إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ، وإِنْ رُقَّ، غَيْرُ حَرْبِيٍّ، ولا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ أَوْ إِسْلامٍ حِينَ الْقَتْلِ، إِلا لِغِيلَةٍ.
[١٣٢ / ب] قوله: (إِلا لِغِيلَةٍ) هذا كقوله فِي " المدونة ": إِلا أن يقتله غيلة (١). قال ابن عرفة: هو استثناء منقطع لأنّه بالحرابة قتل؛ لأن الغيلة حرابة؛ ولهذا قال فيها: إِن قطع يديه ورجليه غيلة حكم عَلَيْهِ بحكم المحارب (٢)، وعَلَى الإنقطاع حمل فِي توضيحه كلام ابن الحاجب.
مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ والإِصَابَةِ بِإِيمَانٍ أَوْ أَمَانٍ. كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وأُدِّبَ كَمُرْتَدٍّ، وزَانٍ أُحْصِنَ، ويَدِ سَارِقٍ فَالْقَوْدُ مُتَعَيِّنًا، وإِنْ قَالَ إِنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُكَ، ولا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلِقٍ إِلا أَنْ تَظْهَرَ إِرَادَتُهَا. فَيَحْلِفُ، ويَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إِنِ امْتَنَعَ. كَعَفْوِهِ عَنِ الْعَبْدِ، واسْتَحَقَّ وَلِيٌّ دَمَ مَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ، أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ. كَدِيَةِ خَطَإٍ، فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي، فَلَهُ، وإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، ولَوْ مِنَ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ فَلَهُ الْقَوَدُ، وقُتِلَ الأَدْنَى بِالأَعْلَى كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، والْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ كِتَابِيٍّ ومَجُوسِيٍّ ومُؤَمَّنٍ كَذَوِي الرِّقِّ، وذَكَرٍ، وصَحِيحٍ، وضَدِّهِمَا، وإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَلِيُّ، فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ، إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ، إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا، ولَوْ بِقَضِيبٍ كَخَنْقٍ ومَنْعِ طَعَامٍ، أَوْ مُثَقَّلٍ.
قوله: (مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ والإِصَابَةِ) كأنّه يعني للتلف فِي النفس والإصابة فِي الجرح ففي النوادر لَو جرح مسلم مسلمًا فارتد (٣) المجروح ثم نُزِيَ فيه، فمات فاجتمع الناس عَلَى [أن لا قود] (٤)؛ لأنّه صار إِلَى ما أحل دمه (٥). أشهب: لَو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد الذي
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٤٣٠، ونصّها: (أرأيت إن قتل رجل وليًا لي قتل غيلة، فصالحته على الدية أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا، إنما ذلك إلى السلطان، ليس لك ها هنا شيء، وترد ما أخذت منه، ويحكم عليه السلطان بحكم المحارب فيقتله السلطان يضرب عنقه أو يصلبه إن أحب حيا فيقتله مصلوبا)، ونص التهذيب: (ومن قتل وليه قتل غيلة، فصالح فيه على الدية، فذلك مردود، والحكم فيه إلى الإمام، إما أن يقتله أو يصلبه حيًا ثم يقتله، على ما يرى من أشنع ذلك) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٦٠٠.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٩٨.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٣): (فارتدى).
(٤) في (ن ١): (القود)، وفي (ن ٣): (لا قود).
(٥) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٣/ ٥٥٠.
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
قطعت يده فمات مرتدًا أَو قتل لثبت القصاص فِي قطع اليد عَلَى الجاني، وليس لورثته أن [يقسموا عَلَى الجاني فيقتلوه] (١)؛ لأن الموت كَانَ وهو مرتد.
وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ (٢)، أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا، وكَطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلْعَوْمِ. عَدَاوَةً، وإِلا فَدِيَةٌ، وكَحَفْرِ بِئْرٍ، وإِنْ بِبَيْتِهِ، ووَضْعِ مُزْلِقٍ، أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ واتِّخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدَ الضَّرَرِ، وهَلَكَ الْمَقْصُودُ.
قوله: (وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا) كذا سوّى بينهما فِي " المدونة " فِي نفي القسامة فقال فِي الأول: وأما إِن شقت حشوته فتكلم وأكل وعاش يومين أَو ثلاثة فأنّه يقتل قاتله بغير قسامة، إِذَا كَانَ قد أنفذ مقاتله، وقال فِي الثاني: ومن ضرب فمات تحت الضرب أَو بقي مغمورًا لَمْ يأكل ولَمْ يشرب ولَمْ يتكلم ولَمْ يفق حتى مات فلا قسامة فيه (٣). كذا اختصرها أبو سعيد وهو موافق لما فِي الأمهات (٤) فتأمله مَعَ قوله فِي توضيحه: ظاهر " المدونة " أن فِي المغمور القسامة. مَعَ حمله كلام ابن الحاجب عَلَى نفي القسامة عَلَى ما فِي النسخة التي رأيتها (٥) من " التوضيح " (٦).
وَإِلا فَالدِّيَةُ، وكَالإِكْرَاهِ، وتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ.
قوله: (وإِلا فَالدِّيَةُ) لا يقال (٧) فِي مثله استثناء (٨).
_________________
(١) في (ن ٣): (يقتسموا على الجاني أن يقتلوه).
(٢) في أصل المختصر والمطبوعة: (بَشَيْءٍ).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: (٤/ ٦٠٤، والنص المسوق به تقديم وتأخير، ونص المدونة، لابن القاسم: (أرأيت إن شققت بطن رجل فتكلم وأكل وعاش يومين أو ثلاثة، ثم مات من ذلك أتكون فيه القسامة أم لا؟ قال: لم أوقف مالكا على هذا، ولكن مالكا قال: من ضربه ثم مات تحت الضرب أو بقي بعد الضرب مغمورًا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات فهذا الذي لا قسامة فيه) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٤٣٤.
(٤) هذا النص بعينه نصّ المدونة التي عبّر هنا المؤلف هنا بالأمهات.
(٥) في (ن ١): (رأينا).
(٦) قال ابن الحاجب: (فلو لطمه أو وكزه أو رماه بحجر أو ضربه بعصًا متعمدًا على وجه القتال لا اللعب فمات عاجلًا أو مغمورًا لم يتكلم ففيه القود فلو مات بعد وقد تكلم يومًا أو أيامًا فالقول بقسامة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٨٨.
(٧) في (ن ١): (يقبل).
(٨) في (ن ٢): (استئناف).
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
وَرَمْيِهِ عَلَيْهِ حَيَّةً وكَإِشَارَتِهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وطَلَبَهُ، وبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، [وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ] (١)، وإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأٌ.
قوله: (وَرَمْيِهِ عَلَيْهِ) إشارة لما فِي النوادر عن (٢) ابن حبيب عن أصبغ فيمن طرح (٣) حيّة عَلَى رجل يعرف أنها قاتلة قال فِي توضيحه: ولو قيل بالقصاص فِي الحيّة ولَو لَمْ يعرف أنها قاتلة [ما بعد] (٤).
وقال ابن عرفة: مقتضى قوله فِي " المدونة ": إِذَا تعمده بضرب لطمة فمات قتل بِهِ (٥). عدم شرط معرفة أن الحيّة قاتلة ما لَمْ يكن عَلَى وجه اللعب.
وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ، ويُقْتَلُ الْجَمِيعُ بِوَاحِدٍ، والْمُتَمَالِئُونَ، وإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ [٧٧ / أ]، والْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ، كَمُكْرِهٍ ومُكْرَهٍ، وكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ وَلَدًا صَغِيرًا، أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأْمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ، وعَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ الْقِصَاصُ، إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ، لا شَرِيكِ مُخْطِئٍ، ومَجْنُونٍ، وهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ وجَارِحِ نَفْسِهِ، وحَرْبِيٍّ ومَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) هذه عبارة ابن الحاجب (٦)، فكأنّه فهم فِي توضيحه أن اللام للتعليل فقال: مفهومه أنّه لَو أمسكه لا للقتل لَمْ يقتل بِهِ، وهكذا فِي الموطأ (٧) وأما ابن عبد السلام فكأنّه فهم أن اللام لانتهاء الغاية فقال: أطلق ولَمْ يعتبر زيادة قيد عَلَى الإمساك
_________________
(١) في الأصل: (وسقط بقسامة).
(٢) في (ن ٣): (وعن).
(٣) في (ن ٣): (صرح).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، وفي (ن ٣): (يعلم).
(٥) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٣٠٨، ونصها: (أرأيت ما تعمدت من حصول بلطمة أو بلكزة أو ببندقة أو بحجر أو بقضيب أو بعصا أو بغير ذلك أفيه القود إذا مات من ذلك ثم مالك أم لا قال قال مالك في هذا كله القود).
(٦) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٨٩.
