذلك أطلقه فِي " المدونة " إذ قال فِي السلم الثالث منها: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه، ولا تمنعه من قريبه الذي يؤوب فِيهِ قبل محل أجل دينك (١). قال بعض الشيوخ: ما لَمْ يوكل من يوفِيهِ. قال ابن عبد السلام: وظاهر " المدونة " أنّه يمنع من بعيد السفر ولا يقبل منه توكيل؛ لكن هذا التقييد متجه إن كَانَ الوكيل ضامنًا للحقّ وهو مليّ أو كَانَ للمديان مال يمكن منه القضاء بسهولة عند الأجل. انتهي.
وهو نصّ فِي عدم اختصاصه بمن أحاط الدين بماله، ولعلّ المصنف لَمْ يقيدها بعدم التوكيل اعتمادًا عَلَى ما نسب ابن عبد السلام لظاهر " المدونة " عَلَى أنّه أضرب عن نقل هذا الاستظهار فِي " التوضيح ".
وإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ كَإِقْرَارِهِ لِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ والأَصَحِّ، لا بَعْضِهِ ورَهْنِهِ، وفِي كِتَابَتِهِ قَوْلانِ.
قوله: (وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ) كذا فِي " التوضيح " وَنسب الأول لبعض القرويين والثاني للسيوري (٢)، وأصل النقل للمازري ونصه عَلَى اختصار ابن عرفة، قصر السيوري الخلاف [في قضاء] (٣) بعض غرمائه عَلَى إمساكه بعض ماله ليعامل به الناس قال: ولو قضى ما بيده بعض غرمائه لَمْ يجز اتفاقًا للمعنى الذي فرق به بين إعتاقه وقضائه بعض غرمائه يعني أن قضاءه بعض غرمائه يؤدي إلى الثقة به فِي معاملته، وإِذَا عومل نمى ماله بِخِلاف إعتاقه.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٧٦، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٩٩.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٤٠٨.
(٣) في (ن ٣): (قضاه).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ثم قال المازري: ونحوه رأيت فِي بعض التعاليق لبعض القرويين: أنّه لو عجّل دينًا لبعض غرمائه قبل حلوله لَمْ يختلف فِي ردّه؛ لأنه لَمْ يعامل عَلَى ذلك، وحكيته فِي بعض الدروس بحضرة بعض المفتين فقال: يردّ من وجه آخر وهو أن قيمة المؤجل أقل من عدده معجلًا، فالزائد عَلَى قيمته هبة تردّ اتفاقًا وهو صحيح. ويبقى النظر: هل يردّ جميعًا أو ما زاد عدده عَلَى قيمته مؤجلًا؟ قال ابن عرفة: فِي جعله (١) إياه محل نظرٍ، نظرٌ؛ لأن ردّ ما زاد يؤدي إلى ضع وتعجل فيزال فاسد لحقّ آدمي بارتكاب فاسد لحقّ الله تعالى، والأخص يمنع ما منع الأعمّ. انتهى.
وتأمل هل يجاب بأن ما تجر إليه الأحكام ليس كالمدخول عَلَيْهِ قصدًا.
ولَهُ التَّزَوُّجُ.
قوله: (ولَهُ التَّزَوُّجُ) قال فِي " المقدمات ": " يجوز إنفاقه المال عَلَى عوض فِيمَا جرت العادة بفعله كالتزويج والنفقة عَلَى الزوجة " (٢). انتهى. وهذا قبل التفليس، وأما بعده فقال فِي " المدونة ": وليس للمفلس أن يتزوج بالمال الذي فلس فِيهِ وله أن يتزوج فِيمَا بعده (٣).
وفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعًا، وتَطَوُّعِهِ بِالْحَجِّ تَرَدُّدٌ، وفُلِّسَ حَضَرَ أَوْ غَابَ، إِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَلاؤُهُ بِطَلَبِهِ.
قوله: (وَفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعًا، وتَطَوُّعِهِ بِالْحَجِّ تَرَدُّدٌ) لما ذكر فِي " المقدمات " أفعاله قبل التفليس قال: لا يجوز إنفاقه فِيمَا لَمْ تجر العادة بفعله من الكراء فِي حج (٤) التطوع وشبهه، وانظر: هل له أن يحجّ حجّة (٥) الفريضة من مال غرمائه أم لا؟، إن (٦) كَانَ يأتي ذلك عَلَى الاختلاف فِي الحج: هل هو عَلَى الفور؟ أو عَلَى التراخي، وهل له أن يتزوج أربع
_________________
(١) في (ن ٣): (فعله).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٥.
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٣٦.
(٤) في (ن ١): (الحج).
(٥) في (ن ١)، و(ن ٢): (حج).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٣): (وإن).
[ ٢ / ٧٣١ ]
زوجات؟ وتدبر ذلك (١) انتهى، وإليه أشار بالتَرَدُّدٌ؛ إِلا أن ابن رشد لَمْ يتَرَدُّدٌ فِي حجّ التطوع، وإنما تَرَدُّدٌ فِي حجّة الفريضة، فلعلّ مراد المصنف التطوع بتقديم (٢) حجة الفريضة، وسماه تطوعًا باعتبار القول بالتراخي.
تنبيهان:
الأول: معنى قول ابن رشد: " وإن كَانَ يأتي ذلك عَلَى الاختلاف فِي الحج، وهل يأتي ذلك؟ "، وكثيرًا ما يستعمل مثل هذا فِي: " المقدمات " وَ" البيان " و" الأجوبة " (٣).
الثاني: لما نقل ابن عرفة تَرَدُّد ابن رشد قال: الظاهر منعه من تزويج ما زاد عَلَى الواحدة لقلّته عادة، وكذا طلاقه وتكرر تزويجه لمطلق شهوته.
وإِنْ أَبَى غَيْرُهُ دَيْنًا حَلَّ زَادَ عَلَى مَالِهِ، أَوْ بَقِيَ مَا لا يَفِي بِالْمُؤَجَّلِ فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، لا فِي ذِمَّتِهِ كَخُلْعِهِ، وطَلاقِهِ، وقِصَاصِهِ، وعَفْوِهِ، وعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ. وتَبِعَهَا مَالُهَا إِنْ قَلَّ، وحَلَّ بِهِ وبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ، ولَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ، أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًَّا، وإِنْ نَكَلَ الْمُفَلَّسُ، حَلَفَ كُلٌّ كَهُوَ، وأَخَذَ حِصَّتَهُ، ولَوْ نَكَلَ غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وقُبِلَ إِقْرَارُهُ بِالْمَجْلِسِ، أَوْ قُرْبِهِ إِنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِإِقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةٍ، وهُوَ فِي ذِمَّتِهِ.
وقُبِلَ تَعْيِينُهُ الْقِرَاضَ والْوَدِيعَةَ، إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ والْمُخْتَارُ قُبُولُ [٥٦ / أ] قَوْلِ الصَّانِعِ بِلا بَيِّنَةٌ، وحُجِرَ أَيْضًا إِنْ تَجَدَّدَ مَالٌ وانْفَكَّ ولَوْ بِلا حُكْمٍ ولَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا واقْتَسَمُوا، ثُمَّ دَايَنَ غَيْرُهُمْ، فَلا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ إِلا كَإِرْثٍ، وصِلَةٍ وأَرْشِ جِنَايَةٍ وبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بِالْخِيَارِ ثَلاثًا ولَوْ كُتُبًا، أَوْ ثَوْبَيْ جُمُعَةٍ، إِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُمَا، وفِي بَيْعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ وأُوجِرَ رَقِيقُهُ، بِخِلافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، ولا يُلْزَمُ بِتَكَسُّبٍ، وتَسَلُّفٍ واسْتِشْفَاعٍ، وعَفْوٍ لِلدِّيَّةِ، وانْتِزَاعِ مَالِ رَقِيقِهِ أَوْ مَا وهَبَهُ لِوَلَدٍ، وعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ واسْتُؤْنِيَ بِعَقَارِهِ، كَالشَّهْرَيْنِ، وقُسِمَ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ بِلا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ، واسْتُؤْنِيَ بِهِ، إِنْ عُرِفَ
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٥.
(٢) في (ن ٣): (بتقدم).
(٣) هي: أسماء لثلاثة كتب لابن رشد، كثر هنا الإحالة عليها من المؤلف، فالأول هو: (المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات)، والثاني هو: (البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة)، والثالث هو: (الأسئلة والأجوبة).
[ ٢ / ٧٣٢ ]
بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ، وقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، واشْتُرِيَ لَهُ مِنْهُ بِمَا خَصَّهُ، ومَضَى إِنْ رَخُصَ أَوْ غَلا، وهَلْ يُشْتَرَى فِي شَرْطِ جَيِّدٍ أَدْنَاهُ أَوْ وَسَطُهُ؟ قَوْلانِ. وجَازَ الثَّمَنُ، إِلا لِمَانِعٍ كَالاقْتِضَاءِ وحَاصَّتِ الزَّوْجَةُ بِمَا أَنْفَقَتْ، وبِصَدَاقِهَا كَالْمَوْتِ، لا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ.
قوله: (فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) هذا هو المذهب، وأما قول ابن الحاجب: وفِي معاملته ثالثها بالنقد لا بالنسيئة، ورابعها بما يبقى لا بما يذهب (١). فقال فِيهِ ابن عبد السلام يعني: أن فِي صحة معاملة المفلس أربعة أقوال:
الأول: الصحة مُطْلَقًا، ومقابله، والثالث: [٨٤ / أ] يصح إِذَا كَانَ ما يأخذه المفلس نقدًا، ولا يصحّ إِذَا كَانَ مؤجلًا، والرابع: يصحّ إِذَا كَانَ ما يأخذه مما لا يسرع إليه التلف؛ ولكنه يبقى عادة كالربع.
قال: ولست عَلَى وثوق من نسبة هذه الأقوال إلى المذهب، بل رأيت من الحُفّاظ من ينكرها، والمنع (٢) هو الذي يُعرف فِي المذهب؛ ولأجل ذلك حجر عَلَى المفلس، ولو كَانَ يصّح بيعه وشراؤه ما كَانَ للحجر عَلَيْهِ كبير فائدة، وإنما حكيت هذه الأقوال فِي مستغرق الذمة بالحرام والغصب عَلَى القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله لا حكم المفلس وهو الأَظْهَر.
ومنهم من رأى حكمه حكم المفلس فمنع من معاملته مُطْلَقًا، هكذا حرره بعض المحققين من الشيوخ، وكذا أنكر ابن عرفة نقل ابن الحاجب وقال: من أمعن النظر والبحث علم ضرورة عدم وجودها فِي المذهب، وكلّ المذهب عَلَى وقف تصرفه عَلَى نظر الحاكم ردًا وإمضاءً، وهذا هو نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب، فالله تعالي أعلم من أين أتي هذا الرجل بهذه الأقوال.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٨١.
(٢) زاد في (ن ١): (عادة كالربع ولست عَلَى وثوق من نسبة هذه الأقوال إلى المذهب)، وهو مختلط بسابقه على الناسخ.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وقال فِي " التوضيح " الذي اقتصر عَلَيْهِ اللخمي والمازري وابن شاس أن بيعه وشراءه [لا يمضي] (١)، وفِي " الجلاب ": أن بيع المفلس وشراءه جائز ما لَمْ يجاب (٢)، ولم أقف عَلَى غير هذين القولين عَلَى أن بعض شراح " ابن الجلاب " تأوله بأن مراده من ظهر عَلَيْهِ الفلس قبل أن [(٣) يحجر الحاكم عَلَيْهِ (٤).
وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ، وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ، وفِيهَا الْبَدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ، وهَلْ خِلافٌ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلانِ، فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائِبٍ عُزِلَ لَهُ فَمِنْهُ كَعَيْنٍ وُقِفَ لِغُرَمَائِهِ، لا عَرْضٍ وهَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تَأْوِيلانِ، وتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ، والنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يُسْرَتِهِ وكِسْوَتُهُمْ كُلٌّ دَسْتًا مُعْتَادًا، ولَوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ لا وُهِبَ لَهُ، إِنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أنّه يُعْتَقُ عَلَيْهِ.
قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ، وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ،، وفِيهَا الْبَدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ، وهَلْ خِلافٌ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلانِ).
اشتمل هذا الكلام عَلَى ثلاثة أقسام:
الأول: طروء الغريم عَلَى الغرماء، وهو المراد بقوله: (وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ).
الثاني: طروء الوارث [على الوارث] (٥) أو الموصي له عَلَى الموصى له، وهو المراد بقوله: (كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢) وانظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٧٨٥.
(٢) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ٢/ ٢٦٧.
(٣) من هنا ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٤٠٨، ٤٠٩.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
الثالث: طروء الغريم عَلَى الوارث، والوارث ضربان: مقبض لغيره من الغرماء وقابض لنفسه، وقد أشار إلى الوارث المقبض بقوله: (وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ)، وإلى الوارث القابض بقوله: (وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ)، وباقي كلامه خاصٌّ بالوارث المقبض.
فإن قلت: وأي قرينة تصرفه للمقبض دون القابض؟
قلت: ذكر الرجوع عَلَى الغريم يعين ذلك، فإن الدافع للغريم هو المقبض دون القابض. وبالله تعالى التوفيق.
وحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ، إِنْ جُهِلَ حَالُهُ ولَمْ يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ.
[قوله: (ولَمْ يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ) أي لثبوت عسره، واللام لانتهاء الغاية] (١).
فَغَرِمَ، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ولَوْ أُثْبِتَ عُدْمُهُ.
قوله: (فَغَرِمَ، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ولَوْ أُثْبِتَ عُدْمُهُ) اختار المصنف هنا قول ابن رشد فِي: " المقدمات ": يغرم الحميل لتعذر اليمين اللازمة للغريم، وقال فِي باب: الحمالة: لا إن أثبت عدمه، فاقتصر عَلَى قول اللخمي: لا يغرم؛ لأن اليمين بعد ثبوت الفقر أنّه لَمْ يكتم شيئًا استحسان، إِلا أن يكون ممن يظن أنّه يكتم، وقد ذكر الطريقتين هنا فِي " التوضيح " (٢) وكذلك ابن عرفة.
أَوْ ظَهَرَ مَلاؤُهُ إِنْ تَفَالَسَ، وإِنْ وَعَدَ بِقَضَاءٍ وسَأَلَ تَأْخِيرَ كَالْيَوْمِ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ، وإِلا سُجِنَ كَمَعْلُومِ الْمَلاءِ وأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرْضِهِ إِنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ، [وَإِلا سُجِنَ] (٣). وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ.
قوله: (أَوْ ظَهَرَ) معطوف عَلَى (إن جهل).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٤٥١.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ. لَمْ يُؤَخَّرْ، وضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنّه لا يُعْلَمُ (١) لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، ولا بَاطِنٌ، حَلَفَ كَذَلِكَ وزَادَ وإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ وأُنْظِرَ.
قوله: (وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنّه لا يُعْلَمُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، ولا بَاطِنٌ، حَلَفَ كَذَلِكَ وزَادَ وإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ وأُنْظِر) فهم من قوله: (لا يعلم) أن الشهادة عَلَى العلم لا عَلَى البتّ، وكذا نصّ عَلَيْهِ ابن رشد فِي رسم نقدها من سماع عيسى. زاد ابن عات: ولا يعلمونه تبدلت حالته بغيرها إلى حين إيقاعهم شهادتهم فِي هذا الكتاب.
ابن رشد: فإن قال الشهود أنّه فقيرٌ عديمٌ لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا ففي بطلانها قَوْلانِ بناءً عَلَى حملها عَلَى ظاهرها عَلَى البتّ أو عَلَى العلّم، ولو نصّوا عَلَى البتّ والقطع لبطلت.
وفهم من قوله: (حلف كذلك) أنّه يحلف أَيْضًا عَلَى العلم لا عَلَى البتّ، وقد قال فِي " توضيحه ": " وإِذَا حلف المطلوب فقال أبو عمران يحلف عَلَى البت، وقال غيره: عَلَى العلّم، إذ قد يكون ملك [مالًا من إرثٍ أوهبةٍ ولم يعلم به. " (٢) انتهى. والذي فِي " المقدمات ": أنّه إنما وجب استحلافه؛ لأن البينة لا تشهد] (٣) إِلا عَلَى العلّم لا القطع، وفائدة قوله: (وإن وجد ليقضين) تظهر فِيمَا إِذَا ادعى الطالب عَلَيْهِ أنّه أفاد مالًا، ولم يأت ببينة فإنه لا يمين له عَلَيْهِ؛ لتقدم هذه اليمين قاله فِي " المقدمات " أَيْضًا، ولولا هذا لأحلفه كل يوم، قاله المتيطي.
وحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ. وإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، ورُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلاءِ إِنْ بَيَّنَتْ، وأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إِنْ طَالَ حَبْسُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، والشَّخْصِ.
قوله: (وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ [عِلْمَ الْعُدْمِ] (٤» كذا قال المتيطي وغيره، واختصر ابن عرفة: إن زعم المدين علم ربّ الدين عدمه لزمته اليمين أنّه ما يعلم عدمه،
_________________
(١) في أصل المختصر، والمطبوعة: (يعرف).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٤٥٥.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) في (ن ٢): (عدم العلم).
[ ٢ / ٧٣٦ ]
فإن نكل حلف المدين، وقاله غير واحدٍ من الفقهاء، وبه كَانَ يفتي ابن الفخار، قال ابن عرفة: وكَانَ بعض قضاة بلدنا تونس لا يحكم بهذه اليمين، [٨٤ / ب] وهو حسن فيمن لا يظن به علم حال المدين لبعده عنه.
وحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ [٥٦ / ب]، والسَّيِّدُ لِمُكَاتِبِهِ، والْجَدُّ، والْوَلَدُ لأَبِيهِ، لا عَكْسُهُ كَالْيَمِينِ إِلا الْمُنْقَلِبَةِ والْمُتَعَلِّقُ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَالأَخَوَيْنِ.
قوله: (وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ) أي: عند أمينة أيم أو ذات زوج أمين. فالعطف عَلَى محذوف، وقد صرّح بذلك ابن الحاجب فقال: وتؤتمن عَلَيْهِنّ أمينة أيم، أو ذات زوجٍ مأمون (١).
والزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلا، ولا يَمْنَعُ مُسْلِمًا وخَادِمًا.
قوله: (وَالزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلا) كذا نصّ عَلَيْهِ محمد: إِذَا سجنا معًا فِي حقٍ عَلَيْهِما.
بِخِلافِ زَوْجَةٍ. وَأُخْرِجَ لِحَدٍّ. أَوْ ذِهَابِ عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ. وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ. وَوَلَدِهِ. وأَخِيهِ وقَرِيبٍ جِدًَّا لِيُسَلِّمَ لا جُمْعَةٍ. وَعِيدٍ. وَعَدُوٍّ. إِلا لِخَوْفِ قَتْلِهِ. أَوْ أَسْرِهِ. ولِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لا الْمَوْتِ. ولَوْ مَسْكُوكًا. أَوْ آبِقًا. ولَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ إِنْ لَمْ يَفِدْهُ غُرَمَاؤُهُ. ولَوْ بِمَالِهِمْ. وأَمْكَنَ لا بُضْعٌ. وعِصْمَةٌ. وقِصَاصٌ. ولَمْ يَنْتَقِلْ لا إِنْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ. أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ. أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، كَأَجِيرِ رَعْيٍ، ونَحْوِهِ وذي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ.
قوله: (بِخِلافِ زَوْجَةٍ) أي: فلا تدخل عَلَيْهِ إِذَا سجن. قاله سحنون، وليس قول سحنون عند المصنف بِخِلاف لقول محمد فوقه؛ إذ لَمْ يتواردا عَلَى محلٍ واحد، عَلَى أن ابن رشد قد قال فِي " نوازل " سحنون: قول محمد للزوجين أن يجتمعا فِي السجن خلاف قول سحنون: ليس له أن تدخل إليه امرأته، وقول سحنون أظهر (٢)، وقبله ابن عرفة.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٨٣، وله بدل (أمينة)، (مأمونة).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٥٦١.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ.
قوله: (ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ) يعني إِذَا ردّ السلعة بعيبٍ] (١) ففلس البائع قبل أن يردّ إليه الثمن، فوجد المبتاع السلعة قائمة بيد البائع المفلس فإنه يكون أحقّ بها من الغرماء إن شاء عَلَى القول بأن الردّ بالعيب ابتداء بيع، وأما عَلَى القول بأنه نقض بيع فلا يكون له إليها سبيل (٢)، هذا نصّ " المقدمات "، وعَلَيْهِ ينبغي أن يحمل كلام المصنف وإن أردت الزيادة فقف عَلَى باقي نصّ " المقدمات " وَعَلَى ما فِي سماع عيسى فِي كتاب " المديان والتفليس " (٣) وعَلَى معارضة ابن عرفة له بما للخمي.
وإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ وهَلِ الْقَرْضُ كَذَلِكَ، وإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ؟ خِلافٌ، ولَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وحَاصَّ بِفِدَائِهِ. لا بِفِدَاءِ الْجَانِي.
قوله: (وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ) تصوره ظاهر ولم أقف عَلَيْهِ لمن قبله إِلا فِي مسألة البيع الفاسد التي ذكر فِيهَا بعد هذا ثلاثة أقوال.
ونَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إِنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ.
[(٤) قوله: (وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إِنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ) هذه مسألة مستقلة؛ لأن نقض المحاصّة يقتضي ردّ الحصّة وأخذ السلعة.
ورَدُّهَا، والْمُحَاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ [إن لَمْ يأخذ أرشًا] (٥)، أَوْ أَخَذَهُ وعَادَ لِهَيْئَتِهِ.
قوله: (وَرَدُّهَا، والْمُحَاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ [إن لَمْ يأخذ] (٦)
_________________
(١) إلى هنا ينتهى ما سقط من: (ن ٢) المشار إليه قبل في قوله: (أن يحجر الحاكم عليه).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٤٤.
(٣) انظر: ما في سماع عيسى، من كتاب المديان والتفليس، من كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٤٣٩، ٤٤٠، ونص المسألة: (وقال في عبد بيع، فباعه مشتريه ثم فلس، وقد خرج عن مكله، فحاص بالثمن، ثم وجد بالعبد عيبًا فردّه، فقال: أنا آخذه وأردّ ما أخذت؟: إن ذلك له).
(٤) من هنا يبدأ سقط من: (ن ٣).
(٥) في أصل المختصر والمطبوعة: (لَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ).
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، وفي (ن ٣): (إن لم يأخذها).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
أَوْ أَخَذَهُ وعَادَ لِهَيْئَتِهِ) أي: وله أن يردّ السلعة ويحاصّ بجميع ثمنها بسبب وجود عيب سماوي وما عطف عَلَيْهِ.
وإِلا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ ورَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ، وأَخْذُهَا، وأَخْذُ بَعْضِهِ، وحَاصَّ بِالْفَائِتِ كَبَيْعِ أُمٍّ وَلَدَتْ، وإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ الْوَلَدَ، فَلا حِصَّةَ، وأَخَذَ الثَّمَرَةَ، والْغَلَّةَ، إِلا صُوفًا تَمَّ، وثَمَرَةً مُؤَبَّرَةً، وأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ، وأَرْضَهُ، وقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ. ثُمَّ سَاقِيهِ. ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ والصَّانِعُ أَحَقُّ، ولَوْ بِمَوْتٍ بِمَا بِيَدِهِ، وإِلا فَلا. إِنْ لَمْ يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا إِلا النَّسْجَ، فَكَالْمَزِيدِ يُشَارِكُ بِقِيمَتِهِ والْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ، وبِغَيْرِهَا إِنْ قُبِضَتْ، ولَوْ أُدِيرَتْ ورَبُّهَا بِالْمَحْمُولِ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَا لَمْ يَقْبِضْهُ رَبُّهُ. وفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ يُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، أَوْ لا أَوْ فِي النَّقْدِ؟ أَقْوَالٌ. وهُوَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ، وبِالسِّلْعَةِ إِنْ بِيعَتْ بِسِلْعَةٍ واسْتُحِقَّتْ.
قوله: (وَإِلا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ) أي: وإن لَمْ يكن أحد الوجوه الأربعة حاصّ بنسبة نقصه إن شاء.
وقُضِيَ بِأَخْذِ الْمَدِينِ الْوَثِيقَةَ أَوْ تَقْطِيعِهَا، لا صَدَاقٍ قُضِيَ، ولِرَبِّهَا رَدُّهَا إِنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا.
قوله: (وَقُضِيَ بِأَخْذِ الْمَدِينِ الْوَثِيقَةَ أَوْ تَقْطِيعِهَا، لا صَدَاقٍ قُضِيَ، ولِرَبِّهَا رَدُّهَا إِنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا) هذه المسائل مشروحة آخر رهون المتيطية.
ولِرَاهِنٍ بِيَدِهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ.
قوله: (وَلِرَاهِنٍ بِيَدِهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ) كذا فِي " المدونة " (١).
_________________
(١) قال في مواهب الجليل: (قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُرْتَهِنُ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ وَادَّعَى أَنَّهُ تَلِفَ لَهُ وسَقَطَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا كَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ وقَالَ قَبْلَهُ: ولَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ إذَا طَالَ الْأَمْرُ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ وهَكَذَا نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، ونَصُّهُ: " فِي الْمُتَيْطِيَّةِ " ولَوْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ قَدْ أَخَذَ مِنْ الْغَرِيمِ رَهْنًا، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ الرَّهْنَ، ولَمْ يُوفِهِ الْغَرِيمُ حَقَّهُ، وقَالَ الْغَرِيمُ: لَمْ يَدْفَعْ لِي رَهْنِي إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ دَيْنَهُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ الرَّاهِنُ، ويَسْقُطَ عَنْهُ مَا ادَّعَى بِهِ رَبُّ الدَّيْنِ وكَذَلِكَ لَوْ أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وقَالَ: دَفَعْت إلَيْهِ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَنِي بِحَقِّي فَلَمْ يَفْعَلْ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ خِلَافَ مَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إذَا كَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، ولَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ إذَا طَالَ الْأَمْرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ والْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ ولَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُرْتَهِنُ بِدَفْعِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ وادَّعَى أَنَّهُ تَلِفَ لَهُ، أَوْ سَقَطَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا كَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ)، وانظر: المدونة: ١٤/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا.
قوله: (كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا) المتبادر أنّه مناقض لما فوقه؛ ولعلّك تلتمس له مخرجًا يساعد المنصوص ويزيل التناقض. نعم لو شبه مسألة الرهن بوثيقة ممحوة، زعم ربّها أنّه إنما محاها لظن القضاء، لكان ذلك حسنًا، فقد وقع فِي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب: " المديان والتفليس ": سئل عن رجلٍ قام بذكر حقٍ له ممحو عَلَى رجلٍ، فطلب منه ما فِيهِ وأقام عَلَيْهِ بما فِيهِ البينة، فادعى الغريم أنّه قد قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحقّ أو ما ترى؟
فقال ابن القاسم: يلزمه الحقّ إِذَا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه.
وعن رجلٍ قام بذكر حقٍ ممحو عَلَى رجلٍ، وأقرّ صاحب ذكر الحقّ أنّه محاه، وظنّ أنّه قد قضاه وله بينة عَلَى ما فِيهِ، وقال الغريم قد قضيته وما محاه إِلا عن قبض فما ترى؟ قال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولا شيء عَلَيْهِ، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا [أقرّ له] (١) بأنه محاه، قال ابن رشد: الفرق بين المسألتين بيّن عَلَى ما قاله، ولا اختلاف فِي المسألة الأولى، وأما الثانية فيتخرج فِيهَا بالمعنى اختلاف حسبما ذكرته أول رسم من سماع ابن القاسم " انتهى. وقصدنا منه المسألة الثانية. وانظر ثالثة مسائل سماع ابن القاسم، من الكتاب المذكور (٢).
ولَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إِلا بِهَا.
قوله: (وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إِلا بِهَا) الظاهر إنها جملة مستأنفة لا حالية (٣)؛ وعَلَى هذا فالمعنى: ولا يجوز أن يشهد شاهدًا وثيقة الدين بما فِيهَا إِلا بحضورها. قال المتيطي: قال أبو عمر فِي كافِيهِ: وإِذَا كتب الشاهد شهادته فِي ذكر الحقّ، وطولب بها وزعم المشهود عَلَيْهِ أنّه قد ودى ذلك الحقّ لَمْ يشهد الشاهد حَتَّى يؤتى بالكتاب الذي فِيهِ شهادته بخطّه؛ لأن
_________________
(١) في (ن ١): (لقوله).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٤٢٨، وانظر: ما أحال عليه وقول ابن رشد فيها: ١٠/ ٣٥٤.
(٣) في (ن ٣): (جدلية).
[ ٢ / ٧٤٠ ]
الذي عَلَيْهِ أكثر الناس أخذ الوثائق إِذَا أدوا (١) الدّيون، وقد اختلفوا: إِذَا أحضر المديان الوثيقة وقال: إنها لَمْ تصل إليه إِلا بدفع ما فِيهَا، وقال ربّ الدين سقطت منّي؟.
فقيل: يشهد له؛ لإمكان ما ذكره، وقيل لا يشهد له؛ لأن ربّ الدين لَمْ يأت بما يشبهه فِي الأغلب؛ لأن الأغلب دفع الوثيقة إلى من هي عَلَيْهِ إِذَا أدى الدين، وأما الحاكم فيجتهد فِي ذلك إن شهد عنده، وفِي كتاب ابن حبيب: " ومن زعم أنّ صكّه بالحقّ ضاع منه، وسأل الشاهد أن يشهد له بما حفظه منه فذلك له إن حفظ ذلك. قاله مطرف. وقال ابن الماجشون: [٨٥ / أ] لا يشهد له ". انتهى.
وجعل الشارح الجملة حاليّة؛ لأنه قال فِي " الصغير ": والحكم فِي الوثيقة، يزعم ربّها سقوطها، وأبى شاهداها أن يشهدا إِلا بها: كذلك، أما إِذَا شهدت البينة بغير الوثيقة فلا احتياج إليها ". انتهى، وكأنه فهم أنّ هذه الساقطة لَمْ تصل ليد المديان فلا تناقض ما قبلها. فليتأمل] (٢).
_________________
(١) في (ن ١): (ادعوا).
(٢) إلى هنا ينتهي ما سقط من: (ن ٣).
[ ٢ / ٧٤١ ]
[باب الحجر]
الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلإِفَاقَةِ. والصَّبِيُّ لِبُلُوغِهِ بِثَمَانَ عَشْرَةَ. أَوِ الْحُلُمِ أَوِ الْحَيْضِ. أَوِ الْحَمْلِ، أَوِ الإِنْبَاتِ. وَهَلْ إِلا فِي، حَقِّ اللهِ تَعَالَى؟ تَرَدُّدٌ وصُدِّقَ إِنْ لَمْ يُرَبْ، ولِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ، ولَهُ إِنْ رَشَدَ، ولَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ وَقَعَ الْمَوْقَعَ، وضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إِنْ لَمْ يُؤَمَّنْ عَلَيْهِ، وصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، كَالسَّفِيهِ إِنْ لَمْ يُخَلِّطْ إِلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الأَبِ بَعْدَهُ، وفَكِّ وَصِيٍّ، ومُقَدَّمٍ إِلا كَدِرْهَمٍ [٥٧ / أ] لِعَيْشِهِ.
قوله: (إِلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الأَبِ بَعْدَهُ) بدل اشتمال من قوله: (لبلوغه) ويسهل ذلك [إذا استوى] (١) استواء الحرفين الجارّين لهما فِي الوضع لانتهاء الغاية، والرابط بين البدل والمبدل منه الضمير فِي (بعده)، وبهذا يلتحم الكلام ويتسق النظام، ويحتمل أن يكون قوله: (لبلوغه) متعلقًا بلفظ (الصبي)، فهو تحديد للصبا، ويكون قوله: (إلى حفظ) متعلّقًا بلفظ محجور، فهو تحديد للحجر، ويحتمل أن يكون قوله: (إلى حفظ) متعلقًا بلفظ (٢) (ردّ) من قوله: (وللولي ردّ تصرف مميز)، والأول أنصع وأصنع، واقتصر عَلَى ذكر حفظ المال دون تنميته.
وقال فِي " توضيحه ": نقل اللخمي الاتفاق عَلَى أن من لا يحسن التجر ويحسن الإمساك لا يحجر عَلَيْهِ، لكن ذكر المازري خلافًا فِيمَا ينفك به الحجْر عن المحجور عَلَيْهِ هل بمجرد حفظه فقط؟ أو بزيادة اشتراط حسن تنميته؟.
ووجه الثاني (٣) بأنه إن لَمْ يحسن ذلك كَانَ ذلك مؤديًا إلى فناء ماله.
ووجَّه الأول بأنه لما كَانَ لا يلزم القابض من أب أو وصيٍ أو مقدم أن يتجر له، إنما يلزمه صيانته فمالكه أولى. قال: وينبغي عندي أن يلتفت إلى قلة المال وكثرته، ثُمَّ ذكر فِي " التوضيح ": أن هذا فِي الرشد الذي يخرج به من الحجر لا فِي الرشد الذي لا يضرب
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٢) زاد في (ن ١) (محجور فهو تحديد للحجر ويحتمل أن يكون قوله: (إلى حفظ) متعلقًا بلفظ، فلعله اختلط بما قبله.
(٣) أي: اشتراط حسن تنميته؛ فهو الثاني من تفريعه.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
معه الحجر، فإنه متفق عَلَى أنّه لا يراعي فِيهِ القيد الثاني كما ذكره اللخمي. (١) والذي لابن عرفة قال عبد الوهاب: الرشد هو ضبط المال وإصلاحه.
[المازري] (٢): فِي كونه مجرد صونه، أو مع كونه يحسن تنميته: عبارتان.
ابن عرفة: عزاهما اللخمي للمدونة " ولمحمد.
لا طَلاقِهِ أو اسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ ونَفْيِهِ، وعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وقِصَاصٍ، ونَفْيِهِ، وإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ، وتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ، وعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إِنْ رَشَدَ بَعْدَهُ، وزِيدَ فِي الأُنْثَى دُخُولُ زَوْجٍ، وشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى صَلاحِ حَالِهَا.
قوله: (لا طَلاقِهِ أو اسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ ونَفْيِهِ، وعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وقِصَاصٍ، ونَفْيِهِ، وإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ) هذا معطوف عَلَى لفظ (تصرف) من قوله: (وللولي ردّ تصرف مميز)، وهذا خاصّ بالبالغ إذ هو الذي يكون له ولد يستلحقه (٣) وأم ولد يعتقها بِخِلاف الصبي، فهو كقول ابن الحاجب: ولا حجر عَلَى العاقل البالغ فِي الطلاق واستلحاق النسب ونفِيهِ وعتق أم ولده، والإقرار بموجب العقوبات بِخِلاف المجنون (٤). زاد فِي " التوضيح " تبعًا لابن عبد السلام. وهل يجوز عفوه عما دون النفس من قصاص وجب له أو حد قذف، وإليه ذهب ابن القاسم أولًا، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون ولا خلاف أنّه لا يصحّ عفوه عن جراح الخطأ؛ لأنها مال، فإن أدى جرح الخطأ إلى نفسه وعفا عن ذلك عند موته كَانَ ذلك فِي ثلثه كالوصايا.
وإن وجب له قصاص فِي نفسٍ كما لو قتل أبوه أو ابنه عمدًا صحّ عفوه عَلَى مذهب ابن القاسم الذي يرى أن الواجب فِي العمد قود كلّه. ابن عبد السلام: وفِيهِ نظر عَلَى مذهب مطرف وابن الماجشون المتقدم، وتَرَدُّدٌ المازري عَلَى مذهب أشهب الذي يرى أن
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٥٠٥، ٥٠٦.
(٢) في (ن ٣): (الباجي).
(٣) في (ن ١): (يستحله).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٨٦.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
الولي بالخيار بين القتل وأخذ المال، فأجراه عَلَى أن من ملك أن يملك هل يعدّ مالكا أم لا؟ (١).
ولَوْ جَدَّدَ أَبُوهَا حَجْرًا عَلَى الأَرْجَحِ، ولِلأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا كَالْوَصِيِّ، ولَوْ لَمْ يُعْلَمْ رُشْدُهَا. وفِي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلافٌ والْوَلِيُّ الأَبُ، ولَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا، وإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، وإِنْ بَعُدَ. وَهَلْ كَالأَبِ، أَوْ إِلا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟ خِلافٌ. ولَيْسَ لَهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، ثُمَّ حَاكِمٌ، وبَاعَ بِثُبُوتِ يُتْمِهِ، وإِهْمَالِهِ ومِلْكِهِ لِمَا بِيعَ. وَأنّه الأَوْلَى، وحِيَازَةُ الشُّهُودِ لَهُ، والتَّسَوُّقِ، وعَدَمِ إِلْغَاءِ زَائِدٍ، والسَّدَادِ فِي الثَّمَنِ، وفِي تَصْرِيحِهِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ قَوْلانِ، لا حَاضِنٍ كَجَدٍّ.
قوله: (ولَوْ جَدَّدَ (٢) أَبُوهَا حَجْرًا عَلَى الأَرْجَحِ) لَمْ أقف عَلَى هذا الترجيح لابن يونس؛ ولكن ذكر ابن رشد فِي " المقدمات ": " أن القياس أن ليس للأب عَلَيْهَا تجديد عَلَى قول من حدّ لجواز [أفعالها] (٣) حدًّا؛ لأنه حملها ببلوغها إليه عَلَى الرشد، وأجاز أفعالها، فلا يصدّق الأبّ فِي إبطال هذا الحكم بما يدّعيه من سفهها إِلا أن يعلم صحة قوله " (٤). انتهى.
فأنت ترى ابن رشد خصّ هذا بقول من حد لجواز أفعالها حدًّا من السنين؛ مع أنّ المصنف أضرب هنا عن القول بالتحديد بالسنين، وقد قبل ابن عرفة قياس ابن رشد، ولم يذكر شيئًا لابن يونس، وفِي هذا الترجيح نظر من وجهين أحدهما نسبته لابن يونس، والثاني تفريعه عَلَى غير القول بالتحديد. والله تعالى أعلم.
وعُمِلَ بِإِمْضَاءِ الْيَسِيرِ، وفِي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَفِي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ) هذا التَرَدُّدٌ للموثقين من الأندلسيين قال ابن العطار: عشرون دينارًا دراهم، وقيل ثلاثون، وقيل: عشرة. قال بعضهم: الدينار المراد هنا هو ثمانية دراهم من دراهم دخل أربعين، ومعناه أن مائة وأربعين منها تعادل مائة، كيلا، وزِنَة الدرهم الواحد منها ست وثلاثون حبّة، وهو خمسة أسباع درهم الكيل، ودرهم الكيل
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٥١٨.
(٢) في (ن ١): (وجد).
(٣) في (ن ٣): (أفعاله).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٥٦.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
منها مثل وخُمْسا [٨٥ / ب] المثل؛ فزنة العشرين دينارًا التي يبيع بها الحاضن عَلَى المشهور من دراهمنا الصغيرة الضرب أحد وسبعون دينارًا عشرية الصرف بتقريب يسير.
قلت: أما دراهمنا الصغيرة الضرب فالذي أخذناه عن شيخنا الفقيه الحافظ أبي عبد الله القوري - رحمه الله تعالى -: أن فِي درهم الكيل سبعة دراهم وخُمْس درهم من دراهم ثمانين الصغار، وفِيهِ أَيْضًا ستة دراهم وثلاثة أعشار الدرهم من دراهم سبعين الصغار، فلما اختبرنا ذلك وجدناه مبنيًا عَلَى أن فِي الصغير الثمانيني سبع حبّات من الشعير، وعَلَى أنّ فِي الصغير السبعيني ثماني حبّات. [فقول الزهري فِي " قواعده " وزن صغيرنا تقريبًا ثماني حبّات] (١) شعيرًا وسطًا يعني به السبعيني، وعَلَيْهِ بنى التقريب المتقدّم.
وأما بحساب الثمانيني فزنة العشرين المذكورة عشر أواقٍ وثُمْنَا أوقية وثلاثة أعشار ثمن الأوقية غير حبة شعير، واعلم أن الصغير الثمانيني هو الذي يطلق عَلَيْهِ أهل هذا الجيل صغيرًا بالصنجة وكبيرًا عدّة، وقد ذكرنا هذا كلّه فِي مسألة صبيان الأعراب من كتاب: النكاح الأول من: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " وبالله تعالى أستعين.
ولِلْوَلِيِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ والْقِصَاصِ فَيَسْقُطَانِ، ولا يَعْفُو.
قوله: (وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ والْقِصَاصِ) هذا القصاص فِي الصبي غير البالغ إِذَا جنى عَلَيْهِ أو عَلَى وليّه فلا يعارض ما تقدّم فِي البالغ، وعبارة ابن الحاجب أبين إذ قال: " وللولي النظر فِي قصاص [الصغير] (٢) أو الدية (٣) ".
ومَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ.
قوله: (وَمَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ) يريد العتق الناجز بعوض من غير مال العبد. قال فِي كتاب المكاتب من " المدونة ": وللوصي أن يكاتب عبد من يليه عَلَى النظر ولا يجوز أن يعتقه عَلَى مالٍ يأخذه منه إذ لو شاء انتزعه، ولو كَانَ عَلَى عطية من أجنبي جَازَ عَلَى النظر
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) ، ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٨٦.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
كبيعه، وكذلك الأبّ له أن يكاتب عبد ابنه الصغير عَلَى النظر، ويبيع له ويشتري عَلَى النظر (١). إِلا أن ظاهر " المدونة " جوازه ابتداءً بِخِلاف ما هنا، وكأنه استروح من قوله: (ولو كَانَ عَلَى عطية) أن ذلك بعد الوقوع.
كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ، وإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وضِدِّهِ، والْوَصِيَّةِ والْحُبُسِ الْمُعَقَّبِ، وأَمْرِ الْغَائِبِ، والنَّسَبِ، والْوَلاءِ، وحَدٍّ، وقِصَاصٍ، ومَالِ يَتِيمٍ - الْقُضَاةُ.
قوله: (كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ) أي كما يمضي عتق الأب دون غيره من الأولياء إِذَا كَانَ بغير عوض بشرط أن يكون موسرًا قال فِي " المدونة " إثر الكلام المتقدم: " وإن أعتق عبد ابنه الصغير جَازَ عتقه إن كَانَ للأب مال، وإِلا لَمْ يجز. قال غيره: إِلا أن يوسر قبل النظر فِي ذلك فيتم ويقوم عَلَيْهِ ". زاد فِي كتاب الشفعة: " ولا يجوز فِي الهبة وإن كَانَ موسرًا " (٢).
وإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ، أَوْ غِبْطَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفًا، أَوْ حِصَّةً، أَوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فَيُسْتَبْدَلُ خِلافُهُ، أَوْ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ جِيرَانٍ سُوءٍ، أَوْ لإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ، أَوِ الْخَرَابِ ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لَهُ والْبَيْعُ أَوْلَى، وحُجِرَ عَلَى الرَّقِيقِ إِلا بِإِذْنٍ، ولَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ، ولَهُ أَنْ يَضَعَ ويُؤَخِّرَ ويُضَيِّفَ إِنِ اسْتَأْنَفَ، ويَأْخُذُ قِرَاضًا، ويَدْفَعَهُ، ويَتَصَرَّفَ فِي كَهِبَةٍ، وأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا ولِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلا إِذْنٍ، والْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وأُخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وإِنْ مُسْتَوْلَدَةً كَعَطِيَّتِهِ، وهَلْ إِنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ؟ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ، لا غَلَّتِهِ، ورَقَبَتِهِ.
قوله: (وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ إلى آخره) عدّ ابن عرفة هذه الأسباب أحد عشر، وفِيهَا بعض زيادة ونقص بالنسبة لما هنا ونظمها فِي ستة أبيات من عروض الطويل فقال:
وبَيْعُ عَقَارٍ عَنْ يَتِيمٍ لِقُوتِهِ وهَدْمٍ ومَا يُبْنَى بِهِ غَيْرُ حَاصِلِ
ودَيْنٍ ولَا مَقْضِيَّ مِنْهُ سَوَاءُ قُلْ وشِرْكٍ بِهِ يُرْجَى بِهِ مِلْكُ كَامِلِ
[وَدَعْوَى شَرِيكٍ لَا سَبِيلَ لِقَسْمِهِ وذِي ثَمَنٍ حِلٍّ كَثِيرٍ وَطَائِلِ] (٣)
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٥٦٩، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٧/ ٢٦٠.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٤٠.
(٣) هذا البيت في (ن ١) يأتي قبل البيت السابق.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
كَذَا الْعَارِ عَنْ نَفْعٍ ومَا خِيفَ غَصْبُهُ أَوْ الدَّارِ فِي دُورِ الْيَهُودِ الْأَرَاذِلِ
ومَا نَالَهُ تَوْظِيفُ أَوْ ثِقْلُ مَغْرَمٍ فَخُذْهَا جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ
ودَعْوَى الشَّرِيكِ الْبَيْعَ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ بِلَا ثَمَنٍ يُعْطَى لِدَاعٍ مُفَاصِلِ
وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيمًا (١)، فَكَغَيْرِهِ.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيمًا، فَكَغَيْرِهِ) اسم (يَكُنْ) ضمير المأذون و(غَرِيمًا) خبرها، فهو بمعنى المدين، وفِي كثيرٍ من النسخ: وإن لَمْ يكن غريمٌ بالرفع عَلَى أنّه فاعل يكن التامة، فالغريم عَلَى هذا بمعنى ربّ الحقّ.
ولا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ فِي كَخَمْرٍ، إِنِ اتَّجَرَ لِسَيِّدِهِ، وإِلا فَقَوْلانِ، وعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ كَسِلٍّ، وقَوْلَنْجٍ، وحُمًّى قَوِيَّةً، وحَامِلِ سِتَّةٍ، ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أَوْ لِقَطْعٍ، إِنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ، لا كَجَرَبٍ، ومُلَجَّجٍ فِي بَحْرٍ، ولَوْ حَصَلَ الْهَوْلُ فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ وتَدَاوِيهِ ومُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، ووُقِفَ تَبَرُّعُهُ، وإِلا لِمَالٍ مَأْمُونٍ، وهُوَ الْعَقَارُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنَ الثُّلُثِ وإِلا مَضَى. وعَلَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا ولَوْ عَبْدًا [٥٧ / ب] فِي تَبَرُّعٍ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا. وَإِنْ بِكَفَالَةٍ وفِي إِقْرَاضِهَا قَوْلانِ وهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يُرَدَّ فَمَضَى. إِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأَيَّمَتْ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
قوله: (ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ) معطوف عَلَى مريض، وأما قوله: (وحامل ستة) فيحتمل أن يكون معطوفًا عَلَى مريض أَيْضًا، ويحتمل أن يعطف عَلَى كسل بحذف مضاف أي وحمل حامل.
كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ.
قوله: (كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ) أي كما يمضي تبرع العبد إِذَا لَمْ يعلم به سيّده حَتَّى عتق وكما يمضي تبرع المديان إِذَا لَمْ يعلم به الغرماء حَتَّى وفّاهم ديونهم. قال فِي كتاب: المأذون من " المقدمات ": أما العبد فِيمَا وهب أو أعتق: فإذا لَمْ يعلم السيّد ذلك أو علم فلم يقض فِيهِ بردٍّ ولا إجازة حَتَّى عتق العبد والمال بيده فإن ذلك لازم له، ولا أعلم فِي هذا
_________________
(١) في أصل المختصر، والمطبوعة: (غريم).
[ ٢ / ٧٤٧ ]
نص خلاف (١). وقال قبل ذلك فِي تبرع المديان بغير إذن غرمائه: إن ذلك ينفذ عَلَيْهِ إن بقي ذلك بيده إلى أن ارتفعت علة المنع بزوال الدين، وكلامه فيهما أشبع من هذا؛ ولكن هذه حاجتنا منه.
ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ، ولَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ. تَبَرُّعٌ إِلا أَنْ يَبْعُدَ.
قوله: (ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ) زاد ابن عرفة: ولولي الزوج منع زوجته إعطاءها [٨٦ / أ] أكثر من ثلثها.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٥١، ٥٢.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
[باب الصلح]
الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ وجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ وعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ. وعَكْسِهِ. إِنْ حَلا.
قوله: (أَوْ إِجَارَةٌ) مثاله أن يدّعي عَلَى رجلٍ شيئًا معينًا، فيصالحه عَلَى سكنى دار أو خدمة عبد أو ما أشبه ذلك إلى أجل معلوم، وقد أبعد من ضبطه إجازة، بالزاي المعجمة.
وعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا.
قوله: (كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا) أي كمائة دينار ودرهمٍ واحد صلحًا عن مائة دينار ومائة درهم كما فِي " المدونة "، فهو مثال لقوله: وعَلَى بعضه هبة.
وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ.
قوله: (وعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) أشار به لقوله فِي كتاب: الأيمان والنذور من " المدونة ": " ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جَازَ ذلك " (١). انتهى. وقد افتدى عثمان وحلف عمر. قال ابن عرفة: قيّدها غير واحدٍ بمعنى الصلح عَلَى الإنكار فِيمَا يجوز وما لا يجوز.
أَوِ السُّكُوتِ.
قوله: (أَوِ السُّكُوتِ) عياض: وحكم السكوت حكم الإقرار عَلَى قولي مالك وابن القاسم جميعًا، فما وقع من صلحٍ حرام عَلَى الإقرار أو السكوت فسخ عَلَى كلّ حال كالبيع. ابن عرفة: وقسّموه لإقرار (٢) وإنكار، فبقول عياض: حكم السكوت حكم الإقرار تكون القسمة حقيقية بين الشيء ونقيضه، والمساوي لنقيضه ". انتهى. وقال ابن محرز أما الصلح عَلَى السكوت فإنه يعتبر فِيهِ حكم المعاوضة فِي الإقرار، ويعتبر عَلَى مذهب [مالك] (٣) فِيهِ الوجوه الثلاثة التي فِي الإنكار، وعَلَى مذهب ابن القاسم إنما يعتبر الصلح فِي حقّ كل واحد منهما عَلَى انفراده، ولا يلتفت إلى ما يوجبه الحكم فِي ظاهره.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٩٥، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ١٠٠.
(٢) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (حكم لإقرار).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ. فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وأَعْلَنَ أنّه يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ.
قوله: (أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ) هذا قول مالك خلافًا لابن القاسم وأصبغ (١).
تحرير:
قال ابن عرفة: الصلح عَلَى الإنكار جائز باعتبار عقده، وأما فِي باطن الأمر فإن كَانَ الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإِلا فحلال، فإن وفّى بالحقّ بريء، وإِلا فهو غاصب فِي الباقي، ولم يذكر المازري ولا ابن القصار ولا أحد من مشاهير شيوخ المذهب المعتاد منهم نقل غريب المذهب خلافًا فِي جوازه إِلا عياضًا عن ابن الجهم عن بعض أصحابنا، وكَانَ يجري لنا فِي البحث تخريج مثل قول الشافعي من قول سحنون: إن طلب السلابة شيئًا خفيفًا لَمْ يجز أن يعطوه خلاف ما فِي أول جهاد " المدونة " (٢)؛ بجامع أنّه إعطاء مال لدفع عداء، وأن التخريج أحروي؛ لأن العداء فِي المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشدّ من عداء الخصومة المعروض للحلف. وقال ابن عبد السلام: والنفس تميل فِيهِ لمذهب الشافعي.
وفِي كتاب الجهاد من " المدونة " ما يقرب منه. قال ابن عرفة: والذي فِي أوّل الجهاد منها يدلّ عَلَى عكس ما قاله حسبما قدمناه، والذي أشار إليه من كتاب: الجهاد هو ما كَانَ يجري لنا فِي درسه من الأخذ من قول مالك هناك: وإِذَا تنازع رجلان فِي اسم مكتوب فِي العطاء، فأعطى أحدهما الآخر مالًا عَلَى أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لَمْ يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم [إن كَانَ صاحب الاسم فقد أخذ الآخر (٣) ما لا يحلّ له، وإن كَانَ الذي
_________________
(١) قال المواق: (عِيَاضٌ: مَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: مَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، ومَعَ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ وعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ) انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٥/ ٨٣.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ٣.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٣): (الأجر).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
أخذ الدراهم] (١) هو صاحب الاسم لَمْ يجز؛ لأنه لا يدري ما باع قليلًا أو كثيرًا، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه، فهذا غرر لا يجوز (٢).
قال ابن عرفة: ويرد بأن المنع فِي مسألة الجهاد إنما كَانَ لدوران الأمرين أمرين كل منهما موجب للفساد حسبما قرره فِيهَا، والصلح عَلَى الإنكار ليس كذلك؛ لأنه عَلَى تقدير صدق المدعي لا موجب للفساد.
كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرًَّا فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ، لا إِنْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ ولَمْ يُشْهِدْ، أَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ.
قوله: (كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرًَّا فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ) الفاعل بـ: (يعلن) يعود عَلَى المدعي المشهد، والفاعل بـ: (يقرّ) يعود عَلَى المدعى عَلَيْهِ؛ ولذلك يجب رفع (يقرّ)، والمعنى كمن أشهد ولم يعلن بإشهاده، وكمن يقر له المدعي عَلَيْهِ سرًا فقط، وهذا مما يميّزه ذهن السامع اللبيب، فهما مسألتان، فأما المسألة الأولى: فذكر الخلاف فِيهَا ابن يونس وغيره واستظهر فِيهَا ابن عبد السلام عدم القيام عكس قول المصنف: (عَلَى الأحسن).
فإن قلت: لعلّ قوله: (عَلَى الأحسن) خاصٌ بالثانية؟
قلت: هذا لا يصحّ؛ لأنه يلزم عَلَيْهِ أن يكون لَمْ يذكر خلافًا فيمن لَمْ يعلن الإشهاد فلا يكون للتفريق بين المعلن وغيره فائدة.
وأما الثانية فطوّل فِيهَا ابن يونس، واقتصر من ذلك فِي " التوضيح " عَلَى ما نصّه: " إِذَا أقرّ فِي السرّ وجحد فِي العلّانية فصالحه غريمه عَلَى أن يؤخر سنة، وأشهد أنّه إنما صالحه لغيبة بينة، فإذا قدمت قام بها فقيل: ذلك له إِذَا علم أنّه كَانَ يطلبه وهو يجحده، وقيل: ليس ذلك له. قال المصنف: وأفتى بعض أشياخ شيخي: أن ذلك له للضرورة
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٣/ ٤٣.
[ ٢ / ٧٥١ ]
وهو قول سحنون والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى: إيداع الشهادة (١). انتهى (٢).
فإن قلت: مسألة الذي أشهد أنّه يقوم بالبينة ولم يعلن [٨٦ / ب] إشهاده أعمُّ من أن يكون لدد خصمه بالإقرار سرًّا والجحود علانية أو بغير ذلك، فالثانية مندرجة فِي الأولى؟
قلت: هو كذلك، ولو قصدنا أن نحمل كلامه فِي " مختصره " عَلَى محاذاة " توضيحه " لحملنا الثانية عَلَى أنّه لَمْ يشهد فِي السّر أنّه يقوم بالبينة، ولكن بمجرد الإقرار الذي يستدعيه منه بالتأخير (٣)، فيكون ذلك أبعد من التداخل، وقد قال ابن عرفة: ولو صالحه عَلَى تأخيره سنة بعد أن أشهد بعد لشهادة عَلَى إنكاره أنّه إنما صالح ليقرّ له بحقّه ففي لزوم أخذه بإقراره ولغو صلحه عَلَى تأخيره ولغو إقراره ولزوم صلحه بتأخيره نقلا ابن يونس عن سحنون وابن عبد الحكم قائلًا: الأول أحسن والظالم أحقّ أن يحمل عَلَيْهِ.
ابن عرفة: وعَلَيْهِ عمل القضاة والموثقين، وأكثرهم لَمْ يحك عن المذهب غيره، وحكى المتيطي عن ابن مزين عن أصبغ: لا ينفع إشهاد السر إِلا عَلَى من لا ينتصف منه كالسلطان أو الرجل القاهر، ولم يذكر الثاني، فالأقوال ثلاثة، وعَلَى الأول حاصل حقيقة الاسترعاء عندهم وهو المسمى فِي وقتنا إيداعًا هو إشهاد الطالب أنّه طلب فلانًا وأنّه أنكره وقد علم إنكاره بهذه البينة أو غيرها، وأنّه مهما أشهد بتأخيره إياه بحقّه أو بوضيعة شيء منه أو بإسقاط بينة الاسترعاء فهو غير ملتزم لشيء من ذلك، وأنّه إنما يفعله ليقرّ له بحقّه، وشرطه تقدمه عَلَى الصلح، فيجب تعيين وقته بيومه وفِي أي وقتٍ هو من يومه؛ خوف اتحاد يومهما. فإن اتحد دون تعيين جزء اليوم لَمْ يفد استرعاؤه.
_________________
(١) قال ابن القيم: (صورتها: أن يقول له الخصم لا أقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه، وأشهد عليك أنك لا تستحق عليّ بعد ذلك شيئًا، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على طلب حقي كله من فلان، وأني لم أبرئه من شيء منه وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه وقال بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل، وأني إنما أشهدت على ذلك توصلًا إلى أخذ بعض حقي) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم: ٤/ ٣٠.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٥٦٢.
(٣) في الأصل، و(ن ٢): (بالتخير).
[ ٢ / ٧٥٢ ]
قال المتيطي وابن فتّوح: ولا ينفع الاسترعاء إِلا مع ثبوت إنكار المطلوب، ورجوعه فِي الصلح إلى الإقرار، فإن ثبت إنكاره وتمادى عَلَيْهِ فِي صلحه لَمْ يفد استرعاؤه شيئًا إن لَمْ تقم بينة تعرف أصل حقّه، وقول العوام صلح المنكر إثبات لحقّ الطالب جهل، وقول الموثق فِي الصلح: تساقطا الاسترعاء، والاسترعاء فِي الاسترعاء حسن؛ لأنه إِذَا استرعى أحد المصالحين حيث يجب له الاسترعاء، وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بقطع الاسترعاء فإنما يفعل ذلك لإظهار حقّه ويستجلب به إقرار خصمه ورجوعه عن إنكاره، فيكون له حينئذ القيام بالاسترعاء، ولا يضره ما انعقد عَلَيْهِ من إسقاط البينات المسترعاة، ونفعه الاسترعاء فِي هذا، وإن لَمْ يذكر فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينة المسترعاة، فهو راجع عن ذلك قطع ما انعقد فِي كتاب الصلح من إسقاطه لها قيامه بالاسترعاء.
فإذا قلت: أنّه قطع الاسترعاء، والاسترعاء [في الاسترعاء] (١)، ثُمَّ استرعا وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينات المسترعاة فإنما يفعل ذلك ليستجلب به إقرار خصمه لَمْ [ينتفع بهذا الاسترعاء إذ الاسترعاء فِي الاسترعاء، زاد المتيطي وقاله غير واحدٍ من الموثقين وفِيهِ تنازع، والأحسن فِي هذا كلّه أن يقر أن كل بينة تقوم له بالاسترعاء فهي ساقطة كاذبة، وإقراره أَيْضًا أنّه لَمْ يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء، فإن ذلك يسقط دعواه ويخرج به الخلاف إن شاء الله تعالى؛ لأنه يصير مكذبًا لبينته ومبطلًا لها، وهذا من دقيق الفقه ". انتهى.
وقد سبق ابن محرز إلى إنكار ما يجري عَلَى ألسنة العوام من أن: صلح المنكِر إثبات لحقّ الطالب.
وقال ابن رشد فِي أول سماع ابن القاسم من كتاب العتق: وللتحرز من الخلاف يكتب فِي كتب الاصطلاحات أي فِي رسوم الصلح، وأسقط عنه الاسترعاء والاسترعاء فِي الاسترعاء، ومن الكُتّاب من يزيد ما تكرر وتناهى ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو: أن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
يشهد قبل الصلح فِي السر أنّه إنما يصالحه لوجه كذا، فهو غير ملتزم للصلح، والاسترعاء فِي الاسترعاء هو أن يشهد أنّه لا يلتزم الصلح، وأنّه متى صالح وأشهد عَلَى نفسه فِي كتاب الصلح أنّه أسقط عنه الاسترعاء فِي السر، فإنه لا يلتزم ذلك ولا يسقط عنه القيام به، فلا تتصور فِي ذلك منزلة ثالثة، وهذا الاسترعاء فِي السرّ إنما ينفع عند من يراه نافعًا فِيمَا خرج عَلَى غير عوض، وأما ما خرج عَلَى عوض من العقود كلّها فلا اختلاف أن الاسترعاء فِيهِ غير نافع (١).
فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ فَائْتِ بِهِ، فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ. وعَنْ إِرْثِ زَوْجَةٍ مِنْ عَرْضٍ ووَرِقٍ وذَهَبٍ بِذَهَبٍ مِنَ التَّرِكَةِ قَدْرَ مَوْرِثِهَا مِنْهُ فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. إِنْ قَلَّتِ الدَّرَاهِمُ. لا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقًا إِلا بِعَرْضٍ إِنْ عَرَفَ جَمِيعَهَا وحَضَرَ، وأَقَرَّ الْمَدِينُ وحَضَرَ، وعَنْ دَرَاهِمَ وعَرْضٍ تُرِكَا بِذَهَبٍ كَبَيْعٍ وصَرْفٍ، وإِنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعِهِ، وعَنِ الْعَمْدِ بِمَا قَلَّ وكَثُرَ لا غَرَرٍ كَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ ولِذِي دَيْنٍ مَنْعُهُ مِنْهُ.
قوله: (فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ) أي فقال له المطلوب: حقك حق فات بالصك فامحه وخذ حقك فقال: قد ضاع وأنا أصالحك ففعل، ثُمَّ وجد ذكر الحقّ فلا رجوع له باتفاق.
وإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ.
قوله: (وَإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ) هذه الثلاث من النظائر السبع التي يرجع فِيهَا [٨٧ / أ] لأرش العوض فِي الردّ بالعيب والاستحقاق والشفعة، وقد كنّا جمعناها فِي بيتٍ وهو:
صُلْحَانِ عِتْقَانِ وبُضْعَانِ مَعًا عُمْرَى بِأَرْشِ عِوَضٍ بِهِ ارْجِعَا
فالبيت مشتملٌ عَلَى إحدى وعشرين مسألة من ضرب ثلاثة فِي سبعة.
وإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ. وإِنْ صَالَحَ مَقْطُوعٌ، ثُمَّ نُزِيَ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ لا لَهُ رَدُّهُ، والْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ كَأَخْذِهِمُ الدِّيَّةَ فِي الْخَطَإِ، وإِنْ وَجَبَ لِمَرِيضٍ عَلَى رَجُلٍ جَرْحٌ عَمْدًا فَصَالَحَ فِي مَرَضِهِ بِأَرْشِهِ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ ولَزِمَ، وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لا مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلانِ. وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٤/ ٣٩٥، ٣٩٦، إلا أنها ثاني مسألة على ما وقفت عليه.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
وَلِيَّيْنِ، فَلِلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وسَقَطَ الْقَتْلُ كَدَعْوَاكَ صُلْحَهُ فَأَنْكَرَ، وإِنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإٍ بِمَالِهِ لَزِمَهُ، وهَلْ مُطْلَقًا أَوْ مَا دَفَعَ؟ تَأْوِيلانِ، لا إِنْ ثَبَتَ، وجَهِلَ لُزُومَهُ، وحَلَفَ، ورُدَّ، إِنْ طُولِبَ بِهِ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ طَلَبَهُ ووُجِدَ، وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ، وإِنْ عَنْ إِنْكَارٍ، فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ كَحَقٍّ لَهُمَا فِي كِتَابٍ.
قوله: (وَإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ) كذا فِي النسخ التي بين أيدينا وهو صحيح جار مع نصّ " المدونة " (١)، وفِي تعدد القاتلين أو القاطعين، وكذلك الجارحون، وأما العكس فروى يحيي عن ابن القاسم: من قتل رجلين عمدًا وثبت ذلك عَلَيْهِ فصالح أولياء أحدهما عَلَى الدية وعفوا عن دمه، وقام أولياء الآخر بالقود فلهم القود، فإن استقادوا بطل الصلح، ويرجع المال إلى ورثته؛ لأنه إنما صالحهم عَلَى النجاة.
أَوْ مُطْلَقٍ إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ) كأنه يعني ففي وجه استثنائه تَرَدُّدٌ.
إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ (٢) الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى.
قوله: (إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ فِي الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى) المبالغة راجعة لمحذوف تقديره: فلا يدخل معه صاحبه، وإن لَمْ يكن بيد المطلوب غير ما اقتضى منه الذي شخص.
أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ، وفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا، وكُتِبَ فِي كِتَابٍ قَوْلانِ، ولا رُجُوعَ، إِنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وإِنْ هَلَكَ.
قوله: (أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ) منصوب عطفًا عَلَى إن يشخص.
_________________
(١) قال في المدونة: (.. الجراح إذا اجتمعت على رجال شتى، أيكون له أن يصالح من شاء، ويقتص ممن شاء ويعفو عمن شاء؟ قال: نعم مثل قول مالك في القتل. قلت أرأيت إن اجتمع على قطع يدي رجال قطعوها عمدًا أيكون لي أن أصالح من شئت منهم في قول مالك وأقطع من شئت وأعفو عمن شئت؟ قال: قال مالك في القتل: للأولياء أن يصالحوا من شاؤا ويعفوا عمن شاؤا ويقتلوا من شاؤا، وكذلك الجراحات عندي مثل القتل) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٣٧٢.
(٢) في أصل المختصر والمطبوعة: (أو في).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ [٥٨ / أ] مِنْ [خَمْسِيه] (١) فَلِلآخَرِ إِسْلامُهَا، أَوْ أَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، ويَرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وأَرْبَعِينَ، ويَأْخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً، وإِنْ صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلِكٍ لَمْ يَجُزْ إِلا بِدَرَاهِمَ، كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، أَوْ ذَهَبٍ كَذَلِكَ، وهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ، وإِنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوَضِّحَتَيْ عَمْدٍ وخَطَإٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّقْصِ وبِدِيَةِ الْمُوَضِّحَةِ، وهَلْ كَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وَإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِيه) بحذف نون خمسين للإضافة أي من الخمسين الواجبة له من المائة.
تذييل:
قال ابن عرفة: الصلح من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعيّن مصلحته، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته كما مرّ فِي النكاح للخمي وغيره. قال ابن رشد: لا بأس بندب القاضي الخصمين إليه ما لَمْ يتبين له الحقّ لأحدهما؛ لقول عمر لأبي موسى: " واحرص عَلَى الصلح ما لَمْ يتبين لك فصل القضاء " (٢)، وقيل فِي بعض المذاكرات: لا بأس به بعد التبيين إن كَانَ لرفقٍ بالضعيف منهما كالندب لصدقة عَلَيْهِ، وردّ بأنه يوهم الحق عَلَى من له الحقّ أو سقوطه له، بِخِلاف الصدقة. ابن رشد إن أباه أحدهما فلا يلحّ عَلَيْهِ إلحاحًا يوهم الإلزام. ابن عرفة: وقد نقل عن بعض القضاة بأطرابلس جبره عَلَيْهِ فعزل. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) في أصل المختصر: (خمسين) وفي المطبوعة: (خمسينه). واعتمدنا ما عند المؤلف، فانظره.، وانظر: تعقيب الخرشي على ثبوت النون وحذفها، حيث اعتمد ثبوتها، وقال: (أُثْبِتَتْ نُونُهُ خَوْفَ الْتِبَاسِهِ بِخُمُسَيْهِ تَثْنِيَةُ خُمُسٍ فَيَكُونُ بِضَمِّ الْخَاءِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ يُقَالُ إنَّ إثْبَاتَ النُّونِ لَا يَنْفِي ذَلِكَ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَثْنِيَةُ مَا ذُكِرَ مَعَ ثُبُوتِ النُّونِ الَّتِي تُحْذَفُ لِلْإِضَافَةِ).
(٢) لم أقف على هذا الأثر، ونقله بعض الشراح عن المقدمات لابن رشد حيث قال ابن رشد: (. . .قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا واحْرِصْ عَلَى الصُّلْحِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك فَصْلُ الْقَضَاءِ.) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ١٥٧، قلت: وأخرج البيهقي في سننه: (قال عمر: ﵁ ثم ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن) انظر: سنن البيهقي برقم (١١١٤٢) كتاب الصلح، باب ما جاء في التحلل وما يحتج به من أجاز الصلح على الإنكار.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
[باب الحوالة]
شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ والْمُحَالِ فَقَطْ، وثُبُوتُ دَيْنٍ لازِمٍ فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وشَرَطَ الْبَرَاءَةَ صَحَّ، وهَلْ إِلا أَنْ يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تَأْوِيلانِ، وصِيغَتُهَا.
قوله: (شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ والْمُحَالِ فَقَطْ) اتبع ابن شاس وابن الحاجب فِي كون رضاهما شرطًا لا شطرًا (١) وقد قال ابن عرفة: المذهب توقف الحوالة عَلَى رضى المحيل والمحال، وصرح ابن شاس وابن الحاجب بأنهما من شروطهما، ولَمْ يعدهما اللخمي وابن رشد (٢) منها، وهو الأحسن، والأَظْهَر أنهما جزآن منها؛ لأنهما كلما وجدا وجدت.
وحُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ وإِنْ كِتَابَةً، لا عَلَيْهِ، وتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وصِفَةً، وفِي تَحَوُّلِهِ عَلَى الأَدْنَى تَرَدُّدٌ، وأَنْ لا يَكُونَا طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ.
[قوله: (لا عَلَيْهِ) أي: لا يشترط حلول الدين المحال عَلَيْهِ كَانَ كتابة أو غيرها] (٣).
لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، ويَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ، إِلا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلاسِهِ فَقَطْ، وحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، إِنْ ظُنَّ بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوِ اسْتُحِقَّ، لَمْ تَنْفَسِخْ، واخْتِيرَ خِلافُهُ، والْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ، إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ، لا فِي دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفًا.
قوله: (لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) كذا عند المازري؛ فإنه ذكر أن شرط بيع الدين علم حال ذمة المدين، وإِلا كَانَ غررًا قال: وبِخِلاف الحوالة؛ لأنها معروف، فاغتفر فِيهَا الغرر ونحوه قول اللخمي: أجاز مالك الحوالة مع جهل ذمة المحال عَلَيْهِ. وأما ابن يونس فقال: الحوالة بيع دين بدين، أجيزت رخصة، وشراء الدين لا يجوز حَتَّى يعرف ملاء الغريم من عدمه.
_________________
(١) قال ابن شاس: (شرائطها رضى المستحق للدين والمستحق عليه، وهما المحيل والمحال) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨١٠، وقال ابن الحاجب: (نقل الدين إلى ذمة تبرأ بها الأولى وله شروط منها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٩٠.
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٨٨.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
[ ٢ / ٧٥٧ ]
[ابن عرفة: ولازم هذا الكلام أن الحوالة لا تجوز حَتَّى يُعرف ملاء الغريم من عدمه] (١)، وهو خلاف نقل المازري واللخمي، فتأمله. انتهى، وذكر المتيطي من شروط الحوالة كونها بمحضر المحال عَلَيْهِ، ولو جهل عسره ويسره، وزاد بن فتوح وإقراره بالدين، وقبلهما ابن عرفة. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
[باب الضمان]
الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ، وصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ كَمُكَاتِبٍ، ومَأْذُونٍ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا، وزَوْجَةٍ، ومَرِيضٍ بِثُلُثٍ، واتُّبِعَ ذُو الرِّقِّ إِنْ عَتَقَ، ولَيْسَ لِسَيِّدِهِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ، وعَنِ الْمَيِّتِ والْمُفْلِسِ.
قوله: (الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ) لَمْ يرتض ابن عرفة هذا التعريف، بل قال: الحمالة التزام دينٍ لا يسقطه، أو طلب من هو عَلَيْهِ لمن هو له، وقول ابن الحاجب تابعا لعبد الوهّاب: شغل ذمة أخرى بالحقّ (١). لا يتناولها؛ لأن شغل ذمةٍ أخرى إنما هو لازم لها لا نفسها؛ لأنها مكتسبة، والشغل حكم غير مكتسب كالملك مع البيع. فتأمله، وقول ابن عبد السلام: " إطلاق الحمالة عَلَى الطلب عرفًا إنما هو مجاز لا حقيقة. يردُّ بمنعه لظاهر إطلاقات " المدونة "، والأمهات والمتقدمين والرواة ". انتهى.
فالضمان فِي تعريف ابن عرفة منوع إلى التزام الدين وإلى التزام طلبه، والضمان عنده مكتسب والشغل لازمه كما أن البيع مكتسب والملك لازمه.
والضَّامِنِ، والْمُؤَجَّلِ حَالًا، إِنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ، وعَكْسُهُ.
قوله: (وعَكْسُهُ) هو أن يضمن الدين بعدما حلّ بشرط تأخيره لأجل قال فِي " المدونة ": وإن أخّره به بعد الأجل برهن أو حميل جَازَ؛ لأنه ملك قبض دينه مكانه فتأخيره به كابتداء سلف عَلَى [٨٧ / ب] حميل أو رهن، وإن لَمْ يحل الأجل وأخّره به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لَمْ يجز؛ لأنه سلف بنفع (٢). قال غيره: ولا يلزم (٣) الحميل شيء، ولا يكون الرهن به رهنًا وإن قبض فِي فلس الغريم أو موته.
إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ.
قوله: (إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ) يعني أن صحة الضمان فِي العكس المذكور مشروطة بأحد الشرطين: إما أن يكون الغريم الذي هو المدين موسرًا بحيث
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩١.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٣٠.
(٣) في: (ن ١)، و(ن ٣): (يلزم في).
[ ٢ / ٧٥٩ ]
يكون طالبه الذي أخره كمبتديء سلف بشرط حميل، وإليه أشار بقوله: (إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ)، وإما أن يكون المدين المذكور معسرًا أو لَمْ تجر عادة فِي مثله؛ بأن يحدث له يسر فِي أثناء الأجل الذي أخّره إليه، وإليه أشار بقوله: (أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ) وذلك أن من له دين حالٌ عَلَى معسر، فأخّره به إلى أجل ما فلا يخلو أن يكون الغالب عَلَيْهِ أنّه يوسر عند حلول ذلك الأجل أو بعده أو قبله.
فأما القسمان الأولان فلا يختلف المذهب فِي جوازهما؛ لأن تأخير الغريم المعسر فِي هذا الأجل واجب فليس الطالب بمُسَلِّفٍ حقيقة ولا حكمًا.
