الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لآخِرِ الْقَامَةِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ وهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ لِلاصْفِرَارِ واشْتَرَكَتَا بِقَدْرِ إحْدَاهُمَا وهَلْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الأُولَى، أَوْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ؟ خِلافٌ، ولِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهِمَا تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا، ولِلْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ لِلثُّلُثِ الأَوَّلِ، ولِلصُّبْحِ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلإِسْفَارِ الأَعْلَى وهِيَ الْوُسْطَى، وإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلا أَدَاءٍ لَمْ يَعْصِ إلا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ.
والأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا وعَلَى جَمَاعَةٍ آخِرَهُ. ولِلْجَمَاعَةِ تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وتَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ، وتزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ
وفيها: نُدِبَ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ قَلِيلًا، وإِنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَجُزْ، ولَوْ وَقَعَتْ فِيهِ. والضَّرُورِيُّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ لِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ، ولِلْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ ولِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ، وتُدْرَكُ فِيهِ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ لا أَقَلَّ والْكُلُّ أَدَاءٌ. والظُّهْرَانِ والْعِشَاءَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنِ الأُولَى لا الأَخِيرَةِ كَحَاضِرٍ سَافَرَ وقَادِمٍ، وأَثِمَ إلا لِعُذْرٍ بِكُفْرٍ، وإِنْ بِرِدَّةٍ وصِبًى وإِغْمَاءٍ وجُنُونٍ ونَوْمٍ وغَفْلَةٍ كَحَيْضٍ لا سُكْرٍ، والْمَعْذُورُ وغَيْرُ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، وإِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَها فَرَكَعَ، فَخَرَجَ الْوَقْتُ قَضَى الأَخِيرَةَ، وإِنْ تَطَهَّرَ فَأَحْدَثَ أَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ طُهُورِيَّةِ الْمَاءِ أَوْ ذَكَرَ مَا يُرَتَّبُ فَالْقَضَاءُ [٦ / أ]، وأَسْقَطَ عُذْرٌ حَصَلَ غَيْرَ نَوْمٍ ونِسْيَانٍ الْمُدْرَكَ، وأُمِرَ صَبِيٌّ بِهَا لِسَبْعٍ، وضُرِبَ لِعَشْرٍ، ومُنِعَ نَفْلٌ وَقْتَ طُلُوعِ شَمْسٍ وغُرُوبِهَا، وخُطْبَةِ جُمُعَةٍ. وكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ وفَرْضِ عَصْرٍ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ.
قوله: (وتزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ) احترز بشدة الحرّ من مطلقه. قال فِي " التوضيح ": كذا صرّح بقيده غير واحد، وهذا هو التأخير للإبراد، ولم يذكر هنا قدر الزيادة، وقد حصّل ابن عرفة فيه أربعة أقوال:
الأول: لنحو ذراعين. قاله الباجي. الثاني: فوقهما بيسير، حكاه المازري عن ابن حبيب. الثالث: ما لَمْ يخرج الوقت، حكاه اللخمي والمازري وابن العربي عن ابن عبد الحكم. الرابع: لا ينتهي لآخر وقتها. حكاه أبو محمد عن أشهب.
وصوّب المازري كونه لانقطاع حرّ يومه المعين ما لَمْ يخرج الوقت. قال ابن عرفة:
وهذا يوجب اختلاف الوقت عَلَى الجماعة. قال فِي " التوضيح ": وقول ابن رشد وابن
[ ١ / ١٦٠ ]
هارون: ظاهر المدوّنة أنه لا يزاد عَلَى ذراع ليس بجيّد؛ لأنه فِي " المدوّنة " لَمْ يتكلم عَلَى الإبراد، وإنما تكلّم عَلَى التأخير لاجتماع الناس كما فسّره الباجي (١).
وَتُصَلَّى الْمَغْرِبُ إِلا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ والْوِرْدَ قَبْلَ الْفَرْضِ لِنَائِمٍ عَنْهُ.
قوله: (وتُصَلَّى الْمَغْرِبُ). فيه تنبيه عَلَى أنه لا يتنفل بعد الغروب، وقبل صلاة المغرب. قال ابن رشد: لا خلاف بين أهل العلم أن الصلاة [قد حلّت] (٢) بغروب الشمس؛ إلا أن صلاة المغرب قد وجبت بالغروب، فلا ينبغي لأحدٍ أن يصلي نفلًا قبل صلاة المغرب قال: وهذا هو الأظهر، وقاله مالك؛ لثلاثة أوجه: أحدها: حمايةً للذرائع؛ لأن ذلك لو أبيح للناس كثر ذلك من فعلهم، فكان سببًا لتأخير المغرب عن وقتها المختار، أو عن أول وقتها عَلَى مذهب من رأى لها وقتين فِي الاختيار. الثاني: ما روي أن النبي ﷺ قال: " بين كلِّ أَذانين صلاة ما عدا المغرب " (٣). الثالث: استمرار العمل من عامّة العلماء عَلَى ترك الركوع فِي هذا الوقت، وأن النبي - ﷺ - لَمْ يفعله ولا أبو بكر ولا عمر، إذ لو فعلوا ذلك لنقل عنهم. قال: وقد قال مالك أيضًا: أدركت بعضهم يفعله. ويتخرّج فيها قول ثالث بالفرق بين الجالس والداخل.
وقال اللخمي: يكره لتأخيرها، ولا بأس به إِلَى أن تقام الصلاة لحديث البخاري ومسلم. (٤) [٨ / أ]
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ٥٦، والمنتقى، للباجي: ١/ ٢٦١، وانظر النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١٥٢.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) المعروف في الحديث غير هذا، فقوله: (ما عدا المغرب) مدرجة في الحديث وليست من الرواية، والحديث عن عبد الله ابن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: " ثم بين كل أذانين صلاة، قالها ثلاثًا قال في الثالثة: " لمن شاء " أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٥٩٨)، كتاب الآذان، باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة. ومسلم في صحيحه برقم (٨٣٨)،كتاب صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة، وقد قال في الباب قبله: باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، وأبو داود باب الصلاة قبل المغرب، والترمذي، باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب برقم (١٨٥)، والنسائي برقم (٦٨١)، باب الصلاة بين الأذان والإقامة، ابن ماجه برقم (١١٦٢)، باب ما جاء في الركعتين قبل المغرب، ابن خزيمة برقم (١٢٨٧) باب إباحة الصلاة ثم غروب الشمس وقبل صلاة المغرب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (١١٢٨)، و(١١٢٩) كتاب التطوع، باب الصلاة قبل المغرب، ونصه: (عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: " ثم صلوا قبل صلاة المغرب " قال في الثالثة: " لمن شاء " كراهية أن يتخذها الناس سنة)، ومسلم في صحيحه برقم (٨٣٦)، و(٨٣٧) كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
[ ١ / ١٦١ ]
وجِنَازَةً وسُجُودَ تِلاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ واصْفِرَارٍ. وقَطَعَ مُحْرِمٌ بِوَقْتِ نَهْيٍ.
قوله: (وجِنَازَةً وسُجُودَ تِلاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ واصْفِرَارٍ) أي: فهما جائزان، أمّا سجود التلاوة فعلى مذهب " المدوّنة " و" الرسالة " (١)، وأمّا الجنازة فباتفاق. وقد قال ابن عرفة ونَقْل ابن شاس وتابعيه منعهما بعد الصبح والعصر عن " الموطأ " وهم (٢)، بل نقل أبو عمر الإجماع عَلَى جوازها حينئذ (٣).
وجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ كَمَقْبَرَةٍ، ولَوْ لِمُشْرِكٍ ومَزْبَلَةٍ ومَحَجَّةٍ ومَجْزَرَةٍ (٤) إِنْ أُمِنَتْ مِنَ النَّجِسِ، وإِلا فَلا إِعَادَةَ عَلَى الأَحْسَنِ إِنْ لَمْ تَتَحَقَّقَ.
قوله: (وَمَزْبَلَةٍ ومَحَجَّةٍ ومَجْزَرَةٍ إِنْ أُمِنَتْ مِنَ النَّجِسِ، وإِلا فَلا إِعَادَةَ عَلَى الأَحْسَنِ إِنْ لَمْ تَتَحَقَّقَ) ظاهرة نفي الإعادة فِي الثلاثة رأسًا عَلَى الأحسن إن لَمْ تتحقق النجاسة، وهو خلاف ما شهره فِي " التوضيح " من ثبوت الإعادة الوقتية، ونصّه: " إن تيقّن النجاسة أو الطهارة فِي الثلاث فواضح، وإن لَمْ يتيقن فالمشهور أنه يعيد فِي الوقت بناءً عَلَى الأصل.
_________________
(١) قال في المدوّنة: (.. فإن قرأها بعد العصر أو بعد الصبح أيسجدها؟ قال: إن قرأها بعد العصر والشمس بيضاء نقية لم يدخلها صفرة رأيت أن يسجدها، وإن دخلتها صفرة لم أرى أن يسجدها، وإن قرأها بهد الصبح ولم يسفر فأرى أن يسجدها فإن أسفر فلا أرى أن يسجدها). انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ١١٠ وانظر في الصلاة على الجنازة: المدونة: ١/ ١٩٠، وقال في الرسالة، للقيرواني: (ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس) انظر: الرسالة، للقيرواني، ص: ٤٥.
(٢) قال ابن شاس: (وهل يصلي على الجنائز ويسجد للتلاوة بعد صلاة الصبح وقبل الإسفار، أو بعد صلاة العصر وقبل الاصفرار؟ ثلاثة مذاهب: المنع، وهو مذهب الموطأ) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٧٨/ ١.
(٣) الذي في الاستذكار عن ابن عبد البر يخالف دعوى الإجماع التي ساقها ابن عرفة، قال في الاستذكار: (ذكر ابن القاسم عن مالك قال: لا بأس على الصلاة على الجنائز بعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، فإذا اصفرّت لم يصل على الجنائز إلا أن يخاف عليها فيصلى عليها حينئذ قال: ولا بأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر فإذا أسفر فلا تصلوا عليها إلا أن تخافوا عليها، وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أن الصلاة على الجنائز جائزة في ساعات الليل والنهار وعند طلوع الشمس وغروبها واستوائها وقال الثوري: لا يصلى على الجنازة إلا في مواقيت الصلاة وتكره الصلاة عليها نصف النهار وبعد العصر حتى تغيب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وقال الليث بن سعد: لا يصلى على الجنازة في الساعات التي تكره فيها الصلاة وقال الأوزاعي يصلى عليها ما دام في ميقات العصر فإذا ذهب عنهم ميقات العصر لم يصلوا عليها حتى تغرب الشمس) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر: ١/ ١٠٩.
(٤) في الأصل: (مزجرة).
[ ١ / ١٦٢ ]
وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا بناءً عَلَى الغالب وهذا إِذَا صلى فِي الطريق اختيارًا، وأمّا إن صلى فيها لضيقٍ فِي المسجد فإنه يجوز، نصّ عَلَى ذلك فِي " المدوّنة " وغيرها.
المازري: ورأيت فيما علّق عن ابن الكاتب وابن مناس: أن من صلى عَلَى قارعة الطريق لا يعيد إلا أن تكون النجاسة فيها عينًا قائمة " (١). انتهى.
وكذلك صرّح ابن بشير بمشهورية الإعادة الوقتية فِي الثلاث، فينبغي أن يحمل كلامه هنا عَلَى نفي الإعادة الأبدية دون الوقتية عَلَى الأحسن (٢)؛ وعَلَى هذا فدليل صيغة التفصيل أن الأحسن إثبات الإعادة الأبدية. وهو قول ابن حبيب؛ لكن إنما قاله فِي العامد والجاهل، وأما الناسي ففي الوقت، وكذا نقله ابن عرفة، ولا يتجّه حمل كلام المصنف هنا عَلَى ما علّق عن أبي موسى بن مناس (٣) وأبي القاسم بن الكاتب؛ لأنه خاص بالطريق (٤).
وكُرِهَتْ بِكَنِيسَةٍ، ولَمْ يُعَدْ.
قوله: (وكُرِهَتْ بِكَنِيسَةٍ، ولَمْ يُعَدْ) لعله يريد أيضًا: ولم يعد أبدًا بل فِي الوقت؛ لأن حاصل المسألة عَلَى ما عند ابن عرفة: أن الصلاة تكره بالكنيسة العامرة اختيارًا، فإن تحقق نجاستها فواضح، وإلاّ فقال مالك فِي سماع أشهب: يعيد فِي الوقت ما لَمْ يضّطر فإن اضطر فلا يعيد، وعليه حمل ابن رشد " المدوّنة "، وقال سحنون: يعيد فِي الوقت مختارًا كان أو مضطرًا، وقال ابن حبيب: يعيد الجاهل أبدًا، وغيره فِي الوقت وإن اضطر. انتهى.
فأنت ترى هذه الأقوال ليس فِي شيءٍ منها نفي الإعادة الوقتية عن غير المضطر، وحمل كلام المصنف عَلَى المضطر بعيد، وأما الدارسة من آثار أهلها فقال ابن حبيب: لا بأس بالصلاة فيها. ابن رشد: اتفاقًا إن اضطر لنزولٍ بها، وإلاّ كره عَلَى ظاهر قول عمر (٥).
_________________
(١) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٤٨٣.
(٢) من هنا كتبت في (ن ٤) بخطٍ مغاير بمقدار خمسة سطور ونصف من المخطوطة.
(٣) في (ن ٤): (شاس).
(٤) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٥١، وانظر النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٢٠.