(٧) قال في الموطأ: (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِلرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ فَيَمُوتُ مَكَانَهُ: أَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، قُتِلاَ بِهِ جَمِيعًا، وإِنْ أَمْسَكَهُ وهُوَ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الضَّرْبَ، مِمَّا يَضْرِبُ بِهِ النَّاسُ، لاَ يَرَى أَنَّهُ عَمَدَ لِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ، ويُسْجَنُ سَنَةً، لأَنَّهُ أَمْسَكَهُ، ولاَ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ) انظر: الموطأ، لمالك بن أنس: ٢/ ٨٧٣، كتاب الأشربة، باب القصاص في القتل.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
فجعله مخالفًا لما فِي الموطأ، وغيره، وتبعه ابن عرفة فقال بعد ما ذكر نص الموطأ وغيره: فإطلاق ابن الحاجب إيجاب الإمساك للقود بلا قيد - متعقب.
تكميل:
قال ابن شاس: وشرط القاضي أبو عبد الله بن هارون البصري من أصحابنا فِي وجوب القصاص عَلَى الممسك شرطًا آخر وهو: أن يعلم أنّه لولا الممسك لَمْ يقدر عَلَى ذلك (١). ومن يد ابن شاس أخذها ابن عرفة وزاد: يؤيده قوله فِي " المدونة ": إِذَا حمل رجل عَلَى ظهر آخر شيئًا فِي الحرز، فخرج بِهِ الحامل، فإن كَانَ لا يقدر عَلَى إخراجه إِلا بحمل (٢) الحامل عَلَيْهِ قطعا معا، وإِن كَانَ قادرًا عَلَى حمله دونه قطع الخارج فقط. انتهى (٣).
والذي وجدته فِي أول الطبقة التاسعة من " مدارك " عياض: القاضي أبو الحسن عَلَى ابن هارون من شيوخ المالكية من أهل البصرة، فإن كَانَ هو فلعل له كنيتان.
وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَواحدهُمَا فَالْقَوَدُ، وحُمِلا عَلَيْهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ، إِلا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لا (٤) لِكَخَوْفِ غَرَقٍ، أَوْ ظُلْمَةٍ، وإِلا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الآخَرِ، وفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ كَثَمَنِ الْعَبْدِ، وإِنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ، فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ، وإِلا قُدِّمَ الأَقْوَى، ولا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إِسْلامٍ ولاضَمِنَ وَقْتَ الإِصَابَةِ، والْمَوْتِ، والْجُرْحُ كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، والْفَاعِلِ، والْمَفْعُولِ، إِلا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلاْ، وإِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتٌ بِلا تَمَالُؤٍ، فَمِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ.
قوله: (وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَواحدهُمَا فَالْقَوَدُ) أي: فالحكم (٥)
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ١٠٩٤.
(٢) في (ن ١): (يحمل).
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٤٢٧، قال في المدونة: (. . .القوم يدخلون جميعا فيحملون السرقة على واحد منهم، فيخرج بها واحد منهم يحملها، وهم الذين حملوها عليه فيقطعون جميعا، بمنزلة ما لو حملوا المتاع في حرزه على دابة بعير أو حمار فخرجوا به، إلا أنهم اجتمعوا في حمله على دابة أنهم يقطعون جميعا. قال ابن القاسم: وإنما ذلك في كل ما يحتاج إلى حمله لثقله أو لكثرته فأما ما يحمله منهم واحد فلا قطع على من أعانه منهم. .) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٢٦٩.
(٤) في أصل المختصر: (إلا).
(٥) في (ن ١)، و(ن ٣): (فأحكام).
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
القود، فهو بحذف مضاف فيكون كقول ابن الحاجب: فأحكام القصاص (١). فيستفاد (٢) منه أنّه إِذَا مات أَحَدهمَا تمكن القصاص، وإِذَا ماتا معا بطل حقهما معًا؛ لأن من أحكام القصاص أن موت من وجب عَلَيْهِ القصاص يبطل حق من وجب له؛ حسبما قرر ابن عبد السلام، وتبعه فِي توضيحه.
واقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ والْجَبْهَةِ والْخَدَّيْنِ، وإِنْ كَإِبْرَةٍ، وسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وحَارِصَةٍ (٣) شَقَّتِ الْجِلْدَ، وسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وبَاضِعَةٍ شَقًتِ اللَّحْمَ، ومُتَلاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ، ومِلْطَأةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وجِرَاحِ الْجَسَدِ، وإِنْ مُنَقِّلَةً بِالْمِسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ كَطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا، وإِلا فَالْعَقْلُ كَيَدٍ شَلاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وبِالْعَكْسِ، وعَيْنِ أَعْمَى، ولِسَانِ أَبْكَمَ، ومَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ مِنْ مُنَقِّلَةٍ أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وآمَّةٍ أَفْضَتْ لِلدِّمَاغِ، ودَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ (٤)،كَلَطْمَةٍ، وشُفْرِ عَيْنٍ، وحَاجِبٍ، ولَحْيِةِ، وعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ إِلا فِي الأَدَبِ.
قوله: (بِالْمِسَاحَةِ) يتعلق باقتصّ وميمه مكسورة.
وَإِلا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا كَعَظْمِ الصَّدْرِ، وفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ، وإِنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ (٥) بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ، أَوْ زَادَ، وإِلا فَدِيَةٌ مَا لَمْ يَذْهَبْ وإِنْ ذَهَبَ والْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وإِلا فَالْعَقْلُ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ، وإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِيٍّ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ، فَلا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ، وتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ بِلا غُرْمٍ، وخُيِّرَ إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ، وفِي الدِّيَةِ، وإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالْقَوَدُ ولَوْ إِبْهَامًا لا أَكْثَرَ.
قوله: (وَإِلا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا) كذا فِي النسخ التي رأينا، ولعله إنما قال: وكأن
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٩٠.
(٢) في الأصل: (فيستقاد).
(٣) الحارِصَةُ: هي التي تَقْشِرُ الجلد ولا تُدْمِيهِ. والحارِصَةُ الشجة التي تشق الجلد قليلًا. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٢/ ٣٠٣، ٧/ ١١.
(٤) في أصل المختصر: (خريصته). .
(٥) في الأصل: (كبرص).
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
يعظم، بكاف التشبيه فالتبست عَلَى الناسخ بإلا، وأما جعله معطوفا عَلَى قوله: (وَإِلا فالعقل) فعجمة لا تليق بالمصنف؛ لأن إِلا الثانية استثنائية، والأولى مركبة من إِن الشَرْطية ولا النافية (١).
وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وإِنْ رَضِيَا، وتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ مِنْ كِبَرٍ، ولِجُدَرِيٍّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوْدُ، إِنْ تَعَمَّدَ، وإِلا فَبِحِسَابِهِ وإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدُ، وأَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ، وإِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ [٧٧ / ب] سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ وغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ، وإِنْ فَقَأَ عَيْنَيِ السَّالِمِ. فَالْقَوَدُ ونِصْفُ الدِّيَةِ، وإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ فَالْقَوَدُ، وفِي الْخَطَإِ كَدِيَةِ الْخَطَإِ، والاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ كَالْوَلاءِ، إِلا الْجَدَّ والإِخْوَةَ فَسِيَّانِ، ويَحْلِفُ الثُّلُثُ، وهَلْ إِلا فِي الْعَمْدِ، فَكَأَخٍ؟ تَأْوِيلانِ، وانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ، ومُغْمًى، ومُبَرْسَمٌ لا مُطْبَقٌ وصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ، ولِلنِّسَاءِ إِنْ ورِثْنَ ولَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ ولِكُلٍّ الْقَتْلُ، ولا عَفْوَ إِلا بِاجْتِمَاعِهِمْ كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وثَبَتَ بِقَسَامَةٍ والْوَارِثُ كَمُوَرِّثِهِ، ولِلصَّغِيرِ إِنْ عُفِيَ، نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ، ولِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ، أَوِ الدِّيَةِ كَامِلَةً. كَقَطْعِ يَدٍ إِلا لِعُسْرٍ فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ، والأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ، ويَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ بِأَجْرٍ مِنَ الْمُسْتَحِقِّ، ولِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيِّ، ونَهَى عَنِ الْعَبَثِ.