وأما القسم الثالث فمنعه ابن القاسم لاستلزامه سلفًا جرّ منفعة، وذلك أن هذا الغريم المعسر إِذَا كَانَ ينقضي عسره فِي الغالب بانقضاء شهرين مثلًا كبعض أصحاب الغلات، فإذا أخّره الطالب إلى أربعة أشهر فقد سلف الطالب غريمه إذ أخره الشهرين الأخيرين اللذين لا يجب عَلَيْهِ أن يؤخره فيهما؛ لأن من أخر ما وجب له يعدّ مسلفًا عَلَى المذهب (١)، وانتفع هذا المسلف بالحميل الذي أخذه من غريمه بهذا الدين فِي الشهرين السابقين وفِي الشهرين الأخيرين، وأجاز هذا أشهب؛ لأن يسار المديان بعد عسره متوهم لا ينبغي أن تتغيّر الأحكام بسببه.
وأصل هذا ما تقدم من نصّ " المدونة " فيمن له دين عَلَى رجلٍ إلى أجلٍ لَمْ يحل فأخره إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لَمْ يجز لأنه سلف بنفع (٢). هذا تقرير ابن عبد السلام وأصله للخمي.
وبِالْمُوسِرِ أَوِ الْمُعْسِرِ، لا الْجَمِيعِ.
قوله: (وبِالْمُوسِرِ أَوِ الْمُعْسِرِ، لا الْجَمِيعِ) عطف عَلَى (من أهل التبرع) أي: [وصح الضمان من أهل التبرع] (٣) وعن الميت وبالموسر، فـ (من)، و(عن)، و(الباء) متعلقات
_________________
(١) في (ن ١): (المشهور من المذهب).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٣٠.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
بـ (صحّ)، ومراده الموسر به والمعسر به، فحذف الباء، واستكنّ الضمير فِي اسم المفعول، ويحتمل أن تتعلّق هذه الحروف بضمير الضمان المستتر فِي (صحّ) عَلَى قول من يرى ذلك من النحاة، وهو خلاف ما جزم به ابن مالك فِي " الكافية " إذ قال:
وأهمل المضمر والمحدود ومصدر فارقه التوحيد
ويعني: أن المديان إِذَا كَانَ موسرًا ببعض الدين، ومعسرًا ببعضه كالنصف مثلًا فإنه يجوز أن يعطيه ضامنًا بأحدهما خاصة، كما لو قضاه النصف الذي هو به موسر، وأعطاه حميلًا بالنصف [الذي] (١) هو به معسر، إذ لا مانع من ذلك، وكذلك لو أخرّه بنصف الدين، وأعطاه بهذا النصف الذي أخره به حميلًا، وأبقى النصف الثاني عَلَى الحلول لجاز ذلك؛ لأنه يعود الأمر فِيهِ إلى الصورة التي قبله؛ لأن له طلب ذلك النصف الذي لَمْ يؤخره به والفرض أنّه موسر به.
وأما لو أخّره بالجميع عَلَى أن أعطاه حميلًا بالجميع أَيْضًا ما جَازَ ذلك؛ لأنه سلفٌ جرّ منفعة، ألا ترى أنّه مسلف للنصف الذي الغريم به موسر لتأخيره إياه عَلَى حميل به، وبالنصف الثاني، وذلك نفع فِي النصف الذي هو به معسر (٢)، وأصل هذا للخمي وابن رشد، وهكذا قرره ابن عبد السلام، إِلا أنّه جعل فِي منع ضمان الجميع نظرًا إِذَا فرضنا أن حاله فِي العسر لا تنتقل إلى اليسر فِي ذلك الأجل قال: لأنه لو كَانَ موسرًا بالجميع لجازت المسألة ولو كَانَ معسرًا لا يقدر عَلَى قضاء شيء من دينه لجازت المسألة أَيْضًا.
وأما إن كَانَ ينتقل إلى اليسر قبل انقضاء الأجل فلا شكّ فِي المنع عَلَى أصل ابن القاسم فِي المسألة السابقة. قال ابن عرفة: لا يخفى عَلَى منصفٍ سقوط احتجاجه عَلَى ما زعمه من النظر؛ لأنه إِذَا كَانَ معسرًا بالجميع فلا عوض عن الحمالة بوجه، وإِذَا كَانَ موسرًا بالبعض فالعوض عنها موجود وهو تأخيره بالبعض الذي هو به موسر، فيدخله ضمان بجعل وسلف جر منفعة، حسبما قرره غير واحد. انتهى، واعتراضه عَلَيْهِ بيّن. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
(٢) في (ن ٣): (موسر).
[ ٢ / ٧٦١ ]
بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ، ودَايِنْ فُلانًا، ولَزِمَ فِيمَا ثَبَتَ وهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأْوِيلانِ ولَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وأَنَا ضَامِنٌ بِهِ، إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ.
قوله: (بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ) الأَظْهَر فِي باء (بدين) السببية والعامل فِيهَا صحّ أو فاعله؛ عَلَى ما تقدم فِي قوله: (وبالموسر).
فإن قلت: لو قال بدينٍ لازمٍ أو آيل كجعل لا كتابة؛ لكان أحسن.
قلت: بل ترتيبه أحسن؛ لعطفه دائن عَلَى كجعل إذ هما معًا آيلان، واقتضى حسن الإلقاء أن لا يقدمهما لطول التفريع فِي الثانية منهما، وفِي بعض النسخ: (لا كتابة، بل بمعجّل كجعل)، والمعنى عَلَى هذا: لا يجوز الضمان بكتابة بل إنما يجوز بعوض عتق معجّل (١) كما يجوز بالجعل، فهو كقوله فِي " المدونة ": ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب، وأما من عجّل عتق عبده عَلَى مال جازت الكفالة بذلك، وكذلك من قال لرجلٍ: عجّل عتق مكاتبك وأنا بما فِي كتابته كفيل، جَازَ وله الرجوع بذلك عَلَى المكاتب (٢).
وأما الجعل فلم يوقف فِي عينه عَلَى رواية فِي " المدونة " [٨٨ / أ] ولا غيرها، ولكن نصّ المازري عَلَى جواز الضمان فِيهِ، ولله درّ المصنف حيث لَمْ يزر به نقل ابن شاس وأتباعه فِي ذلك؛ وذلك أن ابن شاس قال: لا يجوز ضمان الجعل إِلا بعد العمل، وتبعه ابن الحاجب (٣)، وقرره ابن راشد القفصي، وكذلك ابن عبد السلام قائلًا: لأن الجعالة قبل العمل ليست بعقدٍ منبرم فأشبهت الكتابة.
ولم يقنع حَتَّى زاد فِي جواز الحمالة بما بعد العمل نظر؛ لأن الخيار للعامل بعد العمل فقال فِي " التوضيح ": فِي هذا نظر أما أولا فإنه وإن لَمْ يكن دينًا لازمًا فِي الحال فسيلزم فهو آيل إلى اللازم، وأما ثانيًا فهو خلاف قول المازري: " ومن الحقوق المالية ما ليس بعقدٍ
_________________
(١) في (ن ٣): (مؤجل).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٩، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٧٠، ٢٧١.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨١٥. وقال ابن الحاجب: (ولا يصح بالكتابة ولا بالجعل قبل العمل) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٩٢.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
لازم كالجعل عَلَى مذهب من يرى أنّه لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير، فهذا تصحّ الحمالة به أَيْضًا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم ما تحمّل به، وإن لَمْ يأت به سقطت الحمالة ". انتهى (١).
وأما ابن عرفة فلم يذكر كلام المازري، ولكن قال: قول ابن شاس وابن الحاجب: لا يجوز ضمان الجعل إِلا بعد العمل، لا أعرفه لغيرهما وفِيهِ نظر، ومقتضى المذهب عندي الجواز لقول " المدونة " مع غيرها بصحة ضمان ما هو محتمل الثبوت استقبالًا، وتوجيه ابن عبد السلام نقل ابن الحاجب بقوله: لأن الجعالة قبل العمل ليست بعقد منبرم، فأشبهت الكتابة، يردّ بأن حمالة الكتابة تؤدي إلى الغرم مجانًا حسبما تقدم؛ لأنها ليست دينًا ثابتًا، والجعل مهما غرمه الحميل رجع به؛ لأنه بعد تقرره دين ثابت.
وفِي " وجيز " الغزالي فِي ضمان الجعل فِي الجعالة وجهان (٢).
وإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، أوَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ رِفْقًا لا عَنَتًا فَيُرَدُّ كَشِرَائِهِ.
قوله: (وإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، أوَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ) هذه ثلاثة من أركان الضمان:
الأول: المال المضمون، وإليه أشار بقوله: (وإن جهل) قال فِيهِ ابن عرفة: جهل قدر المتحمل به غير مانعٍ اتفاقًا.
الثاني: الشخص المضمون له، وإليه أشار بقوله: (أو من له) قال فِيهِ ابن عرفة المتحمل [له من ثبت حقه عَلَى المتحمل عنه] (٣) ولو جهل؛ ولذا قال المازري: من ضمن دين ميّت لزمه ما طرأ عَلَيْهِ من دين غريم لَمْ يعلم به.
الثالث: الشخص المضمون عنه، وإليه أشار بقوله: (أو بغير إذنه) فهو كقول ابن الحاجب: المضمون عنه لا يشترط رضاه، إذ يجوز أن يؤدي بغير إذنه (٤). واحتج له ابن
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٣٧.
(٢) انظر: شرح الوجيز، للرافعي: ١٠/ ٣٦٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩١.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
عبد السلام بإقرار سيدنا رسول الله - ﷺ - ضمان من ضمن الميت حسبما خرّج البخاري (١)، وحصول الرضى من الميّت محال. قال ابن عرفة: نصوص " المدونة " مع غيرها بصحة الحمالة دون رضى المتحمل عنه واضحة منها قولها: من تكفّل عن صبيٍ بحق قضي به عَلَيْهِ، فأداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع به فِي مال الصبي (٢).
المتيطي وابن فتوح: من العلّماء من قال: لا تلزم الحمالة الذي عَلَيْهِ الحقّ إِلا بأمره؛ ولذا كتب كثير من الموثقين تحمل عن فلان بأمره. انتهى.
فإن قلت: ضمير الغائب لا يعود عَلَى الأبعد إِلا بدليل، فما الدليل عَلَى عود الضمير من قوله: (أو بغير إذنه) عَلَى غير ما يليه؟
قلت: دليله قوله: بعده (كأدائه)، والذكي يفهم بالإشارة.
وهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأْوِيلانِ، لا إِنِ ادُّعِيَ عَلَى غَائِبٍ فَضَمِنَ ثُمَّ أَنْكَرَ، أَوْ قَالَ لِمُدَّعٍ عَلَى مُنْكِرٍ إِنْ لَمْ آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وهَلْ بِإِقْرَارِهِ؟ تَأْوِيلانِ كَقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِكَ غَدًا فَالَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ، ورَجَعَ بِمَا أَدَّى ولَوْ مُقَوَّمًا، إِنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ، وجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (وهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأْوِيلانِ) إنما وقفت عَلَى هذا الترجيح لابن يونس وعنه نقل فِي " التوضيح " (٣)، فإن لَمْ يقله ابن رشد فصوابه وهو الأَرْجَح.
ورَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ. وإِنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ [٥٨ / ب] لا عَكْسُهُ. وعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ، ورَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ أَوِ الْغَرِيمِ إِنْ تَرَكَهُ، ولا يُطَالَبُ، إِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ.
_________________
(١) نص الحديث كما رواه البخاري برقم: (٢١٦٨) ٢/ ٧٩٩، كتاب الحوالات، باب إن أحال دين الميت على رجل جاز: (عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ". . . ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها. قال: " هل ترك شيئا " قالوا: لا. قال: " فهل عليه دين " قالوا: ثلاثة دنانير. قال: " صلوا على صاحبكم " قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله، وعليّ دينه، فصلى عليه ".
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٦، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٥٥.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٧٤.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
قوله: (وَرَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ) الوجه فِي مثل هذا أن يعطف بالواو؛ لأنه لا يغني متبوعه، والمعنى: ورجع الضامن عَلَى الغريم بأقلّ الأمرين من الدين ومن قيمة ما دفع فِي الصلح إِذَا كَانَ المدفوع من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال، وكذا بيّنه ابن عبد السلام، فالضمير فِي (منه) يعود عَلَى الدين كما عاد عَلَيْهِ الضمير المجرور بعن فِي قوله: (وجَازَ صلحه عنه)، والضمير فِي (قيمته) يعود عَلَى لفظ: ما من قوله: (بما جَازَ للغريم) وهي واقعة عَلَى المصالح به، وهذا من رقيق اللف والنشر المرتب وذهن السامع النحرير كفيل بتمييزه وفِي الإشارة ما يغني عن الكلم.
والْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ وتَقْدِيمِهِ، أَوْ إِنْ مَاتَ.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ وتَقْدِيمِهِ، وْ إِنْ مَاتَ) هكذا ذكر فِي " التوضيح " هذه الفروع الأربعة وقال: إنها مرتبة عَلَى المشهور يعني ألا يغرم الحميل إِلا فِي عدم الغريم أو غيبته. أما الفرعان الأولان فتصورهما ظاهر، وأما الثالث فالمراد بتقديم الحميل التبدية به.
قال المازري: إن شرط الغريم التبدية بالحميل فإن كَانَ فِي اشتراطه منفعة لكونه أملأ أو أسمح قضاءً وجب الوفاء بشرطه، وإن لَمْ تظهر المنفعة جرى عَلَى الخلاف فِي الوفاء بما لا يفيد. زاد فِي " التوضيح " وَعمم فِي البيان الخلاف سواءً ظهر للشرط فائدة أم لا (١).
وأما الرابع فأشار به إلى قوله فِي " المدونة ": وإن قال إن لَمْ يوفك حقك حَتَّى يموت [فهو عليّ، فلا شيء عَلَى الكفيل حَتَّى يموت الغريم (٢). قال ابن يونس: يريد يموت] (٣) عديمًا. اللخمي: " وإن شرط الحميل أن لا يؤدي إِلا أن يموت هو أو يموت المكفول جَازَ، ولم يؤخذ بغير ما شرط ". [٨٨ / ب] انتهى.
وقد علمت أن المشترط فِي الرابع هو الحميل، وأن المشترط فِي الفرعين قبله هو ربّ
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٠٦.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٣٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٥٧.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
الحق، عَلَى أنّه فِي " التوضيح " لَمْ يذكر اشتراط تعليق الغرم بالموت خصوصًا، ولكن قال: الرابع لو شرط الحميل أن لا يغرم إِلا بعد تعذر الوفاء من [المطلوب لَمْ يختلف فِي إعمال الشرط، وألحق المازري بذلك ما إِذَا كانت العادة عدم مطالبة الضامن إِلا بعد تعذر الوفاء من] (١) المديان. انتهى (٢).
يعني أن قول مالك الأول بالتخيير ينتفي مع الشرط أو العرف المذكورين، وعزا هذا ابن عبد السلام لبعض كبار الشيوخ وهو المازري. والله تعالى أعلم.
كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ، أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ، ولَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ، لا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ، وضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ لا أُرْسِلَ بِهِ، ولَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ، الْمُعْسِرَ، أَوِ الْمُوسِرَ، إِنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، إِنْ حَلَفَ أنّه لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا.
قوله: (كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ، أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ) (التصديق) مفعول بشرط، وهو راجع لهما أي كشرط ضامن الوجه التصديق فِي إحضار المديان، وشرط رب الدين التصديق فِي عدم إحضاره، وأشار بهذا إلى قول المتيطي: وإِذَا اشترط ضامن الوجه أنّه مصدق فِي إحضار وجهه دون يمين تلزمه كَانَ له شرطه وإن انعقد فِي وثيقة الضمان تصديق المضمون له [فِي إحضار] (٣) وجهه إن ادعى الضامن أنّه قد أحضره دون يمين تلزمه (٤) فهو من الحزم للمضمون له وتسقط عنه اليمين إن ادعى الضامن عَلَيْهِ إحضاره.
وإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ أنّه لَمْ يُسْقِطْ ولَزِمَهُ، وتَأَخَّرَ غَرِيمُهُ بِتَأْخِيرِهِ، إِلا أَنْ يَحْلِفَ وبَطَلَ، إِنْ فَسَدَ مُتَحَمِّلٌ بِهِ.
قوله: (وإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ أنّه لَمْ يُسْقِطْ ولَزِمَهُ) أي: وإن أنكر الضامن حلف الطالب أنّه لَمْ يسقط الحمالة ولزم الضمان الضامن ويبقى الحقّ حالًا، وقد فهمت صدر المسألة.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٠٧.
(٣) زاد في (ن ٤): (في عدم إحضار) واستدركت فوق السطر.
(٤) زاد في (ن ١): كان له شرطه وإن انعقد في وثيقة الضمان تصديق المضمون له في إحضار وجهه إن ادعى الضامن أنه قد أحضره دون يمين تلزمه.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أَوْ فَسَدَتْ كَبِجُعْلٍ [وإن] (١) مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ كَمَدِينِهِ، وإِنْ ضَمَانَ مَضْمُونِهِ، إِلا فِي اشْتِرَاءِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْعِهِ، كَقَرْضِهِمَا عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ اتُّبِعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ، إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.
قوله: (أَوْ فَسَدَتْ (٢) كَبِجُعْلٍ (٣) وإن مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ كَمَدِينِهِ) كذا فِي كثيرٍ من النسخ (غير) بالغين المعجمة والياء والراء و(كمدينه) بكاف التشبيه، فهو كقوله فِي " توضيحه ": لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلًا سواءً كَانَ من ربّ الدين أو المدين أو غيرهما (٤). وفِي بعض النسخ: وإن من عند ربه لمدينه. بلفظ: عند، بالعين المهملة والنون والدال، ولمدينه باللام، وصوابه عَلَى هذا أن يقول: لا من عند ربه لمدينه، بلا النافية؛ حَتَّى يكون مطابقًا لقوله فِي " توضيحه ": اختلف إِذَا كَانَ ربّ الدين أعطى المديان شيئًا عَلَى أن أعطاه حميلًا، فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب فِي " العُتْبِيَّة ": لا يصحّ. وعنه أَيْضًا أنّه كرهه. وقال اللخمي وغيره: الجواز أبين (٥).
كَتَرَتُّبِهِمْ.
قوله: (كَتَرَتُّبِهِمْ) كأنه يشير به لقوله فِي " المدونة ": ومن أخذ من غريمه كفيلًا بعد كفيل فله فِي عدم الغريم أن يأخذ بجميع حقّه أيُّ الكفيلين شاء، بِخِلاف كفيلين فِي صفقة لا يشترط حمالة بعضهم ببعض، وليس أخذ الحميل الثاني إبراءًا للأول؛ ولكن كلّ واحد منهما حميل بالجميع (٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر، والمطبوعة.
(٢) في (ن ١): (فسرت من).
(٣) في (ن ١): (كجعل)، وفي (ن ٣): (كبجعل).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٥٩٥.
(٥) نقل الحطاب ﵀ كلام المؤلف هنا مستصوبًا له ومقررًا، وبين وجه الفساد فيما لم يعتمده. انظر: مواهب الجليل: ٥/ ١١١، وانظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٥٩٦، ٥٩٧.
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٥، وتأمل ما به من تصحيف.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ورَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِي، ثُمَّ سَاوَاهُ.
قوله: (وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي [بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى] (١) عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِيّ، ثُمَّ سَاوَاهُ) (بِكُلِّ) بدل من (بغير) بدل بعض من كل، والعامل فيهما (رجع)، و(الْمُلْقِيّ) بكسر القاف وتشديد الياء اسم مفعول من الثلاثي.
فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتِّمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثُمَّ إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ.
قوله: (فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ) فِي بعض النسخ بالفاء، وفِي بعضها بالكاف، وكلاهما صحيح.
فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وبِخَمْسَةٍ وسَبْعِينَ فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ وبِمِثْلِهَا، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ونِصْفٍ وبِسِتَّةٍ ورُبُعٍ.
قوله: (فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وبِخَمْسَةٍ وسَبْعِينَ). عياض: اختلفوا إِذَا لقي الثاني من الستة الثالثة فِي مسألة الكتاب، فإنه قال: يأخذه بخمسين، وهي التي قضاها عنه خاصة من الدين الذي عَلَيْهِ، ويرجع عَلَيْهِ بخمسة وسبعين نصف ما أدى بالحمالة وهي مائة وخمسون، فجميع ذلك مائة وخمسة وعشرون، وعَلَى هذا النحو [حسب] (٢) الفقهاء كلهم المسألة، وصوروا التراجع بينهم إلى تمامها.
وذهب أبو القاسم الطنيزي الفارض إلى أن هذا العمل - عَلَى هذا - غلط فِي الحساب، وأن صورة التراجع من الثاني مع الثالث يجب أن يكون عَلَى غير هذا العمل، بل يجب إِذَا التقى الثالث مع أحد الأولين وطلبه بالاعتدال معه أن يقول له الثالث نحن الثلاثة كأنّا اجتمعنا معًا باجتماع بعضنا ببعض، ولو اجتمعنا معًا لكان المال علينا أثلاثًا مائتان عَلَى كلّ واحد، مائتان غرمتهما أنت وصاحبك عني فخذ واحدة أنت التي تجب لك، وسأدفع إلى صاحبك المائة التي دفع عني إِذَا لقيته فتستوي فِي الغرم كل واحد مائتين كما لو اجتمعنا فِي دفعة واحدة، وهكذا إِذَا لقي الثالث الرابع وكذا فِي بقية المسألة فانظرها فِي " معاملة " الطنيزي.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ابن عرفة: قبل عياض وغيره قول الطنيزي؛ وهو غلط فِي الفقه؛ لأن مآله عدم غرم الثالث بالحمالة؛ لأن جملة ما غرمه عَلَى قوله فِي لقائه بالثاني مائة وهي الواجبة عَلَيْهِ [فِيمَا عَلَيْهِ] (١) بالشراء، واستواؤها فِي التزام الحمالة يوجب استواؤهما فِي الغرم لها، واستواؤهما فِيهِ يوجب رجوع الثاني عَلَى الثالث بما قاله الفقهاء.
وهَلْ لا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لا وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ. وصَحَّ بِالْوَجْهِ، ولِلزَّوْجِ، رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وإِنْ بِسِجْنٍ، أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، إِنْ أَمَرَهُ بِهِ، إِنْ حَلَّ الْحَقُّ، وبِغَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
قوله: (وهَلْ لا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لا وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ). كذا فِي كثير من النسخ [٨٩ / أ] وهو كلام معكوس، وفِي بعض النسخ: (وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ إِذَا كَانَ الْحَقُّ إلى آخره)، بإسقاط لفظ: (لا) ولفظ (أَيْضًا)؛ وهو الصواب المطابق لقول عياض. وفِي " التنبيهات " ما نصّه: " وأما إن كَانَ الحقّ عَلَى غيرهم وهم كفلاء فقط بعضهم ببعض، فها هنا اختلف إِذَا أخذ الحقّ من أحدهم، ثُمَّ لقي الآخر هل يقاسمه بالسواء فِي الغرم حَتَّى يعتدلا؟؛ إذ الحقّ عَلَى غيرهم، أو إنما يقاسمه بعد إسقاطه ما يخصّه من الحق كالمسألة الأولى؟
وإلى التسوية ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما قالوا: لأنهم سواء فِي الحمالة، وليس يخص أحدهم ما لا يخصّ غيره، وإلى المحاسبة ذهب كثير من مشايخ الأندلسيين ونحوه فِي كتاب محمد، وفِي سماع أبي زيد فِي " المستخرجة "، وجعلوا ما ينوب كلّ واحد من المال وهو مائة بالحمالة كما [لو] (٢) ثبت عَلَيْهِ من أصل دين كمسألة الستة فِي " المدونة ". انتهى.
فإن قلت: لعل المصنف أراد بالأكثر ابن لبابة والتونسي وغيرهما، وينعشه أنّه فِي " التنبيهات " نسب مقابله لكثيرٍ من مشايخ الأندلسيين لا لأكثر المشايخ عَلَى الجملة؟
قلت: هذا بعيد جدًا، ومما يوضح بُعده أنّ ابن رشد فِي " المقدمات " ما ذكر مع
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ن ١)، و(ن ٣): (له).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
التونسي غيره، وصوّب ما فِي " المَوَّازِيَّة " وسماع أبي زيد (١)، وقال: هو الذي يأتي عَلَى ما فِي " المدونة " فِي مسألة الستة كفلاء (٢).
وبِغَيْرِ بَلَدِهِ، إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ ولَوْ عَدِيمًا، وإِلا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ ولا يَسْقُطُ [الْغُرْمُ] (٣) بِإِحْضَارِهِ، إِنْ حُكِمَ.
قوله: (وبِغَيْرِ بَلَدِهِ، إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ) أشار به لقوله فِي " المدونة ": وكذلك إن دفعه (٤) إليه بموضعٍ فِيهِ حكم وسلطان، وإن لَمْ يكن ببلده فيبرأ (٥).
فرع:
لو شرط إحضاره ببلد فأحضره فِي غيره حيث تأخذه (٦) الأحكام ففي براءته قَوْلانِ، نقلهما ابن عبد الحكم. ابن عرفة: وفِي تخريج المازري لهما عَلَى شرط ما لا يفيد نظر، ولو خرب الموضع المشترط فِيهِ حضوره ففي براءته بإحضاره فِيهِ قَوْلانِ نقلهما ابن عبد الحكم أَيْضًا، والنظر الذي أشار إليه ابن عرفة سبقه إليه شيخه ابن عبد السلام؛ إذ ذكر أن هذا الشرط قد يكون مقيدًا كما إِذَا كَانَ البلد المشترط إحضاره فِيهِ هو موضع سكنى البينة، أو كَانَ الحقّ غير عين، وللطالب غرض فِي أخذه بمحل الاشتراط. انتهى.
فإن قلت: هل يجوز أن يعود الضمير من قول المصنف وبغير بلده عَلَى الاشتراط المفهوم من قوله قبله: (إن لَمْ يشترط)؟، ويكون أشار به إلى أحد القولين فِي مسألة ابن عبد الحكم وسكت عن مسألة " المدونة "؛ لأن البراءة فِيهَا أحرى.
_________________
(١) نصّ المسألة كما هي في سماع أبي زيد: (قال ابن القاسم في أربعة نفر، تحملوا لرجلٍ عن رجل بأربع مائة دنانير، وبعضهم حملًا عن بعض، فحل الأجل، وثلاثة منهم غيب، والرابع حاضر، فأغرمه صاحب الحق، مائتين، ثم جاء أحد الثلاثة الغيب، فقال: يغرم للذي أدى المائتين، ستة وستين دينارًا وثلثي دينار. قيل له: فإن لم يقدم أحد الغائبين الآخرين كيف يرجع عليه؟ قال: يغرم أربعة وأربعين دينارًا، أو أربعة اتساع الدينار، فيكون بين الذي غرم أولًا وبين الذي جاء الثاني نصفين سواء، اثنين وعشرين دينار وتُسعي دينار لكل واحد) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٣٦٧.
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٧٤.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
(٤) في (ن ٣): (دفع).
(٥) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٥.
(٦) في (ن ١): (تأخذ).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
قلت: لو صحّ تشهير القول بالبراءة فِي مسألة الاشتراط لبعد [هذا المحمل] (١) فما ظنّك به إن لَمْ يصحّ؟!
إِلا إِنْ ثَبَتَ (٢) عَدَمُهُ، أَوْ مَوْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ ولَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ.
قوله: (إِلا إِنْ ثَبَتَ عَدَمُهُ، أَوْ مَوْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ ولَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) (٣) يتمشي هذا الكلام عَلَى أن يكون من باب اللف والنشر المرتب، وتقديره: لا إن أثبت عدمه فِي غيبته أو موته ولو بغير بلده (٤). فأما إن أثبت عدمه فِي غيبته فقال اللخمي: لا يغرم، وعَلَيْهِ اقتصر هنا، بِخِلاف قوله فِي باب: التفليس: (فَغَرِمَ إنْ لَمْ يَأْتِ ولَوْ أَثْبَتَ عَدَمَهُ) فإنه اختار هناك قول ابن رشد فِي " المقدمات ": وإما إن أثبت موته فقال ابن القاسم فِي " المدونة ": وإِذَا مات الغريم بريء حميل الوجه؛ لأن النفس المكفولة قد ذهبت (٥).
وأشار بقوله: (ولو بغير بلده) إلى قول ابن القاسم فِي رسم سلف من سماع عيسى ما نصّه: " وإن مات بغير البلد الذي تحمّل فِيهِ قبل الأجل وكان المكان لو كَانَ حيًا لَمْ يأت به حَتَّى يمضي الأجل فهو ضامن له وكذلك لو مات بعد الأجلّ بغير البلد كَانَ ضامنًا له، طلبه أو لَمْ يطلبه؛ لأنه لو طلبه منه لَمْ يقدر عَلَى أن يأتيه (٦) به. قال ابن القاسم: وكلّما قلت لك من خلاف هذه المسألة فدعه وخذ بهذا، وإن مات بغير البلد قبل الأجل وكَانَ فِيمَا بقى من الأجل ما يأتي به فِيهِ فلا شيء عَلَيْهِ ". انتهى.
وصرّح ابن رشد بأن هذا خلاف ما له فِي " المدونة " (٧). قال ابن عبد السلام: وإنما لزم الكفيل الغرم فِي هذا القول؛ لأن تفريطه فِي الغريم حَتَّى خرج عن البلد كعجزه عن
_________________
(١) في (ن ٣)، ن ٥: (بهذا المحل).
(٢) في المطبوعة والأصل: (لا إن أثبت).
(٣) زاد في (ن ١): (فأما إن أثبت عدمه أو موته في غيبته ولو بغير بلده).
(٤) قلت: رحم الله المؤلف ما رآه صوابًا لائقًا بمحل المسألة هو المثبت في أكثر ما وقفنا عليه من النسخ، فتطويله في المسألة لبنائه على عبارة وقع بها بعض التصحيف.
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٤.
(٦) في (ن ٣): (يأتي).
(٧) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٣٢٠، ٣٢١.
[ ٢ / ٧٧١ ]
إحضاره (١) وهو حيّ؛ لأنه لو منعه من الخروج لحلّ الأجل عَلَيْهِ وهو بالبلد، فتمكن رب الدين من طلبه.
ورَجَعَ بِهِ، وبِالطَّلَبِ، وإِنْ فِي قِصَاصٍ كَأَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ، أَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ لا أَضْمَنُ إِلا وَجْهَهُ، وطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وحَلَفَ مَا قَصَّرَ.
قوله: (وَرَجَعَ بِهِ) أي بما أغرم قال فِي " المدونة ": ولو غرم الحميل ثُمَّ أثبت بينة أن الغريم قد مات فِي غيبته قبل القضاء رجع الحميل بما أدَّى عَلَى ربّ الدين؛ لأنه لو علم أنّه ميّت حين أخذ به الحميل لَمْ يكن عَلَيْهِ شيء، وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كَانَ حيًا (٢).
وغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وعُوقِبَ، وحُمِلَ فِي مُطْلَقِ أَنَا حَمِيلٌ، وزَعِيمٌ، وأَذِينٌ، وقَبِيلٌ، وعِنْدِي وإِلَيَّ وشِبْهِهِ عَلَى الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ والأَظْهَرِ، لا إِنِ اخْتَلَفَا.
قوله: (وَغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وعُوقِبَ) الذي فِي سماع حسين ابن عاصم من حمالة " العُتْبِيَّة ": " قلت لابن القاسم: فإن تبين أنّه [مُلَدٌّ] (٣) وأنّه لا يطلبه؟ قال: وكيف يختبر هذا إِلا أن تقوم بينة أنّه خرج، فأقام بقرية ثُمَّ رجع ولم يتوجه إلى المحمول عنه وما أشبه ذلك، فأرى للسلطان أن يعاقبه بالحبس فِي ذلك عَلَى قدر [٨٩ / ب] ما يرى، ويأمره بإحضار صاحبه إن قدر عَلَيْهِ، فأما ضمان المال فلا أراه عَلَيْهِ إِلا أن يكون لقيه فتركه أو غيّبه فِي بيته وأبى أن يظهره، فإذا ثبت ذلك ببينة رأيته ضامنًا ". (٤) انتهى.
وقد نسبه ابن عرفة لسماع أبي زيد، وإنما وجدته فِي سماع حسين بن عاصم. وعند اللخمي فيمن قوى دليل تهمته بمعرفة مكانه وله عن طلبه وإظهاره ولو أغرم المال لكان وجهًا، وذكر عن ابن القاسم فِي " المَوَّازِيَّة ": إن لَمْ يعرف موضعه لَمْ يسجن فِيهِ، إِلا أن يتهم بمعرفة موضعه فيسجن عَلَى قدر ما يرى السلطان ويرجوا به الرد عَلَى صاحبه.
_________________
(١) في الأصل، و(ن ٤): (الإتيان به).
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٥٤.
(٣) في (ن ٣): (ملك)، وفي البيان والتحصيل، لابن رشد: (ببلد).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٣٧٣، ٣٧٤.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
ولَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ ولا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ بِالدَّعْوَى، إِلا بِشَاهِدٍ، وإِنِ ادَّعَى بَيِّنَةً فَكَالسُّوقِ أَوْقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ.
قوله: (ولَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ) أشار به إلى قوله أول النصف الثاني من حمالة " المدونة ": وإن سأله وكيلًا بالخصومة حَتَّى يقيم البينة عند القاضي لَمْ يلزم المطلوب ذلك إِلا أن يشاء لأنا نسمع البينة فِي غيبة المطلوب (١). أبو الحسن الصغير: انظر هل [هو] (٢) الوكيل الذي يقوم مقامه وينوب عنه؛ لأن المطلوب قد يغيب أو معنى الوكيل الملازم الذي يحرسه ويلازمه، وأما الوكيل بمعنى النائب فعلى حدّ ما يخاف وأن يغيب المطلوب يخاف تغيّب الوكيل.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٣١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
[باب الشركة]
الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا.
قوله: (الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا) بهذا عرّفها ابن الحاجب (١) قال ابن عرفة: وقد قبلوه ويبطل طرده بقول من ملك شيئًا لغيره: أذنت لك فِي التصرف فِيهِ معي، وقول الآخر له مثل ذلك، وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لَمْ يضمنه الآخر، وهو لازم الشركة ونفي اللازم ينفي الملزوم ويبطل عكسه بخروج شركة الجبر كالورثة وشركة المبتايعين شيئًا بينهم، وقد ذكرهما (٢) إذ لا إذن فِي التصرف لهما؛ ولذا اختلف فِي كون تصرف أحدهما كغاصب أم لا.
ثم استدل بما فِي سماع ابن القاسم فِي ضرب أحد السيّدين العبد بغير إذن شريكه (٣) ونظائر ذلك، ثُمَّ قال: وحكمها الجواز كجزئيهما (٤) البيع والوكالة، وعروض وجوبها بعيد (٥) بِخِلاف عروض موجب حرمتها وكراهتها.
وإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ والتَّوَكُّلِ.
قوله: (وإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ والتَّوَكُّلِ) أصل هذا " للوجيز " وتبعه ابن شاس وابن الحاجب (٦) وقبله شراحه، فزاد ابن عرفة: أهلية البيع؛ لأن كلّ واحدٍ منهما
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٣.
(٢) في (ن ١): (ذكر لهما).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٨، ٩، ونص المسألة، في كتاب الشركة، من كتاب الرطب باليابس: (قال مالك في عبدٍ بين رجلين أراد أحدهما أن يضربه: إن ذلك ليس له إلا أن يأذن له شريكه فإن فعل ضمن ما أصابه في ذلك أن يكون ضربه ضربًا لا يعنت أحد في مثله أو في ذلك أدبه، فإن كان هذا لم يضمن، قال سحنون أراه ضامنًا ضربه ضربًا يعنت في مثله أو لا يعنت لو لم يضربه إلا ضربة واحدة لكان ضامنًا له لأنه ليس هو له دون شريكه، وهو بمنزلة الرجل يعدو على عبد الرجل فيضربه ضربًا لا يعنت في مثله فيموت منه أنه ضامن).
(٤) في (ن ٢)، (ن ٤): (كجزئيها).
(٥) في (ن ١): (وجوبهما بقيد).
(٦) قال ابن شاس: (ولا يشترط فيهما إلا أهلّية التوْكيل والتوكل) وقال ابن الحاجب: (العاقدان كالوكيل والموكل) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٩٣.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
بائع من صاحبه نصف ماله، ولا تستلزمها أهليّة الوكالة؛ لجواز توكيل الأعمى اتفاقًا وتوكله (١) مع [الخلاف في] (٢) صحة كونه بائعًا انتهى. فليتأمل.
ولَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا كَاشْتَرَكْنَا بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ إِنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا، وبِهِمَا مِنْهُمَا [٥٩ / أ]، وبِعَيْنٍ وبِعَرْضٍ، وبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا.
قوله: (ولَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا) يأتي الكلام إن شاء الله تعالى عَلَى لزومها عند قوله: (وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد).
وكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لا فَاتَ، إِنْ صَحَّتْ، إِنْ خَلَطَا ولَوْ حُكْمًا وإِلا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ، ومَا ابْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا.
قوله: (وكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لا فَاتَ، إِنْ صَحَّتْ) توهم هذه العبارة أن المعتبر فِي الفاسدة القيمة يوم الفوت، وعبارة ابن الحاجب أبين منها إذ قال: فلو وقعت فاسدة فرأس ماله ما بيع به عرضه (٣). وقال الصقليان عبد الحقّ وابن يونس: فإن لَمْ يعرفا ما بيعت به سلعتاهما فلكلّ واحدٍ قيمة عرضه يوم البيع، وحمله عَلَى هذا بعيد.
وعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ، وهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ. وَلَوْ غَابَ [نَقْدُ] (٤) أَحَدِهِمَا إِنْ لَمْ يَبِعْدُ ولَمْ يُتَّجَرْ لِحُضُورِهِ لا بِذَهَبٍ وبِوَرِقٍ، وبِطَعَامَيْنِ، ولَوِ اتَّفَقَا، ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ وإِنْ بِنَوْعٍ، فَمُفَاوَضَةٌ.
ولا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ، ولَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إِنِ اسْتَأْلَفَ بِهِ أَوْ خَفَّ، كَإِعَارَةِ آلَةٍ، ودَفْعِ كِسْرَةٍ، ويُبْضِعَ، ويُقَارِضَ ويُودِعَ لِعُذْرٍ، وإِلا ضَمِنَ، ويُشَارِكَ فِي مُعَيَّنٍ، ويُقِيلَ، ويُوَلِّيَ، ويَقْبَلَ الْمَعِيبَ وإِنْ أَبَى الآخَرُ، ويُقِرُّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، ويَبِيعَ بِالدَّيْنِ، لا الشِّرَاءُ بِهِ، كَكِتَابَةٍ. وعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وإِذْنٌ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ ومُفَاوَضَةٍ. وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ، ومُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلا إِذْنٍ، وإِنْ لِلشَّرِكَةِ، ومُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ والْخُسْرِ، إِلا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ.
قوله: (وعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ) كأنه أطلق المتلف عَلَى الذي تلف ماله سواءً كَانَ بسببه أو بغير سببه.
_________________
(١) في (ن ٢): (توكيله).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٣.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ، كَالْغَائِبِ إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وإِلا انْتُظِرَ، والرِّبْحُ والْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ.
قوله: (وكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ (١) كَالْغَائِبِ إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وإِلا انْتُظِرَ) أصل ما أشار إليه قوله فِي أواخر كتاب: الشركة من " المدونة ": ومن ابتاع عبدًا من أحدهما فظهر عَلَى عيبٍ فله ردّه بالعيب عَلَى بائعه إن كَانَ حاضرًا، وإن كَانَ غائبًا غيبةً قريبةً كاليوم ونحوه فلينتظر لعلّ له حجة، وإن كانت غيبته بعيدة، فأقام المشتري بينة أنّه ابتاع بيع الإسلام وعهدته؛ نظر فِي العيب، فإن كَانَ قديمًا لا يحدث مثله ردّ [العبد عَلَى الشريك الآخر، وإن كَانَ يحدث مثله فعلى المبتاع البينة أن العيب كَانَ عند البائع، وإِلا حلف الشريك بالله ما أعلم أن هذا] (٢) العيب كَانَ عندنا وبرئ، وإن نكل حلف المبتاع عَلَى البت أنّه ما حدث عنده ثُمَّ رده عَلَيْهِ (٣).
فمعنى كلامه فبسبب أنّ كلّ واحدٍ وكيل للآخر يردّ واحد العيب عَلَى حاضر لَمْ يتول البيع لتعذر وجود الغائب الذي تولاّه حالة كون هذا الردّ كالردّ عَلَى كلّ غائب فِي افتقار المشتري الرادّ إلى إثبات أنّه ابتاع بيع الإسلام، وعهدته، ثُمَّ نبّه عَلَى أنّ الرد عَلَى الحاضر الذي لَمْ يتول إنما هو إن بعدت غيبة شريكه الغائب، وإلا انتظر، فالشرط راجع للمشبه لا للمشبه به، وبهذا التشبيه يكون كلامه مطابقًا لما فِي " المدونة " متضمنًا لنصوص نصها، فلله درّه ما ألطف إشارته.
فإن قلت: وأين تقدم له الغائب الذي أحال عَلَيْهِ؟
قلت: فِي قوله فِي خيار النقيضة: (ثُمَّ قضى إن أثبت عهدة مؤرخة وصحة الشراء).
فإن قلت: [٩٠ / أ] عود الضمير فِي قوله: (غيبته) عَلَى الغائب المشبه به يغير فِي وجه هذه التمشية؟
_________________
(١) في (ن ٣): (يتوكل).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٧٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٢/ ٨١.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
قلت: إن سلمنا عوده عَلَيْهِ ولم نرده للغائب من الشريكين المفهوم من السياق فقصاراه أنّه من باب: عندي درهم ونصفه، وقد قيل بنحو هذا فِي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت:٦٢] وفِي قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١]. والله تعالى أعلم.
ولِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ.
قوله: (ولِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ) كأنه أطلق أجر العمل عَلَى حقيقته ومجازه، فحقيقته الأجرة التابعة للعمل، ومجازه الربح التابع للمال، وسهل له هذا قرينة قوله: (ولكل)؛ لدلالته عَلَى الجانبين.
ولَهُ التَّبَرُّعُ، والسَّلَفُ، والْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ، والْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ والْخُسْرِ، ولآخِذٍ لائِقٍ لَهُ.
قوله: (ولَهُ التَّبَرُّعُ، والسَّلَفُ، والْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ) مثله لابن الحاجب (١)، وفسّره ابن عبد السلام بأن اختلاف نسبة الربح والعمل مع رأس المال إنما يفسد الشركة إن كَانَ شرطًا فِي عقدها، ولو تبرع به أحدهما بعده جَازَ. قال: وهو بيّن فِي شركة الأموال؛ لأن المذهب لزومها بالعقد دون الشروع، واختلف فِي شركة الحرث: هل هي كشركة الأموال؟ وهو قول سحنون، أو لا تلزم إِلا بالعمل وهو قول ابن القاسم، ففي هذه يصعب التبرع بعد العقد وقبل الشروع، وإن كَانَ ظاهر نصوصهم أن ذلك لا يقدح فِي صحتها.
قال ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: إن المذهب لزوم الشركة بالعقد دون الشروع وهو مقتضى (٢) قول ابن الحاجب: يجوز التبرع (٣) بعد العقد. خلاف قول ابن رشد فِي سماع ابن القاسم أنها من العقود الجائزة، وهو مقتضى (٤) مفهوم السماع أنّه إن شرط ذلك
_________________
(١) عبارة ابن الحاجب: (وأما لو تبرع أحدهما بعد العقد فجائز من غير شرط وكذلك لو أسلفه أو وهبه) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٤.
(٢) في (ن ١): (ما اقتضى).
(٣) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): الشروع).
(٤) في (ن ١): (ما اقتضى).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
بعد العقد لا يجوز، ونحوه قوله فِي " المقدمات ": هي من العقود الجائزة لكلّ منهما أن ينفصل عن شريكه متى شاء (١). ولهذه العلّة لَمْ تجز إِلا عَلَى التكافؤ (٢) والاعتدال؛ لأنه إن فضل أحدهما صاحبه فِيمَا يخرجه فإنما سمح بذلك رجاء بقائه معه عَلَى الشركة فصار غررًا.
وجاز فِي المزارعة كون قيمة ما يخرجه أحدهما أكثر مما يخرجه الآخر عَلَى قول سحنون؛ لأن المزارعة تلزم بالعقد، وقاله ابن الماجشون وابن كنانة وابن القاسم فِي كتاب ابن سحنون، ولا يجوز ذلك فِيهَا عَلَى قول من يرى أنها لا تلزم بالعقد، وهو معنى قول ابن القاسم فِي " المدونة " ونص سماع أصبغ. انتهى.
وذكر فِي " التوضيح " أول الباب ما فِي " المقدمات " وَقال نحوه للخمي، ونسب لابن يونس وعياض و" مفيد الحكام " (٣) أنها تلزم بالعقد، وتأوله باعتبار الضمان أي: إِذَا هلك شيء بعد العقد يكون (٤) ضمانه منهما وإن لَمْ يخلطا قال: فإن قيل يلزم منه مخالفة قوله فِي " المدونة ": وإن بقيت كلّ صرة بيد صاحبها حَتَّى ابتاع بها أمة عَلَى الشركة فالأمة بينهما والصرة من ربها (٥).
فالجواب: قد قيّد اللخمي ذلك بما إِذَا كانت الصرة فِيهَا حق توفِيهِ من وزن أو انتقاد، وقال: " أما لو وزنت وانتقدت وبقيت (٦) عند صاحبها عَلَى وجه الشركة فضاعت لكانت مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرطٍ في الصحة "، هذا نصّ اللخمي، وهو يدل لما قلناه، وأَيْضًا فلجعله الأمة بينهما. انتهى ما فِي " التوضيح " (٧) فليتأمل.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢١١.
(٢) في (ن ٣): (التكلف).
(٣) قال محقق التوضيح: (الصواب: " معين الحكام ") قال: ولا يوجد ما ذكر في مفيد الحكام، وكذلك في نسختين من مخطوط التوضيح. قلت: ومعين الحكام هو لإبراهيم بن الحسين بن عبد الرفيع، توفي سنة (٧٣٤). انظر: انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٥٣، وانظر: هداية العارفين.
(٤) في الأصل، و(ن ٢): (بكونه).
(٥) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٦١، ونصّها: (وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى، والمالان متفقان، فالأمة بينهما والصرة من ربها).
(٦) في (ن ١): (وتبينت).
(٧) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٥٢، وما بعدها.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
ولِمُدَّعِي النِّصْفِ.
قوله: (وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ) لعلّه أشار بها لقول ابن يونس: وإذا أشرك من ماله ممن يلزمه أن يشركه ثُمَّ اختلفا فقال: أشركتك بالربع، وقال: الآخر بالنصف، وقالا: نطقنا به، أو قالا: أضمرناه بغير نطق، فالقول قول من ادعى منهما النصف وإن لَمْ يدعه أحدهما رد إليه؛ لأنه أصل شركتهما فِي القضاء، وإن كانوا ثلاثة فعلى عددهم ما كانوا، ثُمَّ قال: وأما إن أشرك رجلًا فِي سلعة اشتراها ممن لا يلزمه أن يشركه، ثُمَّ اختلفا هكذا فإن كَانَ ذلك فِيمَا نويا ولم ينطقا به كانت بينهما نصفين أَيْضًا، وإن كانوا أكثر فعلى عددهم.
وقال (١) قبل ذلك: ولو أقرّ أن فلانًا الغائب شريكه، ثُمَّ زعم بعد ذلك أنّه شريكه عَلَى الربع، وإنما هو شريكه فِي مائة دينار فإنه شريكه عَلَى النصف ". انتهى ما قصدنا نقله من كلام ابن يونس مما يمكن أن يكون المصنف قصد الإشارة إليه، فإن قلت: فهو عَلَى [هذا] (٢) تكرار مع قوله آخر فصل الخيار: (وإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إنْ أُطْلِقَ عَلَى النِّصْفِ).
قلت: تكراره مع ما طال وتنوسي أهون من تكراره مع ما يليه (٣).
وحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا، والاشْتِرَاكِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمَا. إِلا لِبَيِّنَةٍ عَلَى كَإِرْثِهِ، وإِنْ قَالَتْ لا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إِنْ شُهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، ولَوْ لَمْ يُشْهَدْ بِالإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (وحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا) تبع فِي هذا ابن الحاجب إذ قال: وإِذَا تنازعا فِي قدر المالين حمل عَلَى النصف (٤). وهذا قول أشهب فِي " المَوَّازِيَّة " لكن بشرط أن يحلفا معًا، وقال ابن القاسم فِي " المَوَّازِيَّة " أَيْضًا: إِذَا قال أحدهما لك الثلث ولي الثلثان وقال الآخر المال بيننا نصفين وليس المال بيد أحدهما: فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين.
_________________
(١) في (ن ١): (وقد).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٣).
(٣) في (ن ٣): (يليها).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٤.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
قال ابن عرفة: فما قاله ابن الحاجب خلاف قول أشهب؛ لإسقاطه اليمين، وخلاف قول ابن القاسم، ونقل خلاف نصوص المذهب عن المذهب لا يجوز. انتهى. قال ابن عبد السلام قول أشهب: بعد أيمانهما. ظاهره أنّه [٩٠ / ب] يحلف كلّ واحد منهما وحلف من ادعى أن الثلثين له ثُمَّ يأخذ النصف لا تحتمله الأصول، وتبعه فِي " التوضيح " (١)، وانفصل عنه ابن عرفة بما حصله: أن أشهب لَمْ يبن عَلَى رعي دعواهما، وإِلا لزم أن يقول كما قال ابن القاسم؛ وإنما بنى عَلَى رعي تساويهما فِي الحوز والقضاء فالحوز يستقل (٢) الحكم به دون يمين الحائز، فوجبت بيمين كلّ منهما؛ لأن الحكم له إنما هو لحوزه؛ ولهذا قال ابن يونس ما نصّه: " وحجّة أشهب أنهم تساووا فِي الحيازة واليمين، وإنما تفاضلوا فِي الدعوى، وذلك لا يوجب زيادة فِي الحيازة.
ولِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إِنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ الْمُدَّةِ.
قوله: (ولِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إِنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ الْمُدَّةِ) أشهد هنا رباعي أي: أشهد بها البينة قاصدًا للتوثق كمسألة المودع، وقد تنازل لهذا فِي " توضيحه " (٣) تابعًا لابن عبد السلام.
كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أنّه مِنَ الْمُفَاوَضَةِ إِلا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، إِلا بِبَيِّنَةٍ بِكَإِرْثٍ، وإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ، وإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ، وأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وكُسْوَتُهُمَا، وإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ السِّعْرِ كَعِيَالِهِمَا، إِنْ تَقَارَبَا، وإِلا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ.
قوله: (كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أنّه مِنَ الْمُفَاوَضَةِ إِلا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، إِلا بِبَيِّنَةٍ
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٨٢.
(٢) في (ن ٢): (لا يستقل).
(٣) قال في التوضيح: (كلامه في المدونة مقيّد بما إذا لم يشهد، وأما إذا أشهد على نفسه بأخذ المائة فلا يبرأ إلا بالإشهاد أنه ردها طال ذلك أو قصر، والظاهر أن مراد محمد بقوله: أشهد. أن تكون البينة قصد بها التوثق كما قالوا في البينة التي لا تقبل دعوى المودع الرد معها، وهو أن يأتي بشهود يشهدهم على دفع الوديعة للمودع، وأما لو دفع بحضرة قوم ولم يقصد التوثق بشهادتهم فلا، ولأنه الذي يفهم من قول محمد، وأما إن كان إقراره من غير قصد إشهاد فكما ذكر ابن القاسم) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٧٧.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
بِكَإِرْثٍ، وإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ) نصّ هذا الفرع عَلَى ما وقفت عَلَيْهِ فِي كتاب الشركة من أصل " النوادر " عن ابن سحنون: " كتب شجرة (١) إلى سحنون، فِي رجلٍ دفع عن أخيه وهو شريكه مفاوضة صداق (٢) امرأته، ولم يذكر أنّه من ماله ولا من مال أخيه حَتَّى مات الدافع، فقام فِي ذلك ورثته وقالوا: هو من مال ولينا؟ فكتب إليه: " إن دفع وهما متفاوضان، ثُمَّ أقام سنين كثيرة فِي مفاوضهما لا يطلب أخاه بشيء (٣) من ذلك فهذا ضعيف وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما شطرين، ويحاسب به إِلا أن يكون للباقي حجة ". (٤) انتهى.
فمعنى كلام المصنف: أن القول لمن ادعى فِي المسألة أن الصداق المدفوع من المفاوضة إِلا فِي وجهين:
أحدهما: أشار إليه بقوله: (إِلا أن يطول كسنة)؛ وكأنه اعتمد فِي التحديد بالسنة عَلَى مفهوم قول سحنون: وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما، ورأى أن ما عارض هذا المفهوم من قوله: فِي مقابله سنين كثيرة غير مقصود.
وثانيهما: أشار إليه بقوله: (وإِلا ببينة بكارثة وإن قالت: لا نعلم) وهكذا [هو] (٥) فِي عدة نسخ بالواو العاطفة قبل إِلا، وهو كالتفسير لقول سحنون: إِلا أن يكون للباقي حجة، فإن الباقي من الأخوين إِذَا قامت له بينة أن الصداق المدفوع كَانَ من إرث آخر مثلًا، كَانَ ذلك له حجة، وإن قالت: البينة: لا نعلم تقدم هذا الإرث عَلَى المفاوضة ولا تأخر (٦) عنها، فهذا أمثل ما انقدح لنا فِي تشقيق كلامه. والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) اسم رجل.
(٢) في النوادر: (ضمان).
(٣) في الأصل: (شيء).
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٧/ ٣٣٠.
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢): (تأخره).
[ ٢ / ٧٨١ ]
وإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ (١)، وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا، وإِنِ اشْتَرَطَا نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ.
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ تقويمها).
درج هنا عَلَى ما بسط فِي " توضيحه " أن لشراء الجارية ثلاثة أوجه:
الأول: أن يشتريها لنفسه للوطء أو للخدمة ولم يطأها، ولشريكه ردّها فِي الشركة أو إجازتها له، وإليه أشار بقوله: (وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردّها)
الثاني: أن يشتريها للوطء بإذن شريكه، فلا شكّ أن شريكه أسلفه نصف ثمنها فله نماؤها وعَلَيْهِ تواها، وإليه أشار بقوله: (إِلا للوطء بإذنه).
الثالث: أن يكون إنما اشتراها للشركة ثُمَّ وثب عَلَيْهَا فوطأها، وهذا الثالث فِي نفسه عَلَى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون وثوبه عَلَيْهَا بإذن شريكه فهذه محللة فيتعين تقويمها سواءً حملت أو لَمْ تحمل، وإليه أشار بقوله: (وإن وطئ جارية للشركة بإذنه) أي: قومت وليس ذلك مقيدًا بحملها كما ظنّ بعضهم.
وثانيها: أن يكون ذلك بغير إذن شريكه؛ ولكنها حملت منه، فيجب تقويمها، وإليه أشار بقوله: (أو بغير إذنه وحملت قومت).
وثالثها: أن يكون بغير إذنه ولم تحمل فقال عياض فِي كتاب: " أمهات الأولاد ": معروف مذهب مالك فِي " المدونة " فِي هذا الكتاب وغيره: تخيير غير الواطئ فِي التقويم والتماسك ". انتهى، وهو كقوله فِي " الرسالة ": فإن لَمْ تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم (٢) عَلَيْهِ (٣). وإليه أشار بقوله: (وإِلا فللآخر إبقاؤها أو تقويمها) والتقويم:
_________________
(١) في أصل المختصر: (أو بإذنه). وانظر: إشارة المؤلف لها بعدُ، والخرشي من بعده في شرحه: ٦/ ٣٥٤.
(٢) في (ن ٢): (يقوم).
(٣) انظر: رسالة القيرواني، ط دار الفكر، بيروت، ص: ١٢٨.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
تفعيل من القيمة، وكذا هو فِي هذا القول، وأما المقاواة التي هي المزايدة وهي مفاعلة من القوة ففي قولٍ آخر غير هذا (١).
تنبيه:
وقع فِي بعض النسخ: إِلا بالوطء أو بإذنه بجرّ اللفظين بالباء وعطف أحدهما عَلَى الآخر بأو بدل قوله: (إِلا للوطء بإذنه)، وهو أتمّ فائدة حسبما يظهر بالتأمل إِلا أن الآخر هو الجاري مع لفظ " التوضيح ".
وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ، واشْتَرِ لِي ولَكَ، فَوَكَالَةٌ. وجَازَ وانْقُدْ عَنِّي. إِنْ لَمْ يَقُلْ وأَبِيعُهَا لَكَ، ولَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، إِلا أَنْ يَقُولَ واحْبِسْهَا، فَكَالرَّهْنِ، وإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي جَازَ، إِلا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي، وأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى [٥٩ / ب] شَيْئًا بِسُوقِهِ، لا لِكَسَفَرٍ أَوْ قِنْيَةٍ، وغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ، وهَلْ وفِي الزُّقَاقِ لا كَبَيْتِهِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ) كذا فِي " النوادر " من " العُتْبِيَّة " والموازية عن ابن القاسم عن مالك: إِذَا جاء الرجل بحمام ذكر وآخر بأنثى عَلَى أنّ ما أفرخا بينهما، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفًا والفراخ بينهما؛ لأنهما يتعاونان فِي الحضانة (٢). وقبله ابن يونس، ولم يذكر غيره، ونصّها فِي سماع سحنون من شركة " العُتْبِيَّة " قال سحنون: " وأخبرنا ابن القاسم عن مالك فِي الرجل يأتي بحمامة أنثى، ويأتي الآخر [٩١ / أ] بذكر عَلَى أن تكون الفراخ بينهما: أنّ الفراخ بينهما لأنهما يتعاونان جميعًا عَلَى الحضانة. إِلا أن ظاهر كلام ابن رشد: أن هذا بعد الوقوع والفوات؛ لأنه قال: هذا عَلَى قياس قوله فِي أنّ الزرع فِي المزارعة الفاسدة يكون لصاحب العمل والأرض، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى عَلَى صاحب الحمامة الذكر بمثل بيض حمامته، ويأتي عَلَى قياس القول: بأن الزرع فِي المزارعة الفاسدة لصاحب البذر أن الفراخ
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٥٨، وما بعدها.
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٧/ ٣٤٥.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
تكون لصاحب الحمامة الأنثى؛ لأن (١) البيض له ولصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة " (٢) انتهى.
تكميل:
زاد فِي السماع المذكور: " وإن جاء رجل ببيضٍ إلى رجل فقال له: اجعله تحت دجاجتك، فما كَانَ من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ فِي هذا (٣) لصاحب الدجاجة، وعَلَيْهِ لصاحب البيض مثله، وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال له: ازرعه فِي أرضك بيننا، فإنما له مثله، والزرع لربّ الأرض " (٤).
وجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ، وتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وإِنْ بِمَكَانَيْنِ، وفِي جَوَازِ إِخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً واسْتِئْجَارِهِ مِنَ الآخَرِ، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ، وصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ. وَهَلْ وإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا، وحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، ومَعْدِنٍ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ، وأَقْطَعَهُ الإِمَامُ، وقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ ولَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وضَمَانُهُ وإِنْ تَفَاصَلا.
قوله: (وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ) قال ابن عبد السلام: " قال أبو عبد الله الذكي: لو كَانَ المعلمان (٥) أحدهما قاريء والآخر حاسب، واشتركا عَلَى أن يقسما (٦) عَلَى قدر عمليهما؛ لجرى ذلك مجرى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، وعَلَى هذا تجوز الشركة بين مختلفي الصنعة إِذَا كانت الصنعتان متلازمتين " انتهى. وقبله فِي " التوضيح "، وذكر عَلَى إثره (٧) كلام اللخمي فِي الحائكين وطالبي اللؤلؤ (٨).
_________________
(١) في الأصل: (لا إن).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٣٨.
(٣) في الأصل: (فيها).
(٤) انظر: السابق.
(٥) في (ن ٣): (الغلمان).
(٦) في (ن ٣): (يقتسما).
(٧) في (ن ٣): (إثر).
(٨) قال في التوضيح: (ونص اللخمي على الجواز فيما إذا تشاركا وأحدهما يحيك والآخر يخدم، ويتولى ما سوى النسج إذا تقاربت قيمة ذلك، قال: " وليس ذلك كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعًا أو يعطلا جميعًا، ولم يكن هذا غررًا. = = وعلى مثل هذا أُجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يطلب الغوص والآخر يقذف أو يمسك عليه إذا كانت الأجرة سواء) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٦٨٩.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وأما ابن عرفة فقال: وقول أبي عبد الله الذكي فِي مسائله: لو اشترك قاريء وحاسب عَلَى أن يقتسما عَلَى قدر عملهما يجري ذلك عَلَى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، يردُّ بقوة الغرر (١) فِي الشركة؛ لجهل (٢) قدر عمل كلّ واحد منهما وقدر عوضه، والمجهول فِي السلعتين قدر العوض فقط، ولا يتخرج عَلَى قول اللخمي: لو اشترك حائكان بأموالهما، أحدهما يتولى النسج والآخر لا يحسنه، ويتولى الخدمة والبيع والشراء، وقيمة عملهما سواء، جَازَ؛ لأن معمولهما لا يتمّ إِلا بعملهما معًا كالشريكين فِي استخراج اللؤلؤ، أحدهما يغوص، والآخر يقذف أو يمسك عَلَيْهِ.
وأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا، لا إِنْ كَثُرَ، وفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ كَكَثِيرِ الآلَةِ، وهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ، وبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلا مَالٍ.
قوله: (وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا) الضمير المثنى لليومين، وهو من الإضافة المقدرة بفي كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] عَلَى رأي ابن مالك.
وهُوَ بَيْنَهُمَا، وكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مُنْ رِبْحِهِ، وكَذِي رَحًى وذِي بَيْتٍ، وذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا، إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ.
قوله: (وهُوَ بَيْنَهُمَا) أي: ما اشترياه أو أحدهما فِي شركة الذمم (٣) فهو بينهما، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: من اشترى شيئًا فهو له.
وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وتَرَادُّوا الأَكْرِيَةَ، وإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا.
قوله: (وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ) قابل لأن يكون بيانًا لفرض المسألة كما قبله، أو تقريرًا
_________________
(١) في (ن ٣): (الغدر).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بجهل).
(٣) في (ن ١): (الدهم).
[ ٢ / ٧٨٥ ]
لحكمها بعد الوقوع كما بعده؛ فكأنه من النوع المسمى عند البيانيين بالتوجيه (١) كقول الشاعر فِي خياطٍ أعور:
خَاطَ لِي عَمْرٌو قَبَاءً لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ
فَسَلِ الْنَاسَ جَمِيعًَا أمَدِيحًَا أمْ هِجَاءُ
وحمْلُه عَلَى تقرير الحكم أولى، وأما فرض المسألة فمفهوم من قوة الكلام كما فِي قوله قبل: (وهو بينهما).
وقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ كَذِي سُفُلٍ، إِنْ وَهَى وعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ والسَّقْفُ، وكَنْسُ مِرْحَاضٍ لا سُلَّمٌ، وبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلُوِّ، إِلا الْخَفِيفَ وبِالسَّقْفِ لِلأَسْفَلِ، وبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ، لا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ، وإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًى إِنْ أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ ويَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ، وبِالإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لإِصْلاحِ جِدَارِهِ ونَحْوِهِ.
قوله: (وقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ) ظاهره بيع جميع نصيبه كما فهم ابن عبد السلام من ظاهر إطلاقاتهم لا بقدر ما يعمر كما قال ابن الحاجب (٢) وقبله ابن هارون، وقد جلب ابن عرفة ما فِيهَا من الأسمعة، فعليك به.
وبِقِسْمَتِهِ، إِنْ طُلِبَتْ لا بِطُولِهِ عَرْضًا، وبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ، إِنْ هَدَمَهُ ضَرَرًا، لا لإِصْلاحٍ أَوْ هَدْمٍ وبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ، ولَوْ لَمْ يَضُرَّ وبِجُلُوسِ بَاعَتِهِ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إِنْ خَفَّ.
قوله: (وبِقِسْمَتِهِ، إِنْ طُلِبَتْ لا بِطُولِهِ عَرْضًا) أي: ويقضي بقسمة الجدار إن طلبت، ولا يقضي بقسمة طوله عرضًا، فإذا كَانَ الجدار مثلًا جاريًا من المشرق إلى المغرب عَلَى صورة سور له شرافات وممشى لَمْ يقض عَلَيْهِما بقسمته عَلَى أن يأخذ أحدهما [جهة الشرفات، والآخر جهة الممشى، ولكن عَلَى أن يأخذ أحدهما] (٣) الجهة الشرقية بشرافاتها
_________________
(١) زاد في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٤): (كما فِي قوله).
(٢) عبارة ابن الحاجب: (والمشترك مما لا ينقسم يلزمه أن يعمر أو يبيع، وإلا باع الحاكم بقدر ما يعمر) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٥.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
وممشاها، والآخر الجهة الغربية بشرفاتها وممشاها، فلفظ (عرضًا) عَلَى هذا متعلّق بالمضاف المحذوف، ويجوز أن يتعلّق بلفظ (قسمة) الظاهر.
ولذلك يقع فِي بعض النسخ: وبقسمته إن طلبت عرضًا لا بطوله، وهو فِي المعنى راجع للأول، وعَلَى كلّ تقدير فهو يحوم عَلَى إثبات الصفة التي قال بها اللخمي وابن الهندي، وحكاها ابن العطار عن ابن القاسم، وعَلَى نفي الصفة التي تأولها أبو إبراهيم الفاسي عَلَى " المدونة "، وحكاها ابن العطار عن عيسى بن دينار، ويتمّ هذا بالوقوف عَلَى نصوصهم.
وذلك أنّه قال فِي كتاب القسم من " المدونة ": ويقسم الجدار إن لَمْ يكن فِيهِ ضرر (١)، فقال أبو الحسن الصغير: يعني بالقرعة، وإما بالتراضي، فيجوز وإن كَانَ فِيهِ ضرر، ويأتي الاعتراض الذي فِي قسم الساحة بعد قسم البيوت؛ لأنه قد يقع لأحدهما الجهة التي تلي الآخر إِلا أن يقتسماه عَلَى أنّ من صار ذلك له يكون للآخر عَلَيْهِ الحمل.
وقال اللخمي: صفة القسم فِيهِ إِذَا كَانَ جاريًا من [المشرق إلى المغرب] (٢) أن يأخذ أحدهما طائفة مما يلي المشرق والآخر طائفة مما يلي المغرب، وليست القسمة أن يأخذ أحدهما مما يلي القبلة والآخر مما يلي الجوف؛ لأن ذلك ليس بقسمة؛ لأن كل ما يضعه عَلَيْهِ أحدهما من خشب فثقله ومضرته عَلَى جميع الحائط، وليس يختصّ [٩١ / ب] الثقل والضرر بما يليه، إِلا أن يريد أن يقسما الأعلى، مثل أن تكون أرضه شبرين فيبني كل واحد عَلَى أعلاه شبرًا مما يليه لنفسه، ويكون ذلك قسمة للأعلى، وجملة الحائط عَلَى الشركة الأولى أو يكونا أرادا قسمته بعد انهدامه فيقتسمان أرضه ويأخذ كلّ واحد نصفه مما يليه.
ابن عرفة: فصفة قسمه عند اللخمي أن يقسم طولًا لا عرضًا، وقال أبو إبراهيم: ظاهر " المدونة " قسمه عرضًا؛ لقوله: وكان ينقسم. قال: وأما طولًا فينقسم وإن قلّ،
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢١٥.
(٢) في (ن ٣): (الشرق إلى الغرب).
[ ٢ / ٧٨٧ ]
وقال ابن فتّوح فِي باب: الإرفاق: قال أحمد بن سعيد - وهو ابن الهندي -: سنّة قسم (١) الحائط أن يقسم بخيطٍ من أعلاه إلى أسفله فيقع جميع الشطر لواحد [وجميع الشطر لواحد] (٢) إِلا أن يتفقا عَلَى قسمة عرضه عَلَى طوله. وقال محمد بن أحمد - وابن العطار -: قال عيسى بن دينار: يقسم بينهما عرضًا، يأخذ كل واحد منهما نصفه مما يليه، فإن كَانَ عرض الجدار شبرين أخذ هذا شبرًا مما يلي داره، وهذا شبرًا مما يلي داره، ولا تصلح (٣) القرعة فِي مثل هذه القسمة.
قال [ابن العطار] (٤) وابن فتّوح فِي باب: الإرفاق، والمتيطي فِي باب القسم " عن ابن القاسم: " يُمدّ الحبل بينهما فِيهِ طولًا لا ارتفاعًا من أوله إلى آخره، ويُرشم (٥) موقف (٦) نصف الحبل ويقرع بينهما، ويكون لكلّ واحد منهما الجانب الذي تقع قرعته عَلَيْهِ. زاد ابن فتّوح: إلى ناحية بعينها، ولا تصحّ قسمة القرعة فِيهِ إِلا هكذا ". انتهى، وإِذَا طوى الحبل المذكور حقق نصفه.
وإِذَا عرفت أن الطول والعرض يعقلان نسبة وإضافة أمكنك الجمع بين عبارة المصنف وابن عرفة وغيرهما، وظهر لك أنّ قول اللخمي وابن الهندي راجعٌ لما حكاه ابن العطار عن ابن القاسم، وهو الذي أثبت المصنف، وأن تأويل أبي إبراهيم عَلَى " المدونة " راجع لما حكاه ابن العطار عن عيسى، وهو الذي نفاه المصنف.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (قسمة).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) في (ن ١): (تصح).
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢)، و(ن ٣).
(٥) الرَّسْمُ والرَّشْمُ: الأَثَرُ، رَشْمُ كل شيء علامته، ورَسَمَ على كذا ورَشَم أَي: كتب. انظر: لسان العرب: ١٢/ ٢٤٢.
(٦) في (ن ٣): (موضع).
[ ٢ / ٧٨٨ ]
تكميل:
قال فِي " المدونة ": " وإن كَانَ لكلّ واحد عَلَيْهِ جذوع لَمْ يقسم وتقاوياه (١). قال اللخمي: وليس هذا بالبين؛ لأن الحمل الذي عَلَيْهِ لا يمنع القسم كما لا تمنع (٢) قسمة العلّو والسفل، وحمل العلّو عَلَى السفل، وأرى أن يقسم طائفتين، عَلَى أنّ من صارت له طائفة كانت له وللآخر عَلَيْهِ الحمل، وقد أجاز ابن القاسم المقاواة، وإنما تصح المقاواة عَلَى أنّ من صار إليه الحائط كَانَ ملك (٣) له، وللآخر عَلَيْهِ الحمل، فإذا جازت المقاواة عَلَى هذه الصفة كانت القسمة أولى ". فقال ابن عرفة: ظاهر قول ابن القاسم أنهما يتقاويانه كما لا ينقسم من العروض والحيوان أنّه لا حمل فِيهِ عَلَى من صار له (٤).
ولِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ، وبِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدٌّ خَلْفَهَا، وبِمَنْعِ دُخَّانِ كَحَمَّامٍ، ورَائِحَةِ كَدِبَاغٍ وأَنْدَرٍ قَبْلَ بَيْتٍ، ومُضِرٍّ بِجِدَارٍ.
قوله: (ولِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ) فِي كتاب السلام (٥) من صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله - ﷺ - قال: " إِذَا قام أحدكم من مجلس (٦) ثُمَّ رجع إليه فهو أحقّ
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢١٥، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٥١٤، ولفظ المدونة، لابن القاسم: والتهذيب: (تقاوماه) لا (تقاوياه)، قلت وقد جاء في النهاية في غريب الحديث: (وفي حديث ابن سِيرين لم يكن يرى بأسًا بالشُّرَكاء يَتَقاوَوْن المَتاعَ بينهم، فيمن يَزيد التَّقَاوِي بين الشُّركاء أن يَشْتَروا سِلْعَةً رَخِيصة، ثم يَتزايدُوا بينهم حتى يَبْلغوا غاية ثمنها، يقال بَيني وبين فُلان ثَوْبٌ فتَقاوَيْناه أي أعطيتُه به ثمنا فأخذْتُه وأعْطاني به ثمنًا فأخَذَه، واقْتَويْت منه الغَلام الذي كان بينَنا أي: اشتريتُ حِصَّته، وإذا كانت السِّلْعة بين رَجُلين فقوّماها بثمن فهُما في المُقاواةِ سواء فإذا اشتراها أحدُهما فهو المقْتَوِي دون صاحبه، ولا يكون الاقْتِواء في السِّلْعة إلاّ بين الشركاء، قيل أصلُه من القُوّة لأنه بلوغ بالسِّلْعة أقوى ثمنها): ٤/ ١٢٨، فعلى هذا فعبارة المؤلف هي الجارية على وفق المراد، وقد جاء في تهذيب المدونة قبل النص المستدل به: (فاصطلحا، إما تقاوياه أو بِيعاه).
(٢) في (ن ٣): (يمنع).
(٣) في (ن ٢)، و(ن ٣): (ملكه).
(٤) قال في مواهب الجليل فيما للمؤلف هنا: (مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَافٍ فِي بَيَانِهَا) انظر: مواهب الجليل: ٥/ ١٥٠.
(٥) في (ن ٢): (السلم).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣): (مجلسه).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
به " (١) قال عياض فِي " الإكمال ": إِذَا كَانَ أولى به بعد القيام فأحرى قبله، ثُمَّ إن رجع عن بُعد فليس بأحقّ، وإن رجع عن قربٍ فقيل هو أحقّ به وجوبًا؛ لأنه اختصّ به وملك الانتفاع به فكان أحقّ به حَتَّى يفرغ من غرضه.
وحمله مالك عَلَى الندب؛ وعَلَى هذا فهو عامّ فِي كلّ مجلس، وحمله محمد بن مسلمة عَلَى مجلس العلم قال: هو أولى به إذا قام لحاجة، وإن قام تاركًا فليس بأولى، وقد اختلف فيمن اتسم بموضع من المسجد لتدريسٍ أو فتيا أو إقراء؟ فقال مالك: هو أحقّ به إِذَا عُرف به. وقال الجمهور هو أحقّ به استحسانًا لا وجوبًا، ولعلّه مراد مالك، وكذلك اختلف فيمن قعد من الباعة بموضعٍ من أقبية الطرقات غير المتملّكة، ثُمَّ قام ونيته الرجوع من غد؟ فقيل: هو أحقّ به حَتَّى يتمّ غرضه حكاه الماوردي عن مالك قطعًا للنزاع، وقيل: هو وغيره فِيهِ سواء، فمن سبق كَانَ أولى به، وأما إن لَمْ يقم فهو أحقّ به ما دام فِيهِ ". انتهى.