(٥) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٩٠، ونص المدونة: (عن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب كره دخول الكنائس والصلاة فيها. قال مالك: وأنا أكره الصلاة في الكنائس لنجاستها)، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٢٣، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٢٥، ٢٢٦، و١/ ٤٦٤ وكلام عمر ﵁ هو ما رواه عبد الرزاق، ونصه: (لما قدم عمر الشام أتاه رجل من الدهاقين، فقال: إني قد صنعت لك طعامًا، فأحب أن تجيء فيرى أهل عملي كرامتي عليك ومنزلتي عندك، أو كما قال، قال: فقال: إنا لا ندخل هذه الكنائس أو قال: هذه البيع التي فيها الصور) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم (٢٥١٩٦) كتاب العقيقة، باب السيوف المحلاة واتخاذها.
[ ١ / ١٦٣ ]
وَبِمَعْطِنِ إبِلٍ ولَوْ أَمِنَ، وفِي الإِعَادَةِ قَوْلانِ.
قوله: (وبِمَعْطِنِ إبِلٍ ولَوْ أَمِنَ، وفِي الإِعَادَةِ قَوْلانِ)، وهذا أيضًا مما يقرب من مساعدة النقول إِذَا تأولناه عَلَى معنى، وفِي حدّ الإعادة الثانية (١) قَوْلانِ الأبدية والوقتية، فقد قال هو بنفسه فِي " التوضيح ": اختلف إِذَا وقعت الصلاة فيه؟ فقال ابن حبيب: إن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد فِي الوقت، وقيل: بل فِي الوقت مطلقًا. انتهى.
وهو نقل صحيح ذكره فِي " النوادر "، ونسب الثاني لأصبغ وزاد: روى يحيي بن يحيي عن ابن القاسم: لو سلم من أن يخرج الناس فيه فلا بأس بالصلاة فيه. انتهى. ومنه يصح نقل ابن عرفة - والله تعالى أعلم - وإِلَى رواية يحيي أشار بقوله: (ولو أمن) (٢).
ومَنْ تَرَكَ فَرْضًا أُخِّرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًَّا، ولَوْ قَالَ أَنَا أَفْعَلُ، وصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ فَاضِلٍ، ولا يُطْمَسُ قَبْرَهُ، لا فَائِتَةً عَلَى الأَصَحِّ، والْجَاحِدُ كَافِرٌ.
قوله: (وقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًَّا) أي: ضربت عنقه بالسيف وكذا فِي سماع أشهب. وقال ابن العربي: قال متأخروا علمائنا: لا يقتل ضربةً بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيض نفسه، أو يقوم بالحقّ الذي عليه من فعلها، قال: وبهذا أقول (٣).
_________________
(١) في (ن ٤): (الثابتة).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٢١، وما بعدها.
(٣) في الأصل: (أقوال). وانظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٧٥، قال في نص السماع المذكور: (قال: وسألته عمن ترك الصلاة، قال: يقال له: صل وإلا ضربت عنقه).
[ ١ / ١٦٤ ]
فصل [الأذان والإقامة]
سُنَّ الأَذَانُ لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا، فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ ولَوْ جُمُعَةً، وهُوَ مُثَنَّى ولَوْ الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مُرَجَّعُ الشَّهَادَتَيْنِ، بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ أَوَّلًا مَجْزُومٌ بِلا فَصْلٍ ولَوْ بِإِشَارَةٍ لِكَسَلامٍ، وبَنَى إِنْ لَمْ يَطُلْ غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ إلا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ. وصِحَّتُهُ بِإِسْلامٍ وعَقْلٍ وذُكُورَةٍ وبُلُوغٍ. ونُدِبَ مُتَطَهِّرٌ صَيِّاتٌ مُرْتَفِعٌ قَائِمٌ مُسْتَقْبِلٌ إِلا لِعُذْرٍ كإِسْمَاعٍ وحِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ مَثْنًى ولَوْ مُتَنَفِّلًا لا مُفْتَرِضًا، وأَذَانُ فَذٍّ إِنْ سَافَرَ لا جَمَاعَةٍ لَمْ تَطْلُبْ [غَيْرَهَا] (١) عَلَى الْمُخْتَارِ. وجَازَ أَعْمَى، وتَعَدُّدُهُمْ وتَرَتُّبُهُمْ إلا الْمَغْرِبَ، وجَمْعُهُمْ كُلٌّ عَلَى أَذَانِهِ وإِقَامَةُ غَيْرِ مَنْ أَذَّنَ وحِكَايَتُهُ قَبْلَهُ. وأُجْرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ صَلاةٍ، وكُرِهَ عَلَيْهَا أوَ سَلامٌ عَلَيْهِ كَمُلَبٍّ وإِقَامَةُ رَاكِبٍ، أَوْ مُعِيدٌ لِصَلاتِهِ كَأِذَانِهِ. وتُسَنُّ إقَامَةٌ مُنفْرَدَةٌ وثُنِّيَ تَكْبِيرُهَا لِفَرْضٍ وإِنْ قَضَاءً، وصَحَّتْ ولَوْ تُرِكَتْ عَمْدًا، وإِنْ أَقَامَتِ الْمَرْأَةُ سِرًَّا فَحَسَنٌ، ولْيُقَمْ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ.
قوله: (أَوْ مُعِيدٌ لِصَلاتِهِ كَأِذَانِهِ) أي: وكره إقامة معيد لصلاته كما كره أذان المعيد لصلاته. وقال ابن الحاجب: ولا يؤذن ولا يقيم (٢) من صلى تلك الصلاة (٣). فظاهرهما مثل ظاهر اللخمي أنه لا يؤذن للتي صلاّها، ولو كان لَمْ يؤذن لها أولًا. وقد قال ابن عرفة: قال اللخمي عن أشهب: لا يؤذن لصلاةٍ من صلاها، ويعيدون الإِذَان والإقامة ما لَمْ يصلّوا، ونقله أبو محمد والتونسي وابن يونس: لا يؤذّن لصلاةٍ من صلاها وأذّن لها (٤)، وروى ابن وهب: جواز أذان من أذن بموضعٍ ولَمْ يصل - فِي آخر، فَنقْل ابن عبد السلام منعه لأشهب وجوازه لبعض الأندلسيين: وهمٌ وقصور؛ لمفهوم نقل من ذكرنا، ورواية ابن وهب. انتهى.
يعني أن الوهم فِي نسبة المنع لأشهب، وإنما مفهوم نقل الأشياخ الثلاثة عنه الجواز، والقصور فِي عدم الوقوف عَلَى رواية ابن وهب، حتى أخذ الجواز من يد بعض
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) في ن ٤: (ولا يصلي) وهو وهم واضح.
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٨٧.
(٤) في (ن ٣): (لها من لم).
[ ١ / ١٦٥ ]
الأندلسيين؛ مع أن رواية ابن وهب عند اللخمي وغيره، فالأقسام ثلاثة:
الأول: أذن لها وصلاّها.
الثاني: صلاها ولَمْ يُؤذِّن لها، وقد تناولهما كلام المصنف وفاقًا لإطلاق اللخمي.
الثالث: أذّن لها ولم يُصلّها، وحَملُ كلام المصنف عليه غير سديد؛ لاتفاق رواية ابن وهب، ومفهوم نقل الثلاثة [٨ / ب] عن أشهب، وقول بعض الأندلسيين عَلَى جواز أذانه لها ثانيًا، ولا يعلم لهم مخالف، فتدبره. وبالله تعالى التوفيق.
[شروط صحة الصلاة]
شُرِطَ لِصَلاةٍ طَهَارَةُ حَدَثٍ وخَبَثٍ، وإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا ودَامَ أَخَّرَ لآخِرِ الاخْتِيَارِيِّ، وصَلَّى أَوْ فِيهَا وإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً وظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ.
أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ.
قوله: (أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ) هذا الشرط لابد منه، ولا أعرفه فِي هذا الفرع بعينه إلاّ للشرمساحي؛ فإنه قال: فإن علم أنه لا ينقطع فلا معنى لقطع صلاته التي شرع فيها، وسواءً كان فِي بيته أو مسجد إِذَا كان محصبًا، أو ترابًا لا حصير عليه؛ لأن ذلك ضرورة، فيغسل الدم بعد فراغه، كما ترك الأعرابي يتمّ بوله فِي المسجد (١). انتهى. فإن كان فِي مسجد محصر (٢) وخشي تلويثه قطع.
وأَوْمَأَ لِخَوْفِ تَأَذِّيهِ أَوْ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ لا جَسَدِهِ.
قوله: (وأَوْمَأَ لِخَوْفِ تَأَذِّيهِ أَوْ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ لا جَسَدِهِ) أي: إِذَا قلنا يتمها ولا يقطع، فإنه يجوز أن يوميء لخوف تأذي جسمه اتفاقًا، ولخوف تلطخ ثوبه. قال فِي " المقدمات ":
_________________
(١) حديث بول الأعرابي في المسجد أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٠٢٥)، كِتَاب الْأَدَبِ، باب الرفق في الأمر كله، ومسلم في صحيحه برقم (٦٨٥) كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، والنسائي برقم (٥٣) باب ترك التوقيت في الماء، وابن ماجه برقم (٥٢٨) باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل، وأحمد، في المسند برقم (١٣٠٠٧) من حديث أنس ﵁، وابن خزيمة برقم (٢٩٣)، باب النهي عن البول في المساجد وتقذيرها، وابن حبان برقم (١٤٠١)، ذكر البيان بأن النجاسة المتفشية على الأرض إذا غلب عليها حتى أزال عينها طهرها.
(٢) أي مفروشًا بالحصير.
[ ١ / ١٦٦ ]
إجماعًا، وحكى غيره قولين: الجواز عن ابن حبيب وعدمه عن ابن مسلمة، وعَلَى الإيماء فقال فِي " تهذيب الطالب ": يوميء للركوع من قيام وللسجود من جلوس، وأما الخوف من تلطّخ بدنه فلا يبيح له الإيماء اتفاقًا؛ إذ الجسد لا يفسد. هذا تحصيله فِي " التوضيح " (١).
وإِنْ لَمْ يَظُنَّ ورَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ.
قوله: [(وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ورَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ) أي: الخمس العليا هذا ظاهر كلام الباجي خلاف ظاهر " المدوّنة "، بيّنه ابن عرفة فقال: وقول الباجي] (٢) عليا أنامل اليد اليسرى (٣)، وقوله عن ابن نافع: عليا الأنامل الأربع قليل، يقتضي قصره عَلَى يد واحدة، وفيها فتله بأصابعه وأتمّ، فجاء بنصّ " المدوّنة " بعد كلام الباجي تنبيهًا عَلَى أن ظاهرها عدم الاقتصار عَلَى يدٍ واحدة ولذا قال أبو الحسن الصغير: فإن تخضّبت عليا أنامل اليسرى انتقل إِلَى عليا أنامل اليمنى، وقد قال الشارمساحي: وهو الذي يسميه المشارقة: مجهول الجلاب. وقيل: وأصابع اليمنى كذا فِي نسختي بالواو عَلَى الجمع.
وأما المصنف فِي " التوضيح " فإنما حكى عنه قولين فِي كون الفتل باليمنى فقط أو باليسرى فقط، ومثل ما للباجي لابن يونس عن مالك فِي المجموعة، وجعله ابن عبد السلام [المذهب] (٤) فقال: وقالوا بأنامله الأربع مع أنه كالمتبريء قال فِي " التوضيح ": أي يفتله بإبهامه وعليا أنامله الأربع (٥).
فَإِنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ قَطَعَ.
قوله: (فَإِنْ زَادَ عَنْ دِرْهَمٍ قَطَعَ) جعل هنا الدرهم من حيّز اليسير، وجعله فِي
_________________
(١) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٧٨، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٢٩، وانظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٤٥. وانظر تفصيل التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١٥، ٣١٦.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ٤): (يسير)،ونصّ الباجي: (الأنامل العليا من أصابع يده) فليسا من نصّه.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٥) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٣٧، والمنتقى، للباجي: ١/ ٣٧٥، والتوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١٥.
[ ١ / ١٦٧ ]
المعفوات من حيّز الكثير حيث قال: (ودُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا (١». فجمع بين القولين. قال فِي " التوضيح " فإن زاد إِلَى الوسطى قطع. هكذا حكى الباجي، وحكى ابن رشد: أن الكثير هو الذي يزيد إِلَى الأنامل الوسطى بقدر الدرهم فِي قول ابن حبيب وأكثر منه فِي رواية ابن زياد. انتهى. وفهم ابن عرفة قول ابن رشد عَلَى التفسير للمذهب فقال: وقليل (٢) غيرها كدم غيره، ويؤيده أن ابن يونس فسّر به رواية المجموعة السابقة، ونحوه لعبد الحق فِي النكت، ولغير واحد (٣).
إن لَطَّخَهُ أَوْ خَشِيَ تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ.
قوله: (إنْ لَطَّخَهُ أَوْ خَشِي تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ) أما إن لطخ الزائد جسده أو ثوبه فيقطع، وأما إن خشي تلوث مسجد، وكان المسجد مفروشًا فلا يجوز له الفتل أصلًا، بل يخرج من أول ما يرشح، حكاه فِي " الذخيرة " عن سند بن عنان قال: وإنما شرع الفتل فِي المسجد المحصّب غير المفروش حتى ينزل المفتول فِي خلال الحصباء (٤).
وإِلا فَلَهُ الْقَطْعُ ونُدِبَ [له] (٥) الْبِنَاءُ، فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَانٍ مُمْكِنٍ قَرُبَ.
قوله: (وإِلا فَلَهُ الْقَطْعُ ونُدِبَ الْبِنَاءُ) أي: فإن لَمْ يرشح فقط بل سال أو قطر ولَمْ يتلطخ منه بكثير فالقطع مباح والبناء مندوب، تغليبًا للعمل، هذا قول مالك، وعكس ابن القاسم تغليبًا للقياس؛ إلاّ أنه قال: يقطع بسلام أو كلام، فإن ابتدأ وم يتكلّم أعاد الصلاة حكاه فِي " المقدمات " (٦).