قوله: (وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وإِنْ رَضِيَا) نحوه لابن الحاجب (٢) وهو فِي النوادر عن الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقبله أبو محمد وغيره وزعم ابن عرفة أن فيه [١٣٣ / أ] نظرًا من وجهين:
_________________
(١) قلت: رحم الله المؤلف، وقدس الله روحه، فإن بعض الشروح التي وقفنا عليها شرحت بما رآه لائقًا بالمختصر وصاحبه، شرحها الخرشي كذلك بـ (وكأن يعظم) ٨/ ١٦٣، وأشار لنسخة المؤلف، وشرحها في التاج والإكليل بـ (لا أن يعظم)، وهو لائق بذات المراد. انظر: التاج والإكليل: للمواق: ٦/ ٢٤٧، ورأي صاحب الشرح الكبير أن الأولى سقوط الواو من: (وإلا) قال: (ولو ترك الواو لكن أولى؛ لأن إثباتها يقتضي أنه معطوف على الاستثناء قبله، وهو ليس بصحيح) انظر: الشرح الكبير، للدردير: ٤/ ٢٥٣، وهي ساقطة من نسخة الحطاب في " مواهب الجليل ": ٦/ ٢٤٧. وأما صاحب منح الجليل فنقل عن البناني قوله: (الْبُنَانِيُّ لَا وَجْهَ لِهَذَا الْعَطْفِ هُنَا، وفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَكَأَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ) بِلَفْظِ التَّشْبِيهِ مَعَ الْعَطْفِ، وهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الصَّوَابُ) انظر: منح الجليل: ٩/ ٤٨.
(٢) قال ابن الحاجب: (ولو قطع من المرفق لم يجز من الكوع ولو رضيا) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٩٥.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
الأول: الدليل العام وهو الإجماع عَلَى وجوب ارتكاب أخف ضرر لدفع (١) ما هو أضرّ منه من نوعه، وضرر القطع من الكوع أخف منه من المرفق ضرورة، وقد قال ابن رشد فِي أجوبته: إِذَا لزم أحد الضررين وجب [ارتكاب] (٢) أخفهما.
والثاني: دليل ما فِي سماع عبد الملك [بن الحسن، يعني من كتاب الديات قال أخبرني من أثق بِهِ من أصحابي (٣) عن ابن وهب أَو عن أشهب] (٤) فيمن ذهب بعض كفه بريشة خرجت فِي كفه، فخاف منها عَلَى ما بقي من يده [فقيل له: اقطع يدك من المفصل. أنّه إِن كَانَ لا يخاف عَلَيْهِ الموت من قطعه فلا بأس.
ابن رشد: إِن لَمْ يخف إِذَا لَمْ يقطع يده من المفصل إِلا عَلَى ما بقي من يده] (٥) لَمْ يجز قطعها من المفصل إِن خيف عَلَيْهِ منه الموت، وإن خشي إِن لَمْ تقطع يده من المفصل أن يترامى أمر الريشة إِلَى موته منها فله قطعها من المفصل، وإن كَانَ مخوفًا إن (٦) كَانَ الخوف عَلَيْهِ من الريشة أكثر، وقد أجاز مالك فِي " المدونة " لمن أحرقت سفينته أن يطرح نفسه فِي البحر، وإن علم أن فيه هلاكه، ولا خلاف أنّه يجوز له أن يفر من أمر يخاف منه الموت إِلَى أمر يرجو فيه النجاة، وإن لَمْ يأمن (٧) منه الموت (٨). انتهى. وفِي النظر، نظر، والله تعالى أبصر.
وأُخِّرَ لِحَرٍّ وبَرْدٍ، كَبُرْءٍ. كَدِيَةٍ خَطَأً، ولَوْ كَجَائِفَةٍ، والْحَامِلُ. وإِنْ بِجُرْحٍ مُخِيفٍ لا بِدَعْوَاهَا، وحُبِسَتْ. كَالْحَدِّ، والْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ، والْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ، كَحَدَّيْنِ للهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وبُدِئَ بِأَشَدَّ لَمْ يُخَفْ. لا بِدُخُولِ الْحَرَمِ.
قوله: (كَبُرْءٍ) أي: كما يؤخر قصاص ما سوى النفس حتى يبرأ ويعضده (٩) قوله
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (يدفع).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٣) في (ن ٢): (أصحابنا).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
(٦) في (ن ١)، و(ن ٢): (وإن).
(٧) في الأصل: (يؤمن).
(٨) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ٦٠، ٦١.
(٩) في (ن ٣): (يفسده).
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
بعده: كدية الخطأ إِلا أنّه لَو عطفه عَلَيْهِ بالواو لكان أفصح، ويحتمل أن يريد كما يؤخر الجاني المريض حتى يبرأ، وهو المناسب لقوله قبله: (وَأُخِّرَ لِحَرٍّ وبَرْدٍ) وقد يمكن أن يكون أرادهما معا، وقد صرح ابن الحاجب بهما معا (١)، وهو عَلَى منواله (٢) ينسج فِي الغالب.
وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي والْبِنْتُ أَوْلَى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وضِدِّهِ، وإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ وفِي رِجَال ونِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، ومَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ [دِيَةِ عَمْدٍ] (٣) كَإِرْثِهِ، ولَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ.
قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي) المجرور نعت لرجل، أي: مساوٍ للباقي فِي درجته.
كَإِرْثِهِ، ولَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ.
قوله: (كَإِرْثِهِ، ولَوْ قِسْطًا (٤) مِنْ نَفْسِهِ) أشار بِهِ لقوله فِي ديات " المدونة ": ومن قتل رجلًا عمدًا فلم يقتل حتى مات أحد ورثة المقتول، فكان القاتل وارثه بطل القصاص؛ لأنّه ملك من دمه حصة فهو كالعفو، ولبقية أصحابه عليهم حظهم من الدية (٥).
ابن يونس: قال أشهب: إِلا أن يكون ممن لَو عفى لَمْ يجز عفوه إِلا باجتماعهم، فلا يبطل القصاص. قال فِي " التقييد ": قال أبو محمد صالح: هو ظاهر الكتاب من قوله: فهو كالعفو، ومن مسألة البنين والبنات إِذَا ماتت واحدة من البنات وتركت بنين).
ولأبي محمد صالح أشار ابن عرفة: ببعض الفاسيين، فمراد المصنف بالتشبيه: أن إرث القاتل دم (٦) نفسه كالعفو عنه، وهو من باب عكس التشبيه.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: (ويؤخر للحر والبرد المفرطين) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٩٧.
(٢) في (ن ١)، و(ن ٣): (مناوله).
(٣) في المطبوعة: (الدية).
(٤) في (ن ١): (فلو سقط).
(٥) قال في المدونة: (. . . القاتل إذا كان هو وارث الميت الذي له القصاص فقد بطل القصاص في رأيي ووجب عليه لأصحابه حظوظهم من الدية) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٤٤١، والنص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٦١٠.
(٦) في (ن ٣): (عدم).
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ، وجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ. بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، والْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، ولا يَمْضِي عَلَى عَاقِلِةِ. كَعَكْسِهِ، فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةّ.
قوله: (وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ) أي: وارث الدم كالمال لا كالاستيفاء، فإذا مات ولي الدم تنزل [ورثته منزلته] (١) من غير خصوصية العصبة منهم عن ذوي الفروض، فيرثه البنات والأمهات، ويكون لهن العفو والقصاص، كما لَو كانوا كلهم عصبة؛ لأنهم ورثوه عمن كَانَ ذلك له، هذا قول ابن القاسم، وقد صرح بذلك فِي كتاب الرجم وكتاب الديات من " المدونة ".
ففي الرجم: من قتل وله أم وعصبة فماتت الأم فورثتها مكانها إِن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، ولا عفو للعصبة (٢) دونهم، كما لَو كانت الأم باقية (٣). وفِي الديات: إِن مات من ولاة الدم رجل وورثته رجال ونساء، فللنساء من القتل والعفو ما للرجال؛ لأنهم ورثوا الدم عمن له ذلك (٤).
قال ابن عرفة ففهم شارح ابن الحاجب (٥): أن مراد ابن القاسم بالنساء الوارثات ما يشمل الزوجة وكذا الزوج فِي الرجال، وليس الأمر كذلك بل لا مدخل للأزواج فِي الدم؛ ففي النوادر عن " الموازية ": إن ترك القتيل عمدًا بالبينة أُمًَّا وبنتًا وعصبة، فماتت الأم والبنت أَو العصبة فورثته فِي منابه (٦)، إِلا الزوج والزوجة، فإن اختلف ورثة هذا الميت
_________________
(١) في (ن ٣): (وارثه).
(٢) في (ن ١): (العصبية).
(٣) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٤٠٣.
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٦١٠، وقال في المدونة: (لورثة ولي الدم إذا مات ما كان لولي الدم فإنما ورث النساء والرجال ما كان لصاحبهم وقد كان لصاحبهم أن يقتل أو يعفو فذلك لهم رجالهم ونسائهم) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٤٤١، وانظر: النص أيضا في النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٤/ ١٢٣.
(٥) قال ابن الحاجب: (وفي كون إرثه على نحو المال أو على نحو الاستيفاء قولان لابن القاسم وأشهب) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٩٩.
(٦) في النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: (بناته) ولا وجه له وهو تصحيف.
[ ٢ / ١٠٨١ ]
ومن بقي من أولياء القتيل (١) فلا عفو إِلا باجتماعهم (٢). وذكر ابن رشد فِي الأجوبة: أن [١٣٣ / ب] ما فِي الموازية غير معزو، وهو (٣) لابن القاسم فوجب حمل لفظ " المدونة " عَلَى هذا.
وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا، أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ بِخِلافِ الْعَمْدِ إِلا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، ويَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَّةَ وعَلِمَ، وإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ، أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ فَلأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ، والْقَتْلُ، ورَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ، ولِلْقَاتِلِ الاسْتِحْلافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وبَرِئَ، وتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ وقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، ولَوْ نَارًا إِلا بِخَمْرٍ، ولِوَاطٍ، وسِحْرٍ، ومَا يَطُولُ وهَلْ والسُّمُّ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ تَأْوِيلانِ، فَيُغَرَّقَ، ويُخْنَقَ، ويُحَجَّرَ.
قوله: (وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا، أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا [مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ) كذا فِي بعض النسخ عَلَى المبالغة المعكوسة وصوابه: وإِن قبل (٤) سببها فيه تستقيم المبالغة، ويكون المجروران معطوفين عَلَى الظرف، فالكل فِي حيّز المبالغة، وفِي بعض النسخ: وتدخل الوصايا فيه بعد سببها أَو بثلثه أَو بشيء قبلها إِذَا عاش بعدها] (٥) إِلَى آخره كلفظ ابن الحاجب (٦) وأصلها فِي كتاب الديات من " المدونة " قال فيه: وإِذَا عفا المقتول خطأً عن ديته جَازَ ذلك فِي ثلثه، فإن لَمْ يكن له مال وأوصى مَعَ ذلك بوصايا فلتحاصّ (٧) العاقلة وأهل الوصايا فِي ثلث ديته، ولَو أوصى بثلثٍ لرجل بعد الضرب دخلت الوصية فِي ديته؛ لأنّه قد علم أن قتل الخطأ مال، وكذلك لَو أوصى بثلثه قبل أن يضرب وعاش بعد الضرب ومعه من عقله ما يعرف بِهِ ما هو فيه فلم يغير الوصية (٨).
_________________
(١) في الأصل، (ن ١)، و(ن ٢): (القتل).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٤/ ١٢٥.
(٣) في (ن ٢): (هو).
(٤) في (ن ١): (قتل).
(٥) ما بين المعكوفتين مكرر في (ن ٣).
(٦) قال ابن الحاجب: (ويدخل في ثلثها (أي: الوصية) من أوصى له بعد سببها أو بثلثه قبلها أو بشيء إذا عاش بعدها ما يمكنه التغيير فلم يغير بخلاف العمد فإنه لا مدخل للوصية فيه) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٤٩٨.
(٧) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٤): (فلتتحاصص) والمثبت عن باقي النسخ، وهو لفظ التهذيب ولفظ ابن الحاجب أيضًا.
(٨) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٦٠٩.
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ كَذِي عَصَوَيْنِ، ومُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا، وانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ، وإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَةً كَالأَصَابِعِ فِي الْيَدِ، ودِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ بِنْتُ مَخَاضٍ، وبِنْتُ لَبُون ووَلَدُ لَبُونٍ، وحِقَّةٌ وجَذَعَةٌ [٧٨ / أ]، ورُبِّعَتْ فِي عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ، وثُلِّثَتْ فِي الأَبِ ولَوْ مَجُوسِيًَّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ كَجَرْحِهِ بِثَلاثِينَ حِقَّةً، وثَلاثِينَ جَذَعَةً وأَرْبَعِينَ خَلِفَةً بِلا حَدِّ سِنٍّ، وعَلَى الشَّامِيِّ، والْمَصْرِيِّ، والْمَغْرِبِيِّ، أَلْفُ دِينَارٍ، وعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إِلا فِي الْمُثَلَّثَةِ، فَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ، والْكِتَابِيُّ، والْمُعَاهِدُ نِصْفُهُ والْمَجُوسِيُّ والْمُرْتَدُّ ثُلُثُ خُمُسٍ، وأُنْثَى كُلٍّ نُصْفُهُ، وفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.
قوله: (وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ كَذِي عَصَوَيْنِ) لام (للموت) لانتهاء الغاية، وكاف (كَذِي) للتمثيل لا للتنظير وفي بعض النسخ: لذي بلام التعدية أَو لام التبيين. قال فِي " المدونة ": فإن ضربه عصوين فمات منهما، فإن القاتل يضرب بالعصا أبدًا حتى يموت كذا اختصره أبو سعيد عَلَى الصواب فِي اللغة. في الأمهات: عصاتين، وعَلَيْهِ اختصر ابن يونس (١). وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٢٢٦، وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٩٧، وذكرها في التهذيب: (عصاوين) ولا وجه له، والصواب ما للمؤلف هنا، وما في نسخته من التهذيب.
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
[فصل الدية]
وَفِي الْجَنِينِ، وإِنْ عَلَقَةً عُشْرُ أُمِّهِ، ولَوْ أَمَةً نَقْدًا، أَوْ غُرَّةٌ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ، والأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، والنَّصْرَانِيَّةُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَالْحُرَّةِ إِنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً، إِلا أَنْ يَحْيَا فَالدِّيَةُ إِنْ أَقْسَمُوا، ولَوْ مَاتَ عَاجِلًا.
قوله: (وَفِي الْجَنِينِ، وإِنْ عَلَقَةً عُشْرُ أُمِّهِ، ولَوْ أَمَةً نَقْدًا، أَوْ غُرَّةٌ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ) ظاهرة كابن الحاجب تخيير الجاني، وهو موافق لقول اللخمي: الذي يقتضيه قول مالك وابن القاسم وأشهب أن الجاني مخير فِي غرم (١) الغرة أَو عشر (٢) دية الأم من كسبه، إِن كَانَ من أهل الذهب فخمسون دينارًا، وإِن كَانَ من أهل الورق فستمائة درهم، وإِن كَانَ من أهل الإبل فخمس فرائض عَلَى اختلاف فِي هذا، عَلَى أنّه سلّم فِي توضيحه أن قول اللخمي خلاف ظاهر " المدونة " وقال ابن عرفة بعد ذكر كلام اللخمي: إنما عزا الباجي التخيير لعيسى، وقد علمت أن قول المصنف: (وَلَو أمة) خاصّ بأول وجهي التخيير، وأشار بِهِ لقول ابن وهب: الواجب فِي جنين الأمة ما نقصها، وقد ذكر ابن الحاجب القولين (٣).
وَلَوْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ، ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ رَأْسٍ فَفِي الْقِصَاصَ خِلافٌ، وتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ ووُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ.
قوله: (وَلَوْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ، ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ رَأْسٍ فَفِي الْقِصَاصَ خِلافٌ) اعتمد فِي إلحاق الرأس بالظهر والبطن عَلَى ما ذكر عبد الحق عن أبي موسى بن مناس، وقد ردّه ابن عرفة برواية أبي محمد عن ابن القاسم فِي المجموعة أنّه قال: أما لَو ضرب رأسها أَو يدها أَو رجلها ففيه الدية، عَلَى أنّه ذكر فِي توضيحه قولي (٤) أبي موسى وأبي محمد ولَمْ يعز الثاني لابن القاسم، وفيه ما ترى.
_________________
(١) في (ن ٢): (غرة).
(٢) في (ن ١): (وعشر).
(٣) قال ابن الحاجب: (وأما الجنين فغرة عبد أو أمة وفي الجراح كلها الحكومة إلا أربعة) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٥٠١.
(٤) في (ن ١): (قول).
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ، إِذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ. كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ. إِلا الْجَائِفَةَ والآمَّةَ فَثُلُثٌ، والْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ، والْمُنَقِّلَةَ والْهَاشِمَةَ. فَعُشْرٌ ونِصْفُهُ، وإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ، إِنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى.
قوله: (وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ، إِذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ) العامل في (من قيمته) (نقصان)، وفي (من الدية) (نسبة)، ومعنى (فرضًا) تقديرًا لا حقيقة.
وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ، وإِلا فَلا تَقْدِيرَ، وتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِجَائِفَةٍ نَفَذَتْ. كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ، والْمُنَقِّلَةِ.
قوله: (وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ) أشار بِهِ لقوله فِي " المدونة ": فِي مأمومة العبد وجائفته في كل واحدة ثلث قيمته، وفِي منقلته عشر قيمته، ونصف عشر قيمته، وفِي موضحته نصف عشر قيمته، وفيما سوى ذلك من جراحه ما نقصه (١).