وهو الذي اختصر المصنف حيث قضى للسابق للأفنية بها، ثُمَّ شبّه به السابق للمسجد، وكَانَ شيخنا الفقيه الحافظ أبو عبد الله القوري يحكي عن " العوفية ": أن من وضع بمحلٍ من المسجد شيئًا [يحجره به حَتَّى يأتي] (٢) إليه يتخرج عَلَى مسألة: [هل يعرف ملك] (٣) التحجير إحياء (٤).
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم برقم (٢١٧٩)، كتاب السلام، باب إذا قام من مجلسه ثم عاد فهو أحق به.
(٢) في (ن ١): (بحجره حتى يعود).
(٣) في (ن ١): (لا يعرف مالك).
(٤) هذه العبارة تحتمل أن تكون: (هل ملك التحجير إحياء) وهي ما عبّر به الحطاب عن كلام المؤلف هنا في مواهب الجليل: ٥/ ١٥٩، وهي أقرب لكلام المؤلف وأكثر تعلقًا به حيث قال: (يتخرج على مسألة. .) ففرضها مسألة يعني تناول الفقهاء لها بالبحث والاستدلال، فكلمة (يعرف) في العبارة مقحمة على هذا، وتحتمل أن تكون (لا يعرف مالك التحجير إحياء) وهذه عبارة ابن الحاجب في جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٤٥، وفي المدونة عن ابن القاسم: (ما سمعت من مالك في التحجير شيئًا) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٥/ ١٩٥.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
واصْطَبْلٍ.
قوله: (واصْطَبْلٍ) هو من جملة المعاطيف عَلَى دخان، وكأنه أشار به لقول صاحب المفيد تبعًا (١) لابن فتوح: يُمنع من إحداث اصطبل عند بيت جاره؛ لما فِيهِ من الضرر ببول الدوابّ وزبلها ببيت جاره، وحركتها فِي الليل والنهار المانعة من النوم، فتأمله مع ما يأتي فِي الأصوات.
أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ، وبِقَطْعِ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ، إِنْ تَجَدَّدَتْ، وإِلا فقَوْلانِ، لا مَانِعِ ضَوْءٍ، وشَمْسٍ، ورِيحٍ، إِلا لأَنْدَرٍ.
قوله: (أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ) كذا هو فِي كثيرٍ من النسخ معطوفًا بأو لا بالواو، وذلك يقتضي أن قوله: (قبالة باب) يرجع للاصطبل والحانوت (٢) عَلَى التعاقب؛ لكن لم أقف عَلَى نصّ فِي إحداث اصطبل فِي مقابلة (٣) الباب بل عَلَى نصّ (٤) المفيد المذكور فوقه، وفِي بعض النسخ: وحانوت بالواو عطفًا عَلَى دخان، وعَلَى كلّ حال فكلامه هنا [٩٢ / أ] محمول عَلَى السكة غير النافذة لقوله فِي مقابله: (وباب بسكة نافذة) عَلَى أنّ ما هنا مستغنى عنه بمفهوم قوله آخرًا: (إِلا بابًا إن نكب؛ لأنه فِي غير النافذة) وما ذكر من التفصيل هو الذي فِي آخر كتاب القسم من " المدونة " (٥).
وقال ابن رشد فِي سماع زونان من كتاب: " السلطان ": يتحصّل فِي فتح الباب وتحويله فِي الزقاق غير النافذ ثلاثة أقوال:
_________________
(١) في (ن ١): (تابعًا).
(٢) في (ن ١)، و(ن ٣): (أو الحانوت).
(٣) في (ن ٢): (قبالة).
(٤) زاد في (ن ١): (في إحداث اصطبل فِي مقابلة الباب بل عَلَى نص).
(٥) قال في تهذيب المدونة: (وليس لك أن تفتح في سكة غير نافذة، بابًا يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحوّل بابًا لك هنالك إذا منعك؛ لأنه يقول: الموضع الذي تريد أن تفتح فيه بابك، لي فيه مرفق أفتح فيه بابي، وأنا في سترة، ولا أدعك أن تفتح قبالة بابي أو قربه، فتتخذ علي فيه المجالس وشبه هذا، فإذا كان هذا ضررًا فلا يجوز أن تحدث على جارك ما يضر به. وأما في السكة النافذة، فلك أن تفتح ما شئت، وتحوّل بابك حيث شئت منها) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٢٢٥.
[ ٢ / ٧٩١ ]
أحدها: أنّه لا يجوز إِلا بإذن أهل الزقاق. قاله ابن زرب، وبه جرى العمل بقرطبة.
والثاني: أنّ ذلك جائز فِيمَا لَمْ يقابل باب جاره ولا قرب منه فقطع مرفقًا قاله ابن القاسم فِي " المدونة " وابن وهب هنا.
والثالث: أنّ له تحويل بابه عَلَى هذه الصفة إِذَا سدّ الباب الأول، وليس له أن يفتح بابًا لَمْ يكن قبل بحال قاله أشهب (١). انتهى.
ابن عرفة: ولم يحك المتيطي إِلا منع إحداثه وتحويل القديم بقرب باب جاره بحيث يضرّه ذلك، ثُمَّ قال ولو حوّله عن [بعد من] (٢) باب جاره لَمْ يكن عَلَيْهِ لهم قيام؛ لأنه لَمْ يزدهم شيئًا عَلَى ما كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ قال ابن رشد: " ويتحصّل فِي فتح الرجل بابًا أو حانوتًا فِي مقابلة جاره فِي السكّة النافذة ثلاثة أقوال:
الأول: أنّ ذلك له جملةً من غير تفصيل، وهو قول ابن القاسم فِي " المدونة " وأشهب فِي " العُتْبِيَّة " (٣).
والثاني: ليس له ذلك جملةً " إِلا أن ينكب، وهو قول سحنون.
والثالث: له ذلك إِذَا كانت السكّة واسعة، وهو قول ابن وهب فِي " العتبية " (٤)،
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٤٠٤، ٤٠٥. وزونان هو: عبد الملك بن الحسن من الطبقة الأولى ممن لم ير مالكا من أهل الأندلس، سمع من ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وكان الأغلب عليه الفقه، ولم يكن من أهل الحديث، توفي سنة ٢٣٢ هـ. انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ١٥٧.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٣) نص العتبية عن أشهب: (له أن يفتح ما شاء من حوانيت، ويفعل ما أراد إن كانت سكة نافذة). انظر: البيان والتحصيل: ٩/ ٤٠٤.
(٤) نصّ العتبية عن ابن وهب: (عن الرجل تكون داره لاصقة بسكة نافذة أو غير نافذة، فأراد أن يحوّل باب داره من موضعه ذلك إلى موضع من داره هو أرفق به فمنعه جاره الذي يلي داره فقال: إن كانت السكة غير نافذة، وكان فتحه الباب قبالة باب صاحبه حتى يكون الداخل والخارج وما يكون بقاعة الدار وخلف الباب بعينه، أو كان الفتح قريبًا من بابه وكان مضرًّا به ضررًا بيِّنًا يعرف ويستبان منع من ذلك، ولم يكن له فتحه ولا تحويله عن حاله إلى مثل هذا؛ وإن كان طريقًا سالكًا وسكة واسعة حتى يكون هو وغيره من المارَّة في فتح داره وإن فتح والمرور بها والنظر سواء، ولا يكون مضرًّا به في غير ذلك لم يمنع من ذلك وخلي بينه وبينه) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد: ٩/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
والواسعة سبعة أذرع (١) انتهى، وعَلَيْهِ اقتصر ابن عات.
وفِي " أجوبة " ابن رشد: أنّه سئل: عن رجلين متجاورين بينهما زقاق نافذ، فأحدث أحدهما فِي داره بابًا وحانوتين يقابل باب [دار] (٢) جاره، ولا يخرج أحد من داره ولا يدخل إِلا عَلَى نظرٍ من الذين يجلسون فِي الحانوتين المذكورين لعمل صناعتهم، وذلك ضرر بين يثبته صاحب الدار، وكشفة عياله بينة؟
فجاوب: إِذَا كَانَ الأمر عَلَى ما وصفت فيؤمر أن ينكب [ببابه وحانوتيه] (٣) عن مقابلة باب جاره، فإن لَمْ يقدر عَلَى ذلك ولا وجد إليه سبيلًا ترك ولم يحكم عَلَيْهِ بغلقها ". انتهى بنصّه وقبله ابن عرفة.
وعُلُوِّ بِنَاءٍ.
قوله: (وعُلُوِّ بِنَاءٍ) مجرور عطفًا عَلَى مانع، أشار به لقوله آخر كتاب القسم من " المدونة ": ومن رفع بنيانه فجاوز به بنيان جاره ليشرف عَلَيْهِ لَمْ يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر، ثُمَّ ذكر الرفع المانع (٤). واللام فِي قوله: " ليشرف " لام الصيرورة، قال معناه أبو الحسن الصغير.
وصَوْتِ كَكَمْدٍ، وبَابٍ لِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ.
قوله: (وصَوْتِ كَكَمْدٍ) مجرور بالعطف عَلَى المنفي فِي قوله: (لا مانع ضوء) قال فِي كتاب: " كراء الدور " من " المدونة ": ومن اكترى دارًا فله أن يدخل فِيهَا ما شاء من الدوابّ والأمتعة، وينصب فِيهَا الحدادين والقصارين والأرحاء ما لَمْ يكن ضررًا عَلَى الدار، أو تكون دارًا لا ينصب ذلك فِي مثلها؛ لارتفاعها، ويمنع مما يتعارف الناس منعه (٥). وقال ابن فتّوح: ويمنع من أحدث اصطبلًا عند بيت جاره لما فِيهِ من الضرر ببول الدوابّ وزبولها لبيت جاره، وحركتها فِي الليل والنهار والمانعة من النوم.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٤٠٥.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٣) في (ن ٣): (بابه أو حانوتيه).
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٥٢٩.
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٧٨، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥١٧.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وكذلك المطاحن وكير الحداد قال ابن عات: قال ابن عبد الغفور وعَلَى ما فِي " المدونة ": يكون لصاحب الدار أن ينصب فِي داره ما شاء من الصناعات (١) ما لَمْ يضر بحيطان جاره، وأما أن يمنع من وقع [ضرب] (٢) أو دوّي رحا أو كمد لصوته (٣) فلا، وكذلك ما أشبه ذلك، وقال المشاور بمثله كله، وقال: لأن الصوت لا يخرق الأسماع ولا يضر بالأجسام، فإن أضرّ [الضرب] (٤) بالجدارات منع، وذلك بِخِلاف أن يحدث فِي داره أو حانوته دباغًا، أو يفتح بقرب جاره مرحاضًا ولا يغطيه أو ما تؤذيه رائحته؛ لأن الرائحة المنتنة تحرق الخياشيم، وتصل [إلى] (٥) المَعِي (٦) وتؤذي الإنسان؛ ولذلك قال ﵇ " من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا، يؤذينا بريح الثوم " (٧). فكلّ رائحة تؤذي يمنع منها لهذا قال: وبه العمل وفِي " المجالس " وقضى شيوخ الفتيا بطليطلة بمنع الكمادين إِذَا استضرّ بهم الجيران وقلقوا من ذلك؛ لاجتماع وقع ضربهم، والأول أولى إن شاء الله تعالى. انتهى نصّ " الاستغناء "، وفي ضرر الأصوات، طرق استوفاها ابن عرفة فِي إحياء الموات.
والمفهوم من كلام المصنف فِي الرحا وشبهها المنع إن أضرّت بالجدارات لقوله: (ومضر بجدار) لا بالأسماع لقوله: (وصوت ككمد)، وحينئذ يكون قوله: (واصطبل) كالمستغنى عنه؛ لأنه باعتبار رائحته داخل فِي قوله: (ورائحة كدباغ)، وباعتبار مضرة الجدارات داخل فِي قوله: (ومضر بجدار) وباعتبار مجرد الصوت ملغي لقوله: (وصوت ككمد)، وأما باعتبار مقابلة الباب فلم أر من ذكره كما تقدم وهو ضعيف. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (الصناعة).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في ن ٢: (لصوت).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من ن ٢.
(٦) في (ن ١): (المعلى).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٣) كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوهما.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
ورَوْشَنٍ وسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ، وإِلا، فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ، إِلا بَابًا إِنْ نُكِّبَ.
قوله: (ورَوْشَنٍ (١) وسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ، وإِلا، فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ) أصل التفصيل [٩٢ / ب] فِي هذا بين النافذة وغيرها لأبي عمر فِي " كافِيهِ " قال: لا يحدث فِي غير النافذة عسكرًا وهو الذي يدعى التابوت والجناح (٢) والأسقفة، فإن أذن بعضهم فِي ذلك وأبى بعضهم؛ فإن كَانَ الذين أذنوا آخر الزقاق وممرهم إلى منازلهم عَلَى الموضع المحدث فإذنهم جائز (٣). ونقله المتيطي عنه، وعَلَيْهِ اقتصر ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام وابن هارون والمصنف.
وأما ابن عرفة فقال: " لا أعرفه لأقدم من أبي عمر ابن عبد البر، وظاهر سماع أصبغ عن ابن القاسم فِي الأقضية خلافه، ولم يقيده ابن رشد بالطريق النافذة فتأمله ". انتهى. ولم أجدها فِي سماع أصبغ؛ ولكن بعده فِي نوازل سحنون قال فيمن له داران بينهما طريق: له أن يبني عَلَى جداريهما غرفة أو مجلسًا فوق الطريق، وإنما يمنع من الإضرار بتضييق الطريق. ابن رشد: هذا إن رفع بناءه رفعًا يجاوز رأس المارّ راكبًا (٤)، ونحوه فِي " الزاهي " وكذا الأجنحة.
تنبيه:
في قوله: (فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ) ولم يقل ملك، إشارة إلى أنها ليست بملكٍ تامّ لهم، وإِلا كَانَ لهم أن يحجروها عَلَى الناس بغلق، قاله ابن عبد السلام فِي عبارة ابن الحاجب (٥) وهي نحو هذه، وزاد ظاهر كلام بعض الشيوخ: أن ليس لهم ذلك، وبه حكم بعض
_________________
(١) الرَّوْشَنُ: الرَّفُّ، والرَّوْشَنُ: الكُوَّة.) انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٣/ ١٨١.
(٢) في (ن ٣): (الحنوح).
(٣) انظر: الكافي، لابن عبد البر، ص٤٨٩.
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٢٩٨، ٢٩٩.
(٥) عبارة ابن الحاجب: (والطريق المنسدة الأسفل كالملك لأصحاب دورها فبالإذن) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٩٦.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
قضاة بلدنا، وهدّ (١) ذلك عَلَى من فعله، وقبله فِي " التوضيح " (٢)، وهو دليل عَلَى إرادته هنا.
وصُعُودِ نَخْلَةٍ.
قوله: (وصُعُودِ نَخْلَةٍ) بالجرّ عطفًا عَلَى لا مانع
وأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ، ونُدِبَ إِعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبَةٍ، وإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ، وفَتْحُ بَابٍ ولَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وفِيهَا إِنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ. وَفِي مُوَافَقَتِهِ ومُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ) فِي " أجوبة " ابن رشد: أنّ عياضا سأله عن صومعةٍ أحدثت فِي مسجد فشكى منها بعض الجيران أن (٣) الكشف عَلَيْهِ، هل له فِي ذلك مقال؟، وقد أباح أئمتنا لمن فِي داره شجرة الصعود فِيهَا لجمع ثمرتها مع الإنذار بطلوعه وأوقات الطلوع للأذان معلومة، وفِي مدّة قصيرة، وإنما يتولاها فِي الغالب أهل صلاح ومن لا يقصد مضرةً إن شاء الله تعالى.
فأجاب: " ليست الصومعة فِي المسجد كالشجرة فِي دار الرجل؛ لأن الطلوع لجني الثمرة نادر، والصعود فِي الصومعة للأذان يتكرر مرارًا فِي كلّ يوم، والرواية فِي سماع أشهب عن مالك بالمنع من الصعود فِيهَا: والرقي عَلَيْهَا منصوصة عَلَى علمك والمعنى فِيهَا صحيح، فِبهَا أقول: وإن كَانَ يطلع منها عَلَى الدور من بعض نواحيها دون بعض، فيمنع من الوصول منها إلى الجهة التي يطلع منها بحاجز يبنى (٤) وبين تلك الجهة وغيرها من الجهات " (٥). انتهى.
والرواية عن سحنون فِي سماع أشهب من كتاب الصلاة يمنع الصعود فِيهَا، قال ابن رشد: هناك هذا صحيح عَلَى أصل مذهب مالك فِي أنّ الإطلاع من الضرر البيّن الذي
_________________
(١) في (ن ١): (هذا).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٨/ ٧١١، ٧١٢.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢).
(٤) في (ن ١): (بيتًا).
(٥) انظر: فتاوى ابن رشد: ٢/ ١٠٩٦.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
يجب القضاء بقطعه، وكذلك يجب عنده عَلَى مذهب من يرى من أصحاب مالك أن من أحدث فِي ملكه اطلاعًا عَلَى جاره لا يقضى عَلَيْهِ بسدّه. ويقال لجاره استر عَلَى نفسك فِي ملكك، والفرق بين الموضعين عَلَى مذهبهم أنّ المنار ليس بملك للمؤذن؛ وإنما يصعد فِيهِ ابتغاء الخير والثواب، والاطلاع عَلَى حرم الناس محظور ولا يحلّ الدخول فِي نافلة من الخير بمعصية، وسواءً كانت الدور عَلَى القرب أو البعد إِلا البعد الكثير الذي لا تستبين معه الأشخاص ولا الهيئات ولا الذكور من الإناث، فلا يعتبر الاطلاع معه.
وقد كَانَ بعض الشيوخ يستدلّ عَلَى هذا بقول عائشة - رضي الله تعالى عنها - " إن كَانَ رسول الله - ﷺ - ليصلّي (١) الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن (٢) ما يعرفن من الغلس " (٣). والله تعالى المستعان.
_________________
(١) في (ن ١): (يصلي).
(٢) في (ن ١): (بطروطهن).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤١١، ٤١٢. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، ومسلم برقم (٦٤٥) كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
[باب المزارعة]
لِكُلٍّ، فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ [٦٠ / أ]، إِنْ لَمْ يُبْذَرْ، وصَحَّتْ، إِنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، وقَابَلَهَا مُسَاوٍ، وتَسَاوَيَا.
قوله: (وَتَسَاوَيَا) كأنّه أعمّ من قوله قبل: (وقابلها مساوٍ) فيغني عنه.
إِلا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، وخَلْطُ بَذْرٍ إِنْ كَانَ، ولَو بِإِخْرَاجِهِمَا.
قوله: (إِلا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ) [أي بعد العقد] (١) الحاصل بالبذر فـ (أل) عهدية.
فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بِذْرُ أَحَدِهِمَا وعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، إِنْ غَرَّ. وعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ. وإِلا فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ لَهُمَا.
قوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بِذْرُ أَحَدِهِمَا وعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، إِنْ غَرَّ. وعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وإِلا فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ لَهُمَا) أصل هذا ما نقله ابن يونس عن بعض القرويين وهو أبو اسحاق ونصّه: " قال بعض القرويين: وعند ابن القاسم خلطا أو لَمْ يخلطا الشركة جائزة، وإِذَا صحّت الشركة فِي هذا فنبت زرع أَحَدهمَا ولم ينبت الآخر، فإن غرّ (٢) منه صاحبه وقد علم أنّه لا ينبت فعَلَيْهِ مثل [نصف] (٣) بذر صاحبه [لصاحبه] (٤)، والزرع بينهما ولا عوض له فِي بذره.
وإِن لَمْ يعلم أنّه لا ينبت، ولم يغره فإن علم الذي نبت بذره أن يغرم لصاحبه مثل نصف بذره، عَلَى أنّه لا ينبت ويأخذ منه نصف بذره الذي نبت والزرع بينهما عَلَى الشركة غرّه أو لَمْ يغره، ولو (٥) علم ذلك فِي إبان الزراعة، وقد غرّ هذا صاحبه، فأخرج زريعة يعلم أنها لا تنبت فلم تنبت فضمانها منه، وعَلَيْهِ أن يخرج مكيلتها من زريعة تنبت فيزرعها فِي ذلك القليب وهما عَلَى شركتهما ولا غرم عَلَى الآخر للغارّ، [٩٣ / أ] وإن لَمْ يكن غرّ ولا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ١): (أغرّ).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، (ن ٤).
(٥) في (ن ٣): (لم).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
علما فليخرجا جميعًا قفيزًا آخر فيزرعاه فِي القليب [إن أحبّا] (١) وهما عَلَى شركتهما.
قال ابن عبد السلام: سكت فِي الرواية عن رجوع المغرور [على الغارّ بنصف قيمة العمل فيما لَمْ ينبت إِن كَانَ العمل عَلَى المغرور] (٢)، وينبغي أن يكون له الرجوع عَلَيْهِ بذلك؛ لأنه غرور بالفعل، وقبله فِي " التوضيح "، وزاد وينبغي أن يرجع عَلَيْهِ بنصف قيمة كراء الأرض التي غرّه فيها (٣).
وأما ابن عَرَفَة فقال: هو كما قال فِي الرواية هنا؛ ولكن ذكر ابن يونس فِي الردّ بالعيب ما يدل عَلَى الخلاف فِي ذلك قال ما نصّه: " قال ابن حبيب: لَو زارع بما لا ينبت فنبت شعير صاحبه دون شعيره، فإن دلّس رجع عَلَيْهِ صاحبه بنصف مكيلته من شعيرٍ صحيح ونصف كراء الأرض الذي أبطل عَلَيْهِ، وقاله أصبغ: وقال ابن سحنون مثله إِلا الكراء لَمْ يذكره ".
قال ابن عَرَفَة: فظاهر قول ابن سحنون سقوط الكراء، وهو ظاهر قول ابن القاسم فِي " المدونة " فيمن غرّ فِي إنكاح غيره أمة أنّه يغرم للزوج الصداق، ولا يغرم له ما يغرمه الزوج من قيمة الولد (٤)، ونحوه قوله فِي كتاب: " الجنايات ": من باع عبدًا سارقًا دلّس فيه، فسرق من المبتاع فردّه عَلَى سيّده بالعيب، فذلك فِي ذمته إِن عتق يومًا ما (٥)، وأظن فِي " نوازل " الشعبي: من باع مطمورة دلّس فيها بعيب التسويس، فخزّن فيها المبتاع؛ فاستاس ما فيها أنّه لا رجوع له عَلَى البائع بما استاس فيها، قال: ولَو إكراها لرجع عَلَيْهِ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٥٢٠، ٥٢١.
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي:، ونصها: (ومن قال لرجل: فلانة حرة، ثم زوجها إياه غيره فلا رجوع للزوج على المخبر، علم أنها أمة أم لا، وكذلك إن ولي المخبر العقد ولم يعلم أنها أمة، فإن كان وليها عالمًا رجع الزوج عليه بما أدى من الصداق، ولا يرجع عليه بما يغرم من قيمة الولد إذ لم يغره) وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٤/ ٢١٠.
(٥) النّص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٣٢، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
كَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ، أَوْ قَابَلَ بَذْرَ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ أَوْ أَرْضُهُ وبَذْرُهُ، أَوْ بَعْضُهُ، إِنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ.
قوله: (كَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ [إِلَىآخره] (١» تمثيل لما تصحّ فيه الشركة.
أَوْ لأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، إِلا الْعَمَلَ، إِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لا الإِجَارَةِ، أَوْ أَطْلَقَا.
قوله: (أَوْ لأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، إِلا الْعَمَلَ، إِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لا الإِجَارَةِ، أَوْ أَطْلَقَا) أشار بِهِ لما فِي " أجوبة " ابن رشد حيث سئل عن رجلين اشتركا فِي الزرع عَلَى أن جعل أَحَدهمَا الأرض والبذر والبقر، والثاني العمل، ويكون الربع للعامل بيده والثلاثة الأرباع لصاحبه هل يجوز ذلك أم لا.
فأجاب: " لا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه أحدها: أن يعقداها بلفظ الشركة، والثاني: أن يعقداها بلفظ الإجارة، والثالث: أن لا يسميا فِي عقدهما شركةً ولا إجارة؛ [فإن عقداها بلفظ الشركة جازت، وإن عقداها بلفظ الإجارة لَمْ تجز، وإن لَمْ يسميا فِي عقدهما شركة ولا إجارة] (٢)، وإنما قال له: أدفع إليك أرضي وبذري وبقري، وأنت تتولى العمل، ويكون لك ربع الزرع أو خمسه أو جزء من أجزائه، يسميانه فحمله ابن القاسم عَلَى الإجارة فلم يجزه، وإليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون عَلَى الشركة فأجازها، هذا تحصيل القول عندي فِي هذه المسألة، وقد كَانَ من أدركنا من الشيوخ لا يحصلونها هذا التحصيل، ويذهبون إِلَى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل، وليس ذلك عندي بصحيح " (٣). انتهى.
وقد قال اللخمي: اختلف إِذَا كَانَ البذر من عند صاحب الأرض والعمل (٤)، وكانت البقر من عند الآخر، فأجازه سحنون، ومنعه محمد وابن حبيب فقال سحنون إِذَا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: فتاوى ابن رشد: ٢/ ٨٩٦، ٨٩٧.
(٤) في (ن ٣): (والبقر).
[ ٢ / ٨٠٠ ]
اشتركا عَلَى ذلك، عَلَى أن ما أخرج الله تعالى من شيء فلصاحب الأرض [والبذر] (١) ثلثه، ولصاحب العمل ثلثه، وحقّ البقر الثلث، وكانت القيم كذلك جَازَ.
اللخمي: ومثله إِذَا كانت البقر من عند صاحب الأرض والبذر ومن عند الآخر العمل، عَلَى أن له الثلث والقيم في ذلك أثلاثًا فهو جائز.
وقال محمد فِي مثل هذا هو فاسد، وقد كَانَ يكون عَلَى أصله جائز إِلا أنه (٢) قال: إِذَا سلم المتزارعان (٣) من أن تكون الأرض لواحدٍ والبذر لواحد جازت الشركة إِذَا تساويا، وقال ابن حبيب: إِن نزل ذلك كَانَ الزرع لصاحب الأرض والبذر وللآخر أجرة عمله إِلا أن يقول، تعالى نتزارع عَلَى أن يكون نصف أرضي ونصف بذري ونصف بقري كراءً لنصف عملك، فيكون الزرع بينهما؛ لأن هذا قبض نصف البذر فِي أجرته وضمنه، والصواب فِي جميع هذا الجواز -[كما] (٤) قال سحنون: إِذَا دخلا عَلَى وجه الشركة، وأن يعمل البذر عَلَى أملاكهما، وإِن كَانَ عَلَى أنّه يعمل عَلَى ملك صاحب البذر وللآخر ثلث ما يخرج كَانَ فاسدًا قولًا واحدًا؛ لأنه أجر نفسه بمجهول ما يكون بعد الخروج.
قال ابن عَرَفَة: قوله: فسدت قولًا واحدًا. نصٌّ فِي أن إجازة سحنون إنما هي إِذَا كَانَ عَلَى أن يعمل البذر عَلَى أملاكهما. قال ابن عبد السلام: هذه مسألة الخماس ببلدنا، وقد قال فيها ابن رشد: إِن عقداها بلفظ الشركة جاز اتفاقًا، وإِن كَانَ بلفظ الإجارة لَمْ يجز اتفاقًا، فإن عرى العقد من اللفظين فمحلّ الخلاف. ورأي ابن رشد أن هذا تحقيق المذهب، قال ابن عَرَفَة: زعمه أن مسألة عرفنا هي مسألة سحنون ومحمد، فيه نظر من وجوه:
الأول: أن مسألتيهما ليس فيها اختصاص ربّ الأرض والبذر بشيء من غلة الحرث، ومسألة عرفنا بإفريقية فِي زمانه وقبله وبعده إنما هي عَلَى أنّ كلّ التبن لربّ الأرض والبذر.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، (ن ٢)، و(ن ٣).
(٢) في (ن ٢): (جائز).
(٣) في (ن ١)، الأصل: (المتنازعان).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، الأصل.
[ ٢ / ٨٠١ ]
الثاني: أن مسألة سحنون ومحمد أن المنفرد بالعمل أخرج معه البقر، ومسألة عرفنا لا يأتي العامل [٩٣ / ب] فيها إِلا بعمل يد هـ فقط، [وفي] (١) كونه كذلك يصيره أجيرًا ويمنع كونه شريكًا، ودلالة كلام ابن رشد فِي المسألة التي سئل عنها عَلَى خلاف ما قلناه، وكذلك قول اللخمي ومثله إِن كَانَ من [عند أَحَدهمَا] (٢) العمل فقط يردّ بمخالفته لأَقْوَال أهل المذهب، وقول ابن يونس: أراهم أنهم جعلوا إِذَا لَمْ يخرج العامل إِلا عمل يده فقط أنّه أجيرًا وإِن كافأ عمله ما أخرج صاحبه، وإِن أخرج العامل شيئًا من المال إما بقرًا أو بعض الزريعة وإِن قلّ وكافأ ذلك عمل يده ما أخرج الآخر فإنهما شريكان، وهم أهدى للصواب. ابن عَرَفَة: فحقيقة الشركة عدم انفراد أَحَدهمَا بإخراج المال والآخر بإخراج العمل، والإجارة بعكس ذلك.
الثالث: ظاهر أَقْوَال أهل المذهب أن شرط الشركة كون العمل فيها مضمونًا لا فِي عمل عامل معين، ومسألة عرفنا إنما يدخلون فيها عَلَى أن العمل معين بنفس العامل والحامل عَلَى هذا خوف الاغترار بقوله: فيعتقد فِي مسألة عرفنا قول بالصّحة وليس كذلك. فتأمله منصفًا.
ولقد أجاد ونصح شيخ شيوخنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن شعيب بن عمر الهنتاتي الهسكوري حيث سئل عن مسألة الخماس فِي الزرع بجزءٍ معين هل يجوز أم لا؟، وهل ينتهض عذر فِي إباحته بتعذر من يدخل عَلَى غير هذا (٣)؟
فأجاب: بأنها إجارة فاسدة وليست شركة؛ لأن الشركة تستدعي الاشتراك فِي الأصول (٤) التي هي مستند الأرباح وعدم المساعد عَلَى ما يجوز من ذلك لا ينهض عذرًا؛ لأن علة الفساد فِي ذلك وأمثاله إنما هي من إهمال حملة الشريعة، ولَو تعرضوا لفسخ عقود ذوي الفساد لما استمروا عَلَى فسادهم، فإن حاجة الضعيف للقوي أشدّ قال الله العظيم
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، (ن ٢)، الأصل.
(٢) في (ن ١): (عندهما).
(٣) في (ن ١): (غيرها).
(٤) في (ن ١)، الأصل: (الأموال).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٦ - ٨]. انتهى [مختصرًا] (١)، ونقلناه فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " أشبع من هذا.
تفريع:
قال المتيطي: وإِن شرط (٢) ربّ الأرض هدايا فِي العيدين والنيروز والمهرجان وساوى ذلك مَعَ عمل العامل كراء الأرض فهو جائز، ولا يجوز أن يشترط عَلَى العامل جزورًا مذبوحة ولا تيسًا خصيًا ولا بيضًا ولا حيوانًا لا يراد إِلا للحم، ويدخل ذلك كلّه في كراء الأرض بالطعام. ومن الموثقين من يعقد هذه الهدايا عَلَى الطوع بعد الصفقة، ومنهم من يعقدها فِي صفقة أخرى، ويجعل ذلك عوضًا من كراء الدار التي يسكنها لعمارة (٣) الملك، ومنهم من يعقدها شرطًا فِي الصفقة عَلَى ما قدمناه. قال بعض الموثقين: وهو أولى إِذَا كَانَ ذلك كلّه مَعَ عمل العامل مساويًا لكراء الأرض أو يفضل عَلَيْهِ بقليل، وأما الدار إِن سكتا عنها فِي صفقة المزارعة فهما يحملان فيها عَلَى عرف المكان إِذَا طلب ربها كراءها.
تكميل:
إذا فرعنا عَلَى جواز شركة الخماس فما حكم ما يعطي من جلّابيّه ومأكله؟ ذُكر أن فقهاء فاس سئلوا عنها، فأفتى أبو العباس القباب بالمنع وهو الظاهر فتفسد العقدة باشتراطه، وأفتى أبو عمران العبدوسي بالجواز، وزعموا أنّه وجده لابن العطار، وأفتى أبو موسى عيسى بن علال بأنه يمكن إجراؤها عَلَى إعانة المغارسة، كما أفتى بمنع المزارعة فِي القطن لأعوام لأنها مساقاة ومزارعة.
كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وتَسَاوَيَا غَيْرَهَا.
قوله: (كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وتَسَاوَيَا غَيْرَهَا) التشبيه راجع لقوله: (لا الإجارة) قال
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ٢): (اشترط).
(٣) في (ن ١): (العمارة).
[ ٢ / ٨٠٣ ]
فِي " المدونة " فِي المتزارعين يشتركان فيخرج أَحَدهمَا أرضًا لها قدر من الكراء فيلغيها [لصاحبه] (١) ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر فلا يجوز إِلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض، ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية أو تكون أرضًا لا خطب لها فِي الكراء كأرض المغرب وشبهها فيجوز أن يلغى كراؤها لصاحبه، ويخرجا ما بعد ذلك بينهما بالسوية (٢).
أبو الحسن الصغير: لعلّ أرض المغرب كانت فِي وقته لا خطب لها؛ لقلّة عمارتها، أو أراد أرض برقة، ولم يسثن هنا ما لا خطب له من الأرض لاعتقاده أن استثناء التافه لا يختصّ بالأرض لقوله فِي " توضيحه ": لعلّ ابن الحَاجِب خصص الأرض تبعًا للمدونة، وإِلا فينبغي أن التطوع بالتافه مُطْلَقًا كذلك، وعَلَيْهِ تدل " الرسالة "؛ لأن فيها: " ولَو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعَلَى الآخر العمل جَازَ إِذَا تقاربت قيمة ذلك " (٣). انتهى؛ مَعَ أنّه لَمْ ينبه هنا عَلَى استثناء التافه جملة.
أَوْ لأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وعَمَلٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (أَوْ لأَحَدِهِمَا [٩٤ / أ] أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وعَمَلٌ عَلَى الأَصَحِّ) الظاهر أنّه معطوف عَلَى قوله: (كإلغاء الأرض) فهو أَيْضًا مشبه بقوله: (لا الإجارة) وعن (٤) هذا عبّر فِي " توضيحه " بقوله: " إِذَا أخرج أَحَدهمَا البذر والآخر العمل والأرض، فإن كانت الأرض لها خطب لَمْ يجز، وإِن لَمْ يكن لها خطب فقَوْلانِ، الجواز لسحنون، وهو مبني عَلَى جواز التطوع بالتافه فِي العقد، والمنع لابن عبدوس، ورأى أنّه يدخله كراء الأرض بما يخرج منها. ابن يونس: وهو الصواب ". انتهى (٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٢/ ٤٤.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٥١٥، وانظر نقله عن الرسالة، لابن أبي زيد، ص: ١١٢.
(٤) في (ن ١): (وعلى)
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٥١٠، ٥١١.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
فلعلّ قوله: (عَلَى الأَصَحّ) مصحّف من الأَرْجَح (١).
وإِنْ فَسَدَتْ وتَكَافَآ عَملًا، فَبَيْنَهُمَا، وتَرَادَّا غَيْرَهُ، وإِلا فَلِلْعَامِلِ، وعَلَيْهِ الأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ، أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ.
قوله: (وَإِنْ فَسَدَتْ وتَكَافَآ عَملًا، فَبَيْنَهُمَا، وتَرَادَّا غَيْرَهُ، وإِلا فَلِلْعَامِلِ، وعَلَيْهِ الأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ، أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ) تصوّر أوله ظاهر، واشتمل آخره عَلَى ثلاث صور:
الأولى: أن يضيف العامل البذر إِلَى عمله، وإليها أشار بقوله: (كَانَ له بذر مَعَ عمل) وفرض الكلام فِي العامل مغنٍ عن قوله: (مَعَ عمل).
الثانية: أن يضيف الأرض إِلَى عمله، وإليه أشار بقوله: (أو أرض) وهو مرفوع عطفًا عَلَى بذر.
الثالثة: أن يكون الكلّ من عندهما إِلا العمل، فمن أَحَدهمَا وإليها أشار بقوله: (أو كل لكل) وفهم منه أنّ العامل إِذَا لَمْ يضف لعمله شيئًا كالخماس عندنا لا يكون له الزرع، وإنما له أجرة المثل فِي عمله، وهذا الذي اقتصر عَلَيْهِ هنا عقد فيه قول ابن يونس. قال ابن المواز من قول مالك وابن القاسم: إِن الزرع كلّه فِي فساد الشركه لمن تولى القيام بِهِ كَانَ مخرج البذر صاحب الأرض أو غيره، وعَلَيْهِ إِن كَانَ هو مخرج [البذر كراء أرض صاحبه، وإِن كَانَ صاحبه مخرج] (٢) البذر فعَلَيْهِ له مثل بذره.
وإِن وليا العمل جميعًا غرم هذا لهذا مثل نصف بذره، وهذا لهذا مثل كراء نصف
_________________
(١) يشير المؤلف هنا إلى اصطلاح المصنف الوارد في أول المختصر من قوله: (وبِالتَّرْجِيحِ لاِبْنِ يُونُسَ) ولابن يونس هنا ترجيح في المسألة، وما دام كذلك فقوله (عَلَى الأَصَحّ) في كلامه ليس موضعها هنا، والأصح في مصطلحه يعني به: (أَنَّ شَيْخًا غَيْرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ - وهم اللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري - صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ)، وقد نقل صاحب منح الجليل ما يفيد صحة ما عند المصنف خلافًا لما استدركه المؤلف عليه بعد أن نقل كلام المؤلف بنصه قال: ( الْبُنَانِيُّ: أَبُو عَلِيٍّ: كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَحِّحَ هُوَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا ابْنُ يُونُسَ، فَلَفْظُ الْأَصَحِّ فِي مَحَلِّهِ) انظر: منح الجليل للشيخ عليش: ٦/ ٣٥٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
أرضه، وكَانَ الزرع بينهما. قال ابن عَرَفَة فِي نقل ابن يونس: هذا يدلّ عَلَى أن من ولي القيام بِهِ إنما وليه بعمل يده مَعَ شيءٍ آخر، بقر أو بذر، ثم نقل ابن يونس فِي باب بعد هذا عن أبي محمد بن أبي زيد أنّه قال: الذي ذكر محمد عَلَى أصل ابن القاسم أن الزرع لصاحب العمل إِذَا أسلمت الأرض إليه ويغرم مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها، وإِن بعض القرويين اعترضه بأنه لَمْ يوجد لابن القاسم أن من انفرد بالعمل وحده بدون شيء آخر معه يكون له الزرع إنما جعل له الزرع إِذَا انضاف إِلَى ذلك أرض أو بذر ". انتهى. وقد أشار إليه فِي " توضيحه " (١) فدلّ أنّه قصده هنا.
_________________
(١) انظر تفصيل الصور في التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٥٢١، وما بعدها.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
[باب الوكالة] (١)
صِحَّةُ الْوَكَالَةِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ مِنْ عَقْدٍ وفَسْخٍ، وقَبْضِ حَقٍّ وعُقُوبَةٍ، وحَوَالَةٍ، وإِبْرَاءٍ وإِنْ جَهِلَهُ الثَّلاثَةُ وحَجٍّ، ووَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ، وإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ، لا إِنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلاثٍ، إِلا لِعُذْرٍ وحَلَفَ فِي كَسَفَرٍ، ولَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ، ولا لَهُ عِزْلَ نَفْسِهِ، ولا الإِقْرَارُ، إِنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ، أَوْ يَجْعَلْ لَهُ ولِخَصْمِهِ اضْطِرَارُهُ إِلَيْهِ قَالَ: وإِنْ قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ، فَإِقْرَارٌ، لا فِي كَيَمِينٍ، ومَعْصِيَةٍ كَظِهَارٍ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا.
قوله: (كظهار) كذا قَالَ ابن شاس: لا تصحّ بالظهار (٢)؛ لأنه منكر من القول وزور (٣). وخرّج عَلَيْهِ ابن هارون الطلاق. وقَالَ ابن عبد السلام: الأقرب عندي فِي الظهار أنّه كالطلاق، وتعقبه ابن عَرَفَة بما يوقف عَلَيْهِ فِي " مختصره ".
لا مُجَرَّدَ وَكَّلْتُكَ، بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ.
قوله: (لا مُجَرَّدَ وَكَّلْتُكَ) ابن عبد السلام: اتفق مالك والشافعي عَلَى عدم إفادة الوكالة المطلقة، واختلفا فِي الوصية المطلقة؟ فقال الشافعي: هي فِي مثل الوكالة المطلقة. وقَالَ مالك: هي صحيحة، ويكون للوصي أن يتصرف فِي كلّ شيء لليتيم كوكالة التفويض، ولعلّ الفرق بينهما قرينة الموت، فإن اليتيم محتاج؛ لأن يتصرف له فِي كلّ شيء، فإذا لَمْ يوص عَلَيْهِ أبوه غير هذا الوصي ولم يستثن عَلَيْهِ شيئًا، والسبب الذي لأجله أوصى عَلَيْهِ وهو الحاجة إِلَى النظر عام وجب عموم المسبب ولا كذلك الوكالة، فإن الموكلّ قادر عَلَى التصرف فِي كلّ شيء مما له التصرف فيه ولا بد له من أمرٍ يستبدّ بِهِ عادة فاحتيج من أجل ذلك إِلَى تقييد الوكالة بالتفويض أو بغيره وقد ذكرت هنا فروق ليست بالبينة.
وقَالَ ابن عَرَفَة: فلو أتى بلفظ التوكيل مُطْلَقًا كـ: أنت وكيلي، أو وكلتك؛ فطريقان. ابن بشير وابن شاس: لغو، وهو قول ابن الحَاجِب (٤)، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون،
_________________
(١) في (ن ٤) (صحة الوكالة).
(٢) في الأصل: (في الظهار).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٢٥.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٢٦، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٧، ونصّه: (فلو قال وكلتك لم يفد حتى يقيد بالتفويض).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
وقَالَ ابن رشد فِي رسم أسلم من سماع عيسى ما نصّه: " وإنما تكون الوكالة مفوضة فِي كلّ شيء إِذَا لَمْ يسم فيها شيئًا، وكذلك الوصية إِذَا قَالَ الرجل: فلان وصيي ولم يزد عَلَى ذلك كَانَ وصيًا له فِي كلّ شيء: فِي ماله [٩٤ / ب] وأبضاع بناته؛ ولهذا المعنى قالوا فِي الوكالة: إنها إِذَا طالت قصرت وإِذَا قصرت طالت.
ابن عَرَفَة: فظاهر قوله أنّه إِذَا قَالَ: أنت وكيلي أو وكلتك عمّ ذلك وصحّ، وكان تفويضًا.
فَيَمْضِي النَّظَرُ، إِلا أَنْ يَقُولَ وغَيْرُ النَّظَرِ، إِلا فِي الطَّلاقِ، وإِنْكَاحِ بِكْرِهِ، وبَيْعِ دَارِ سُكْنَاهُ وعَبْدِهِ، أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ، وتَخَصَّصَ، وتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ، فَلا يَعْدُهُ إِلا عَلَى بَيْعٍ، فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وقَبْضُهُ، أَوِ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ ورَدُّ الْمَعِيبِ، إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ، وطُولِبَ بِثَمَنٍ ومُثْمَنٍ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ كَبَعَثَنِي فُلانٌ لِتَبِيعَهُ، لا لأَشْتَرِي مِنْكَ، وبِالْعُهْدَةِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ، وتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ ولائِقٌ بِهِ، إِلا أَنْ يُسَمِّيَ الثَّمَنَ، فَتَرَدُّدٌ، وثَمَنُ الْمِثْلِ وإِلا خُيِّرَ، كَفُلُوسٍ، إِلا مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لِخِفَّتِهِ، وكَصَرْفِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ إِلا أَنْ يَكُونَ الشَّأْنُ، وكَمُخَالَفَتِهِ [مُشْتَرًى عُيِّنَ، أَوْ سُوقًا، أَوْ زَمَانًا] (١) أَوْ بَيْعِهِ بِأَقَلَّ، أَوِ اشْتِرَائِهِ بِأَكْثَرَ كَثِيرًا.
قوله: (فَيَمْضِي النَّظَرُ، إِلا أَنْ يَقُولَ وغَيْرُ النَّظَرِ) كذا لابن بشير، وتبعه ابن شاس وابن الحَاجِب (٢) وابن عبد السلام وابن هارون. قَالَ فِي " التوضيح ": وفيه نظر؛ إذ لا يأذن الشرع فِي السفه، فينبغي أن يضمن الوكيل إذ لا يحلّ لهما ذلك. وقَالَ ابن عَرَفَة: مقتضى المذهب منع التوكيل عَلَى غير وجه النظر؛ لأنه فساد، وفِي [البيوع] (٣) الفاسدة من " المدونة ": تقييد بيع الثمر قبل بدو صلاحه بقوله: إِذَا لَمْ يكن فسادًا، ونقل اللخمي عن المذهب منع توكيل السفيه.
_________________
(١) في الأصل: (مُشترٍ عُيِّنَ أو سوقٍ أو زمانٍ) وضبطه فيما رجّحناه عن المطبوعة وشروح المختصر اتفقت على ما أثبتناه.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٢٦، قال: (إلا أن يقول له: افعل ما شئت، كان نظرًا أو غير نظر) وقال ابن الحاجب: (مضى في جميع الأشياء إذا كان نظرا إلا أن يقول نظرا وغير نظر) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٧
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
[لا] (١) كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ وصُدِّقَ فِي دَفْعِهِمَا وإِنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ يَطُلْ، وحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَاءٍ لَزِمَهُ، إِنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ، كَذِي عَيْبٍ، إِلا أَنْ يَقِلَّ، وهُوَ فُرْصَةٌ، أَوْ فِي بَيْعٍ، فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ.
قوله: (لا كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ) كذا فِي بعض النسخ بلا النافية دون الاستثنائية؛ وهو أصوب.
ولَو رِبَوِيًَّا بِمِثْلِهِ، إِنْ لَمْ يَلْتَزِمِ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الأَحْسَنِ لا إِنْ زَادَ فِي بَيْعٍ، أَوْ نَقَصَ فِي اشْتِرَاءٍ، أَوِ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ونَقَدَهَا وعَكْسُهُ، أَوْ شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُمْكِنْ إِفْرَادُهُمَا وإِلا خُيِّرَ فِي الثَّانِيَةِ [٦٠ / ب]، أَوْ أَخَذَ فِي سَلَمِكَ حَمِيلًا، أَوْ رَهْنًا وضَمِنَهُ قَبْلَ عِلْمِكَ بِهِ، ورِضَاكَ.
قوله: (ولَو رِبَوِيًَّا بِمِثْلِهِ) أصل هذا قوله فِي كتاب السلم الثاني من " المدونة ": وإِن وكلت رجلًا عَلَى بيع طعام أو عرض، فباعه بغير العين من عرض أو طعام أو غيره، وانتقد فأحبّ إِلَى أن يضمن المأمور حين باع بغير العين إِلا [أن يجيز الآمر فعله ويأخذ ما باع به] (٢). عياض: قيل معنى المسألة: باع الطعام بالعرض أو العرض بالطعام، وأما لَو باع الطعام بالطعام لَمْ يصح تخييره؛ لأنه كَانَ يصير طعامًا بطعام فيه خيار، وحمل بعض القرويين المسألة عَلَى وجهها، وأنّه جائز أن يقبل ما اشترى، ويجيز فعله ولم يعتبر الخيار، وهذا أصل مختلف فيه.
وقَالَ اللخمي: اختلف إِذَا باع الطعام بالطعام، فأجاز ابن القاسم للآمر أن يأخذ الطعام الثاني، ومنعه أشهب وقَالَ: ليس للآمر إِلا مثل طعامه، ويباع له الثاني إِن كان فيه فضل، وهذا لئلا يربح الغاصب والمتعدي. انتهى.
فقوله فِي " التوضيح ": مثاله لَو قَالَ بعها بقمح، فباعها بفول أو بدراهم، فباعها بذهب، صوابه لَو قَالَ: بع القمح بدراهم، فباعه بفول أو اشتر بالعين سلعة، فصرف العين بعين وجاءه بها.
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (إلا)، وانظر: إشارة المؤلف.
(٢) في (ن ١): (من عرض أو طعام) والنص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٨، والمدونة، لابن القاسم: ٩/ ٥١.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ، وعَكْسِهِ، قَوْلانِ، وحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لا أَفْعَلُهُ إِلا بِنِيَّةٍ.
قوله: (وفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ) كذا فِي بعض النسخ بإدخال (فِي) عَلَى الباء الجارة لـ (دراهم) عَلَى سبيل الحكاية، وهو صواب.
ومُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ وعَدَوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ، والرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ، إِنْ دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ، وبَيْعُهُ لِنَفْسِهِ ومَحْجُورِهِ بِخِلافِ زَوْجَتِهِ ورَقِيقِهِ إِنْ لَمْ يُحَابِ. واشْتِرَاءُ مَنْ يَعْتَقَ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَ ولَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ وعَتَقَ عَلَيْهِ، وإِلا فَعَلَى آمِرِهِ، وتَوْكِيلُهُ إِلا أَنْ لا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يَكْثُرَ، فَلا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الأَوَّلِ.
قوله: (ومُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ) أصله فِي كتاب السلم الثاني من " المدونة " لا يجوز لمسلمٍ أن يستأجر نصرانيًا إِلا للخدمة، فأما لبيعٍ أو شراءٍ أو تقاضٍ أو ليبضع معه فلا يجوز، وكذلك عبده النصراني (١). ابن يونس: لعملهم بالربا واستحلالهم له. قَالَ بعض القرويين: لأنه فِي وكالته [على الاقتضاء] (٢) يتسلط عَلَى المسلمين بتسليط الوكالة، ويغلظ عليهم إِن منعوه، فكره ذلك لئلا يذل المسلمين. ابن الحَاجِب: وفيها لا يوكل الذمي عَلَى مسلم. (٣) فناقشه ابن عبد السلام وابن عَرَفَة بأنه ليس فيها كونه عَلَى مسلم.
وفِي رِضَاهُ إِنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وفِي رِضَاهُ إِنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلانِ) يريد (٤) فِي سلم (٥).
ورِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ.
قوله: (ورِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ) (ورضاه) عطف عَلَى نائب (منع) وبمخالفته متعلق (برضاه) وَ(بمسماه) متعلق (بمخالفته) فالمخالفة هنا فِي المسمى فليس بتكرار مَعَ قوله قبل: (والرضا بمخالفته فِي سلم إِن دفع له الثمن) لأن المخالفة
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٩/ ٥١.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٨.
(٤) زاد في (ن ٤): (أن الوكيل إذا وكل غيره في شيء فإن فعل الوكيل الثاني كفعل الأول في الرضى والصحة لزم وإلا فلا).
(٥) في (ن ١)، (ن ٣): (مسلم).
[ ٢ / ٨١٠ ]
هناك فِي الجنس أو النوع، وقد ذكرهما معًا فِي السلم الثاني من " المدونة " (١).
أَوْ بِدَيْنٍ إِنْ فَاتَ، وبِيعَ، فَإِنْ وفَّى بِالْقِيمَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وإِلا غَرِمَ، وإِنْ سَأَلَ [الْوَكِيلُ] (٢) غُرْمَ التَّسْمِيَةِ، [أَوِ الْقِيمَةِ] (٣)، ويَصْبِرَ لِقَبْضِهَا، ويَدْفَعَ الْبَاقِي جَازَ، إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا فَأَقَلَّ، وإِنْ أَمَرَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوِ الْقِيمَةِ، واسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ لأَجْلِهِ فَبِيعَ وغَرِمَ النَّقْصَ، والزِّيَادَةُ لَكَ.
قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ) الوجه عطفه عَلَى (بمخالفته) ويحتمل عَلَى (بمسماه).
وضَمِنَ، إِنْ أَقْبَضَ (٤) ولَمْ يُشْهِدْ أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ. نَقْدًا مَا لا يُبَاعُ بِهِ وادَّعَى الإِذْنَ، فَنُوزِعَ، أَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ، فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ، ولَو قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْتُ وتَلِفَ، بَرِئَ ولَمْ يَبْرَإِ الْغَرِيمُ، إِلا بِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَ الْمُوَكِّلَ غُرْمُ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَصِلَ لِرَبِّهِ، إِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لَهُ.
قوله: (وَضَمِنَ، إِنْ أَقْبَضَ ولَمْ يُشْهِدْ) كذا فِي بعض النسخ بحذف مفعول (أَقْبَضَ) فيعمّ الدين والمبيع.
وصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ، فَلا يُؤَخِّرُ لِلإِشْهَادِ.
قوله: (وصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ، فَلا يُؤَخِّرُ لِلإِشْهَادِ) تبع فِي عدم التأخير للإشهاد ابن الحَاجِب إذ قَالَ: والمصدق فِي الرد ليس له التأخير لعذر الإشهاد (٥). وقال فِي " توضحيه " تبعًا لابن عبد السلام وابن هارون لَو قيل إِن للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهد لكان حسنًا؛ لأنهما يقَوْلانِ إِذَا لَمْ نشهد تتوجه علينا اليَمِين. قلنا: التأخير لتسقط اليَمِين ولا سيما الوَكِيل للخلاف الذي فيه.
_________________
(١) قال في المدونة: (وإن دفعت إليه دراهم يسلمها لك في ثوب هروي، فأسلمها في بساط شعر، أو يشتري لك بها ثوبًا فأسلمها في طعام أو عروض، أو في غير ما أمرته به، أو زاد في الثمن ما لا يزاد على مثله، فليس لك أن تجيز فعله) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٩.
(٢) ما بين المعكوفتين، ساقط من المطبوعة.
(٣) ما بين المعكوفتين، زيادة من: المطبوعة.
(٤) في أصل المختصر والمطبوعة: (أقبض الدين)، وانظر: إشارة المؤلف، وانظر: كلام الحطاب أيضًا في مواهب الجليل: ٥/ ٢٠٥.
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٩.
[ ٢ / ٨١١ ]
وأما ابن عَرَفَة فقال بعد كلام طويل: الحقّ أن لا تعقّب عَلَى ظاهر لفظ ابن الحَاجِب؛ لأنه يصدق بحمله عَلَى الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين كالوَكِيل عَلَى قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه بمدة طويلة - يصدق فيها الوَكِيل دون يمين.
ولأَحَدِ الوَكِيليْنِ الاسْتِبْدَادُ، إِلا لِشَرْطٍ، وإِنْ بِعْتَ وبَاعَ، فَالأَوَّلُ، إِلا بِقَبْضٍ، ولَكَ قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ، إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، والْقَوْلُ لَكَ إِنِ ادَّعَى الإِذْنَ، أَوْ صِفَةً لَهُ، إِلا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِغَيْرِهِ، وحَلَفَ كَقَوْلِهِ أَمَرْتَ بِبَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، وأَشْبَهَتْ، وقُلْتَ بِأَكْثَرَ، وفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ، أَوْ لَمْ يَفُتْ، ولَمْ تَحْلِفْ. وإِنْ وَكَّلْتَهُ عَلَى أَخْذِ جَارِيَةٍ فَبَعَثَ بِهَا فَوُطِئَتْ، ثُمَّ قَدِمَ بِأُخْرَى، وقَالَ هَذِهِ لَكَ، فَالأُخْرَى وَدِيعَةٌ، وإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وحَلَفَ أَخَذَهَا، إِلا أَنْ تَفُوتَ بِكَوَلَدٍ أَوْ تَدْبِيرٍ، إِلا لِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَتْكَ الأُخْرَى، وإِنْ أَمَرْتَهُ بِمِائَةٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرْتَ فِي أَخْذِهَا بِمَا قَالَ، وإِلا لَمْ يَلْزَمْكَ إِلا الْمِائَةُ، وإِنْ رْدَّتْ دَرَاهِمُكَ لِزَيْفٍ، فَإِنْ عَرَفَهَا مَأْمُورُكَ لَزِمَتْكَ وهَلْ، وإِن قَبَضْتَ؟ تَأْوِيلانِ وإِلا فَإِنْ قَبِلَهَا، حَلَفَتْ وهَلْ مُطْلَقًا؟ أَوْ لِعُدْمِ الْمَأْمُورِ مَا دَفَعْتَ إِلا جِيَادًا فِي عِلْمِكَ ولَزِمَتْهُ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (ولأَحَدِ الوَكِيليْنِ الاسْتِبْدَادُ، إِلا لِشَرْطٍ) كذا قَالَ ابن الحَاجِب، تبعًا لابن شاس (١) فقال ابن عبد السلام: يعني أنّ أمر الوَكِيلين مخالف للوصيين فإنه لا يجوز لأَحَدهمَا الاستبداد. ونحوه لابن هارون فقال ابن عَرَفَة: لا أعرفه لغيرهم، وكذا تعقبه المصنف فِي " توضيحه " فيشبه أن يكون قَالَ هنا: ولا لأحد الوَكِيلين بزيادة لا النافية عطفًا عَلَى قوله: (فلا يؤخر [للإشهاد] (٢» ولكن سقط للناقل لفظ لا، ويمكن أن يكون اتبع من ذكرنا منشدًا بلسان حاله:
وهَلْ أنا إلاّ مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ (٣)
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: قال: (وإذا وكل رجلين فلكل واحد منهما الاستبداد، إلا أن يقصره على موافقة صاحبه) وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩٩.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١).
(٣) البيت لدريد بن الصمة، انظر: جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري: ١/ ١٩٥.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وإِلا حَلَفْتَ (١) كَذَلِكَ، وحَلَفَ الدافع (٢)، وفِي الْمُبَدَّإِ تَأْوِيلانِ. وانْعَزَلَ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ، إِن عَلِمَ، وإِلا فَتَأْوِيلانِ، وفِي عَزْلِهِ [٦١ / أ] بِعَزْلِهِ. ولَمْ يَعْلَمْ خِلافٌ وهَلْ لا تَلْزَمُ، أَوْ إِن وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعْلٍ، فَكَهُمَا، وإِلا لَمْ تَلْزَمْ؟ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَإِلا حَلَفْتَ كَذَلِكَ، وحَلَفَ الدافع) (٣) كذا هو فِي أكثر النسخ أي: وإِن لَمْ [٩٥ / أ] يقبلها المأمور ولا عرفها حلفت أيها الموكل ما دفعت إِلا جيادًا فِي علمك؟ وحلف أَيْضًا الدافع الذي هو الوَكِيل، وهو راجع لما فِي " المدونة " (٤). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (حلف).
(٢) في أصل المختصر والمطبوعة: (البائع).
(٣) في كل شروح المختصر: (وإلا حلف كذلك وحلف البائع).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٢١٣.
[ ٢ / ٨١٣ ]
[باب الإقرار]
يُؤَاخَذُ الْمُكَلَّفُ، بِلا حَجْرٍ بِإِقْرَارِهِ لأُهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ، ولَمْ يُتَّهَمْ، كَالْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وأَخْرَسَ (١).
قوله: (بِلا حَجْرٍ) أحاله عَلَى ما تقدّم فِي باب الحجر، ومن جملة ذلك قوله: (وحجر عَلَى الرقيق إِلا بإذن) فيفهم منه أن إقرار المأذون له فِي التجارة والمكاتب لازم، وقد قَالَ فِي " النوادر " عن ابن سحنون قَالَ مالك وأصحابه: إقرار المأذون له من عبد أو مدبر أو أم ولد بدين أو وديعة أو عارية أو غصب لازم. ابن مُيَسِّر: وكذا بقراض لَمْ يستنكر (٢). وفِي " الموازية " وكتاب ابن سحنون: إقرار المكاتب جائز ببيعٍ أو دين أو وديعة أو عارية أو بدار فِي يده بكراء المسلم أو كافر حر أو عبد، ولَو أحاط ما أقرّ بِهِ من دين بما فِي يده.
وقَالَ ابن عبد الحكم: مثله فِي إقراره بالدين والبيع قَالَ: وإقراره بوديعة لا يحكم بِهِ عَلَيْهِ فيها إِلا أن يعتق وهي فِي يده، فإن تلفت قبل عتقه فلا شيء عَلَيْهِ فيها، ولا يلزمه إقراره بالعارية إِلا أن يعتق فتؤخذ منه، وإِن عجز أخذها سيده، وإقراره بغصبٍ أو جناية فِي غير بدنه لغو، وقاله محمد فِي الغصب والجناية، ونحوه فِي كتاب ابن سحنون.
ومَرِيضٍ، إِنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِلأَبْعَدِ أَوْ لِمُلاطِفِهِ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرِثْهُ، أَوْ لِمَجْهُولٍ حَالُهُ كَزَوْجٍ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا أَوْ جُهِلَ، له (٣) ابْنٌ أَوْ بَنُونَ، إِلا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالصَّغِيرِ، ومَعَ الإِنَاثِ والْعَصَبَةِ، قَوْلانِ كَإِقْرَارِهِ لِلْوَلَدِ الْعَاقِّ.
قوله: (وَمَرِيضٍ، إِنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِلأَبْعَدِ أَوْ لِمُلاطِفِهِ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرِثْهُ، أَوْ لِمَجْهُولٍ حَالُهُ) الشرط كما قيل: راجع لما بعد الأبعد، واحترز بالأبعد من الأقرب والمساوي والمتوسط بينهما، وقد صرّح بأحكامهم فيما بعد، وقصده اختصار تحصيل ابن رشد فِي ثاني مسألة من
_________________
(١) في بعض نسخ مطبوعة المختصر: (وأخرص) بالصاد المهملة. انظر: مختصر خليل، ط المكتبة العصرية، ص: ١٦٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٩/ ٣٣١.
(٣) في أصل المختصر والمطبوعة: (وَوَرِثَهُ).
[ ٢ / ٨١٤ ]
رسم ليرفعن من سماع ابن القاسم من كتاب " المديان والتفليس " (١)، وفِي كثيرٍ من النسخ: إِن لَمْ يرثه بالنفي، وليس بشيء.
أَوْ لأُمِّهِ، أَوْ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُقَرَّ لَهُ أَبْعَدُ وأَقْرَبُ، لا الْمُسَاوِي والأَقْرَبِ.
قوله: (أَوْ لأُمِّهِ) مقتضاه إجراء القولين فِي إقرار الزوج لزوجته إِذَا كَانَ لها منه ولد عاقّ له، فهو فِي معرض الاستثناء من قوله: (أو جهل وله ابن أو بنون) إِلا أن كون الزوجة المقرّ لها أم العاقّ ليس بشرط، بل لا فرق بين أن يكون منها أو من غيرها. قَالَ فِي
" المقدمات ": فإن كَانَ الولد الكبير فِي الموضع الذي ترتفع التهمة فيه عن الأبّ فِي إقراره لزوجه عاقًا له لَمْ ترتفع عنه التهمة، وبطل الإقرار عَلَى ما فِي سماع أصبغ من " العتبية "، وإحدى الروايتين فِي " المدونة " وإِن كَانَ بعضهم عاقًا له، وبعضهم بارًا له تخرج ذلك عَلَى الاختلاف فِي إقراره لبعض العصبة إِذَا ترك ابنة وعصبة. انتهى (٢). ومثله فِي آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب " المديان والتفليس " (٣)، وما نسبه للمدونة وهو فِي كتاب " المديان " منها (٤).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٣٦٩، ٣٧٠، ونص المسألة: (وسئل مالك عن المرأة تقر عند الموت بصداق كان على زوجها أنها قبضته منه أتصدق في ذلك؟ قال: هذه وجوه تختلف، أما كل امرأة يكون لها أولاد قد كبروا وقد يكون بينها وبينه غير الحسن فهذه لا تتهم. أن تكون ولجت ذلك إليه، وأرى أن تصدق في ذلك، وأما المرأة التي لا ولد لها ومثلها يتهم فلا أرى ذلك بجائز، ومثل ذلك الرجل يقر بالدين للرجل، فلو أقر لولد أو لأخ أو لأب أو لمن يتهم أن يصنع ذلك له لانقطاعه إليه من الرجال أو غيرهم لم أر أن يجوز ذلك إليه، ولو كان لمن لا يتهم عليه مثل التجار الذين يعرفوا أنهم لم يكن بينهم من الأمور الذين لا يتهمونه على شيء رأيت ذلك جائزًا، قال سحنون: وقد يتهم أيضًا في صديق ملاطف إذا كان ورثته عصبة).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٦.
(٣) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٣٥٧.
(٤) قال فيها: (ويجوز إقرار المريض بقبض الدين، إلا من وارث أو ممن يتهم بالتأليج إليه، وكذلك لا يجوز إقرار الزوجة بقبض المهر المؤجل من زوجها في مرضها، ولا يجوز إقرار المريض لبعض ورثته بدين، وأما إن أقرّ لزوجته في مرضه بدين أو مهر، فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية محاباة وله ولد من غيرها، فذلك جائز، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة، وقد كان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم - ولعل لها منه ولدًا صغيرًا - فلا يجوز إقراره) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٦٢٥.
[ ٢ / ٨١٥ ]
كَأَخِّرْنِي لِسَنَةٍ، وأَنَا أُقِرُّ، ورَجَعَ لِخُصُومَتِهِ.
[قوله: (كَأَخِّرْنِي لِسَنَةٍ، وأَنَا أُقِرُّ، ورَجَعَ لِخُصُومَتِهِ) التشبيه راجع للمنفي فِي قوله: (لا المساوي والأقرب) وعلى نفي اللزوم يتفرع قوله: (ورجع لخصومته)] (١) والذي فِي " الاستغناء ": فيمن قَالَ لرجلٍ: اقضني المائة التي قبلك فقال: إِن أخرتني بها سنة أقررت لك بها، أو إِن صالحتني عنها صالحتك لَمْ يلزمه ويحلف.
ولَزِمَ لِحَمْلٍ (٢)، إِنْ وُطِئَتْ، [لِأَقَلَ مِنْ أَقَلِّهِ] (٣)، وإِلا فَلأَكْثَرِهِ، وسُوِّيَ بَيْنَ تَوْأَمَيْهِ، إِلا لِبَيَانِ الْفَضْلِ بِعَلَيَّ، أَوْ فِي ذِمَّتِي أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَخَذْتُ مِنْكَ، ولَو زَادَ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ قَضَى، أَوْ وَهَبْتَهُ لِي، أَوْ بِعْتَهُ، أَوْ وَفَّيْتَهُ.
قوله: (وَلَزِمَ لِحَمْلٍ، إِنْ وُطِئَتْ، لِأَقَلَ مِنْ أَقَلِّهِ) كذا فِي بعض النسخ وهو الصواب.
أَوْ [أَلَيْسَ] (٤) أَقْرَضْتَنِي، أَوْ مَا أَقْرَضْتَنِي أَوْ أَلَمْ تُقْرِضْنِي.
قوله: (أو أليس أقرضتني) كذا فِي بعض النسخ وهو الموافق لما فِي الرواية عن كتاب ابن سحنون.
أَوْ سَاهِلْنِي.
قوله: (أَوْ سَاهِلْنِي) الذي فِي " النوادر " عن ابن سحنون وابن عبد الحكم فيمن قَالَ لرجلٍ: أعطني كذا [فقال] (٥) نفسني بِهِ أو أجلني بِهِ شهرًا. أنّه إقرار. قَالَ ابن عَرَفَة: ولفظ ابن شاس عنه: ساهلني فيها (٦)، دون: نفسني بها. لَمْ أجده فِي " النوادر " ولا فِي نقل المازري. انتهى. وتقدّم أخّرني لسنة وأنا أقرّ، ولم يذكره ابن عَرَفَة هنا.
أَوِ اتَّزِنْهَا مِنِّي.
قوله: (أَوِ اتَّزِنْهَا مِنِّي) الجوهري: يقال وزن المعطي واتزن الآخذ، وهو افتعل قلبوا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في أصل المختصر: (للحمل).
(٣) في أصل المختصر، والمطبوعة: (ووُضِعَ لأَقَلِّهِ).
(٤) ساقط من المطبوعة، وفي الأصل: (ليس).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٣٧
[ ٢ / ٨١٦ ]
الواو تاءً وأدغموا (١). انتهى. ولفظ (مِنِّي) هنا مقصود فلو قَالَ اتزنها ولم يقل مني لكانت مسألة القولين كما قَالَ بعد: (وَفِي حَتَّى يَأْتِيَ وَكِيلِي وشِبْهِهِ، أَوِ اتَّزِنْ، أَوْ خُذْ قَوْلانِ) واختصرها ابن عَرَفَة. قَالَ المازري: ولَو قَالَ له اجلس فزن أو فاتزنها أو انتقد أو انتقدها ففي كونه إقرارًا نقل أبي محمد عن ابن سحنون وابن عبد الحكم قَالَ ابن عبد الحكم: اتزنها مني إقرار، وبإسقاط لفظ مني: لغو.
أَوْ لأَقْضِيَنَّكَ (٢) الْيَوْمَ.
قوله: (أَوْ لأَقْضِيَنَّكَ الْيَوْمَ) فِي بعض النسخ: بلا النافية والفعل الماضي، وفِي بعضها باللام، والمضارع المؤكد، وفِي " النوادر " عن ابن سحنون وابن عبد الحكم ما يدل عَلَى صحتهما قَالَ: من قَالَ لرجلٍ أعطني كذا فقال: نعم أو سأعطيكه (٣) أو أبعث لك بِهِ أو ليس عندي اليوم أو ابعث من يأخذه مني فهو إقرار. انتهى باختصار. ابن عَرَفَة: ويقوّي الأول اقتصاره عَلَيْهِ فِي " توضيحه " ناقلًا عن ابن عبد الحكم لَو قَالَ: والله لا أقضيكها اليوم أو لا أعطيكها أو لا أزنها لك أو لا تأخذها اليوم مني فإقرار.
أَوْ نَعَمْ، أَوْ بَلَى، أَوْ أَجَلْ جَوَابًا لأَلَيْسَ لِي عِنْدَكَ؟.
قوله: (أَوْ نَعَمْ، أَوْ بَلَى، أَوْ أَجَلْ جَوَابًا لأَلَيْسَ لِي عِنْدَكَ؟) الظاهر أن التقييد بالجواب راجع لهذه الحروف دون ما [٩٥ / ب] قبلها، فهو كقول ابن الحَاجِب: ولو قَالَ أليس لي عندك ألف؟ فقال: بلى أو نعم لزمه (٤).
أَوْ لَيْسَ لِي مَيْسَرَةٌ لا أُقِرُّ، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ عَلَى فُلانٍ، أَوْ مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَأْخُذُهَا مَا أَبْعَدَكَ مِنْهَا، وفِي حَتَّى يَأْتِيَ وَكِيلِي وشِبْهِهِ، أَوِ اتَّزِنْ، أَوْ خُذْ قَوْلانِ كَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ فِيمَا أَعْلَمُ، أَوْ أَظُنُّ، أَوْ عِلْمِي، ولَزِمَ إِنْ نُكِرَ فِي أَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، أَوْ عَبْدٍ، ولَمْ أَقْبِضْهُ كَدَعْوَاهُ الرِّبَا، وأَقَامَ بَيِّنَةً أنّه رَابَاهُ فِي أَلْفٍ، لا إِنْ أَقَامَهَا عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعِي أنّه لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إِلا الرِّبَا، أَوِ اشْتَرَيْتُ خَمْرًا بِأَلْفٍ، أَوِ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا بِأَلْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ.
_________________
(١) في (ن ١): (وأدغم).
(٢) في الأصل والمطبوعة: (أو لا قضيتك).
(٣) في (ن ٢): (سأعطيك).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠١.
[ ٢ / ٨١٧ ]
قوله: (لا أُقِرُّ) لا النافية من كلام المصنف، ومراده: أن من قَالَ أقرّ بصيغة المضارع المثبت لَمْ يلزمه إقرار، ولَمْ أجد هذا الفرع هكذا لأهل المذهب، وإنما رأيت فِي " وجيز " الغزالي: لَو قَالَ أنا أقر بِهِ. فقيل: إنّه إقرار، وقيل: أنّه وعد بالإقرار (١)، والذي فِي " مفيد الحكام " لابن هشام: أن من قَالَ: أقرّ لك بكذا عَلَى أنّي بالخيار ثلاثًا فِي التمادي والرجوع عن هذا الإقرار لزمه [الإقرار] (٢) دمًا كَانَ أو طلاقًا.
أَوْ أَقْرَرْتُ بِكَذَا وأَنَا صَبِيٌّ.
قوله: (أَوْ أَقْرَرْتُ بِكَذَا وأَنَا صَبِيٌّ) هذا خلاف ما فِي نوازل سحنون من الغصب، فيمن قَالَ لرجلٍ: كنت أقررت لك بألف دينار (٣) وأنا صبي [أنّ ذلك يلزمه كما لَو قَالَ: كنت غصبتكها وأنا صبي؛ لكن قَالَ ابن رشد: قوله: (غصبتك ألف دينار وأنا صبي] (٤) لا خلاف فِي لزومه؛ لأن الصبي يلزمه ما أفسد وكسر، وقوله: كنت أقررت لك بألف دينار وأنا صبي. يتخرّج عَلَى قولين أَحَدهمَا: أنّه لا يلزمه ذلك إِذَا كَانَ كلاما نسقًا متتابعًا وهو الأَصَحّ، وعَلَيْهِ يأتي قول ابن القاسم فِي " المدونة ": إِذَا قَالَ لزوجته قد طلقتك وأنا صبي أنّه لا يلزمه شيء، وكذا إِذَا قَالَ: طلّقتك وأنا مجنون؛ إِذَا كَانَ يعرف بالجنون (٥).
وإِذَا أقرّ بالخاتم لرجل، وقَالَ الفصّ ليّ، أو بالبقعة وقَالَ: البنيان ليّ، وكان الكلام نسقًا، والثاني أنّه يلزمه وإن كَانَ الكلام نسقًا متتابعًا؛ لأنه يتهم أن يكون استدرك ذلك ووصله بكلامه ليخرج عما أقرّ بِهِ، وعلى ذلك قول ابن القاسم فِي سماع أصبغ فِي تفرقته بين أن يقول: لفلان عليّ ألف دينار، وعَلَى فلان وفلان، وبين أن يقول: لفلان عليّ وعلى فلان وفلان ألف دينار قَالَ: لأن الأول أقرّ عَلَى نفسه بألف دينار فلا يقبل قوله بعد ذلك، وعلى فلان وفلان وإن كَانَ نسقًا.