_________________
(١) هذا فيما مرّ في إزالة النجاسة.
(٢) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (قائل).
(٣) انظر: المنتقى، للباجي، ولفظه: (وإن زاد على ذلك إلى الأنامل التي تليها فلينصرف): ١/ ٣٧٥، وانظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٣٠، والتوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١٥.
(٤) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٨٤.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٦) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ٢/ ٣٢.
[ ١ / ١٦٨ ]
ويَسْتَدْبِرْ قِبْلَةً بِلا عُذْرٍ [٦ / ب] أوَ يَطَأُ نَجَسًا ويَتَكَلَّمْ ولَوْ سَهْوًا إنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ واسْتَخْلَفَ الإِمَامُ وفِي بِنَاءِ الْفَذِّ خِلافٌ وإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إِلا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ وأَتَمَّ مَكَانَهُ إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وأَمْكَنَ وإِلا فَالأَقْرَبُ إلَيْهِ وإِلا بَطَلَتْ ورَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ ولَوْ بِتَشَهُّدٍ، وإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ وسَلَّمَ وانْصَرَفَ إِنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلامِ إِمَامِهِ لا قَبْلَهُ.
قوله: (ويَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلا عُذْرٍ) كذا صرح به ابن العربي وهو المفهوم من كلام اللخمي وسند.
وفِي الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا لأَوَّلِ الْجَامِعِ وإِلا بَطَلَتَا.
قوله: (وإِلا بَطَلَتَا) أي بطلت الصلاتان الأولى غير الجمعة، إن ظن بقاءه أو شكّ ولَمْ يرجع. الثانية: [الجمعة] (١) إن خالف فيها ما أمر به فلم يرجع للجامع أو رجع فجاوز أول الجامع، هذا أعم ما يحمل عليه، وأمّا مجاوزة المكان القريب الممكن فِي المسألة السابقة فلا يتناوله لتقدمه فِي قوله أولا: ([وإلا] (٢) بطلت).
ولا يَبْنِي بِغَيْرِهِ كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ.
قوله: (كظنه فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ) كذا فِي آخر الصلاة الأول من " المدوّنة " قال فيها:
ومن انصرف من الصلاة لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه ثم تبين أنه لا شيء به ابتداءً (٣). انتهى، ونقْله عن غير " المدوّنة " قصور، وعليه: لو كان إمامًا ففي صحة صلاة مأمومه. ثالثها إن كان لا يمكنه علم كذي ظلمة.
ومَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ.
قوله: (ومَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ). هذا الذي شهره ابن رشد فِي سماع أشهب
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من ن ٤.
(٣) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٧٣. ونصّ المدونة: (الرجل يكون في الصلاة، فيظن أنه قد أحدث أو رعف فينصرف ليغسل الدم عنه أو ليتوضأ، ثم تبين له بعد ذلك أنه لم يصبه من ذلك شيء؟ قال: يرجع يستأنف الصلاة، ولا يبني) انظر: المدونة: ١/ ١٠٤.
[ ١ / ١٦٩ ]
من كتاب الصلاة قال: كما لا يفسد صيامه، بخلاف الذي يستقيء طائعًا. انتهى (١). وكأنه حمل قوله فِي " المدوّنة ": ومن تقيأ عامدًا أو غير عامد ابتدأ الصلاة (٢) [جملة] (٣) على غير المغلوب، وفِي بعض المقيّدات [٩ / أ] أن نصّ " المدوّنة " فِي هذا مشكل، إلا أن يريد الكثير أو النجس أو المردود بعد إمكان الطرح، وفِي بعضها أنه قيل لأبي الحسن الصغير: لعله أراد أنه إِذَا ذهب للقيء لا يعود للبناء كما فِي الرعاف؟ فقال: صواب إلاّ أن الشيوخ حملوه عَلَى خلاف ذلك. انتهى.
ويعضد ما صوّبه قوله بعده: ولا يبني إلاّ فِي الرعاف، وأن أشهب خالف فيه، وكذا نقول هنا: أن غير المغلوب مندرج فِي قول المصنف، ولا يبني بغيره، وصرّح به فِي السهو إذ قال: وبتعمد كسجدة أو نفخ أو أكل أو شرب أو قيء، وقد استوفينا النقول عَلَى هذه المسألة فِي وضعنا عَلَى " المدوّنة " المسمى " بتكميل التقييد وتحليل التعقيد " (٤). وبالله تعالى التوفيق.
وإِذَا اجْتَمَعَ بِنَاءٌ وقَضَاءٌ لِرَاعِفٍ أَدْرَكَ الْوُسْطَيَيْنِ أَواحداهُمَا، أَوْ لِحَاضِرٍ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ [صَلاةِ] (٥) مُسَافِرٍ، أَوْ خَوْفٍ بِحَضَرٍ، قَدَّمَ الْبِنَاءَ وجَلَسَ فِي آخِرَةِ الإِمَامِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ.
قوله: (لِرَاعِفٍ أَدْرَكَ الْوُسْطَيَيْنِ أَو احداهُمَا) يريد: وكذلك الناعس والغافل والمزحوم ونحوهم إِذَا كانوا مسبوقين، ذكره ابن عبد السلام، فلو قال: لكراعف بزيادة الكاف لكان (٦) أشمل.
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٧٢.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٠٣، ونص المدونة: (مَنْ قَاءَ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ فِي الصَّلَاةِ اسْتَأْنَفَ ولَمْ يَبْنِ، ولَيْسَ هُو بِمَنْزِلَةِ الرُّعَافِ عِنْدَهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الرُّعَافِ يَبْنِي وهَذَا لَا يَبْنِي) ١/ ٣٨.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٤).
(٤) نقل الحطاب كلام ابن غازي، وكأنه رأى في عبارة المدونة ما رآه ابن غازي. انظر: مواهب الجليل: ١/ ٤٩٥.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، وقد نحا الدسوقي مثل ما للشارح هنا فقال: فالأولى أن يقول: لكراعف في رباعية كعشاء أدرك منها مع الإمام الوسطيين وفاتته الأولى قبل دخوله معه، ورعف في الرابعة فخرج لغسله ففاتته). انظر: الشرح الكبير، للدردير: ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ١٧٠ ]
[فصل]
هَلْ سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِكَثِيفٍ وإِنْ بِإِعَارَةٍ، أَوْ طَلَبَ، أَوْ نَجِسٍ وحْدَهُ، كَحَرِيرٍ. وهُوَ مُقَدَّمٌ شَرْطٌ إِنْ ذَكَرَ وقَدَرَ، وإِنْ بِخَلْوَةٍ لِلصَّلاةِ؟ خِلافٌ.
قوله: (وإن بإعارة) أي دون طلب؛ ولذا لَمْ يقل باستعارة، ويدلُّ عَلَى ذلك عطف الطلب عليه.
وهِيَ مِنْ رَجُلٍ وأَمَةٍ وإِنْ بِشَائِبَةٍ وحُرَّةٍ مَعَ امْرَأَةٍ بَيْنَ سُرَّةٍ ورُكْبَةٍ ومَعَ أَجْنَبِيٍّ - غَيْرُ الْوَجْهِ والْكَفَّيْنِ.
قوله: (بَيْنَ سُرَّةٍ ورُكْبَةٍ) حقيقة البينية تعطي أنهما غير داخلتين وهو الذي اختار من الخلاف فِي المسائل الثلاث، وإن كان بعضها أوكد، زاد فِي " التوضيح ": واعلم أنه إِذَا خشي من الأمة الفتنة وجب الستر لرفع الفتنة، لا لأن ذلك عورة (١).
وأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا، وأَطْرَافِهَا، بِوَقْتٍ، كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخْذًا، لا رَجُلٍ، ومَعَ مَحْرَمٍ غَيْرُ الْوَجْهِ والأَطْرَافِ، وتَرَى مِنَ الأَجْنَبِيِّ مَا يَرَاهُ مِنْ مَحْرَمِهِ، ومِنَ الْمَحْرَمِ كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ، ولا تُطْلَبُ أَمَةٌ بِتَغْطِيَةِ رَأْسٍ.
قوله: (وأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا، وأَطْرَافِهَا، بِوَقْتٍ) يريد وكذا لشعرها كما فِي " المدوّنة "، والوقت فِي الظهرين للاصفرار، وفِي العشاءين الليل كلّه عَلَى مذهب " المدوّنة " (٢).
فإن قلت: فلم سكت عن الشعر وأجمل الوقت؟
قلت: لأنه سيقول بعد: (وأَعَادَتْ إنْ رَاهَقَتْ لِلِاصْفِرَارِ كَكَبِيرَةٍ إنْ تَرَكَتْ الْقِنَاعَ)، وفيه تلويح ببيان الوقت لاتحاد الباب وتصريح بمسألة الشعر.
فائدة:
المعيدون فيها ثلاثون: عشرة للاصفرار، وعشرة للغروب وعشرة لآخر المختار، وقد كنت نظمت أصولهم فِي ثلاث أبيات فقلت:
_________________
(١) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٥٠٠.
(٢) انظر: المدوّنة، لابن القاسم، في حكم الإعادة: ١/ ٩٤،، وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٦٣، ونصها: (وإذا صلت الحرة بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت) وفي وقت الصلاة: ١/ ٩٣، و١/ ١١٩، وما بعدها.
[ ١ / ١٧١ ]
لِوَقْتِ الاصْفِرَارِ فِي الْمُدَوَّنَةِ طُهْرَانِ لَيْسَ قبلة مبينة
ومطلق العُذرِ إِلَى الغروب كالْعَجزِ عن طُهْرٍ وكالترتيب
ولاختيار مقتدٍ بِمُبْتَدِعِ ومُطْلَقُ الْمَسْح ففصل تطلع
أي: فصل الطهرين لخمسة وهي:
من توضأ بماء (١) مختلف فِي نجاسته، ومن تيمم عَلَى موضعٍ نجس، ومن صلى ومعه جلد ميتة [ونحوه، ومن صلى بثوبٍ نجس، ومن صلى عَلَى مكانٍ نجس] (٢).
وفصّل الُلبس بضم اللام، وهو اللباس لثلاثة وهي:
الحرة إِذَا صلّت بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين، ومن صلى بثوب حرير، ومن صلى بخاتم ذهب.
وفصّل القبلة لاثنين: من أخطأ القبلة، ومن صلى فِي الكعبة أو فِي الحجّر فريضة. فهذه عشرة.
وفصّل مطلق العذر لسبعة وهي:
الكافر يسلم، والصبي يحتلم، والمرأة تحيض و(٣) تطهر، والمصاب يفيق أو عكسه، والمسافر يقدم أو عكسه، ومن صلى فِي السفر أربعًا، ومن عسر تحويله إِلَى القبلة.
وفصّل الترتيب إِلَى اثنين هما:
من صلى صلوات وهو ذاكر لصلاة، وتارك ترتيب المفعولات إلى (٤) العاجز عن طهر الخبث، كمن صلى بثوبٍ نجس لا يجد غيره، فهذه عشرة.
_________________
(١) في ن ٤: (نجس).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٣) في (ن ١)، و(ن ٤): (أو).
(٤) في: (ن ٣) (و).
[ ١ / ١٧٢ ]
وفصّل مطلق المسح لتسعة وهي:
من تيمم إِلَى الكوعين، وناسي الماء فِي رحله، والخائف من سبعٍ ونحوه، والراجي، والموقن إِذَا تيمم أول الوقت، واليائس إِذَا وجد الماء الذي قدره، والمريض [الذي] (١) لا يجد مناولًا، والماسح عَلَى ظهور الخفين دون بطونهما، والمستجمر بفحمٍ ونحوه، والمقتدي بالمبتدع، فهذه عشرة، فالمجموع ثلاثون، وإطلاق الإعادة فِي جميعهم تغليب.
ونُدِبَ سَتْرُهَا بِخَلْوَةٍ ولأُمِّ ولد، وصَغِيرَةٍ، سَتْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْحُرَّةِ، وأَعَادَتْ إِنْ رَاهَقَتْ لِلاصْفِرَارِ، كَكَبِيرَةٍ، إِنْ تَرَكَتِ الْقِنَاعَ، كَمُصَلٍّ بِحَرِيرٍ، وإِنِ انْفَرَدَ، أَوْ بِنَجِسٍ بِغَيْرٍ أَوْ بِوُجُودِ مُطَهِّرٍ.
قوله: (ونُدِبَ سَتْرُهَا بِخَلْوَةٍ) أي: وندُب ستر العورة فِي غير الصلاة [فِي الخلوة] (٢)، وأما فِي الصلاة فقد تقدّم، ولا يليق أن يحمل كلامه إلاّ عَلَى هذا.
وإِنْ ظَنَّ عَدَمَ صَلاتِهِ وصَلَّى بِطَاهِرٍ لا عَاجِز صَلَّى عُرْيَانًا.
قوله: (لا عَاجِزٌ صَلَّى عُرْيَانًا) هذا قول ابن القاسم فِي سماع عيسى: أنه لا يعيد إن وجد ثوبًا فِي الوقت، ولَمْ يحك ابن رشد غيره، (٣) وقال المازري: المذهب يعيد فِي الوقت. قال ابن عرفة: وتبعوه. [انتهى، ولَمْ يتبعه المصنف] (٤).
وتَلَثُّمٌ كَكَشْفِ مُشْتَرٍ (٥) صَدْرًا أَوْ سَاقًا وصَمَّاءُ بِسَتْرٍ وإِلا مُنِعَتْ كَاحْتِبَاءٍ لا سَتْرَ مَعَهُ وعَصَى.