وَالآمَّةِ إِنْ لَمْ تَتَّصِلْ وإِلا فَلا وإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ، والدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ، أَوِ السَّمْعِ، أَوِ الْبَصَرِ، [أَوِ الشَّمِّ] (٢) أَوِ النُّطْقِ أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الذَّوْقِ أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ، أَوْ نَسْلِهِ، أَوْ تَجْذِيمِهِ أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ، أَوْ قِيَامِهِ وجُلُوسِهِ، أَوِ الأُذُنَيْنِ، أَوِ الشَّوَى أَوِ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ عَيْنِ الأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ، بِخِلافِ كُلِّ زَوْجٍ، فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ، وفِي الْيَدَيْنِ وفِي الرِّجْلَيْنِ، ومَارِنِ الأَنْفِ، والْحَشَفَةِ، وفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهَا مِنْهُمَا لا مِنْ أَصْلِهِ، وفِي الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا، وفِي ذَكَرِ الْعَنِينِ قَوْلانِ، وفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ، إِنْ بَدَا الْعَظْمُ، وفِي ثَدْيَيْهَا، أَوْ حَلَمَتَيْهِمَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ، واسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ.
قوله: (وَإِلا فَلا (٣) وإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ) وجه الكلام وإن (بضربات فِي فور) كقول ابن شاس: وإِن كَانَ ذلك من ضربات (٤) إِلا أنّه فِي فور واحد.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٧٢، ونص المدونة، لابن القاسم: (في مأمومته وجائفته في كل واحدة ثلث ثمنه، وفي منقلته عشر ثمنه ونصف عشر ثمنه، وفي موضحته نصف عشر ثمنه، وفيما بعد هذه الأربع خصال مما يصاب به العبد ما نقص من ثمنه) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٣٩٧.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) في (ن ٣): (فلا أي).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ١١٢١.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
وسِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وإِلا انْتُظِرَ سَنَةً، وسَقَطَا، وإِنْ عَادَتْ، ووُرِثَا، إِنْ مَاتَ، وفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا.
قوله: (وَسِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وإِلا انْتُظِرَ سَنَةً) هذا كقول ابن الحاجب: وسن الصبي لَمْ يثغر يوقف عقلها إِلَى الإياس كالقود، وإِلا انتظر بها سنة (١). وقد تَرَدد ابن راشد القفصي فِي معنى قوله: (وإِلا انتظر بها سنة) وقال: لم أقف) عَلَيْهِ لغيره. وقال ابن عبد السلام: معناه أنّه إِذَا جاوز السن الذي تنبت فيه ولم تنقص سنة انتظرت بقية السنة، ووجبت الدية فِي الخطأ والقصاص فِي العمد وقبله فِي " التوضيح "، وقال ابن عرفة: لا نصّ فيها عَلَى أمد الوقف، ونقل الشيخ أبو محمد رواية المجموعة إِن [أيس من [١٣٤ / أ] نباتها] (٢) أخذ الصبي العقل يقتضى أنّه زمن معتاد نباتها، والأَظْهَر أنّه الأكثر من معتاده أَو سنة (٣).
تكميل:
ذكر فِي النوادر عن " الموازية " عن أشهب: إِن كَانَ الصبي حين قلعت سنه أثغر ونبتت أسنانه عجل له العقل فِي الخطأ والقود فِي العمد (٤). وقال ابن عرفة: انظر هذا مَعَ قاعدة المذهب فِي وجوب الاستيناء، ونقل ابن رشد الإجماع عَلَيْهِ، فيجب حمله عَلَى أنّه قلع دون جرح.
وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ.
قوله: (وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ) أشار بِهِ إلى قول الغزالي فِي وجيزه: وإذا شككنا فِي زوال العقل، راقبناه فِي الخلوات، ثم لم (٥) نخلفه؛ لئلا يتجانن فِي الجواب، كذا رأيته فِي نسختين منه بتفكيك يتجانن، والصواب: يتجانّ بالإدغام، ولَمْ يذكره ابن شاس ولا ابن الحاجب ولا ابن عرفة ولا المصنف فِي " التوضيح ".
_________________
(١) جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٠٢.
(٢) في (ن ١): (ليس مراساتها).
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٣/ ٤٤٠.
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١٣/ ٤٤١.
(٥) في (ن ١)، و(ن ٢): (لا).
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ، وإِلا فَسَمْعٌ وَسَطٌ، ولَهُ نِسْبَتُهُ، إِنْ حَلَفَ، ولَمْ يَخْتِلَفْ قَوْلُهُ، وإِلا فَهَدَرٌ، والْبَصَرُ بِإِغْلاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ.
قوله: (وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ، وإِلا فَسَمْعٌ وَسَطٌ، ولَهُ نِسْبَتُهُ، إِنْ حَلَفَ، ولَمْ يَخْتِلَفْ قَوْلُهُ، وإِلا فَهَدَرٌ، والْبَصَرُ بِإِغْلاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ) قال فِي " المدونة ": وإِذَا أصيبت العين فنقص بصرها أغلقت الصحيحة، ثم جعل له بيضة (١) أَو شيء فِي مكان يختبر (٢) بِهِ منتهى بصر السقيمة، فإذا رآها حولت له إِلَى موضع آخر فإن تساوت الأماكن أَو تقاربت قيست (٣) الصحيحة ثم أعطى بقدر ما انتقصت المصابة من الصحيحة، والسمع مثله يختبر بالأمكنة أَيْضًا حتى يعرف صدقه من كذبه.
وإِن ادعى المضروب أن جميع سمعه وبصره ذهب صُدّق مَعَ يمينه، والظالم أحقّ بالحمل عَلَيْهِ، ويختبر إِن قدر عَلَى ذلك بما وصفنا (٤).
ابن يونس: قال أشهب: ولَو ادعى أنّه نقص بصر عينه (٥) جميعًا أَو أذنيه فأنّه يقاس بالبيضة فِي البصر، والصوت فِي السمع كما وصفنا، فإذا اتفق قوله، أَو تقارب قيس له ببصر رجل وسط مثله، كما تقدم.
قال فِي كتاب محمد فِي الذي ادعى ذهاب جميع سمعه أو بصره: يختبر بالإشارة فِي البصر والصوت فِي السمع، ويغتفل مرة بعد مرة، وفسّر أبو الحسن الصغير ما في " المدونة " بأنّه يختبر من الجهات الأربع فِي السمع والبصر.
وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ، والنُّطْقُ بِالْكَلامِ اجْتِهَادًا.
قوله: (وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ) كذا قال أبو حامد فِي " وجيزه " يمتحن الشم بالروائح
_________________
(١) في (ن ١): (بيضًا).
(٢) في (ن ١): (يجبر)، وفي (ن ٣): (تختبر).
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢): (فيبست).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٨٣.
(٥) في (ن ١)، و(ن ٣): (عينيه).
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
الحادة، وعند النقصان يحلف لعسر الامتحان، ولَمْ يذكره ابن شاس ولا ابن الحاجب ولا ابن عرفة، ولا المصنف فِي " التوضيح ".
وَالذَّوْقُ بِالْمُقِرِّ (١)، وصُدِّقَ مُدَّعٍ ذِهَابَ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ والضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ، ورِجْلٍ، ونَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ، وكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا [٧٨ / ب]، وفِي لِسَانِ النَّاطِقِ، وإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ مَا قَطَعَهُ، فَحُكُومَةٌ كَلِسَانِ الأَخْرَسِ، والْيَدِ الشَّلاءِ، والسَّاعِدِ، وأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ، وسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًَّا، وعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ، وحَاجِبٍ، أَوْ هُدْبٍ.
قوله: (وَالذَّوْقُ بِالْمُقِرِّ) كذا قال أبو حامد (٢)، ويجرب الذوق بالأشياء المرة المقرة، وتبعه ابن شاس وابن الحاجب (٣)، قال الجوهري: مقِر الشيء بالكسر يقر مقرًا أي صار مرًا فهو شيء مقر، والمقر أَيْضًا الصبر وبكلام الجوهري فسّر فِي " التوضيح " لفظ ابن الحاجب قال: وفِي بعض النسخ المنفّر (٤): أي الذي لا يمكن الصبر عَلَيْهِ.
وَظُفْرٍ، وفِيهِ الْقِصَاصُ.
قوله: (وظُفْرٍ، وفِيهِ الْقِصَاصُ) أي: فِي عمده بِخِلاف ما قبله من حاجب وهدب، وقد قال قبل هذا: (كَلَطْمَةٍ وشُفْرِ عَيْنِ حَاجِبٍ ولِحْيَةٍ وعَمْدُهُ كَالْخَطَأِ إلاَّ فِي الأَدَبِ).
_________________
(١) في الأصل: (المنفر)، وفي هامشه (بالمنقر).
(٢) في (ن ٣): (محمد).