_________________
(١) انظر: شرح الوجيز، للرافعي: ١١/ ١١٢.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٣) في ن ١: (دينارًا).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٦/ ١٤.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وعلى قول ابن القاسم فِي هذه المسألة يأتي قول سحنون فِي هذه الرواية، وهو قول ضعيف وما فِي " المدونة " أصحّ وأولى بالصواب، فالمسألتان مفترقتان، وإنما قوله: كنت أقررت لك بألف دينار وأنا صبي مثل قوله: [كنت] (١) استسلفتها منك وأنا صبي؛ لأن الوجهين جميعًا يستويان فِي أنهما لا يلزمانه فِي حال الصبا (٢) ". انتهى.
فاعتمد المصنف تصحيح ابن رشد و" إِن كَانَ [خلاف الرواية] (٣)؛ فلذا عطفه عَلَى ما ينتفي فيه اللزوم.
كَأَنَا مُبَرْسَمٌ إِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُهُ أَوْ أَقَرَّ اعْتِذَارًا.
قوله: (كَأَنَا مُبَرْسَمٌ إِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُهُ) تقدم فوقه كلام ابن رشد، وفي " المفيد " إِذَا قَالَ: أقررت لك بألف درهم دينًا وأنا ذاهب العقل من برسام (٤) نظر: فإن كَانَ يعلم أن ذلك أصابه صدّق، وإن لَمْ يعلم منه فلا يصدّق (٥).
أَوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا أَوْ ذَمًَّا عَلَى الأَرْجَحِ (٦).
قوله: (أَوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا أَوْ ذَمًَّا عَلَى الأَرْجَحِ) هكذا فِي بعض النسخ وهو الصواب إِن شاء الله تعالى قال فِي كتاب " الشهادات ": ومن أقرّ أنّه كَانَ تسلّف من فلان الميّت مالًا، وقضاه إياه، فإن كَانَ ما يذكر من ذلك حديثًا لَمْ يطل زمانه لَمْ ينفعه قوله: قضيت، وغرم لورثته إِلا أن يقيم بينة قاطعة عَلَى القضاء، وإن طال زمان ذلك حلف المقرّ، وبريء إِلا أن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٢٧٦، ٢٧٧، ونص المسألة: (سئل سحنون عن الرجل يقول للرجل: كنتُ غصبتك ألف دينار إذ كنتُ صبيًا، قال: تلزمه. قيل له: فإن قال: كنت أقررت لك بألف دينار إذ كنت صبيا فقال يلزمه أيضًا وهو عندي مثل الأول).
(٣) في (ن ١)، (ن ٣): (خلافًا لروايه).
(٤) في الأصل: (برصام)، والبرسام بالكسر: علة يهذى فيها، انظر: تاج العروس، للزبيدي: ٣١/ ٢٧٥.
(٥) مثله عند المواق، إلا أنه نسب كلام المفيد للمدونة، ولم أقف عليه في المدونة، وفي نقل صاحب منح الجليل عنه نسبته للمفيد انظر: التاج والإكليل: ٥/ ٢٢٦، وانظر: منح الجليل: ٦/ ٤٤٢.
(٦) في المطبوعة: (أو بقرض شكرًا على الأصحّ).
[ ٢ / ٨١٩ ]
يكون ذلك عَلَى معنى الشكر يقول: جزى الله فلانًا خيرًا؛ أسلفني وقضيته، فلا يلزمه فِي هذا شيء مما أقرّ بِهِ، قرب الزمان أو بعد (١).
قال ابن يونس: يريد وكذلك إِذَا كَانَ على (٢) معنى الذم، [وقيل إِذَا كَانَ عَلَى معنى الذم] (٣) مثل أن يقول: أساء معاملتي، وضيّق عليّ حتى قضيته، فإنه يغرم، ولا وجه للفرق بين المدح والذم، والصواب أنهما سواء ". انتهى، وعَلَيْهِ فالأَرْجَح راجع للذم فقط، ولو قَالَ كالذم عَلَى الأَرْجَح لجرى عَلَى قاعدته الأكثرية، ونسب ابن محرز واللخمي التفريق بين الشكر والذم لسحنون.
وقُبِلَ أَجَلُ مِثْلِهِ فِي بَيْعٍ، لا قَرْضٍ (٤).
قوله: (وقُبِلَ أَجَلُ مِثْلِهِ فِي بَيْعٍ، لا قَرْضٍ) أصل هذا قول ابن الحَاجِب، وألف مؤجلة يقبل فِي تأجيل مثلها عَلَى الأَصَحّ بِخِلاف مؤجلة من قرض (٥). قَالَ ابن عَرَفَة: فقبل ابن هارون وابن عبد السلام نقله أن حكم القرض الحلول دون ذكر خلاف فيه، ولا أعرف هذا لغير ابن الحَاجِب، وظاهر لفظ " الواضحة " و" الزاهي ": ألا فرق بين القرض وغيره، بل قبول قوله فِي القرض أقرب وأحرى من قبوله فِي المعاوضة؛ لأن غالب المعاوضة النقد وغالب القرض التأجيل.
وتَفْسِيرُ أَلْفٍ فِي كَأَلْفٍ، ودِرْهَمٍ، وخَاتَمٍ فَصَّهُ لِي نَسَقًا، إِلا فِي غَصْبٍ، فَقَوْلانِ، لا بِجِذْعٍ، وبَابٍ فِي لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوِ الأَرْضِ كَفِي عَلَى الأَحْسَنِ، ومَالٌ نِصَابٌ والأَحْسَنُ تَفْسِيرُهُ كَشَيْءٍ، وكَذَا.
قوله: (وَتَفْسِيرُ أَلْفٍ فِي كَأَلْفٍ، ودِرْهَمٍ) قطع هنا بقول ابن القصار فِي قبول (٦) تفسير المقرّ وإن خالف جنس المعطوف مُطْلَقًا، وهو نقل صحيح بِخِلاف مقابله، فقد قَالَ فيه
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ١٧٣.
(٢) في (ن ١): (علو).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، (ن ٣)
(٤) استدرك بهامش أصل المختصر قوله: (وفي القرض التأجيل) وهي ساقطة من المطبوعة ومن شروح المختصر.
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٢.
(٦) في (ن ٢): (قول).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
ابن عَرَفَة: نقل ابن الحَاجِب لزوم كونه من جنس المعطوف مُطْلَقًا، وقبول ابن عبد السلام وابن هارون له لا أعرفه، إِلا للمازري عن أبي ثور (١) ومحمد بن الحسن، وقَالَ سحنون: إِن كَانَ المعطوف غير موزون ولا مكيل ولا معدود كألف وعبد أو ثوب قبل تفسير المقر، وإن كَانَ أحد هذه كألف ودينار أو قفيز أو رطل وجب نوع المعطوف.
وسُجِنَ لَهُ وَكَعَشَرَةٍ ونَيِّفَ.
قوله: (وسُجِنَ لَهُ) أي: للتفسير فِي شيء، وكذا واللام إما للغاية أو للتعليل.
وسَقَطَ فِي مِائَةٍ وشَيْءٍ.
قوله: (وسَقَطَ فِي مِائَةٍ وشَيْءٍ) يشير بِهِ لما جاء عن ابن [٩٦ / أ] الماجشون، أنّ من أقرّ بمائة دينار وشيء، ثم مات ولَمْ يسأل، فالشيء ساقط؛ لأنه مجهول ويلزمه ما سمى، وكذا لَو شهدت بينة بذلك سقط الشيء وثبت العدد ويحلف المطلوب، وقَالَ ابن الحَاجِب بعد أن ذكر من أقرّ بشيءٍ مفرد: أو قَالَ فِي مائة وشيء، لا يلزمه إِلا مائة (٢)، فقال ابن عبد السلام: هذا إشارة إِلَى تخريج الخلاف فِي كلّ واحدة من المسألتين فِي الأخرى، لكنه لَمْ يجزم بِهِ؛ لأن الناس كثيرًا ما يريدون بقولهم: لك عليّ عشرة وشيء. أنها عشرة كاملة.
قال ابن عَرَفَة: هذا التعليل لسقوط شيء معطوف خلاف تعليل ابن الماجشون بأنه مجهول، والفرق عنده بينه مفردًا ومعطوفًا: أن لغوه مفردًا يؤدي إِلَى إهمال اللفظ المقرّ بِهِ، وإذا كَانَ معطوفًا سلم من الإهمال لإعماله فِي المعطوف عَلَيْهِ ". انتهى، وقال ابن راشد القفصي: قوله: ثم مات ولم يسأل. يقتضي أنّه لَو عاش سئل، ومقتضى ما نقله ابن شاس أنّه لا يسأل (٣) وقبله فِي التوضيح، فكأنه هنا اعتمد فِي إطلاقه نقل ابن شاس وابن الحَاجِب.
_________________
(١) في (ن ٣): (ثوب).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠١.
(٣) قول ابن شاس الذي يعنيه المؤلف: (وكذلك لو قال: له علي مائة وشيء، اقتصر على المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى تقدير كرد الشيء المستثنى فبطل، إذ هو شك لا مخرج له) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٨٣٨.
[ ٢ / ٨٢١ ]
وفِي كَذَا، دِرْهَمًا عِشْرُونَ وكَذَا، وكَذَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ وكَذَا، وكَذَا أَحَدَ عَشَرَ وبِضْعٌ أَوْ دَرَاهِمَ ثَلاثَةٌ وكَثِيرَةٌ، أَوْ لا كَثِيرَةٌ ولا قَلِيلَةٌ أَرْبَعَةٌ.
قوله: (وفِي كَذَا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وكَذَا وكَذَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ، وكَذَا وكَذَا أَحَدَ عَشَرَ) يعني والتمييز مفرد منصوب فِي الجميع قَالَ ابن عبد السلام: وعلى هذا فلو قَالَ: كذا درهم يعني بالإفراد والخفض لزمه مائة درهم؛ لأن ذلك أول عدد يضاف إِلَى المفرد، ولَو قَالَ كذا دراهم يعني بالجمع والإضافة لزمه ثلاثة؛ لأنها أوّل عدد يضاف إِلَى الجمع. هكذا كلام غير واحد من النحويين، ومثله عن ابن عبد الحكم.
وقول سحنون: ما أعرف هذا هو الجاري عَلَى عرف الاستعمال لا مقتضى اللغة، وهو الحقّ، فإن وافق العرف اللغة فذاك، وإِن خالفها، وفسّر المقرّ كلامه بما لا يخالف العرف قبل منه عَلَى ما تقدّم وإِلا لَمْ يقبل ". انتهى. وذكر المازري نحو ما تقدم فِي إعراب التمييز ثم قَالَ: هذا حكم ذكر الدرهم بالنصب والخفض، ولَو قاله بالرفع فلا نصّ [فيه] (١)، ويمكن حمله عَلَى درهم واحد عَلَى أنّه خبر مبتدأ، أي هو درهم وقبله ابن عَرَفَة، ثم هذا عَلَى تسليم أن ما قاله ابن عبد الحكم مساعد للغة.
والذي للمرادي أن مذهب البصريين أن تمييز (كذا) لا يكون إِلا مفردًا منصوبًا مُطْلَقًا، وذهب الكوفيون إِلَى أنها تعامل معاملة ما يكنى بها عنه ووافقهم عَلَى ذلك ابن الدهان والمبرِّد وابن معطي، ونقله صاحب البسيط عن الأخفش قَالَ فِي " شرح التسهيل ": ومستند (٢) هذا التفصيل الرأي لا الرواية، وذهب ابن عصفور إِلَى مذهب ثالث وهو: موافقتهم فِي المركب والعقد والمعطوف، ومخالفتهم فِي المضاف، وهو من الثلاثة إِلَى العشرة فيفسر بجمع معرف بالألف واللام مجرور بمن، وزعم أنّه مذهب البصريين بناءً عَلَى ما نقله ابن السيّد من أنّ البصريين والكوفيين اتفقوا عَلَى أن كذا وكذا كناية عن الأعداد المعطوفة، وأن كذا وكذا كناية عن الأعداد المركبة، وليس كما نقل.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ن ١): (مسند).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
فإن قلت: لَمْ صرّح المصنف بذكر التمييز مَعَ كذا (١) المفرده وحذفه مَعَ المكرره عطفًا أو تركيبًا؟
قلت: يحتمل أن يكون حذفه (٢) بعد المكررة اكتفاءً بما قدم فِي المفردة كما أشرنا إليه أولًا، وبِهِ فسّر ابن عبد السلام كلام ابن الحَاجِب (٣)، ويحتمل أن يقال (٤):حذفت تمييز المكررة لدلالتها عَلَى المكنى عنه بالعطف والتركيب دون تمييز كما تضمنه كلام ابن السيّد [المتقدم] (٥)، وأثبت تمييز المفردة إذ لا دلالة لها عَلَى مكنى إِلا بذكر التمييز؛ ولذلك جعلها إِذَا تجرّدت عن التمييز بمثابة شيء الذي هو أنكر النكرات إذ قَالَ [قبل: (كشيء] (٦) وكذا).
على أن ابن عبد السلام قد قَالَ: ظاهر قول الفقهاء أنها أخصّ من لفظ شيء؛ [لأن لفظ شيء] (٧) يصحّ تفسيره بالجزء كنصف درهم وربع ثوب، ولفظ كذا لا يقبل التفسير إِلا بواحد كامل من ذلك فقبله فِي " التوضيح ".
وقَالَ ابن عَرَفَة: في (٨) منع تفسير كذا بالنصف وغيره من الأجزاء نظر، وإنما يمتنع ذلك إِذَا ذكر مضافًا، والفرض كونه مفردًا (٩)، وفِي " الصحاح " كذا كناية [عن الشيء وتكون كناية] (١٠) عن العدد.
_________________
(١) في (ن ١)، (ن ٤): (ذكر).
(٢) في الأصل: (حذف).
(٣) قال ابن الحاجب: (فأما كذا درهمًا: فعشرون، وكذا كذا درهمًا: أحد عشر، وكذا وكذا: أحد وعشرون) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٠١.
(٤) في (ن ٣): (يكون).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٦) في (ن ٣): (الشيء).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٨) في (ن ١): (و).
(٩) في (ن ١): (مفرضًا).
(١٠) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ودِرْهَمٌ، الْمُتَعَارَفُ، وإِلا فَالشَّرْعِيُّ، وقُبِلَ غِشُّهُ [٦٢ / ب] ونَقْصُهُ إِنْ وَصَلَ، ودِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ، أَوْ تَحْتَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ فَدِرْهَمٌ، أَوْ ثُمَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمَانِ، وسَقَطَ فِي، لا بَلْ دِينَارَانِ، ودِرْهَمٌ دِرْهَمٌ، أَوْ بِدِرْهَمٍ دِرْهَمٌ، وحَلَفَ مَا أَرَادَهُمَا.
قوله: (ودِرْهَمٌ، الْمُتَعَارَفُ، وإِلا فَالشَّرْعِيُّ) كذا لابن الحَاجِب (١) قَالَ ابن عَرَفَة: هو قول ابن شاس تابعًا لنصّ الغزالي فِي " الوجيز " (٢)، ولا أعرفه لأهل المذهب، ومقتضى قول ابن عبد الحكم غيره أن الواجب ما فسّره به المقر مَعَ يمينه.
كَإِشْهَادٍ فِي ذُكْرٍ بِمِائَةٍ وفِي آخَرَ بِمِائَةٍ، وبِمِائَةٍ.
قوله: (كَإِشْهَادٍ فِي ذُكْرٍ بِمِائَةٍ وفِي آخَرَ بِمِائَةٍ) اتبع فِي فرض [الإشهاد] (٣) فِي وثيقتين قول ابن الحَاجِب: ولَو أشهد فِي ذكرٍ بمائة وفي (٤) آخر بمائة فآخر قوليه مائة (٥). قَالَ ابن عَرَفَة: قد قبله ابن عبد السلام، وصوّره بأنه أشهد فِي وثيقة بمائة لرجلٍ، ولم يذكر سببها ثم أشهد له فِي وثيقة أخرى بمائة من غير ذكر سبب، وكذلك ابن هارون، وتبعوا فِي ذلك لفظ ابن شاس (٦) وهو وهم وغفلة؛ لأن المنصوص فِي عين المسألة خلاف ذلك.
ففي " النوادر " عن كتاب ابن سحنون: من أشهد لرجلٍ فِي موطنٍ بمائة، ثم أشهد له فِي موطن آخر بمائة، فقال الطالب: هي مائتان، وقال المقرّ: هي مائة واحدة، فقال
_________________
(١) قال ابن الحاجب: (ومائة درهم على المتعامل به عرفًا ولو مغشوشة، وإلا فزنة سبعة أعشار دينار من الفضة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠١.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٤١، ونصه: (لو قال: علي درهم لزمه درهم، عشرة منه تعادل سبعة مثاقيل، وهي درهم الإسلام) ونص الوجيز الذي وقفت عليه: (إذا قال على درهم يلزمه درهم فيه ستة دوانيق عشرة منه تساوى سبعة مثاقيل وهى دراهم الإسلام وإن كان منفصلا لم يقبل إلا إذا كان التعامل به غالبًا ففيه وجهان) انظر: شرح الوجيز، للرافعي: ١١/ ١٣١.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٤) في (ن ٢): (ومن).
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠١،٤٠٢.
(٦) قال ابن شاس: (ولو أشهد له في ذكر حق بمائة وفي آخر بمائة، لزمه مائتان) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٤٣.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
أصحابنا جميعًا: لا يلزمه [٩٦ / ب] إِلا مائة بِخِلاف إذكار الحقوق ولَو أشهد له (١) فِي صكّ بمائة، وفِي صكٍّ آخر بمائة لزمه مائتان (٢).
وفِي رسم حمل صبيًا من سماع عيسى من كتاب الشهادات (٣) قَالَ ابن القاسم: لَو أشهد رجل عَلَى نفسه قومًا أن عَلَيْهِ لفلان مائة دينار، ثم أشهد من الغد آخرين أنّ له عَلَيْهِ مائة دينار، ثم أشهد من الغد آخرين أن له عَلَيْهِ مائة دينار لزمه ثلاثمائة دينار إِن طلبها وليّ الحقّ. قَالَ أصبغ: يعني إذا (٤) أشهدهم مفترقين وادعى أنها مائة واحدة.
قال: وأنا أرى إِن كَانَ له كتْبٌ فِي كل كتاب شهادة فهي أموال مختلفة، وإِن كَانَ كتابًا واحدًا فهو حقّ واحد، وإِن كَانَ بغير كتاب فهي مائة واحدة ويحلف، وكذا إِن تقارب ما بين ذلك مثل أن يشهد هنا، ويقوم إِلَى موضعٍ أخر فيشهد آخرين.
ابن رشد: قول ابن القاسم: يلزمه ثلاثمائة إِن طلبها ولي الحق. يأتي عَلَى القول بأن الشهادة لا تلفق، وأنّه إِذَا شهد لرجلٍ شاهدٌ أنّ فلانا أقرّ له بمائة يوم كذا، وآخر أنّه أقرّ له من الغد بمائة، وثالث أنّه أقر له من الغد بمائة فيحلف مَعَ كلّ شاهد ويستحق ثلاثمائة، وإما عَلَى أنها تلفق فيأخذ فِي هذه المسألة مائة واحدة باجتماع الشهود عَلَيْهَا بتلفيق الشهادة [ويحلف المطلوب: ما له] (٥) عَلَيْهِ شيئا أو ما له عَلَيْهِ إِلا مائة واحدة [أشهد له بها شاهدًا بعد شاهد، ولا يلزمه غيرها، فيأخذ فِي مسألة الكتاب مائة واحدة ويحلف المطلوب أنّه ما له عَلَيْهِ إِلا مائة واحدة] (٦) أشهد له عَلَيْهَا شهودًا بعد شهود، فإن نكل عن اليَمِين حلف الطالب أنها ثلاث حقوق، وأخذ الثلاث مائة، وإِن أنكر أن يكون له عَلَيْهِ شيء أصلًا أدى الثلاث مائة ولم يكن عَلَى الطالب يمين.
_________________
(١) في ن: (أشهده)
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٩/ ١١٦، والنص مختصر، وقد يعترض به على ما للمؤلف هنا.
(٣) في (ن ١): (الشهادة).
(٤) في (ن ١): (إذ).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وقوله فِي الكتاب: أنّه يلزمه ثلاثمائة إِن طلبها وليّ الحقّ، يريد بعد يمينه أنها ثلاثة حقوق، فإن نكل عن اليَمِين حلف المطلوب أنّه حقّ واحد وأدى مائة واحدة، وتفرقة أصبغ فِي الحقّ بين أن يكون كتابًا واحدًا فِي جميع الشهادات أو كتاب فِي كل شهادة، تفرقة صحيحة، لا اختلاف أن الرجل إِذَا أتى إِلَى القوم بكتاب عَلَيْهِ فيه مائة دينار، وأشهدهم عَلَى نفسه بِهِ، ثم أشهد عَلَى الكتاب بعد مدة (١) قومًا آخرين ثم بعد مدة قومًا آخرين أنّه حقّ واحد، وكذلك لا اختلاف فِي أن الرجل إِذَا أتى بكتاب عَلَيْهِ فيه مائة دينار إِلَى قومٍ، فأشهدهم عَلَى نفسه، ثم أتى بكتاب آخر إِلَى قومٍ آخرين عَلَيْهِ أَيْضًا فيه أيضا مائة دينار، فأشهدهم عَلَى نفسه [بِهِ ثم بكتاب ثالثٍ كذلك] فقام الطالب بالكتب الثلاثة أنّه يقضي له بالثلاثمائة (٢)، وإنما مسألة الخلاف إِذَا أشهد شهودًا بعد شهود بغير (٣) كتاب، وينهما مدة من الزمان وإن كتب صاحب الحقّ بما أشهد عَلَيْهِ كلّ جماعة كتابًا عَلَى حده لَمْ يخرج بذلك من الخلاف " (٤). انتهى.
قال ابن عَرَفَة: وهذا نصّ بِخِلاف نقل ابن شاس عن المذهب فتحققه.
ومِائَتَيْنِ، [الأَكْثَرُ] (٥)، وَجُلُّ الْمِائَةِ أَوْ قُرْبُهَا، أَوْ نَحْوَهَا الثُّلُثَانِ، فَأَكْثَرُ بِالاجْتِهَادِ.
قوله: (وَمِائَتَيْنِ، الأَكْثَرُ) ظاهره أنّه فِي وثيقتين فيرد عَلَيْهِ ما ورد عَلَى ما قبله، ثم اقتصر ها هنا عَلَى القول الثاني فِي نقل ابن الحَاجِب إذ قَالَ: ومائة ومائتين فِي موطنين ثالثها: إِن كَانَ الأكثر أولا لزمه ثلاثمائة (٦) اعتمادًا عَلَى قول ابن عبد السلام، والقول الثاني منها أشبه بمذهب " المدونة " فِي تكرار الوصايا من جنسٍ واحد، ولهذه المسألة أَيْضًا مشابهة بمسألة من قام له شاهد واحد عَلَى مائة وشاهدان عَلَى مائتين.
_________________
(١) في (ن ٣): (مرده).
(٢) في (ن ١): (بالثلاثه مائه).
(٣) في (ن ١): (بغيره).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٣٥: ٣٧، وما وضع بين معكوفتين ساقط من نص البيان المطبوع، وقد اختصره المؤلف بما يناسب المقام.
(٥) ساقط من الأصل.
(٦) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٢.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وعَلَى هذا القول حمل فِي " التوضيح " قول ابن سحنون اضطرب قول مالك فِي هذا، وآخر قوليه: أن يحلف المقر ما ذلك إِلا مال واحد ثم لا يلزمه إِلا مائتان.
قال: وبِهِ أخذ ابن عبد الحكم وابن سحنون، وأما ابن عَرَفَة فقال: لا أعرف ثبوت الثاني وهو أكثر الإقرارين مُطْلَقًا (١) فِي المذهب نصًا (٢) إِلا لابن الحَاجِب، ولَمْ يحكه ابن شاس، ولا يؤخذ من نقل الشيخ أبي محمد قول ابن سحنون فِي كتاب الإقرار: اضطرب قول مالك فِي هذا، وآخر قوليه أنّه لا يلزمه إِلا مائة؛ لأن ذلك إنما هو راجع لإقراره بمائة مرتين " انتهى.
وكذا هو فِي " النوادر " لا يلزمه إِلا مائة بالإفراد، وكذا نقله ابن شاس ففي نقل " التوضيح " نظر، ثم قَالَ ابن عَرَفَة وقد يؤخذ ذلك من قوله فِي " المدونة " فِي كتاب السلم الثاني وكتاب الشهادات: من أقام شاهدًا بمائة دينار وشاهدًا بخمسين فإن شاء حلف مَعَ شاهد المائة وقُضي له بها وإِلا أخذ خمسين بغير يمين (٣). فلم يجعل له حقًا إِلا فِي أكثر الإقرارين أو فِي أقلهما، لا فِي مجموعهما، هذا ظاهر " المدونة ".
وقَالَ ابن يونس: قَالَ بعض أصحابنا القرويين: هذا إِن كَانَ فِي مجلس واحد ولَو كَانَ فِي مجلسين، وادعى الطالب المال: حلف مَعَ كلّ شاهد، وأخذ مائة وخمسين.
وهَلْ يَلْزَمُهُ فِي عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ، عِشْرُونَ، أَوْ مِائَةٍ، قَوْلانِ وثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ، أَوْ زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ وفِي لُزُومِ ظَرْفِهِ، قَوْلانِ.
[قوله] (٤): (وَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ، عِشْرُونَ، أَوْ مِائَةٍ؟ قَوْلانِ) فِي القول بعشرين نظر، والذي نقله المازري وأصله فِي " النوادر " أن من قَالَ له: عندي عشرة دراهم فِي عشرة دراهم لزمه عند سحنون مائة درهم، وقَالَ ابن عبد الحكم: [٩٧ / أ] إنما
_________________
(١) في (ن ١): (ملغا).
(٢) في (ن ٢): (نص).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ١٦٧.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
يلزمه العدد الأول ويسقط ما بعده إِن حلف المقر أنّه لَمْ يرد التضعيف، وضرب الحساب بناءً عَلَى حمل اللفظ عَلَى المعنى اللغوي أو العرفي.
وعبارة ابن شاس: ولو قَالَ: عشرة فِي عشرة. سئل المقر، فإن قَالَ: أقرضني عشرة فِي عشرة، أو فِي عشرين، أو باعني عشرة بعشرة، أو بعشرين لزمته عشرة مَعَ يمينه عَلَى ما زعم، وفِي قول سحنون أنّه يؤخذ بمائة درهم من قبل الحساب، ولَو قَالَ علي عشرة دراهم فِي عشرة دنانير لزمته عشرة دراهم إذ له مخرج بقوله: أعطانيها فيها (١). وأما ابن الحَاجِب فاختلفت (٢) نسخه ففي بعضها: وعشرة فِي عشرة. قيل: عشرة وقيل مائة، وهذا هو الصواب المساعد للمنصوص.
وفِي بعضها: قيل: عشرون، وقيل: مائة (٣) وهو الذي فِي الشروح (٤) المتداولة حتى قَالَ ابن عَرَفَة: وأول نقلي ابن الحَاجِب: وعشرة فِي عشرة قيل: عشرون وقيل مائة، وقبول ابن عبد السلام له وابن هارون لا أعرفه ولا لابن شاس إِلا أن يؤخذ مما فِي ترجمة من قَالَ: غصبتك ثوبًا فِي ثوب من " النوادر " إذ قَالَ ما نصّه عن ابن عبد الحكم فِي قوله: ثوب فِي عشرة أثواب: " قَوْلانِ، قيل: لا يلزمه إِلا ثوب (٥)، وقيل: أحد عشر ثوبًا، فجعل (فِي) كحرف العطف.
تحرير:
قال ابن عبد السلام: إِن كَانَ المقرّ من أهل العلم بالعدد فينبغي أن يلزمه مائة، ولا
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٤٢.
(٢) في (ن ١)، (ن ٣): (فاختلف).
(٣) في (ن ١): (عشرة).
(٤) نص ابن الحاجب الذي بين أيدينا: (عشرة في عشرة قيل عشرون وقيل مئة)، فهو النص المتداول الذي صحح المؤلف غيره.
(٥) الذي وقفت عليه في النوادر: (أنه لا يلزمه الأثواب)، وعبارة المؤلف هنا أوضح وألصق بالمراد لخلوّ عبارة النوادر عن أي ضمان خلافًا للمراد، بل المراد هل يلزمه ثوب أو أحد عشر ثوبًا، وهذا لا تفيده عبارة النوادر، والظاهر أن بها تصحيفًا. انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٩/ ٢١٩.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
يقبل منه غير ذلك إِذَا كَانَ كلامه مَعَ من هو مثله، وفي إلزامه مائة إِذَا [كان] (١) كلامه مَعَ العامّة نظر. وقَالَ ابن عَرَفَة: قول غير واحد من شيوخنا إِذَا كَانَ المقر عالمًا بالحساب لزمه. قول سحنون: اتفاقًا. صواب (٢) إِن كَانَ المقر [له] (٣) كذلك وإِلا فلا.
لا دَابَّةٌ فِي اصْطَبْلٍ، وأَلْفٌ، إِنِ اسْتَحَلَّ أَوْ أَعَارَنِي، لَمْ يَلْزَمْ كَأَنْ حَلَفَ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى، أَوْ شَهِدَ فُلانٌ غَيْرُ الْعَدْلِ وهَذِهِ الشَّاةُ أَوْ هَذِهِ النَّاقَةُ، لَزِمَتْهُ الشَّاةُ، وحَلَفَ عَلَيْهَا، وغَصَبْتُهُ مِنْ فُلانٍ، لا بِلْ مِنْ آخَرَ، فَهُوَ لِلأَوَّلِ، وقُضِيَ لِلثَّانِي بِقِيمَتِهِ. وَلَكَ أَحَدُ ثَوْبَيْهِ عَيَّنَ وإِلا فَإِنْ عَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ أَجْوَدَهُمَا حَلَفَ، وإِنْ قَالَ لا أَدْرِي. حَلَفَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ واشْتَرَكَا، والاسْتِثْنَاءُ هُنَا. كَغَيْرِهِ، وصَحَّ لَهُ الدَّارُ والْبَيْتُ لِي، وبِغَيْرِ الْجِنْسِ. كَأَلْفٍ، إِلا عَبْدًا، وسَقَطَتْ قِيمَتُهُ.
قوله: (لا دَابَّةٌ فِي اصْطَبْلٍ). أشار بِهِ لقول القرافي: وافقونا عَلَى أنّه إِذَا قَالَ له عندي دابّة فِي اصطبل أو نخلة فِي بستان: أنّ الظرف لا يلزم (٤).
وإِنْ أَبْرَأَ فُلانًا مِمَّا لَهُ قَبِلَهُ. أَوْ مِنْ كُلِّ حَقٍّ، أَوْ أَبْرَأَهُ. بَرِئَ مُطْلَقًا، ومِنَ الْقَذْفِ والسَّرِقَةِ.
قوله: (وإِنْ أَبْرَأَ فُلانًا مِمَّا لَهُ قَبِلَهُ. أَوْ مِنْ كُلِّ حَقٍّ، أَوْ أَبْرَأَهُ. بَرِئَ مُطْلَقًا، ومِنَ الْقَذْفِ والسَّرِقَةِ) مقتضاه أنّ من قَالَ: أبرأت فلانًا مما لي قبله، أو من كلّ حقٍّ أو قَالَ: أبرأته ولم يزد؛ فإن فلانًا يبرأ مُطْلَقًا من الأمانات (٥) والديون ومن حدّ القذف وغرم السرقة، بِخِلاف ما إِذَا قَالَ: أبرأته مما ليّ معه، فإنه إنما يبرأ مما يرجع إِلَى الأمانة دون الذمة كما ذكر بعد. وسكت عن لفظ (عند) و(على).
وقد قَالَ المازري فِي السؤال الحادي والعشرين من الإقرار من شرح " التلقين ": إِذَا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ١): (صوابًا).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) الذي وقفت عليه في الذخيرة: (ووافقونا على قوله علي عندي دابة في اصطبل أو نخل في بستان أن الظرف يلزمه) فالكلام مخالف لما هنا، قلت: وسياق كلام القرافي يدل على صحة ما عند المؤلف: (أن الظرف لا يلزم). انظر: الذخيرة، للقرافي: ٩/ ٢٧٩.
(٥) في (ن ١): (الأناث).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
قَالَ: ما لي قبله حقّ حمل عَلَى أنّه أبرأه من سائر الحقوق كانت ديونًا فِي ذمته أو أمانة عنده، وإِذَا قَالَ: ما لي عنده حقّ. فالأمر عندنا كذلك خلافًا لأبي حنيفة الذي يخصه بالأمانات (١).
وإِن قَالَ ما لي عَلَيْهِ حق فاختلف فيه سحنون وابنه. فرأى سحنون " أنّه يعمّ الديون والأمانات، ورأى ابنه أن ذلك إنما يحمل عَلَى ما كَانَ مضمونًا كالديون والعواري المضمونة، وعندي أنّ لفظة عليّ لما كانت تقتضي ما وجب أدخل فيها سحنون المضمونات والوديعة والقراض، إذ يجب ردهما. وصرف ابنه هذا اللفظ لنفس المال لا لردّه، فنفس الوديعة ليست عَلَى المودع، وإِن كَانَ عَلَيْهِ أن يردّها، والحق فِي هذا الالتفات إِلَى المراد بهذه الألفاظ فِي اللغة والاستعمال أو عرف التخاطب. انتهى.
فتأمله مَعَ ما فِي سماع أبي زيد آخر مسألة من كتاب الشهادات قَالَ " لَو أن رجلًا شهد له شاهد أن له عند عبد الله عشرة دنانير، وشهد شاهد آخر أنّ له عَلَى عبد الله عشرين دينارًا، لحلف مَعَ كلّ شاهد يمينًا وأخذ الثلاثين.
قَالَ ابن رشد: هذا بين؛ لأن قول أحد الشاهدين: له عنده خلاف قول الآخر عَلَيْهِ؛ لأن لفظة: عنده. تقتضي الأمانة، ولفظة عَلَيْهِ تقتضي الذمة، فكل واحد منهما شهد له عَلَى عبد الله بغير ما شهد له بِهِ عَلَيْهِ الآخر فله أن يحلف مَعَ كلّ واحد منهما ويستحقّ الثلاثين، وإِن شاء أن يحلف مَعَ أَحَدهمَا ويرد اليَمِين عَلَى المطلوب فيما شهد [به] (٢) الشاهد الآخر، وإِن شاء أن يردّ اليَمِين عَلَى المطلوب فِي الجميع، وليس له أن يأخذ العشرة دون يمين، إذ لَمْ يجتمع له عَلَيْهَا الشاهدان.
بِخِلاف إِذَا شهد أَحَدهمَا أن له عَلَيْهِ عشرة، وشهد الآخر أن له عَلَيْهِ عشرين هذا له أن يأخذ العشرة دون يمين؛ لاجتماع الشاهدين عَلَيْهَا، وإِن شاء أن يحلف مَعَ الشاهد
_________________
(١) جاء في المبسوط للسرخسي: (وإن قال هو بريء مما لي عنده فإنما يدخل في هذا اللفظ الأمانة خاصة، فأما الغصوب والودائع التي خالف فيها فقد صار ضمانها مستحقًا في ذمته بمنزلة الديون فلا يدخل في هذا اللفظ) انظر: المبسوط، للسرخسي: ١٨/ ١٦٤، وانظر: حاشية ابن عابدين: ٨/ ٢١٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
الذي شهد له بالعشرين ويأخذها، وهذا إِذَا كانت الشهادتان فِي مجلسٍ واحد، ولفظٍ واحد اختلفا فيه، فقال أَحَدهمَا أنّه أقرّ له بعشرة، وقَالَ الآخر: بل أقرّ له بعشرين، وإِن كانت الشهادة فِي مجلسين فهما حقان وله أن يحلف مَعَ كل واحد منهما ويستحقّ ما شهد له بِهِ.
ولَو قَالَ الشاهدان اللذان شهد أَحَدهمَا أن له عنده عشرة، وشهد الآخر أن له عَلَيْهِ عشرين إنها شهادة واحدة لبطلت شهادتهما إِن زعم ربّ الحقّ أنهما محقّان، وإِن زعم أن أَحَدهمَا محقّ حلف مَعَ الذي ادعى أنّه محقّ وأخذ ما حلف عليه (١).
فَلا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ، وإِنْ بِصَكٍّ، إِلا بِبَيِّنَةٍ، أنّه بَعْدَهُ، وإِنْ أَبْرَأَهُ مِمَّا مَعَهُ. بَرِئَ مِنَ الأَمَانَةِ لا الدِّينِ.
قوله: [٩٧ / ب] (فَلا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ، وإِنْ بِصَكٍّ، إِلا بِبَيِّنَةٍ، أنّه بَعْدَهُ) قَالَ ابن رشد فِي رسم الرطب من سماع ابن القاسم من كتاب المديان: إِذَا كَانَ ذكر الحقّ الذي يقوم بِهِ الطالب قبل البراءة [فالقول قول المطلوب أنّه قد دخل فِي البراءة] (٢) بلا اختلاف؛ لأن الحقوق إِذَا كانت لرجلٍ عَلَى رجل بتواريخ مختلفة، فالبراءة من شيء منها دليل عَلَى البراءة مما قبله، وهذا نحو قولهم فيمن أكرى داره مشاهرة أو مسانهة: إِن دفع كراء سنة أو شهر براءة للدافع مما قبل ذلك (٣).
ومثل ذلك ما فِي رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب: " التخيير والتمليك ": فِي الذي يباري (٤) امرأته وهي حامل عَلَى أن تكفية مؤنة رضاع ولدها، ثم تطلبه بنفقة الحمل قَالَ: أنّه لا شيء عَلَيْهِ من ذلك؛ لأنه يعرف (٥) أنّه لَمْ يكن يمنعها الرضاع ويعطيها
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٢٣٧. انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٠/ ٢٣٧، ٢٣٨.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٠/ ٣٥٥، وله بدل مسانهة، مساناة، والكلمتان صحيحتان، والمراد إلى سنة.
(٤) في (ن ١): (يبان في).
(٥) في (ن ٢): (تعرف).
[ ٢ / ٨٣١ ]
هذا (١). وإنما الاختلاف إِذَا قام بذكر حقّ فادعى أنّه بعد البراءة وزعم المطلوب أنّه قبل البراءة، وأنّه قد دخل فيها ففي ذلك ثلاثة أَقْوَال مضى تحصيلها فِي سماع أبي زيد من كتاب الشهادات (٢).
وقَالَ فِي سماع يحيي من كتاب " الدعوى والصلح ": فابن نافع يرى القول قول الطالب، وابن القاسم وابن وهب وغيرهما يرون القول قول المطلوب " (٣). انتهى وعَلَى هذا الثاني اقتصر المصنف هنا، وإِن كَانَ ابن رشد استظهر قول ابن نافع فِي سماع أبي زيد من كتاب " الشهادات " كما استضعف فيه تفريق سحنون بين أن يأتي المطلوب ببراءة واحدة تستغرق العدد أن يأتي ببراءات مفترقات. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٥/ ٢٥١.
(٢) انظر: كلامه في المسألة السابقة، وانظر: نفس ما أحلنا عليه.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٤/ ٢٠٠.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
[باب الاستلحاق]
إِنَّمَا يَسْتَلْحِقُ الأَبُ مَجْهُولَ النَّسَبِ، إِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِهِ، أَوِ الْعَادَةُ ولَمْ يَكُنْ رِقًَّا لِمُكَذِّبِهِ أَوْ مَوْلًى.
قوله: (وَلَمْ يَكُنْ رِقًَّا لِمُكَذِّبِهِ أَوْ مَوْلًى) أشار بِهِ لقوله فِي كتاب: " أمهات الأولاد " من " المدونة ": ومن استلحق صبيًا فِي ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره لَمْ يصدق؛ إِذَا أكذبه (١) الحائز لرقه أو لولائه، ولا يرثه إِلا ببينة تثبت (٢).
لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ. وفِيهَا أَيْضًا. يُصَدَّقُ. وإِنْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ إِنْ لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ.
قوله: (لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ) ظاهر هذا الاستدراك أنّه يلحق بِهِ مَعَ بقاء رقّه أو ولائه لحائزهما، وهذا لا يقوله ابن القاسم هنا، وإنما نسبه ابن يونس لأشهب فقال: قَالَ أشهب: " يلحق بِهِ، ويكون أبنًا لهذا، ومولى لمن أعتقه أو (٣) عبدًا لمن ملكه وإن أعتقه مولاه ورث أباه وورثه ". انتهى.
نعم قَالَ ابن القاسم: نحو هذا فِي " المدونة " فِي المسألة الآتية فيمن ابتاع أمة فولدت عنده فادعاه البائع بعد عتق المبتاع الأم والولد قَالَ هناك: ألحقت بِهِ نسب الولد ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما (٤). قَالَ أبو الحسن الصغير: الفرق بينهما أنّه فِي الأولى لَمْ يملك أمه فليس معه قرينة تصدقه بِخِلاف هذه، وفِي بعض نسخ هذا المختصر: فإنه لا يلحق بِهِ وهو كالحشو.
_________________
(١) في (ن ٢): (كذبه).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٠٣.، ونص المدونة، لابن القاسم: (أرأيت إن ادعى أنه ابنه، وهو في ملك غيره أيصدق أم لا؟ أو كان أعتقه الذي كان في ملكه ثم ادعاه هذا الرجل أتجوز دعواه إن أكذبه الذي أعتقه أو صدقه؟ قال: قد سمعت أنه لا يصدق إذا أكذبه المعتق، ولا أدري أهو قول مالك أم لا، وهو رأيي) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٣٢.
(٣) في (ن ٢): (و).
(٤) في (ن ٣): (ولايتهما) وانظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٠٤.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
وإِنْ كَبِرَ أَوْ مَاتَ ووَرِثَهُ إِنْ وَرِثَهُ ابْنٌ، أَوْ بَاعَهُ ونُقِضَ ورَجَعَ بِنَفَقَتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خِدْمَةٌ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (وَإِنْ كَبِرَ أَوْ مَاتَ) يقتضي أن تصديقه لا يشترط كما قَالَ ابن الحَاجِب تبعًا لابن شاس: ولا كلام له ولَو كَانَ كبيرًا (١)، وقطع بِهِ ابن عبد السلام وابن هارون، وحصّل فيه ابن عَرَفَة إِذَا كَانَ الولد ممن يعقل [ذلك طرقًا] (٢):
الأولى: لابن خروف والحوفي (٣): اشتراطه.
الثانية: للبيان وابن شاس: لا يشترط.
الثالثة: لابن يونس: يشترط (٤) فيمن جهل حوز مستلحقة أمه لا فِي غيره.
وفِي أمهات الأولاد من " المدونة ": من ولد عنده صبي فأعتقه ثم استلحقه بعد طول الزمان لحق بِهِ وإِن كذّبه الولد (٥). وفِي الشهادات منها: من ادعى عَلَى رجلٍ أنّه ولده أو والده لَمْ يحلف له (٦)، فظاهره شرط التصديق، وكذا قوله فِي الولاء: من ادعى أنّه ابن فلان أو أبوه أو أنّه مولاه من فوق أو من أسفل وفلان يجحده فله إيقاع البينة عَلَيْهِ ويقضي له ". انتهى. ونسب فِي " التوضيح " الأولى " للكافي " [وشهادات] (٧) " المدونة "، والثانية " للنوادر "، واعتمدها هنا.
_________________
(١) عبارة ابن شاس: (ثم حيث يلحق به، فلا ينظر إلى إنكار الولد صغيرًا كان أو كبيرًا) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٤٦، ٨٤٧، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ١): (والحافي).
(٤) في (ن ١): (بشرط).
(٥) النّص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٠٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٣١.
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٦٠٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ١٧٩.
(٧) في (ن ١)، و(ن ٣): (وشهادة).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وإِنِ ادَّعَى اسْتِيلادَهَا بِسَابِقٍ، فَقَوْلانِ، فِيهَا وإِنْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ واسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ ولَمْ يُصَدَّقْ فِيهَا، إِنِ اتُّهِمَ بِمَحَبَّةٍ، أَوْ عَدَمِ ثَمَنٍ، أَوْ فَرَاهَةٍ (١)، ورَدَّ ثَمَنَهَا، ولَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ مُطْلَقًا، وإِنِ اشْتَرَى مُسْتَلْحَقَةً والْمِلْكُ لِغَيْرِهِ عَتَقَ كَشَاهِدٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
قوله: (وَإِنِ ادَّعَى اسْتِيلادَهَا بِسَابِقٍ، فَقَوْلانِ فِيهَا) قَالَ فِي كتاب أمهات الأولاد من " المدونة ": ومن باع (٢) أمة فاعتقت لَمْ تقبل دعوى البائع أنّه كَانَ أولدها إِلا ببينة (٣). عياض: قَالَ فِي كتاب " الآبق " مرة لا ترد مُطْلَقًا ومثله فِي كتاب " المكاتب "، ومرة قَالَ: ترد إليه إِن لَمْ يتهم فيها وحكى بعضهم أن له (٤) فِي كتاب " الآبق " أن تردّ مُطْلَقًا، وليس ذلك فِي روايتنا ". انتهى مختصرًا، ومراده ببعضهم اللخمي، فمعنى قول المصنف: (بسابق) بولد سابق احترازًا من التي بعدها (٥)، والضمير فِي (فيها) للمدونة.
وإِنِ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ [الوَلَدٍ] (٦) لَمْ يَرِثْهُ إِنْ كَانَ وَارِثٌ، وإِلا فَخِلافٌ وخَصَّهُ الْمُخْتَارُ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الإِقْرَارُ، وإِنْ قَالَ لأَوْلادِ أَمَتِهِ: أَحَدُهُمْ وَلَدِي عَتَقَ الأَصْغَرُ، وثُلُثَا الأَوْسَطِ، وثُلُثُ الأَكْبَرِ.
وإِنِ افْتَرَقَتْ أُمَّهَاتُهُمْ فَوَاحِدٌ بِالْقُرْعَةٍ، وإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ وأَمَةُ آخَرَ واخْتَلَطَا عَيَّنَتْهُ الْقَافَةُ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَجَدَتْ مَعَ ابْنَتِهَا [٦٢ / أ] أُخْرَى لا تُلْحَقُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وإِنَّمَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ عَلَى أَبٍ لَمْ يُدْفَنْ وإِنْ أَقَرَّ عَدْلانِ بِثَالِثٍ. ثَبَتَ النَّسَبُ.
قوله: (وَإِنِ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ الوَلَدٍ لَمْ يَرِثْهُ إِنْ كَانَ وَارِثٌ) كذا فِي النسخ الصحيحة بالشرط المثبت، ولا يصحّ غيره.
وعَدْلٌ يَحْلِفُ مَعَهُ ويَرِثُ ولا نَسَبَ وإِلا فَحِصَّةُ الْمُقِرِّ. كَالْمَالِ. وهَذَا أَخِي، بِلْ هَذَا، فَلِلأَوَّلِ نِصْفُ إِرْثِ أَبِيهِ، ولِلثَّانِي نِصْفُ مَا بَقِيَ.
قوله: (وعَدْلٌ يَحْلِفُ مَعَهُ ويَرِثُ ولا نَسَبَ) قد سلّم فِي " التوضيح " أن هذا خلاف
_________________
(١) في المطبوعة: (وجاهة).
(٢) في (ن ١)، (ن ٤): (ابتاع).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٠٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٣٣.
(٤) في (ن ١): (أنه).
(٥) في (ن ٣): (بعده).
(٦) في أصل المختصر، والمطبوعة: (ولد).
[ ٢ / ٨٣٥ ]
المعروف من المذهب، وهو كذلك، والمعروف قوله آخر كتاب الولاء من " المدونة ": ومن مات وترك ابنين، فأقرّ أَحَدهمَا بأختٍ له فليعطها خمس ما بيده ولا تحلف الأخت مَعَ الأخ المقرّ بها (١)؛ لأنه شاهد واحد، ولا يحلف فِي النسب مَعَ شاهد واحد (٢)، إِلا أن الباجي وافق عَلَى هذا فِي باب ميراث الولد المستلحق، وخالفه فِي باب: القضاء بإلحاق (٣) الولد فقال: من ترك ولدين أقرّ أَحَدهمَا بثالث، فإن كَانَ المقر عدلًا حلف المقر له مَعَ شهادته، وأخذ من كلّ [٩٨ / أ] منهما حصته ولا يثبت نسبه (٤)، واتبعه عَلَى هذا الطرطوشي وابن شاس وابن الحَاجِب (٥) والقرافي وابن عبد السلام.
وعضده ابن عَرَفَة بقوله فِي كتاب الولاء من " المدونة ": ولَو أقرت البنتان أنّ فلانًا مولى أبيهما وهما عدلتان حلف معهما وورث الثلث الباقي إِن لم (٦) يأت أحد بأحق من ذلك من ولاءٍ ولا عصبة ولا ولد معروف ولا يستحقّ (٧) بذلك الولاء (٨). وبما فِي " النوادر " عن " الموازية " (٩): من ترك ابنتين وعصبة، فأقرت البنتان بأخٍ: فإن لَمْ تكونا عدلتين أعطته كلّ واحدة ربع ما بيدها، وإِن كانتا عدلتين حلف عند ابن القاسم، وأخذ تمام النصف من العصبة ". انتهى. فأنت ترى هذا القول قد انتعش.
_________________
(١) في (ن ١): (لها)، وفي (ن ٢): (به).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٤٤، ٦٤٥، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٩١، وهذه ليست آخر مسائل المدونة في الولاء، بل هي آخر مسألة عند البراذعي في تهذيب المدونة.
(٣) في (ن ١): (بالحق).
(٤) انظر: المنتقى، للباجي: ٧/ ٣٣٨.
(٥) قال ابن الحاجب: (وإذا أقر ولدان عدلان بثالث ثبت النسب، وعدل يحلف ويشاركهما ولا يثبت النسب) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٠٣.، وانظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨٤٩.
(٦) في (ن ٣): (إلا أن).
(٧) في (ن ١): (يستلحق).
(٨) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٦٣٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٣٧٦.
(٩) في (ن ٣): (المداونة).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وإِنْ تَرَكَ أُمًَّا وأَخًا، فَأَقَرَّتْ بِأَخٍ فَلَهُ مِنْهَا السُّدُسُ، وإِنْ أَقَرَّ مَيِّتٌ بِأَنَّ فُلانَةَ جَارِيَتَهُ وَلَدَتْ مِنْهُ فُلانَةَ ولَهَا ابْنَتَانِ أَيْضًا ونَسِيَتْهَا الْوَرَثَةُ، والْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ. فَهُنَّ أَحْرَارٌ، ولَهُنَّ مِيرَاثُ بِنْتٍ، وإِلا لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ. وإِنِ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا ثُمَّ أَنْكَرَهُ. ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ. فَلا يَرِثُهُ ووُقِفَ مَالُهُ فَإِنْ مَاتَ فَلِوَرَثَتِهِ وقُضِيَ دَيْنُهُ وإِنْ قَامَ غُرَمَاؤُهُ وهُوَ حَيٌّ أَخَذُوهُ.
قوله: (وَإِنْ تَرَكَ أُمًَّا وأَخًا، فَأَقَرَّتْ بِأَخٍ فَلَهُ مِنْهَا السُّدُسُ) نسب هذا فِي " النوادر " للموطأ، واتبعه الناس، ولابن عَرَفَة بحث معهم فِي ذلك (١) نازعه فيه السيتاني (٢) فِي " شرح التلمسانية "، فقف عَلَى ذلك فِي محالّه وبالله التوفيق سبحانه.
_________________
(١) قال المواق نقلًا عن ابن عرفة: (وَظَاهِرُ نَقْلِ الشَّيْخِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْصُوصَةٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ، ولَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْمُوَطَّأِ) انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٥/ ٢٤٨.
(٢) في منح الجليل: البناني، وهو متأخر عن المؤلف، انظر: منح الجليل، للشيخ عليش: ٦/ ٤٩٩.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
[باب الإيداع]
الإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ وضُمِنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا، لا إِنِ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا، وبِخَلْطِهَا، إِلا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ، ودَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ.
قوله: (وبِخَلْطِهَا، إِلا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ، ودَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ) هذا كقول ابن الحَاجِب: ولَو خلط قمحًا بقمح أو دراهم بدنانير لَمْ يضمن (١). وقد ذكر فِي " التوضيح " اقتداءً بابن عبد السلام أنّه نبّه بِهِ عَلَى صورتين:
الأولى: أن يخلط مثليًا بمثلي جنسًا وصفة بحيث يتعذر التمييز.
الثانية: أن يخلط جنسًا بغير جنسه بحيث يمكن التمييز بلا كلفة كدنانير مَعَ دراهم وكقطن (٢) مَعَ كتّان وكدراهم بدراهم تخالفها فلا ضمان فِي الصورتين (٣)، وهو معنى قول ابن عَرَفَة: وخلط الوديعة بمثلها مكيلًا أو موزونا أو بغيره متيسرًا ميزه مغتفر وبغيرهما يوجب ضمانه.
لِلإِحْرَازِ، ثُمَّ إِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَيْنَكُمَا، إِلا أَنْ يَتَمَيَّزَ.
قوله: (لِلإِحْرَازِ) إنما ذكر هذا القيد فِي " المدونة " فِي الصورة الأولى (٤)، وأما الصورة الثانية فلم يذكرها فيها أصلًا.
وبِانْتِفَاعِهِ بِهَا أَوْ بِسَفَرِهِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ، إِلا أَنْ تُرَدَّ سَالِمَةً. وحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ ومُعْدِمٍ، وكُرِهَ النَّقْدُ والْمِثْلِيُّ كَالتِّجَارَةِ، والرِّبْحُ لَهُ، وبَرِئَ إِنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ إِلا بِإِذْنٍ، أَوْ يَقُولَ: إِنِ احْتَجْتَ فَخُذْ وضَمِنَ الْمَأْخُوذَ فَقَطْ وبِقُفْلٍ بِنَهْيٍ، وبِوَضْعٍ بِنُحَاسٍ فِي أَمْرِهِ بِفَخَّارٍ، لا إِنْ زَادَ قُفْلًا، أَوْ عَكَسَ فِي الْفَخَّارِ، أَوْ أَمَرَ بِرَبْطٍ بِكُمٍّ فَأَخَذَ بِالْيَدِ كَجَيْبِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا، وبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٥.
(٢) في (ن ٢)، (ن ٣): (قطن).
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٤٩، ١٥٠.
(٤) قال في المدونة: (وإن أودعته حنطة فخلطها بحنطة، فإن كانت مثلها وفعل ذلك بها على الإحراز لها والرفع، فهلك الجميع لم يضمن، وإن كانت مختلفة ضمن، وكذلك إن خلط حنطتك بشعير ثم ضاع الجميع، فهو ضامن؛ لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
بِهَا، وبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ فَتَلِفَتْ، لا إِنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَوَقَعَتْ ولا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وبِإِيدَاعِهَا وإِنْ بِسَفَرٍ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ وأَمَةٍ اعْتِيدَا بِذَلِكَ إِلا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ، أَوْ لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ، وإِنْ أُودِعَ بِسَفَرٍ.
قوله: (إِلا أَنْ تُرَدَّ سَالِمَةً) أي بعد الانتفاع أو السفر.
ووَجَبَ الإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ.
قوله: (ووَجَبَ الإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": إِلا أنّه لا يصدق أنّه أراد سفرًا أو خاف عورة منزله فأودعه إِلا أن يعلم سفره أو عورة منزله فيصدق (١).
فإن قلت: هذا خلاف قول ابن الحَاجِب: فإن أودع لعذرٍ كعورة منزله أو سفره عند عجز الرد لَمْ يضمن وإِن لَمْ يشهد (٢).
قلت: لَمْ يتواردا عَلَى محلٍ واحد، فإن المصنف أثبت هنا وجوب الإشهاد [بالعذر وابن الحَاجِب نفى وجوب الإشهاد] (٣) بالإيداع، وبهذا فسّره ابن عبد السلام فقال: معناه: " أن اعتماده فِي الإيداع (٤) لغيره عَلَى ما تقدّم من العذر كافٍ ولا يحتاج مَعَ ذلك إِلَى الإشهاد عَلَى الدفع لمن يودعه هكذا قَالَ فِي " المدونة ". انتهى. وقبله فِي " التوضيح " (٥).
وبَرِئَ، إِنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً، وعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهَا إِنْ نَوَى الإِيَابَ وبِبَعْثِهِ لَهَا، وبِإِنْزَائِهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ، وإِنْ مِنَ الْوِلادَةِ كَأَمَةٍ زَوَّجَهَا فَمَاتَتْ مِنَ الْوِلادَةِ، وبِجَحْدِهَا، ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلافٌ وبِمَوْتِهِ ولَمْ يُوصِ، ولَمْ تُوجَدْ، إِلا لِكَعَشْرِ سِنِينَ، وأَخَذَهَا إِنْ، ثَبَتَ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ إِن ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ، أَوْ خَطُّ الْمَيِّتِ.
قوله: (وبَرِئَ، إِنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً) أي إِن رجعت من إيداعه إياها غيره فليس بتكرار مَعَ قوله: (إِلا أن ترد سالمة).
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٩٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٥/ ١٤٤.
(٢) جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٤.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ١): (فا لايداع).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٣٧.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
وبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِرٍ، وبِمَوْتِ الْمُرْسَلِ مَعَهُ لِبَلَدٍ، إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وبِكَلُبْسِ [٦٢ / ب] الثَّوْبِ، ورُكُوبِ الدَّابَّةِ، والْقَوْلُ لَهُ أنّه رَدَّهَا سَالِمَةً، إِنْ أَقَرَّ بِالْفِعْلِ، وإِنْ أَكْرَاهَا لِمَكَّةَ ورَجَعَتْ بِحَالِهَا، إِلا أنّه حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا فَلَكَ قِيمَتُهُ يَوْمَ كِرَائِهِ ولا كِرَاءَ أَوْ أَخْذُهُ [وَأَخْذُهَا] (١)، وبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِهِ، وحَلَفْتَ وإِلا حَلَفَ، وبَرِئَ، إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الآمِرِ، ورَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ، وإِنْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ بِمَالٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وأَنْكَرْتَ فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ وهَلْ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ؟ تَأْوِيلانِ. وبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ. أَوِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ الْمُنْكِرِ كَعَلَيْكَ، إِنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ مَقْصُودَةٌ لا بِدَعْوَى التَّلَفِ، أَوْ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالرَّدِّ (٢) أَوِ الضَّيَاعِ، وحَلَفَ الْمُتَّهَمُ. وَلَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا، فَإِنْ نَكَّلَ حَلَفْتَ وإِلا إِنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلْمُرْسِلِ إِلَيْهِ بِلا بَيِّنَةٍ، وبِقَوْلِهِ. تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْقَانِي بَعْدَ مَنْعِهِ دَفْعَهَا كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلا عُذْرٍ، لا إِنْ قَالَ لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ.
قوله: (وبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِرٍ) من خطّ أبي علي الونشريسي الأكبر: " المصادر هو الجالس فِي الطرقات ليغرم الأعشار أو المرتب ". انتهى. وقَالَ ابن عبد السلام: أي: ووشى (٣) بها إِلَى ظالم، وإذا قيل فيمن دلّ غاصبًا عَلَى مال رجلٍ فغصبه أنّه ضامن، فأحرى هنا؛ لأن ذلك لَمْ يلتزم حفظ المال بِخِلاف المودَع " انتهى وقال ابن عَرَفَة: " قول ابن الحَاجِب وابن شاس: لَو سعى بها إِلَى مصادر ضمنها (٤). واضح لتسببه فِي تلفها، ولا أعلم نصّ المسألة إِلا فِي " وجيز الغزالي ". انتهى.
ونصّ الوجيز السادس: " من موجبات الضمان التضييع، وذلك أن يلقيه (٥) فِي مضيعة أو يدل عَلَيْهِ سارقًا أو يسعى بِهِ إِلَى من يصادر المالك فيضمن (٦). وجوز فِي " التوضيح " كسر دال (المصادر) وفتحه (٧).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٢) في المطبوعة (بالتلف).
(٣) في (ن ١): (إن رشى)، وفي (ن ٢)، (ن ٣)، (ن ٤): (مشى).
(٤) قال ابن شاس: (وللتقصير سبعة أسباب: التضييع والإتلاف. وذلك بأن يلقيها في مضيعة، أو يدل عليها سارقًا، أو يسعى بها إلى من يصادرها فيضمن) وانظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٥.
(٥) في (ن ١): (يلقيها).
(٦) انظر: شرح الوجيز، للرافعي: ١١/ ٢٤٣.
(٧) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٥٧.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
وبِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمَ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لا إِنْ قَالَ ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وكُنْتُ أَرْجُوهَا ولَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالْقِرَاضِ، ولَيْسَ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا.
قوله: (بِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمَ) الظاهر نصب الحاكم عَلَى المفعولية، وجوّز (١) فِي " التوضيح " رفعه عَلَى الفاعلية قَالَ: كما فِي بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها (٢).
ولا أُجْرَةُ حِفْظِهَا، بِخِلافِ مَحَلِّهَا، ولِكُلٍّ تَرْكُهَا، وإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًَّا، أَوْ سَفِيهًا أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ، لَمْ يَضْمَنْ، وإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْمَأْذُونِ عَاجِلًا، وبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا أَعْتَقَ، إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ. وإِنْ قَالَ هِيَ لأَحَدِكُمَا ونَسِيتُهُ، تَحَالَفَا. وقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا وإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَتْ بِيَدِ الأَعْدَلِ.
قوله: (ولِكُلٍّ تَرْكُهَا) بِهِ فسر فِي " التوضيح " تبعًا لابن عبد السلام قول ابن الحَاجِب: وهي جائزة من الجانبين (٣).
وقال ابن عَرَفَة: هي من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إِن لَمْ يودعها مَعَ وجود قابل لها يقدر علي حفظها، وحرمتها كمودع شيءٍ غصبه ولا يقدر القابل عَلَى جحده ليرده لربه أو للفقراء إِن كَانَ المودع مستغرق الذمة؛ ولذا ذكر عياض فِي (مداركه) عن بعض الشيوخ: أن من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردّها إليه ضمنها للفقراء (٤).
زاد فِي " نوازل البرزلي ": ولم تجر عادة فقهاء تونس بقبول ودائع الظلمة ثم قَالَ ابن عَرَفَة: وقد يعرض ندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحققه، وكراهتها حيث [يخشى] (٥) ما يحرمها دون تحققه.
_________________
(١) في (ن ١): (وجوار).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٦٥.
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٤٣، وانظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٢٥.
(٤) في التاج والإكليل نسب أول الكلام لابن شاس، وباقيه لابن عرفة، وتابع الشرّاح كلهم ما للمؤلف هنا من نسبته إلى ابن عرفة، ويبدو أن ابن عرفة نقل كلام ابن شاس وأكمله فظنّه الشراح كلامه. انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٥/ ٢٦٦، وانظر: مواهب الجليل، للحطاب: ٥/ ٢٥١.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٨٤١ ]
[باب العارية]
صَحَّ ونُدِبَ إِعَارَةُ مَالِكِ مَنْفَعَةٍ بِلا حَجْرٍ وإِنْ مُسْتَعِيرًا.
قوله: [٩٨ / ب] (وإِنْ مُسْتَعِيرًا) هو كقول ابن الجلاب (١): ومن استعار شيئًا إِلَى [مدة] (٢) فلا بأس أن يكريه من مثله فِي المدة، ولا بأس أن يعيره أَيْضًا من مثله (٣). وعَلَيْهِ اقتصر ابن شاس وابن الحَاجِب (٤) وقبله ابن هارون وابن عبد السلام، وزاد وقد منع بعض الأئمة عارية المستعير، ولبعض شيوخ المذهب ركون (٥) إِلَى ذلك قَالَ: لأن المستعير لَمْ يحصل له ملك (٦) المنفعة حقيقة، وإنما حصل له الإذن فِي التصرف [على وجه ما، ورأى أن الإذن فِي التصرف أعمّ من ملك المنفعة الذي هو شرط صحة العارية، والأعمّ لا يستلزم الأخصّ] (٧) بعينه وفيه نظر. ثم خرج الخلاف فِي العارية عَلَى الخلاف فِي الإجارة.
[وقَالَ فِي " التوضيح ": مبنى الخلاف: هل المستعير مالك المنفعة أو الانتفاع؟ (٨)، وأما ابن عَرَفَة فأغفل نصّ ابن الجلاب (٩) وقال: يؤيد نقل ابن شاس وابن الحَاجِب قوله فِي الوصايا الثاني من " المدونة ": وللرجل أن يؤاجر ما أوصى له بِهِ من سكنى دار أو خدمة عبد. قَالَ فِي الوصايا الأول: إِلا أن يريد بالعبد ناحية الكفالة والحضانة؛ لكن قَالَ فِي الجعل والإجارة من " المدونة ": وإِن استأجرت ثوبًا تلبسه يومًا إِلَى الليل فلا تعطه غيرك
_________________
(١) في (ن ٣): (الحاجب).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ٢/ ٢٨٩.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٥٧، ونصه: (العارية تبرع بالمنافع، فتصح من المستعير والمستأجر) وقال ابن الحاجب: (المعير مالك المنفعة غير محجور عليه، فتصح من المستعير والمستأجر) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٧.
(٥) في (ن ١): (وكون).
(٦) في الأصل، (ن ١)، و(ن ٣): (مالك).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٨) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٨١.
(٩) في الأصل، و(ن ١): (الحاجب).
[ ٢ / ٨٤٢ ]
ليلبسه لاختلاف اللبس والأمانة.
وكره مالك لمكتري الدابّة لركوبها كراءها من غيره ولو كَانَ أخفّ منه (١)، وتمام هذا فِي الإجارة، وما منع فيها فأحرى فِي العارية، وفِي " الزاهي " لابن شعبان: من استعار دابّة فلا يركبها غيره وإِن كَانَ مثله فِي الخفة والحال.
لا مَالِكِ انْتِفَاعٍ.
قوله: (لا مَالِكِ انْتِفَاعٍ) أصل هذا التحرير فِي الفرق الثلاثين من قواعد القرافي، وقد صححه ابن الشاط، وفِي الإجارات من " قواعد " المقري: من ملك المنفعة فله المعاوضة عَلَيْهَا وأخذ عوضها، ومن ملك أن ينتفع فليس له المعاوضة كسكنى المدرسة والرباط والجلوس فِي المسجد والطريق، وانظر المكان فِي الحمام. قَالَ القرافي: ومن ثم لَمْ تجز قبالة المدارس إِذَا عدم الساكن، لأنها إنما جعلت للسكنى لا للغلة كالمسجد للصلاة.
مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ، لا كَذِمِّيٍّ مُسْلِمًا وجَارِيَةٍ لِلْوَطْئِ، أَوْ خِدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، أَوْ لِمَنْ تَعْتِقُ (٢) عَلَيْهِ، وهِيَ لَهُ، والأَطْعِمَةُ والنُّقُودُ قَرْضٌ بِمَا يَدُلُّ، وجَازَ أَعِنِّي بِغُلامِكَ لأُعِينَكَ إِجَارَةً وضَمِنَ الْمَغِيبَ عَلَيْهِ، إِلا لِبَيِّنَةٍ. وهَلْ، وإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُّدٌ لا غَيْرُهُ ولَوْ بِشَرْطٍ، وحَلَفَ فِيمَا عُلِمَ أنّه بِلا سَبَبِهِ. كَسُوسٍ أنّه مَا فَرَّطَ وبَرئَ فِي كَسْرِ كَسَيْفٍ، إِنْ شُهِدَ لَهُ أنّه مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ، أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ، وفَعَلَ الْمَأْذُونَ، ومِثْلَهُ ودُونَهُ، لا أَضَرَّ وإِنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ [٦٣ / أ] بِهِ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، أَوْ كِرَاؤُهُ كَرَدِيفٍ.
قوله: (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) اختصره من قول ابن الحَاجِب: " المستعير أهل للتبرع عَلَيْهِ فلا يعار ذمي مسلمًا (٣). قَالَ ابن عبد السلام: يريد أنّه يشترط فِي المستعير أن يكون أهلًا لأن يتبرع بالمستعار (٤) بخصوصيته، وقبله فِي " التوضيح " (٥)، وقَالَ ابن عَرَفَة:
_________________
(١) انظر النقول على التوالي في تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٨٠، و٤/ ٢٥٠، و٣/ ٣٥٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٧٧.
(٢) في المطبوعة: (لا تعتق).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٧.
(٤) في (ن ١): (المستعير).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ١٨٣.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
المستعير قابل ملك المنفعة، فلا يعار كافر عبدًا مسلمًا ولا ولد والده، وقول ابن الحَاجِب: والمستعير أهل للتبرع عَلَيْهِ. قاصرٌ؛ لأن الكافرَ والولدَ أهلٌ للتبرع عَلَيْهِ، وجواب (١) ابن عبد السلام بأن مراده زيادة بالمستعار بخصوصيته، يردّ بأن كل كلام لا يصح كذلك لصحة تقييده بما بِهِ يصح.
واتُّبِعَ إِنْ أَعْدَمَ ولَمْ يَعْلَمْ بِالإِعَارَةِ، وإِلا فَكِرَاؤُهُ (٢).
قوله: (وإِلا فَكِرَاؤُهُ) كذا فِي بعض النسخ، وقد علمت معناه، وفِي بعضها: وإِلا (فكمردفه) ومعناه: وإِن كَانَ الرديف عالمًا بالإعارة فهو كمردفه، فلربها أن يضمن من شاء منهما إما القيمة وإما الكراء.
ولَزِمَتِ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لانْقِضَائِهِ، وإِلا فَالْمُعْتَادُ، ولَهُ الإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ، إِنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، وفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ، وهَلْ خِلافٌ، أَوْ قِيمَتُهُ إِن لَمْ يَشْتَرِهِ، أَوْ إِنْ طَالَ أَوِ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ؟ تَأْوِيلاتٌ. وإِنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرْسِ فَكَالْغَصْبِ، وإِنِ ادَّعَاهَا الآخِذُ والْمَالِكُ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ لَهُ [بِيَمِينٍ] (٣)، إِلا أَنْ يَأْنَفَ مِثْلُهُ، كَزَائِدِ الْمَسَافَةِ إِنْ لَمْ يَزِدْ، وإِلا فَلِلْمُسْتَعِيرِ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ والْكِرَاءِ، وإِنْ بِرَسُولٍ مُخَالِفٍ كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
قوله: (وإِلا فَالْمُعْتَادُ) هو خلاف ما فِي " المدونة " (٤) إِلا أن ابن يونس صوّبه، وقوله: " وله الإخراج " وفاق لما فِي " المدونة "، فكلامه متناقض، وعدّها ابن الحَاجِب قولين (٥)،
_________________
(١) في (ن ١): (وجوب).
(٢) في أصل المختصر: (فكمردفه).
(٣) ما بين المعكوفتين: ساقط من المطبوعة.
(٤) نص تهذيب المدونة: (ومَنْ أَذِنْت لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِكَ أَوْ يَغْرِسَ، فَلَمَّا فَعَلَ أَرَدْت إخْرَاجَهُ، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يُعِيرَ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ لَكَ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ تُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٣١٠.
(٥) نص ابن الحاجب المقصود على طوله: (ولا يتعدى المأذون فيه فلا يزرع ما ضرره أكثر فإن أطلق فاستعمال مثلها وهي لازمة فإن أجّلها بمدة أو عمل لزمت إلى انقضائه، وإلا فالمعتاد في مثلها، وفي اللزوم قبل القبض قولان) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٦.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وقبله ابن عبد السلام وابن عَرَفَة والمصنف، فلو قَالَ وإِلا فالمعتاد عَلَى الأَرْجَح وفيها وله الإخراج فِي كبناء إِلَى آخره لأجاد (١).
وإِنْ زَعَمَ أنّه مُرْسَلٌ لاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ وتَلِفَ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ، إِنْ صَدَّقَهُ، وإِلا حَلَفَ وبَرِئَ، ثُمَّ حَلَفَ الرَّسُولُ وبَرِئَ وإِنِ اعْتَرَفَ بِالْعَدَاءِ وضَمِنَ الْحُرُّ والْعَبْدُ فِي ذِمَّتِهِ، إِنْ عَتَقَ، وإِنْ قَالَ أَوْصَلْتُهُ لَهُمْ فعَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ اليَمِين.
قوله: (وَإِنْ زَعَمَ أنّه مُرْسَلٌ لاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ وتَلِفَ إِلَى قوله: فعَلَيْهِ وعليهم اليَمِين) اختصار عجيب مستوفٍ لما فِي رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب العارية (٢).
ومُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَرَدِّهَا عَلَى الأَظْهَرِ.
قوله: (وَمُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَرَدِّهَا عَلَى الأَظْهَرِ) كذا فِي " المقدمات " (٣).
وفِي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلانِ.
قوله: (وفِي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلانِ) من " الاستغناء " قَالَ بعض أصحابنا: من [استعار] (٤) دابّة أو شيئًا له نفقة فذلك عَلَى المعير [(٥) وليس عَلَى المستعير منه شيء؛ لأنه لَو
_________________
(١) نقل الحطّاب كلام المؤلف وعقّب بقوله: (ومَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ)، انظر: مواهب الجليل: ٥/ ٢٧١، وصوب العدوي أيضا ما للمؤلف هنا من دعوى التناقض، ونقل كلام المؤلف أيضا، انظر: حاشية العدوي على الخرشي: ٦/ ٥٠٤.
(٢) نص ما جاء في كتاب البراءة من سماع عيسى: (وسألته عن الخادم أو الحرة تأتي قومًا فتستعير منهم حليًا، وتزعم أن أهلها بعثوها فيُعيرونها فيهلك الحلي منها فيجحد أهلها، ويقرون أنهم بعثوها وقد هلك منها المتاعُ قبل أن تخلص إليهم، أو يأتي الرجلُ الرجل فيقول إن فلانًا بعثني إليك لتُعيره شيئًا من متاعك أو تبتاع له بدين، قال: إن صدقوه الذين بعثوه فهم ضامنون والرسول بريء، وإن حجدوا وحلفوا ما بعثوه حلف الرسول بالله لقد بعثوه، ولا شيء على كل واحد منهم؛ لأن الذين بعثوه لم يُقروا له بشيء وأن الرسول قد صدقه الذين أعطوه بما جاء به من الرسالة، فليس عليهم أكثر من يمينهم بالله ما بعثوه، وإن أقر الرسول بأنه تعدى وكان حرًا ضمن، وإن كان عبدًا كان في ذمته إن أعتق يومًا ما أو أفاد مالًا ولم يكن في رفقته شيء، قال: ولو زعم الرسول أنه قد أوصله إلى الذين بعثوه وجحدوه لم يكن عليهم ولا عليه إلا اليمين ويبروا). انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٥/ ٣٢٨.
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ١٦٣.
(٤) في ن ١: (الاستعارة).
(٥) من هنا سقط من: (ن ١) إلى قوله بعد: (وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال).