قوله: (كَكَشْفِ مُشْتَرٍ صَدْرًا أَوْ سَاقًا) يعني: أنه يكره لمشتري الأمة كشف صدرها أو ساقها للتقليب، ذكره اللخمي عن مالك فِي " الواضحة ": أنه يكره للرجل أن يكشف
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ٤).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٥١٩، ونص المسألة: (سألت ابن القاسم عن الغرق يصلي عريانًا، ثم يجد ثوبًا وهو في الوقت هل يعيد الصلاه؟ قال: لا يعيد الصلاة).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٥) في الأصل: (مسدل) وانظر تعليق الشارح على هذا، وقد قال في هامش نسخة أصل المختصر: (مشتر) خطأ، ونقل مأخذ بهرام أحد شرّاح المختصر.
[ ١ / ١٧٣ ]
[من الأمة] (١) عند استعراضه إياها شيئًا، لا معصمًا ولا صدرًا ولا ساقًا، وفِي بعض النسخ (مسدل) عوض (مشتر) والمعروف فِي اللغة سادل من سدل ثلاثيًا (٢).
وَصَحَّتْ إِنْ لَبِسَ حَرِيرًا، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ سَرَقَ، أَوْ نَظَرَ مُحَرَّمًا فِيهَا، وإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلا سِتْرًا لأَحَدِ فَرْجَيْهِ فَثَالِثُهَا يُخَيَّرُ، ومَنْ عَجَزَ صَلَّى عُرْيَانًا، فَإِنِ اجْتَمَعُوا بِظَلامٍ فَكَالْمَسْتُورِينَ، وإِلا تَفَرَّقُوا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صَلَّوْا قِيَامًا، غَاضِّينَ، إِمَامُهُمْ وَسَطَهُمْ، فَإِنْ عَلِمَتْ فِي صَلاةٍ بِعِتْقٍ مَكْشُوفَةُ رَأْسٍ أَو وَجَدَ عُرْيَانٌ ثَوْبًا اسْتَتَرَا، [٧ / أ] إِنْ قَرُبَ، وإِلا أَعَادَا بِوَقْتٍ، وإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ صَلَّوْا أَفْذَاذًا، أَوْ لأَحَدِهِمْ، نُدِبَ لَهُ إِعَارَتَهُمْ.
قوله: (أَوْ نَظَرَ مُحَرَّمًا) [٩ / ب] ظاهره: حتى عورة إمامه، وعورة نفسه خلافًا لابن عيشون الطليطلي، إذ نقل عنه ابن عرفة وغيره: أن من نظر عورة إمامه أو نفسه بطلت صلاته بخلاف غيرهما ما لَمْ يشغله ذلك أو يتلذذ به. انتهى. فقف عَلَى جعله النظر إِلَى عورة نفسه محرمًا وقادحًا، إلاّ أن هذا فِي الصلاة، وأمّا فِي غيرها فغاية ما ذكر أبو عبد الله بن الحاجّ فِي المدخل: أن من آداب الأحداث أن لا ينظر إِلَى عورته ولا إِلَى الخارج منها إلا لضرورة. والله سبحانه أعلم (٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) قلت: نقل الحطاب كلام الشارح هنا بنصّه كالمستحسن له. انظر: مواهب الجليل: ١/ ٥٠٣، ونقله الخرشي أيضا كالحطاب، وقال في التاج والإكليل: (فلو قال خليل ككشف مسدل أو مشتر لكان صحيحًا، ولعل أن يكون قبل هذا وسقط للناسخ): ١/ ٥٠٣.
(٣) انظر: المدخل، لابن الحاجّ، فصل الاستبراء: ١/ ٢٨. وكتابه: " المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة ". وابن الحاجّ هو: محمد بن محمد، العبدري، المعروف: بابن الحاج، المغربي، الفاسي، من أصحاب ابن أبي جمرة، سمع بالمغرب، وقدم القاهرة، وسمع بها الحديث وحدّث بها. توفي سنة ٧٣٧ هـ، انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون: ١/ ٣٢٨، والوفيات، للسلامي: ١/ ١٥٤
[ ١ / ١٧٤ ]
[فصل]
ومَعَ الأَمْنِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ، فَإِنْ شَقَّ فِفِي الاجْتِهَادِ نَظَرٌ، وإِلا فَالأَظْهَرُ جِهَتُهَا اجْتِهَادًا، كَإِنْ نُقِضَتْ.
قوله: (وإِلا فَالأَظْهَرُ جِهَتُهَا اجْتِهَادًا) ظاهره أن هذا الاستظهار لابن رشد، ولَمْ أجده له فِي " البيان " ولا فِي " المقدمات "، وإنما وجدته لابن عبد السلام، وهو ظاهر كلام غير واحد (١).
وَبَطَلَتْ إِنْ خَالَفَهَا، وإِنْ صَادَفَ. وصَوْبُ سَفَرِ قَصْرٍ لِرَاكِبِ دَابَّةٍ فَقَطْ. وإِنْ بِمَحْمِلٍ بَدَلٌ فِي نَفْلٍ، وإِنْ وِتْرًا، وإِنْ سَهُلَ الابْتِدَاءُ لَهَا.
قوله: (وبَطَلَتْ إِنْ خَالَفَهَا) وجدت معلقًا عليه بخطّ شيخنا الفقيه الحافظ أبي عبد الله القوري: صوابه إن خالفه، أي: إن خالف اجتهاده (٢).
لا سَفِينَةٍ فَيَدُورُ مَعَهَا إِنْ أَمْكَنَ، وهَلْ إِنْ أَوْمَأَ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ،، ولا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ غَيْرَهُ. ولا مِحْرَابًا إِلا لِمِصْرٍ، وإِنْ أَعْمَى وسَأَلَ عَنِ الأَدِلَّةِ، وقَلَّدَ غَيْرُهُ مُكَلَّفًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ تَحَيَّرَ مُجْتَهِدٌ تَخَيَّرَ، ولَوْ صَلَّى أَرْبَعًا لَحَسُنَ (٣) واخْتِيرَ وإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلاةٍ قَطَعَ غَيْرُ أَعْمَى ومُنْحَرِفٍ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلانِهَا، وبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وهَلْ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا؟ خِلافٌ. وجَازَتْ سُنَّةٌ فِيهَا، وفِي الْحِجْرِ لأَيِّ جِهَةٍ لا فَرْضٌ فَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ وأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ وبِالإِطْلاقِ.
_________________
(١) أشار الخرشي أن ذلك وقع لابن رشد في " قواعده الكبرى "، وأشار التتائي بأن ابن رشد اقتصر عليه في المقدمات، ففهم المصنف أن ذلك راجح عنده فاستظهره. انظر: شرح الخرشي: ١/ ٥٠٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ١/ ٢٢٤.
(٢) لم يشر شراح المختصر إلى إشارة ابن غازي تلك مع دقتها وسمو مأخذها، وإن كان الحطاب قال ما نصه: (يشير إلى ما نقله صاحب الذخيرة عن صاحب الطراز ونصه قال: إذا أداه الاجتهاد إلى جهة فصلى إلى غيرها ثم تبين أنه صلى إلى الكعبة فصلاته باطلة عندنا) فحمل الضمير المؤنث على الاجتهاد رغم كونه ضميرًا مؤنثًا، فلعله أراد قبلة الاجتهاد كما أشار له العدوي، فيصح إذا على كلام العدوي تأنيث الضمير لأن المراد قبلة الاجتهاد، ويبطل تصويب القوري الذي أشار له المؤلف، وكلام القرافي في الذخيرة: ٢/ ١٣٣. وانظر مواهب الجليل: ١/ ٥٠٨، وانظر شرح الخرشي بحاشية العدوي: ١/ ٥٠٥.
(٣) أي: أربع صلوات، واحدة لكل جهة.
[ ١ / ١٧٥ ]
قوله: (وهَلْ إِنْ أَوْمَأَ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ) قد يتبادر من لفظه أن التأولين راجعان للدوران ومفرعان عليه، وإنما هما فِي وجه منع النفل فِي السفينة إيماءً حيثما توجّهت به؛ وذلك أنه قال فِي " المدوّنة ": ولا يتنفل فِي السفينة إيماءً وحيثما توجهت به مثل الدابة (١). فتَرَدُّدٌ الشيوخ فِي السبب الذي من أجله منع لك هل لكونه يصلي إيماءً؟ أو لكونه يصلي حيث ما توجهت به.
قال عبد الحقّ فِي " التهذيب ": ذكر عن ابن التبان (٢) أن ذلك لمن يصلّي إيماءً كما شرط، فأما من يركع ويسجد فيجوز له أن يصلي حيثما توجهت به، وخالفه أبو محمد وقال: ليست كالدابّة ولا يتنفل فيها إلا إِلَى القبلة وإن ركع وسجد. انتهى.
وقد خرج منه أن التأويلين متفقان عَلَى أنه لا يجوز فِي مذهب " المدوّنة " التنفل فِي السفينة إيماءً، وقد صرّح بذلك الشارمساحي فقال: وفِي التنفل فِي المركب إِلَى غير القبلة [للضرورة] (٣) قَوْلانِ؛ لكن عَلَى الجواز لابد أن يسجد بخلاف الدابة فإنه يوميء. انتهى. وعبارة المصنف هنا تنبوا (٤) عن هذا، فمن اغترّ بلفظه ولَمْ يأخذ العلم من أصوله فهم الشيء عَلَى غير وجهه.
وقد يمكن ردُّ كلامه إِلَى الصواب، بصرف التأويلين لمجرد المنع المدلول عليه بقوله: (لا سفينة). فتدبره (٥). وبالله تعالى التوفيق.
وبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا كَالرَّاكِبِ إِلا لالْتِحَامٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ كَسَبُعٍ، وإِنْ لِغَيْرِهَا، وإِنْ أَمِنَ أَعَادَ الْخَائِفُ بِوَقْتٍ، وإِلا لِخَضْخَاضٍ لا يُطِيقُ النُّزُولَ بِهِ، أَوْ لِمَرَضٍ، فَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالأَرْضِ فَلَهَا، وفِيهَا كَرَاهَةُ الأَخِيرِ.
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٩٢.
(٢) هو: عبدالله بن إسحاق، المعروف بابن التبان، عالم القيروان، كان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه، والكلام على أصول التوحيد، توفي سنة ٣٧١ هـ، انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي: ١٦/ ٣١٩، والديباج المذهب، لابن فرحون ص: ١٣٨.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ٣): (تنبيء).
(٥) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٥١، والتفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٢٢.
[ ١ / ١٧٦ ]
قوله: (وبطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا) فيه ثلاث نكت:
الأولى: ظاهره ولو كان بين يديه قطعة من سطحها وهو صحيح، فإن أهل المذهب لا يفصلون فِي ذلك خلافًا لأبي حنيفة (١). ولله درّ ابن عرفة حيث قال: ونقل ابن شاس عن [المازري] (٢) عن أشهب: إن كان بين يديه قطعة من سطحها فكجوفها (٣)، واتباع ابن الحاجب (٤) وشارحيه له وهم؛ إنما نقله المازري عن أبي حنيفة، لا يقال إجراءه عَلَى السمت يوجب بقاء جزء من سطحها، وإلا فلا سمت؛ لأن شاذروانه (٥) منه فهواؤه سمت. انتهى.
وقد وقفت عليه فِي " شرح التلقين " منسوبًا لأبي حنيفة لا لأشهب، وممن تبع ابن شاس فِي ذلك القرافي فِي " ذخيرته " (٦).
الثانية: ظاهره أيضًا أن النفل عَلَى ظهرها صحيح وفاقًا لابن الجلاب (٧) خلافًا لابن حبيب.
الثالثة: الفرض فِي مطمورة فِي جوفها أحرى بالبطلان، فقد قال فِي " الطراز ": لو جوّزنا الصلاة فِي الكعبة أو عَلَى ظهرها لَمْ تجز فِي سرب تحتها أو مطمورة؛ لأن البيوت شأنها أن ترفع وليس شأنها أن تنزل؛ ولذلك حكمنا بأن سطوح المساجد كالمساجد فِي الأحكام، بخلاف ما لو حفر تحتها بيتًا فإنه يجوز أن تدخله الحائض والجنب (٨).
_________________
(١) قال في الهداية شرح البداية، للمرغياني: (ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته): ١/ ٩٥
(٢) في (ن ١): (ابن المواز).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٩٤/ ١.
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٩١.
(٥) الشاذروان: بفتح الذال من جدار البيت الحرام، وهو الذي تُرك من عرض الأساس خارجًا، ويسمى تأزيرًا؛ لأنه كالإزار للبيتِ الشَّذَى. انظر: المصباح المنير، للفيومي: ١/ ٣٠٧.
(٦) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ١١٥.
(٧) في (ن ١): (الحاجب)، وانظر ما لابن الجلاب في: التفريع: ١/ ١٢٢.
(٨) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٩١، والذخيرة، للقرافي: ٢/ ١١٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
[فصل: فَرَائِضُ الصَّلاةِ] (١)
تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ وقِيَامٌ لَهَا إِلا لِمَسْبُوقٍ فتَأْوِيلانِ، وإِنَّمَا يُجْزِئُ اللهُ أَكْبَرُ، وإِنْ عَجَزَ سَقَطَ، ونِيَّةُ الصَّلاةِ الْمُعَيَّنَةِ، ولَفْظُهُ وَاسِعٌ، وإِنْ تَخَالَفَا فَالْعَقْدُ والرَّفْضُ مُبْطِلٌ، كَسَلامٍ أَوْ ظَنِّهِ فَأَتَمَّ بِنَفْلٍ إِنْ طَالَتْ أَوْ رَكَعَ، وإِلا فَلا، كَأَنْ لَمْ يَظُنَّهُ أَوْ عَزُبَتْ أَوْ لَمْ يَنْوِ الرَّكْعَاتِ أَوِ الأَدَاءَ أَوْ ضِدَّهُ، ونِيَّةُ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ، وجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الإِمَامُ.