(٣) لفظ ابن شاس: (ويجرب بالأشياء المرة المنقرة)، والكلمة أشكلت على المحقق فأثبتها هكذا، ولعل الصواب: (المنفرة) بدل: (المنقرة) التي لم أقف لها على معنى، أو يكون الصواب ما في نسخة أخرى مما أشار له المحقق: (الممقرة) ويكون صوابها (المقرة) كما قرأها المؤلف هنا، ولفظ ابن الحاجب كما وقفت عليه: (وفي الذوق الدية ويجرّب بالمرّ المنفر)، لفظ (المنفر) كذا هو في نسختين من مطبوعة المختصر، انظر: جامع الأمهات، ط، اليمامة، ص ٥٠٤، وط، المكتبة العلمية، ص: ٣٢٨، وفي نسختنا للمختصر لفظ (المقر) فهي موافقة لنسخة المصنف الشيخ خليل من " جامع الأمهات " التي شرحها في التوضيح، وقد أشار في هامش النسخة إلى أن المنفر خطأ، قلت: وخطأها يعني به أنه ليس من لفظ المصنف، لا أنها خطأ في ذاتها. انظر: مخطوط جامع الأمهات، بمركز نجيبويه، لوحة رقم (٤٥٤).
(٤) في (ن ١): (المقر).
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
وَأفْضَا (١)، ولا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلافِ الْبَكَارَةِ، إِلا بِأُصْبُعِهِ، وفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، والأُنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلا فِي الإِبْهَامِ، فَنِصْفُهُ.
قوله: (وأفْضَا) كذا هي عبارة ابن الجلاب (٢) وابن الحاجب (٣) وغير واحد [أفضا] (٤) عَلَى وزن [أعطا، ووقع فِي " المدونة " أفضاها عَلَى وزن] (٥) أقامها، (٦) فيقتضي ذلك أن يكون المصدر أفاضه كأقامه، وبالأول قطع الجوهري لأنّه ذكره فِي مادة فضا المنقوص لا فِي مادة فاض الأجوف، ولَمْ يتناول له عياض فِي النكاح ولا فِي الرجم.
وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ عُشْرٌ، إِنِ انْفَرَدَتْ وفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، وإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ، أَوِ اسْوِدَادٍ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ، إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، وبِاضْطِرَابِهَا جِدًَّا، وإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ، ورُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ وقُوَّةِ الْجِمَاعِ، ومَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَ تَأْوِيلانِ، وتَعَدَّدَتِ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إِلا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا، وسَاوَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَتِهِ، فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا، وضُمَّ مُتَّحِدُ الْفِعْلِ.
قوله: (وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ عُشْرٌ، إِنِ انْفَرَدَتْ) الذي لابن القاسم فِي سماع يحيي: أن السادسة إِن كانت قوية ففيها عشر، ولَو قطعت عمدًا إذ لا قصاص فيها وفي اليد كلها ستون وإِن كانت ضعيفة ففيها (٧) حكومة، وإِن انفردت (٨) ومَعَ اليد لا يزاد لها
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (وإفضاء).
(٢) لم أقف على هذه العبارة عند ابن الجلاب في كتاب الجراح والديات، وقد يعني المؤلف ما في كتاب البيوع، في باب الردّ بالعيب من قوله: (والذي يرد به من العيوب والرتق، والإفضاء، والزعر) إلا أنها ممدودة لا مقصورة كما أشار المؤلف، والإفضاء كما عرّفه ابن عرفة: إزَالَةُ الْحَاجِزِ بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ومَحَلِّ الْجِمَاعِ. انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٦/ ٢٦٣.
(٣) عبارة ابن الحاجب: (وفي الإفضاء قولان) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٥٠٤.
(٤) في (ن ١): (أفضاء واحدا فضاء).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ولفظها: (من دخل بزوجته البكر، فأفضاها ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه. . .) وقوله فيها أيضا: (وإن وطئ أمته فأفضاها. . .) ٤/ ٤١٨، ونص المدونة، لابن القاسم: (قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْتِي امْرَأَتَهُ فَيَفُضُّهَا فَتَمُوتُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ الْبِكْرِ فَيَفْتَضُّهَا ومِثْلُهَا يُوطَأُ فَتَمُوتُ مِنْ جِمَاعِهِ. وقوله (أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ زَنَى بِهَا فَأَفْضَاهَا أَوْ اغْتَصَبَهَا فَأَفْضَاهَا) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١٦/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٧) في (ن ١): (وفيها).
(٨) في (ن ١): (إن انفرد).
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
شيء. (١) واستظهره اللخمي، فلو قال المصنف: وفِي الإصبع الزائدة إِن قويت عشر مُطْلَقًا، وإِلا فحكومة إِن أفردت لوفّى بذلك ويكون معنى مُطْلَقًا عمدًا أَو خطأ أفردت أم لا.
تكميل:
قال ابن رشد فِي السماع المذكور: وهو فِي كتاب الجنايات [١٣٤ / ب] فإن لَمْ تنقص الحكومة من قيمته شيئا أَو لعلها تزيد فيه لَمْ يكن فيه شيء إِلا الأدب (٢) فِي العمد، ولا يدخل فيه من الاختلاف ما فِي العبد يخصى فتزيد قيمته لمخالفتها (٣) فِي المعنى كما فِي رسم القبلة فِي سماع ابن القاسم (٤).
أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوِ الْمَحَلِّ فِي الأَصَابِعِ لا الأَسْنَانِ، والْمَوَاضِحِ، والْمَنَاقِلِ، والْعَمْدِ والْخَطَإِ، وإِنْ عَفَتْ، ونُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ فِي الْخَطَإِ، بِلا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ والْجَانِي، إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي، ومَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ كَعَمْدٍ، ودِيَةٍ غُلِّظَتْ، وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ إِلا مَا لا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْجُرْحِ لإِتْلافِهِ، فعَلَيْهَا، وهِيَ الْعَصَبَةُ، وبُدِئَ بِالدِّيوَانِ، إِنْ أُعْطُوا ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبُ ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ، ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا، وإِلا [فَالذِّمِّيُّ] (٥) ذُو دِينِهِ، وضُمَّ كَكُورِ مِصْرَ والصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ، وضُرِبَ عَلَى كُلِّ مَا لا يَضُرُّ، وعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، ومَجْنُونٍ، وامْرَأَةٍ، وفَقِيرٍ، وغَارِمٍ ولا يَعْقِلُونَ، والْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لا إِنْ قَدِمَ غَائِبٌ، ولا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ، ولا دُخُولَ، لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضَرِيٍّ، ولا شَامِيٍّ مَعَ مَصْرِيٍّ مُطْلَقًا والْكَامِلَةُ فِي ثَلاثٍ تَحِلُّ وآخِرُهَا يَوْمُ الْحُكْمِ والثُّلُثُ والثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ.
قوله: (أَوْ فِي حُكْمِهِ) أي فِي حكم المتخذ كضربات فِي فور واحد. كذا قال ابن عبد السلام.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ١٦٠، ١٦١.
(٢) في البيان والتحصيل، لابن رشد: (الأعب) وهو بيّن التصحيف.
(٣) في (ن ٣): (لمخالفته).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ١٦٢، من رسم المكاتب.
(٥) في أصل المختصر: (فَالأَقْرَبُ لِذِمِّيٍّ).
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ والثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ وحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا، وهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ أَوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلانِ وعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
قوله: (وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ والثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ) تبع فِي هذا قول ابن الحاجب والمشهور التنجيم (١) بالأثلاث وللزائد سنة، فالنصف والربع فِي ثلاثة (٢). أي فالثلاثة الأرباع فِي ثلاث سنين، فأما ابن راشد القفصي فزعم أن هذا الذي شهره هو قول أشهب، وأما المصنف فِي " توضيحه " فذكر أنّه لَمْ يره منقولًا، فضلًا عن أن يكون مشهورًا، قال: ولعله أخذه مما فِي " المدونة " أن الثلاثة الأرباع فِي ثلاث سنين (٣)، وأما ابن عبد السلام فصحح النسخ التي فيها: وللزائد نسبته. قال: ويقع فِي بعض النسخ: وللزائد سنة، وليس بجيّد؛ لأنّه عَلَى هذا التقدير يصير هو القول بأن فِي غير الكاملة ثلاث سنين، والفرض أن التفريع (٤) عَلَى القول الذي يقابله، وهو اعتبار النسبة، وناقشه فِي " التوضيح ": بأن الذي يقول فِي غير الكاملة: بثلاث سنين يراها فِي ثلاث [سنين] (٥) عَلَى السواء، وأما عَلَى هذا فالثلثان فِي سنتين وللزائد سنة، ثم قوله إثر هذا: فالنصف والربع فِي ثلاث سنين بغير (٦) النسخة التي فيها سنة، وأما ابن عرفة فأعرض عن لفظ ابن الحاجب صفحًا.
وَإِنْ صَبِيًَّا، أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا.
قوله: (وَإِنْ صَبِيًَّا، أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا) مراده بالشريك المشترك فِي القتل مَعَ غيره، وأما الصبي والمجنون فقال ابن عبد السلام: جعلوا (٧) الكفارة من خطاب الوضع لمّا كانت
_________________
(١) في (ن ١): (التخيير).
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٠٦.