[ ٢ / ٨٤٥ ]
كَانَ عَلَى المستعير لكان كراءً، وقد يكون العلف فِي الغلاء أكثر من الكراء، فيخرج من عارية إِلَى كراء.
ولبعض المفتين: إِلا فِي الليلة والليلتين فذلك عَلَى المستعير، وقيل أَيْضًا فِي الليلة والليلتين على ربّها، وأما فِي المدة الطويلة والسفر البعيد فعلى المستعير كنفقة العبد المخدم، وكأنه أقيس ". انتهى.
وفِي كتاب " الوصايا الأول من " المدونة ": ونفقة الموصي بخدمته فِي الخدمة عَلَى المخدم (١). عياض: عَلَى الذي أُخدِم بضم الهمزة وكسر الدال، كذا ضبطناه (٢) في الكتاب، وعَلَيْهِ اختصرها أكثرهم، قالوا وعَلَى الذي له الخدمة، وكذا جاءت مبينة فِي كتاب محمد وغيره، ثم قَالَ: وقد اختلف فِي زكاة الفطر عن العبد المخدم ففي " المدونة " فِي الزكاة: ذلك عَلَى ربه، وكذلك إِذَا جعل رقبته لآخر فعلى صاحب الرقبة (٣)، وقَالَ أشهب فِي كتاب محمد عَلَى من له الرقبة (٤) فيهما، وعَلَى الخلاف فِي ذلك يتصور الخلاف فِي نفقة المخدم، وقد ضبطه بعض الرواة هنا عَلَى الذي أخدم بالفتح فيهما أي عَلَى ربه.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٥٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٥/ ٣٢.
(٢) في ن ٤: (أصبناه).
(٣) نص المدونة، لابن القاسم: (والفطرة على الموصى بخدمته لرجل، ثم برقبته لآخر على صاحب الرقبة، إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلًا أمدًا فصدقة الفطر عنه على سيده الذي أخدمه) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ١٨٢.
(٤) في (ن ٤): الخدمة.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
[باب الغصب]
الْغَصْبُ: أَخْذُ مَالٍ، قَهْرًا، تَعَدِّيًا، بِلا حِرَابَةٍ. وأُدِّبَ مُمَيِّزٌ كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ، وفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلانِ. وضَمِنَ بِالاسْتِيلاءِ.
[٩٩ / أ] قوله: (وضَمِنَ بِالاسْتِيلاءِ) أي: وضمن الغاصب المميز ما غصب بسبب استيلائه عَلَيْهِ إِذَا تغير فِي بدنه وإِن بسماوي أو جناية غير، وظاهره أنّه لا فرق فِي ذلك بين العقار وغيره (١) خلاف قول ابن الحَاجِب، ويكون أي الضمان بالتفويت بالمباشرة أو بإثبات اليد العادية، فالمباشرة كالقتل والأكل والإحراق وإثبات اليد العادية فِي المنقول بالنقل، وفِي العقار بالاستيلاء وإِن لَمْ يسكن (٢)، عَلَى أنّه قبله فِي " التوضيح " (٣) كابن عبد السلام، وأما ابن عَرَفَة فقال: مجرد حصول المغصوب فِي حوز الغاصب يوجب ضمانه بسماوي أو جناية غيره عَلَيْهِ.
ثم قَالَ: وحاصل كلام ابن الحَاجِب وشارحيه: أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء، وليس المذهب كذلك بل مجرد الاستيلاء [وهو] (٤) مجرد حقيقة الغصب يوجب الضمان، لو (٥) غصب أمة كائنةً ببقعة أو غيرها من المتملكات فاستولى عَلَيْهَا بالتمكن من التصرف فيها دون ربها ضمنها، وروايات المذهب واضحة بهذا (٦) لمن تأملها. انتهى.
وابن الحَاجِب تابع لابن شاس (٧) وعبارتهما منسوجة عَلَى منوال " وجيز " الغزالي فِي هذا المحل، وكلام المصنف هنا سالم من ذلك، وإن كَانَ قوله بعد هذا: (أو ركب) يحتمل أن يشير إليه فتأمله.
_________________
(١) في الأصل: (غيرها).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٣.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) في (ن ٣): (لم).
(٦) في (ن ٣): (فهذا).
(٧) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٣ قال: (موجب الضمان وهو ثلاثة: التفويت بالمباشرة، أو بالتسبب، أو بإثبات اليد العادية، وحدّ المباشرة: اكتساب علة التلف كالقتل، والأكل والإحراق).
[ ٢ / ٨٤٧ ]
وإِلا فَتَرَدُّدٌ.
قوله: (وإِلا فَتَرَدُّدٌ) أي: وإن لَمْ يكن الغاصب مميزًا بل كَانَ غير مميز فقد تَرَدُّدٌ المتأخرون: هل الخلاف فِي ضمانه كما نقل ابن الحَاجِب؟ أم فِي السن المخرج له إِلَى التمييز؟ كما ذكر ابن عبد السلام؛ وذلك أن ابن الحَاجِب قَالَ: وأما غير المميز فقيل المال فِي ماله والدم عَلَى عاقلته. وقيل: المال هدر كالمجنون. وقيل: كلاهما هدر (١). فقال ابن عبد السلام: جعل مورد الخلاف فِي هذه المسألة عدم التمييز وهو حسن فِي الفقه؛ غير أن الروايات لا تساعده، وإنما تعرّضوا للتحديد فِي هذه المسألة بالسنين، فقيل: ابن سنتين. وقيل ابن سنة ونصف. وقيل غير ذلك فقبله فِي " التوضيح " (٢) كما أشار إليه هنا.
وأما ابن عَرَفَة فقال: قوله: والروايات لا تساعده. يردّ بنقل ابن رشد فِي ثاني مسألة من رسم العشور من سماع عيسى من كتاب الجنايات إذ قَالَ: لا اختلاف فِي أن حكم الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها فِي جناياته عَلَى الأموال والدماء حكم المجنون الذي لا يعقل سواء، وقد اختلف فِي ذلك عَلَى ثلاثة أَقْوَال] (٣):
أحدها: أن جنايتهم عَلَى الأموال فِي أموالهم، وعَلَى الدماء عَلَى عواقلهم إِلا أن يكون أقلّ من الثلث ففي أموالهم.
والثاني: أن ذلك هدر فِي الأموال والدماء.
[والثالث: تفرقته فِي هذه الرواية بين الأموال والدماء، وأما إِن كَانَ الصبي يعقل فلا اختلاف فِي أنّه ضامن لما جنى] (٤) عَلَيْهِ من الأموال فِي العمد والخطأ وأن عمده فِي ما جناه من الدماء خطأ يكون عَلَيْهِ من ذلك فِي ماله ما كَانَ أدنى من الثلث، وعَلَى عاقلته ما بلغ الثلث فأكثر. وأما الكبير المولى عَلَيْهِ فحكمه فِي جنايته فِي الأموال والدماء حكم المالك لأمر نفسه يضمن ما استهلكه من الأموال ويقتصّ منه فيما جناه عمدًا من الدماء (٥).
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٢.
(٣) إلى هنا ينتهي ما سقط من: (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٥/ ١٤٥، ١٤٦.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
تنبيه:
قد علمت من كلام ابن رشد هذا أن الأَقْوَال الثلاثة، فِي الصبي الذي لا يعقل وفِي المجنون - عَلَى حد السواء، وكذلك صرّح بالأَقْوَال الثلاثة فِي المجنون فِي أول رسم من سماع أشهب من الجنايات (١)، وفِي رسم مرض من سماع ابن القاسم من طلاق السنة (٢)، وذلك خلاف ما قبله ابن عبد السلام وغيره كالمصنف فِي " التوضيح " من قول ابن الحَاجِب: وقيل المال هدر كالمجنون (٣)، حيث اقتضى أن الأَقْوَال الثلاثة لا تجري فِي المجنون، ولَمْ يتنازل ابن عَرَفَة لهذا البحث وإنّه لمن وظيفه، ولا مرية أن ابن الحَاجِب اختصر هنا كلام ابن شاس (٤)، وابن شاس اختصر كلام الشيخ أبي الوليد فِي " المقدمات "، ونص " المقدمات ": " واختلف إِن كَانَ صغيرًا لا يعقل فقيل: إِن ما أصاب من الأموال والديات هدر كالبهيمة العجماء التي جعل رسول الله - ﷺ - جرحها جبارا (٥) وقيل إِن ما أصابه من الأموال فِي ماله، وما أصابه من الدماء جملته عَلَى العاقلة إذ كَانَ الثلث فصاعدًا كالخطأ سواء وقيل إِن ما أصابه من الأموال هدر، وما أصابه من الدماء جملته العاقلة إِن بلغ الثلث، وحكم هذا حكم المجنون المغلوب عَلَى عقله " (٦). انتهى.
وهو راجع لما فِي البيان؛ لأن المعنى وحكم هذا الصبي الذي لا يعقل حكم المجنون فِي جريان الأَقْوَال الثلاثة، [٩٩ / ب] واختصار ابن شاس لا يأبى هذا التأويل؛ لأنه نقل عن الشيخ أبي الوليد ما فِي " المقدمات " عَلَى ترتيبه وختمه بأن قَالَ: كالمجنون. فلا يمتنع
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ٩٧.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٥/ ٣٦١.
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٤) قال ابن شاس: (واختلف فيما أتلفه الصغير الذي لا يعقل، فقيل: ما أصابه من دم أو مال مهدر، كالعجماء وقيل: ما أصابه من الأموال في ماله، ومن الدماء على عاقلته، إن بلغ الثلث كالخطأ؛ وقيل: الأموال مهدرة، والدماء على العاقلة كالمجنون).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (١٤٢٨)، كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس، ومسلم في صحيحه برقم (١٧١٠)، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار.
(٦) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ١٤٢.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
انطباق هذا التشبيه عَلَى المسألة كلها حتى يرجع لما فِي " البيان "، ولما فهم ابن الحَاجِب أن التشبيه قاصر عَلَى القول الذي يليه وقدّم وأخر كما تقدم من نصّه تحول [المعنى] (١). فليتأمله من فتح له فِي الإنصاف والتحقيق. وبالله تعالى التوفيق.
كَأَنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا، أَوْ رَكِبَ، أَوْ ذَبَحَ، أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً.
قوله: (كَأَنْ مَاتَ .. إِلَى آخره) مشتمل عَلَى تمثيل لمفيتات المغصوب بعد الاستيلاء، وتشبيه بنظائر تشارك المفتيات فِي الضمان وإِن لَمْ ينطلق عَلَيْهَا اسم المغصوب حقيقة، فكأنه يقول: كما يضمن الغاصب فِي كذا بعد الاستيلاء، وكما يضمن شبيه الغاصب فِي كذا، فأما الموت والقصاص فمفيتان، وأما الركوب فهو هنا دخيل، إذ ليس بمفيت فلا يصلح للتمثيل ولا بمشارك فلا يصلح للتشبيه، فإن كَانَ أشار بِهِ لقول ابن الحَاجِب: ويكفي الركوب فِي الدابة (٢). فقد وضعه فِي غير محله مَعَ مناقضته لقوله: (وضمن بالاستيلاء).
وقد قَالَ ابن عبد السلام: مسألة الركوب ظاهرة باعتبار الغصب، فإنّ وضع اليد وحده كاف فِي تعلق الضمان فكيف إِذَا صحبه الركوب؟ فقال ابن عَرَفَة: ما علل بِهِ ظهور مسألة الركوب غصبًا موجب إشكالها فِي كلام ابن الحَاجِب؛ لأن ظاهر قوله: يكفي الركوب فِي الضمان يقتضي نفيه بنفيه، والعلة المذكورة تناقضه وهي الحق، وقول ابن عبد السلام بها يناقض ظاهر ما تقدم له فِي تفسير قول ابن الحَاجِب وإثبات اليد العادية فِي المنقول بالنقل فتأمله منصفًا ". انتهى.
وأما الذبح فجعله مفيتًا وقد قَالَ ابن الجلاب: ومن غصب شاة فذبحها ضمن لربها قيمتها، [وكَانَ له أكلها، وقَالَ محمد بن مسلمة: " لربها أخذها، ويضمن الغاصب ما بين قيمتها] (٣) حيّة ومذبوحة ". انتهى (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ٢/ ٣٠١.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
واختصره ابن الحَاجِب فقال: وإِذَا ذبح الشاة ضمن قيمتها (١). وقَالَ محمد: إِذَا لَمْ يشوها فلربها أخذها مَعَ أرشها. ابن عبد السلام: ظاهره أن ليس لربها فِي القول الأول إِلا قيمتها، وذبحها إفاتة، وهو ظاهر ما حكاه غيره، وقبله فِي " التوضيح " (٢). وقَالَ ابن عَرَفَة: ما حكاه من: أن ذبحها فوت يوجب قيمتها لا أعرفه فِي الذبح نصًا بل تخريجًا مما حكى المازري فِي طحن القمح.
وفِي رسم الصبرة من سماع يحيي من كتاب " الدعوى والصلح ": من ذبح لرجلٍ شاة فلزمه غرم قيمتها لَمْ يجز لربها أن يأخذ فيها حيوانًا من جنسها؛ لأنّ رب الشاة إِذَا لَمْ يفت لحمها مخيّر فِي أخذها مذبوحة وفي أخذ قيمتها حيّة، فيدخله بيع اللحم بالحيوان، فإن فات لحمها فلا بأس بذلك (٣). ابن عَرَفَة: فقبلها ابن رشد ولم يرد فيها شيئًا، ولا ذكر أن (٤) لربها أخذها مذبوحة خلافًا. انتهى. وباقي النظائر تشبيه.
أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ، أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا.
قوله: (أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ) لا يريد بِهِ أنّه لا يضمنه (٥) إلا الأكل بل هي مسألة هبة الغاصب يهب الشيء المغصوب، وقد قَالَ فيها بعد هذا: (ووارثه وموهوبه إِن علما كهو وإِلا بُديء بالغاصب)، بهذا تأول فِي " توضيحه " كلام ابن الحَاجِب (٦) تبعا لابن عبد السلام. وقَالَ ابن عَرَفَة: ظاهره أنّه مبدأ فِي ضمانه عَلَى الغاصب، ومقتضى المذهب أنّه كمن وهب غاصبًا ما غصبه، ولا أعلم نفس هذه لغير ابن شاس من أهل المذهب (٧) ". انتهى،
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٢.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٤٧.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٤/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٤) في (ن ٢)، (ن ٣): (في أن)
(٥) في (ن ١)، الأصل: (يضمنها).
(٦) نص ابن الحاجب: (ولو قدمه الغاصب لضيف فأكله غير عالم ضمن ولصاحبه برىء) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٠ قال الشيخ خليل شارحًا كلام ابن الحاجب رحمهما الله: (ولا يريد المصنف أنه لا يضمنه إلا الضيف، بل هي مسألة هبة الغاصب يهب الشيء المغصوب).
(٧) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٤.
[ ٢ / ٨٥١ ]
ونصّها فِي " وجيز " الغزالي: " ولَو قدم إليه ضيافة ففيه قَوْلانِ؛ لمعارضة الغرور والمباشرة (١).
وقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي.
قوله: (وقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) كذا قَالَ ابن شاس وابن الحَاجِب (٢) تقديمًا للمباشر زاد ابن عَرَفَة: وكذا نقله الطرطوشي فِي مسألة حل القفص الآتية.
إِلا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ.
قوله: (إِلا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ) قاله ابن راشد القفصي وابن عبد السلام، ولهما عزاه فِي " التوضيح " (٣).
أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلا يَأْبَقَ أَوْ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ، إِلا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ، أَوْ حِرْزًا لِمِثْلِيٍّ، ولَوْ بِغَلاءٍ بِمِثْلِهِ وصَبَرَ لِوُجُودِهِ، ولِبَلَدِهِ ولَوْ صَاحَبَهُ.
قوله: (أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلا يَأْبَقَ) لام التعليل من قوله: (لئلا) متعلقة (بقيد) نبه، بذلك عَلَى قول ابن عبد السلام: شرط فِي " المدونة " (٤) فِي مسألة العبد أن يكون قيد خوف الإباق وهو شرط ظاهر، ولَو قيّد لقصد النكال بالعبد لَمْ يجب عَلَى من حلّه منه ضمان وقبله فِي " التوضيح " (٥).
ومُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ، ولا رَدَّ لَهُ كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ، وقَالَ أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ، وطِينٍ لُبِنَ، وقَمْحٍ طُحِنَ وبَذْرٍ زُرِعَ، وبَيْضٍ أُفْرِخَ، إِلا مَا بَاضَ، إِنْ حَضَنَ، وعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، وإِنْ تَخَلَّلَ، خُيِّرَ كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ، وتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ.
قوله: (ولا رَدَّ لَهُ) هذا معروف المذهب، أن ليس لربه جبر الغاصب عَلَى ردّه لبلد
_________________
(١) انظر: شرح الوجيز، للغزالي: ١١/ ٢٥٣.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٤، قال: (فإن رداه غيره فعلى المردي تقديمًا للمباشرة على التسبب) وقال ابن الحاجب: (فإن رداه غيره فعلى المردي تقديمًا للمباشرة). انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٦.
(٤) قال في المدونة: (ومن حل عبدًا من قيد قُيّد به لخوف إباقه، فذهب العبد، ضمن) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ٣٧٩.
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٦.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الغصب خلافًا للمغيرة، وهنا ذكر هذا الفرع فِي " التوضيح " (١) كابن عبد السلام وابن عَرَفَة.
وإِنْ صَنَعَ كَغَزْلٍ وحَلْيٍ وغَيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، وإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ.
قوله: (وإِنْ صَنَعَ كَغَزْلٍ وحَلْيٍ وغَيْرُ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) كذا فِي النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا (صنع) بالصاد المهملة والنون، مبنيًا للفاعل أو للنائب، فينبغي أن ينصب لفظ (غَيْرُ) عَلَى الأول أو (٢) يرفع عَلَى الثاني عَلَى حسب محل الكاف، وكأنه من باب:
(٦١)
عَلَفْتهَا تِبْنًا ومَاءً بَارِدًا
(٦٢)
أي: وفوت غير مثلي، وإنما خصّ الصنعة أولا نظرًا إِلَى الغالب، وفرّ بعضهم من هذا التخصيص فضبطه ضيّع بالضاد المعجمة والياء المشددة المثناة من أسفل [١٠٠ / أ] مبنيًّا للفاعل أو للنائب أَيْضًا، وزعم بعضهم أن قوله: (وإِن صنع) إغياء لمسألة تحليل الخمر أي وإِن خلل وهذا معروف الأَقْوَال عند ابن عَرَفَة إذ قَالَ:
ففي كونها بتخليلها عند الغاصب له أو لربها. ثالثها إِن تسبب فِي تخليلها لتخريج عبد المنعم، والمعروف ومفهوم تعليل أبي محمد؛ وعَلَيْهِ فصنع بالصاد المهملة والنون مبني للنائب ليس إِلا، و(غير) مجرور عطفًا عَلَى ما بعد الكاف، و(بقيمته) بباء الجر مكان فاء الجواب، والمشبه بِهِ هو قوله: (المثلي ولو بغلاء بمثله) وكأنه قَالَ: وضمن المثلي بمثله كضمان غزل وحلي وغير مثلي بقيمته.
_________________
(١) قال في التوضيح: (ولو أراد المغصوب منه تكليف الغاصب برد شيئه إلى مكان الغصب فليس له ذلك على المشهور خلافًا للمغيرة، فإنه قال: إذا غصب خشبة من عدن وأوصلها إلى جدة بمائة دينار، إن لربها أن يكلفه ردها إلى مكان الغصب، وله أن يأخذها بعينها، قال: وإن نقلها بوجه شبهة وقيمتها حيث وصلت أكثر من قيمتها في المكان الذي منه نقلت فأراد ربها أخذها، كلف أن يدفع لحاملها الأقل من كرائها أو ما زاد في قيمتها) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٢٣.
(٢) في الأصل، (ن ٢)، و(ن ٣): (و).
[ ٢ / ٨٥٣ ]
أَوْ كَلْبًا ولَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا، وخُيِّرَ فِي الأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِيَ، فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزَّائِدُ مِنَ الْغَاصِبِ فَقَطْ، ولَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ، وغَلَّةُ مُشْتَغَلٍ (١)، وصَيْدُ عَبْدٍ، وجَارِحٍ.
قوله: (ولَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا) راجع لقوله: (بقيمته يوم غصبه) ورده لـ (الكلب) كما فِي " الشامل " ليس بشيء.
وكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ، كَمَرْكَبٍ خربٍ (٢)، وأَخَذَ مَا لا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ، ولِلْغَاصِبِ صَيْدُ شَبَكَةٍ ومَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ، وهَلْ إِنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ؟ أَوْ بِالأَكْثَرِ مِنْهُ ومِنَ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ وإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ [٦٣ / ب] وغَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ، ومَعَهُ أَخْذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ.
قوله: (وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ، كَمَرْكَبٍ خربٍ) أما إِذَا غصب ساحةً لا بناء فيها فبناها فقال اللخمي: لا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضًا فبناها ثم سكن أو اغتلّ أنّه لا يغرم سوى غلة القاعة، وحكى الخلاف فِي غاصب البناء الخرب وهو الذي اختصر ابن الحَاجِب فِي قوله: وإِذَا غصب دارًا خرابًا أو مركبًا خرابًا فأصلحه فاغتل فقال أشهب: ما زاد فللغاصب (٣) كساحةٍ يعمرها. وقَالَ محمد الجميع للمالك، ووافق أشهب أصبغ. اللخمي: وهو أبين، فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما كَانَ يؤاجر بِهِ ممن يصلحه فيغرمه، وما زاد عَلَى ذلك فللغاصب.
ورأى محمد أن جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ الدار مصلحة ولا شيء عَلَيْهِ إِلا قيمة ما لَو نزعه لكانت له قيمة، ورأى المالك يستحق البناء بقيمته منقوضًا فتكون غلته له.
لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيَةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ.
قوله: (لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيَةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) هذا مقابل قوله: (كَأنَ مات) قَالَ ابن عَرَفَة: وقول ابن الحَاجِب وابن شاس: لَو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد
_________________
(١) في المطبوعة: (مستعمل).
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (نَخِر).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٢، وما بعده ليس فيما لدينا من نسخة جامع الأمهات، لابن الحاجب.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
الصنعة ثم تذكرها حصل الجبر (١): هو كقوله فِي " المدونة ": من اطلع عَلَى عيبٍ قديم فيما ابتاعه فلم يردّه حتى زال فلا ردّ له (٢)، والهزال والنسيان زوالهما فِي المغصوب كذلك، ولا أعرفها نصًا فِي المذهب لغيرهما، بل للغزالي قَالَ فِي " وجيزه ": ولَو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد الصنعة ثم تذكر أو أبطل صنعة الإناء ثم أعاد مثله ففي حصول الجبر وجهان (٣). ابن عَرَفَة: الأَظهَر أن الإناء لا ينجبر بذلك، ومسألة الغصب عندي تجري عَلَى ما تقدم من الخلاف فِي المودع يتعدى عَلَى الوديعة ثم يعيدها لحالها فِي المثلي منها، ومقتضى قوليهما أن الهزال فِي الجارية يوجب عَلَى الغاصب ضمانها ولم أقف عَلَيْهِ لغيرهما، ومفهوم قوله فِي المدونة: من غصب شابة فهرمت فهو فوت (٤). مَعَ قوله فِي السلم الثاني: منها أن الهزال فِي الجارية لغو، بِخِلاف الدابّة (٥)، خلاف ذلك.
أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ.
قوله: (أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) بهذا جزم ابن شاس وابن الحَاجِب (٦)، والذي فِي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب " العيوب " قَالَ ابن القاسم: من عدا [على] (٧) غلامٍ فخصاه فزاد فِي ثمنه فإنه يقوم عَلَى قدر ما نقص منه الخصاء.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٧٢، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٢.
(٢) نص تهذيب المدونة، للبراذعي: (ومن اشترى عبدًا عليه دين فلم يرده حتى أسقطه عنه ربه أو أداه البائع، أو كان له ولد صغير أو كبير، فلم يعلم به حتى مات الولد، أو حُم العبد في الثلاث أو أصاب عينه بياض، ثم ذهب في الثلاث فلا يرد بذلك، وكذلك مبتاع أمة في عدة فلم يعلم حتى انقضت، أو بعينها بياض فلم يعلم حتى ذهب، وكل عيب كان فذهب قبل الرد به فلا يرد بعد ذلك) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٢٩٧، ١٩٨.
(٣) انظر شرح الوجيز، للرافعي: ١١/ ٣٠٧.
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٨١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٣٤٧.
(٥) نص تهذيب المدونة في ذلك: (ولو كان رأس المال جارية فتغيرت في بدنها بهزال أو سمن لم تفت الإقالة، ولو كانت دابة كان الهزال والسمن مفيتًا للإقالة بذلك؛ لأن الدواب تشترى لشحمها، والرقيق ليسوا كذلك) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٩.
(٦) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٧٢، قال: (وإذا خصى العبد ضمن ما نقصه، فإن لم ينقصه ذلك أو زادت قيمته لم يضمن شيء وعوقب)، وقال ابن الحاجب: (وإذا خصى العبد فزادت قيمته لم يضمن شيئًا) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٢.
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
قَالَ ابن رشد: يريد إِذَا لَمْ يرد تضمينه، واختار حبسه، ومعنى قوله: يقوم عَلَى قدر ما نقص الخصاء أي ما نقص منه عند غير (١) أهل الطول من الأعراب وشبههم الذين لا رغبة لهم فِي الخصيان، وقَالَ سحنون: معناه أن ينظر إِلَى عبدٍ دني ينقص من مثله الخصاء، فما نقص منه كَانَ عَلَى الجاني فِي هذا المجني عَلَيْهِ ذلك الجزء من قيمته، وقد تأول بعض الناس ما وقع لمالك فِي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب: الجراحات أن المعنى فِي ذلك أن ينظر ما تقع الزيادة من قيمته فيجعل ذلك نقصانًا منها يكون عَلَيْهِ غرمه، وذلك بعيد لا وجه له فِي النظر، والذي يوجبه النظر أن يكون عَلَيْهِ إِن خصاه فقطع أنثييه أو ذكره جميع قيمته، وإِن قطعهما جميعًا فقيمته مرتين، كما يكون عَلَيْهِ فِي الحر إِذَا قطع ذكره وأنثييه ديتان قياسًا عَلَى قول مالك فِي المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة أن يكون عَلَيْهِ فِي ذلك من قيمته بحساب الجزء من ديته، وابن عبدوس يقول: إِذَا زاده الخصاء فلا غرم عَلَى الجاني، ولا يصح ذلك فِي المذهب، وإنما يأتي عَلَى قياس قول من يقول: أنّه لا شيء عَلَيْهِ فِي المأمومة والجائفة وشبههما مما لا نقصان فيه بعد البرء (٢).
قال ابن عبد السلام: كلام ابن رشد فِي هذا الفصل حسن، وقول ابن عبدوس: هذا هو الذي حكاه ابن الحَاجِب، زاد فِي التوضيح تبعًا لابن شاس (٣) ومع هذا اقتصر عَلَيْهِ ههنا، ولابن رشد عَلَيْهَا كلام أطول من هذا فِي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الجنايات (٤).
أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ، أَوْ دَلَّ لِصًَّا، أَوْ أَعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ، وعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ كَكَسْرِهِ.
قوله: (أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ) كذا لابن يونس عن ابن حبيب عن مطرف
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣)، و(ن ٤).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٣١١، ٣١٢.
(٣) قال المصنف في التوضيح: (وقول ابن عبدوس هو الذي اقتصر عليه المصنف (ابن الحاجب) تبعًا لابن شاس، ولا إشكال في عقوبته) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٥١.
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ٨٨ وما بعدها.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وابن الماجشون، [١٠٠ / ب] زاد ابن عَرَفَة: [وأخذ] (١) من قوله فِي " المدونة " ضمان موت فرس أحد المصطدمين فِي مال الآخر وحده ضمان الجالس عَلَى الثوب وحده (٢)، وقاله بعض الموثقين من عند نفسه لا بالأخذ منها، والأَظْهَر كونه منهما كمحرم حبس الصيد المحرم [قتله] (٣).
أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ.
قوله: (أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ) فرض ابن الحَاجِب هذا فِي سكنى الدار فقال: فلو غصبه السكنى فانهدمت الدار لَمْ يضمن إِلا قيمة السكنى (٤). فقال ابن عبد السلام: معناه أنّه غير غاصبٍ للذات؛ لأنه لَمْ يقصد ملك رقبتها فهو متعدٍ، وقد علم الفرق فِي المذهب بين المتعدي والغاصب، وهو حسن لَو طردوه، ولكنهم جعلوا المتعدي عَلَى الدابّة فِي الكراء والعارية ضامنًا للرقبة.
فإن قيل: المتعدي عَلَى الدابّة ناقل لها، وفِي الدار غير ناقل لها؟
قيل: أسقط أهل المذهب وصف النقل فِي المغصوب عن درجة الاعتبار فِي ضمان الغاصب، وكذا ينبغي فِي المتعدي. قَالَ ابن عَرَفَة: ظاهر لفظ ابن الحَاجِب وشارحه (٥): أنّه لا يضمن الدار ولا شيئًا منها سكن جميعها أو بعضها، وهو خلاف نقل ابن شاس عن المذهب قَالَ: فأمّا لَو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إِلا موضع سكناه لَمْ يضمن، ولَو انهدم مسكنه لغرم قيمته (٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) نص المدونة في هذا: (وإذا اصطدم الفارسان فمات الفرسان والراكبان، ففرس كل واحد منهما في مال الآخر) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٦٣.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٠٩.
(٥) قال الشارح في قول ابن الحاجب: (ولم يضمن إلا قيمة السكنى): لأنها هي التي تعدى عليها، وهذا أحسن لو طردوه) قلت: قوله: (طردوه) أي: جعلوه مطردًا في كل مماثل لا مختصًا بمسألة الدار. انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٤.
(٦) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٤.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
والتحقيق فِي ذلك: إجراء المسألة عَلَى حكم تلف المتعدي فيه فِي مدة التعدي بأمرٍ سماوي لا تسبب فيه للمتعدي، وتقدم تحصيله فِي العارية، فنقل ابن الحَاجِب بناء عَلَى لغو ضمانه بذلك، ونقل ابن شاس بناء عَلَى ضمانه بذلك فتأمله، وبهذا يتبين لك ضعف مناقضة ابن عبد السلام بين مسألة التعدي بالسكنى ومسألة التعدي بالركوب؛ لأن الهلاك فِي زمن التعدي بالركوب لا يعلم كونه بغير سبب المتعدي بحال، والهدم يعلم كونه لا بسببه (١)، وقياسه فِي آخر كلامه التعدي عَلَى الغصب واضح ردّه بما فرّق بِهِ أهل المذهب بين التعدي والغصب من ذلك اعتبار لازمي ذاتيهما لازم ذات الغصب قصد تملك الرقبة فلم يغتفر معه فِي الضمان إِلَى نقل، ولازم ذات التعدي البراءة من قصد تملك الذات، فناسب وقف ضمانها عَلَى التصرف فيها بالنقل.
أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً، أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ، أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ ولَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ، ولَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرٍ كِرَاءُ الزَّائِدِ، إِنْ سَلِمَتْ، وإِلا خُيِّرَ فِيهِ، وفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ وإِنْ تَعَيَّبَ، وإِنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْدَيْهَا، أَوْ جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ. خُيِّرَ فِيهِ كَصِبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وأَخْذِ ثَوْبِهِ، ودَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ، وفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ، ودَفْعِ قِيمَةِ نُقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا.
قوله: (أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً) أصل هذا قول ابن شاس: لَو قدم الغاصب الطعام إِلَى المالك فأكله مَعَ الجهل بحاله فإن الغاصب (٢) يبرأ من الضمان، وتبعه ابن الحَاجِب (٣)، ولم يعرفه ابن عرفه لغير من ذكر، وقَالَ: الجاري عَلَى المذهب أن لا يحاسب المغصوب من ذلك إِلا بما يقضى عَلَيْهِ أن لَو أطعمه من ماله مما ليس بسرف فِي حقّ الأكل ". انتهى.
وكذا استشكله ابن عبد السلام بأن هذا الطعام قد لا يملكه ربه لأن يأكله؛ لأنه ذو ثمن معتبر، وشأن ربه أكل ما هو دونه لضيق حاله، أو لأنها عادة أمثاله، فينبغي فِي مثل هذه الصورة أن يضمنه الغاصب لربه، ويسقط عنه من قيمته القدر الذي انتفع بِهِ ربه أن لَو
_________________
(١) في (ن ١)، الأصل: (بسبب).
(٢) في (ن ٢): (حاله).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٤، قال ابن الحاجب: (لو قدمه الغاصب لضيف فأكله غير عالم ضمن ولصاحبه برئ) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٠.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
كَانَ من الطعام الذي شأنه أكله، وبنحوه قيد فِي " التوضيح " كلام ابن الحَاجِب فيه بقيد كلامه هنا (١).
تنبيه:
زاد ابن شاس: بل لَو أكرهه عَلَى أكله فأكله كرهًا لبريء الغاصب، فتبعه ابن الحَاجِب، ولَمْ يتبعه المصنف هنا، وكأنه رأى أن الصواب إجراؤه عَلَى حكم الإكراه المتقدم فِي قوله: أو أكره غيره عَلَى التلف. حسبما قبله فِي " التوضيح " من كلام ابن عبد السلام ونحوه لابن عَرَفَة.
وقد ذكر الغزالي فِي " الوجيز " الخلاف فيما لَو غرّ الغاصب المالك فقدم إليه الطعام فأكله قَالَ وهاهنا أولى بأن يبرأ الغاصب، ولم يذكر أكل المالك كرها.
ومَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، والْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ.
قوله: (ومَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، والْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ) بنصب منفعة عطفًا عَلَى المثلي، ولفظ التفويت عبارة " الوجيز " و" الجواهر " (٢)، وعبّر عنه ابن الحَاجِب بالاستيفاء إذ قَالَ: وأما البضع فلا يضمن إِلا باستيفائه لا بفواته، ففي الحرة صداق مثلها، وفِي الأمة ما نقصها، وكذلك منفعة الحر (٣).
ابن عَرَفَة: قول ابن شاس: لا يضمن إِلا بالتفويت هو مقتضى قوله فِي كتاب السرقة من " المدونة " مَعَ سائر الروايات: إِن رجع شاهدا الطلاق بعد البناء فلا غرم عَلَيْهِمَا (٤)، وكذا فِي متعمدة إرضاع من يوجب رضاعها فسخ نكاحها. قَالَ ابن عبد السلام: فمن منع حرة أو أمة التزويج لَمْ يضمن صداقًا، لا أعلم فيه خلافًا، وتقدم فِي كتاب النكاح ما
_________________
(١) قال في التوضيح: (وينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان المغصوب منه قد هيأ الطعام للأكل، وأما إن هيأه للبيع فينبغي أن يضمنه الغاصب؛ إذ هو غير معذور، فإن انتفع بذلك سقط عنه مقدار أكله؛ كما لو كان الطعام يساوي عشرة دراهم، ومن عادته أن يكتفي بنصف درهم فيغرمه تسعة ونصفًا) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٧، ٢١٨.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٦، قال: (فأما منفعة البضع فلا تضمن إلا بالتفويت).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٢.
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٤٤٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
قد يتخرج منه خلاف لبعض الشيوخ. ابن عَرَفَة: لا أعرف ما يناسب هذا الأصل وهو: [منع] (١) متعة النكاح تعديًا إِلا قول اللخمي فِي النكاح الثاني.
قال فِي " الموازية ": إِن قتل السيّد أمته [قبل البناء فله الصداق، وعَلَيْهِ إِن قتلت الحرة نفسها [فله الصداق] (٢)، وهذا كقوله فِي [١٠١ / أ] " المدونة ": إِن باع السيد أمته] (٣) بموضعٍ لا يقدر الزوج عَلَى جماعها فله الصداق ولا أرى للزوجة فِي جميع ذلك شيئًا إِذَا كَانَ الامتناع منها أو من السيّد إِن كانت أمته (٤)، وإشارة ابن عبد السلام إِلَى تخريجها عَلَى ما اختار اللخمي غير تامٍ؛ لأن اللخمي لَمْ يقل بعدم قيمة المنفعة بالعضو من حيث ذاتها، إنما اختار سقوط عوضها [المالي بعد تقرره عوضًا] (٥) فيها لطالبه بتعمده إتلافها، ولا يلزم من سقوط المال بالتعدي ثبوت المال عن مجرد منفعة العضو؛ لأنه غير مالي ولَمْ يحصل له عوض مالي.
وقَالَ ابن هارون: خرج بعضهم أن عَلَيْهِ قيمة ما عطله من المنافع كالدار يغلقها، والعبد يمنع منه سيده، ذكره المازري. قَالَ ابن عَرَفَة: وهذا لا أعرفه للمازري؛ إنما قَالَ إِذَا غاب غاصب عَلَى رائعة شك فِي وطئه إياها، فِي ضمانه إياها قولا الأخوين وابن القاسم، وله فِي كتاب الشهادات لَمْ يختلف المذهب أن شهيدي الطلاق بعد البناء إِذَا رجعا لا غرامة عَلَيْهِمَا، وأوجب الشافعي غرامتهما؛ لإتلافهما منافع البضع وهي مما يقوم كالحقوق المالية.
واعتمد أصحابنا عَلَى أن من له زوجتين أرضعت كبراهما صغراهما فحرمتا عَلَيْهِ أنّه لا غرم عَلَيْهَا فيما حرمت بِهِ فرجها عَلَيْهِ، وعَلَى أن من قتل [زوجة رجل] (٦) لا يغرم له ما أتلف عَلَيْهِ من متعة.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ١): (فله الصداق فلها الصداق)، وفي (ن ٤) (فلها الصداق).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) المدونة، لابن القاسم: ٤/ ٢٤٨.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) في (ن ٢): (رجلًا).
[ ٢ / ٨٦٠ ]
وقول ابن شاس وابن الحَاجِب: وفِي الأمة ما نقصها (١). هو نصّ " المدونة " فِي الاستبراء، والأمة كالسلعة عَلَى واطئها غصبًا ما نقصها الوطء كانت ثيبًا أو بكرًا (٢)، ومثله فِي القذف، وقَالَ فِي الرهون منها: إِن وطأ الأمة مرتهنها فعَلَيْهِ ما نقصها وطؤه بكرًا كانت أو ثيبًا إِن أكرهها (٣)، وكذا إِن طاوعته وهي بكر، فإن كانت ثيبًا فلا شيء عَلَيْهِ، والمرتهن وغيره فِي ذلك سواء (٤).
ابن عَرَفَة: " وفِي تفرقته فِي الثيب بين وطئه إياها طائعة أو مكرهة نظر، والصواب عكس تفرقته؛ لأنه بوطئه إياها طائعة أحدث فيها عيبًا وهو زناها، وليس هو كذلك فِي وطئه إياها مكرهة؛ لأنها غير زانية، وتقدم فِي الرد بالعيب أن زناها عيب ". انتهى.
وفِي النظر، نظر؛ فإن الغالب أنها لا تزني طائعة إِلا وقد ألفت ذلك قبل.
كَحُرٍّ بَاعَهُ وتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ.
قوله: (كَحُرٍّ بَاعَهُ وتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ) أي: كما يضمن دية حر ولَمْ يصرح بالدية لتضمن الحرية لها. قَالَ ابن رشد فِي رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الغصب: وقد روى عن مالك فيمن غصب حرًا فباعه أنّه يكلف طلبه، فإن أيس منه أدى ديته إِلَى أهله، ونزلت بطليطلة، فكتب القاضي بها إِلَى محمد بن بشير بقرطبة، فجمع القاضي ابن بشير أهل العلم بها، فأفتوه بذلك، فكتب إليه أن أغرمه ديته كاملة، فقضى عَلَيْهِ بذلك (٥).
وغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ.
قوله: (وغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ) أي: وضمن منفعة غير البضع والحر بمجرد الفوات فهو مناقض لمفهوم قوله: (وغلة مستعمل) فكأنه اعتمد المشهور أولا، والمصوب ثانيًا.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٦٦، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤١٢.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٢/ ٤٧٣.
(٣) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٧١.
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٣٣٢.
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢ / ٨٦١ ]
وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ.
قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ) (زائدًا) مفعول يضمن، وفاعل (ظلم) للشاكي ومفهوم الشرط أنّه إِن لَمْ يظلم لَمْ يغرم الزائد عَلَى قدر أجرة الرسول، بل يغرم قدر أجرة الرسول فقط.
أَوِ الجَّمِيعَ.
قوله: (أَوِ الجَّمِيعَ) أي: أو يضمن [الجميع] (١) إِن ظلم جميع المغرم من قدر أجرة الرسول والزائد، ومفهوم الشرط أنّه إِن لَمْ يظلم لَمْ يغرم القدر ولا الزائد، وبهذا يتّضح الفرق بين القولين.
أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ.
قوله: (أَوْ لا؟) أي أو لا يضمن الشاكي الظالم شيئًا، فأحرى إِن لَمْ يظلم فهذا مفهوم موافقة، واللذان قبله مفهوما مخالفة، فقد اشتمل كلامه نصًا ومفهومًا عَلَى أَقْوَال ابن يونس الثلاثة، وأما ابن عَرَفَة فكأنه اقتصر عَلَى طريقة المازري فقال: قَالَ المازري فِي ضمان المتسبب فِي إتلاف بقول كصيرفي يقول فيما علمه زائفًا: طيب، وكمخبر من أراد صبّ زيت فِي إناء علمه مكسورًا بأنه صحيح، وكدالّ ظالمًا عَلَى ما أخفاه ربه عنه عَلَيْهِ قَوْلانِ، وعزاهما أبو محمد للمتأخرين، المازري كقول أشهب وابن القاسم فِي لزوم الجزاء عَلَى من دلّ محرمًا عَلَى صيدٍ فقتله بدلالته.
ولَو شكى رجل رجلًا لظالم يعلم أنّه يتجاوز الحق فِي المشكو ويغرمه مالًا والمظلوم لاتباعه للشاكي عَلَيْهِ ففي ضمان الشاكي ما غرمه المشكو قَوْلانِ، وثالثها قول بعض أصحابنا لا ضمان عَلَيْهِ إِن كَانَ مظلومًا.
ومَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، ولَوْ غَابَ أَوْ غَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يُمَوِّهْ.
قوله: (ومَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، ولَوْ غَابَ) أشار بِهِ إِلَى قوله فِي كتاب الصرف من " المدونة " ولَو غصبك جارية جَازَ أن تبيعها منه وهي غائبة ببلد آخر، وينقدك إِذَا وصفها؛ لأنها فِي
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، (ن ٢).
[ ٢ / ٨٦٢ ]
ضمانه، والدنانير فِي ذلك أبين (١). وأشار بالإغياء إِلَى خلاف أشهب القائل: إنما يجوز أن [١٠١ / ب] تبيعها منه وهي غائبة بشرط أن تعرف القيمة، ويبذل ما يجوز فيها، والقَوْلانِ مبنيان عَلَى أصلي السلامة ووجوب القيمة.
قال ابن عبد السلام: ودلت هذه المسألة عَلَى أن ليس من شرط بيع المغصوب من الغاصب أن يخرج من يد الغاصب، ويبقى بيد ربه ستة أشهر، فأكثر كما شرطه بعضهم، وقبله فِي " التوضيح " (٢) مَعَ أنّه قَالَ أول البيوع: (وَمَغْصُوبٌ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، وهَلْ إنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً تَرَدُّدٌ).
ورَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا، والْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ ونَعْتِهِ وقَدْرِهِ، وحَلَفَ.
قوله: (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا) أشار بِهِ لقول ابن القاسم فِي " المدونة ": إِلا أن يظهر أفضل من تلك القيمة (٣) [بأمر بيّن فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكَانَ الغاصب لزمته القيمة] (٤) فجحد بعضها (٥). عياض: وفِي بعض رواياتها: لرب الجارية أخذها وردّ ما أخذه، وإِن شاء تركها وحبس ما أخذ من القيمة. وحصّل ابن عَرَفَة فيها ثلاثة أَقْوَال الأول: انحصار حقه فِي تمام قيمتها، للمدونة. الثاني: تخييره فيه وفِي أخذها بردّ ما أخذ، وهو الذي أنكره أشهب. والثالث: تخييره فِي أخذها وفِي التمسك بما أخذ فقط لبعض رواياتها.
قال: وعبّر المازري عن الأول بالمشهور، ولم يفسّر مقابله، فيحتمل كلًا من الأخيرين، وكَانَ يمضي لنا إجراء القولين عَلَى القول: بعدم التكفير بنفي الصفات بناءً عَلَى أن نفي الصفة الثابتة للموصوف لا يستلزم القول بنفيه، وعَلَى القول بالتكفير بِهِ بناءً عَلَى أن نفي الصفة الثابتة للموصوف يستلزم القول بنفيه.
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٨/ ٤٠٤.
(٢) قال في التوضيح: (ودلت هذه المسألة على أنه ليس من شرط بيع المغصوب من الغاصب أن يخرج من يد الغاصب ويقيم بيد ربه مدة كما اشترطه بعضهم) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٣٤.
(٣) في تهذيب المدونة، للبراذعي: (الصفة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٨٦.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
كَمُشْتَرٍ مِنْهُ، ثُمَّ غَرِمَ لآخِرِ رُؤْيَةٍ، ولِرَبِّهِ إُمْضَاءُ بَيْعِهِ، ونَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي، وإِجَازَتُهُ وضَمِنَ مُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ، لا سَمَاوِيٍّ، وغَلَّةٍ، وهَلِ الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ؟ تَأْوِيلانِ، وإِرْثُهُ، ومَوْهُوبُهُ إِنْ عَلِمَا كَهُوَ، وإِلا بُدِئَ بِالْغَاصِبِ، ورَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ مَوْهُوبِهِ، فَإِنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ.
قوله: (كَمُشْتَرٍ مِنْهُ، ثُمَّ غَرِمَ لآخِرِ (١) رُؤْيَةٍ) أي كما يحلف عَلَى التلف مشترٍ من الغاصب لَمْ يعلم بالغصب، ثم يغرم القيمة لآخر رؤية وهذا مبسوط فِي رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الغصب (٢)، وفِي كتاب ابن يونس.
ولُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ كَشَاهِدٍ بِمِلْكِكَ لآخَرَ (٣) بِغَصْبِكَ. وجُعِلْتَ حَائِزًا، لا مَالِكًا، إِلا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ، ويَمِينَ الْقَضَاءِ.
قوله: (وَلُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ كَشَاهِدٍ بِمِلْكِكَ لآخَرَ بِغَصْبِكَ. وجُعِلْتَ حَائِزًا، لا مَالِكًا، إِلا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ، ويَمِينَ الْقَضَاءِ) هاتان مسألتان، أما الأولى: فقال فيها فِي " المدونة ": وإِن أقمت شاهدًا أن فلانًا غصبك هذه الأمة، وشاهدًا آخر عَلَى إقرار الغاصب أنّه غصبكها تمت الشهادة (٤). قَالَ أبو الحسن الصغير: أي تمت الشهادة بالغصب ويقضى لك بها من غير يمين القضاء ولم تتم بالملك، إذ قد تكون بيده وديعة أو عارية أو رهنا أو بإجارة.
وأما الثانية: فقال فيها فِي " المدونة ": ولَو شهد أَحَدهمَا أنها لك، وشهد آخر أنّه
_________________
(١) في (ن ١): (نحر لأخرى).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١١/ ٢٣٩، ونصّ المسألة: (سئل ابن القاسم عن رجل يشتري السلعة في سوق المسلمين، فيدّعيها رجل قبله، ويقيم البينة أنها اغتصبت منه، فيزعم مشتريها أنها هلكت، قال: إن كانت حيوانًا فهو مصدق، وإن كانت مما يغيب عليه لم يقبل قوله، وأحلف بالله الذي لا اله إلا هو أنه هلك، ويكون عليه قيمتها، إلا أن يأتي بالبينة على هلاك من الله إياه، مثل اللصوص والغرق والنار ونحو ذلك فلا يكون عليه شيء، قيل له: فإن قال: بعتها بكذا وكذا، ولم يكن على ذلك بينة تقوم؟ قال: قوله مقبول في ذلك؛ لأنه قد يعرف الشيء في يديه، ثم يتغير عنده قبل أن يبيعه بكسر أو عور أو شيء يصيبه).
(٣) في المطبوعة: (لثان).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٨٢، ٨٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٣٤٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
غصبكها فقد اجتمعا عَلَى إيجاب ملكك [لها] (١)، فيقضى لك بها ولم يجتمعا عَلَى إيجاب الغصب، فإن دخل الجارية نقص كَانَ لك أن تحلف مَعَ الشاهد بالغصب ويضمن الغاصب القيمة (٢)، هكذا اختصرها أبو سعيد وأكثرهم تبعًا لأبي محمد، والذي فِي الأمهات (٣): لَو أني أقمت شاهدًا عَلَى أنّه غصبنيها، وأقمت آخر عَلَى أنها جاريتي قَالَ: لا أراها شهادة واحدة، [فإن دخل الجارية نقص حلف مَعَ الذي شهد له أنّه غصبها وأخذ قيمتها إِن شاء.
قال عياض: لَمْ يجعلها] (٤) شهادة واحدة فِي الفوات إذ لَمْ يتفقا عَلَى الغصب فيضمنه ولا عَلَى الملك فِي القيام فيأخذها بعد يمين القضاء أنّه لَمْ يفوت، وأنها ملكه إذ لَمْ يشهد شاهد الغصب بالملك التام، وإذ لَو شهد شاهدان بالملك ما حكم له بها حتى يحلف يمين القضاء أنها ما خرجت عن ملكه، ولَو تمت الشهادة عَلَى الغصب رُدت إليه ولم يحلف؛ ولأن الشهادة عَلَى الغصب ليست بشهادة عَلَى الملك إذ يقول: لا أدري أنها ملكه، ولعلها عنده وديعة أو عارية أو رهن أو بإجارة، وإنما رأيته أخذها من يده.
وقد ذكر أبو عمران عن أصبغ أن ابن القاسم رجع عما فِي كتاب الغصب وقَالَ: أراها شهادة واحدة إِن لَمْ [تفت الأمة. قَالَ عياض: وهذا كله عندي غير اختلاف، وإنما لَمْ يرها فِي كتاب الغصب شهادة واحدة لما قلناه، وجعلها فِي الرواية الأخرى شهادة واحدة] (٥)، ولم يقل: تامة؛ لأنها توجب فِي قيامها تقدم يدي القائم عَلَيْهَا دون الحكم له بملكها حتى يحلف مَعَ شاهد الملك ويمين القضاء، وحتى لَو جاء آخر بشاهدين عَلَى الملك أو شاهد عَلَيْهِ، وأراد أن يحلف [معه كَانَ أحق بِهِ إِلا أن يحلف هذا] (٦) مَعَ شاهد الملك.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٨٣، ٨٤.
(٣) يعني: المدونة، وانظر ما أشار إليه فيها: ١٤/ ٣٤٧.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٨٦٥ ]
واختلف: هل يمينه مَعَ شاهد الملك معارض لشاهدين بملك غيره أو يرجح عَلَيْهِ الشاهدان، وعَلَى هذه الرواية [١٠٢ / أ] الأخرة فِي المسألة اختصرها أبو محمد وقَالَ: فقد اجتمعا عَلَى إيجاب الملك، ولم يجتمعا عَلَى إيجاب الغصب، واتبعه أكثر المختصرين، وقد قَالَ بعد هذا: إِذَا شهدوا أنّه غصبها منه فقد شهدوا أنها له، وإِن قالوا: لا ندري هي للمغصوب أم لا؟ ثم قَالَ أما كنت ترده عَلَيْهِ، وهذا إنما يريد ردها إليه بتقديم يده عَلَيْهَا عَلَى ما قدمناه ". انتهى.
وقد ظهر لك أن قول المصنف: (وجعلت [ذا يد] (١) لا مالكا) راجع للمسألتين، وأن قوله: (إلاَّ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ) خاص بالثانية إذ لا شاهد ملك فِي الأولى. والله تعالى أعلم.
وإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ، حُدَّتْ لَهُ.
قوله: (وَإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ، حُدَّتْ لَهُ) قَالَ ابن رشد فِي كتاب: الغصب من " المقدمات ": إِن ادعت الاستكراه عَلَى رجلٍ صالحٍ لا يليق بِهِ ذلك، وهي غير متعلقة بِهِ، فلا اختلاف أنّه لا شيء عَلَى الرجل، وأنها تحدّ له حدّ القذف وحد الزنا إِن ظهر بها حمل، وأما إِن لَمْ يظهر بها حمل فيتخرج عَلَى وجوب حدّ الزنا عَلَيْهَا عَلَى الاختلاف فيمن أقرّ بوطءِ أمة رجلٍ، [وادعى أنّه اشتراها منه. أو بوطءِ امرأة] (٢) وادعى أنّه تزوجها، فتحدّ عَلَى مذهب ابن القاسم إِلا أن ترجع عن قولها، ولا تحدّ عَلَى مذهب أشهب، وهو نصّ قول ابن حبيب فِي الواضحة " (٣)، وقد أشبع القول فيها، فقف عَلَيْهِ.
_________________
(١) في النص الذي ساقه المؤلف لنسخة المختصر: (حائزًا)، وقال هنا: (ذا يد) وهو كذلك في بعض النسخ، كما نوه له بعض الشراح الآخرين، والمعنى واحد.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ١٤٧.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
والْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا، فَإِنْ أَفَاتَ الْمَقْصُودَ كَقَطْعِ ذَنَبِ دَابَّةٍ ذِي هَيْئَةٍ، أَوْ أُذُنِهَا، أَوْ طَيْلَسَانِهِ، أَوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ، أَوْ قَلْعِ عَيْنَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ ونَقْصُهُ، أَوْ قِيمَتُهُ، وإِنْ لَمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ كَلَبَنِ بَقَرَةٍ ويَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ، وعَتَقَ عَلَيْهِ، إِنْ قُوِّمَ، ولا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الأَرْجَحِ، ورَفَا الثَّوْبَ مُطْلَقًا، وفِي أُجْرَةِ الطَّبِيبِ قَوْلانِ.
قوله: (وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا) اختصر هنا قول ابن الحَاجِب: وفيها والمتعدي يفارق الغاصب؛ لأن المتعدي جنى عَلَى بعض السلعة، والغاصب أخذها ككسر الصحفة وتحريق الثوب (١). وزاد غالبًا، لقول ابن عبد السلام: أنّه لا يعمّ صور التعدي ألا ترى أنّ المكتري والمستعير إِذَا زاد فِي المساقة يكون حكمهما حكم المتعدي لا حكم الغاصب، وكذلك من أودعت عنده دابّة أو ثوب فاستعملهما، فهذا الفرق الذي ذكره عن " المدونة " لا يكفي فِي هذا الموضع. وقبله فِي " التوضيح " (٢).
وقَالَ ابن عَرَفَة: قول ابن عبد السلام لا يعمّ صور التعدي بناءً منه عَلَى أن جناية المكتري والمستعير عَلَى الدابة، ويردّ بأن من أجزائها من حيث كونها مأخوذة ملكها وجنايتهما لَمْ تتعلق بِهِ؛ ولذا فرق فِي " المدونة " وغيرها بين هبة العبد وبين هبة خدمته لرجل حياته، ورقبته بعده لآخر فِي زكاة الفطر والجناية (٣)، قَالَ: ومقتضى الروايات أن التعدي هو التصرف فِي شيء بغير إذن ربه دون قصد تملّكه. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٥.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٨٠.
(٣) قال في المدونة: (والفطرة على الموصى بخدمته لرجل، ثم برقبته لآخر على صاحب الرقبة ومن جنى عبده جناية فيها نفسه فحلّ عليه الفطر وهو في يد سيده قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ١/ ٤٨٥، ٤٨٦.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
[باب الاستحقاق]
وإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلا شَيْءٍ، وإِلا فَلَهُ قَلْعُهُ، إِنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ.
قوله: (وإِلا فَلَهُ قَلْعُهُ، إِنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ) شمل ما تراد له الزرع والمقاثي والبقل وغيرها من جنس ما زرع فيها الغاصب ومن غير جنسه، وهذا خلاف ما لأصبغ فِي " نوازله " من كتاب: كراء الأرضين، وخلاف ما حمل عَلَيْهِ عبد الحقّ وغيره لفظ " المدونة " من أن المراد بالإبان إبان ما زرع فيها الغاصب خصوصًا؛ مَعَ أنّه اقتصر عَلَى ذلك فِي " التوضيح " (١)، ولعله اعتمد هنا عَلَى قول ابن رشد فِي " نوازل " أصبغ المشار إليها: القياس أن يكون له قلعه بعد خروج إبان الزرع إِذَا كانت الأرض مما تصلح للمقاثي والبقل، وتبين أن رب الأرض لَمْ يقصد الإضرار بالغاصب بقلع زرعه، وإنما رغب فِي الانتفاع بأرضه للمقاتي أو البقل، إذ قد تكون المنفعة بذلك أكثر من المنفعة بالزرع.
وقد يدلّ عَلَى ذلك قول ابن الماجشون فِي " المجموعة " عن مالك، وقول المغيرة: إِذَا أسبل الزرع فلا يقلع؛ لأنه من الفساد العامّ للناس، ويمنع من قلعه ذلك كما يمنع من ذبح الفتايا مما فيه الحمولة من الإبل والحرث من البقر وذوات الدر من الغنم؛ لأن الزرع إِذَا كَانَ يقلع عندهما ما لَمْ يسبل، ولا شكّ فِي أن إبان حرث الزرع ينقضي قبل أن يسبل الزرع بكثير فقد أوجبا قلع الزرع بعد خروج الإبان، وذلك لا يكون إِلا لمنفعة تكون لصاحب الأرض فِي أرضه بقية العام من مقثاة يضعها فيها أو بقل وما أشبه ذلك.
وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك: أن له أن يقلع الزرع، سواءً قدر أن يزرع أم لا، والأول أحبّ إلينا، وظاهر قوله: أن له أن يقلع الزرع وإِن لَمْ يقدر أن يزرع فِي الأرض شيئًا أصلًا، ومعنى ذلك عندي إِذَا كَانَ ينتفع بذلك بحمام أرضه [١٠٢ / ب] أو لوجهٍ من وجوه المنافع غير الزرع؛ لأنه إِذَا لَمْ يكن له بذلك منفعة بحال فهو بقلعه قاصد للإضرار،
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٦٥ وما بعدها.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
وقد قَالَ رسول الله - ﷺ - " لا ضرر ولا ضرار " (١).
ولَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، [٦٤ / أ] وإِلا فَكِرَاءُ السَّنَةِ كَذِي شُبْهَةٍ.
قوله: (كَذِي شُبْهَةٍ) يريد إِن لَمْ يفت الإبَّان، وأشار بِهِ لقول ابن القاسم فِي " المدونة ": وإن كانت الأرض تزرع فِي السنة مرة، فاستحقها وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة (٢).
أَوْ جُهِلَ حَالُهُ.
قوله: (أَوْ جُهِلَ حَالُهُ) قَالَ فِي " المدونة ": وإِذَا كَانَ مكري الأرض لا يعلم أغاصب هو أم مبتاع، فزرعها مكتريها منه، ثم استحقت فمكريها كالمشتري حتى يعلم أنّه غاصب (٣).
وفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيمَا بَيْنَ مُكْرٍ ومُكْتَرٍ، ولِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهَا، ودَفْعُ كِرَاءِ الْحَرْثِ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لَهُ أَعْطِ كِرَاءَ سَنَةٍ، وإِلا أَسْلِمْهَا بِلا شَيْءٍ، وفِي سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يُمْضِي، إِنْ عَرَفَ النِّسْبَةَ، ولا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي لِلْعُهْدَةِ، وانْتَقَدَ إِنِ انْتَقَدَ الأَوَّلُ، وأَمِنَ هُو والْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوِ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ كَوَارِثٍ ومَوْهُوبٍ.
قوله: (وفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيمَا بَيْنَ مُكْرٍ ومُكْتَرٍ) السياق يعطي أن هذا فِي استحقاق الأرض، كالذي قبله والذي بعده؛ وإنما فرضه فِي " المدونة " فِي استحقاق ما أكريت بِهِ فقال: ومن اكترى أرضًا بعبدٍ أو بثوب، ثم استحق أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه، ثم استحق ذلك، فإن كَانَ استحق قبل أن يزرع أو يحرث انفسخ الكراء، وإِن كَانَ [بعد] (٤) ما زرع أو أحرث فيها عملًا فعَلَيْهِ قيمة كراء الأرض (٥).
عياض: هو بين أن نفس الحراثة وإن لَمْ يزرع فوت، وللمكري كراء (٦) المثل كما لَو زرعت،
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٥١: ٥٣، والحديث أخرجه مالك في الموطأ برقم (١٤٢٩) كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق، وابن ماجه في السنن برقم: (٢٣٤٠) كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، والحاكم في المستدرك برقم (٢٣٤٥) كتاب البيوع.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٠٤.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٠٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٣٧٤.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٠٦.
(٦) في (ن ١): (كراء الأرض).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
ولا يختلف أن ذلك كله فوت بين المكري والمكتري، فأنت ترى المصنف قد استعمل هنا عبارة عياض بعينها.
ومُشْتَرٍ [مِنْهُ] (١)، إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِخِلافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ، إِلا أَنْ يَنْتَفِعَ. وإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الأَرْضِ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ، إِلا الْمُحَبَّسَةَ فَالنَّقْضُ.
قوله: (بِخِلافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ) لَو قدم طرأ فقال: بِخِلاف ذي دين طرأ عَلَى وارث كوارثٍ عَلَى مثله؛ لاتّضح مراده وظهر تصوّره.
وضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحِقَّةِ، ووَلَدَهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وإلا أقَلَّ (٢)، إِن أَخَذَ دِيَّةً لا صَدَاقَ حُرَّةٍ أَوْ غَلَّتَهَا، وإِنْ هَدَمَ مُكْتَرٍ تَعَدِّيًا فَلِلْمُسْتَحِقِّ النَّقْضُ وقِيمَةُ الْهَدْمِ، وإِنْ أَبْرَأَهُ مُكْريهِ كَسَارِقِ عَبْدٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ.
قوله: (وضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحِقَّةِ، ووَلَدَهَا يَوْمَ الْحُكْمِ) لا يخفى أن هذه مستحقة بملك لا بحرية. قَالَ ابن الحَاجِب: وكَانَ مالك يقول لمستحقها أخذها إِن شاء مَعَ قيمة ولدها، ثم رجع فقال قيمتها يوم استحقاقها، ثم رجع فقال: قيمتها وحدها يوم وطئها. قَالَ أشهب: ثم رجع إِلَى القول الأول (٣). قَالَ ابن عبد السلام: والقول الثالث هو الذي أفتى بِهِ مالك لما استحقت أم ولده [إبراهيم
قال فِي " التوضيح ": كذا سماه اللخمي والمازري، والذي نقله ابن رشد وعياض أم ولده] (٤) محمد، قيل: وهو الصواب " انتهى (٥)؛ إنما صوّب؛ لأنه لا يعرف له ولد اسمه إبراهيم، وإنما قَالَ فِي " المدارك ": [كان لمالك] (٦) ابنان يحيي ومحمد؛ ولهذا قَالَ أبو الحسن الصغير: لعلّ إبراهيم تصحيف؛ وعَلَى هذا فلا يصحّ قول الشارح فِي " الكبير ": لعلها أمهما معًا.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٢) في المطبوعة: (الأقل).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٤.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٧٦.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٨٧٠ ]
بِخِلافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ، إِلا الْقَلِيلَ، ولَهُ هَدْمُ مَسْجِدٍ.
قوله: (بِخِلافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ، إِلا الْقَلِيلَ) هذا فِي مقابلة قوله: (لا صداق حرة أو غلتها) فلو وصله بِهِ لكان أولى
وإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ (١).
قوله: (وَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ) كذا فِي بعض النسخ، وفِي بعضها فكالبيع، والأول أنصّ عَلَى المقصود.
ورُجِعَ لِلتَّقْوِيمِ.
قوله: (ورُجِعَ لِلتَّقْوِيمِ) أي لا للتسمية، وكذا فِي " المدونة " (٢).
ولَهُ رَدُّ أَحَدِ عَبْدَيْنِ اسْتُحِقَّ أَفْضَلُهُمَا بِحُرِّيَّةٍ.
قوله: (وَلَهُ رَدُّ أَحَدِ عَبْدَيْنِ [اسْتُحِقَّ أَفْضَلُهُمَا] (٣) بِحُرِّيَّةٍ) كذا فرض الاستحقاق فِي " المدونة ": بحرية (٤). قَالَ أبو الحسن الصغير: ولم يره من باب صفقة جمعت حلالًا وحرامًا؛ لأنهما لَمْ يدخلا عَلَى ذلك، فجعل ذلك من قبيل العيوب، وكذلك من اشترى
_________________
(١) في (ن ٣): (فكالبيع) وكذا في أصل المختصر لدينا وفي مطبوعة المختصر التي اعتمدناها: (فكالمبيع) وللشراح هنا توقف يحسن سوق بعض كلامهم. قال المواق: (. .فالكعيب) لا شك أن هذا تصحيف وإنما هو فكالمبيع؛ لأن باب البيع وباب الاستحقاق في هذا واحد) انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٥/ ٣٠٤، وقال الخرشي: (نسخة كالعيب أنصّ على المقصود كما هو للمؤلف هنا، وشرحها الحطاب على نسخة (المبيع) ٥/ ٣٠٤، وجمع الدسوقي القول بقوله: (كل من النسختين مفسرة للمراد من الأخرى): ٣/ ٤٦٩، فكلام الدسوقي كالملخص لكلام المؤلف هنا، الذي استعمل أفعل التفضيل.
(٢) نصّ تهذيب المدونة: (ومن ابتاع سلعًا كثيرة في صفقة واحدة، فإنما يقع لكل سلعة منها حصتها من الثمن يوم وقعت الصفقة، ومن ابتاع صبرة قمح وصبرة شعير جزافًا في صفقة بمائة دينار، على أن لكل صبرة خمسين دينارًا، أو ثيابًا أو رقيقًا، على أن لكل عبد أو ثوب من الثمن كذا وكذا، فاستحقت إحدى الصبرتين أو أحد العبيد أو الثياب، فإن الثمن ينقسم على جميع الصفقة، فما أصاب الذي استحق من الثمن وضع عن المبتاع، ولا ينظر إلى ما سميا من الثمن. ولو اشترى صبرة القمح وصبرة الشعير على الكيل، على أن كل قفيز بدينار لم يجز البيع) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١١٥.
(٣) في (ن ٢): (استحقا أحدهما).
(٤) قال في تهذيب المدونة: (ومن ابتاع عبدين في صفقة، فاستحق أحدهما بحرية بعد أن قبضه أو قبل، فإن كان وجه الصفقة، فله رد الباقي، وإن لم يكن وجهها لزمه الباقي بحصته من الثمن، وإنما يقوّم المستحق قيمته أن لو كان عبدًا، وكذلك لو كان المستحق مكاتبًا أو مدبرًا أو أم ولد) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١١٥.
[ ٢ / ٨٧١ ]
شاتين مذبوحتين، فوجد إحداهما غير ذكية أو قلّتا خل فوجد إحداهما خمرًا أو دارًا فوجد بعضها حبسًا مقبرة أو غيرها ". انتهى.
فكأنه قصد الوجه المشكل.
كَأَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِآخَرَ، وهَلْ يُقَوَّمُ الأَوَّلُ يَوْمَ الصُّلْحِ أَوْ يَوْمَ الْبَيْعِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (كَأَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِآخَرَ) هذا هو الصواب بكاف التشبيه، فلا يخالف ما فِي " المدونة (١) ".
وإِنْ صَالَحَ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ مُدَّعِيهِ رَجَعَ فِي مُقِرٍّ بِهِ لَمْ يِفُتْ، وإِلا فَفِي عِوَضِهِ كَإِنْكَارٍ عَلَى الأَرْجَحِ، لا إِلَى الْخُصُومَةِ.
قوله: (وإِنْ صَالَحَ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ مُدَّعِيهِ رَجَعَ فِي مُقِرٍّ بِهِ لَمْ يِفُتْ، وإِلا فَفِي عِوَضِهِ كَإِنْكَارٍ عَلَى الأَرْجَحِ) لا يخلو هذا الكلام من نظر؛ لأنه [إن] (٢) أراد بعوضه قيمة المقرّ بِهِ الفائت إِن كَانَ من ذوات القيم، ومثله إِن كَانَ من ذوات الأمثال فهذا صحيح فِي نفسه، ولكن لا يصحّ تشبيه مسألة الإنكار بِهِ، وإِن أراد بعوضه عوض المستحق فليس بصحيح فِي نفسه، ولكن تشبيه مسألة الإنكار بِهِ صحيح.
ومَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَفِي الإِنْكَارِ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ [إن لم يفت] (٣)، وإِلا فَبِقِيمَتِهِ، وفِي الإِقْرَارِ لا يَرْجِعُ كَعِلْمِهِ صِحَّةَ مِلْكِ بَائِعِهِ، لا إِنْ قَالَ دَارُهُ، وفِي عَرْضٍ بِعَرْضٍ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ، إِلا نِكَاحًا وخُلْعًا، وصُلْحَ عَمْدٍ، ومُقَاطَعًا بِهِ عَنْ عَبْدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ عُمْرَى، وإِنْ أُنْفِذَتْ وَصِيَّةُ مُسْتَحِقٍّ بِرِقٍّ لَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ وحَاجٌّ إِنْ عُرِفَ بِالْحُرِّيَّةِ، وأَخَذَ السَّيِّدُ مَا بِيعَ، ولَمْ يَفُتْ بِالثَّمَنِ كَمَشْهُودٍ بِمَوْتِهِ، إِنْ عُذِرَتْ بَيِّنَتُهُ، وإِلا فَكَالْغَاصِبِ.
قوله: (وَمَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَفِي الإِنْكَارِ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ إن لم يفت) كذا ثبت هذا الشرط فِي بعض النسخ، وهو صواب؛ ولذا قَالَ بعده: (وَإِلا فقيمته).
_________________
(١) انظر النص السابق.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة وفي أصل المختصر لدينا: (إِنْ كَانَ قَائِمًا) وما هو مثبت لم أقف عليه في شروح المختصر إلا في التاج والإكليل، للمواق: ٥/ ٣٠٥.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
ومَا فَاتَ، فَالثَّمَنُ كَمَا لَو دَبَّرَ، أَوْ كَبِرَ صَغِيرٌ.
قوله: (ومَا فَاتَ، فَالثَّمَنُ) هذا مقابل قوله: (ولَمْ يفت) أي: وما فات رجع [١٠٣ / أ] المستحق بثمنه عَلَى من باعه.
[باب الشفعة]
الشُّفْعَةُ أَخْذُ شَرِيكٍ ولَوْ ذِمِّيًَّا بَاعَ الْمُسْلِمَ لِذِمِّيٍّ كَذِمِّيَّيْنِ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، أُوْ مُحَبِّسًا لِيُحَبِّسَ كَسُلْطَانٍ لا مُحَبَّسٍ عَلَيْهِ، ولَوْ لِيُحَبِّسَ وجَارٍ ولَوْ مَلَكَ تَطَرُّقًا.
قوله: (ولَوْ ذِمِّيًَّا بَاعَ الْمُسْلِمَ لِذِمِّيٍّ) كذا هو فيما رأينا من النسخ، والأليق إدخال واو الحال عَلَى جملة باع أي: ولَو كَانَ الشريك الشفيع ذميًا، والحالة أن شريكه المسلم باع لذمي، وبهذا يظهر لك أنّه إنما خصّ البيع لذمي بالذكر؛ لأنه محل الخلاف الذي أشار إليه بلو، وأما البيع لمسلم فمسلم.
ونَاظِرِ وَقْفٍ، وكِرَاءٍ، وفِي نَاظِرِ الْمِيرَاثِ. قَوْلانِ مِمَّنْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ اللازِمُ اخْتِيَارًا بِمُعَاوَضَةٍ.
قوله: (ونَاظِرِ وَقْفٍ) بهذا قطع فِي التوضيح [أن ليس لناظر وقف المسجد أن يأخذ بالشفعة (١)، وزاد فِي " الشامل "] (٢): عَلَى الأَصَحّ ولا أدري من أين نقله، [وليس] (٣) يدخل ذلك فِي قول ابن رشد فِي رسم كتب من سماع ابن القاسم من كتاب: الشفعة: لَو أراد رجل أجنبي أن يأخذ بالشفعة للحبس كَانَ ذلك له عَلَى قياس ما تقدم فِي المحبس والمحبس عليهم إِذَا أرادوا الأخذ بالشفعة لإلحاقها بالحبس (٤)، وقد قبل هذا الإلزام أبو الحسن الصغير وابن عَرَفَة.
ولَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ [٦٤ / ب] لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الأَصَحِّ والْمُخْتَارِ.
قوله: (وَلَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الأَصَحِّ والْمُخْتَارِ) اللخمي عن سحنون: إِذَا
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣١٧.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ١): (وانظر: هل).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٦٠.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
أوصى ببيع نصيبه ليصرف ثمنه فِي المساكين فلا شفعة للورثة فيه. قَالَ: لأنه كَانَ الميت باعه، والقياس أن يستشفع؛ لأن الميت أخّر البيع لبعد الموت، ولوقت لَمْ يقع البيع فيه إِلا بعد ثبوت الشركة، وذكر الباجي قول سحنون ثم قَالَ: والأَظْهَر عندي فِي هذه المسألة: ثبوت الشفعة؛ لأن الموصى لهم وإِن كانوا غير معينين فهم أشراك بائعون بعد ملك الورثة بقية الدار، وقد بلغني ذلك عن محمد ابن الهندي.
لا مُوصًى لَهُ بِبَيْعِ جُزْءٍ.
قوله: (لا مُوصًى لَهُ بِبَيْعِ جُزْءٍ) أشار بِهِ لقول اللخمي: وإذا أوصى الميت أن يباع نصيب من داره من رجلٍ بعينه، والثلث يحمله لَمْ يكن للورثة فيه شفعة؛ لأن قصد الميت أن يملكه إياه، فالشفعة ردٌّ لوصيته، ثم قَالَ: ولَو أوصى أن يباع من رجلٍ بعينه والشريك أجنبي كانت فيه الشفعة.
عَقَارًا، ولَوْ مُنَاقَلًا بِهِ، إِنِ انْقَسَمَ، وفِيهَا الإِطْلاقُ، وعُمِلَ بِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ولَوْ دَيْنًا، أَوْ قِيمَتِهِ بِرَهْنِهِ وضَامِنِهِ، وأُجْرَةِ دَلاَّلٍ، وعَقْدِ شِرَاءٍ وفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، أَوْ قِيمَةِ الشِّقْصِ فِي كَخُلْعٍ، وصُلْحِ عَمْدٍ.