وبَطَلَتْ بِسَبْقِهَا إِنْ كَثُرَ وإِلا فَخِلافٌ وفَاتِحَةٌ بِحَرَكَةِ لِسَانٍ عَلَى إِمَامٍ وفَذٍّ وإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وقِيَامٌ لَهَا فَيَجِبُ تَعَلُّمُهَا إِنْ أَمْكَنَ، وإِلا ائْتَمَّ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا فَالْمُخْتَارُ سُقُوطُهُمَا.
ونُدِبَ فَصْلٌ بَيْنَ تَكْبِيرِهِ ورُكُوعِهِ، وهَلْ تَجِبُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوِ الْجُلِّ؟ خِلافٌ، وإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ، ورُكُوعٌ تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ فِيهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ونُدِبَ تَمْكِينُهُمَا، ونَصْبُهُمَا [٧ / ب]، ورَفْعٌ مِنْهُ، وسُجُودٌ عَلَى جَبْهَتِهِ.
وأَعَادَ لِتَرْكِ أَنْفِهِ بِوَقْتٍ، وسُنَّ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ، ورُكْبَتَيْهِ كَيَدَيْهِ عَلَى الأَصَحِّ، ورَفْعٌ مِنْهُ، وسُجُودٌ (٢) لِسَلامٍ، وسَلامٌ، عُرِّفَ بِأَلْ، وفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِهِ خِلافٌ.
وأَجْزَأَ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، وطُمَأْنِينَتُهُ، وتَرْتِيبُ أَدَاءٍ واعْتِدَالٌ عَلَى الأَصَحِّ.
والأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ. وسُنَنُهَا سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُولَى والثَّانِيَةِ، وقِيَامٌ لَهَا، وجَهْرٌ أَقَلُّهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ ومَنْ يَلِيهِ، وسِرٌّ بِمَحَلِّهِمَا، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ، إِلا الإِحْرَامَ وسَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لإِمَامٍ وفَذٍّ، وكُلُّ تَشَهُّدٍ، والْجُلُوسُ الأَوَّلُ، والزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ السَّلامِ مِنَ الثَّانِي وعَلَى الطُّمَأْنِينَةِ، ورَدُّ مُقْتَدٍ عَلَى إِمَامِهِ، ثُمَّ يَسَارِهِ، وبِهِ أَحَدٌ، وجَهْرٌ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ فَقَطْ، وإِنْ سَلَّم عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ، وسُتْرَةٌ لإِمَامٍ وفَذٍّ، إِنْ خَشِيَا مُرُورًا بِطَاهِرٍ ثَابِتٍ، غَيْرِ مُشْغِلٍ، فِي غِلْظِ رُمْحٍ، وطُولِ ذِرَاعٍ، لا دَابَّةٍ وحَجَرٍ واحد وخَطٍّ، وأَجْنَبِيَّةٍ، وفِي الْمَحْرَمِ قَوْلانِ وأَثِمَ مَارٌّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ، ومُصَلٍّ تَعَرَّضَ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٢) زاد في أصل المختصر: (عَلَى جُلُوسٍ).
[ ١ / ١٧٨ ]
قوله: (وَجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الإِمَامُ) هذا - والله سبحانه أعلم - خاص بمسألة الجمعة والظهر، ومسألة السفر والإقامة.
أمّا الأولى فقال فيها [اللخمي: أجاز أشهب فِي " كتاب محمد " أن يدخل عَلَى نية الإمام وإن لَمْ يعلم فِي أي صلاة هو، فقال] (١) فيمن صلى مع الإمام وهو لا يدري أهو يوم الجمعة أو يوم الخميس؟: يجزيه ما صادف من ذلك. وأصله إهلال عليٍّ وأبي موسى - رضي الله تعالى عنهما - فِي حجة الوداع بما أهلّ به رسول الله - ﷺ - (٢).
وأما الثانية: فقال فيها ابن رشد فِي رسم القبلة من سماع ابن القاسم: ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهو لا يعلم إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأجزأته صلاته قولًا واحدًا، وحجته حديث عليّ وأبي موسى المتقدم - رضي الله تعالى عنهما (٣) وقال ابن عرفة: قوله: قولًا واحدًا. خلاف قول المازري وابن بشير فِي لزوم نية عدد الركعات قَوْلانِ. انتهى.
وقد ذكره ابن يونس بزيادة بيان فِي الثانية؛ وذلك أنه حكى عن أشهب عدم الإجزاء فيمن ظنّ الخميس جمعة وعكسه، ثم قال ما نصّه: " ولو أنه حين دخل نوى صلاة إمامه ما صادف من ذلك أجزأه، سحنون مثله "، وقال فِي [١٠ / أ] مقيم أو مسافر دخل مع إمام لا يدري ما هو، ونوى صلاة إمامه: أجزأه، وإن خالفه، ويتم المقيم بعد المسافر ويتم المسافر مع المقيم. انتهى.
وقد أغفله ابن عرفة، واقتصر عَلَى نقل اللخمي وابن رشد المتقدمين (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (١٤٨٣)، (١٤٨٤)، كتاب الحج، باب من أهلّ في زمن النبي ﷺ كإهلال النبي ﷺ، ومسلم في صحيحه برقم (١٢١٦)، كتاب الحج، باب بَيَانِ وُجُوهِ الإِحْرَامِ، وإهلال أبي موسى انظره في: صحيح مسلم برقم (١٢٢١) باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٢٨.
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٠٦، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
[سنن الصلاة ومكروهاتها]
وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ، ولَوْ سَكَتَ إِمَامُهُ. ونُدِبَتْ إِنْ أَسَرَّ كَرَفْعِ يَدَيْهِ مَعَ إِحْرَامِهِ حِينَ شُرُوعِهِ وتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ صُبْحٍ، والظُّهْرُ تَلِيهَا، وتَقْصِيرُهَا بِمَغْرِبٍ وعَصْرٍ، كَتَوَسُّطٍ بِعِشَاءٍ، وثَانِيَةٍ عَنْ أُولَى، وجُلُوسُ أَوَّلٍ، وقَوْلُ مُقْتَدٍ وفَذٍّ: رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ، وتَسْبِيحٌ بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، وتَأْمِينُ فَذٍّ مُطْلَقًا، وإِمَامٍ بِسِرٍّ، ومَأْمُومٍ بِسِرٍّ، أَوْ جَهْرٍ إِنْ سَمِعَهُ عَلَى الأَظْهَرِ، وإِسْرَارُهُمْ بِهِ، وقُنُوتٌ [سِرًَّا] (١) بِصُبْحٍ فَقَطْ، وقَبْلَ الرُّكُوعِ، ولَفْظُهُ وهُوَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ إِلَى آخِرِهِ، وتَكْبِيرُهُ فِي الشُّرُوعِ، إِلا فِي قِيَامِهِ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَلاسْتِقْلالِهِ والْجُلُوسُ كُلُّهُ بِإِفْضَاءِ الْيُسْرَى لِلأَرْضِ، والْيُمْنَى عَلَيْهَا وإِبْهَامِهَا لِلأَرْضِ.
قوله: (وإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ، ولَوْ سَكَتَ إِمَامُهُ) ظاهره أن إنصات المقتدي بالإمام فِي الجهرية سنة، ولو كان إمامه ممن يسكت بين التكبير والفاتحة أو بعد الفاتحة، وهو خلاف ما له فِي " التوضيح " فإنه قال فيه ما نصه: والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة، وهذا إِذَا كان الإمام يصل قراءته بالتكبير، فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة، ففي
" المجموعة " من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه فِي سكتته أم القرآن وإن كان قبل قراءته.
قال الباجي: ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس، إِذَا لَمْ يقرأ الإمام قراءة ينصت لها ويتدبر معها. قال المصنف: وعَلَى هذا إِذَا كان الإمام ممن يسكت بعد الفاتحة كما يفعل الشافعية فيقرؤها المأموم (٢). انتهى.
فظاهر ما فِي " التوضيح ": أنه جعل رواية ابن نافع تفسيرًا، وظاهر ما هنا أنه جعلها خلافًا، وأشار لها بلو، وقد اقتصر ابن عرفة عَلَى نقل هذه الرواية من طريق الباجي، ولَمْ يتناول لكونها تقييدًا للإطلاقات أو خلافًا لها. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) زيادة من المطبوعة.
(٢) انظر: المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٢/ ٦٢، وانظر ما للشافعية في السكت بعد الفاتحة قول الشربيني: (ويندب للإمام أن يسكت بعد تأمينه في الجهرية قدر قراءة المأموم الفاتحة ويشتغل حينئذ بذكر أو دعاء أو قراءة سرًا) انظر: مغني المحتاج، للشربيني ١/ ١٦٣، وانظر المجموع، للنووي: ٣/ ٣١٢.
[ ١ / ١٨٠ ]
وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِرُكُوعِهِ، ووَضْعُهُمَا حَذْوَ أُذُنَيْهِ أَوْ قُرْبَهُمَا بِسُجُودٍ، ومُجَافَاةُ رَجُلٍ فِيهِ بَطْنَهُ فَخْذَيْهِ، ومِرْفَقَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، والرِّدَاءُ، وسَدْلُ (١) يَدَيْهِ، وهَلْ يَجُوزُ الْقَبْضُ فِي النَّفْلِ، أَوْ إِنْ طَوَّلَ؟ وهَلْ كَرَاهَتُهُ فِي الْفَرْضِ لِلاعْتِمَادِ، أَوْ خِيفَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ، أَوْ إِظْهَارِ خُشُوعٍ؟ تَأْوِيلاتٌ. وتَقْدِيمُ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ، وعَقْدُ يُمْنَاهُ فِي تَشَهُّدَيْهِ الثَّلاثَ، مَادًَّا السَّبَّابَةَ والإِبْهَامَ، وتَحْرِيكُهُمَا دَائِمًا، وتَيَامُنٌ بِالسَّلامِ، ودُعَاءٌ بِتَشَهُّدٍ [٨ / أ] ثَانٍ، وهَلْ لَفْظُ التَّشَهُّدِ والصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ خِلافٌ.
قوله: (ووَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِرُكُوعِهِ) يكفي عنه قوله قبل: (وندب تمكينهما منهما)؛ ولذلك يوجد فِي بعض النسخ بإسقاط لفظ (بِرُكُوعِهِ) وخفض لفظ (وَضْعُ) عطفًا عَلَى قوله: (بِإِفْضَاءِ الْيُسْرَى)، فيكون من تمام صفة الجلوس وكأنه اصلاح.
ولا بَسْمَلَةَ فِيهَ وجَازَتْ كَتَعَوُّذٍ بِنَفْلٍ.
وكُرِهَا بِفَرْضٍ كَدُعَاءٍ قَبْلَ قِرَاءَةٍ، وبَعْدَ فَاتِحَةٍ، وأَثْنَاءَهَا وأَثْنَاءَ سُورَةٍ، ورُكُوعٍ، وقَبْلَ تَشَهُّدٍ، وبَعْدَ سَلامِ إِمَامٍ، وتَشَهُّدٍ أَوَّلَ، لا بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ، ودَعا بِمَا أَحَبَّ، وإِنْ لِدُنْيَا، وسَمَّى مَنْ أَحَبَّ، ولَوْ قَالَ يَا فُلانُ فَعَلَ اللهُ بِكَ كَذَا، لَمْ تَبْطُلْ، وكُرِهَ سُجُودٌ عَلَى ثَوْبٍ لا حَصِيرٍ، وتَرْكُهُ أَحْسَنُ، ورَفْعُ موميء مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، وسُجُودٌ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ طَرْفِ كُمٍّ، ونَقْلُ حَصْبَاءَ مِنْ ظِلٍّ لَهُ بِمَسْجِدٍ، وقِرَاءَةٌ بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، ودُعَاءٌ خَاصٌّ أَوْ بِعْجَمِيَّةٍ (٢) لِقَادِرٍ، والْتِفَاتٌ [بِلا حَاجَةٍ] (٣)، وتَشْبِيكُ أَصَابِعَ، وفَرْقَعَتُهَا، وإِقْعَاءٌ، وتَخَصُّرٌ (٤) وتَغْمِيضُ بَصَرِهِ، ورَفْعُهُ رِجْلًا، ووَضْعُ قَدَمٍ عَلَى أُخْرَى، وإِقْرَانُهُمَا وتَفَكُّرٌ بِدُنْيَوِيٍّ، وحَمْلُ شَيْءٍ بِكُمٍّ أَوْ فَمٍ، وتَزْوِيقُ قِبْلَةٍ، وتَعَمُّدُ مُصْحَفٍ فِيهِ لِيُصَلِّيَ لَهُ، وعَبَثٌ بِلِحْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مُرَبَّعٍ، وفِي كُرْهِ الصَّلاةِ بِهِ قَوْلانِ.
_________________
(١) السدل: الإرخاء والإرسال. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٣/ ٣١٢.
(٢) في أصل المختصر لدينا: (بمعجمية).
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) التَّخاصُرُ: أَن يضرب الرجل يده إِلى خَصْره في الصلاة. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٤/ ٢٤٠.
[ ١ / ١٨١ ]
فصل [القيام وبدله]
يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ، إِلا لِمَشَقَّةٍ ولِخَوْفِهِ بِهِ فِيهَا، أَوْ قَبْلُ ضَرَرًا كَالتَّيَمُّمِ كَخُرُوجِ رِيحٍ، ثُمَّ اسْتِنَادٌ لا لِجُنُبٍ وحَائِضٍ، ولَهُمَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ جُلُوسٌ كَذَلِكَ، وتَرَبَّعَ كَالْمُتَنَفِّلِ، وغَيَّرَ جِلْسَتَهُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ، ولَوْ سَقَطَ قَادِرٌ بِزَوَالِ عِمَادٍ بَطَلَتْ (١)، وإِلا كُرِهَ، ثُمَّ نُدِبَ عَلَى أَيْمَنَ، ثُمَّ أَيْسَرَ، ثُمَّ ظَهْرٍ.