(٣) نصّ المدونة بتمامه: (وثلثا الدية في سنتين، وأما نصفها، فقال فيه مالك مرة: تؤخذ في سنتين، وقال أيضًا: يجتهد فيه الإمام إن رأى أن يجعله في سنتين، أو في سنة ونصف فعل. قال ابن القاسم: في سنتين أحبّ إليّ؛ لما جاء أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو في أربع قال: وثلاثة أرباعها في ثلاث سنين) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٦٠.
(٤) في (ن ١)، و(ن ٢): (التعريج).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٦) في (ن ٣)، (ن ٤): (يعين).
(٧) في (ن ١): (جعل).
[ ٢ / ١٠٩١ ]
عوضًا عن النفس، فأشبهت أعواض المتلفات، فإن كَانَ هناك دليل شرعي من إجماع أَو غيره يوجب التسليم له فحسن وإِلا فمقتضى النظر (١) سقوطها عن الصبي والمجنون وردها إِلَى خطاب التكليف، وقد جعل الشرع عوضا عن الرقبة الصيام الذي هو من خطاب التكليف.
وقال ابن عرفة: قول ابن شاس: تجب فِي مال الصبي والمجنون (٢). واضح كالزكاة، ولم أجده لغيره من أهل المذهب نصًا، بل فِي " وجيز " الغزالي.
إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ.
قوله: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مبتدأ خبره عَلَى القاتل.
لا صَائِل، و[لا] (٣) قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ.
قوله: (لا صَائِل، ولا قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ) كذا لابن شاس وابن الحاجب (٤) قال ابن عرفة فِي الصائل هذا مقتضى المذهب؛ [لأنه] (٥) غير خطأ ولم أجده نصًا إِلا للغزالي فِي " وجيزه " قال فيه: وفِي وجوبها عَلَى قاتل نفسه وجهان (٦).
ابن عرفة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] يخرج قاتل نفسه لامتناع تصور هذا الجزء من الكفارة فيه وإذا بطل الجزء بطل الكل.
_________________
(١) في (ن ١): (الروايات).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ١١٢٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر، والمطبوعة.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٣/ ١١٢٩، وقال ابن الحاجب: (ولا كفارة على قاتل صائل ولا قاتل نفسه) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٠٧.
(٥) في (ن ١): (أنه).
(٦) في (ن ١): (وجها).
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، ورَقِيقٍ، وعَمْدٍ، و[ذمي] (١)، وعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ، وإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وحَلِفِهِ، والْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ [٧٩ / أ] اللَّوْثِ (٢) كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ قَتَلَنِي فُلانٌ، ولَوْ خَطَأً أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ.
قوله: (وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، ورَقِيقٍ وعَمْدٍ وذمي) كذا فِي بعض النسخ بزيادة [ذمي] (٣) وإسقاط العبد، لاندراجه فِي الرقيق وهو الصواب.
أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أنّه ذَبَحَهُ، أَوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا.
قوله: (أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أنّه ذَبَحَهُ) كأنّه قصد الوجه المشكل لينخرط فِي سلك الإغياء؛ لأنّه إِذَا قبلت القسامة الموجبة [للقود من الأب فأحرى الموجبة] (٤) للدية المغلظة فتأمله.
إِنْ كَانَ جُرْحٌ، أَوْ أَطْلَقَ وبَيَّنُوا، لا خَالَفُوا، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، ولا إِنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا، وبَعْضٌ لا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا، بِخِلافِ ذِي الْخَطَإِ، فَلَهُ الْحَلِفُ، وأَخْذُ نَصِيبِهِ، وإِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا واسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، ولِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَإٍ، وبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ وكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ، أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا.
قوله: (إِنْ كَانَ جُرْحٌ) حقّه أن يقدم عَلَى الإغياء؛ لأن قوله: (أَوْ أَطْلَقَ) معطوف عَلَى ما بعد أو.
أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
قوله: (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) أي: وكشاهدين بإقرار المقتول أن فلانًا جرحه، وأما لَو قال: قتله لكان هو المثال الأول.
_________________
(١) في أصل المختصر والمطبوعة: (عبد).
(٢) اللَّوْث: بفتح اللام وإسكان، هو أن يشهد شاهدٌ واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أنَّ فُلانا قَتَلَني، أو يشهد شاهدان على عداوةٍ بينهما أو تهديدٍ منه له أو نحو ذلك. انظر: النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٢٧٥. وعند الفقهاء: هو قرينة تقوى جانب المدعي، وتغلّب على الظن صدقة، مأخوذ من اللوث، وهو القوة. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه، للنووي: ٣٣٩.
(٣) في (ن ١): (الذمي).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ.
قوله: (يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ) هذا مَعَ ثبوت الجرح بالشاهدين مُتَّجِه (١)، وأما الثابت بالشاهد الواحد فقال ابن عبد السلام: إِذَا مكناهم من القسامة فهل يكتفى بخمسين يمينا لقد ضربه ومات من ضربه، أَو يحلفون يمينًا واحدة: لقد ضربه، ثم يحلفون خمسين يمينًا: لِمَنْ ضَرْبِه مات؟، فِي ذلك نظر، وهل يجري عَلَى الحقوق المالية فِي الاستحقاق [بشاهد واحد: هل يجمع فِي يمينه بين فصل تصحيح شهادة الشاهد الشّهَادَة وفصل الاستحقاق] (٢) أَو يحلف لكل واحدٍ من الفصلين يمينًا مستقلّة (٣)؟ فِي ذلك نظر.
وقال ابن عرفة: ظاهر كلام ابن رشد ونصّه: أنهم يحلفون عَلَى الجرح والموت منه فِي كل يمين من الخمسين، يعني: حيث قال فِي رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الديات، فعلى القول بالقسامة مَعَ الشاهد الواحد [في الجرح] (٤) يحلفون لقد جرحه ولقد مات من جرحه، ولا يحلفون مَعَ الشاهدين عَلَى الجرح إلا لقد مات من ذلك الجرح، وأما مَعَ الشاهد عَلَى القتل فيحلفون لقد قتله خاصة فتفترق الوجوه الثلاثة [١٣٥ / أ] فِي صفة الأيمان (٥).
وأما الحقوق المالية ففي ترجمة " جامع الدعاوى " من ابن سهل: من قام له شاهدٌ واحدٌ باستحقاق شيءٍ حلف مَعَ شاهده أن [حقّه لحقّ] (٦)، وحلف ما باع ولا وهب ولا خرج من يده بوجه، فجعل عَلَيْهِ يمينين. قاله ابن حبيب عن مطرف وأصبغ.
وفي رسم الرهون من كتاب الرهون مثله، والذي جرى بِهِ العمل [مع الدعاوى] (٧)
_________________
(١) في (ن ١): (محتجة).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ٢): (مستقبلة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ١٧.
(٦) في (ن ٣): (حققه لحوز).
(٧) في (ن ١): (جميع الدعاوى)، وفي (ن ٣): (جمع الدعاوى).
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
فِي اليمين الواحدة، وكَانَ شيخنا ابن عتاب يقول من وجبت عَلَيْهِ يمين فِي دعوى، ورُدَّت عَلَيْهِ يمين فلابد له من يمينين، وحكاه عن [شيخه أبي المطرف] (١) وغيره، وخالفه فيه أبو عمر بن القطان.
وكِشَاهِدٍ (٢) بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ.
قوله: (وكِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ) وإذا كَانَ الكلام هكذا مصدّرًا بواو العطف وكاف التشبيه كَانَ أبين فِي الدلالة أنّه شروع فِي المثال الثالث، قال ابن الحاجب: وفِي العدل بالضرب أَو بالجرح أَو بمعاينة القتل دون ثبوت القتل قَوْلانِ.
قال ابن عبد السلام: والأَصَحّ أنّه لابد من ثبوت الموت، وظاهر كلامه يشعر أنّه لَو شهد عدلان بالجرح (٣) أَو بالضرب، ولَمْ تقم البينة عَلَى صحة موت المجروح أَو المضروب لاتفق عَلَى صحة القسامة، ولا فرق بين ذلك فِي ظاهر كلام الشيوخ؛ لأنّه إذا لَمْ تثبت وفاة المجروح فتمكين الأولياء من القسامة يومئذ مستلزم لقتل الجاني، وتزويج امرأة المقتول، وقسم ماله بشاهد أَو شاهدين عَلَى الجرح وذلك باطل؛ إذ يحتمل بقاء المجروح حيًا.
أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا.
قوله: (كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا) أشار به لقوله في " المدونة ": ولو قال المقتول دمي عند فلان وشهد شاهد أنّه قتله لم يجتزأ بذلك [ولا بد من القسامة (٤). فلا يؤخذ مما تقدم، ولكن من قوله بعد: (ووجبت] (٥) إن تعدد اللوث) فاعلمه.
_________________
(١) في (ن ١): (شيخنا).
(٢) في أصل المختصر، والمطبوعة: (أو بشاهد).