قوله: (عَقَارًا) منصوب عَلَى أنّه مفعول بأخذ شريك، وهو بيان لجنس المأخوذ بالشفعة، ومن لفظ الشريك يعلم أنّه أخذ جزء لا كلّ، فلا يحتاج لما فِي بعض النسخ من وصل لفظ جزء الذي قبله بِهِ منصوبًا وجره بإضافته إليه.
وجَزَافِ نَقْدٍ، وبِمَا يَخُصُّهُ إِنْ صَاحَبَ غَيْرَهُ، ولَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِي، وإِلَى أَجَلِهِ إِنْ أَيْسَرَ أَوْ ضَمِنَهُ مَلِيءٌ، وإِلا عُجِّلَ الثَّمَنُ، إِلا أَنْ يَتَسَاوَيَا عُدْمًا عَلَى الْمُخْتَارِ، ولا يَجُوزُ إِحَالَةُ الْبَائِعِ بِهِ، كَأَنْ أَخَذَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مَالًا لِيَأْخُذَ ويَرْبَحَ، ثُمَّ لا أَخْذَ لَهُ، أَوْ بَاعَ قَبْلَ أَخْذِهِ.
قوله: (وَجَزَافِ نَقْدٍ) كذا فِي " الوجيز " و" الجواهر " (١)، وعَلَيْهِ درج ابن الحَاجِب حيث قَالَ: فإن لَمْ يتقوم كالمهر والخلع وصلح العمد ودراهم جزافًا فقيمة الشِقْص يوم
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٤٨٤.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
العقد، وقيل فِي المهر صداق المثل، وقيل: يبطل فِي الدراهم (١). ابن عبد السلام: فِي صحة فرض دراهم جزافًا عَلَى المذهب نظر؛ لأن الدنانير والدراهم لا يجوز بيعها جزافًا، وإنما تبع ابن الحَاجِب فيه من تبع الشافعية.
ابن عَرَفَة: ظاهر قوله: فِي صحة فرضها عَلَى المذهب نظر. أن كلّ المذهب عَلَى المنع، وقد قَالَ ابن حارث وغيره: أجاز ابن عبد الحكم فِي الدراهم السكيّة الجزاف، وتقدم ما فيها من الخلاف. انتهى.
ولَمْ يتتبع بقية كلام ابن عبد السلام؛ لأنه أورد بعد هذا أن يقال: يحمل كلامه عَلَى ما إِذَا كَانَ التعامل بالوزن حيث يجوز الجزاف عَلَى قول، وانفصل بأن ذلك لا يصحّ؛ لأنه لَو كَانَ كذلك لرجع لقيمة الجزاف كما لَو وقع بصبرة طعام فقال فِي " التوضيح ": " يمكن أن يقال: لا يلزم ما ذكره؛ لأن الطعام إِذَا قوّم بالعين يقوّم بما هو الأصل فِي التقويم بِخِلاف الدراهم؛ لأنك إما أن تقومها بعرضٍ أو عين موافق أو مخالف، ففي العرض يلزم منه مخالفة الأصل؛ إذ الأصل [عدم] (٢) تقويم العين بالعرض، وفِي [العين] (٣) الموافق أو المخالف يلزم البدل أو الصرف المستأخر.
ولهذا قيل فِي العين: إِن الشفعة تبطل، وهذا وإن كَانَ ممكنًا من جهة القيمة، إِلا أن اللخمي نقل خلافه فقال: وإِن كَانَ الثمن جزافًا فقال محمد: إِن اشترى بحليٍ جزافًا فإن الشفيع يشفع بقيمته فإن كَانَ ذهبًا قوّم بالفضة أو فضة قوم بالذهب، يريد: والقيمة فِي ذلك يوم الشراء لا يوم الأخذ بالشفعة، وكذلك كل ما اشترى بِهِ جزافًا فالقيمة يوم الشراء " (٤) انتهى نصّ " التوضيح " بلفظه. وليس ببين، وما نقله من نصّ اللخمي يحيل إمكانه. والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٩.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: الأصل، و(ن ١)، و(ن ٢).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من: الأصل، (ن ٢)، و(ن ٣).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٣٧.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
بِخِلافِ أَخْذِ مَالٍ بَعْدَهُ لِيُسْقِطَ كَشَجَرٍ وبِنَاءٍ بِأَرْضِ حُبُسٍ، أَوْ مُعِيرٍ.
قوله: (بِخِلافِ أَخْذِ مَالٍ بَعْدَهُ لِيُسْقِطَ) أي بعد عقد البيع.
وقُدِّمَ الْمُعِيرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ، إِنْ مَضَى مَا يُعَارُ لَهُ، وإِلا فَقَائِمًا، وكَثَمَرَةٍ، ومَقَاثِ، وبَاذِنْجَانٍ، ولَوْ مُفْرَدَةً، إِلا أَنْ تَيْبَسَ.
قوله: (وقُدِّمَ الْمُعِيرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ، إِنْ مَضَى مَا يُعَارُ لَهُ، وإِلا فَقَائِمًا) [١٠٣ / ب] قَالَ فِي " المدونة ": وإِذَا بنى رجلان فِي عرصة رجل بإذنه ثم باع أَحَدهمَا حصته من النقض فلرب الأرض أخذ ذلك النقض بالأقل من قيمته أو من الثمن الذي باعه بِهِ، فإن أبى فلشريكه الشفعة فيه بالضرر، والضرر أصل الشفعة (١).
عياض: لَمْ يختلف أن رب العرصة مقدم فِي الأخذ عَلَى الشفيع ليس للشفعة لكن لرفع الضرر، ولما جلب فِي " التوضيح " نص " المدونة " هذا نقل قول أبي الحسن الصغير: ظاهرها أنّه يكون عَلَى المعير قيمة النقض مقلوعًا، سواءً مضى زمن تعار تلك الأرض إِلَى مثله أم لا؛ لكن قيّدها أبو عمران بما إِذَا مضى زمن تعار فيه، وإِلا فله قيمة بنائه قائمًا وقال: هكذا وقع لسحنون.
أبو الحسن الصغير: وهو مشكل؛ لأنه وإن لَمْ يمض أمد تعار إِلَى مثله فقد أسقط حقه فِي بقية المدة لما أراد الخروج فكان مثل ما إِذَا مضى أمد تعار إِلَى مثله ". انتهى نقل " التوضيح " (٢)، وإليه أشار هنا، وما ذكره عن أبي الحسن الصغير قاله عند قوله فِي " المدونة " قبل النص المتقدم: ومن بنى فِي عرصة رجل بأمره، ثم أراد الخروج منها فلربّ العرصة أن يعطيه قيمة النقض أو يأمره بقلعه، فرأى المصنف أن لا فرق، وكأنه يقول هنا وقدم المعير بقيمة نقضه مقلوعًا أو ثمنه إِن مضى ما يعار له، وإِن لَمْ يمض ما يعار له فقيمته قائمًا أو ثمنه. والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٢٨، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٠٣.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢٩٨، ٢٩٩.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
وحُطَّ حِصَّتُهُا إِنْ أَزْهَتْ، أَوْ أُبِّرَتْ.
قوله: (وحُطَّ حِصَّتُهُا إِنْ أَزْهَتْ، أَوْ أُبِّرَتْ) أي: إِن كانت يوم البيع مزهية أو مأبورة وأخذ بالشفعة بعد يبسها فإنه لا شفعة له فِي الثمار، ويأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحطّ عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة من الثمن، وأما إِن كانت غير مأبورة فلا يحط عنه من الثمن شيء، إذ لا حظَّ لها من الثمن.
وفِيهَا أَخْذُهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ. وهَلْ هُوَ اخْتِلافٌ؟ تَأْوِيلانِ. وإِنِ اشْتَرَى أَصْلَهَا فَقَطْ أُخِذَتْ، وإِنْ أُبِّرَتْ ورَجَعَ بِالْمَؤُنَةِ.
قوله: (وفِيهَا أَخْذُهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ. وهَلْ هُوَ اخْتِلافٌ؟ تَأْوِيلانِ) الأَظْهَر أن يكون معناه فِي موضع من " المدونة " أخذها ما لَمْ تيبس، وفي موضع آخر منها ما لَمْ تجذ، وكذا هو في الأمهات (١). فقال عياض: قَالَ بعضهم فرق بينهما إِذَا اشتراها مَعَ الأصل فقال يأخذها ما لَمْ تجد، وإِذَا اشتراها بغير أصل قَالَ: الشفعة فيها ما لَمْ تيبس، وعَلَى هذا تأول مذهبه فِي الكتاب، وقَالَ آخرون هو اختلاف من قوله فِي الوجهين فمرة يقول: فِي الوجهين حتى تيبس: ومرة يقول: حتى تجد، وظاهر اختصار ابن أبي زمنين وابن أبي زيد وغيرهما التسوية بين هذه الوجوه، وأن الشفعة فيها ما لَمْ تيبس. لكن ابن أبي زمنين قَالَ: وفِي بعض الروايات فإن كَانَ بعد يبس الثمرة وجدادها، فنبه عَلَى الخلاف فِي الرواية بما ذكره لا غير. انتهى.
وأما أبو سعيد فإنه قَالَ فِي الموضع الأول ما لَمْ تيبس قبل قيام الشفيع، وقَالَ فِي الثاني: فإن قام بعد يبس الثمرة أو جدادها لَمْ يكن له فِي الثمرة شفعة (٢). قَالَ أبو الحسن الصغير: هذه الرواية التي ذكرها عياض عن ابن أبي زمنين.
_________________
(١) نص تهذيب المدونة الذي وقفت عليه: (ومن ابتاع نخلًا لا تمر فيها، أو فيها تمر لم يؤبر، ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فإن قام المستحق يوم البيع أخذ النصف بملكه والنصف بشفعته، بنصف الثمن، ورجع المبتاع على بائعه بنصف الثمن، وإن لم يقم حتى عمل فيها المبتاع، فأبرت وفيها الآن بلح أو فهيا ثمرة قد أزهت، ولم تيبس فكما ذكرنا ويأخذ الأصل بثمره)، وقال في موضع آخر: (ويكون له أخذ الثمرة بالشفعة مع الأصل ما لم تجذ أو تيبس) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٥٢، و٤/ ١٥٣. انظر: المدونة: ١٤/ ٤٢٧.
(٢) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٥١، ١٥٢.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
فإن قلت: فيما حملت عَلَيْهِ كلام المصنف تكرار مَعَ قوله أولًا: (إِلا أن تيبس)، ولعل المصنف إنما حاذى اختصار أبي سعيد فأشار لما فِي الموضع الأول بقوله: (إِلا أن تيبس) الأول ولما فِي الموضع الثاني بقوله: (وفيها أخذها ما لَمْ تيبس أو تجذ).
قلت: النسج عَلَى منوال الأمهات أصوب وأجرى مَعَ قوله: (وهل هو اختلاف؟ تَأْوِيلانِ)
وكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمْ أَرْضُهَا، وإِلا فَلا، وأُوِّلَتْ أَيْضًا بِالْمُتَّحِدَةِ، لا عَرْضٍ، أَوْ كِتَابَةٍ ودَيْنٍ، وعُلْوٍ عَلَى سُفْلٍ وعَكْسِهِ.
قوله: (وكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمْ أَرْضُهَا، وإِلا فَلا، وأُوِّلَتْ أَيْضًا بِالْمُتَّحِدَةِ) اختصر هنا بعض كلام ابن رشد إذ قَالَ فِي سماع يحيي: لا خلاف أعلمه فِي المذهب فِي إيجاب الشفعة فِي الماء إِذَا بيع مَعَ الأرض أو دونها ولم تقسم الأرض، واختلف فِي إيجاب الشفعة فيه إِذَا قسمت الأرض فقال فِي " المدونة ": لا شفعة فيه قَالَ فِي هذه الرواية: إِن فيه الشفعة فذهب سحنون وابن لبابة إِلَى أنّ ذلك ليس باختلاف من القول إِلا أنهما اختلفا فِي تأويل الجمع بينهما فقال سحنون: معنى مسألة " المدونة " أنها بئر واحدة فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم، ومعنى رواية يحيي هذه أنها آبار كثيرة؛ لأنها (١) تنقسم لأن الشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم. [١٠٤ / أ] وقَالَ ابن لبابة معنى مسألة " المدونة ": أنها بئر لا فناء لها ولا أرض، ومعنى رواية يحيي أن لها فناء وأرضا مشتركة يكون فيها القلد وذهب الباجي إِلَى أنّه اختلاف من القول (٢) جار عَلَى الخلاف فِي الشفعة فيما لا ينقسم كالنخلة أو الشجرة [بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبئر كما لا تنقسم النخلة والشجرة] (٣).
وكَانَ من أدركت من الشيوخ يقول: أنّه اختلاف من القول جارٍ عَلَى اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث بها كالنقض والنخل دون الأرض، وكالكراء أو ما أشبه ذلك وهو أبين وأولى (٤).
_________________
(١) في (ن ١): (لأنها لا).
(٢) في (ن ٣): (القول لا).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٨٩.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
فإن حملنا المتحدة فِي كلام المصنف عَلَى غير المتعددة وغير ذات الفناء ولَو بنوع تجوّز كَانَ تلويحًا بقولي من جعله وفاقًا، كما أن مفهوم (أَيْضًا) تلويح بقولي من جعله خلافًا، وفِي الإشارة ما يغني عن الكلم.
وزَرْعٍ، ولَوْ بِأَرْضِهِ، وبَقْلٍ.
قوله: (وزَرْعٍ، ولَوْ بِأَرْضِهِ) قَالَ فِي " المدونة ": ولم يكن له فِي الزرع شفعة؛ لأنه غير ولادة والثمرة ولادة (١).
وعَرْصَةٍ، ومَمَرٍّ قُسِمَ مَتْبُوعُهُ.
قوله: (وعَرْصَةٍ، ومَمَرٍّ قُسِمَ مَتْبُوعُهُ) ينبغي أن يرجع ضمير متبوعه لهما؛ ولكنه أفرده عَلَى ملاحظة ما ذكر.
وحَيَوَانٍ إِلا فِي كَحَائِطٍ وإِرْثٍ، وهبةٍ بِلا ثَوَابٍ، وإِلا فبه (٢) بَعْدَهُ، وخِيَارٍ إِلا بَعْدَ مُضِيِّهِ، ووَجَبَتْ لِمُشْتَرِيهِ، إِنْ بَاعَ نِصْفَيْنِ خِيَارًا ثُمَّ بَتْلا (٣) فَأَمْضَى، وبَيْعِ فَاسِدٍ، إِلا أَنْ يَفُوتَ، فَبِالْقِيمَةِ، إِلا بِبَيْعٍ صَحَّ، فَبِالثَّمَنِ فِيهِ.
قوله: (وحَيَوَانٍ إِلا فِي كَحَائِطٍ) فِي " المقدمات ": " وأما رقيق الحائط والرحا - أي حجر الرحا - فإنما الاختلاف فِي وجوب الشفعة فيهما إِذَا بيعا مَعَ الأصل، فإذا انفرد البيع فيهما عن الأصل لَمْ يكن فيهما شفعة باتفاق (٤) " انتهى. وله مثله فِي سماع عيسى (٥). ابن عَرَفَة: هذا خلاف قول اللخمي: اختلف فِي رحا الماء ورحا الدوابّ إِذَا بيعت بانفرادها أو مَعَ الأرض، ويختلف عَلَى هذا فِي رقيق الحائط ودوابّه إِذَا بيعت مَعَ الأصل أو بانفرادها.
ابن عَرَفَة: والرحا أشبه بالأرض من الحيوان الباجي عن " الموازية ": لَو اقتسما الحائط، ثم
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٥٤، ونصّ التهذيب: (ولم يكن للشفيع في الزرع شفعة؛ لأنه غير ولادة، وليس له منه شيء، والثمرة ولادة وللشفيع نصفها) وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٣٠.
(٢) في أصل المختصر: (ففيه).
(٣) في أصل المختصر: (بتا) والمعنى لازمًا منبرمًا.
(٤) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٣٦.
(٥) في (ن ٤) في لوحة (٢٢٤): (يحيى) وأشار في الهامش إلى أن (عيسى) خطأ،، والذي وقفت عليه أن المثبت صواب وهو المنقول عن ابن رشد في البيان والتحصيل في رسم العتق من سماع عيسى: ١٢/ ٧٧.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
باع أَحَدهمَا حظّه من الرقيق والآلة فلا شفعة فيه للآخر. أبو محمد عن " الموازية ": " لو (١) بيع شيء من ذلك عَلَى حدته ففيه الشفعة ما دام الأصل لَمْ ينقسم ". انتهى. وأما الشفعة فِي نفس دابّة بيت الرحا والمعصرة فلم أر من ذكرها، فانظر ما فائدة الكاف فِي قول المصنف: (كحائط).
وتَنَازُعٍ فِي سَبْقِ مِلْكٍ، إِلا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدُهُمَا، وسَقَطَتْ إِنْ قَاسَمَ.
قوله: (وَتَنَازُعٍ فِي سَبْقِ مِلْكٍ، إِلا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدُهُمَا) تصورها ظاهر، ونصّ عَلَيْهَا ابن شاس، وتبعه ابن الحَاجِب (٢). قَالَ ابن عَرَفَة: لا أعرفها بنصها لأحد من أهل المذهب، وإنما هو نصّ " وجيز " الغزالي، فأضافها ابن شاس للمذهب، وأصول المذهب لا تنافيها، وهي كاختلاف المتبايعين فِي كثرة الثمن وقلته.
أَوِ اشْتَرَى، أَوْ سَاوَمَ، أَوْ سَاقَى.
قوله: (أَوِ اشْتَرَى) هذا المذهب، وذكر ابن شاس وابن الحَاجِب: أن أشهب يخالف فيه (٣)، وقَالَ ابن عبد السلام: لا يتصور فيه اختلاف؛ لأنه إِذَا اشترى منه فإن شفع بالصفقة الأولى فذلك يستلزم فسخ الثانية مَعَ إبطال الصفقة الأولى، ودليل الرضا بها موجود وإِن شفع بالصفقة الثانية فقد أبطلها أَيْضًا، ولا فائدة فِي الانتقال من الشراء الثاني إِلَى الشفعة بثمنه، وكذلك أنكر هذا الخلاف ابن عَرَفَة وقَالَ: العجب من شيخنا السّطي فِي عدم تعقبه ذلك عَلَى ابن شاس فِي مسائله التي تعقبها عَلَيْهِ.
أَوِ اسْتَأْجَرَ، أَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ.
قوله: (أَوِ اسْتَأْجَرَ) زاد فِي " التوضيح " ويؤخذ من إسقاطه فِي " المدونة " الشفعة
_________________
(١) في (ن ١): (لو اقتسما لو).
(٢) قال ابن شاس: (وإذا تساوى الشريكان إلى مجلس الحاكم، وزعم كل واحد أن شراء الآخر متأخر وله هو الشفعة عليه، فالقول قول كل واحد في عصمة ملكه عن الشفعة). فإن تحالفا تناكلا تساقط القولان) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٨١، وقال ابن الحاجب: (وإذا تنازعا في سبق الملك تحالفا وتساقطا ومن نكل فعليه الشفعة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٨.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٨٧، قال ابن الحاجب: (وكذلك شراؤها ومساومتها ومساقاتها واستئجارها خلافا لأشهب) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٧.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
بالكراء أن الشفيع إِذَا قاسم المبتاع الأرض للحرث أنّه تسقط شفعته؛ لأن كل واحد أكرى نصيبه من صاحبه، وقاله ابن عبد الغفور، ولو قاسمه الغلة فقال ابن القاسم: لا تسقط، وقَالَ أشهب: تسقط كما لَو قاسمه بالخرص فيما يخرص للحاجة، وأما إِن جذت الثمرة فاقتسماها بالكيل فلا يقطع ذلك الشفعة (١).
أَوْ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ، وإِلا سَنَةً كَأَنْ عَلِمَ فَغَابَ، إِلا أَنْ يَظُنَّ الأَوْبَةَ قَبْلَهَا، فَعِيقَ، وحَلَفَ إِنْ بَعُدَ وصُدِّقَ إِنْ أَنْكَرَ عِلْمَهُ لا إِنْ غَابَ أَوَّلًا، أَوْ أَسْقَطَ لِكَذِبَ فِي الثَّمَنِ، وحَلَفَ.
قوله: (أَوْ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ) يريد أن من سكت شهرين ثم قام بعدهما يطلب الشفعة فإن شفعته تسقط إِن كَانَ حضر عقد الشراء وكتب شهادته فيه، وهذه طريقة ابن رشد، فإنه قَالَ فِي رسم البزّ من سماع ابن القاسم: تحصيل هذه المسألة أنّه إِن لَمْ يكتب شهادته، وقام بالقرب مثل الشهر والشهرين كانت له الشفعة دون يمين، وإن لَمْ يقم إِلا بعد السبعة أو التسعة أو السنة عَلَى ما فِي " المدونة " كانت له الشفعة بعد يمينه أنّه لَمْ يترك القيام راضيًا بإسقاطه حقه، وإِن طال [١٠٤ / ب] الأمر أكثر من السنة لَمْ تكن له شفعة.
وأما إِن كتب شهادته وقام بالقرب العشرة الأيام ونحوها كانت له الشفعة بعد يمينه، وإِن لَمْ يقم إِلا بعد الشهرين لَمْ تكن له شفعة (٢).
تنبيهان:
الأول: قد علمت من كلام ابن رشد هذا أن الوصف المعتبر فِي إسقاط شفعة الساكت شهرين هو كتب شهادته فِي رسم الشراء الذي هو أخص من حضور العقد، فلو قَالَ المصنف: إِن كتب شهادته فيه لكان أولى.
الثاني: قبل ابن عبد السلام تحصيل ابن رشد، وقال أبو الحسن الصغير وابن عَرَفَة: قول ابن رشد: إِن كتب شهادته ولم يقم إِلا بعد شهرين فلا شفعة له خلاف ظاهر " المدونة "؛ لأنه
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٠٦.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٥٨.
[ ٢ / ٨٨١ ]
لَمْ يجعل فيها لكتب الشهادة فِي عقد الشراء تأثيرًا إذ قَالَ فيها: والشفيع عَلَى شفعته حتى يترك أو يأتي من طول الزمان ما (١) يعلم أنّه تارك لشفعته، وإِذَا علم بالاشتراء فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته وإِن كَانَ قد كتب شهادته فِي الاشتراء، ومثله فِي
" التوضيح " (٢)؛ مَعَ أنّه قطع هنا بقول ابن رشد. وللمتيطي فِي المسألة كلام ينبغي أن يوقف عَلَيْهِ.
أَوْ فِي الْمُشْتَرَى، أَوْ فِي الْمُشْتَرِي، أَوِ انْفِرَادِهِ، [عليه] (٣).
قوله: (أَوْ فِي الْمُشْتَرَى [أَوْ فِي الْمُشْتَرِي] (٤» يغلب عَلَى الظن أن المصنف هكذا قاله بلفظين الأول اسم مفعول والثاني اسم فاعل لعود الضمير من قوله بعده: (أو انفراده (٥) عَلَيْهِ)، ولعل الناسخ من المبيضة ظن التكرار فأسقط أحد اللفظين.
أَوْ أَسْقَطَ وَصِيٌّ أَوْ أَبٌ بِلا نَظَرٍ.
قوله: (أَوْ أَسْقَطَ وَصِيٌّ أَوْ أَبٌ بِلا نَظَرٍ) قَالَ فِي " المدونة ": ولو سلم من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصبي لزمه ذلك، ولا قيام له إِن كبر (٦). قَالَ فِي: " الوثائق المجموعة " وغيرها: إِلا أن يكون الأخذ نظرًا وسدادًا فيكون له الأخذ، قَالَ أبو الحسن الصغير: وظاهر الكتاب سواءً كَانَ الآخذ نظرًا أم لا، وبِهِ قَالَ أبو عمران فِي الأب والوصي دون السلطان، وسبب الخلاف: هل الشفعة استحقاق أو بمنزلة الشراء.
_________________
(١) في (ن ٢) ما لم.
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٠٩، ونصه: (وانظر هذا مع قوله في المدونة: وإذا علم بالاشتراء فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الاشتراء، فلم يطلب شفعته سنة شفعته سنة فلا يقطع ذالك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الاشتراء، فإن ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يكتب شهادته أم لا، خلاف ما حصله ابن رشد).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر، والمطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
(٥) في (ن ١): (بانفراده).
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٢٩، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
وشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ.
قوله: (وشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ) هكذا هو مصدَّر بالواو لا بأو، وأشار بِهِ لما فِي " النوادر " عن " الموازية "، وهو لعبد الملك فِي " المجموعة " أن الوصي إِذَا باع شِقْصا لأحد الأيتام فله الأخذ بالشفعة لبقائهم، لا يدخل فيه من بيع عَلَيْهِ، ولا حجة عَلَى الوصي بأنه بائع؛ لأنه باع عَلَى غيره. محمد: ولَو كَانَ له معهم شِقْص لدخل فِي تلك الشفعة أحب إلي، وينظر فإن كَانَ خيرًا لليتيم أمضى وإِلا ردّ لتهمته أن يغتزي بالبيع رخصا لأخذه بالشفعة. قَالَ فِي " التوضيح ": وكذلك إِذَا باع نصيب نفسه وأراد أخذه ليتيمه فلابد من نظر القاضي (١).
قال ابن عبد السلام: ولابد من مراعاة موجب بيع عقار اليتيم وأن يكون الشِقْص المبيع لليتيم لا يقلّ ثمنه إِذَا بيع مفردًا عمّا لَو بيع الجميع، وأما لَو كَانَ وهو الغالب عَلَى الرباع إِذَا بيع الجميع كَانَ أوفر لنصيب اليتيم لبيع الجميع.
أَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وحَلَفَ وأَقَرَّ (٢) بَائِعُهُ، وهِيَ عَلَى الأَنْصِبَاءِ، وتُرِكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّتُهُ، وطُولِبَ بِالأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لا قَبْلَهُ، ولَمْ يَلْزَمْهُ إِسْقَاطُهُ، ولَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ، وصَدَقَةٍ والثَّمَنُ لِمُعْطَاهُ، إِنْ عَلِمَ شَفِيعُهُ، لا إِنْ وَهَبَ دَارًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا.
قوله: (أَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وحَلَفَ وأَقَرَّ بَائِعُهُ) هذا من المسقطات فلعلّ الناقل من المبيضة وضعه فِي غير محله.
ومُلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ دَفْعِ ثَمَنٍ، أَوْ إِشْهَادٍ.
قوله: (ومُلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ دَفْعِ ثَمَنٍ، أَوْ إِشْهَادٍ) أصل هذا قول ابن شاس ما نصّه: " الباب الثالث فِي كيفية الأخذ والنظر فِي أطراف الأول فيما يملك بِهِ ويملك بتسليم الثمن وإِن لَمْ يرض المشتري ويقضي القاضي له بالشفعة عند الطلب وبمجرد الإشهاد عَلَى الأخذ
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٢١٧.
(٢) في أصل المختصر والمطبوعة: (أقر به).
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وبقوله: " أخذت وتملكت ثم يلزمه إِن كَانَ علم بمقدار الثمن، وإِن لَمْ يكن علم لَمْ يلزمه " (١) فقال ابن الحَاجِب فِي " اختصاره ": ويملك بتسليم الثمن أو بالإشهاد أو بالقضاء (٢)، فقال ابن عبد السلام: يعني أن الشفعة يملكها الشفيع بأحد هذه الوجوه الثلاثة، ومراده بالإشهاد أنّه بمحضر المشتري وإِلا فلا معنى له.
ويصلح أن يفسر هذا الموضع بما نقل ابن يونس عن ابن المواز: أنّه إِذَا أخره السلطان بالثمن اليومين والثلاثة فلم يأت بِهِ إِلَى ذلك الأجل فالمشتري أحقّ بها، وقَالَ عن أشهب وهو لابن القاسم فِي " العتبية ": أنّه إِذَا طلب التأخير بعد الأخذ فأخّر ثم بدا له وأبى المشتري [١٠٥ / أ] أن يقيله فالأخذ قد لزم الشفيع، فإن لَمْ يكن له مال بيع حظه الذي استشفع فيه وحظه الأول حتى يتم للمشتري جميع حقّه ولا إقالة له إِلا برضى المشتري.
وقَالَ ابن رشد: يعني فِي سماع يحيي: " إِذَا وقّف الإمام الشفيع فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول الشفيع قد أخذت، ويقول المشتري: وأنا قد سلّمت، فيؤجله الإمام فِي دفع المال للشفيع (٣) فلا يأتي بِهِ، فليس لأَحَدهمَا أن يرجع عما التزمه ويحكم عَلَى الشفيع بما قدمناه عن " العتبية " قَالَ:
والوجه الثاني: أن يوقفه الإمام فيقول قد أخذت ويسكت المشتري ويؤجله فِي الثمن فلا يأتي بِهِ فهذا إِن طلب المشتري أن يباع له فِي الثمن ملك الشفيع فذلك له، وإِن أحبّ أن يأخذ شقصه كَانَ له ذلك، ولا خيار للشفيع عَلَى المشتري، وهذا الوجه فِي " المدونة ".
والثالث: أن يقول الشفيع: أنا آخذ ولا يقول قد أخذت، فيؤجله الإمام فِي الثمن، فاختلف فيه إِذَا لَمْ يأت بالثمن، فقيل: يرجع الشِقْص إِلَى المشتري إِلا أن يتفقا عَلَى إمضائه للشفيع وابتاعه بالثمن، وقيل: إِن أراد المشتري أن يلزم الشفيع الأخذ كَانَ ذلك له، ويباع
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٨٨١.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٧.
(٣) في (ن ٢)، (ن ٣)، (ن ٤): (للمشتري).
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ماله فِي الثمن، وإِن أراد الشفيع أن يردّ الشِقْص لَمْ يكن له ذلك، [وهو قول] (١) ابن القاسم وأشهب، والأول أبين (٢). " انتهى ما أشار ابن عبد السلام إِلَى أنّه يصلح أن يفسر بِهِ هذا المحل.
وقَالَ ابن عَرَفَة: لا أعلم هذا المعنى الذي قَالَ ابن شاس لأحدٍ من أهل المذهب، وتبع فيه " وجيز " الغزالي عَلَى عادته فِي إضافة كلام الغزالي للمذهب لظنه موافقته إياه، وهذا دون بيان لا ينبغي، وظاهر كلامهم أن المملوك بأحد هذه الوجوه هو نفس الأخذ بالشفعة لا نفس الشِقْص المشفوع فيه، وروايات المذهب واضحة بِخِلافه وأن ملك الآخذ نفسه، إنما هو بثبوت ملك الشفيع لشقص شائع من ربع واشتراء غيره شِقْصا آخر فهذا هو الموجب لاستحقاقه الأخذ؛ ولذا يكلفه القاضي إِذَا طلب منه الحكم له بالأخذ إثبات ذلك.
قال ابن فتّوح والمتيطي وغيرهما، واللفظ لابن فتّوح: " وإِذَا طلب الشفيع المبتاع بالشفعة عند السلطان لَمْ يقض له بها حتى يثبت عنده البيع والشركة أو يحضر البائع ويثبت [عينه عنده] (٣)، ويقرّ للشفيع بالبيع وبالشركة، ويقرّ المبتاع بالابتياع عَلَى الإشاعة، ويثبت أَيْضًا عينه عنده فيقضي عَلَيْهِ بالشفعة دون ثبوت الشركة والإشاعة، ولابد من ثبوت البيع أو إقرار البائع بِهِ فينظر السلطان حينئذٍ بينهما فِي الشفعة، ولا يحكم بإقرار المشتري والشفيع حتى يثبت عنده البيع، ومما يتم بِهِ تسجيل الحكم، ويوجب إنزال الشفيع أن يثبت عنده البيع عَلَى الإشاعة والشركة وملك البائع لما باعه من المبتاع ويثبت عنده الأعيان المذكورين.
قال ابن عَرَفَة: وأما ملك الشفيع الشِقْص المشفوع فيه فلا أعلم فيه نصًا جليًا إِلا ما تقدم من نصّ " المدونة "، كأنه يشير إِلَى قوله فيها: وإِذَا قَالَ الشفيع بعد الشراء: اشهدوا أنّي قد أخذت بشفعتي ثم رجع، فإن علم الثمن قبل الأخذ لزمه، وإِن لَمْ يعلم بِهِ فله أن يرجع (٤).
_________________
(١) في (ن ٣): (وهذا).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ٨٥.
(٣) في (ن ٣): (عقده).
(٤) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٣٥.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
قال: ونزلت عندنا هذه المسألة عام خمسين وسبعمائة فِي شفيع أخذ بشفعته فِي دارٍ يملك باقيها بشهادة عدلين دون أن يقف المشتري ويشهد عَلَيْهِ بذلك، ثم إِن الشفيع باع جميع الدار فقام المشتري فخاصم فِي الدار المذكورة لبيعها دون إشهاد الشفيع عَلَيْهِ بالأخذ، ولم يأت بشيءٍ لَو أتى بِهِ قبل البيع قدح فِي الشفعة عَلَيْهِ، فوقف القاضي فِي إمضاء البيع وفسخه، وشاور فِي ذلك شيخنا أبا عبد الله السطي فلم يذكر فِي ذلك شيئًا غير كلام ابن الحَاجِب، وما أشار إليه ابن [١٠٥ / ب] عبد السلام من كلام ابن رشد.
وكنت أنا وبعض فقهاء الوقت وهو الفقيه أبو عبد الله بن خليل السكوني شهيدي النازلة، فعاتبنا القاضي فِي الشهادة فِي البيع، وكانت شهادتي فيها [عاطفًا] (١) عَلَيْهِ؛ لاعتقادي فقهه وكونه من خواصّ القاضي المذكور، فاحتججت عَلَى القاضي بنصي المدونة الأول قوله فِي كتاب الخيار: " إِذَا اختار من له الخيار من المتبايعين وصاحبه غائب، وأشهد عَلَى ذلك جَازَ عَلَى الغائب. والشفيع بمنزلة من له الخيار من المتبايعين، فهذا يدلّ عَلَى صحة أخذه فِي غيبة المشتري " الثاني: قوله فِي كتاب الشفعة: " ولا يجوز بيع الشفيع الشِقْص قبل أخذه بالشفعة، (٢) فمفهوم قوله: (قبل أخذه) أنّه يجوز بعد أخذه، والعمل بمفهومات " المدونة " هو المعهود فِي طريقة ابن رشد وغيره من الشيوخ، وإِن كَانَ ابن بشير يذكر فِي ذلك خلافًا، فعمل الأشياخ الجلّة إنما هو عَلَى الأول.
وانفصل الخصمان بعد طول ومرافعة لأهل الأمر عَلَى صلحٍ وقع بينهما " انتهى. وفِي استدلاله الثاني ضعف.
وأما المصنف ففسر قول ابن الحَاجِب بأن معناه يملك الشفيع الشِقص بأحد الأمور الثلاثة (٣)، وكذا قَالَ ابن راشد القفصي، ورأيت فِي " الكافي " لأبي عمر بن عبد البر ما نصّه: " والشفعة تجب بالبيع التامّ، وتستحقّ وتملّك بأداء الثمن " (٤)، وقد ذكر بعد هذا فِي هذا المختصر وجوه ابن رشد الثلاثة المنقولة من سماع يحيي.
_________________
(١) في (ن ٣): (عطفا).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ١٨١، و٤/ ١٤٥، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤١٨.
(٣) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣١٨.
(٤) انظر الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر، باب من له الشفعة ومن هو أولى بها، ص: ٤٣٩.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
فرع:
في الحمالة من تقييد أبي عمران العبدوسي: من وجبت له شفعة فأشهد فِي خفية أنّي عَلَى شفعتي، وسكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر ثم قام لَمْ ينفعه هذا الإشهاد، قيدتها من أحكام الدبوسي بعد ما بحثت عن هذه الأحكام فلم أجدها إِلا بسبتة.
واسْتُعْجِلَ، إِنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرَى إِلا كَسَاعَةٍ. [٦٥ / أ] وَلَزِمَ إِنْ أَخَذَ وعَرَفَ الثَّمَنَ فَبِيعَ لِلثَّمَنِ، والْمُشْتَرِيَ إِنْ سَلَّمَ، فَإِنْ سَكَتَ فَلَهُ نَقْضُهُ، وإِنْ قَالَ أَنَا آخُذُ أُجِّلَ ثَلاثًا لِلنَّقْدِ.
قوله: (وَاسْتُعْجِلَ، إِنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً (١) أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرَى إِلا [كَسَاعَةٍ] (٢» المشترَى بفتح الراء، وظاهر الاستثناء أنّه راجع للارتياء والنظر للمشترى، وهو ظاهر ما فِي سماع أشهب إذ قَالَ سئل عمن باع شِقْصًا فِي حائط غائب فقال: الشفيع: حتى أذهب وانظر إِلَى شفعتي وهي ليست [معه] (٣) فِي القرية؟ قَالَ: ليس ذلك له. فراجعه السائل فقال: إِن كَانَ الحائط عَلَى ساعة من نهار فذلك له، وإِلا فليس له ذلك يخرج فيقيم أَيْضًا عشرة أيام ثم يجيء. قَالَ ابن رشد: هذا مثل ما فِي كتاب ابن المواز، وظاهر ما فِي " المدونة " من أن الشفيع إنما يؤخر فِي النقد لا فِي الارتياء فِي الأخذ (٤). انتهى.
فأنت ترى ابن رشد ساوى بين الارتياء والنظر للمشتري بعد تسليم استثناء الساعة، فلعلّ المصنف اعتمد عَلَى ذلك، وإِن كَانَ مخالفًا لقول المتيطي المشهور من المذهب.
والذي عَلَيْهِ العمل وانعقدت بِهِ الأحكام فيمن طلب التأخير لينظر ويستشير أنّه لا يؤخر ساعةً واحدة، ويجبره السلطان عَلَى الأخذ أو الترك وقاله مالك فِي " العتبية "، ونحوه فِي كتاب ابن المواز، وظاهر ما فِي " المدونة ": أن الشفيع إنما يؤخر فِي النقد لا فِي
_________________
(١) في (ن ٢): (ارتقاء). .
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، من سماع أشهب، من كتاب أوله مسائل البيوع: ١٢/ ٦٥، ٦٦.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
الارتياء فِي الأخذ (١). انتهى. فأنت ترى مخالفة المتيطي لنصّ " العتبية " (٢) فِي استثناء الساعة، بل نسب لها ما ليس فيها. والله تعالى أعلم.
وإِلا سَقَطَتْ.
قوله: (وَإِلا سَقَطَتْ) أي: وإن لَمْ يأت بالثمن فِي الثلاث سقطت شفعته.
وإِنِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وتَعَدَّدَتِ الْحِصَصُ والْبَائِعُ لَمْ تُبَعَّضْ.
قوله: (وإِنِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وتَعَدَّدَتِ الْحِصَصُ والْبَائِعُ لَمْ تُبَعَّضْ (٣» أي فإذا اتحد البائع فأحرى كاتحاد الحصّة. قَالَ فِي " المدونة ": ولَو اشترى رجل ثلاثة أشقاص من دار أو من دور فِي بلد أو بلدان من رجل أو رجال، وذلك فِي صفقةٍ واحدة وشفيع ذلك كلّه واحد فليس له أن يأخذ إِلا الجميع أو يسلم، وكذلك إِن اشترى من أحدهم حصّته من نخلٍ ومن آخر حصته من قرية، ومن آخر حصته من دار فِي صفقةٍ واحدة، أو كَانَ بائع ذلك كلّه واحدًا [١٠٦ / أ] [أو وشفيع ذلك كله واحدًا] (٤)، فإما أخذ الجميع أو يدع (٥).
كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، عَلَى الأَصَحِّ) هو قوله فِي " المدونة " بعد النصّ السابق: ولَو ابتاع ثلاثة ما ذكرنا من واحدٍ أو من ثلاثة فِي صفقةٍ والشفيع واحد فليس له أن يأخذ من أحدهم دون الآخر، وله أخذ الجميع أو يدع (٦)، فهو باقتصاره عَلَى مذهب " المدونة " مستغنٍ عن أن يقول عَلَى الأَصَحّ، فلو قَالَ عوضًا من هذا كله: ولَو تعدد المشتري لكان أبين وأوجز.
_________________
(١) قال في المدونة، لابن القاسم: (أرأيت إن أراد الشفيع الأخذ بالشفعة ولم يحضره نقده أيتلوم له القاضي في قول مالك؟ قال: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرون الأخذ بالشفعة في النقد اليوم واليومين والثلاثة، ورأيت مالكًا استحسنه وأخذ به ورآه) انظر: ١٤/ ٤١٢.
(٢) في (ن ٣): (المداونة).
(٣) في أصل المختصر: (يتبعض).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٣٢، ١٣٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤١٤، ٤١٥.
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٣٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤١٥.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وَكَأَنْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ، أَوْ غَابَ أَوْ أَرَادَهُ الْمُشْتَرِي.
قوله: (أَوْ أَرَادَهُ الْمُشْتَرِي) أي أو أراد المشتري وحده (١) التبعيض فلا يجبر عَلَيْهِ الشفيع كالعكس.
وَلِمَنْ حَضَرَ حِصَّتُهُ.
قوله: (وَلِمَنْ حَضَرَ حِصَّتُهُ) أي ولمن صار محاضرًا بعد الغيبة، ولَو قَالَ: ولمن قدم كَانَ أبين.
وهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ.
قوله: (وَهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، [أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي] (٢) أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ) هكذا فِي بعض النسخ، وبِهِ تصحّ المسألة عَلَى ما ذكر ابن رشد فِي " المقدمات " إذ قَالَ: قَالَ أشهب: إِذَا غاب الشفعاء إِلا واحدًا، فأخذ جميع الشفعة، ثم جاء أحد الغُيّب كَانَ مخيرًا فِي كتب عهدته إِن شاء عَلَى المشتري، وإِن شاء عَلَى الشفيع لأنه كَانَ مخيرًا فِي الأخذ فهو كمشترٍ من المشتري وإِن جاء ثالث كَانَ مخيرًا إِن شاء كتب عهدته عَلَى المشتري وإِن شاء عَلَى الشفيع الأول، وإِن شاء عَلَيْهِ، وعَلَى الثاني فقيل: إِن قول أشهب هذا خلاف لمذهب ابن القاسم، وأنّه لا يكتب عهدته عَلَى مذهب ابن القاسم إِلا عَلَى المشتري، وليس ذلك عندي بصحيح؛ والصواب أن قول أشهب مفسر لمذهب ابن القاسم (٣).
فقول المصنف: (وَهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي) هو التأويل الذي اختاره ابن رشد أن القادم مخير، فأو فيه للتخيير وقوله: (أو عَلَى المشتري فقط) هو التأويل الذي أنكره ابن رشد، ولكن بِهِ قطع عبد الحقّ فِي النكت، وعَلَى هذه الصورة ذكر التأويلين فِي " التوضيح (٤).
_________________
(١) في (ن ١): (أيدا).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، (ن ٣)، (ن ٤).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٢٩.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
فلعلّ بعض من نَسَخَ من المبيضة ظنّ تكرار إحدى الجملتين فأسقطها، وهذا محتملٌ؛ لأن مقتضاه أن التأويل الأول تعيين عهدة القادم عَلَى الشفيع الأول ولم أر من قاله.
كَغَيْرِهِ، ولَوْ [أَقَالَهُ] (١) إِلا أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهَا؟ تَأْوِيلانِ، وقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ، وإِنْ كَأُخْتٍ لأَبٍ أَخَذَتْ سُدُسًا.
قوله: (كَغَيْرِهِ، ولَوْ أَقَالَهُ إِلا أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهَا) لا يخفى عَلَى من مارس اصطلاحه فِي هذا المختصر أن هذا التشبيه راجع للتأويل الثاني فقط، وأن قوله بعد ذلك: (تَأْوِيلانِ) راجع لأول الكلام.
ودَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ كَذِي سَهْمٍ عَلَى وَارِثٍ، ووَارِثٌ عَلَى مُوصًى لَهُمْ، ثُمَّ الْوَارِثُ، ثُمَّ الأَجْنَبِيُّ، وأَخَذَ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ، وعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، ونُقِضَ مَا بَعْدَهُ، ولَهُ غُلَّتُهُ.
قوله: (ودَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ) أي: ودخل الأخصّ عَلَى غيره من ذوي الفروض، وأما دخوله عَلَى الغاصب فمستفاد من قوله بعد: (كذي (٢) سهم عَلَى وارث) أي: عَلَى عاصب.
وفِي فَسْخِ عَقْدٍ كِرَائِهِ تَرَدُّدٌ، ولا يَضْمَنُ نَقْصَهُ.
قوله: (وفِي فَسْخِ عَقْدٍ كِرَائِهِ تَرَدُّدٌ) مبناه عَلَى الشفعة هل هي كالاستحقاق قاله القرطبيون أو كالبيع قاله الطليطليون، فالقاف للقاف، والياء للياء.
فَإِنْ هَدَمَ وبَنَى فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا، ولِلشَّفِيعِ النُّقْضُ إِمَّا لِغَيْبَةِ شَفِيعِهِ فَقَاسَمَ وَكِيلُهُ، أَوْ قَاضٍ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَ لِكَذِبٍ فِي الثَّمَنِ، أَوِ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا، وحُطَّ مَا حُطَّ لِعَيْبٍ، أَوْ لِهِبَةٍ، إِنْ حُطَّ عَادَةً أَوْ أَشْبَهَ الثَّمَنَ بَعْدَهُ. وإِنِ اسْتُحِقَّ الثَّمَنُ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ بَعْدَهَا رَجَعَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ، ولَوْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًَّا إِلا النَّقْدَ، فَمِثْلُهُ، ولَمْ يَنْتَقِضْ مَا بَيْنَ الشَّفِيعِ والْمُشْتَرِي. وإِنْ وَقَعَ قَبْلَهَا بَطَلَتْ. وإِنِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِيَمِينٍ فِيمَا يُشْبِهُ.
قوله: (فَإِنْ هَدَمَ وبَنَى فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا، ولِلشَّفِيعِ النُّقْضُ إِمَّا لِغَيْبَةِ شَفِيعِهِ فَقَاسَمَ وَكِيلُهُ، أَوْ قَاضٍ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَ لِكَذِبٍ فِي الثَّمَنِ، أَوِ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا) قد عرفت وجه السؤال الوارد هاهنا، وقد انفصل المصنف عنه هنا بخمسة أجوبة:
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (أقاله البائع).
(٢) في (ن ١): (كذا في)
[ ٢ / ٨٩٠ ]
أولها: أن يكون أحد الشريكين غاب ووكّل فِي مقاسمته شريكه، فباع شريكه نصيبه ثم قاسم الوَكِيل المشتري ولَمْ يأخذ بالشفعة.
وثانيها أن يكون [الشفيع] (١) غائبًا وله وكيل حاضر عَلَى التصرف فِي أمواله، فباع الشريك فلم ير الوَكِيل الأخذ بالشفعة، فقاسم المبتاع، وقد أشار إِلَى هذين معًا بقوله: (إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله).
وثالثها: أن يكون شريك البائع غائبًا فيرفع المشتري إِلَى السلطان يطلب القسم، والقسم عَلَى الغائب جائز، فقسم عَلَيْهِ بعد الاستقصاء وضرب الأجل ثم لا يبطل ذلك شفعة الغائب، وإليه أشار بقوله: (أو قاض عنه).
ورابعها: أن يكون المشتري كذب فِي الثمن، فترك الشفيع الأخذ استغلاءً ثم قاسمه، وإليه أشار بقوله: (أو ترك لكذب فِي الثمن).
وخامسها: أن يكون قد اشترى الجميع فأنفق وبنى وغرس ثم استحقّ رجل نصف ذلك مشاعًا، وإليه أشار بقوله: (أو استحقّ نصفها).
فالثالث والخامس ذكرهما ابن يونس عن ابن المواز، وباقيها ذكره ابن شاس، وزاد سادسًا وهو: أن يقول [١٠٦ / ب] وهبت الشِقْص بغير ثواب ولم أشتره فتسقط الشفعة عَلَى إحدى الروايتين فيقاسمه ثم يثبت الشراء (٢)، فأما جوابا ابن المواز فصحيحان، [إلا أن] (٣) ابن عَرَفَة قَالَ فِي قسم القاضي: يريد أنّه قسم عَلَيْهِ عَلَى أنّه شريك غائب فقط لا عَلَى أنّه وجبت له الشفعة، ولَو علم ذلك لَمْ يجز له أن يقسم عَلَيْهِ إذ لَو جَازَ قسمه لكان كقسمه هو بنفسه، إذ لا يجوز أن يفعل الحاكم عن غائب إِلا ما يجب عَلَى الغائب فعله، فلو جَازَ قسمه عَلَيْهِ مَعَ علمه بوجوب الشفعة لما كانت له شفعة، ولما تقرر لغائبٍ شفعة لقدرة المشتري عَلَى إبطالها بهذا.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٤٨٣.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٨٩١ ]
وأما أجوبة ابن شاس فقبلها ابن الحَاجِب (١) وابن عبد السلام وابن هارون، واعترضها ابن عَرَفَة بأن الأول إِن كَانَ معناه [أنه] (٢) وكل فِي مقاسمته شريكه المعين لا فِي مقاسمته مطلق شريك فهذا راجع لأحد جوابي محمد؛ لأنه راجع للقسم عنه لظن القاسم صحته فبان خطؤه [وإِن كَانَ معناه أنّه وكله فِي مقاسمة مطلق شريك فلا شفعة له، فامتنع كونه تصويرًا للمسألة، والثاني واضح رجوعه لأحد جوابي محمد أَيْضًا؛ لأنه راجع للقسم عنه لظن القاسم صحته فبان خطؤه] (٣).
والرابع والسادس باطلان فِي أنفسهما؛ لأن كذب المشتري فِي دعوي الثمن الكثير وفِي دعوى الهبة يصيره متعديًا فِي بنائه كغاصب بيده عرصة بنى بها بناءً وهو يدعي أنّه مالك، فبان أنّه غاصب، فحكمه فِي بنائه حكم الغاصب المعلوم غصبه ابتداءً
وقد استشكل فِي " التوضيح " هذين الجوابين أَيْضًا فقال: وانظر لَمْ لم يجعل حكم المشتري إِذَا كذب فِي الثمن أو ادعى صدقه ونحوها ثم تبين خلاف ذلك كالمتعدي، ولعله الأَظْهَر فلا يكون له إِلا قيمة النقض، ولعل كلامهم محمول عَلَى ما إِذَا كَانَ بإظهار أكثر من الثمن من غير المشتري ". انتهى (٤).
وهذا المحمل لا يقبله لفظ ابن شاس، ويقبله لفظ المصنف هنا، وزاد أبو الحسن الصغير جوابين آخرين فقال: أو يكون قسم مَعَ رجلٍ زعم أنّه وكيل الغائب أو تكون هذه الدار بين ثلاثة أحدهم غائب، فباع أحد الحاضرين نصيبه فقسم المشتري مَعَ الحاضر يظن أن ليس له لشريك غيره.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: (فإن هدم وبني فله قيمة ما بني يوم القيام، وللشفيع قيمة النقض، وتصورها في شفيع غائب قاسم القاضي أو الوكيل عنه، أو تارك الأمر ثم ظهر فيه كذب كالثمن، ودعوى صدقة وشبهها) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١٨.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٣٢.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
كَكَبِيرٍ يَرْغَبُ فِي مُجَاوِرَتِهِ (١) وإِلا فَلِلشَّفِيعِ وإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا ورُدَّ إِلَى الْوَسَطِ.
قوله: (كَكَبِيرٍ يَرْغَبُ فِي مُجَاوِرَتِهِ) (يرغب) مبني للفاعل، و(مجاورته) بكسر الواو اسم فاعل، وهو كقوله فِي المدونة: إِلا أن يكون مثل هؤلاء الملوك يرغب أحدهم فِي الدار اللاصقة بِهِ (٢).
وإِنْ نَكَلَ مُشْتَرٍ، فَفِي الأَخْذِ بِمَا ادَّعَى أَوِ أَدَّى (٣) قَوْلانِ، وإِنِ ابْتَاعَ أَرْضًا بِزَرْعِهَا الأَخْضَرِ فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا فَقَطْ واسْتَشْفَعَ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الزَّرْعِ لِبَقَائِهِ بِلا أَرْضٍ.
قوله: (وَإِنْ نَكَلَ مُشْتَرٍ، فَفِي الأَخْذِ بِمَا ادَّعَى أَوِ أَدَّى قَوْلانِ). ليس هذا مفرعًا عَلَى اختلاف المشتري والشفيع بل هو عَلَى اختلاف البائع والمشتري، يظهر بأدنى تأمل، وأشار بِهِ لقول ابن يونس: قَالَ ابن المواز: فإن حلف البائع أنّه باع بمائتين ونكل المبتاع لزمه الشراء بمائتين وأخذها الشفيع بمائة؛ لأنّه الثمن الذي أقرّ بِهِ المشتري، وقَالَ: إِن البائع ظلمه وأخذ ما ليس له.
وقَالَ ابن عبد الحكم وأصبغ فِي " الواضحة ": بل يأخذها بمائتين.
ابن يونس: لأن المشتري يقول إنما خلصت الشِقْص بهذه المائة الثانية، فصرت كأني ابتدأت الشراء بمائتين، لأني لَو حلفت (٤) لانتقض البيع ولَمْ تكن للشفيع شفعة.
وقَالَ اللخمي: قَالَ أشهب: عند محمد يأخذ الشفيع بمائة؛ لأنه الثمن الذي أقرّ بِهِ المشتري، وقَالَ ابن الماجشون وأصبغ عند ابن حبيب يستشفع بمائتين.
_________________
(١) في المطبوعة: (مجاوره).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٣١.
(٣) في المطبوعة، وأصل المختصر: (اشْتَرَى).
(٤) في (ن ٣): (رجعت).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
كَمُشْتَرِي قِطْعَةٍ مِنْ جِنَانٍ بِإِزَاءِ جِنَانِهِ لِيَتَوَصَّلَ لَهُ مِنْ جِنَانِ مُشْتَرِيهِ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ جِنَانُ الْمُشْتَرِي، ورَدَّ الْبَائِعُ نِصْفَ الثَّمَنِ ولَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ، وخُيِّرَ الشَّفِيعُ أَوَّلًا بَيْنَ أَنْ يَشْفَعَ أَوْ لا فَيُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ فِي رَدِّ مَا بَقِيَ.
قوله: (ثُمَّ اسْتُحِقَّ جِنَانُ الْمُشْتَرِي) هكذا هو فِي جميع النسخ التي رأينا وهو صواب، والجنان - بكسر الجيم - جمع جنة، كقصعة وقصاع. وبالله تعالى التوفيق.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
[باب القسمة]
الْقِسْمَةُ تَهَايُؤٌ فِي زَمَنٍ كَخِدْمَةِ عَبْدٍ شَهْرًا، وسُكْنَى دَارٍ سِنِينَ كَالإِجَارَةِ، لا فِي غَلَّةٍ، ولَوْ يَوْمًا، ومُرَاضَاةٌ فَكَالْبَيْعِ، وقُرْعَةٌ، وهِيَ تَمْيِيزُ حَقٍّ، وكَفَى قَاسِمٌ، لا مُقَوِّمٌ، وأَجْرُهُ بِالْعَدَدِ وكُرِهَ، وقُسِمَ الْعَقَارُ، وغَيْرُهُ بِالْقِيمَةِ، وأُفْرِدَ كُلُّ نَوْعٍ، وجُمِعَ دُورٌ وأَقْرِحَةٌ ولَوْ بِوَصْفٍ، إِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةً ورَغْبَةً، وتَقَارَبَتْ كَالْمِيلِ، إِنْ دَعَا إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، ولَوْ بَعْلًا وسَيْحًا، إِلا مَعْرُوفَةً بِالسُّكْنَى، فَالْقَوْلُ لِمُفْرِدِهَا، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلافِهِ، وفِي الْعُلْو والسُّفْلِ [٦٥ / ب] تَأْوِيلانِ وأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ كَتُفَّاحٍ، إِنِ احْتَمَلَ، إِلا كَحَائِطٍ فِيهِ شَجَرٌ مُخْتَلِفَةٌ، وأَرْضٍ بِشَجَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
قوله: (تَهَايُؤٌ فِي زَمَنٍ كَخِدْمَةِ عَبْدٍ شَهْرًا، وسُكْنَى دَارٍ سِنِينَ كَالإِجَارَةِ، لا فِي غَلَّةٍ، ولَوْ يَوْمًا) هذه قسمة المنافع؛ ولهذا قيّدها بالزمن إذ لو (١) كانت قسمة رقاب لتأبدت
فإن قلت: قد قرر ابن رشد وعياض وابن شاس أن قسمة المهايأة ضربان [مهايأة فِي الأعيان] (٢) ومهايأة فِي الأزمان (٣)، فالضرب الأول: [١٠٧ / أ] أن يأخذ أحد الشريكين دارًا يسكنها، ويأخذ الآخر دارًا يسكنها، وهذا أرضًا يزرعها [وهذا أرضًا يزرعها] (٤)، والضرب الثاني: أن تكون المهايأة فِي عينٍ واحدة بالأزمنة كدارٍ يسكنها هذا شهرًا (٥) وهذا شهرًا، أو أرض يزرعها هذا سنة وهذا سنة، وبذلك فسّر فِي " التوضيح " كلام ابن الحَاجِب (٦)، فما باله هنا اقتصر عَلَى الأزمان دون الأعيان حيث قَالَ (فِي زمن)؟
قلت: وكذلك ينبغي أن يحمل كلامه هنا عَلَى القسمين؛ لأن الزمن المعلوم لابد منه فيهما، وعَلَى هذا فقوله: (كخدمة عبد شهرًا) يتناول صورتين إحداهما: أن يكون العبد
_________________
(١) في (ن ٣): (إذا).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٨٩٢.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) في (ن ١): (منتهى).
(٦) قال الحاجب معرفًا وممثلًا للقسمة: (قسمة مهايأة، وقسمة بيع، وقسمة قيمة، فالأولى إجارة لازمة كدار أو دارين، يأخذ كل واحد أو إحداهما مدة معينة، وغير لازمة كدارين يأخذ كل واحد سكنى داره) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢٠ وانظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٤٨، وما بعدها.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
الواحد بين الشريكين يستخدمه كل واحد منهما شهرًا. والثانية: أن يكون لهما عبدان يستخدم أَحَدهمَا أحد العبدين شهرًا والآخر كذلك، ولا تشترط مساواة المدّتين، وإنما يشترط حصرهما، وافهم مثل ذلك فِي السكنى جوازًا وفِي الغلة منعًا.
ومما يزيد هذا وضوحًا مناقشة ابن عَرَفَة لعياض إذ قَالَ: وقول عياض: هي ضربان، مقاسمة الزمان، ومقاسمة الأعيان، يوهم عروّ الثاني عن الزمان، وليس كذلك، ومحمله إِن كَانَ المشترك فيه واحدًا فتعلّق القسم بالزمان لذاته وإِن كَانَ المشترك فيه متعددًا فتعلق القسم بالزمان [لذاته، وإِن كَانَ المشترك فيه متعددًا فتعلق القسم بالزمان] (١) فيه بالعرض؛ لأن متعلقه بالذات بعض آحاد المشترك فيه، ولابد فيه من الزمان، إذ بِهِ يعلم قدر الانتفاع.
تنبيهان:
الأول: قَالَ الباجي وعبد الوهاب عن المذهب: إنما تجوز قسمة المهايأة [وهي قسمة المنافع بالمراضاة لا بالإجبار والقرعة، وعلى هذا اقتصر ابن عَرَفَة وبه قطع عياض، والذي فِي " المقدمات ": لا تجوز] (٢) بالسهمة عَلَى مذهب ابن القاسم ولا يجبر عَلَيْهَا من أباها ولا تكون إِلا عَلَى المراضاة.
الثاني: قَالَ فِي " المقدمات ": ومن هذا الباب قسمة الحبس للاغتلال فقيل: أنّه يقسم ويجبر عَلَى القسم من أباه وينفذ بينهم إِلَى أن يحدث بينهم من الموت أو الولادة ما يغيره زيادة أو نقصان، واحتجّ من ذهب إِلَى ذلك بقولهم فيمن حبس فِي مرضه عَلَى ولده وولد ولده: أن الحبس يقسم بينهم أعني عَلَى عدد الولد وولد الولد، وبغير ذلك من الظواهر الموجودة فِي مسائلهم، وقيل: أنّه لا يقسم بحال واحتجّ من ذهب إِلَى ذلك بقول مالك فِي " المدونة ": إِن الحبس مما لا يقسم ولا يُجَزَّأ (٣)، وقيل أنّه لا يقسم إِلا أن يتراضي المحبس عليهم فِي قسمته [قسمة] (٤) اغتلال، فيجوز ذلك لهم (٥) ". انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٣) في (ن ١): (يجوز).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وقد عزا ابن سهل هذه الأَقْوَال لأشياخ الشورى قَالَ ابن عَرَفَة: والأقرب حمل القسم عَلَى ثمن المنفعة ومنعه عَلَى الربع المحبس نفسه.
وجَازَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، إِنْ جُزَّ، وإِنْ لِكَنِصْفِ شَهْرٍ، وأَخْذُ وَارِثٍ عَرْضًا، وآخَرَ دَيْنًا، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ، وأَخْذُ أَحَدِهِمَا قِطْنِيَّةً، والآخَرِ قَمْحًا.
قوله: (وجَازَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، إِنْ جُزَّ، وإِنْ لِكَنِصْفِ شَهْرٍ) لا خفاء أن هذه العبارة جيدة موافقة لقوله فِي " المدونة ": " ولا بأس بقسمة الصوف عَلَى ظهر الغنم إِن جزاه الآن أو إِلَى أيامٍ قريبة يجوز بيعها إليها، ولا يجوز ما بعد (١)، وفِي بعض النسخ: إِن لَمْ يجز، وكأنه إصلاح ممن لَمْ يفهم معناه.
وَخِيَارُ أَحَدِهِمَا كَالْبَيْعِ، وغَرْسُ أُخْرَى، إِنِ انْقَلَعَتْ شَجَرَتُكَ مِنْ أَرْضِ غَيْرِكَ، إِنْ لَمْ تَكُنْ أَضَرَّ كَغَرْسِهِ بِجَانِبِ نَهْرِكَ الْجَارِي فِي أَرْضِهِ.
قوله: (وَخِيَارُ أَحَدِهِمَا كَالْبَيْعِ) أي: فِي قدر زمانه وإلا كَانَ تشبيهًا ضائعًا لغير فائدة.
وحُمِلَتْ فِي طَرْحِ كُنَاسَتِهِ عَلَى الْعُرْفِ، ولَمْ تَطْرَحْ عَلَى شَجَرَةٍ (٢)، إِنْ وَجَدَتْ سِعَةً، وجَازَ ارْتِزَاقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لا شَهَادَتُهُ. وفِي قَفِيزٍ أَخَذَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْهِ، [وَالآخَرُ ثُلُثَهُ] (٣)، لا إِنْ زَادَ كَيْلًا أَوْ عَيْنًا، لِدَنَاءَةٍ، وفِي كَثَلاثِينَ قَفِيزًا أَوْ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا أَخَذَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وعِشْرِينَ قَفِيزًا إِنِ اتَّفَقَ الْقَمْحُ صِفَةً.
قوله: (وَحُمِلَتْ فِي طَرْحِ كُنَاسَتِهِ عَلَى الْعُرْفِ، ولَمْ تَطْرَحْ عَلَى شَجَرَةٍ، إِنْ وَجَدَتْ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": فإذا كنست نهرك حملت عَلَى سنة البلد فِي طرح الكناسة، فإن كَانَ الطرح بضفتيه لَمْ تطرح ذلك عَلَى أشجارهم إِن أصبت دونها من ضفتيه متسعًا، فإن لَمْ يكن فبين الشجر فإن ضاق عن ذلك طرحت فوق شجرهم إِذَا كانت سنة بلدهم طرح طين النهر عَلَى حافتيه (٤). أبو الحسن الصغير: وأما إِن لَمْ تكن تلك (٥) سنتهم فعلى رب النهر حمله إِلَى حيث يطرح.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٨٨، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٧٣.
(٢) في أصل المختصر: (حافته).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٩٣.
(٥) في (ن ٢): (تكن)، وفي الأصل (تلك).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
ووَجَبَتْ غَرْبَلَةُ قَمْحٍ (١)، إِنْ زَادَتْ غَلَّتُهُ عَنْ الثُّلُثِ وإِلا نُدِبَتْ.
قوله: (وَوَجَبَتْ غَرْبَلَةُ قَمْحٍ، إِنْ زَادَتْ غَلَّتُهُ عَنْ الثُّلُثِ وإِلا نُدِبَتْ) كذا قَالَ ابن رشد فِي رسم شكّ من سماع ابن القاسم من كتاب: " السلطان " ونصه: " وأما غربلة القمح من التبن والغَلْث عند البيع فذلك واجب إِن كَانَ التبن والغَلْث فيه [كثيرًا يقع فِي أكثر من الثلث؛ لأن بيعه عَلَى ما هو عَلَيْهِ من الغرر، ومستحب إِذَا كَانَ التبن والغلث فيه] (٢) يسيرًا (٣).
فائدة: يقال الغلث بالغين المعجمة وبالعين المهملة قاله عياض فِي كتاب القسم.
فرع: فِي رسم إِن خرجت من سماع عيسى من جامع البيوع قَالَ مالك: لا بأس أن يجعل فِي الخلّ الماء الذي لا يصلح إِلا بِهِ. قَالَ ابن رشد: وكذلك الماء يجعل فِي اللبن [١٠٧ / ب] لاستخراج زبده قاله مالك فِي أول رسم من سماع أشهب من كتاب " السلطان " (٤).
وجَمْعُ بَزٍّ، ولَو كَصُوفٍ، وحَرِيرٍ، لا كَبَعْلٍ، وذَاتِ بِئْرٍ أَوْ غَرْبٍ.
قوله: (وجَمْعُ بَزٍّ، ولَو كَصُوفٍ، وحَرِيرٍ) معطوف عَلَى فاعل جَازَ، عياض: البز - بفتح الباء - أطلقه فِي الكتاب فِي كلّ ما يلبس كَانَ صوفًا أو خزًّا أو كتّانًا أو قطنًا أو حريرًا، مخيطًا أو غير مخيط.
وثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، إِنْ لَمْ يَجُذَّاهُ كَقَسْمِهِ بِأَصْلِهِ.
قوله: (وثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، إِنْ لَمْ يَجُذَّاهُ) كأنه أشار بهذا لمفهوم قوله فِي " المدونة ": ولا بأس بقسمة البلح الصغير بالتحري عَلَى أن يجدّاه مكانهما إِذَا اجتهدا حتى يخرجا من [وجه] (٥) الخطار، وإِن لَمْ تختلف حاجتهما إليه وإِن اقتسماه وفضل أَحَدهمَا صاحبه بأمر يعرف فضله جَازَ ذلك كما يجوز فِي البلح الصغير بلح نخلة ببلح نخلتين عَلَى أن يجداه
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (لِبَيْعٍ).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٣٢١.
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٧/ ٤٠٥، و٩/ ٣٥٨.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
مكانهما (١). ولمفهوم قوله قبله (٢): ولا بأس بقسمة الزرع قبل أن يبدو صلاحه بالتحري عَلَى أن يحصداه مكانهما إِن كَانَ يستطاع أن يعدل بينهما فِي قسمه تحريًا؛ وكذلك القصب والتين، فإن تركا الزرع حتى صار حبًا انتقض القسم وقسم ذلك كله كيلًا (٣).
أَوْ قَتًَّا أَوْ زَرْعًا أَوْ فِيهِ فَسَادٌ كَيَاقُوتَةٍ، وكَخَفِينٍ (٤)، أَوْ فِي أَصْلِهِ بِالْخَرْصِ كَبَقْلٍ إِلا الثَّمَرَ أَوِ الْعِنَبَ إِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِ، وإِنْ بِكَثْرَةِ أَكْلٍ، أَوْ قَلَّ وحَلَّ بَيْعُهُ واتَّحَدَ بِبُسْرٍ ورُطْبٍ لا تَمْرٍ.
قوله: (أَوْ قَتًَّا) كذا فِي " المدونة " فِي الزرع (٥)، وأما الكتان ففي " النوادر " عن سحنون: لا يعتدل قسم الكتان قتًا وزريعته فيه أو بعد زوالها حتى يدق فيقسم (٦). وعَلَى هذا اقتصر ابن عَرَفَة وزاد: وفِي كون القطن قبل زوال حبّه كذلك نظر، والأحوط منعه. وفِي " النوادر " أَيْضًا قَالَ ابن حبيب: يجوز قسم الكتان قائما لَمْ يجمع وحزمًا قد جمع قبل إدخاله الماء وبعد إخراجه وقبل نفضه وبعده عَلَى التعديل (٧) والتحري أو الرضا بالتفاضل (٨).
وقَالَ اللخمي: قَالَ مالك فِي كتاب ابن حبيب: كل ما يجوز فيه التفاضل فلا بأس بقسمه فِي شجره عَلَى التحري رطبًا ويابسًا أو بالأرض مصبرًا مثل الفواكه الرطبة وثمر البحائر ومثل الكتان والخبط والنوى والتين تحريًا وإِن كَانَ الكتان أو الحناء قائمًا قبل أن
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٨٦، ١٨٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٧١.
(٢) في (ن ٣): (بعده) وهو خطأ.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٨٥.
(٤) في المطبوعة ومعظم الشروح: (أو كجفير) وما أثبتناه من الأصل وبعض الشروح.
(٥) نص المدونة: (وإذا ورث قوم أرضًا وشجرًا ونخلًا، وفيها ثمر وزرع، فلا يقسموا الثمر مع الأصل، وإن كان الثمر بلحًا أو طلعًا، ولا يقسم الزرع مع الأرض، ولكن تقسم الأرض والأصول، ويترك الثمر والزرع حتى يحل بيعهما، فيقسموا ذلك حينئذ كيلًا، أو يبيعوه ويقتسموا ثمنه على فرائض الله، ولا يقسم الزرع الذي طاب فدادين ولا مزارعة ولا قتًا، ولكن كيلًا) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٤/ ١٨١.
(٦) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١١/ ٢٣٣.
(٧) في (ن ١): (التبديل).
(٨) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١١/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
يجمع أو بعد ما جمع. قَالَ أبو الحسن الصغير: وانظر هل يقوم جواز قسم الكتان قتا من قوله فِي " المدونة ": وكذلك القصب والتين (١).
وقُسِمَ بِالْقُرْعَةِ بِالتَّحَرِّي. كَالْبَلَحِ الْكَبِيرِ، وسَقَى ذُو الأَصْلِ.
قوله: (كَالْبَلَحِ الْكَبِيرِ) هو كالاستثناء من قوله: (وحل بيعه) وكذا قَالَ: هو فِي كلام ابن الحَاجِب (٢) قَالَ أبو الحسن الصغير: وقد ناقض بعضهم بينهما قَالَ: ولعلّه؟ إنما شرط الطيب هناك لكونه يجوز تأخيره بعد القسم إِلَى أن يصير تمرًا ولا يبطل القسم، وأجاز هنا البلح إِذَا كانوا لا يتركونه إِلَى الطيب، وقبله فِي " التوضيح "، ومما يزيده بيانًا أنّه قَالَ هناك فِي " المدونة ": " أراد بعضهم تيْبيسه " (٣) وهنا إنما قَالَ يأكل هذا بلحًا [ويبيع الآخر بلحًا] (٤) فلو أراد بعضهم تيبيسه لَمْ يجز قسمه بلحًا.
كَبَائِعِهِ الْمُسْتَثْنِي ثَمَرَتَهُ، حَتَّى يُسَلِّمَ.
قوله: (كَبَائِعِهِ الْمُسْتَثْنِي ثَمَرَتَهُ) هذا تجوُّز فِي العبارة؛ إذ الحكم يوجب بقاء الثمرة المأبورة للبائع.
أَوْ فِيهِ تَرَاجُعٌ، إِلا أَنْ يَقِلَّ، أَوْ لَبَنٍ فِي ضُرُوعٍ، إِلا لِفَضْلٍ بَيِّنٍ، أَوْ قَسَمُوا بِلا مَخْرَجٍ مُطْلَقًا، وصَحَّتْ، إِن سَكَتَا عَنْهُ، ولِشَرِيكِهِ الانْتِفَاعُ بِهِ ولا يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِ مَجْرَى الْمَاءِ، وقُسِمَ بِالْقِلْدِ.
قوله: (أَوْ فِيهِ تَرَاجُعٌ، إِلا أَنْ يَقِلَّ) هذا الاستثناء للّخمي قَالَ: لأن هذا مما لابد منه ولا يتفق فِي الغالب أن تكون قيمة الدارين سواء. ابن عَرَفَة: ظاهر الروايات منع التعديل فِي قسم القرعة بالعين.
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٤٦٩.
(٢) نص ابن الحاجب: (ولا يقسم التمر مع أصوله، ولو كان بلحا أو طلعا ويترك حتى يحل بيعه، وكذلك الزرع مع الأرض، لأنه طعام وأرض بطعام وأرض) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢١.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ١٨٢ وانظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٦٨.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٩٠٠ ]
كَسُتْرَةٍ بَيْنَهُمَا، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ عَاصِبَيْنِ، إِلا بِرِضَاهُمْ، إِلا مَعَ، كَزَوْجَةٍ، فَيُجْمَعُوا أَوَّلًا.
قوله: (كَسُتْرَةٍ بَيْنَهُمَا) قَالَ فِي " المقدمات ": وإِذَا اقتسم الشريكان الدار ولم يشترطا أن يقيما بينهما حاجزًا فلا يحكم بذلك عَلَيْهِمَا، ويقال لمن دعى إِلَى ذلك: استر عَلَى نفسك فِي حظك إِن شئت، وإِن اشترطا ذلك ولم يحدّاه أخذ من نصيب كلّ واحد منهما نصف بناء الجدار، وإِن كَانَ أَحَدهمَا أقلّ نصيبًا من صاحبه، وكذلك تكون النفقة بينهما بالسواء إِلَى أن يبلغ مبلغ الستر إِذَا لَمْ يحدا فِي ذلك حدًا، ولا اختلاف فِي هذا أعلمه (١). انتهى. وانتحله المتيطي: ولَمْ يزد عَلَيْهِ.
وقَالَ اللخمي: الصواب أن يجعل كل واحد تحجيرًا يستتر بِهِ عن صاحبه، ولا يجوز الرضا بغير تحجير؛ لأن فيه كشفًا لحريمهم فِي تصرفهم ودخول بعضهم عَلَى بعض. انتهى، وأما الجدار بين الرجلين يسقط فحصّل ابن رشد فِي بنائه أربعة أَقْوَال، وتكلّم عَلَيْهِ ابن عَرَفَة فِي باب الشركة.