قوله: (وَلا بَسْمَلَةَ فِيهَ) أي: فِي التشهد. قال فِي " المدوّنة " قال مالك: ولا أعرف فِي التشهد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) كذا اختصره أبو سعيد وغيره بزيادة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأما البسملة فِي القراءة فقد نبّه عليها بقوله: (وكرها بفرض).
وأَوْمَأَ عَاجِزٌ إِلا عَنِ الْقِيَامِ.
قوله: (وأَوْمَأَ عَاجِزٌ إِلا عَنِ الْقِيَامِ) أي: أن من عجز عن غير القيام من ركوع وسجود وجلوس، ولَمْ يقدر إلّا عَلَى القيام فإنه يوميء من القيام للركوع والسجود قال فِي " المدوّنة ": وإن لَمْ يقدر إلاّ عَلَى القيام كانت صلاته كلّها قيامًا ويوميء بالسجود أخفض من الركوع (٣).
وَمَعَ الْجُلُوسِ أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ مِنْهُ، وهَلْ يَجِبُ فِيهِ الْوُسْعُ ويُجْزِئُ إِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ؟ تَأْوِيلانِ، وهَلْ يُومِئُ بِيَدَيْهِ أَوْ يَضَعُهُمَا عَلَى الأَرْضِ، وهُوَ الْمُخْتَارُ كَحَسْرِ عِمَامَتِهِ بِسُجُودٍ؟ تَأْوِيلانِ، وإِنْ قَدَرَ عَلَى الْكُلِّ، وإِنْ سَجَدَ لا يَنْهَضُ، أَتَمَّ رَكْعَةً ثُمَّ جَلَسَ وإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ انْتَقَلَ لِلأَعْلَى، وإِنْ عَجَزَ عَنْ فَاتِحَةٍ قَائِمًا جَلَسَ.
قوله (ومَعَ الْجُلُوسِ أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ مِنْهُ) أي: وإن لَمْ يقدر إلا عَلَى القيام مع الجلوس، فإنه يوميء للسجود من الجلوس، وأما الركوع فيوميء له من القيام كالذي تقدّم. وقال فِي " المدوّنة ": وإن قدر عَلَى القيام ولَمْ يقدر عَلَى الركوع قام وأومأ لركوعه ومدّ يديه إِلَى
_________________
(١) يَعْنِي أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا إذَا اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ سَقَطَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ ويَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا. انظر: شرح الخرشي: ١/ ٥٨١.
(٢) نص المدونة: (قال مالك: لا أعرف في التشهد " بسم الله الرحمن الرحيم "؛ ولكن يبدأ بالتحيات لله) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ١٤٣، وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٠٦.
(٣) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٤٤، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٧٧.
[ ١ / ١٨٢ ]
ركبتيه فِي إيمائه، ويجلس ويسجد إن قدر وإلاّ أومأ بالسجود جالسًا (١)، وظاهر قوله: أومأ للسجود جالسًا أن ذلك فِي السجدتين، وبه قطع اللخمي، وهو الذي اعتمده المصنف فأطلق فِي قوله: (أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ مِنْهُ). وذهب أبو إسحاق التونسي النظار إِلَى: أنه يوميء للسجدة الأولى من انحطاطه بعد الركوع؛ لأنه لا يجلس قبلها، فإن تعذر جلس ثم أومأ بها، وعزاه ابن بشير للأشياخ، وهو عَلَى الخلاف فِي الحركة إِلَى الأركان.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلا عَلَى نِيَّةٍ، أَوْ مَعَ إِيمَاءٍ بِطَرْفٍ، فَقَالَ (٢) وغَيْرُهُ لا نَصَّ، ومُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ، وجَازَ قِدْحُ عَيْنٍ أَدَّى لِجُلُوسٍ، لا اسْتِلْقَاءٍ، فَيُعِيدُ أَبَدًا، وصُحِّحَ عُذْرُهُ أَيْضًا، ولِمَرِيضٍ سَتْرُ نَجِسٍ بِطَاهِرٍ، لِيُصَلِّيَ [عَلَيْهِ] (٣) كَالصَّحِيحِ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلا عَلَى نِيَّةٍ، أَوْ مَعَ إِيمَاءٍ بِطَرْفٍ، فَقَالَ وغَيْرُهُ لا نَصَّ، ومُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ) فاعل (قال) هو المازري، والمراد بـ: (غيره) ابن بشير وأتباعه، وقد جعلهما المصنف هنا، وفِي " التوضيح " متواردين عَلَى محلٍ واحد وليس كذلك، بل تكلّم ابن بشير عَلَى الذي لا يقدر إلاّ عَلَى النية، وتكلّم المازري عَلَى من يقدر عَلَى النية مع الإيماء بالطرف، وجوابهما مختلفٌ، عَلَى ما تقف عليه إن شاء الله تعالى من نصّهما.
أما المازري فقال فِي " شرح التلقين " ما نصّه: إِذَا لَمْ يستطع المريض أن يوميء برأسه للركوع والسجود فمقتضى المذهب فيما يظهر ليّ: أنّه يوميء بطرفه وحاجبه ويكون مصليًا [به] (٤) مع النية، وبه قالت الشافعية (٥)، وقال أبو حنيفة: لا يصلّي فِي هذه الحال وتسقط (٦).
_________________
(١) انظر: السابق.
(٢) في المطبوعة: (قال المازري)، وانظر تعليق الشارح.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ١)، و(ن ٣)، و(ن ٤).
(٥) قال النووي من الشافعية: (فإن عجز عن الإيماء بالطرف أجرى أفعال الصلاة على قلبه، فإن اعتقل لسانه وجب أن يجري القرآن والأذكار الواجبة على قلبه كما يجب أن يجري الأفعال. قال أصحابنا: وما دام عاقلًا لا يسقط عنه فرض الصلاة ولو انتهى ما انتهى، ولنا وجهٌ حكاه صاحبا " العدة " و" البيان " وغيرهما: أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة). انظر: المجموع، للنووي: ٤/ ٢٧١.
(٦) قال السرخسي من الحنفية: (وإن عجز عن الإيماء بالعينين قال زفر رحمه الله تعالى وحده: يوميء بالقلب؛ لأنه وسع مثله؛ ولكنا نقول بأن الإيماء عبارة عن الإشارة؛ والإشارة إنما تكون بالرأس، فأما العين يسمي انحاء ولا يسمي = = إيماء، وبالقلب يسمى نية وعزيمة، وبمجرد النية لا تتأدي الصلاة، ونصب الأبدال بالرأى لا يجوز).انظر: بدائع الصنائع، للكاساني: ١/ ٢١٧. وقال الكاساني: (ولو عجز عن الإيماء وهو تحريك الرأس فلا شيء عليه عندنا). انظر: بدايع الصنائع، للكاساني: ١/ ١٠٧، ونص التلقين الذي شرحه المازري: (وصلاة المريض بحسب إمكانه ولا يسقط عنه ما يقدر عليه لعجزه عن غيره) انظر: التلقين، للقاضي عبد الوهاب:١/ ٥١.
[ ١ / ١٨٣ ]
وأمّا ابن بشير فقال: أمّا العاجز فقد ذكرنا حكمه فِي التكبير والقراءة، وأمّا غيرهما من الأركان فإن عجز عن جميعها بالمرض أو [ما فِي] (١) معناه فلا يخلو من أن يقدر عَلَى حركة بعض الأعضاء من رأس أو يدّ أو حاجب .. أو غير ذلك من الأعضاء، فهذا لا خلاف أنه يصلّي ويوميء بما قدر عَلَى حركته، فإن عجز عن جميع ذلك سوى النية بالقلب فهل يصلي أو لا؟
هذه الصورة لا نصّ فيها فِي المذهب، وأوجب الشافعي القصد إِلَى الصلاة، ومذهب أبي حنيفة إسقاط الصلاة عمن وصل إِلَى هذه الحال، وأمّا نحن فقد طال بحثنا عن المذهب فلم نجد فيها نصًا، والذي ينتحله أصحابنا فِي المذاكرات ما قالته الشافعية، مع العجز عن نصٍّ أو دليل يقتضيه، [١٠ / ب] والاحتياط مذهب الشافعي، والرجوع إِلَى براءة الذمة مذهب أبي حنيفة، ولا يبعد أن يختلف فيها المذهب إن وجد فيها نصّ. انتهى مختصرًا.
وسلك مسلكه غير واحد كابن الحاجب إذ قال: فلو عجز عن كلّ أمرٍ سوى نيته فلا نصّ، وعن [الشافعي] (٢) وجوب القصد، وعن أبي حنيفة سقوطه (٣). وبعد ما نقل المصنف فِي " توضيحه " كلام المازري المتقدّم قال: وعليه فقول ابن الحاجب: عجز عن كلّ أمرٍ سوى نيته ليس بجيّد؛ لأنه يقتضي أنه لو قدر عَلَى تحريك عينيه لزمته الصلاة بلا إشكال، وهو محمل عدم النصّ عَلَى ما قاله المازري. انتهى.
فقد جعل كلام المازري وابن بشير فِي معرضٍ واحد، كما فعل فِي " مختصره "، وشبهته فِي ذلك أنهما معًا نسبا الوجوب للشافعي والسقوط لأبي حنيفة، وأنت إِذَا تأملت
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) في (ن ١): (الشافعية).
(٣) انظر جامع الأمهات، ص: ٩٥، ٩٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
ذلك بان لك أن المازري تكلّم عَلَى الذي يقدر عَلَى [بعض] (١) الإيماء وذلك بطرفه أو حاجبه مع النية، ولَمْ يصرّح بنفي وجوده فِي المذهب جملة، بل قال: مقتضى المذهب الوجوب، وابن بشير صرّح بأن القادر عَلَى الإيماء بحاجبٍ أو غيره لا خلاف - أي فِي المذهب - أنه يصلّي ويوميء، وإنما نفى النصّ عن العاجز عن جميع ذلك سوى النية بالقلب، ولَمْ يقل مقتضى المذهب الوجوب، بل أقرّ بالعجز عن دليلٍ يقتضيه.
ومما يزيد فِي بيان ذلك ما يأتي إن شاء لله تعالى لابن عبد السلام من الاحتمال فيمن تحت الهدم، ولله در ابن عرفة حيث فرّق بين المحلّين، فعزا إلحاق (٢) الطرف بالظهر والرأس للمازري قائلًا: وفيها الإيماء بظهره أو رأسه، المازري: أو الطرف لمن عجز عن غيره، وعزا نفي النص فِي العجز عن غير النية لابن بشير وأتباعه كما يأتي. إن شاء الله تعالى.
تكميل:
ناقش المحققون من المتأخرين ابن بشير وأتباعه فِي نفي النصّ فِي مسألة العاجز عن غير النية، فقال العلّامة أبو عبد الله بن عبد السلام إن عنى نصّ الدلالة - كما هو غالب اصطلاح الأصوليين - فهو كذلك؛ لكنه غير اصطلاح الفقهاء، وإن عنى أنه لا نصّ فِي المسألة - ولو عَلَى عادة الفقهاء فِي استعمال لفظ النص فيما أفاد من الألفاظ معنى مع الاحتمال المرجوح أو نفيه - فليس كذلك؛ إذ النصّ بهذا التفسير فِي كتاب ابن الجلاب إذ قال فيه: ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيٌ من عقله، ونحوه فِي " الرسالة " (٣). انتهى.
قال غيره: ولابن بشير وأتباعه أن يمنعوا أن تكون هذه صلاة، ولعل سبب الخلاف بين الحنفي والشافعي: هل النية شرط؟ فلا تجب كسقوط الوضوء عنه بسقوط الصلاة، أو ركن؟ فتجب. وقال الإمام ابن عرفة: قول ابن بشير ومن تبعه: لا نصّ فِي فاقد غير النية، والشافعي يوجب قصدها، والحنفي يسقطها والأول أحوط - قصور؛ لقول ابن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) في (ن ٣): (الجاجبين).
(٣) انظر: الرسالة، لابن أبي زيد، ص ٤٢، والتفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٢٣.
[ ١ / ١٨٥ ]
رشد، يعني فِي أول سماع أشهب فِي القوم تنكسر بهم المركب، فيتعلقون بالألواح ونحوها، اختلف إن لَمْ يقدروا عَلَى الصلاة أصلًا بإيماءٍ ولا غيره حتى خرج الوقت، فقيل: إن الصلاة تسقط عنهم وهي رواية معن ابن عيسى عن مالكٍ فِي الذين يكتفهم العدو فلا يقدرون عَلَى الصلاة، وقيل إنها لا تسقط عنهم، وعليهم أن يصلّوا بعد الوقت، وهو قوله فِي " المدوّنة " فِي الذين ينهدم عليهم البيت (١).
قال ابن عرفة: والظاهر نصّ فقهي، وقال ابن عبد السلام أيضًا فِي قول ابن الحاجب آخر باب: التيمم وفيها: ومن تحت الهدم لا يستطيع الصلاة يقضي (٢). إنما ذكر مذهب " المدوّنة " هنا لأنه محتمل أن يؤخذ [منه] (٣) مذهب أصبغ فِي مسألة من لَمْ يجد ماءً ولا ترابًا؛ لأنه فِي هذه الحالة يحتمل أن يكون عَلَى غير طهارة ويستطيع أن يحرك أشفار عينيه وشبه ذلك، فيكون المانع له من الصلاة و[عدم] (٤) استطاعته لها إنما هو لعدم استطاعته للطهارة.