(٣) في (ن ١): (بالجراح).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٩٣، وانظر: المدونة، ونصها: (أرأيت إن قال المقتول: دمي ثم فلان، وشهد شاهد على أنه قتله أيجتزىء ولاة الدم بهذا في قول مالك؟ قال: لا، ولكن فيه القسامة عندي): ١٦/ ٤٢٥.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ (١) فَقَطْ بِشَاهِدٍ، وإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ، وكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، والْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وعَلَيْهِ آثَارُهُ، ووَجَبَتْ، وإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، ولَيْسَ مِنْهُ وجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ، أَوْ دَارِهِمْ، ولَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أنّه قَتَلَ ودَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، والدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلا قَسَامَةٍ، وإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، ولَمْ يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لا قَسَامَةَ ولا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وشَاهِدٍ؟ أَوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ. وإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ، وهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بِتًَّا، وإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ، وإِنْ وَاحِدًا، أَوِ امْرَأَةً، وجبرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا، وإِلا فَعَلَى الْجَمِيعِ، ولا يَأْخُذُ أَحَدٌ إِلا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ.
قوله: (أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ (٢) فِي الْعَمْدِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ) كذا فِي بعض النسخ فِي العمد وهُوَ الصواب، وأما النسخ التي فيها فِي الخطأ، فخطأ صراح (٣) وهذا التفصيل الذي اقتصر عَلَيْهِ هنا [هو] (٤) الأَظْهَر عند ابن رشد فقد (٥) بين المسألة فِي رسم المكاتب من سماع يحيي، ثُمَّ حصّل فيها ثلاثة أَقْوَال:
أحدها: إيجاب القسامة مَعَ الشاهد الواحد عَلَى إقرار القاتل بالقتل عمدًا أَو خطأ.
والثاني: أنّه لا قسامة فِي ذلك لا فِي العمد ولا فِي الخطأ.
والثالث: الفرق بين العمد والخطأ. وإِلَى هذا ذهب سحنون وعَلَيْهِ أصلح ما فِي " المدونة " وهُوَ الأَظْهَر إذ قد قيل: إِن إقرار القاتل بالقتل خطأً ليس بلوث يوجب القسامة
_________________
(١) في المطبوعة: (الخطأ).
(٢) في (ن ٤): (المقتول).
(٣) لم يسلم للمؤلف هنا بعض شراح المختصر، فقد قال الخرشي: (فَالْبَاءُ فِي (بِشَاهِدٍ) بِمَعْنَى مَعَ وأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ غَيْرُ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فَقَطْ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ مُطْلَقًا بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وهُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَبْطُلُ وتَارَةً يَكُونُ لَوْثًا كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ وهَذَا التَّفْصِيلُ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِشَاهِدٍ عَلَى مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ ونَحْوُهُ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ولَا يَحْتَاجُ لِتَصْوِيبِ ابْنِ غَازِيٍّ) وقال العدوي في تصويب كلام شيخه الخرشي: (والْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ غَازِيٍّ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ (بِشَاهِدٍ) الْبَاءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ، والرَّدُّ عَلَيْهِ بِجَعْلِهَا بِمَعْنَى مَعَ). انظر: شرح الخرشي، وحاشية العدوي عليه: ٨/ ٢٣٣، ٢٣٤.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٥) في (ن ٢)، (ن ٣): (وقد).
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
فكيف [إذا] (١) لَمْ يثبت قوله، وإنما شهد بِهِ شاهد واحد. انتهى (٢). وما عزا الشارح للذخيرة عَن ابن زرب وهم؛ إنما فيها عنه نظائر أربع توجب القسامة منها: اعتراف القاتل غير المتهم [بالقتل] (٣) بالخطأ، يريد إِذَا ثبت الاعتراف بعد لين كقوله فِي ديات " المدونة ": ومن أقر بقتل خطأ فإن اتهم أنّه أراد إغناء ولد المقتول كالأخ والصديق لَمْ يصدق (٤). وبِهِ يظهر لك أن ما فِي " الشامل " ليس بصحيح.
وَإِنْ نَكَلُوا، أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ، ولا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً، وإِلا فَمَوَالٍ، ولِلْوَلِيِّ الاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، ولِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ، إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا، ووُزِّعَتْ، واجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ، ونُكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلافِ غَيْرِهِ، ولَوْ بَعَدُوا فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، ومَنْ نَكَلَ حُبِسَ، حَتَّى يَحْلِفَ.
قوله: (وَإِنْ نَكَلُوا، أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ) فى " المقدمات " و" البيان " إِن نكلوا عَن الأيمان أَو بعضهم ففيه خمسة أَقْوَال:
أحدها: رد الأيمان عَلَى العاقلة يحلفون كلهم، ولَو كانوا عشرة آلاف، والقاتل كأحدهم فمن حلف فلا غرم عَلَيْهِ، ومن نكل غرم ما يجب عَلَيْهِ وهُواحد قولي ابن القاسم وهُوَ أصحها، وعَلَيْهِ اقتصر هنا (٥).
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (إذ).
(٢) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ١٦/ ١٨، والنص مستغلق في البيان والتحصيل، ولا يؤدي ما فصّله المؤلف، خاصة وأن عبارة المؤلف تشي بأنه نقل نص البيان بلفظه.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
(٤) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٥٧٩، ونص المدونة، لابن القاسم: (سألت مالكا عن الرجل يقر بالقتل خطأ فقال لي مالك: أرى أن ينظر في ذلك، فإن كان الذي أقر له ممن يتهم أن يكون إنما أراد غنى ولده مثل الأخ والصديق لم أر أن يقبل قوله، وإن كان الذي أقر بقتله من الأباعد ممن لا يتهم فيه رأيت أن يقبل قوله): ١٦/ ٤٠٦.
(٥) انظر تفصيل الأقوال الخمسة في البيان والتحصيل، لابن رشد، في سماع عيسى من ابن القاسم، المسألة الخامسة: ١٥/ ٤٨٢، وما بعدها، وانظرها في المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٩٦، وحاصلها: الْأَوَّلُ: رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ. . فَمَنْ حَلَفَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، ومَنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. .، وهُوَ أَصَحُّهَا. الثَّانِي: يَحْلِفُ مِنْ الْعَاقِلَةِ خَمْسُونَ رَجُلًا يَمِينًا يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئَتْ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ كُلِّهَا، وإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ بَرِئَ ولَزِمَ بَقِيَّةَ الْعَاقِلَةِ كُلِّهَا حَتَّى يُتِمُّوا خَمْسِينَ يَمِينًا. = = الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ نَكَلُوا فَلَا حَقَّ لَهُمْ، أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلَا حَقَّ لَهُ ولَا يَمِينَ عَلَى الْعَاقِلَةِ. . والرَّابِعُ: أَنَّ الْيَمِينَ تَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وإِنْ نَكَلَ فَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ شَيْءٌ بِنُكُولِهِ. والْخَامِسُ: رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ، وإِنْ نَكَلَتْ غَرِمَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ.
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
ولا اسْتِعَانَةَ، وإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ، بِخِلافِ عَفْوِهِ، فَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ، ولا يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، والْمُبَرْسَمِ إِلا أَنْ لا يُوجَدَ غَيْرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ.
قوله: (وَلا اسْتِعَانَةَ) إنما عزاه فِي " المقدمات " لمطرف (١)، فقال ابن عرفة ذكره ابن حارث رواية لمطرف وأبو محمد قولا له ورواية؛ وإنما اقتصر عَلَيْهِ المصنف هنا؛ لأن ابن عبد السلام عزاه للمدونة واستظهره، وإِلا فقول ابن القاسم فِي المجموعة: أن الأيمان ترد عليهم ويحلف معهم المتهم هُوَ الذي حمل أبو الحسن الصغير " المدونة " عَلَيْهِ، وهُوَ ظاهر " الرسالة " وعَلَيْهِ درج ابن الحاجب وهذا كله فِي " التوضيح ".
وَالصَّغِيرُ مَعَهُ، ووَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ، والْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا، ومَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وأَخَذَ الدِّيَةَ، وإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ، إِنْ حَلَفَ، وإِلا حُبِسَ، فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وجَنِينِي عِنْدَ فُلانٍ، فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، ولا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، ولَوِ اسْتَهَلَّ.
قوله: (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) ما وجدته إِلا لابن الحاجب (٢)، وقبله ابن عبد السلام، وعلله المصنف بأنّه أرهب، وأضرب عنه ابن راشد القفصي وابن عرفة. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٩٢، ونصه: (أن المدعي يحلف وحده، ولا يكون له أن يستعين بأحد من ولاته في الأيمان كما يكون ذلك لولاة المقتول، وهذا قول مطرّف في الواضحة).
(٢) عبارة ابن الحاجب: (ولا ينتظر الصغير إلا أن لا يوجد حالف فيحلف نصفها والصغير معه).
[ ٢ / ١٠٩٨ ]