كَذَوِي سَهْمٍ، ووَرَثَةٍ، وكَتَبَ الشُّرَكَاءَ، ثُمَّ رَمَى.
قوله: (كَذَوِي سَهْمٍ، ووَرَثَةٍ) أي: كما يجمع أصحاب السهم الواحد إِذَا قاسموا بقية الورثة، ولَو أسقط قوله: (وورثة) ما ضره ذلك.
أَوْ كَتَبَ الْمَقْسُومَ، وأَعْطَى كُلًاّ لِكُلٍّ، ومُنِعَ اشْتِرَاءُ الْخَارِجِ، ولَزِمَ، ونُظِرَ فِي دَعْوَى جَوْرٍ أَوْ غَلَطٍ، وحَلَفَ الْمُنْكِرُ.
قوله: (أَوْ كَتَبَ الْمَقْسُومَ، وأَعْطَى كُلًاّ لِكُلٍّ) معطوف عَلَى وصي لا عَلَى كتب الشركاء.
فَإِنْ تَفَاحَشَ أَوْ ثَبَتَ نُقِضَتْ.
قوله: (فَإِنْ تَفَاحَشَ أَوْ ثَبَتَ نُقِضَتْ) التفاحش ما ظهر لغير أهل (٢) المعَرَفَة، والثبوت شهادة أهل المعَرَفَة بالتغابن، قاله أبو الحسن الصغير.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٥٢.
(٢) في (ن ٢) (لأهل).
[ ٢ / ٩٠١ ]
كَالْمُرَاضَاةِ إِنْ أَدْخَلا مُقَوِّمًا.
قوله: (كَالْمُرَاضَاةِ إِنْ أَدْخَلا مُقَوِّمًا) كذا قَالَ أبو عمران.
وأُجْبِرَ لَهَا كُلٌّ، إِنِ انْتَفَعَ كُلٌّ.
قوله: (وَأُجْبِرَ لَهَا كُلٌّ، إِنِ [انْتَفَعَ كُلٌّ] (١» [١٠٨ / أ] لما ذكر فِي " التوضيح " ما فيها من الخلاف قَالَ: وقيد الخلاف بوجهين:
أَحَدهمَا: أن تكون الدار للقنية أو من ميراث، وإِن كانت للتجارة لَمْ تقسم باتفاق؛ لأن فيها نقصًا للثمن، وهو خلاف ما دخلا عَلَيْهِ.
وثانيهما: إِن هذا إنما هو فِي قسمة القرعة، وأما قسمة المراضاة والمهايأة فلا يجبر عَلَيْهِمَا من أباهما، لأنهما راجعان إِلَى البيع والإجارة، ولا يجبر أحد عَلَيْهِمَا. انتهى (٢)، والثاني ظاهر، والأول قاله اللخمي وألزم عياض مثله فِي [البيع] (٣)، ويأتي إِن شاء الله تعالى.
ولِلْبَيْعِ إِنْ نَقَصَتْ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُفْرَدَةً لا كَرَبْعِ غَلَّةٍ أَوِ اشْتَرَى بَعْضًا، وإِنْ وَجَدَ عَيْبًا بِالأَكْثَرِ فَلْيَرُدَّهَا.
قوله: (ولِلْبَيْعِ إِنْ نَقَصَتْ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُفْرَدَةً لا كَرَبْعِ غَلَّةٍ أَوِ اشْتَرَى بَعْضًا) ظاهره أنّه يجبر عَلَى [بيع] (٤) ما لا ينقسم لنقص حصة شريكه مفردة، ولو التزم قدر أداء النقص لشريكه عَلَى أن يبيع مفردًا، فتأمله مَعَ قول اللخمي فِي كتاب الوصايا الأول: ما نصّه: " وإِن أوصي بنيه الصغار إِلَى عبده، فدعا الكبار إِلَى البيع، فإن رضوا ببيع أنصبائهم خاصّة جَازَ، وبقي العبد عَلَى حاله فِي الوصية، وإِن دعوا إِلَى بيع الجميع؛ لأن فِي بيع أنصبائهم بانفرادها بخسا كَانَ ذلك لهم عَلَى قول مالك، إِلا أن يرى أن أخذ بقيته حسن نظر أو يدفع إِلَى الشركاء قدر ذلك البخس فلا يباع عَلَى الصغار أنصباؤهم. " انتهى. ولَمْ يعرج عَلَيْهِ ابن عَرَفَة هنا مَعَ قوة عارضته.
_________________
(١) في (ن ٣): (امتنع).
(٢) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٣٧٣.
(٣) في (ن ١)، الأصل: (القسم).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٩٠٢ ]
وأما استثناء ربع الغلة فهو قول ابن رشد ونصّه فِي " الأجوبة ": ولا يحكم ببيع ما لا ينقسم إِذَا دعى إِلَى ذلك أحد الأشراك إِلا فيما كَانَ فِي التشارك فيه ضرر بيّن كالدار والحائط، وأما مثل الحمام والرحا وشبه ذلك مما هو للغلة فلا (١).
قَالَ فِي " التنبيهات ": كَانَ شيخنا القاضي أبو الوليد يذهب فِي رباع الغلات وما لا يحتاج للسكنى والانفراد إِلَى أن من أراد فِي مثل هذا بيع نصيبه أو مقاواته لَمْ يجبر شريكه. بِخِلاف ما يراد للسكنى والانفراد بالمنافع والسكنى فيه؛ لأن رباع الغلة إنما المراد منها الغلة، وقلما يحطّ ثمن بعضها إِذَا بيع عن بيع جملتها، بل ربما كَانَ الراغب فِي شراء بعضها أكثر من الراغب فِي شراء جميعها بِخِلاف دور السكنى، وما يريد أحد الأشراك الاختصاص بِهِ لمنفعة ما ". انتهى. ولابن رشد نسبه ابن عبد السلام بعد ما قرر أن المذهب الإطلاق.
وأما ابن عَرَفَة فنقل ما فِي التنبيهات ثم قَالَ: المعروف عادة أن شراء الجملة أكثر ثمنًا فِي رباع الغلة وغيرها إِلا أن يكون ذلك عندهم بالأندلس، وإِن كَانَ فهو نادر، ويلزم عَلَى مقتضى قوله أن لا شفعة فيها. انتهى.
وجدت بخطّ بلدينا شيخ شيوخنا أبي القاسم ابن حبيب الخريشي المكناسي ناقلًا من كتاب أبي محمد عبد الله التادلي الموضوع عَلَى " المدونة ": [كَانَ الشيخ أبو الحسن اللخمي يفتي بأن الشريك إِذَا قَالَ: أنا أؤدي النقص الذي يناله شريكي فِي بيع نصيبه مفردًا فذلك له ولا مقال لشريكه؛ لأنّ الغلة قد ارتفعت بإزالة الضرر عنه بالنقص الذي يناله فِي بيع نصيبه ". انتهى، ومنه يظهر أنّه لا خصوصية عند اللخمي للعبد الوصي المتقدم الذكر، وإِن كَانَ يحتمل أن يخصّه لئلا يكن عَلَى الإيصاء بالإبطال قال] (٢):
وكَانَ الشيخ عبد الحميد الصائغ يفتي أن الجبر عَلَى البيع إنما هو فيما كَانَ لطيف الثمن كالديار والحوانيت ونحوها، وأما الرباع الكثيرة الأثمان كالفنادق والحمامات التي بيع النصيب فيها أفضل وأرغب عند الناس من شراء جميعها، فإنه لا ينبغي أن يختلف فِي إفراد
_________________
(١) انظر: فتاوى ابن رشد: ١/ ٢٥١.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ١).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
بيع نصيبه منها خاصّة إذ لا [ينال شريكه] (١) فِي ذلك بخس؛ لأن كثيرًا من الناس يرغب فِي شراء النصيب من الحمام والفندق لقلة ثمنه، ولا يرغب فِي شراء جميعه لكثرة ثمنه وتعذره " انتهى ومن تمام كلام عياض وما قاله شيخنا فِي رباع الغلات له وجه من النظر. انتهى.
وأما استثناء من اشترى بعضًا فقال فِي التنبيهات: يجب أن يكون هذا الجبر فيما يورث أو اشتراه الأشراك جملة، وفِي صفقة، وأما لَو اشترى كلّ واحدٍ منهم جزءًا مفردًا أو بعضهم بعد بعض لَمْ يجبر أحد منهم عَلَى إجمال البيع مَعَ صاحبه إِذَا دعا إليه؛ لأنه كما اشترى مفردًا لذلك يبيع مفردًا، ولا حجة له هنا فِي بخس الثمن فِي بيع نصيبه مفردًا؛ لأنه كذلك اشترى فلا يطلب الربح فيما اشترى بإخراج شريكه من ماله. انتهى.
وعنه نقله ابن عَرَفَة فكأنه لَمْ يسبق إليه، إِلا أنّه قَالَ قبله: والمعروف الحكم ببيع ما لا ينقسم بدعوى شريك فيه لَمْ يدخل عَلَى الشركة، وقيّده غير واحدٍ بنقص ثمن حظه مفردًا عن ثمنه فِي بيع كله. وقَالَ المتيطي فِي كتاب الشفعة: من أوصى بثلثه للمساكين فباع الوصي ثلث أرضه فلا شفعة فيه؛ لأن بيع الوصي له (٢) كبيع الميت قاله سحنون، وقَالَ غيره فيه الشفعة للورثة. قَالَ ابن الهندي: وهو الأَصَحّ لدخول الضرر عَلَى الورثة، وربما آل ذلك لإخراجه من ملكهم إِذَا دعى مشتريه إِلَى مقاسمتهم ولم يحتمل القسم.
ابن عَرَفَة: تعليله نصٌ فِي قبول دعوى البيع ممن دخل عَلَى الشركة. انتهى. ورأيت بخطّ بعض [١٠٨ / ب] المحققين، وأظنه شيخ شيوخنا أبا القاسم التازغدري ما نصّه: " طريقة عياض اشتراط اتحاد المدخل فِي دعوى الشريك إِلَى البيع، وطريقة اللخمي خلاف هذا، وأنّه لا يشترط؛ لأنه جعل الأصل فيما جعلت له الشفعة ما لا ينقسم خوف أن يدعو المشتري للبيع، والمشتري إنما دخل وحده، وقد جعله يدعوا إِلَى البيع، وتكرر هذا من كلامه فِي باب: تشافع الورثة والشركاء من كتاب الشفعة ". انتهى.
على أن ابن عبد السلام عزا قول عياض للخمي فتأمله.
_________________
(١) في (ن ٢)، (ن ٣): (يناله).
(٢) في (ن ١): (الموصا له). .
[ ٢ / ٩٠٤ ]
تنبيه:
قد تقدم للخمي أن الاختلاف فِي القسمة الجبرية إنما هو إِذَا كانت الدار ميراثًا أو للقنية، فإن كانت للتجارة لَمْ تقسم قولًا واحدًا؛ لأن فيه نقصًا للثمن، وهو خلاف ما دخلا عَلَيْهِ. قَالَ عياض: [فعلى قول اللخمي ما اشترى للتجارة لا يجبر عَلَى قسمه من أباه يجب ألا يجبر من أبي بيعه عَلَيْهِ؛ لأنه عَلَى الشركة] (١) دخل فيه حتى يباع جملة فقال ابن عَرَفَة: دخوله عَلَى بيعه جملة مؤكد لقبول دعواه بيعه جملة، فكيف يصحّ قوله: لا يجبر عَلَى البيع من أباه، وإنما يصحّ اعتبار ما دخلا [عليه] (٢) من شرائه للتجرة إذا اختلفا فِي تعجيل بيعه وتأخيره، والصواب فِي ذلك اعتبار معناه وقت بيع السلعة حسبما ذكره فِي القراض من " المدونة ". انتهى. ومن تمام كلام عياض وما قاله اللخمي فيما اشترى للتجارة صحيح.
فرعان:
الأول: قَالَ المتيطي فِي البيوع: إِن كانت دار مشتركة بين جماعة، فسكنها بعضهم، وبعضهم خارج عنها، فأراد الخارجون تسويقها وبيعها، وطلبوا إخلاءها لذلك، ودعى ساكنوها إِلَى غرم كرائها عَلَى الإباحة للتسويق، وأبى الخارجون؟ فأفتى ابن عتاب وحكى فتوى شيوخه بإخلائها لذلك إِلا أن يوجد من يكتريها من غير الشركاء بشرط التسويق، وشرط أمن ميله لبعض الشركاء وليس من ناحية بعضهم.
وقَالَ أبو عمر بن القطان: بقاء الدور دون كراء ضرر فِي التي يكرى مثلها، والصواب إِن ثبت أن تسويقها للبيع خالية أفضل منه مسكونة وأوفر لثمنها أخليت، وإِلا قيل لهم: تقاووها ليسكنها بعضكم، فإن أبيتم أخليت وأشهرت للكراء بشرط التسويق، وإِذَا وقفت عَلَى ثمن فلمن أراد سكناها منهم أخذها بذلك إِلا أن يزيد عَلَيْهِ بعض من شركه. ابن عبد السلام: وأخبرني بعض قضاة بلدنا أنّه لا يحكم بالإخلاء فِي الحوانيت وشبهها، ويحكم بِهِ فِي الدور ونحوها.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٩٠٥ ]
ابن عَرَفَة: وحكاية بعضهم قصر الإخلاء عَلَى الدور هو [مفهوم] (١) كلام الأندلسيين.
الفرع الثاني: قَالَ ابن عبد السلام: المذهب فِي هذا أن المبيع إِذَا وقف عَلَى ثمن بعد أن سوِّق جميعه، فمن أراد من الشريكين أخذه بذلك الثمن أخذه بِهِ، سواءً كَانَ طالب البيع أو طالب التمسك. وقَالَ الداودي: وعَلَيْهِ حمل مسألة " المدونة " أنّه لا يكون أحقّ بالمبيع منهما إِلا طالب التمسك وحده، ونفى أن يكون أحد قَالَ غير هذا. انتهى. والذي فِي " المدونة ": وإِذَا دعي أحد الشريكين إِلَى قسمة ثوب بينهما لَمْ يقسم، وقيل لهما: تقاوياه فيما بينكما أو بيعاه، فإذا استقر عَلَى ثمن فلمن أبى البيع أخذه، وإِلا بيع (٢).
قال أبو الحسن الصغير: معنى تقاوياه: تزايدا فيه، يريد برضاهما ومعنى " بيعاه ": عرِّضاه للمساومة، وفيها أَيْضًا: وإِذَا دعي أحد الأشراك إِلَى قسم ما ينقسم من ربع أو حيوان أو عرض، وشركتهم بمورث أو غيره أجبر عَلَى القسم من أباه، فإن لَمْ ينقسم ذلك فمن دعا إِلَى البيع أجبر عَلَيْهِ من أباه. ثم للآبي أخذ الجميع بما يعطي فيه.
قَالَ ابن عَرَفَة: فأخذوا منها أن ليس لطالب البيع أخذه إِلا بزيادة عَلَى ما وقف عَلَيْهِ من الثمن ومثله قول الباجي: إِن أرادوا المقاواة جَازَ ولا يجبر عَلَيْهَا من أبى، ومن دعي إِلَى البيع أجبر عَلَيْهِ من أبى، وقيل له خذ حظه بما أعطى وإِلا بع معه، ويحتمل أن يكون الشركاء فِي الأخذ بما بلغه المبيع من الثمن سواءً؛ لأن قوله فِي " المدونة ": لمن أبى البيع الأخذ بذلك (٣)، أعم من كونه أباه أولًا أو أباه حين بلوغه الثمن المذكور، وهو ظاهر قول أبي عمر فِي " كافيه " ما نصّه:
وما كَانَ مثل الدابّة والعبد والسفينة وما لا يمكن قسمه بين الشركاء أجبروا عَلَى التقاوي أو البيع، وصاحبه أولى بِهِ بأقصى ما يبلغ فِي النداء إِن أراده (٤). وذكر عياض ما حاصله: من قصد بدعواه للبيع إخراج شريكه والانفراد بالمبيع عنه فليس له أخذه بما
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٠٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٤/ ٥٢٠.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٠٠.
(٤) انظر الكافي، لابن عبد البر، ص: ٤٤٩.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
وقف عَلَيْهِ من الثمن، وإِن لَمْ يقصد ذلك فله أخذه بذلك، قَالَ فِي أول كلامه: أنّه ظاهر مسائلهم. وفِي آخره قاله ابن القاسم، وبِهِ أفتى الشيوخ وعمل القضاة، وفِي لفظه إجمال حاصله عندي ما ذكرته، ففي كون الشريك أحقّ بما بلغ المشترك المبيع [١٠٩ / أ] مُطْلَقًا وإِن لَمْ يكن الطالب بيعه. ثالثها: إِن لَمْ يكن قصد إخراج شريكه لأخذ غير واحد منها (١) ولأبي عمر ونقل عياض. انتهى.
وكأنه عكس عزو الأولين، وما ذكره عن أبي عمر هو نصّه فِي باب جامع القسمة، وقَالَ قبله: وإِن أراد أحدهم البيع وأبى الآخر أجبر الذي أبى البيع عَلَى البيع وقيل له: إما بعت وإما أخذت أنصباء شركائك بما تبلغ من الثمن، فإن امتنع من هذا وذا أجبر عَلَى البيع حتى يحصل الثمن فيتقاسمانه، ولما ذكر المتيطي آخر القسمة نصّ " المدونة " المتقدم اختصره بلفظ: وإِن كَانَ مما لا ينقسم بيع عليهم إِلا أن يريد من كره البيع أن يأخذ ذلك بما يعطي فيه، فيكون ذلك له.
ثم قَالَ: قَالَ: الباجي فِي " وثائقه ": ويكون أحقّ بِهِ. قَالَ ابن عبدوس عن سحنون: فإن اختلفوا فِي أخذه بعد بلوغه فِي النداء ثمنًا ما فقال بعضهم: أنا آخذ وقال الآخر: أنا آخذ فإنهما يتزايدان. قَالَ غيره فِي " المجموعة " فإن قَالَ بعضهم: نتزايد عَلَيْهِ وقَالَ بعضهم: يقوِّمه بيننا أهل المعَرَفَة والعدل فمن كَانَ دعى إِلَى المزايدة فذلك له.
قال بعض الفقهاء: إِذَا طلب أحدهم (٢) المزايدة والآخر البيع نودي عَلَى السلعة، فإذا بلغت ثمنًا كَانَ لصاحب المزايدة أخذها بذلك، إِلا أن يزيد عَلَيْهِ الآخر فيتزايدوا فيها حتى يسلّمها أحدهم لصاحبه بالزيادة فتلزمه. انتهى. وما ذكره عن بعض الفقهاء نقله ابن يونس عن بعض شيوخه آخر باب قسمة الطريق، ولعلّك [لا] (٣) تجد هذه النقول مجموعة فِي غير هذا التعليق (٤). وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) في (ن ١)، الأصل: (منهما).
(٢) في (ن ٣): (بعضهم).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) قال الحطاب ﵀ في كلام المؤلف هنا: (وانظر: كَلَامَ ابْنِ غَازِي فَإِنَّهُ جَامِعٌ حَسَنٌ) انظر: مواهب الجليل: ٥/ ٣٤٧.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بِكَهَدْمٍ رَدَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهُ، ومَا رَدَّ بَيْنَهُمَا، ومَا بِيَدِهِ رَدَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ ومَا سَلِمَ بَيْنَهُمَا، وإِلا رَجَعَ بِنِصْفِ الْمَعِيبِ مِمَّا فِي يَدِهِ ثَمَنًا، والْمَعِيبُ بَيْنَهُمَا.
قوله: (فَإِنْ [فَاتَ] (١) مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بِكَهَدْمٍ رَدَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهُ، ومَا رَدَّ بَيْنَهُمَا) وفِي بعض النسخ: والمعيب بينهما، وكلاهما صحيح، وأما النسخ التي فيها: وما سلم بينهما كاللفظ الذي بعده فتصحّ باعتباره.
وإِنِ اسْتُحِقَّ نِصْفٌ أِوْ ثُلُثٌ خُيِّرَ لا رُبُعٌ، وفُسِخَتْ فِي الأَكْثَرِ.
قوله: (وإِنِ اسْتُحِقَّ نِصْفٌ أِوْ ثُلُثٌ خُيِّرَ لا رُبُعٌ، وفُسِخَتْ فِي الأَكْثَرِ) ابن يونس: بلغني عن بعض فقهائنا القرويين أنّه قَالَ: الذي يتحصّل عندي فِي وجود العيب أو الاستحقاق يطرأ بعد القسم أن ينظر، فإن كَانَ ذلك كالربع فأقل رجع بحصته ثمنا، وإِن كَانَ نحو النصف والثلث يكون بحصة ذلك شريكا فيما بيد صاحبه ولا ينتقض القسم، وإِن كَانَ فوق النصف انتقض القسم وابتدأه، واستحسن ابن يونس هذا التحصيل وقَالَ: ليس فِي الباب ما يخالفه إِلا مسألة واحدة ذكرها.
ولما ذكر عياض اختلاف أجوبة " المدونة " فِي هذه المسألة قَالَ: فبحسب ذلك اختلف فيها المتأولون وحار فيها المتأملون وكثر فيها كلام المدققين، وتعارضت فيها مذاهب المحققين، فذهب المشايخ القرويون إِلَى أن ذلك كلّه تفريق بين البيع والقسمة، فمذهبه المعلوم فِي البيع: أن الثلث فزائدًا كثير يرد منه، [وأن القسمة عَلَى ثلاث درجات تستوي فيها مَعَ البيع فِي اليسير الذي لا يردان منه] (٢)، وذلك الربع فما دونه، وفِي الجلّ الذي يردّ منه البيع ويفسخ القسم ويفترقان فِي النصف والثلث ونحوهما فلا يفسخ عندهم فِي استحقاق النصف أو الثلث، ويكون بذلك شريكًا فيما بيد صاحبه، ثم ذكر ما ينقضه، وهذا نحو نقل ابن يونس.
فإن قلت: لَو أن المصنف درج عَلَى هذا ما خصّه بالاستحقاق دون العيب، ولا ذكر
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
التخيير فِي النصف والثلث بل كَانَ يقطع بأنه يكون بحصة [ذلك شريكًا فيما بيد صاحبه] (١)؟
قلت: لعلّه لَمْ يرد خصوصية الاستحقاق دون العيب، وإنما أراد ضابط الأقلّ والأكثر والمتوسط فيهما معًا بالنسبة لهذا الباب، ولعلّه فهم أن قول مشايخ القرويين: إِن كَانَ نحو النصف والثلث يكون بحصة ذلك شريكًا. معناه إِن شاء، وفيه نظر. والله تعالى أعلم.
كَطُرُوِّ غَرِيمٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ بِعَدَدٍ عَلَى وَرَثَةٍ، أَوْ عَلَى وَارِثٍ، ومُوصًى [٦٦ / أ] لَهُ بِالثُّلُثِ، والْمَقْسُومُ كَدَارٍ، وإِنْ كَانَ عَيْنًا، أَوْ مِثْلِيًَّا، رَجَعَ عَلَى كُلٍّ، ومَنْ أَعْسَرَ فَعَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، وإِنْ دَفَعَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ مَضَتْ كَبَيْعِهِمْ بِلا غَبْنٍ، واسْتَوْفَى مِمَّا وَجَدَ ثُمَّ تَرَاجَعُوا، ومَنْ أَعْسَرَ فَعَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، وإِنْ طَرَأَ غَرِيمٌ، أَوْ وَارِثٌ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ مُوصًى لَهُ بِجُزْءٍ عَلَى وَارِثٍ اتَّبَعَ كُلًاّ بِحِصَّتِهِ.
قوله: ([كَطُرُوِّ غَرِيمٍ] (٢) إِلَى قوله: اتبع كلّ بحصته) اشتمل عَلَى ثمانية أنواع من الأحد عشر نوعًا التي فِي " المقدمات " (٣)، وكأنه أسقط الثلاثة لرجوعها للثمانية كما أشار إليه فِي " المقدمات " ورتبها عَلَى ترتيب ابن الحَاجِب لأصولها، وكلام ابن عبد السلام كافٍ فِي أصولها فراجعه.
وأُخِّرَتْ، لا دَيْنٌ لِحَمْلٍ، وفِي الْوَصِيَّةِ قَوْلانِ، وقَسَمَ عَلَى صَغِيرٍ أِبٌ، أَوْ وَصِيٌّ ومُلْتَقِطٌ كَقَاضٍ عَنْ غَائِبٍ، لا ذِي شُرْطَةٍ أَوْ كَنَفَ أَخًا، أَوْ أَبٍ عَنْ كَبِيرٍ، وإِنْ غَابَ، وفِيهَا قَسْمُ نَخْلَةٍ، وزَيْتُونَةٍ إِنِ اعْتَدَلَتَا، وهَلْ هِيَ قُرْعَةٌ و[جَازَتْ] (٤) لِلْقِلَّةِ، أَوْ مُرَاضَاةٌ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: [١٠٩ / ب] (وَأُخِّرَتْ، لا دَيْنٌ لِحَمْلٍ، وفِي الْوَصِيَّةِ قَوْلانِ) (لا دَيْنٌ) معطوف عَلَى الضمير فِي أخرت، وأشار بهذا الكلام لقول ابن رشد فِي المسألة الثالثة من سماع أشهب من كتاب القسمة، فقف علي هذه الثلاث مسائل، الدين يؤدى باتفاق ولا ينتظر وضع الحمل [والتركة لا يقسمها الورثة باتفاق حتى يوضع الحمل والوصايا يختلف: هل يعجل
_________________
(١) ما بين المعكوفتين مكرر في (ن ١).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) انظر هذه الأنواع في المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٥٤، وانظر: شرحها: ٢/ ٢٥٤ وما بعدها.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
انفاذها قبل وضع الحمل؟] (١) أو لا يعجل حتى يوضع الحمل بعد إِن قَالَ: لا أعرف فِي الدين خلافًا إِلا ما ذكر فيه عن بعض الشيوخ من الغلط الذي لا يعدّ من الخلاف.
قال: وقد قَالَ الباجي: شهدت ابن أيمن فِي حكم ميّت مات وترك امرأته حاملا أنّه لا يقسم ميراثه ولا يؤدى دينه حتى يوضع الحمل فأنكرت عَلَيْهِ فقال: هذا مذهبنا.
ولَمْ يأت ابن أيمن بحجّة، والصحيح: أن يؤدى دينه ولا ينتظر وضع الحمل، ولا يدخل فِي هذا اختلاف قول مالك فِي تنفيذ الوصية قبل وضع الحمل؛ لأن العلّة فِي تأخير تنفيذ الوصية إِلَى أن يوضع الحمل عَلَى قول من رأى ذلك: هي أن بقية التركة قد تتلف فِي حال التوقيف قبل وضع الحمل، فيجب للورثة الرجوع عَلَى الموصى لهم بثلثي ما قبضوا، ولعلّهم معدمون أو غير معينين فلا يجدون عَلَى من يرجعون.
وأما تأخير الدين حتى يوضع الحمل فلا علّة توجبه، بل يجب ترك التوقيف وتعجيل أداء الدين مخافة أن يهلك المال فيبطل حقّ صاحب الدين من غير وجه منفعة فِي ذلك للورثة، وإذا وجب أن يقضي دين الغائب مما يوجد له من المال مَعَ بقاء ذمته إِن تلف المال الموجود له كَانَ أحرى أن يؤدى الدين عن الميّت من تركته لوجهين:
أَحَدهمَا: أن الميّت قد انقضت ذمته.
والثاني: أنّ الحمل لا يجب له فِي التركة حقٌّ حتى يولد حيًا ويستهلّ صارخًا، ولَو مات قبل ذلك لَمْ يورث عنه نصيب، والغائب حقّه واجب فِي المال الموجود، ولَو مات ورثه عنه ورثته، فإذا لَمْ ينتظر الغائب مَعَ وجود المال الذي يؤدى منه الدين الآن له كَانَ أحرى أن لا ينتظر الحمل إذ لَمْ يجب له بعد فِي التركة حقّ. ومن قول ابن القاسم فِي " المدونة " وغيرها: أن من أثبت حقا عَلَى صغير قضي له [عَلَيْهِ، ولم يُجعل للصغير وكيل يخاصم عنه فِي ذلك، فإذا قضى عَلَى الصغير] (٢) بعد وضعه من غير أن يقام له وكيل فلا معنى لانتظار وضع الحمل بتأدية دين الميّت.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
[ ٢ / ٩١٠ ]
وهذا كلّه بيّن لا ارتياب فيه ولا إشكال، وقد نقله ابن عَرَفَة إِلَى قوله: من غير وجه منفعة فِي ذلك للورثة (١)، ثم تعقّبه فقال فِي تغليطه ابن أيمن: وقوله: لا حجة له نظر، بل هو الأَظْهَر، وبِهِ العمل عندنا، ودليله من وجهين:
الأول: أن الدين لا يجوز قضاؤه إِلا بحكم قاضٍ، وحكمه [متوقف عَلَى ثبوت موت المديان وعدد ورثته، ولا يتقرر عدد ورثته إِلا بوضع الحمل، فالحكم] (٢) متوقف عَلَيْهِ، وقضاء الدين متوقف عَلَى الحكم، والمتوقف عَلَى متوقف عَلَى أمر متوقف عَلَى ذلك الأمر.
الثاني: أن حكم الحاكم بالدين متوقف عَلَى الإعذار لكلّ الورثة، والحمل من جملتهم، ولا يتقرر الإعذار فِي حقّه إِلا بوصيٍ عَلَيْهِ أو مقدم، وكلاهما يستحيل قبل وضعه. فتأمله.
ومن تمام كلام ابن رشد: " فإذا توفي الرجل وله زوجة وجب أن لا يعجل قسم الميراث حتى تسأل المرأة هل بها حمل أم لا؟، فإن قالت: أنا حامل وقفت التركة حتى تضع أو يظهر أنها ليس بها حمل بانقضاء أمد عدة الوفاة وليس بها حمل ظاهر، وإِن قالت: لست بحاملٍ قبل قولها وقسمت التركة، وإِن قالت لا أدري أخر قسم التركة حتى يتبين أنها ليس بها [حمل] (٣)؛ بأن تحيض حيضة، أو يمضي أمد العدة وليس بها ريبة من حمل. قَالَ ابن عَرَفَة: ظاهره أنّه لا يشترط فِي عدة الوفاة فِي ذات الحيض حيضتها فِي العدة، وقد تقدم ما فيه من الخلاف.
وفِي بعض التعاليق: أن القاضي ابن زرب بعث إليه القاضي ابن السليم بعَصَبَةِ ميّت وزوجةٍ له، ادعت أنها حامل، وأكذبها العصبة. قَالَ ابن زرب: فقلت لها: اتقي الله، ولا تدّعي الحمل، وليس بك حمل، وربما كانت علة فِي الجوف تسميها الأطباء الرحا، تظن المرأة أنها حامل ولا حمل بها، فقالت: أنا حامل، وما أرسلنا إليك ابن السليم إِلا عَلَى أنّك فقيه لا عَلَى أنك طبيب، فتبسمت ضاحكًا، وعجبت من حدتها، وتمادت عَلَى ادعاء
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ١١٧، ١١٨.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، الأصل.
[ ٢ / ٩١١ ]
الحمل إِلَى أن توفي القاضي ابن السليم، ووليت القضاء بعده، وتحاكموا عندي، فأمرت أن ينظرها القوابل، فنظرنها فقلن: لا حمل، فقضيت بقسم الميراث. قيل له: أو يجوز أن يُنظر إِلَى حرّةٍ؟ قَالَ: نعم؛ إِذَا بان اللدد، [١١٠ / أ] وهذه آخر مسألة فِي ديوان ابن عَرَفَة.
واسم هذه العلة الرحا مشارك لاسم رحاء الطحن فِي اللفظ، كذا هو فِي " ذخيرة " ثابت ابن [قرة الحرَّاني] (١) وغيرها من تصانيف الطب. وقَالَ أبو الوليد طفيل ابن عاصم فِي رجزه:
يَعْرُضُ للنساء هذا الداء يدعى الرحا، وأصله الحساء
[من ورم صلب يرى فِي الرحم] (٢)
وبالله تعالَى التوفيق.
_________________
(١) في (ن ١): (قرت الجراني).، وفي (ن ٣): (حر هند الحواني).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٩١٢ ]
[باب القِرَاضِ]
الْقِرَاضُ تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ، فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ، مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ، إِنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا، ولَوْ مَغْشُوشًا، لا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، واسْتَمَرَّ، مَا لَمْ يُقْبَضْ، أَوْ يُحْضِرْهُ، ويُشْهِدْ، ولا بِرَهْنٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، وإِنْ بِيَدِهِ، ولا بِتِبْرٍ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهِ بِبَلَدِهِ كَفُلُوسٍ، وعَرْضٍ، إِنْ تَوَلَّى بَيْعَهُ كَأَنْ وكَّلَهُ عَلَى دَيْنٍ، أَوْ لِيَصْرِفَ، ثُمَّ يَعْمَلَ.
قوله: (ولا بِرَهْنٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، وإِنْ بِيَدِهِ) ظاهره انطباق الإغياء عَلَيْهِمَا معًا، وإنما صرّحوا بِهِ فِي الرهن فيما رأينا، ولَو سلم فإنما ينبغي أن يجعل غاية ما بيد غيره لا ما بيده فيهما معًا، وفِي بعض الحواشي: أن معناه: ولَو كَانَ قائمًا بيده لَمْ يفت وفيه بعد.
فَأَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ، ثُمَّ قِرَاضُ مِثْلِهِ فِي رِبْحِهِ كَلَكَ شِرْكٌ، ولا عَادَةَ، أَوْ مُبْهَمٍ، أَوْ أُجِّلَ، أَوْ ضُمِّنَ، أَوِ اشْتَرِ سِلْعَةَ فُلانٍ، ثُمَّ اتَّجِرْ فِي ثَمَنِهَا، أَوْ بِدَيْنٍ، أَوْ مَا يَقِلُّ، كَاخْتِلافِهِمَا فِي الرِّبْحِ، وادِّعَاءِ مَا لا يُشْبِهُ وفِيمَا فَسَدَ غَيْرُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الذِّمَّةِ كَاشْتِرَاطِ يَدِهِ أَوْ مُرَاجَعَتِهِ أَوْ أَمِينًا عَلَيْهِ، بِخِلافِ غُلامٍ غَيْرِ عَيْنٍ بِنَصِيبٍ لَهُ، وكَأَنْ يَخِيطَ، أَوْ يَخْرِزَ، أَوْ يُشَارِكَ، أَوْ يَخْلِطَ، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يَزْرَعَ، أَوْ لا يَشْتَرِي إِلَى بَلَدِ كَذَا أَوْ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ، إِنْ أَخْبَرَهُ فَقَرْضٌ.
قوله: (فَأَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ، ثُمَّ قِرَاضُ مِثْلِهِ إِلَى قوله: أو ما يقل) مشتمل عَلَى الصرف والنظائر التسع المنظومة فِي قول بعضهم:
لِكُلِّ قِرَاضٍ فَاسِدٍ جَعْلُ مِثْلِهِ سِوَى تِسْعَةٍ قَدْ فُصِّلَتْ بِبَيَانِ
قِرَاضٌ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَرْضٍ ومُبْهَمٍ وبِالشِّرْكِ والتَّأْجِيلِ أَوْ بِضَمَانِ
ولَا يَشْتَرِي إلَّا بِدَيْنٍ فَيَشْتَرِي بِنَقْدٍ وأَنْ يَبْتَاعَ عَبْدَ فُلَانِ
وتَتَّجِرْ فِي أَثْمَانِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ الصَّمَدْ إنْ عُدَّتْ تَمَامُ ثَمَانِ
ولَا تَشْرِ إلَّا مَا يَقِلُّ وُجُودُهُ فَيَشْرِي سِوَاهُ اسْمَعْ لِحُسْنِ بَيَانِ
كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَإِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَرْوِي فَصِيحُ لِسَانِ
وقد أنشدها فِي " التوضيح " (١)، ولما ذكر أبو الحسن الصغير اختصار أبي سعيد فِي
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٤٢٤، ٤٢٥.
[ ٢ / ٩١٣ ]
قوله: ومن أخذ قراضًا عَلَى أن يخرج بِهِ إِلَى بلد يشتري منه تجارة فلا خير فيه. قَالَ مالك: يعطيه المال ويقوده كما يقود البعير، وإنما [كره] (١) مالك من هذا أن يحجر عَلَيْهِ ألا يشتري إِلَى أن يبلغ ذلك الموضع (٢)، وقد تقدم ذكر من [أخذ قراضًا] (٣) على أن يبتاع عبد فلان قَالَ: فِي هذا دليل عَلَى الرجوع فِي الأولى لقراض المثل ". انتهى فلو شاء الناظم إلحاقها بها لقال:
وألحق بها ترك الشراء لبلدة لحجر بِهِ أضحى مقود جِرَّان (٤)
والجران زمام البعير. عَلَى أن المصنف ذكر هذه بعد. فيما يرجع فيه لأجرة المثل.
أَوْ عَيَّنَ شَخْصًا، أَوْ زَمَنًا، أَوْ مَحَلًاّ.
قوله: (أَوْ عَيَّنَ شَخْصًا، أَوْ زَمَنًا، أَوْ مَحَلًاّ) تحرير عجيب فِي أن تعيين الزمان من قبيل ما يترجّح فيه أجرة المثل، كما أن القراض إِلَى أجل من قبيل ما يترجح فيه قراض المثل، وتصور الفرق بينهما جلي.
كَأَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَخْرُجَ بِهِ لِبَلَدٍ فَيَشْتَرِي، وعَلَيْهِ كَالنَّشْرِ، والطَّيِّ الْخَفِيفَيْنِ، والأَجْرُ إِنِ اسْتَأْجَرَ، وجَازَ جُزْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، ورِضَاهُمَا بَعْدُ عَلَى ذَلِكَ، وزَكَاتُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وهُوَ لِلْمُشْتَرِطِ، وإِنْ لَمْ تَجِبْ والرِّبْحُ لأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا وضَمِنَهُ فِي الرِّبْحِ لَهُ، إِنْ لَمْ يَنْفِهِ، ولَمْ يُسَمِّ قِرَاضًا، وشَرْطُهُ عَمَلُ غُلامِ رَبِّهِ، أَوْ دَابَّتِهِ فِي الْكَثِيرِ، وخَلْطُهُ، وإِنْ بِمَالِهِ، وهُوَ الصَّوَابُ، إِنْ خَافَ بِتَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا رُخْصًا، وشَارَكَ، إِنْ زَادَ مُؤَجَّلًا بِقِيمَتِهِ، وسَفَرُهُ إِنْ لَمْ يَحْجُرْ قَبْلَ شَغْلِهِ، وادْفَعْ لِي، فَقَدْ وَجَدْتُ رَخِيصًا أَشْتَرِيهِ، وبَيْعُهُ بِعَرْضٍ، ورَدُّهُ بِعَيْبٍ، ولِلْمَالِكِ قَبُولُهُ، إِنْ كَانَ الْجَمِيعَ والثَّمَنُ عَيْنٌ، ومُقَارَضَةُ عَبْدِهِ وأَجِيرِهِ، ودَفْعُ مَالَيْنِ، أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ قَبْلَ شَغْلِ الأَوَّلِ، وإِنْ [٦٦ / ب] بِمُخْتَلِفَيْنِ إِنْ شَرَطَا خَلْطًا، أَوْ شَغَلَهُ، وإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَنُضُوضِ الأَوَّلِ، إِنْ سَاوَى، واتَّفَقَ جُزْؤُهُمَا، واشْتِرَاءُ رَبِّهِ مِنْهُ إِنْ صَحَّ، واشْتِرَاطِهِ أَنْ لا يَنْزِلَ وَادِيًا، أَوْ يَمْشِيَ بِلَيْلٍ، أَوْ بِبَحْرٍ، أَوْ يَبْتَاعَ سِلْعَةً، وضَمِنَ.
_________________
(١) في (ن ١): (ذكره).
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٢٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) جرّان جمع جرير، وهو حبل مفتول من أدم، يكون في أعناق الإبل، ويجمع أيضًا على أجِرّة بكسر الجيم وفتحها. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٤/ ١٢٧، بتصرف.
[ ٢ / ٩١٤ ]
قوله: (كَأَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَخْرُجَ بِهِ لِبَلَدٍ فَيَشْتَرِي) الظاهر أنّه تكرار مَعَ قوله: (أو لا يشتري إِلَى بلد) وقد وقع فِي بعض النسخ: أو لا يشتري إِلا ببلد. بأداة الاستثناء، وكأنه فرار من التكرار.
إِنْ خَالَفَ كَأَنْ زَرَعَ أَوْ سَاقَى بِمَوْضِعِ جَوْرٍ لَهُ، أَوْ حَرَّكَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَيْنًا، أَوْ شَارَكَ وإِنْ عَامِلًا أَوْ بَاعَ بِدَيْنٍ، أَوْ قَارَضَ بِلا إِذْنٍ وغَرِمَ لِلْعَامِلِ الثَّانِي، إِنْ دَخَلَ عَلَى أَكْثَرَ.
قوله: (كَأَنْ زَرَعَ أَوْ سَاقَى بِمَوْضِعِ جَوْرٍ لَهُ) كذا فِي كثير من النسخ بإثبات لفظة (له) أي: للزرع أو المساقاة خاصّة، كأنه احترز مما إِذَا كَانَ الجور عامًا فِي كلّ سبب ومتجر، هذا معنى ما فِي بعض الحواشي، ولم أر من قيّد الجور هنا بهذا القيد، ولعل لفظ (له) كَانَ فِي المبيضة ملحقا بعد قوله بعد هذا: (أو شارك وإِن عاملًا)، فوضعه الكاتب هنا.
كَخُسْرِهِ، وإِنْ قَبْلَ عَمَلِهِ والرِّبْحُ لَهُمَا كَكُلِّ آخِذِ مَالٍ لِلتَّنْمِيَةِ فَتَعَدَّى، لا إِنْ نَهَاهُ عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَهُ.
قوله: (كَخُسْرِهِ، وإِنْ قَبْلَ عَمَلِهِ) إطلاق الخسر عَلَى ما قبل عمله مجاز، وفِي بعض الحواشي أن الإغياء راجع لقوله: (إِن خالف) وفيه نظر.
ولَوْ (١) جَنَى كُلٌّ، أَوْ أَخَذَ شَيْئًا فَكَأَجْنَبِيٍّ، ولا يَجُوزُ اشْتِرَاؤُهُ مِنْ رَبِّهِ، أَوْ بِنَسِيئَةٍ، وإِنْ أَذِنَ، أَوْ بِأَكْثَرَ، ولا أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِهِ، إِنْ كَانَ الثَّانِي يَشْغَلُهُ عَنِ الأَوَّلِ، ولا بَيْعُ رَبِّهِ سِلْعَةً بِلا إِذْنٍ، وجبرَ خُسْرُهُ.
قوله: (وَلَوْ جَنَى كُلٌّ، أَوْ أَخَذَ شَيْئًا فَكَأَجْنَبِيٍّ) كذا فِي بعض النسخ، وهو مطابق للفظ ابن الحَاجِب (٢)، وفِي بعضها أو جنى بالعطف، والخطب سهل.
ومَا تَلِفَ وإِنْ قَبْلَ عَمَلِهِ، إِلا أَنْ يُقْبَضَ.
قوله: (وَمَا تَلِفَ وإِنْ قَبْلَ عَمَلِهِ) إطلاق التلف عَلَى ما قبل العمل لا مجاز فيه بِخِلاف الخسر.
_________________
(١) في الأصل والمطبوعة: (لو).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢٧، ونصه: (ولو جنى العامل أو رب المال على المال جناية أو أخد شيئا كان عليهما كأجنبي).
[ ٢ / ٩١٥ ]
وَلَهُ الْخَلَفُ.
قوله: (ولَهُ الْخَلَفُ) ضمير (له) عائد عَلَى ربّ المال لا عَلَى العامل، وأشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": وإِذَا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال خيّر ربه فِي دفع ثمنها عَلَى القراض (١)، وهو خلاف ما نقل اللخمي عن المغيرة: أنّ ربّ المال يلزمه خلفه.
وإِنْ تَلِفَ جَمِيعُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْخَلْفُ ولَزِمَتْهُ السِّلْعَةُ، وإِنْ تَعَدَّدَ فَالرِّبْحُ كَالْعَمَلِ، وأَنْفَقَ، إِنْ سَافَرَ ولَمْ يَبْنِ بِزَوْجَتِهِ، واحْتَمَلَ الْمَالُ لِغَيْرِ أَهْلٍ، وحَجٍّ، وغَزْوٍ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمَالِ، واسْتَخْدَمَ، إِنْ تَأَهَّلَ، لا دَوَاءٍ، واكْتَسَى، إِنْ بَعُدَ، ووُزِّعَ، إِنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، وإِنْ بَعْدَ أَنِ اكْتَرَى. أَوْ تَزَوَّدَ. وإِنِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَالِمًا عَتَقَ عَلَيْهِ، إِنْ أَيْسَرَ.
قوله: (وإِنْ تَلِفَ جَمِيعُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْخَلْفُ) كذا فِي النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا، ولعلّ صوابه لَمْ يلزمه الجبر، وضمير المفعول للعامل، فيكون مطابقًا لقول ابن الحَاجِب: أما لَو اشترى بجميعه فتلف قبل إقباضه فأخلفه لَمْ يجبر التالف (٢)، وقد قَالَ فِي " المدونة ": وإِن نقد [١١٠ / ب] فيها رب المال كَانَ ما نقدا؛ لأن رأس ماله دون الذاهب (٣).
ابن يونس: إنما قَالَ ذلك ولَمْ يضفه إِلَى رأس المال الأول؛ لأنه لما ضاع رأس المال الأول كله انقطعت المعاملة بينهما، فإن دفع إليه الآن ربّ المال شيئًا فهو كابتداء [قراض] (٤)، ولو أنّه إنما ضاع بعض المال فأتمّ له ربّ المال بقية ثمن السلعة فها هنا يكون رأس المال جميع ما دفعه إليه أولًا وآخرًا، ولا يسقط ما ذهب؛ لأن المعاملة بينهما بعد قائمة لَمْ يتفاضلا فيها، فهو بِخِلاف ذهاب المال. اللخمي: فإن ضاعت خمسون أي: ورأس المال مائة كَانَ صاحب المال [بالخيار] (٥) بين أن يخلفها ويكون رأس مال القراض مائة وخمسين أو لا يخلفها ويغرم ذلك العامل، ويكون شريكًا فيها بالنصف، وقف عَلَى تمام تفريعه فِي
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٢٢، وانظر: المدونة ١٢/ ١٠٢.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢٥.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٢٢، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٢ / / ١٠٢.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٩١٦ ]
" تبصرته "، وظاهر كلام المصنف عَلَى ما فِي النسخ: أنّه إِذَا تلف جميعه لَمْ يلزم العامل قبول الخلف؛ لأنه قراض مؤتنف وهو جار مَعَ قوله: (ولزمته) فتأمله مَعَ تعليل ابن يونس المتقدم.
وإِلا بِيعَ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ ورِبْحِهِ قَبْلَهُ، وعَتَقَ بَاقِيهِ، وغَيْرَ عَالِمٍ، فَعَلَى رَبِّهِ، ولِلْعَامِلِ رِبْحُهُ فِيهِ.
قوله: (وإِلا بِيعَ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ) عبارة غيره: بقدر رأس المال، وهو أبين.
ومَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وعَلِمَ عَتَقَ بِالأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ فَضْلٌ، وإِلا فَبِقِيمَتِهِ، إِنْ أَيْسَرَ فِيهِمَا، وإِلا بِيعَ بِمَا وَجَبَ، وإِنْ أَعْتَقَ مُشْتَرًى لِلْعِتْقِ غَرِمَ ثَمَنَهُ ورِبْحَهُ.
قوله: (ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ فَضْلٌ) هذا المشهور فِي الموسر كما نقل فِي " التوضيح " (١).
ولِلْقِرَاضِ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ، إِلا رِبْحَهُ، فَإِنْ أَعْسَرَ بِيعَ مِنْهُ بِمَا لِرَبِّهِ، وإِنْ وَطِئَ أَمَةً قَوَّمَ رَبُّهَا، أَوْ أَبْقَى، إِنْ لَمْ تَحْمِلْ، فَإِنْ أَعْسَرَ اتَّبَعَهُ بِهَا، وبِحِصَّةِ الْوَلَدِ، أَوْ بَاعَ لَهُ بِقَدْرِ مَالِهِ، وإِنْ أَحْبَلَ مُشْتَرَاةً لِلْوَطْءِ فَالثَّمَنُ، واتُّبِعَ بِهِ، إِنْ أَعْسَرَ، ولِكُلٍّ فَسْخُهُ قَبْلَ عَمَلِهِ.
قوله: (ولِلْقِرَاضِ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ، إِلا [رِبْحَهُ] (٢» هكذا فِي بعض النسخ: إِلا ربحه، بأداة الاستثناء لا بواو العطف، وهو الصواب، والضمير فِي ربحه للعامل، وأشار بِهِ لقول
_________________
(١) قال في التوضيح: في قول المصنف ابن الحاجب: (ولو اشترى من يعتق عليه وهو عالم، فقال ابن القاسم: إن كان في المال فضل وهو عالم موسر عتق عليه بالأكثر من قيمته أو ثمنه، فإن كان غير عالم فقيمته، وقال المغيرة بقيمته فيهما، وإن كان معسرًا بيع بما وجب له وعتق الباقي، وإن لم يكن في المال فضل لم يعتق شيء، وقيل: يعتق في الأيسار) قال: (إن كان موسرًا، فقال المغيرة: ما قدمه المصنف لا يعتق عليه منه شيء، وهو قياس قول غير ابن القاسم في الذي يشتري بمال القراض عبدًا فيعتقه ولا فضل في ثمنه لأنه لا يعتق، ولا فرق بين أن يشتري بمال القراض من يعتق عليه وهو عالم أو يشتري به عبدًا فيعتقه، والمشهور هو القول الثاني: أن يعتق عليه، وإن كان قد علم وهو مليء عتقوا عليه، زاد ابن يونس: كان فيه فضل أم لا، وكذلك ذكر في المقدمات: أن الحكم عتقه عليه في الإيسار، ويؤدي لرب المال الأكثر من قيمته يوم الحكم أو من الثمن الذي اشتراه به) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٤٣٧، وما بعدها، وانظر كلام صاحب المقدمات في: المقدمات الممهدات: ٢/ ١٩٧.
(٢) في الأصل، (ن ٤): (بربحه).
[ ٢ / ٩١٧ ]
صاحب " المقدمات ": وإِن كَانَ موسرًا فاشتراه للقراض ثم أعتقه عتق عَلَيْهِ وغرم لربّ المال قيمته يوم العتق إِلا قدر حظه منها إِن كَانَ فيه فضل (١).
كَلِرَبِّهِ (٢) إِنْ تَزَوَّدَ لِسَفَرٍ ولَمْ يَظْعَنْ، وإِلا فَلِنُضُوضِهِ، وإِنِ اسْتَنَضَّهُ فَالْحَاكِمُ، وإِنْ مَاتَ فَلِوَارِثِهِ الأَمِينِ أِنْ يُكَمِّلَهُ، وإِلا أَتَى بِأَمِينٍ كَالأَوَّلِ، وإِلا سَلَّمُوا هَدْرًا. وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِي تَلَفِهِ وخُسْرِهِ، ورَدِّهِ إِنْ قُبِضَ بِلا بَيِّنَةٍ، أَوْ قَالَ قِرَاضٌ، ورَبُّهُ بِضَاعَةٌ بِأَجْرٍ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبَ، أَوْ قَالَ أَنْفَقْتُ مِنْ غَيْرِهِ، وفِي جُزْءِ الرِّبْحِ إِنِ ادَّعَى مُشْبِهًا، والْمَالُ بِيَدِهِ ووَدِيعَةٌ، وإِنْ لِرَبِّهِ، ولِرَبِّهِ إِنِ ادَّعَى الشَّبَهَ فَقَطْ، أَوْ قَالَ قَرْضٌ فِي قِرَاضٍ، أَوْ وَدِيعَةٌ.
قوله: (كَلِرَبِّهِ إِنْ تَزَوَّدَ لِسَفَرٍ ولَمْ يَظْعَنْ) كذا كتبه بعضهم بإسقاط واو النكاية لئلا يكون فيه بعض التكرار مَعَ قوله: (ولكل فسخه قبل عمله)
أَوْ فِي جُزْءٍ قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا، وإِنْ قَالَ وَدِيعَةً ضَمِنَهُ الْعَامِلُ، إِنْ عَمِلَ، ولِمُدَّعِي الصِّحَّةِ ومَنْ هَلَكَ وقَبِلَهُ كَقِرَاضٍ أُخِذَ، وإِنْ لَمْ يُوجَدْ وحَاصَّ [٦٧ / أ] غُرَمَاءَهُ، وتَعَيَّنَ بِوَصِيَّةٍ، وقُدِّمَ فِي الصِّحَّةِ والْمَرَضِ، ولا يَنْبَغِي لِعَامِلٍ هِبَةٌ، أَوْ تَوْلِيَةٌ، ووَسَّعَ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ كَغَيْرِهِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّفَضُّلَ، وإِلا فَلْيَتَحَلَّلْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُكَافِئْهُ.
قوله: (أَوْ فِي جُزْءٍ قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا) أي: أشبه أم لا. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٢٠١.
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (كربه).
[ ٢ / ٩١٨ ]
[باب المساقاة]
إِنَّمَا تَصِحُّ مُسَاقَاةُ شَجَرٍ وإِنْ بَعْلًا ذِي ثَمَرٍ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ.
قوله: (ذِي ثَمَرٍ) أخرج بِهِ الشجر الذي لَمْ يبلغ حدّ الإطعام كالودي، فإن مساقاته غير جائزة حسبما صرّح بِهِ اللخمي، وسيقول فِي الممنوعات: أو شجر لَمْ تبلغ خمس سنين، وهي تبلغ أثناءها.
ولَمْ يُخْلِفْ.
قوله: (ولَمْ يُخْلِفْ) مضموم الأول مكسور الثالث؛ إذ هو رباعي. قَالَ الجوهري: وأخلف النبات أي: أخرج الخلفة.
إِلا تَبَعًا، بِجُزْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، شَاعَ وعُلِمَ بِسَاقَيْتُ.
قوله: (إِلا تَبَعًا) ينبغي أن يكون منطبقًا عَلَى قوله: (لَمْ يحل بيعه ولم يخلف)، أما الثاني فظاهر من لفظه؛ لاتصاله بِهِ، وهو منصوص فِي الموز فِي رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب: المساقاة ونصّه: " سئل مالك عن الرجل يساقي النخل، وفيها شيءٌ من الموز الثلث أو دون ذلك؟ فقال: إنّي أراه خفيفًا. " قَالَ سحنون: إِن كَانَ الموز مساقًا مَعَ النخل جَازَ، وإن اشترطه العامل لَمْ يحلّ.
قال ابن رشد: قول سحنون مفسرٌ لقول مالك (١). وأما الأول فهو الذي تعرّض له ابن الحَاجِب إذ قَالَ: ويغتفر طيب نوع يسير منه (٢). أي: إِذَا كَانَ فِي الحائط أنواع مختلفة حلّ بيع بعضها، فإن كَانَ الذي أزهى منه الأقل جازت المساقاة، وإِلا فلا تجوز فيه ولا فِي غيره، كذا حكى الباجي عن " الموازية "، وحكى عنها اللخمي المنع. قَالَ ابن عبد السلام: ولعلّ معناه أن يكون كلّ واحدٍ من النوعين ما طاب، وما لَمْ يطب كثيرًا وقبله فِي
" التوضيح " وزاد:
أما لَو كَانَ الحائط كلّه نوعًا واحدًا أو طاب بعضه فلا تجوز مساقاته؛ لأن بطيب
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٢/ ١٤٦.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢٩.
[ ٢ / ٩١٩ ]
البعض يجوز البيع. قاله ابن يونس وغيره، ومنه احترز ابن الحَاجِب بقوله: (نوع) (١) وجزم ابن عَرَفَة بأن نقل الباجي خلاف نقل اللخمي.
ولا نَقْصِ مَنْ فِي الْحَائِطِ ولا تَجْدِيدٍ، ولا زِيَادَةٍ لأَحَدِهِمَا، وعَمِلَ الْعَامِلُ جَمِيعَ مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ عُرْفًا كَإِبَّارٍ، وتَنْقِيَةٍ، ودَوَابَّ وأُجَرَاءَ، وأَنْفَقَ، وكَسَا، لا أُجْرَةُ مَنْ كَانَ فِيهِ، أَوْ خَلَفُ مَنْ مَاتَ، أَوْ مَرِضَ.
قوله: (ولا نَقْصِ مَنْ [فِي] (٢) الْحَائِطِ) كأنه وما عطف عَلَيْهِ من المنفيات جمل حالية، ويحتمل غير ذلك مما فيه قلق.
لا مَا (٣) رَثَّ عَلَى الأَصَحِّ كَزَرْعٍ، أَوْ قَصَبٍ، وبَصَلٍ، ومَقْثَأَةٍ، إِنْ عَجِزَ رَبُّهُ، وخِيفَ مَوْتُهُ، وبَرَزَ، ولَمْ يَبْدُ صَلاحُهُ، وهَلْ كَذَلِكَ الْوَرْدُ ونَحْوُهُ والْقُطْنُ؟ أَوْ كَالأَوَّلِ وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ. وأُقِّتَتْ بِالْجِذَاذِ، وحُمِلَتْ عَلَى الأَوَّلِ، إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ، وكَبَيَاضِ نَخْلٍ، أَوْ زَرْعٍ، إِنْ وَافَقَ الْجُزْءَ وبَذَرَهُ الْعَامِلُ، وكَانَ ثُلُثًا بِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الثَّمَرَةِ وإِلا فَسَدَ كَاشْتِرَاطِهِ رَبَّهُ، وأُلْغِيَ لِعَامِلٍ، إِنْ سَكَتَا عَنْهُ، أَوِ اشْتَرَطَهُ، ودَخَلَ شَجَرٌ تَبِعَ زَرْعًا، وجَازَ زَرْعٌ وشَجَرٌ وإِنْ غَيْرَ تَبَعٍ، وحَوَائِطَ، وإِنِ اخْتَلَفَتْ بِجُزْءٍ، إِلا فِي صَفَقَاتٍ وغَائِبٍ إِنْ وُصِفَ، ووَصَلَهُ قَبْلَ طِيبِهِ، واشْتِرَاطِ جُزْءِ الزَّكَاةِ [عَلَى أَحَدِهِمَا] (٤) وسِنِينَ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًَّا بِلا حَدٍّ، أَوْ عَامِلٍ دَابَّةً أَوْ غُلامًا فِي الْكَبِيرِ، وقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًَّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وإصْلاحِ جِدَارٍ، وكَنْسِ عَيْنٍ، وسَدِّ حَظِيرَةٍ، وإِصْلاحِ ضَفِيرَةٍ أَوْ مَا قَلَّ، وتَقَابُلُهُمَا هَدْرًا، ومُسَاقَاةُ الْعَامِلِ آخَرَ ولَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً، وحُمِلَ عَلَى ضِدِّهَا، وضَمِنَ. فَإِنْ عَجَزَ ولَمْ يَجِدْ: أَسْلَمَهُ هَدْرًا ولَمْ تَنْفَسِخْ بِفَلَسِ رَبِّهِ وبِيعَ: مُسَاقًى ومُسَاقَاةُ وَصِيٍّ ومَدِينٍ بِلا حَجْرٍ ودَفْعُهُ لِذِمِّيٍّ لَمْ يَعْصِرْ حِصَّتَهُ خَمْرًا لا مُشَارَكَةُ رَبِّهِ أَوْ إِعْطَاءُ أَرْضٍ لِتُغْرَسَ فَإِذَا بَلَغَتْ كَانَتْ مُسَاقَاةً أَوْ شَجَرٍ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَ سِنِينَ وهِيَ تَبْلُغُ أَثْنَاءَهَا وفُسِخَتْ فَاسِدَةً بِلا عَمَلٍ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مُنْ أِكْثِرِ: إِنْ وِجِبِتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قوله: (لا مَا رَثَّ عَلَى الأَصَحِّ) كذا فِي بعض النسخ بالنفي أي: لا خلف ما رثّ، وهو
_________________
(١) انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: ٩/ ٤٧٤، ٤٧٥.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في المطبوعة وأصل المختصر: (كما) وانظر: تعليق المؤلف على المسألة.
(٤) زيادة من المطبوعة.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
صحيح، وفِي بعضها (كما رثّ) بالتشبيه، وعَلَى هذا فمن حقه أن يذكره قبل قوله: (لا أجره). (١)
وبَعْدَهُ أُجْرَةُ مثله (٢) إِنْ خَرَجَا عَنْهَا، كَأَنِ ازْدَادَ عَيْنًا، أَوْ عَرْضًا، وإِلا فَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أَطْعَمَ، أَوْ مَعَ بَيْعٍ، أَوِ اشْتَرَطَ عَمَلَ رَبِّهِ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ غُلامٍ، وهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ حَمْلَهُ لِمَنْزِلِهِ، أَوْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةً آخْرَ، أَوِ اخْتَلَفَ الْجُزْءُ سِنِينَ وحَوَائِطَ كَاخْتِلافِهِمَا، ولَمْ يُشْبِهَا. وإِنْ سَاقَيْتَهُ أَوْ أَكْرَيْتَهُ (٣). فَأَلْفَيْتَهُ سَارِقًا [٦٧ / ب] لَمْ تَنْفَسِخْ، والتَّحَفُّظْ (٤) مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْهُ، ولَمْ يَعْلَمْ بِفَلَسِهِ، وسَاقِطُ النَّخْلِ كَلِيفٍ كَالثَّمَرَةِ، والْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ، وإِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شُرِطَ حُطَّ بِنِسْبَتِهِ.
قوله: (وَبَعْدَهُ أُجْرَةُ مِثْلِه) أي وبعد الشروع فِي العمل. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) قرر الحطاب هنا ما للمؤلف وساق كلامه، واعترض الخرشي على المؤلف بقوله: (واعْتِرَاضُ ابْنِ غَازِيٍّ. . . مَرْدُودٌ بِمَا يُعْلَمُ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ)، والذي في الشرح الكبير: (فالتشبيه راجع لما قبل النفي فكان عليه تقديمه عليه)، فليس بواضح في رد كلام المؤلف، وقد قال العدوي معقبًا على كلام الخرشي: (ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ ابْنَ غَازِيٍّ هُوَ الْمُعْتَرِضُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، والْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ غَازِيٍّ قَالَ: وفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا مَا رَثَّ، فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ (لَا) لَا يُعْطَفُ بِهَا بَعْدَ النَّفْيِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ الْعَطْفِ بِلَا بَعْدَ النَّفْيِ حَيْثُ كَانَ مَعْطُوفُهَا دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ النَّفْيِ وهَذَا بِخِلَافِهِ) فكلام المؤلف هنا وجهه واضح لا غبار عليه. انظر: مواهب الجليل: ٥/ ٣٧٧، والشرح الكبير: ٣/ ٥٤١، وحاشية العدوي على شرح الخرشي: ٧/ ١٩٩
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (المثل).
(٣) في أصل المختصر: (اكتريته).
(٤) في أصل المختصر: (والمتحفظ).
[ ٢ / ٩٢١ ]
[باب الإجارة]
صِحَّةُ الإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وعُجِّلَ إِنْ عُيِّنَ، أَوْ بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ، أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ إِلا كِرَاءُ حَجٍّ فَالْيَسِيرَ وإِلا فَمُيَاوَمَةً، وفَسَدَتْ إِنِ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ كَمَعَ جُعْلٍ لاَ بَيْعٍ.
قوله: (أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ) [١١١ / أ] أي فِي منافع مضمونة.
وَكَجِلْدٍ لِسَلاَّخٍ.
قوله: (وكَجِلْدٍ لِسَلاَّخٍ) كذا قَالَ ابن شاس (١)، فقال ابن عَرَفَة: الجلد جار عَلَى ما تقدّم فِي بيعه، وكذا فِي " التوضيح "، ودخل تحت الكاف اللحم (٢)، وقد صرّح فِي " المدونة ": أنّه لا تجوز الإجارة عَلَى سلخ شاةٍ بشيءٍ من لحمها (٣).
ونُخَالَةٍ لِطَحَّانٍ.
قوله: (ونُخَالَةٍ لِطَحَّانٍ) كذا قَالَ ابن شاس (٤)، فقال ابن عبد السلام: إنما امتنعت للجهل بقدرها؛ لأنه كالجزاف غير المرئي وبيعه كذلك لا يجوز، ولَو كَانَ كيلًا بأن يقول: اطحنه ولك صاع من نخالته، فيحتمل أن يتخرّج عَلَى القولين فِي الدقيق، ويحتمل الجواز عَلَى القولين؛ لأن صفة الدقيق قد تختلف ولا تختلف صفة النخالة غالبًا، والنفس أميل إِلَى المساواة بين الدقيق والنخالة؛ لأن من الطحن ما تخرج نخالته كثيرة الأجزاء، ومنه ما لا تخرج كذلك، وقبله فِي " التوضيح "، وزاد: وعَلَى هذا فلا يجوز ما يفعل عندنا بمصر فِي طحن العامّة؛ لأنهم يعطون الطحّان أجرة معلومة والنخالة وهي مجهولة.
وأما ابن عَرَفَة فلم يزد عَلَى أن قَالَ: النخالة تجري عَلَى الخلاف فِي الدقيق، وقَالَ البرزلي: ونظيره دخول المعصرة بالفيتور لا يجوز إِلا أن يكون قدرًا معلومًا.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٢٦.
(٢) في (ن ٣): (اللخمي).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٠٧.
(٤) قال ابن شاس: (ولو استأجر السلاخ بالجلد، والطحان بالنخالة، والنساج بجزء من الثواب، لم يجز) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٢٦.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
وجُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ.
قوله: (وجُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ) احترز بجزء الثوب من جزء الغزل، فإنه جائز، وبهذا فسّر فِي " توضيحه " كلام ابن الحَاجِب (١).
أَوْ رَضِيعٍ.
قوله: (أَوْ رَضِيعٍ) أشار بِهِ لقول ابن الحَاجِب: ولَو أرضعته بجزءٍ من الرضيع الرقيق بعد الفطام لَمْ يجز (٢). قَالَ ابن عَرَفَة: هذه مثل مسألة " المدونة " فِي تعليم العبد بنصفه (٣)، ولا أعرفها بشخصها فِي الرضاع لأهل المذهب، بل للغزالي فِي " الوجيز ". انتهى. وكأنه لَمْ يقف عَلَى قول ابن رشد فِي " مختصر المبسوطة ": سئل ابن كنانة عن الرجل يعطي فصيله لمن يغذيه بناقته، ويكون الفصيل بينهما؟ فقال: لا بأس بذلك إِذَا ابتذله ساعة يدفعه له. وقَالَ ابن القاسم: لا خير فيه.
وإِنْ مِنَ الآنَ.
قوله: (وإِنْ مِنَ الآنَ) خاص بمسألة الرضيع، وهو خلاف قول ابن الحَاجِب بعد الفطام (٤)؛ لكنه اعتمد عَلَى قول أبي محمد فِي مسألة " المدونة " المذكورة، ولَو كَانَ الشرط فيه أن يقبض المعلِّم نصفه الآن عَلَى أن يعلمه سنة لَمْ يجز. قَالَ ابن عبد السلام: ولعلّ سبب ذلك أن الصبي لما كَانَ مما يتعين ولَو تعذر تعليمه بموتٍ أو غير ذلك لَمْ يلزم ربه خلفه، صار نقد الأجرة فيه كالنقد فِي الأمور المحتملة بشرط، وعَلَى هذا التقدير فسواء كانت الأجرة جزءًا منه أو غير ذلك، ويشاركه فِي هذا مسألة الرضيع.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٤، ونصه: (ولو استأجر السلاخ بالجلد والنساج بجزء من الثوب والطحان بالنخالة لم يجز).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٤.
(٣) نص التهذيب: (ومن أجرته على تعليم عبدك القرآن والكتابة سنة وله نصفه، لم يجز؛ إذ لا يقدر على قبض ماله فيه قبل السنة، وقد يموت العبد فيها فيذهب عمله باطلًا) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣٣٥٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤١٩.
(٤) قال ابن الحاجب: (ولو أرضعته بجزء من الرضيع الرقيق بعد الفطام لم يجز). انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٤.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
وبِمَا سَقَطَ، أَوْ خَرَجَ فِي نَفْضِ زَيْتُونٍ، أَوْ عَصْرِهِ.
قوله: (وبِمَا سَقَطَ، أَوْ خَرَجَ فِي نَفْضِ زَيْتُونٍ، أَوْ عَصْرِهِ) هذا تلفيف، والمسألتان فِي " المدونة " (١)، قَالَ ابن يونس: ولَو قَالَ انفضه كله ولك نصفه جَازَ.
كَاحْصُدْ وادْرُسْ ولَكَ نِصْفُهُ وكِرَاءِ الأَرْضِ بِطَعَامٍ أَوْ بِمَا تُنْبِتُهُ إِلا كَخَشَبٍ وحَمْلِ طَعَامٍ لِبَلَدٍ بِنِصْفِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ يَقْبِضُهُ الآنَ وكَإِنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ بِكَذَا، وإِلا فَبِكَذَا.
قوله: (كَاحْصُدْ وادْرُسْ ولَكَ نِصْفُهُ) العطف بالواو تنبيه عَلَى أن المراد الجمع بين الأمرين.
واعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُهُ.
قوله: (واعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُهُ) أي فما حصل من ثمنٍ أو أجرة بدلالة قوله بعد: (وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا)
وهُوَ لِلْعَامِلِ، وعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا، عَكْسُ لِتُكْرِيهَا، وكَبَيْعِهِ نِصْفًا بِأَنْ يَبِيعَ نِصْفًا، إِلا بِالْبَلَدِ، إِنْ أَجَّلا ولَمْ يَكُنِ الثَّمَرُ مِثْلِيًَّا.
وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا وصَاعِ دَقِيقٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْتٍ لَمْ يَخْتَلِفْ، واسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْهُ وتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ أَخْذِهِ واحْصُدْ هَذَا ولَكَ نِصْفُهُ ومَا حَصَدْتَ فَلَكَ نِصْفُهُ وإِجَارَةُ دَابَّةٍ لِكَذَا عَلَى إِنِ اسْتَغْنَى فِيهَا حَاسَبَ.
قوله: (ومَا حَصَدْتَ فَلَكَ نِصْفُهُ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": وإِن قَالَ: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه جَازَ، وله الترك متى شاء؛ لأنه جُعْلٌ، وكذا أو جذذت (٢). زاده اللخمي بِخِلاف ما سقط من النفض وما خرج من العصر فإنه ممنوع كما قَالَ قبل هذا:
_________________
(١) قال في المدونة: (ومن قال لرجل: احصد زرعي هذا ولك نصفه، أو جذّ نخلي هذه ولك نصفها، جاز، وليس له تركه، لأنها إجارة. وكذلك لقط الزيتون، وهو كبيع نصفه، وإن قال: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه، جاز، وله الترك متى شاء، لأن هذا جعل وغيره لا يجيز هذا وإن قال له: انفض شجري، أو حركها فما نفضت أو سقط فلك نصفه، لم يجز، لأنه مجهول. وإن قال له: اعصر زيتوني، أو جلجلاني، فما عصرت فلك نصفه، لم يجز، إذ لا يدري كيف يخرج، وإذ لا يقدر على الترك إذا شرع، وليس هكذا الجعل) انظر: تهذيب المدونة، البراذعي: ٣/ ٣٩١، ٣٩٢.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣٣٩١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٥٩.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
(وبما سقط أو خرج فِي نفض زيتون أو عصره) أما خارج الزيت فلا إشكال فِي جهل صفته، وأما ساقط الزيتون فقال فِي كتاب الجعل والإجارة من الأمهات: قلت: أرأيت مالكا لِمَ كره أن يقول الرجل [للرجل] (١): انفض لي زيتوني هذا، فما نفضت منه من شيءٍ فلك نصفه، قَالَ: لأنه لَو قَالَ حرّك شجري هذا فما سقط من ثمره من شيءٍ فلك نصفه فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يدري أيسقط منها شيء إِذَا نفضها أم لا، وإنما النفض تحريك وهي إجارة فكأنه عمل بما لا يدري ما هو (٢).
ابن يونس: قَالَ ابن حبيب: حمل ابن القاسم النفض محمل التحريك، وليس كذلك. أبو الحسن الصغير: [فهي] (٣) طرفان وواسطة التحريك فِي طرفٍ لا يجوز واللقط فِي طرفٍ يجوز والنفض واسطة جعله ابن القاسم كالتحريك وابن حبيب كاللقط، وقَالَ أبو عبد الله ابن العطار: معنى النفض هنا باليد، وأما بالقضيب فجائز كالحصاد بالمنجل، واللقط وهذا بعيد؛ لأن النفض باليد غير معتاد. انتهى.
ومنه نقل فِي " التوضيح "، وقَالَ فِي " جامع الطرر ": وجهه إسماعيل القاضي بأن الشجر تختلف بالصلابة واللين، فقد يقلّ ما يسقط منها [١١١ / ب] وقد يكثر فهو غرر.
واسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ، أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهُ، والنَّقْدُ فِيهِ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا، وعَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ وكِرَاءُ أَرْضٍ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا مُدَّةً والنَّقْضُ لِرَبِّهِ إِنِ انْقَضَتْ وعَلَى طَرْحِ مَيْتَةٍ والْقِصَاصُ والأَدَبُ وعَبْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا ويَوْمٍ، وخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا وهَلْ تَفْسُدُ إِن جَمَعَهُمَا وتَسَاوَيَا، أَوْ مُطْلَقًا خِلاَفٌ وبَيْعُ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ، وأَرْضٍ لِعَشْرٍ.
قوله: (واسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ، أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهُ) ما ذكر الشارح فيه من الاحتمال فِي معناه ذكر مثله ابن عبد السلام فِي لفظ ابن الحَاجِب قَالَ: والأول أقرب إِلَى لفظه، وبِهِ قطع فِي " التوضيح ".
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٦٠.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ٢ / ٩٢٥ ]
واسْتِرْضَاعٌ.
قوله: (واسْتِرْضَاعٌ) أي: وجَازَ استرضاع وإِن كَانَ فيه استيفاء عين معيبة (١) لنصّ القرآن (٢)، وللضرورة، فهو مما يستثنى من قوله بعد: (بلا استيفاء عين قصدًا)؛ ولذا قَالَ ابن الحَاجِب: واستئجار المرضع وإِن كَانَ اللبن عينًا للضرورة (٣).