وتحتمل [المسألة] (٥) غير هذا أن يكون عَلَى طهارة (٦) ولا يكون قادرًا عَلَى حركة المضطجع والمريض، لكن يقدر عَلَى ما دون ذلك، كالحركة بأشفار عينيه، فترك الصلاة عَلَى هذه الحالة فيقضي، ويحتمل أن يكون مذهبه فِي المريض الذي لا يستطيع الحركة البتة: القضاء، إِذَا ترك الصلاة بقلبه عَلَى ما هو ظاهر كلام ابن الجلاب (٧). انتهى.
_________________
(١) نص المدونة: (سئل مالك عن الذين ينهدم عليه البيت، فلا يقدرون على الصلاة حتى يذهب النهار كله، ثم يخرجون؟ قال أرى أن يقضوا ما فاتهم من الصلاة؛ لأن مع هؤلاء عفوًا لهم وإن ذهب الوقت) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ٩٣.
(٢) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٧٠.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٦) في ن ٤: (غير طهارة).
(٧) في (ن ٣): (الحاجب)، وانظر ما لابن الجلاب في هذا في: التفريع: ١/ ١٢٣.
[ ١ / ١٨٦ ]
وإنما اغترفا معًا من كلام ابن رشد فِي أول سماع أشهب، وفِي سماع أبي زيد، وكلّ الصيد فِي جوف الفرا (١).
وأما كلام المازري فِي الإيماء بالطرف فقد تلقاه ابن عبد السلام وابن عرفة بالقبول، كما دلّ عليه ما تقدّم من كلامهما؛ لكن تأمله مع كلام ابن رشد فِي المكتوف ومن انكسر به المركب (٢)، فإنهما غير عاجزين عن الإيماء بالعيون والحواجب. وبالله سبحانه التوفيق (٣).
ولِمُتَنَفِّلٍ جُلُوسٌ ولَوْ فِي أَثْنَائِهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الإِتْمَامِ، لا اضْطِجَاعٌ، وإِنْ أَوَّلًا.
قوله: (لا اضطجاع وإن أولًا) أي: ليس له الاضطجاع فِي النافلة وإن دخل عليه أولًا وابتدأها به.
فصل [قضاء الفوائت]
وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقًا.
قوله: (وَجَبَ قَضَاءُ (٤) فَائِتَةٍ مُطْلَقًا) أي: فِي حقّ العامد وغيره، ومن أسلم [١١ / أ] بدار الحرب وغيرها، والمستحاضة وغيرها. أما العامد فقال عياض: سمعت بعض شيوخنا يحكي: أنه بلغه عن مالك قولةً شاذةً بسقوط قضاء تاركها عمدًا، ولا يصحّ عنه ولا عن غيره من الأئمة سوى داود وأبي عبد الرحمن الشافعي، وخرّجه سند عَلَى قول ابن حبيب بتكفيره لأنه مرتدّ تاب، وأمّا الحربي يسلم فنقل المازري فِي قضاء ما تركه ببلد الحرب: الوجوب لسحنون والسقوط لابن عبد الحكم
_________________
(١) هذا مثل عربي قديم، أصله أن قومًا خرجوا للصيد، فصاد أحدهم ظبيًا، وآخر أرنبًا، وأخر فرا، وهو الحمار الوحشى، فقال لأصحابه: (كل الصيد في جوف الفرا) أي جميع ما صدتموه يسيرٌ في جنب ما صدته " انظر: مجمع الأمثال، للنيسابوري: ٢/ ١٣٦، ومراد المؤلف أن كلام ابن عرفة وابن عبد السلام ليس في جنب ما قاله ابن رشد بشيء.
(٢) حاصل كلام ابن ارشد في من انكسر بهم المركب أنهم: (يصلون إيماء برؤوسهم)، وله فيمن ليس على وضوء أربعة أقوال ١/ ٣٨٨، وفيمن كتّفوا: (أنهم إذا لم يصلوا أيامًا ثم أرسلوا أنهم يقضون تلك الصلوات): ٢/ ١٧٩، ١٨٠.
(٣) أطال الخرشي الكلام في هذه المسألة وقال ما نصه: (وبه يسقط اعتراض ابن غازي) حيث رأى ابن غازي أن في الكلام لفًا ونشرًا مشوشًا، وانتصر العدوي لشيخه الخرشي موضحًا محمل الكلام عنده، فراجع المسألة بطولها في شرح الخرشي: ١/ ٥٨٦، ٥٨٧.
(٤) في الأصل، و(ن ٣): (قضائه).
[ ١ / ١٨٧ ]
قال ابن عرفة: لعله عَلَى نقل المتيطي فِي كون من أقرّ بالشهادتين، [وأبى التزام] (١) سائر القواعد بعد التشديد عليه مرتدًا أو لا؟ قَوْلانِ لأصبغ، والمشهور به [القضاء، وأمّا المستحاضة، فنقل ابن رشد فِي قضائها ما تركته جهلًا مدة استحاضتها ثلاثة] (٢) أقوال:
الأول: الوجوب " للمدونة ". والثاني: السقوط لابن شعبان، وظاهر سماع أبي زيد رواية ابن القاسم. والثالث: تقضي الأيام اليسيرة دون الكثيرة، ابن رشد: وسألت شيخنا أبا جعفر ابن رزق عن رواية أبي زيد هذه، فتأولها بما بينها وبين خمسة عشر يومًا، ويتناول قوله: (مُطْلَقًا). أَيْضًا (٣) الكثيرة واليسيرة وكون القضاء فِي جميع الأوقات (٤).
وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطًا.
قوله: (ومَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطًا) الشرط هو: الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فيلزم من عدم ترتيب الحاضرتين مَعَ الذكر أن يعيد التي قدّمها أبدًا؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا. وقد حكى فِي " المقدمات " الاتفاق عليه؛ ولكن قال المازري: خرج بعضهم عدم شرط الترتيب من قول مالك: من قدّم عصر يومه عَلَى ظهره جهلًا، ولَمْ يذكر فِي يومه لَمْ يعد.
قال ابن عرفة: خرّجه الباجي من رواية علي (٥) قال: ولابن القاسم نحوه، ابن زرقون: هي خلاف نقل ابن رشد الاتفاق، فلعلّه لَمْ يقف عليها، ومفهوم قوله: (مَعَ ذكر) أنه غير واجب مَعَ النسيان، فلا يعيد إلاّ فِي الوقت، وكذا صرّح به ابن رشد وغيره.
والْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا [٨ / ب] مَعَ حَاضِرَةٍ، وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا، وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلافٌ.
_________________
(١) في (ن ١): (بالتزام).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ١٨٢: ١٨٤ وانظر ما أحال عليه ابن رشد من سماع يحيي: ٢/ ٧١ وما بعدها.
(٥) انظر المنتقى، للباجي: ٢/ ٣٢٣، وما بعدها.
[ ١ / ١٨٨ ]
قوله: (والْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا) لَمْ يصف هذا الواجب بالشرطية، فلا يلزم من عدمه عدم؛ فإِذَا لا يعيدها أصلًا ذاكرًا أو ناسيًا، عَلَى ما مشى عليه المصنّف إذ بالفراغ منها خرج وقتها.
فَإِنْ خَالَفَ ولَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وفِي إِعَادَةِ مَأْمُومِهِ خِلافٌ.
قوله: (فَإِنْ خَالَفَ ولَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ) هذا راجعٌ ليسير الفوائت مَعَ الحاضرة، وما ذكر فيه هو مذهب " المدوّنة "، وقطع هنا باعتبار الوقت الضروري كما فعل ابن رشد، وقد حكى فيه اللخمي روايتين (١).
وإِنْ ذَكَرَ الْيَسِيرَ فِي صَلاةٍ ولَوْ جُمُعَةً قَطَعَ فَذٌّ، وشَفَعَ إِنْ رَكَعَ، وإِمَامٌ ومَأْمُومِهِ لا مُؤْتَمٌّ، فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ [أَوَّلًا] (٢) ولَوْ جُمُعَةً [وَكَمَّلَ] (٣)، فَذٌّ بَعْدَ شَفْعٍ مِنَ الْمَغْرِبِ كَثَلاثٍ مِنْ غَيْرِهَا وإِنْ جَهِلَ عَيْنَ مَنْسِيَّةٍ مُطْلَقًا صَلَّى خَمْسًا، وإِنْ عَلِمَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلاهَا نَاوِيًا لَهُ، وإِنْ نَسِيَ صَلاةً وثَانِيَتَهَا صَلَّى سِتَّا.
ونُدِبَ تَقْدِيمُ ظُهْرٍ، وفِي ثَالِثَتِهِا أَوْ رَابِعَتِهَا أَوْ خَامِسَتِهَا كَذَلِكَ يُثَنِّي بِالْمَنْسِيِّ، وصَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي سَادِسَتِهَا وحَادِيَةِ عَشْرَتِهَا.
قوله: (أَوَّلًا ولَوْ جُمُعَةً) إغياء فِي قطع الإمام الذاكر ومأمومه. وقوله ثانيًا: (ولَوْ جُمُعَةً) إغياء فِي تمادي المؤتمّ الذاكر وإعادته فِي الوقت [ظهرًا] (٤) أربعًا.
وفِي صَلاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَتَيْنِ لا يَدْرِي السَّابِقَةَ صَلاهُمَا وأَعَادَ الْمُبْتَدَأَةَ ومَعَ الشَّكِّ فِي الْقَصْرِ أَعَادَ بإثْرِ كُلِّ حَضَرِيَّةٍ سَفَرِيَّةً وثَلاثًا كَذَلِكَ سَبْعًا وأَرْبَعًا وثَلاثَ عَشْرَةَ وخَمْسًا إحْدَى وعِشْرِينَ.
قوله: (وفِي صَلاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ (٥) لا يَدْرِي السَّابِقَةَ صَلاهُمَا وأَعَادَ الْمُبْتَدَأَةَ) تصوره ظاهر، إلاّ أن الذي يليق بفرض المسألة أن تكون معينتين بالتأنيث نعتًا لصلاتين لا
_________________
(١) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٢٩: ١٣١، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٩٦، وما بعدها، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٩٠.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٥) في المطبوعة: (معينتين).
[ ١ / ١٨٩ ]
ليومين، ولو قدّمه مَعَ ذلك لكان أبين، ففرض المسألة أن الصلاتين معينتان كظهرٍ وعصر إحداهما من يوم والأخرى من يوم آخر، ولا فرق عَلَى مختار المصنّف بين كون اليومين معينين كسبت وأحد، وكونهما غير معينين، أما مَعَ عدم التعيين فباتفاق، وأمّا مَعَ التعيين فعلى المشهور عَلَى ما عند ابن الحاجب وغيره (١).
وصَلَّى فِي ثَلاثٍ مُرَتَّبَةٍ مِنْ يَوْمٍ لا يَعْلَمُ الأُولَى سَبْعًا وأَرْبَعًا ثَمَانِيًا وخَمْسًا تِسْعًا.
قوله: (وصَلَّى فِي ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ مِنْ يَوْمٍ لا يَعْلَمُ الأولى سَبْعًا وأَرْبَعًا ثَمَانِيًا وخَمْسًا تِسْعًا) تصوره ظاهر، فإن قلت: ولَمْ سكت هنا عن صلاتين مرتبتين؟
قلت: لأنه ذكره أوّلًا إذ قال: وإن نسي صلاةً وثانيتها صلى ستًا كما ذكر الواحدة إذ قال: وإن جهل عين منسية مُطْلَقًا صلى خمسًا. فضابطه أنه يصلّي لواحدة خمسًا، ثم كلّما زاد واحدة فِي المنسي زادها فِي المقضي، فيصلّي لاثنتين ستًا، ولثلاث سبعًا، ولأربع ثمانية ولخمس تسعًا.
[فصل فِي أحكام السهو]
سُنَّ لِسَهْوٍ وإِنْ تَكَرَّرَ بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ سَلامِهِ وبِالْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ وأَعَادَ تَشَهُّدَهُ كَتَرْكِ جَهْرٍ وسُورَةٍ بِفَرْضٍ وتَشَهُّدَيْنِ وإِلا فَبَعْدَهُ كَمُتِمٍّ لِشَكٍّ.
قوله: (وتَشَهُّدَيْنِ) أي أن التشهدين كالتكبيرتين، يسجد لهما قبل السلام، وعَلَى هذا اختصر " المدوّنة " أبو سعيد (٢)، والتشهد الواحد كالتكبيرة الواحدة لا يسجد له كما يأتي.
وقد تعقّب القرافي تصوير السجود للتشهدين قبل السلام بأن السجود الأخير قبل السلام [ذكر له] (٣) قبل فوت محلّه فيفعل، [وأجيب بتصويره حيث يجلس ثلاثًا فِي مسائل
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠١.
(٢) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٠٢، ونصه: (ومن نسي تكبيرة أو سمع الله لمن حمده، مرة فلا شيء عليه، وإن ترك اثنتين من ذلك أو التشهدين سجد قبل السلام).
(٣) في (ن ١): (ذكره).
[ ١ / ١٩٠ ]
اجتماع القضاء والبناء (١). قال ابن عرفة: ولا يلزم ذلك من لفظ الأمهات، وطوّل فِي ذلك فانظره. وقرر ابن عبد السلام [السؤال] (٢) بأنه قبل السلام لَمْ يفت محل التشهد الثاني فيبقى التشهد الأول عَلَى انفراده، والمذهب أنه لا سجود عَلَى من تركه وحده قال: وأجيب (٣) عنه بأن السجود إنما كان لنقصان التشهد الأول مَعَ الزيادة الكائنة عن تأخير التشهد الثاني؛ إذ لا يقال: سها عنه إلاّ إِذَا تركه مُطْلَقًا أو أخّره عن مكانه.
وَمُقْتَصِرٌ عَلَى شَفْعٍ شَكَّ أَهُوَ بِهِ أَم بِوَتْرٍ، أَوُ تَرْكِ سِرٍّ بِفَرْضٍ.