والْعُرْفُ فِي كَغَسْلِ خِرْقَةٍ ولِزَوْجِهَا فَسْخُهُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ كَأَهْلِ الطِّفْلِ إِذَا حَمَلَتْ ومَوْتِ إحْدَى الظِّئْرَيْنِ ومَوْتِ أَبِيهِ، ولَمْ تَقْبِضْ أُجْرَةً إِلا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ وكَظُهُورِ مُسْتَأْجَرٍ أُوجِرَ بِأَكْلِهِ أَكُولًا ومُنِعَ زَوْجٌ رَضِيَ مِنْ وَطْءٍ، ولَوْ لَمْ يَضُرَّ وسَفَرٍ كَأَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ ولا يَسْتَتْبِعُ حَضَانَةً كَعَكْسِهِ.
قوله: (وَالْعُرْفُ فِي كَغَسْلِ خِرْقَةٍ) أي وجَازَ اعتبار العرف، أو واعتبر العرف.
وبَيْعُهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً إِنْ شَرَطَ الْخُلْفَ كَغَنَمٍ عُيِّنَتْ (٤)، وإِلا فَلَهُ الْخُلْفُ عَلَى آجِرِهِ.
قوله: (وَبَيْعُهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً إِنْ شَرَطَ الْخُلْفَ كَغَنَمٍ عُيِّنَتْ) أول مسألة فِي كتاب الجعل والإجارة ونصّها: " ومن باع من رجلٍ سلعة بثمنٍ [على أن يتجر له بثمنها سنة كَانَ كمن آجره] (٥) عَلَى أن يتَّجِر له بهذه المائة الدينار سنة أو يرعى له غنمًا بعينها سنة، فإن شرط فِي العقد (٦) خلف ما هلك أو تلف منها جَازَ، وإِلا لَمْ يجز (٧).
كَرَاكِبٍ، وحَافَتَيْ نَهْرِكَ لِيَبْنِيَ بَيْتًا، وطَرِيقٍ فِي دَارٍ ومَسِيلِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ.
قوله: (كَرَاكِبٍ) أي كما يجب خلف الراكب إِذَا تعذر ركوبه ولا ينفسخ الكراء، وسيقول (وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ لا بِهِ).
_________________
(١) في (ن ٤): (مغيبة).
(٢) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٥.
(٤) في المطبوعة: (لَمْ تُعَيَّنْ).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) في ن ١: (فالعقد).
(٧) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٤١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٠٢، ٤٠٣.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
لا مِيزَابٍ، إِلا لِمنزلك (١) فِي أَرْضِهِ، وكِرَاءُ رَحَى مَاءٍ بِطَعَامٍ، وغَيْرِهِ.
قوله: (لا مِيزَابٍ، إِلا لِمنزلك فِي أَرْضِهِ) أي: إِلا أن يكون الميزاب لمنزلك يجري فِي أرضه، فاللام للاستحقاق كالجل للفرس، وفِي بعض النسخ: (إِلا لميزابك فِي أرضه). أي إِلا أن تستأجر لميزابك فِي أرضه، فاللام للتعليل.
وعَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهَرَةً، أَوْ عَلَى الْحِذَاقِ.
قوله: (وَعَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهَرَةً، أَوْ عَلَى الْحِذَاقِ) لفظ " المدونة ": أو عَلَى الحذاق (٢) للقرآن بكذا " (٣). عياض: يحذِّقَهم القرآن أي يحفظهم ويحسن تعليمه لهم.
أبو الحسن الصغير: والحذاق التي كانت عندهم إنما هي الختمة، وأما عندنا اليوم فهي عَلَى الأجزاء إِلا أنّه معروف. انتهى. وقَالَ القابسي فِي " أحكام المعلمين والمتعلمين ": الحذقة حفظًا: حفظ كلّ القرآن ونظر قراءته فِي المصحف، ومحمل الحذقة فِي السور ما تقررت بِهِ عرفًا مثل: " لم يكن ". و" عم " و" تبارك ". و" الفتح ". و" الصافات ".
قَالَ ابن عَرَفَة: لَمْ يذكر الفاتحة وهي حذقة فِي عرفنا. ثم قَالَ القابسي: وكذا عطية العيد تثبت بالعرف، وقول سحنون: لا تلزم الحذقة إِلا فِي ختم القرآن، وغيرها تفضّل. معناه: إِن لَمْ تكن عادة بغيرها. انتهى. وقد اختصر ابن عَرَفَة فِي ديوانه الضروري من كتاب القابسي هذا، وهو كثير الفوائد، فعليك بِهِ وبسماع أشهب (٤) ونوازل سحنون (٥).
_________________
(١) في (ن ٢)، (ن ٣)، و(ن ٤)، وأصل المختصر لدينا: (لميزابك).
(٢) الحِذْقُ والحَذاقةُ: المَهارة في كل عمل. حذَقَ الغلامُ القرآن مهرَ فيه. ويقال لليوم الذي يَختم فيه الصبيُّ القرآن: هذا يوم حِذاقِه. انظر: لسان العرب، لابن منظور،: ١٠/ ٤٠، باختصار.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٥٥، ولفظ المدونة، لابن القاسم: (قلت: أرأيت إن استأجرت رجلًا يعلم لي ولدي القرآن بحذقهم القرآن بكذا وكذا درهمًا؟ قال: لا بأس بذلك) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤١٨.
(٤) قال في سماع أشهب: (سُئل مالك على إجارة المعلمين، فقال: لا بأس بذلك يعلّم الخير. قيل: إنَّه يعلّم مشاهرة ويطلب ذلك، فقال: لا بأس به ما زال المعلّمون عندنا بالمدينة) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٤٥٢.
(٥) قال في نوازل سحنون: (سُئل سحنون عن الرجل يعلم الصبيان الكتاب ولا يشارط على شيء من تعليمه فيجري له في الشهر الدرهم والدرهمين، ثم يحذقه المعلم فيطلب منه الحذقة، ويأبى الأب أن يغرم، ويقول: إنَّ حقَّك فيما قبضت. قال سحنون: إنما ينظر في هذا إلى حال البلد وسنَّتهم في ذلك فيحملون على ذلك، إلاَّ أن يكون رجلًا اشترط شيئًا فله شرطه. وأما الحذقة فليس فيها شيء معروف إلاَّ على قدر الرجل وحاله). انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٤٩٦، ٤٩٧.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
وأَخَذَهَا، وإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ. [٦٨ / أ].
قوله: (وأَخَذَهَا، وإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ) الضمير للأجرة أي: وجَازَ أخذ أجرة التعليم وإِن لَمْ تشترط [فهو كقول ابن الحَاجِب: ولا بأس بما يأخذه المعلم عَلَى تعليم القرآن وإِن لَمْ يشترط] (١)، ويحتمل أن يعود الضمير عَلَى الحذقة العرفية لدلالة الحذاق بمعنى الختام عَلَيْهَا، فيكون من النوع المسمى فِي علم البديع بالاستخدام، كقول ابن الحَاجِب: وفِي لبن الجلالة وبيضها ومن شواهده:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وإِنْ كَانُوا غِضَابَا (٢)
وكأنه عَلَى هذا يشير لنحو ما قدمنا فوقه عن القابسي، ويحتمل أن يكون أشار للقول الثاني من كلام المتيطي إذ قَالَ: واختلف فِي الحذقة، فذهب بعض أهل العلم أنّه لا حذقة عَلَيْهِ للمؤدب بحكم أن لا تكون بشرط ويكون معلومًا، وقاله أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم، وذهب غيره إِلَى أن يحمل ذلك عَلَى سُنة البلد، فإن جرت عادتهم بذلك حكم بها، ويقضى له بها عند ابن حبيب بقدر ما يرى عَلَى حفظ القرآن ظاهرًا أو نظرًا، وإِن كَانَ يخطيء فِي الحرف والحرفين، وإِذَا حسن خطّه وهجاؤه، وكتب كل ما يملى عَلَيْهِ وقرأ جلّ ما رآه (٣) وجب عَلَيْهِ حذقته نظرًا. انتهى. ومراده بالحذقة الختمة.
وإِجَارَةُ مَاعُونٍ كَقَصْعَةٍ، وقِدْرٍ، وعَلَى حَفْرِ بِئْرٍ إِجَارَةً، وجَعَالَةً، وكُرِهَ حَلْيٌ.
قوله: (وَإِجَارَةُ مَاعُونٍ كَقَصْعَةٍ، وقِدْرٍ) كذا فِي " المدونة " (٤)، وفِي نقل المصنف له بمثاليه تنكيت عَلَى ابن العطار الذي منع إجارة القصعة والقدر، شهادة منه بأنهما لا يعرفان بعد الغيبة عَلَيْهِمَا.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٦.
(٢) البيت من بحر الوافر، وهو لمعاوية بن مالك، انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٤/ ٣٩٩.
(٣) في (ن ٤): (وراءه).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٥٢، ونصّها: (وتجوز إجارة متاع البيت مثل الآنية والقدور والصحاف ومتاع الجسد).
[ ٢ / ٩٢٨ ]
وكُرِهَ حَلْيٌ كَإِجَارِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ، [أَوْ ثَوْبٍ] (١) لِمِثْلِهِ أَوْ لَفْظٍ، وتَعْلِيمِ فِقْهٍ، وفَرَائِضَ كَبَيْعِ كُتُبِهِ، وقِرَاءَةٌ بِلَحْنٍ، وكِرَاءُ دُفٍّ، ومِعْزَفٍ لِعُرْسٍ.
قوله: (كَإِجَارِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ، أَوْ ثَوْبٍ لِمِثْلِهِ) كذا فِي بعض النسخ بزيادة الثوب كما فِي " المدونة " (٢). فهو صواب.
وكِرَاءُ لِعِيدِ كَافِرٍ، وبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ، وسُكْنَى فَوْقَهُ.
قوله: (وكِرَاءُ لِعِيدِ كَافِرٍ) كذا فِي بعض النسخ بإدخال لام الجرّ عَلَى العيد، واحد الأعياد مضافًا لكافر، وفِي بعضها: (وكراء عبد لكافر) بإضافة كراء للعبد واحد العبيد، وإدخال لام الجرّ عَلَى الكافر، وكلاهما صحيح، وقد [١١٢ / أ] قَالَ فِي باب الذكاة (٣): (وَإِلاَّ كُرِهَ كَجِزَارَتِهِ، وبَيْعٍ، أو إِجَارَةٍ لِعَبْدِهِ).
بِمَنْفَعَةٍ.
قوله: (بِمَنْفَعَةٍ) يدلّ أنّ ما تجرّد عن المنفعة غير جائز كما قَالَ ابن يونس فيمن قَالَ: اطلع هذا الجبل ولك كذا، ولكن هذا من باب: الجعل، وقد قَالَ بعد هذا: (وفِي شرط منفعة الجاعل قَوْلانِ).
تَتَقَوَّمُ، قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا بِلا اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ قَصْدًا، ولا حَظْرٍ، وتَعَيُّنٍ، ولَوْ مُصْحَفًا.
قوله: (تَتَقَوَّمُ، قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا بِلا اسْتِيفَاءُ (٤) عَيْنٍ قَصْدًا، ولا حَظْرٍ، وتَعَيُّنٍ) أصله للغزالي. قَالَ ابن عَرَفَة: تبع ابن شاس وابن الحَاجِب (٥) الغزالي، فشرطا أن تكون
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر لدينا.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٥٣، ونصها: (وإن استأجرت ثوبًا تلبسه يومًا إلى الليل فلا تعطه غيرك ليلبسه؛ لاختلاف اللبس والأمانة).
(٣) في الأصل، و(ن ١): (الزكاة).
(٤) في (ن ١)، الأصل: (بالاستيفاء).
(٥) قال ابن الحاجب: (المنفعة: وهي متقومة غير متضمنة استيفاء عين قصدًا مقدور على تسليمها غير حرام ولا واجبة معلومة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٥.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
متقومة غير متضمنة استيفاء عين قصدًا مقدورًا عَلَى تسليمها (١) غير حرام ولا واجبة معلومة (٢)، ففسروا متقومة بما لها قيمة، وهو قول الغزالي: عنينا بالمتقوم أن استئجار تفاحةً للشمّ والطعام لتزيين الحوانيت لا يصحّ، فإنه لا قيمة له، وعبّر ابن عَرَفَة بأن شرطها إمكان استيفائها دون إذهاب عين، وأن يقدر عَلَى تسليمها معلومة غير واجب تركها ولا فعلها، ولفظ تعين فِي كلام المصنف مصدر المطاوع مجرور عطفًا عَلَى المنفي أي: بلا استيفاء عين ولا حظر ولا تعين.
وهو تحرير لقولهم: ولا واجبة، إذ مقتضاه أن المنع (٣) معلق عَلَى تعين العبادة لا عَلَى وجوبها، ولا يلزم من تعيّن العبادة وجوبها؛ لأن أكثر مندوبات الصلاة متعينة كصلاة الفجر والوتر، وكذا صيام يوم عاشوراء ويوم عَرَفَة، فهذه يمنع الاستئجار عَلَيْهَا وإِن لَمْ تكن واجبة لتعينها عَلَى المكلف، ومعنى تعينها: أنها لا يصحّ وقوعها من غير من خوطب بها، فلو أجيز الاستئجار عَلَيْهَا لأدى إِلَى أكل المال بالباطل. قاله ابن عبد السلام.
وأَرْضًَا غَمَرَ مَاؤُهَا، ونَدَرَ انْكِشَافُهُ.
قوله: (وأَرْضًَا غَمَرَ مَاؤُهَا، ونَدَرَ انْكِشَافُهُ) هذا قول ابن القاسم فِي " المدونة "، وفِي سياقه فِي حيّز الإغياء تعريض بابن [الحَاجِب] (٤) المقتصر فيه عَلَى قول غير ابن القاسم (٥).
_________________
(١) في (ن ١): (تحميلها).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٢٨، وما بعدها.
(٣) في (ن ٣): (المعين).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) قال في تهذيب المدونة، ونصّها: (ومن اكتريت منه أرضه الغرقة بكذا إن انكشف عنها الماء، وإلا فلا كراء بينكما، جاز إن لم تنقد، ولا يجوز النقد إلا أن يوقن بانكشافه. قال غيره: إن خيف أن لا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد): ٣/ ٤٩٨، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٤٢، وعبارة ابن الحاجب: (ولا يجوز استئجار أرض للزراعة وماؤها غامر وانكشافه نادر) فاقتصر ابن الحاجب على ما ورد في المدونة، من قول ابن القاسم: (قال غيره) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٥، ولم يعين الشراح هذا الغير، قال محقق تهذيب المدونة، للبراذعي: (لم أقف على تعين الغير هنا في كتب المذهب، والمشهور قول ابن القاسم: بجواز الكراء. . . أهـ) فكلام المصنف هنا وكلام المؤلف تبعًا له هو الجاري على المشهور، قلت: والعجب من المؤلف إهماله تعيين الغير على غير معهوده في بحث نظائر المسألة وتتبع أقول العلماء فيها.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
وشَجَرًا لِتَجْفِيفٍ عَلَيْهَا عَلَى الأَحْسَنِ.
قوله: (وَشَجَرًا لِتَجْفِيفٍ (١) عَلَيْهَا عَلَى الأَحْسَنِ) تسليم لوجود الخلاف، وقد قَالَ ابن عَرَفَة تبع ابن الحَاجِب (٢) ابن شاس فِي قوله: فِي إجارة الأشجار لتجفيف الثياب قَوْلانِ (٣)، وقبله شارحاه، ولا أعرف القول بالمنع، ومقتضى المذهب الجواز كإجارة مصبّ مرحاض وحائط لحمل خشب.
لا لأَخْذِ ثَمَرَتِهِ، أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا، واغْتُفِرَ مَا فِي الأَرْضِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ بِالتَّقْوِيمِ، ولا تَعْلِيمِ غِنَاءٍ، أَوْ دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ، أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً كَبَيْعِهَا لِذَلِكَ، وتُصُدِّقَ بِالْكِرَاءِ، وبِفَضْلَةِ الثَّمَنِ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (لا لأَخْذِ ثَمَرَتِهِ، أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا) (لأخذ) معطوف عَلَى تجفيف، وَ(شاة) بالنصب معطوف عَلَى شجرًا، وأشار بهذا لقول ابن شاس، فلا يصحّ استئجار الأشجار لثمرها والشاة لنتاجها ولبنها وصوفها؛ لأنه بيع عين قبل الوجود (٤). قَالَ ابن عَرَفَة وتبعه ابن الحَاجِب (٥)، ولا أذكر هذا الفرع لأهل المذهب فِي الإجارات لوضوح حكمه من البياعات، وإنما ذكره الغزالي وتبعاه. انتهى.
وأما ابن عبد السلام (٦) فسلّم الثمرة والنِّتَاج والصوف، وبحث فِي اللبن فقال: أما استئجارها للبن فالمذهب أنّه لا يمتنع مُطْلَقًا، وإنما ينظر فيه فإن بيع اللبن جزافًا جَازَ بشرط تعدد الشياة وكثرتها، وإِن كَانَ عَلَى الكيل لَمْ يحتج إِلَى هذا الشرط، وإجارة الشاة لأجل لبنها قصاراه أن يؤدي إِلَى بيع لبنها، فلا ينبغي أن يطلق المنع منه. فتأمله. انتهى.
_________________
(١) في (ن ١): (الثياب).
(٢) قال ابن الحاجب: (وفي إجارة الأشجار لتجفيف الثياب قولان) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٥.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٢٨.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٢٨.
(٥) قال ابن الحاجب: (ولا يصح في الأشجار لثمارها والشاة لنتاجها ولبنها وصوفها) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٥.
(٦) في (ن ٣): (عرفة).
[ ٢ / ٩٣١ ]
واستوفي فِي " التوضيح " شروط الجواز المعروفة، ومن جملتها أن يكون فِي الأبان، ثم حمل كلام ابن الحَاجِب عَلَى ما إِذَا لَمْ يكن فِي الأبان كما فِي الثمرة والصوف. انتهى.
وهو بيّن من تعليل ابن شاس بأنه بيع عينٍ قبل الوجود.
وَلا مُتَعَيِّنٍ كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، بِخِلافِ الْكِفَايَةِ.
قوله: (ولا مُتَعَيِّنٍ كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) كرر شرط التعيين تأكيدًا للتحرير المذكور، ونبّه بركعتي الفجر عَلَى ما هو أحرى منها.
وعُيِّنَ مُتَعَلِّمٌ، ورَضِيعٌ، ودَارٌ، وحَانُوتٌ وبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ، ومَحْمِلٌ، إِنْ لَمْ تُوصَفْ، ودَابَّةٌ لِرُكُوبٍ وإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ، ونَوْعٌ وذُكُورَةٌ، ولَيْسَ لِرَاعٍ رَعْيُ أُخْرَى، إِنْ لَمْ يَقْوَ، إِلا بِمُشَارِكٍ، أَوْ تَقِلَّ، ولَمْ يَشْتَرِطْ خِلافُهُ، وإِلا فَأَجْرُهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ آجَرَ نَفْسَهُ، ولَمْ يَلْزَمْهُ رَعْيُ الْوَلَدِ، إِلا لِعُرْفٍ.
قوله: (وعُيِّنَ مُتَعَلِّمٌ، ورَضِيعٌ، ودَارٌ، وحَانُوتٌ وبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ، ومَحْمِلٌ، إِنْ لَمْ يُوصَفْ) كذا فِي بعض النسخ، وفِي بعضها: وإِن يوصف، فيمكن رجوعه لجميعها، عَلَى أن البناء عَلَى جدار لا يكون إِلا بوصف. قَالَ فِي " التوضيح ": (المَحْمِلٌ) بفتح الميم الأولى وكسر الأخيرة - وعلاقة السيف بالعكس (١).
وعُمِلَ بِهِ فِي الْخَيْطِ ونَقْشِ الرَّحَا، وآلَةِ بِنَاءٍ.
قوله: (وعُمِلَ بِهِ فِي الْخَيْطِ ونَقْشِ الرَّحَا، وآلَةِ بِنَاءٍ) أما الأخيران فصرّح بهما فِي " المدونة " (٢)، وأما الأول فقاله ابن شاس (٣) فقال ابن عَرَفَة: هو كقول " المدونة " فِي آلة البناء قَالَ: وعرفنا فِي الأجير ألاّ خيط عَلَيْهِ، وفِي الصانع الخيط عَلَيْهِ، وأما ابن عبد السلام فقال: لا يختلف فِي اعتبار العوائد والعادة عندنا بتونس أن الخيط عَلَى الخياط، إِلا أن يخاط الثوب بالحرير فيكون عَلَى مالك الثوب، وقريب منه فِي " التوضيح " فِي عرفهم بمصر.
_________________
(١) المحملُ بوزن المرجل: علاقة السيف، وهو السير الذي تقلده المتقلد. العِلاقةُ، بالكسر: عِلاقةُ السيفِ والسوط، وعِلاقةُ السوط ما في مَقْبِضه من السير. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٠/ ٢٦٥.
(٢) قال في تهذيب المدونة: (ولو آجرته على بناء دار فالأداة والماء والفؤوس والقفاف والدلاء على من تعارف الناس أنها عليه. وكذلك حيثان التراب في حفر القبر، ونقش الرحا وشبهه، فإن لم تكن لهم سنة فآلة البناء على رب الدار ونقش الرحا على ربها) انظر: تهذيب المدونة، ٣/ ٣٨٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٤٨، ٤٤٩.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٣٣.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
وإِلا فَعَلَى رَبِّهِ.
قوله: (وإِلا فَعَلَى رَبِّهِ) أي وإِن لَمْ يكن عرف فعلى أرباب الشيء المصنوع [١١٢ / ب] من ثوبٍ ودقيق وجدار، هذا مقتضى كلامه، فالأول قاله ابن شاس وتبعه ابن الحَاجِب قائلًا عَلَى ما فِي النسخة الصحيحة: والخيط عَلَى الآجر ما لَمْ يكن عرف (١)، بمدّ الهمزة من غير ياء بعد الجيم. والثالث صرّح بِهِ فِي " المدونة " قائلا: فإن لَمْ تكن لهم سنة فآلة البناء عَلَى ربّ الدار (٢).
وأما الأوسط فقال فيه متصلًا بهذا: ونقش الرحا عَلَى ربها، فلعلّ عرفهم أن ربّ الرحا هو ربّ الدقيق كالدقاقين بفاس الذين يستأجرون الطحانين. وككثير من سكان القصر الكبير ممن تكون له رحا اليد ويستأجر من يطحن له بها، وإلا فما هنا مخالف " للمدونة ". والله تعالى أعلم.
عَكْسُ إِكَافٍ، وشِبْهِهِ وفِي السَّيْرِ والْمَنَازِلِ، والْمَعَالِيقِ، والزَّامِلَةِ، ووِطَائِهِ بِمَحْمِلٍ، وبَدَلِ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ، وتَوْفِيرِهِ.
قوله: (عَكْسُ إِكَافٍ، وشِبْهِهِ) أي: فإن كَانَ فيه عرف عمل بِهِ، وإِلا فهو عَلَى ربّ الدابّة، فالعكس حيث لا عرف ولَو كَانَ حيث [لا] (٣) عرف عَلَى المكتري كما فهم الشارح لكان مساويًا لما قبله لا عكسًا (٤) له، فإذا تقرر هذا ظهر منه أن المصنف عدل عن طريقة ابن شاس (٥) وابن الحَاجِب، وعوّل عَلَى ما أقيم من قوله فِي كتاب: الرواحل والدوابّ من " المدونة ": ولا بأس أن تكتري من رجلٍ إبلا عَلَى أن عليك رحلتها (٦)، فإن ظاهره لولا الشرط لكان ذلك عَلَى ربّ الإبل، حكاه ابن عبد السلام، وإِن كَانَ قد بحث فيه.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، ص: ٤٣٧، وعبارة ابن شاس: (واستئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط، بل هو على المالك إلا أن تكون العادة خلافه) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٣٣.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٤٩، وما بعدها.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٤) في (ن ١): (عرفًا).
(٥) قال ابن شاس: أنه يجب على مكري الدابة تسليم ما جرت العادة بتسليمه معها من أكاف وبرذعة وحزام وسراج وسرج في الفرس، وشبه ذلك، مما هو المعتاد، إذ ما يقتضيه العرف فهو كالمشترط): ٣/ ٩٣٥.
(٦) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٤٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٧٠، والمقصود بالرحلة هنا الحل والربط والقيام بها، كما جاء في هامش التهذيب.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
وأما المصنف فارتضاه وجعله خلاف قول ابن الحَاجِب: وعَلَى مكري الدابّة [البرذعة] (١) وشبهها، والإعانة فِي الركوب والنزول ورفع الأحمال وحطها بالعرف (٢). إذ مفهوم قوله: [بالعرف] (٣) أنّه لَو لَمْ يكن عرف لكان ذلك عَلَى المكتري، وانظر هل تناول اسم الرحلة لرفع الأحمال وحطّها أبين من تناوله للآكاف وشبهه أم هما سواء.
وقد فسّر أبو الحسن الصغير الرحلة بحلّ الإبل وربطها والقيام بها، وزاد هو وابن عَرَفَة إقامة أخرى من قوله فِي رواحل " المدونة " أَيْضًا: وإِذَا اكتريت من رجلٍ إبله ثم هرب الجمّال وتركها فِي يدك فأنفقت عَلَيْهَا فلك الرجوع بذلك، وكذلك إِن اكتريت من يرحلها رجعت بكرائه (٤). عَلَى أن أبا إسحاق التونسي النظار تأولها بما إِذَا كانت العادة أن ربّ الإبل هو الذي يرحلها قَالَ ابن عَرَفَة: والأَظْهَر بمقتضى القواعد أن يلزم المكري البرذعة والسرج ونحوهما لا مؤنة الحطّ والحمل؛ لما فِي سماع عيسى من ابن القاسم فيمن اكترى منزلًا فيه علو ولا سلم له، فقال لربه: اجعل لي سلمًا له، فتوانى ولم ينتفع بِهِ المكتري حتى مضت السنة، أنّه يطرح عنه مناب العلو من الكراء. قَالَ ابن رشد: لأنه باع [منه] (٥) منافع الدار فوجب أن يسلّمها له وإسلامه العلو هو بجعل السلم له والكراء فِي هذا بِخِلاف الشراء (٦). ابن عَرَفَة: فالسلم للعلو كالبرذعة والسرج ونحوهما.
_________________
(١) البَرْدَعةُ: الحِلْس الذي يُلقى تحت الرَّحْل؛ قال شمر: هي بالذال والدال. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٨/ ٨، ٩، وهي في (ن ١)، و(ن ٣) بالدال المهملة.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٣٧.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٦٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٠.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، (ن ٣).
(٦) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ٢٩.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
كَنَزْعِ الطَّيْلَسَانِ قَائِلَةً، وهُوَ أَمِينٌ، فَلا ضَمَانَ ولَوْ شُرِطَ إِثْبَاتُهُ، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ، أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ، أَوْ طَعَامٍ بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ، ولَمْ يَتَعَدَّ. أَوِ انْقَطَعَ الْحَبْلُ. ولَمْ يَغُرَّ بِفِعْلٍ كَحَارِسٍ ولَوْ حَمَّامِيًَّا. وأَجِيرٍ لُصَانِعٍ وسِمْسَارٍ. إِنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الأَزْهَرِ. ونُوتِيٍّ غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ بِفِعْلٍ سَائِغٍ. لا إِنْ خَالَفَ مَرْعًى شُرِطَ أَوْ أَنْزَى بِلا إِذْنٍ. أَوْ غَرَّ بِفِعْلٍ. فَقِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ. أَوْ صَانِعٍ فِي مَصْنُوعِهِ. لا غَيْرِهِ.
قوله: (كَنَزْعِ الطَّيْلَسَانِ (١) قَائِلَةً) أي: وليلًا وإنما سكت عنه؛ لأنه أحرى قَالَ ابن عَرَفَة: وقول ابن شاس: إِذَا استأجر ثوبًا للبس نزعه فِي أوقات نزعه عادة كالليل والقائلة (٢). صواب كقوله فِي " المدونة ": من استأجر أجيرًا للخدمة استعمله عَلَى عرف الناس من خدمة الليل والنهار (٣). ابن عَرَفَة: فإن اختلف العرف فِي اللبس لزم بيان وقت نزعه أو دوام لبسه.
فرع:
قال ابن عبد السلام: ومما يرجع فيه إِلَى العرف فِي هذا الباب فِي المكان كما رجع إليه هنا فِي الزمان ما قاله بعض الشيوخ: من اكترى عَلَى متاع دواب إِلَى موضع وفِي الطريق نهر لا يجاز إِلا عَلَى المركب قد عرف ذلك كالنيل وشبهه، فجواز المتاع عَلَى ربّه، والدوابّ عَلَى ربّها، وإِن كَانَ يخاض فِي المخائض، فاعترضه حملان لَمْ يعلم بِهِ، فحمل المتاع عَلَى صاحب الدابّة، وتلك جائحة نزلت بِهِ، وكذلك إِن كَانَ النهر شتويًا يحمل بالأمطار، إِلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه، وعلى ذلك دخلوا، فيكون كالنهر الدائم. انتهى.
ونقله ابن عات من " الاستغناء " عن بعض شيوخ الفتوى، قَالَ ابن عَرَفَة: انظر هذا الأصل مَعَ زيادة وزن حمل الدابّة بالمطر، يعني: هل بينهما تعارض؟
_________________
(١) الطيلسان نوع من الأكسية، ولامه تفتح وتكسر. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٦/ ١٢٥.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٣٦.
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٣٤.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
ولَوْ مُحْتَاجًا لَهُ عمَلٌ، وإِنْ بِبَيِّنَةٍ. أَوْ بِلا أَجْرٍ. إِنْ نَصَبَ نَفْسَهُ وغَابَ عَلَيْهِمَا. فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ دَفْعِهِ. ولَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ. أَوْ دَعَا لأَخْذِهِ. إِلا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ فَتَسْقُطُ الأُجْرَةُ، إِلا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ بِشَرْطِهِ وصُدِّقَ إِنِ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ.
قوله: (ولَوْ مُحْتَاجًا لَهُ عَمَلٌ) لفظ عمل نائب عن الفاعل، وضبطه بعضهم: عملَ (١)، بصيغة الفعل الماضي فردّه لما بعده، والأول أولى.
أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ، أَوْ قَلْعَ ضِرْسٍ.
قوله: (أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ) بكسر راء منحوره مضافًا لهاء الضمير (٢)، أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": ولَو قَالَ: ذبحتها ثم سرقت. صدّق (٣)، وهو أولى من منحورة بتاء التأنيث، إذ لا يدلّ عَلَى تعيين ناحرها.
أَوْ صِبْغ (٤) فَنُوزِعَ فِيهِ. وفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، لا بِهِ إِلا صَبِيِّ تَعْلِيمٍ ورَضِيعٍ، وفَرَسِ نَزْوٍ، ورَوْضٍ، وسِنٍّ [٦٨ / ب] لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ، وبِغَصْبِ الدَّارِ، وغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا، وأَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلاقِ الْحَوَانِيتِ، وحَمْلِ ظِئْرٍ، أَوْ مَرَضٍ لا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رِضَاعٍ ومَرَضِ عَبْدٍ وهَرَبِهِ لِكَعَدُوٍّ، إِلا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ بِخِلافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ.
قوله: (أَوْ صِبْغ) بصيغة الفعل عطفًا عَلَى (ادعى). [١١٣ / أ]
وخُيِّرَ إِنْ تَبَيَّنَ أنّه سَارِقٌ.
قوله: (وخُيِّرَ إِنْ تَبَيَّنَ أنّه سَارِقٌ) لا يعارض قوله فِي المساقاة: وإِن ساقيته أو أكريته، فألفيته سارقًا لَمْ تفسخ (٥)؛ لأن معناه أكريته دارك.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٢) في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٣): (المضمر).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٤٠.
(٤) في أصل المختصر والمطبوعة: (صبغا).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤١٧، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٢/ ١٤.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
وكَرُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى سِلَعِهِ وَلِيٌّ إِلا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ، وبَقِيَ كَالشَّهْرِ كَسَفِيهٍ، ثَلاثَ سِنِينَ، وبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ، ومَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الأَصَحِّ، لا بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ، أَوْ خُلْفِ رَبِّ دَابَّةٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ. أَوْ حَجٍّ وإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ أَوْ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ، وآجَرَ الْحَاكِمُ، إِنْ لَمْ يَكُفَّ، أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ وحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ. وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ، إِنْ أَرَادَ أنّه حُرٌّ بَعْدَهَا.
قوله: (وكَرُشْدِ صَغِيرٍ) كذا فِي بعض النسخ بكاف التشبيه، وهو الصواب، وهو راجع للتخيير.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
[فصل كراء الدوابّ والرباع]
وكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَكَ، أَوْ لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ، أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا، أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَى دَوَابِّهِ مِائَةً، ولَمْ يُسَمِّ مَا لِكُلٍّ، وعَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ، ولَمْ يَلْزَمْهُ الْفَادِحُ، بِخِلافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ، وبَيْعُهَا، واسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا الثَّلاثَ، لا جُمُعَةً. وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ، وكِرَاءُ دَابَّةٍ إِلَى شَهْرٍ، إِنْ لَمْ يَنْقُدْ، والرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ، إِنْ لَمْ يَنْقُدْ، أَوْ نَقَدَ، واضْطُرَّ، وفَعَلَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ، ودُونَهُ، وحِمْلٌ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ كَيْلِهِ، أَوْ وَزْنِهِ، أَوْ عَدِّهِ، إِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ.
قوله: (وَكِرَاءُ دَابَّةٍ إِلَى شَهْرٍ، إِنْ لَمْ (١) يَنْقُدْ) هكذا فِي بعض النسخ بجر (شَهْرٍ) بإِلَى، وهو الصوابّ فيكون إشارة لقوله فِي " المدونة ": ومن اكترى راحلةً بعينها عَلَى أَن يركب إِلَى اليوم أَو اليومين ومَا قرب جَازَ ذلك، وجَازَ فيه النقد، وإِن كَانَ الركوب إِلَى شهر أَو شهرين جَازَ مَا لَمْ ينقده (٢). وقال غيره: لا يجوز.
وإِقَالَةٌ [بِزِيَادَةٍ] (٣) قَبْلَ النَّقْدِ وبَعْدَهُ، إِنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ، وإِلا فَلا، إِلا مِنَ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، إِنِ اقْتَصَّا، أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ.
قوله: (وَإِقَالَةٌ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وبَعْدَهُ، إِنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ، وإِلا فَلا، إِلا مِنَ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، إِنِ اقْتَصَّا، أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ) [(اقْتَصَّا) بالصاد المهملة المشددة وألف التثنية من باب القصاص (أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ)] (٤) معطوف عَلَى (من المُكْتَرَى) لا عَلَى (اقتصّا)، فاعلمه.
واشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ، إِنْ عُرِفَ.
قوله: (واشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ، إِنْ عُرِفَ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": ولَو شرط عَلَيْهِ حمل هدايا مكة، فإن كَانَ أمرًا عرف وجهه جَازَ، وإِلا لَمْ يجز (٥).
_________________
(١) في (ن ٣): (ولم).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٣٦، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٦٤.
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٦٦، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٠.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
أبو الحسن الصغير: أي كسوتها وطيبها، فظاهره جواز تطيبها وكسوتها، إِلا أَن الصدقة أفضل كما قال فِي كتاب: الصلاة الأول، ويتصدّق بثمن مَا يُخلّق بِهِ المسجد أَو يُجمّر أحب إِلَى (١). انتهى. وقد قالوا: إِن كسوة الكعبة مخصص لعموم النهي عن كسوة الجدارات.
وعَقَبَةِ الأَجِيرِ، لا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ، ولا اشْتِرَاطُ إِنْ مَاتَتْ مُعَيَّنَةٌ أَتَاهُ بِغَيْرِهَا كَدَوَابٍّ لِرِجَالٍ، أَوْ لأَمْكِنَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْعُرْفُ نَقْدَ مُعَيَّنٍ. وإِنْ نَقَدَ، أَوْ بِدَنَانِيرَ عُيِّنَتْ، إِلا بِشَرْطِ الْخَلْفِ، أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ. أَوْ لِمَكَانٍ شَاءَ.
أَوْ لِيُشَيِّعَ رَجُلًا، أَوْ بِمِثْلِ كِرَاءِ النَّاسِ، وإِنْ وَصَلْتُ فِي كَذَا فَبِكَذَا. أَوْ لِيَنْتَقِلَ لِبَلَدٍ وإِنْ سَاوَتْ إِلا بِإِذْنٍ كَإِرْدَافِهِ خَلْفَكَ. أَوْ حَمْلٍ مَعَكَ، والْكِرَاءُ لَكَ، إِنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً كَالسَّفِينَةِ، وضَمِنَ إِنْ أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ، أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ أَوْ حَمْلٍ تَعْطَبُ بِهِ، وإِلا فَالْكِرَاءُ كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ، إِلا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزَّائِدِ، أَوْ قِيمَتُهَا.
ولَكَ فَسْخُ عَضُوضٍ، أَوْ جَمُوحٍ، أَوْ أَعْشَى أَوْ دَبَرُهُ فَاحِشًا كَأَنْ يَطْحَنَ لَكَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إَرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ، فَوُجِدَ لا يَطْحَنُ إِلا إِرْدَبًَّا. وإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلا لَكَ ولا عَلَيْكَ.
قوله: (وعَقَبَةِ الأَجِيرِ) هذا كقوله فِي " المدونة ": ولا بأس أَن يكتري محملًا ويشترط عقبة الأجير (٢). أبو الحسن الصغير: أي: يعاقبه أجيره فِي الركوب، قال بعضهم: إنما يرفع الاشتراط الكراهة؛ لأنه يكره كراؤه من غيره إِذَا أكراها للركوب.
أبو الحسن الصغير: وليس هذا بيّن؛ لأنه إِذَا لَمْ يشترط ذلك فكان يعاقبه، يصير كمن أكرى ممن هو أثقل منه؛ لأن المعيي أبدًا أثقل من غيره، فظهر أَن فائدة الاشتراط رفع المنع. انتهى. ومَا قاله بعضهم هو ظاهر قول ابن القاسم فِي سماع عيسى، ومَا قاله أبو الحسن الصغير هو نصّ قول أصبغ فيه. قال ابن رشد: وقول أصبغ هو القياس (٣).
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ١٧٠.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٦٦، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٩٩.
(٣) نص السماع: (وقال في الرجل يريد أن يعقِّب الرجل في شقّ محمله ويأبى الحمال ذلك، قال: ذلك له إذا حمل مثله وليس للحمَّال أن يمنعه. قال أصبغ: إن أعقب راكبًا مريحًا، كان ذلك له؛ لأنَّه مثله، وإن أعقب ماشيًا فليس ذلك له؛ لأنَّ ركوبهما مختلف، هو يكون أضرّ على البعير وأثقل عليه) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ٩/ ١٢١.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
[فصل] (١)
[٦٩ / أ] جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ، ودَارٍ غَائِبَةٍ كَبَيْعِهَا.
قوله: (جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) مسألة مستقلة كقوله فِي " المدونة ": ولا بأس بكراء الحمامات (٢)، وفِي " العتبية " والله مَا دخوله بصواب، قال ابن عرفة: لأن المكتري متعدٍ فِي فعله مَا ينفي صواب دخوله، ومكريه بريء منه. ولابن عات عن " مختصر الثمانية ": قال عبد الملك: يمنع السلطان [النساء] (٣) الحمامات أشدّ منع، ويضربهن عَلَى ذلك، ويؤدب ربّ الحمام حتى لا يدخل امرأة [الحمام] (٤)؛ إنما الحمام للرجال بشرط السترة، وقاله أصبغ. ابن عرفة: وأخبرنا شيخنا ابن عبد السلام: أَن بعض من لَهُ النظر الشرعي كَانَ أمر الحمامين باتخاذ أزر للنساء كما هو اليوم للرجال، فصار النساء يتضاربن بالأُزُر عَلَى وجه اللعب، فصارت المصلحة زيادة فِي المفسدة، ولا يشكّ اليوم منصف فِي حرمته للنساء ولا فِي أَن عدم قطعه لمن لَهُ عَلَيْهِ قدرة ترك تغيير منكر.
أَوْ نِصْفِهَا، أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ وشَهْرًا عَلَى إِنْ سَكَنَ يَوْمًا لَزِمَ، إِنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ، وعَدَمُ بَيَانِ الابْتِدَاءِ وحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، ومُشَاهَرَةً.
قوله: (أَوْ نِصْفِهَا) عطف عَلَى دار، والضمير لَهَا وليس النصف بشرط، والمراد الجزء الشائع كما فِي " المدونة " (٥).
ولَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا، إِلا بِنَقْدٍ فَقَدْرُهُ كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا، أَوْ هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ أَشْهُرًا، أَوْ إِلَى كَذَا.
قوله: (وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا، إِلا بِنَقْدٍ فَقَدْرُهُ كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا، أَوْ هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ أَشْهُرًا، أَوْ إِلَى كَذَا) كأنه اختصر هنا قول عياض فِي " التنبيهات ": " لا خلاف إِذَا نصّ
_________________
(١) مَا بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٣) وهو في أحكام كراء الحمام.
(٢) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٩.
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) قال في تهذيب المدونة: (ولا بأس بكراء نصف دار أو سدسها أو جزء شائع قل أو كثر كالشراء) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٧٤، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٩، ٥١٠.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
عَلَى تعيين السنة أَو الشهر، أَو جاء بما يقوم مقام التعيين أنّه لازم لَهُمَا، وذلك فِي خمس صور إِذَا قال هذه السنة أَو هذا الشهر أَو سنة كذا، أَو سمى العدد فيما زاد عَلَى الواحد، فقال: سنتين أَو ثلاثًا، أَو ذكر الأجل فقال: اكريها إِلَى شهر كذا أَو سنة كذا أَو نقده أشهرا أَو سنة أَو أكثر ". انتهى. فقول عياض: أَو سمى العدد فيما زاد عَلَى الواحد إليه أشار المصنف بقوله: (أَو أشهرا) [وكذا] (١) هو فِي بعض النسخ بصيغة الجمع، وهو الصواب.
وفِي سَنَةٍ بِكَذَا، تَأْوِيلانِ.
قوله: (وَفِي سَنَةٍ بِكَذَا، تَأْوِيلانِ) أشار بِهِ لقول عياض: واختلف إِذَا قال: أكري منك سنة بدرهم أَو شهرًا بدرهم، فحمل أكثرهم ظاهر الكتاب أنّه مثل قوله: هذه السنة تلزمهما السنة أَو الشهر، وهو بين من أماكن فِي الكتاب، ثم ذكرها ثم قال: وهكذا لَهُ [١١٣ / ب] فِي " العتبية " وفِي تفسير يحيي وكتاب ابن حبيب ثم قال: وذهب أبو صالح إِلَى أَن قوله: أكري منك سنة لا يقتضي التعيين، ولَهُ الخروج، ولربّه إخراجه متى شاء مثل قوله: كلّ سنة، وأَن مَا وقع فِي الكتاب من هذا إنما معناه سنة معينة، وخالفه ابن لبابة وغيره.
وأَرْضِ مَطَرٍ عُشْرًا، إِنْ لَمْ يَنْقُدْ، وإِنْ سَنَةً إِلا الْمَأْمُونَةَ كَالنَّيْلِ، والْمَعِينَةِ.
قوله: (وأَرْضِ مَطَرٍ عُشْرًا، إِنْ لَمْ يَنْقُدْ، وإِنْ سَنَةً إِلا الْمَأْمُونَةَ كَالنَّيْلِ، والْمَعِينَةِ) أي: وجَازَ كراء أرض المطر عشر سنين إِن لَمْ يشترط النقد، فإن شرطه لَمْ يجز وإن فِي سنة واحدة من العشر إِلا المأمونة من أرض المطر، كالنيل تشبيه لا تمثيل، والمعينة بالجر عطفًا عَلَى النيل، وهي ذات الماء المعين.
فَيَجُوزُ ويَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النَّيْلِ إِذَا رُوِيَتْ، وقَدْرٍ مِنْ أَرْضِكَ، إِنْ عُيِّنَ، أَوْ تَسَاوَتْ.
قوله: (فَيَجُوزُ) إنما لَمْ يستغن عنه بقوله أولًا: (جَازَ) ليفرق بين الجائز والواجب، ولهذا قال: (وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النَّيْلِ إِذَا رُوِيَتْ) [أي: يقضى بِهِ لرب الأرض عَلَى
_________________
(١) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٩٤١ ]
المكتري، وأشار بِهِ لقول ابن رشد فِي " المقدمات ": فأما أرض النيل فيجب النقد فيها عند ابن القاسم إِذَا رويت] (١)؛ لأنها لا تحتاج إِلَى السقي فيما يستقبل، فبالري يكون المكتري قابضًا لما اكترى، وأما أرض السقي والمطر فلا يجب عَلَى المكتري فيها دفع الكراء حتى يتمّ الزرع ويستغني عن الماء (٢). واحترز بقوله: مأمونة النيل. من أرض النيل غير المأمونة كما إِذَا كانت بعيدة أَو مرتفعة يبلغها الماء مرةً بعد الوفاء ومرة لا يبلغها [(٣) أو لا يطول مقامه عَلَيْهَا. وتقسيم اللخمي فِي هذا الباب عجيب فعَلَيْكَ بِهِ.
وعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلاثًا، أَوْ يُزَبِّلَهَا، إِنْ عُرِفَ.
قوله: (وعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلاثًا، أَوْ يُزَبِّلَهَا، إِنْ عُرِفَ) كذا فِي " المدونة " (٤) قال ابن يونس: يريد إذ كانت مأمونة؛ لأن زيادة الحرثات والتزبيل منفعة تبقى فِي الأرض إِن لَمْ يتمّ زرعها فيصير كنقدٍ اشترطه فِي غير المأمونة.
وأَرْضَ سِنِينَ لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً.
قوله: (وأَرْضَ سِنِينَ لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً) فِي بعض النسخ كذي بالكاف، وفِي بعضها لذي باللام، فإن كَانَ بالكاف فأرض منون وسنين طرف، والكلام مشتمل عَلَى فرعين مشبه بِهِ ومشبه، فأما المشبّه بِهِ فكأنه أعمّ من قوله (٥) وأرض مطرعشرًا، فليس بتكرار معه؛ لشمول هذا الجزاء لأرض الغرس والبناء، بِخِلاف الأول بدليل أنّه فصل فِي النقد فِي الأول دون هذا، وأما المشبه فقد عرفت مَا أشار بها إليه من نصّ " المدونة " (٦)، وإِن كَانَ باللام فلعلّ أرض غير منون، وسنين مضاف إليه.
_________________
(١) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣)
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٤٧٨.
(٣) من هنا يبدأ سقط من: (ن ٢) إلى قوله بعد: (عَلَى النقد أَو كانت).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥٠٦، ونصه: (ومن اكترى أرضًا على أن يكريها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراء الرابع جاز ذلك، وكذلك على أن يزبلها إن كان الذي يزبلها به شيئًا معروفًا، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز ذلك)، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٥٥.
(٥) في (ن ٤) (فعله).
(٦) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٣٣، ٥٣٤.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
وقد قال سيبويه: إِن الإضافة تقع بأدنى سبب؛ وحينئذ فالكلام مشتمل عَلَى فرعٍ واحدٍ وهو نصّ " المدونة " المشار إليه، وكأنه يقول: وجَازَ كراء أرضٍ سنين ماضية سنين مستقبلة من غرس بِهِ شجرًا فِي السنين الماضية، وفيه قلق.
وإِنْ لِغَيْرِكَ.
قوله: (وإِنْ لِغَيْرِكَ) لا شكّ أنّه أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": ولَو اكتريت أرضًا فأكريتها من غيرك فغرسها ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه فلك أَن تكتريها من ربّها سنين مؤتنفة ثم إِن أرضاك الغارس وإِلا قلع غرسه (١) وإِذَا كَانَ لهذا أشار؛ فكأنه يقول عَلَى سبيل الإغياء: وإِن كَانَ الشجر لغيرك بإذاء الشجر فتجّوز فِي إطلاق ذي الشجر عَلَى مَا هو أعمّ من غارسها والتفت، فخاطبه بعد أَن ذكره بصيغة الغيبة، ولا يخفى مَا فِي ذلك، وعبارة " الشامل " أحسن إذ قال: ككرائها لذي شجر بها أَو غيره سنين مستقبلة، ودخل فِي الغير الأجنبي، والحكم سواء [وإِن لَمْ يذكره] (٢) فِي " المدونة ". والله تعالى أعلم.
لا زَرْعٍ.
قوله: ([لا] (٣) زَرْعٍ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": قال ابن القاسم: ولَو كَانَ موضع الشجر زرع أخضر لَمْ يكن لربّ الأرض أَن يكريها [مَا دام زرع هذا فيها؛ لأن الزرع إِذَا انقضت الإجارة لَمْ يكن لرب الأرض] (٤) قلعه (٥).
وشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ.
قوله: (وشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) أشار بِهِ لقوله فِي المدونة: ومن اكترى دارًا أَو حمامًا وشرط كنس المراحيض والتراب وغسالة الحمام عَلَى المكري جَازَ؛ لأنه أمرٌ معروف وجهه (٦).
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٩١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ٥٣٤.
(٢) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٩١.
(٦) السابق: ٣/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
فظاهر هذا أنّه عَلَى المكتري حتى يشترطه ربّ الدار، وقد قال بعد: ومن اكترى دارًا فعلى ربّها مرمّتها وكنس المراحيض (١). فقيل: خلاف. وقيل: مَا هنا فيما حدث، ومَا هناك فيما سبق، حكاهما عياض، زاد المتيطي قيل: مَا هنا فِي غير الفنادق، ومَا هناك فِي الفنادق كما فِي سماع أبي زيد.
أَوْ مَرَمَّةٍ، وتَطْيِينٍ مِنْ كِرَاءٍ.
قوله: (أَوْ مَرَمَّةٍ، وتَطْيِينٍ) من كراء المرمة الإصلاح والتطيين الطرّ، وهو جعل الطين عَلَى سطوحها، والشرط هنا من ربّ الدار؛ ولذا قال: من كراء، بِخِلاف التي قبلها. أما المرمّة فقال فِي " المدونة ": ومن اكترى دارًا أَو حمامًا عَلَى أَن مَا احتاجا إليه من مرمة رمها المكتري، فإن اشترط [١١٤ / أ] أَن ذلك من الكراء جَازَ (٢) [وأما التطيين من الكراء فلم يصرّح بِهِ فِي " المدونة "، وإنما قال: ومن اكترى دارًا عَلَى أَن عَلَيْهِ تطيين البيوت جاز] (٣) ذلك إِذَا سمّى تطيينها فِي السنة مرة أَو مرتين أَو فِي كلّ سنتين مرة؛ لأنه معلوم.
فقال أبو الحسن الصغير: ظاهره أَن هذا زيادة عَلَى الكراء، فيكون اكترى منه بما سمى، وبالتطيين، أَو ذلك من الكراء عَلَى مَا تقدّم.
وجب، لا إِنْ لَمْ يَجِبْ، أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي، أَوْ حَمِيمِ أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ، أَوْ نَوْرَتِهِمْ مُطْلَقًا، أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ فِي الأَرْضِ بِنَاءٌ وغَرْسٌ، وبَعْضُهُ أَضَرُّ ولا عُرْفَ، وكِرَاءُ وَكِيلٍ بِمُحَابَاةٍ، أَوْ بِعَرْضٍ، أَوْ أَرْضٍ مُدَّةً لِغَرْسٍ فَإِذَا انْقَضَتْ فَهُوَ لِرَبِّ الأَرْضِ، أَوْ نِصْفُهُ، والسَّنَةُ فِي الْمَطَرِ بِالْحَصَادِ وفِي السَّقْيِ بِالشُّهُورِ، فَإِنْ تَمَّتْ ولَهُ زَرْعٌ أَخْضَرُ فَكِرَاءُ مِثْلِ الزَّائِدِ، وإِذَا انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي حَبٌّ فَنَبَتَ قَابِلًا فَهُوَ لِرَبِّ الأَرْضِ كَمَنْ جَرَّهُ السَّيْلُ إِلَيْهِ ولَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ، وإِنْ فَسَدَ بِجَائِحَةٍ أَوْ غَرَقَ بَعْدَ وَقْتِ الْحَرْثِ أَوْ عَدَمِهِ بَذْرًا، أَوْ بِسِجْنِهِ، أَوِ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ، أَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ بَعْضَهُ، لا إِنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ، وإِنْ قَلَّ، أَوِ انْهَدَمَ بَيْتٌ فِيهَا، أَوْ سَكَنَهُ مُكْرِيهِ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمٍ لأَعْلَى.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٧٣.
(٢) السابق.
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣)، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٩.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الأَرْضِ، أَوْ غَرِقَ، فَبِحِصَّتِهِ، وخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ، كَهَطْلٍ، فَإِنْ بَقِيَ فَالْكِرَاءُ، كَعَطَشِ أَرْضِ صُلْحٍ وهَلْ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِلا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الأَرْضِ؟ تَأْوِيلانِ عَكْسُ تَلَفِ الزَّرْعِ لِكَثْرَةِ دُودِهَا، أَوْ فَأْرِهَا، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ بَقِيَ الْقَلِيلُ، ولَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ عَلَى إِصْلاحٍ مُطْلَقًا، بِخِلافِ سَاكِنٍ أَصْلَحَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وإِنِ اكْتَرَيَا حَانُوتًا، فَأَرَادَ كُلٌّ مُقَدَّمَهُ قُسِمَ، إِنْ أَمْكَنَ، وإِلا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا.
قوله: (وجب، لا إِنْ لَمْ يَجِبْ) هذا القيد ذكره ابن فتحون فقال: جَازَ إِن كَانَ الكراء عَلَى النقد بالشرط أَو العرف، وبِهِ قيّد " المدونة " فِي " جامع الطرر " فقال: معناه: والكراء عَلَى النقد أَو كانت] (١) سنتهم النقد، وإِلا لَمْ يجز، إذ لا يدري مَا يحلّ عَلَيْهِ بالهدم، وأما اللخمي فقال: قال مالك فيمن اكترى دارًا سنة بعشرين دينارًا عَلَى إِن احتاجت الدار إِلَى مرمة رمّها المكتري من العشرين دينارًا: لا بأس بِهِ (٢)، يريد وإِن كَانَ الكراء مؤجلًا، فإن هذا الشرط لا يفسد العقد (٣)؛ لأن القصد فِي ذلك مَا يحتاج فِي الغالب إِلَى إصلاحه مثل خشبةٍ تنكسر أَو ترقيع حائط والأشبه ذلك مما يقلّ خطبه، ويؤدي تعجيله إِلَى غرر.
وإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْرى سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ، أنَفِقَتْ (٤) حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ، وإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ وإِنْ بِكِرَاءٍ. فَلا كِرَاءَ، إِلا أَنْ تُبَيِّنَ، والْقَوْلُ لِلأَجِيرِ. أَنَّهُ وَصَّلَ كِتَابًا، أَوْ أنّه اسْتُصْنِعَ، وقَالَ رَبُّهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ خُولِفَ فِي الصِّفَةِ وفِي الأُجْرَةِ.
قوله: (وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْرى سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ، أنَفِقَتْ حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ) (مكتري) اسم مفعول، و(سنين) متعلّق بِهِ، والظاهر فِي (زرعه) أنّه مصدر مضاف للمفعول.
إِنْ أَشْبَهَ وحَازَا.
قوله: (إِنْ أَشْبَهَ وحَازَ) أشبه راجع للفروع الأربعة بِخِلاف حاز بالحاء المهملة
_________________
(١) انتهى إلى هنا ما سقط من: (ن ٢).
(٢) انظر المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٥٠٨.
(٣) في (ن ٢): (القصد).
(٤) في المطبوعة: (نفقت) وهي كذلك في بعض شروح المختصر.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
لا كَبِنَاءٍ، وَلا فِي - رَدِّهِ، فَلِرَبِّهِ - وإِنْ بِلا بَيِّنَةٍ - وإِنِ ادَّعَاهُ، وقَالَ: سُرِقَ مِنِّي، وأَرَادَ أَخْذَهُ، دَفَعَ قِيمَةَ الصِّبْغِ بِيَمِينٍ، إِنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا، وإِنِ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ، [٦٩ / ب] فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ فَلا يَمِينَ، وإِلا حَلَفَا، واشْتَرَكَا، لا إِنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ وأَبَى مَنْ دَفَعَ مَا قَالَهُ، اللَّاتُّ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ، ولَهُ ولِلْجَمَّالِ بِيَمِينٍ فِي عَدَمِ قَبْضِ الأُجْرَةِ وإِنْ بَلَغَا الْغَايَةَ، إِلا لِطُولٍ فَلِمُكْتَرِيهِ، بِيَمِينٍ، وإِنْ قَالَ بِمِائَةٍ لِبَرْقَةَ، وقَالَ بَلْ لإِفْرِيقِيَّةَ حَلَفَا. وفُسِخَ، إِنْ عُدِمَ السَّيْرُ، أَوْ قَلَّ وإِنْ نَقَدَ.
قوله: (لا (١) كَبِنَاءٍ) يجوز فتح بائه، [وشدّ نونه، وكسر بائه] (٢) وتخفيف نونه.
وإِلا فَكَفَوْتِ الْمَبِيعِ ولِلْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ، إِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فَقَطْ، أَوْ أَشْبَهَا، وانْتَقَدَ. وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي، ولَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ، إِلا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاه (٣)، فَلَهُ حِصَّةُ الْمَسَافَةِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وفُسِخَ الْبَاقِي، وإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا، وفُسِخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى.
قوله: (وَإِلا فَكَفَوْتِ الْمَبِيعِ وَ[لِلْمُكْترِي] (٤) فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ، إِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فَقَطْ، أَوْ أَشْبَهَا، وانْتَقَدَ. وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي، ولَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ، إِلا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاه، فَلَهُ حِصَّةُ الْمَسَافَةِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وفُسِخَ الْبَاقِي، وإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا، وفُسِخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى) كذا فِي بعض النسخ، وفِي بعضها: وإلا فللمكري فِي المسافة فقط إِن أشبه قوله فقط .. إِلَى آخره. وقصده عَلَى كلّ حال اختصار الأقسام الأربعة التي ذكرها ابن يونس، فعلى الأولى أشار لما [إِذَا] (٥) أشبه قول المكتري بقوله فكفوت المبيع، وعَلَى الثانية تركه فِي المفهوم، وأما الأقسام الثلاثة الباقية فقد صرّح بها فِي النسختين، وقد كَانَ فِي غنىً عن أَن يقول فِي المسافة فقط؛ لأنه فرض المسألة.
_________________
(١) في (ن ٢): (إلا).
(٢) مَا بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٣).
(٣) في المطبوعة: (ادعى).
(٤) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٤)، و(ن ٥): (للمكري).
(٥) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ٩٤٦ ]
وإِنْ قَالَ اكْتَرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وبَلَغَاهَا، وقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ، فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ.
قوله: (وَإِنْ قَالَ اكْتَرَيْتُكَ (١) لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وبَلَغَاهَا، وقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ، فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ) أي فِي ادعائهما مَا يشبه، فهو كقول ابن القاسم فِي " المدونة ": ولَو قال المكري (٢) أكريتك إِلَى المدينة بمائتين وقد بلغاها، وقال المكتري بل إِلَى مكّة بمائة، فإن نقده المائة فالقول قول الجمال فيما يشبه (٣).
ابن يونس: معناه إِذَا أشبه مَا قالا جميعًا. أبو الحسن الصغير: وأما إِن أشبه قول المكري خاصّة فإنه يحلف عَلَى دعوى المكتري ويكون لَهُ المائتان قاله فيما يأتي إِذَا لَمْ ينتقد. انتهى؛ ولذا قال المصنف بعد هذا: (وإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ، فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ).
وحَلَفَا وفُسِخَ، وإِنْ لَمْ يَنْقُدْ، فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ، ولِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ يَمِينِهَا وإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ، فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ، وإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وإِلا سَقَطَتَا، وإِنْ قَالَ اكْتَرَيْتُ عَشْرًا بِخَمْسِينَ، وقَالَ: خَمْسًا بِمِائَةٍ حَلَفَا، وفُسِخَ، وإِنْ زَرَعَ بَعْضًا ولَمْ يَنْقُدْ فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي إِنْ أَشْبَهَ وحَلَفَ وإِلا فَقَوْلُ رَبِّهَا إِنْ أَشْبَهَ وإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا. وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى، وفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقًا وإِنْ نَقَدَ فَتَرَدُّدٌ.
قوله: (حَلَفَا، وفُسِخَ) أي: مَا بقي وهو كقوله فِي " المدونة ": ويحلف لَهُ المكتري فِي المائة الثانية، ويحلف الجمال أنّه لَمْ يكره إِلَى مكة بمائة ويتفاسخان (٤).
_________________
(١) في (ن ٤) أكريتك.
(٢) في الأصل، و(ن ١)، و(ن ٢): (الكري).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٥٣، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٨٥، ٤٨٦.
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٤٥٣.
[ ٢ / ٩٤٧ ]
[باب الجعل]
صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الإِجَارَةِ جُعْلًا.
قوله: (صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الإِجَارَةِ جُعْلًا) أي صحة الجعالة بالتزام المتأهل بعقد الإجارة ثمنًا، فظاهره أَن الشرط [قاصر] (١) عَلَى الجاعل دون المجعول لَهُ، وليس كَذَلِكَ إذ لا يصحّ شيء من ذلك إِلا من الرشيد أَو من المحجور بإذن وليّه كما قال ابن عبد السلام. وقال ابن عرفة: شرطه أهلية [المعاوضة] (٢) فيهما.
ابن شاس وابن الحاجب: شرطهما أهلية الاستئجار والعمل (٣).
ابن عبد السلام يعني بقوله: (والعمل) أَن عمل الجعالة قد يُمنع من بعض الناس كما لَو جُوعل ذمي عَلَى طلب مصحف ضاع لربّه، وكَذَلِكَ الحائض مدة الحيض.
ابن عرفة: " هذا الامتناع إنما هو شرعي، ولا يتمّ إِلا بقصر الجعالة عَلَى الجائز منها، والأَظْهَر اعتبارها من حيث ذاتها، ويفسر الامتناع بالامتناع العادي، كمجاعلة من لا يحسن العوم عَلَى رفع متاع من قعر بئر كثيرة الماء طويلة ". انتهى. فليتأمل.
عُلِمَ، يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِالتَّمَامِ كَكِرَاءِ السُّفُنِ إِلا أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى التَّمَامِ فَبِنِسْبَةِ الثَّانِي.
قوله: (عُلِمَ) منه يفهم مَا ذكر ابن عرفة حيث حدّه [١١٤ / ب] أنّه لَو قال: إِن جئتني بعبدي الآبق فلك عمله كذا أَو خدمته شهرًا كَانَ جعلًا فاسدًا لجهل عوضه. انتهى. وهو مثل قوله فِي " المدونة ": وإِن قال: من جاءني بِهِ فله نصفه لَمْ يجز (٤)؛ لأنه لا يدري مَا دخله، ومَا لا يجوز بيعه لا يجوز أَن يكون ثمنًا لإجارة أَو جعل.
_________________
(١) مَا بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) في (ن ٣): (المتواضعة).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٤٤، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢٢.
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٩٠، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١١/ ٤٥٩.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
وإِنِ اسْتُحِقَّ ولَوْ بِحُرِّيَّةٍ، بِخِلافِ مَوْتِهِ بِلا تَقْدِيرِ زَمَنٍ إِلا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ ولا نَقْدٍ مُشْتَرَطٍ.
قوله: (وإِنِ اسْتُحِقَّ ولَوْ بِحُرِّيَّةٍ) كذا فِي النسخ بالإغياء، وأنت إِذَا تأملته وجدت اللائق أَن يقول: أَو استحق. بالعطف عَلَى المستثنى من مفهوم التمام.
فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الإِجَارَةُ بِلا عَكْسٍ ولَوْ فِي الْكَثِيرِ إِلا فِي كَبَيْعِ سِلَعٍ لا يَأْخُذُ شَيْئًا إِلا بِالْجَمِيعِ.
قوله: (فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الإِجَارَةُ بِلا عَكْسٍ) هذا عكس قوله فِي " المدونة ": وكل مَا جَازَ فيه الجعل جازت فيه الإجارة، وليس كل مَا جازت فيه الإجارة يجوز فيه الجعل (١) أي: فالإجارة أعم، ويشبه أَن يكون المصنف كتب فِي المبيضة فكلّ مَا جَازَ فيه جازت فيه الإجارة، عَلَى أَن يكون فاعل جَازَ الأول ضمير الجعل، فظنّه الناسخ تكرارًا فأسقط إحدى الجملتين وعوّض الفاء بفي، وقد يصحّ بقاء اللفظ عَلَى حاله، عَلَى أَن يكون الإجارة مبتدأً وفِي (كلّ مَا جَازَ فيه) خبر مقدم، وفِي جَازَ أَيْضًا ضمير الجعل إِلا أنّه شديد التكلّف، فإذا زيد فِي أول الكلام: فاء أَو واو سهل شيئًا [مَا] (٢).
تحرير:
قال ابن عرفة: صدق هذه الكلّية عَلَى ظاهر قول ابن الحاجب وابن رشد و" التلقين " (٣) القائلين بصحة الجعل فِي العمل المجهول، لا يصحّ، وعلى منعه فيه صدقها واضح، ويلزم منه منع الجعل عَلَى حفر الأرض لاستخراج ماء ونحوه مَعَ جهل حال الأرض لنصّ " المدونة " بمنع الإجارة عَلَى حفرها لذلك مَعَ جهل حالها، فلو جَازَ الجعل فيه مَعَ الجهل كذبت الكلية لصدق نقيضها أَو منافيها، وهو قولنا بعض مَا يجوز فيه الجعل ليس
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٣٤٤.
(٢) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) قال ابن الحاجب: (العمل: كعمل الإجارة، إلا أنه لا يشترط كونه معلومًا) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٤٢. وقال ابن رشد: (يجوز (أي الجعل) في المعلوم والمجهول) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٤٤٦. وقال في التلقين: (ومن شروطه تقدير الأجرة دون العمل) انظر: التلقين، للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٤٠٥.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
بجائز فيه الإجارة أَو غير جائز فيه الإجارة، الأول سلب، والثاني عدول وذلك البعض هو الأرض المجهول حالها لَهُمَا.
وفِي شَرْطِ مَنْفَعَةِ الْجَاعِلِ قَوْلانِ. ولِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلُ مِثْلِهِ إِنِ اعْتَادَهُ.
قوله: (وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَةِ الْجَاعِلِ قَوْلانِ) هذا كقوله فِي " المقدمات ": واختلف هل من شروط صحته أَن يكون فيه منفعة للجاعل أم لا؟ عَلَى قولين (١)، وظاهر كلام عياض فِي " التنبيهات " أَن المشهور اشتراط المنفعة للجاعل؛ لأنه قال: هو أَن يجعل الرجل للرجل أجرًا معلومًا ولا ينقده إياه عَلَى عمل [يعمله] (٢) لَهُ معلوم أَو مجهول مما فيه منفعة للجاعل عَلَى خلاف فِي هذا الأصل عَلَى أنّه إِن عمله كَانَ لَهُ الجعل، وإن لَمْ يتمّ فلا شيء لَهُ مما لا منفعة فيه للجاعل إِلا بعد تمامه. وقال ابن يونس: قال عبد الملك: من جعل لرجلٍ جعلًا عَلَى أَن يرقى إِلَى موضعٍ من الجبل سماه لَهُ أنّه لا يجوز، ولا يجوز الجعل إِلا فيما ينتفع بِهِ الجاعل، يريد أنّه من أكل أموال الناس بالباطل.
تكميل:
قال المتيطي عن القابسي: لا يصلح الجعل فِي حفر بئرٍ أَو عينٍ [إلا] (٣) فِي ملك الجاعل، وقاله الجمّ الغفير. قال بعض الموثقين: وهو أحسن، وأجاز مالك الجعل فِي الغرس فِي ملكه، وعقد ابن العطار وثيقة جعل فِي حفر بئر وطيها بالصخر فِي ملك الجاعل واشترط الصخر عَلَى المجعول لَهُ. ابن عرفة: فيدخله أمران الجعل فِي أرض الجاعل، واجتماع الجعل والبيع.
وقال ابن عات: الجعل عَلَى الحفر فِي أرضٍ يملكها الجاعل خطأ، ومَا عقده ابن العطار جوّزه مالك فِي المغارسة، وهي فِي أرض الجاعل. ابن عرفة: إنما جوّزها مالك فِي ملك الجاعل؛ لأن عدم تمام العمل فيها لا يبقي نفعًا للجاعل فِي أرضه بِخِلاف الحفر فيها فتأمله، فاعتراضهم بها لغوٌ.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٤٤٦.
(٢) في (ن ١): (فعمله).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
[ ٢ / ٩٥٠ ]
كَحَلِفِهِمَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا. وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ وإِلا فَالنَّفَقَةُ. وَإِنْ أَفْلَتَ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ فَلِكُلٍّ نِسْبَتُهُ.
قوله: (كَحَلِفِهِمَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا) يشير لقول ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: ولَو تنازعا فِي قدر الجعل تحالفا ووجب جعل المثل (١).
ابن هارون: القياس قبول قول الجاعل؛ لأنه غارم، ولأنه كمبتاع سلعة قبضها وفاتت بيده، فالقول قوله إِن ادعى مَا يشبه وإِلا فقول خصمه إِن ادعى مَا يشبه (٢) وإِلا تحالفا، ورُدَّا لِجُعْلِ المثلِ. ابن عبد السلام: إنما يصحّ مَا قاله ابن الحاجب إِن اختلفا بعد تمام العمل وأتيا بما لا يشبه، وإِلا فإن كَانَ العبد باقيًا بيد المجعول لَهُ، وأتى بما يشبه فالقول قوله، فإن ادعى مَا لا يشبه وادعى الجاعل مَا يشبه [قبل قوله، فإن ادعى مَا لا يشبه] (٣) حكم بما قاله ابن الحاجب، هذا الجاري عَلَى حكم الإجارة.
ابن عرفة: هذا أصوب من قول ابن هارون، [١١٥ / أ] والأَظْهَر تخريج المسألة عَلَى نصّ " المدونة " فِي القراض: أَن القول قول العامل إِن أتى بما يشبه (٤).
تتميم:
زاد ابن شاس: إِذَا أنكر المالك سعي العامل فِي الردّ فالقول قول المالك (٥)، وقبله ابن عرفة، ونحوه لابن عبد السلام.
وإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ ولِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ. وَلَزِمَتِ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ.
قوله: (وإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ) أي: فِي الدرهم وهو الأكثر.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٤٦، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٤٣.
(٢) في (ن ١): (يشر به).
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٣/ ٥١، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٢/ ٩١.
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ٩٤٦.
[ ٢ / ٩٥١ ]
وفِي الْفَاسِدِ جَعْلُ الْمِثْلِ إِلا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ.
قوله: (وَفِي الْفَاسِدِ (١) جَعْلُ الْمِثْلِ إِلا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا [فَأُجْرَتُهُ) أي إِلا إِذَا عامله بجعلٍ مُطْلَقًا] (٢) تمّ العمل أَو لَمْ يتمّ، وأشار بِهِ إِلَى أظهر الأَقْوَال عند ابن رشد، وذلك أنّه قال فِي سماع ابن القاسم من جاعل فِي آبقٍ لَهُ فقال: إِن وجدته فلك كذا وكذا وإِن لَمْ تجده فلك طعامك وكسوتك: لا خير فيه. ابن القاسم: إِن وقع فله جعل مثله إِن وجده، وإِن لَمْ يجده فله أجر مثله. أصبغ عن ابن القاسم: لا أجرة لَهُ. فقال ابن رشد: اختلف فِي الجعل الفاسد إِذَا وقع عَلَى ثلاثة أَقْوَال:
أحدها: أنّه يرد إِلَى حكم نفسه، فيكون لَهُ جعل مثله إِن أتى بِهِ، ولا يكون لَهُ شيء إِن لَمْ يأت بِهِ، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم هذه.
والثاني: [أنّه] (٣) يرد إِلَى حكم غيره وهي الإجارة التي هي الأصل، فيكون لَهُ أجر مثله أتى بِهِ أَو لَمْ يأت.
والثالث: أنّه إِن كَانَ لَمْ يخيبه إِن لَمْ يأت بِهِ كنحو هذه المسألة التي قال لَهُ فيها إِن لَمْ تجده فلك نفقتك (٤)، وإن وجدته فلك كذا وكذا كَانَ لَهُ إجارة مثله أتى بِهِ أَو لَمْ يأت بِهِ وإن كَانَ لَمْ يسم شيئًا إِلا فِي الإتيان بِهِ كَانَ لَهُ جعل مثله إِن أتى بِهِ، [ولَمْ] (٥) يكن لَهُ شيء إِن لَمْ يأت بِهِ.
فوجه الأول أَن الجعل أصلٌ فِي نفسه، ووجه الثاني أَن الجعل إجارة بغرر جوزتها السنة، ووجه الثالث أنّه إنما يكون جعلًا إِذَا جعله لَهُ عَلَى الإتيان بِهِ خاصّة، فأما إِذَا جعل لَهُ فِي الوجهين فليس بجعلٍ، وإِن سماه جعلًا وإنما هو إجارة، وهذا أظهر الأَقْوَال، وإياه
_________________
(١) في (ن ١): (الفساد).
(٢) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) مَا بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ٤): (نفقتك وكسوتك).
(٥) في الأصل، و(ن ٣): (وإن لم).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
اختار ابن حبيب وحكاه عن مالك ومطرف وابن الماجشون، وهذه الثلاثة راجعة لأصل، وجارية عَلَى قياس، بِخِلاف قول ابن القاسم فِي هذه الرواية (أَن لَهُ جعل مثله إِذَا وجده وأجر مثله إِذَا لَمْ يجده) (١).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٨/ ٤٢٧، ٤٢٨، وما بين القوسين في البيان: (إن له جعل مثله إذا لم يجده، فليس يرجع إلى أصل ولا يجري على قياس) وعبارة البيان واضح بها النقص والتصحيف، وقد جاء بها في أول المسألة: (فإِن وقع هذا رأيت أن يعطى جعل مثله إِذ وجده، قال ابن القاسم: وإِن لَمْ يجده فله أجر مثله): ٨/ ٤٢٧. فالجعل على رأي ابن القاسم حالة أن يجد العبد، وعبارة البيان تفيده في رأس المسألة وتنفيه على ذات القول في شرحها، فالنقص بها بين، وعبارة المؤلف هنا وافية، وإن بدا بها الاختصار لأنه قال: (وبخلاف) فهو نفي لما ثبت أولا فسقوط عبارة (فليس يرجع إلى أصل ولا يجري على قياس) لا يضر بمراد المؤلف هنا.
[ ٢ / ٩٥٣ ]