قوله: (ومُقْتَصِرٌ عَلَى شَفْعٍ شَكَّ أَهُوَ بِهِ أَوْ بِوَتْرٍ) تصوره [ظاهر] (٤)، [١١ / ب] ولما كان الحكم أن هذا الشاكّ يقتصر عَلَى الركعتين المتيقنتين، فيسلّم منهما عَلَى أنهما شفعه، ويسجد ثم بعد ذلك يستأنف الوتر، عبّر عنه بالمقتصر، كما أنّه لمّا كان الذي قبله لا يقتصر عَلَى المتيقن، بل يأتي بما شكّ فيه، وبعد ذلك يسلّم، عبّر عنه بالمتمّ، فحصل التقابل بين اللفظين فِي أوجز عبارة.
أَوْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ ولَهِيَ عَنْهُ، كَطُولٍ بِمَحَلٍّ لَمْ يُشْرَعْ بِهِ عَلَى الأَظْهَرِ وإِنْ بَعْدَ شَهْرٍ بِإِحْرَامٍ وتَشَهُّدٍ وسَلامٍ جَهْرًا وصَحَّ إِنْ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ لا إِنِ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ، ويُصْلِحُ أَوْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَوْ سَلَّمَ أَوْ سَجَدَ واحدةً فِي شَكِّهِ فِيهِ، هَلْ سَجَدَ اثْنَتَيْنِ. أَوْ زَادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ أَوْ خَرَجَ مِنْ سُورَةٍ لِغَيْرِهَا أَوْ قَاءَ غَلَبَةً، أَوْ قَلَسَ، ولا لِفَرِيضَةٍ وغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ كَتَشَهُّدٍ ويَسِيرِ جَهْرٍ أَوْ سِرٍّ.
قوله: (ولَهِيَ عَنْهُ) يجري فيه من البحث ما تقدّم عند قوله فِي الطهارة: إلا المستنكح، ابن القوطية: ولهيت عن الشيء ومنه لهيانًا: غفلت عنه.
وإِعْلانٍ بِكَآيَةٍ.
قوله: (وإِعْلانٍ بِكَآيَةٍ) الذي ينبغي أن يحمل عليه أنه ليس تكرار مَعَ قوله قبله: (ويسير جهرًا وسرًا)؛ لأن مراده بيسير الجهر والسر: ما لَمْ يبالغ فيه منهما، ولو كان ذلك
_________________
(١) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٣١٢، ٣١٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ١): (أجبت).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ١٩١ ]
فِي كلّ القراءة، عَلَى نحو ما فِي " مختصر " أبي محمد بن أبي زيد، حسبما رجّح فِي " توضيحه " فِي فهم كلام ابن الحاجب (١)، ولكن يلزم عليه أن يكون سكت عن الإسرار بنحو الآية.
وَإِعَادَةِ سُورَةٍ فَقَطْ لَهُمَا وتَكْبِيرَةٍ، وفِي إِبْدَالِهَا بِسَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وعَكْسِهِ. تَأْوِيلانِ.
قوله: (وإِعَادَةِ سُورَةٍ فَقَطْ لَهُمَا) الذي فسّره به الشارح هو مراد المؤلف لا شكّ فيه، إذ به قرر فِي " التوضيح " كلام ابن الحاجب معتمدًا عَلَى قول ابن عبد السلام، ورأى فِي الرواية أن الزيادة المذكورة فِي السورة خاصة أخفّ منها فِي مجموع أم القرآن مَعَ السورة. انتهى.
وظاهر كلام ابن رشد وغيره: أن الفرعين معًا من أصلٍ مختلفٍ فيه وهو زيادة القرآن فِي الصلاة من غير تفريق بينهما. والله تعالى أعلم (٢).
ولا لإِدَارَةٍ مُؤْتَمٍّ (٣)، وإِصْلاحِ رِدَاءٍ، وسُتْرَةٍ فَقَطْ أَوْ كَمَشْيِ صَفَّيْنِ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ أَوْ دَفْعِ مَارٍّ أَوْ ذَهَابِ دَابَّةٍ.
قوله: (أَوْ كَمَشْيِ صَفَّيْنِ) ظاهره أنه تحديد فِي المسائل الأربع بعده.
وَإِنْ بِجَنْبٍ، أَوْ قَهْقَرَةٍ وفَتْحٍ عَلَى إِمَامِهِ إِنْ وقَفَ، وسَدِّ فِيهِ لِتَثَاؤُبٍ، ونَفْثٍ بِثَوْبٍ لِحَاجَةٍ كَتَنَحْنُحٍ، والْمُخْتَارُ عَدَمُ الإِبْطَالِ بِهِ لِغَيْرِهَا، وتَسْبِيحِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ لِضَرُورَةٍ، ولا يُصَفِّقْنَ.
_________________
(١) كلام ابن الحاجب في هذا: (ونحو الآية ويسير الجهر والإسرار مغتفر). انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤.
(٢) قال الحطاب: (يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ السُّورَةَ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَأَعَادَهَا عَلَى سُنَّتِهَا فَلَا سُجُودُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ فَقَطْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِإِعَادَةِ السُّورَةِ وَحْدَهَا) انظر مواهب الجليل: ٢/ ٢٦، وانظر كلام ابن رشد في المقدمات الممهدات: ١/ ٨٨.
(٣) أي تحويله من الوقف على يساره إلى يمينه، كما ثبت في حديث ابن عباس رض الله عنهما: (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٦٥)، كتاب الجماعة والإمامة، باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين.
[ ١ / ١٩٢ ]
قوله: (وإِنْ بِجَنْبٍ، أَوْ قَهْقَرَةٍ) صوابه قهقرى بألف التأنيث لا بتائه (١).
وَكَلامٍ لإِصْلاحِهَا بَعْدَ سَلامٍ.
قوله: (وَكَلامٍ لإِصْلاحِهَا بَعْدَ سَلامٍ) أي: بعد سلام الإمام، وكذا قيّد فِي " التوضيح " الخلاف الذي بين ابن القاسم وابن كنانة وسحنون، بما إِذَا وقع الكلام بعد أن سلّم الإمام معتقدًا للتمام كما فِي الحديث (٢)، قال: وأمّا إذ شكّ الإمام، فحكى اللخمي والمازري فِي ذلك ثلاثة أقوال: " المشهور أنه لا يجوز له أن يسأل المأمومين كان فِي صلاة أو انصرف منها بسلام، ثم حدث له الشكّ بعد سلامه " هذا لفظ المازري، وعبّر عنه اللخمي بالمعروف.
ووجهه أنّه مَعَ الشكّ مخاطب بالبناء عَلَى اليقين، وقال أصبغ: يجوز السؤال بعد السلام خاصة، وقال ابن عبد الحكم: يجوز قبل السلام وبعده. انتهى. وفِي رسم إن أمكنني من سماع عيسى، وسئل عن الإمام يصلي بالناس فيجلس فِي ثالثة، أو يقوم إِلَى خامسة، فيسبح به، فلا يرجع، فيكلّمه إنسان ممن يصلي خلفه؟ قال: قد أحسن وتتم صلاته.
قلت: وكذا لو سأل الإمام أتمّت صلاته أم لا؟ قال: نعم، كذلك أَيْضًا.
قال ابن رشد: قوله: وكذا لو سأل الإمام أتمّت صلاته؟ قال: نعم، كذلك أَيْضًا. ظاهره قبل السلام، وهو بعيد إذ لا ضرورة بالإمام إِلَى السؤال قبل السلام هل أكمل صلاته أم لا؛ لأن الواجب عليه إِذَا شكّ أن يبني عَلَى اليقين إلاّ أن يسبّح به فيرجع، فإن سألهم [قبل] (٣) أن يسلّم، أو سلّم عَلَى شكٍّ [فقد أفسد الصلاة، وإن سلّم عَلَى يقين ثم
_________________
(١) قال الخرشي ناقلا مثل ما للشارح ومجيبًا: (والصَّوابُ قَهْقَرَى بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ لَا بِتَائِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي بَابِ الْحَجِّ. . . وكَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلْمُؤَلِّفِ تَدَارُكُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ خَلَلٍ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْحُكْمِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ، وسَمِعَ بَعْضٌ أَنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ) انظر: شرح الخرشي: ٢/ ٤٠.
(٢) حديث ذي اليدين المشهور، أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٨٢)، كتاب الجماعة والإمامة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ومسلم في صحيحه برقم (٥٧٣) كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ١٩٣ ]
شكّ] (١) جاز له أن يسألهم، فينبغي أن يعدل بالكلام عن ظاهره، ويقال: معناه إِذَا شكّ فِي إتمام صلاته بعد أن سلّم عَلَى يقين، وذلك بخلاف الذي يُستخلف ساعة دخوله، ولا علم له بما صلى الإمام، فإنه يجوز له السؤال إِذَا لَمْ يفهم بالإشارة، عَلَى ما فِي سماع موسى بن معاوية؛ إذ ليس عنده أصل يقين يبني عليه (٢). انتهى.
وقال ابن عرفة: ولإصلاحها، كإمامٍ سلّم من اثنتين، ولَمْ يفقه التسبيح، فكلّمه بعضهم، فسأل بقيتهم فصدقوه، أو زاد أو جلس فِي غير محلٍ ولَمْ يفقه فكلّمه بعضهم، فثالثها تصح فِي سهو السلام من اثنتين فقط، ابن حبيب لمن رأي فِي ثوب إمامه نجاسة: أن يدنوا ويخبره كلامًا. سحنون: تبطل ولو كان لعدم إفهامه إشارة. انتهى مختصرًا.
وبهذا يظهر أن قيد السلام ليس فِي كلّ محلّ. وبالله تعالى التوفيق.
وَرَجَعَ إِمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ، إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ إِلا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًَّا. ولا لِحَمْدِ عَاطِسٍ، أَوْ مُبَشِّرٍ ونُدِبَ تَرْكُهُ، ولا لِجَائِزٍ، كَإِنْصَاتٍ قَلَّ لِمُخْبِرٍ، وتَرْوِيحِ رِجْلَيْهِ، وقَتْلِ عَقْرَبٍ [٩ / أ] تُرِيدُهُ.
قوله: (وَرَجَعَ إِمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ) ظاهره: وإن لَمْ يكونا مأموميه كما عند اللخمي، وكأنه الراجح عند ابن الحاجب؛ إذ قدّمه ثم قال فِي مقابله: وقيل بشرط أن يكونا مأموميه (٣)، والمنسوب للمدونة " أن ذلك مشروط بأن يكونا مأموميه (٤)، وقد قال ابن عرفة فِي رجوع الشاكّ لعدلين ليسا فِي صلاته، وبنائه عَلَى حكم نفسه نقلان:
الأول: للخمي عن المذهب وابن الجلاب عن أشهب (٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٥١، ٥٢، و٢/ ١٣٥، ١٣٦.
(٣) نص ابن الحاجب بتمامه: (ويرجع الإمام إلى عدلين، وقيل إلى عدل ما لم يكن عالمًا، وقيل بشرط أن يكونا مأموميه) انظر جامع الأمهات، ص: ١٠٤.
(٤) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٣٣ ونصها: (قال مالك: ولو أن رجلًا صلى وحده، وقوم إلى جنبه ينظرون إليه، فلما سلم قالوا له: إنك لم تصل إلا ثلاث ركعات. قال: لا يلتفت إلى ما قالوا، ولكن لينظر إلى يقينه فيمضي عليه ولا يسجد لسهوه).
(٥) قال ابن الجلاب: (وقال أشهب: إذا أخبره رجلان عدلان بما صلى رجع إلى قولهما). انظر التفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٠٤
[ ١ / ١٩٤ ]
والثاني: للمدونة " والعتبي عن ابن القاسم. انتهى.
وقد يقال: إن تخصيص المصنف الإمام فقط مشعر بكونه مأموميه، فيكون عَلَى مذهب " المدوّنة " إلاّ أنه بعيد من كلامه فِي " التوضيح ".
وإِشَارَةٍ لِسَلامٍ، أَوْ حَاجَةٍ.
قوله: (وإِشَارَةٍ لِسَلامٍ) [أي: لردّ سلام] (١)، قال فِي " المدوّنة ": وليردُّ مشيرًا بيده أو برأسه (٢)، والابتداء به مما انفرد به ابن الحاجب (٣)، قال ابن هارون: لَمْ أر ذلك لغيره وتركه عندي أصوب، وقال ابن عبد السلام: وفِي النفس شيء من الإشارة بابتداء السلام، عَلَى أن المصنف قرره فِي " التوضيح " كأنه قبله.
لا عَلَى مُشَمِّتٍ كَأَنِينٍ لِوَجَعٍ وبُكَاءُ تَخَشُّعٍ. وإِلا فَكَالْكَلامِ كَسَلامٍ عَلَى مُفْتَرَضٍ ولا لِتَبَسُّمٍ، وفَرْقَعَةِ أَصَابِعَ، والْتِفَاتٍ بِلا حَاجَةٍ، وتَعَمُّدِ بَلْعِ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ وحَكِّ جَسَدِهِ، وذِكْرٍ قَصَدَ التَّفْهِيمَ بِهِ بِمَحَلِّهِ وإِلا بَطَلَتْ كَفَتْحٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي صَلاةٍ عَلَى الأَصَحِّ، وبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ.
قوله: (كَأَنِينٍ لِوَجَعٍ) صوابه: وكأنين [١٢ / أ] بالواو عطفًا عَلَى قوله: كإنصات؛ إذ هو مما اندرج تحت قوله: (ولا لجائز) (٤) وأمّا قوله بعد: (كسلام عَلَى مفترض) فلا يليق به الواو؛ لأنه مشبّه به فِي الجواز فقط لا فِي الجواز، وإسقاط السجود.
وتَمَادَى الْمَأْمُومُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ كَتَكْبِيرَةٍ لِلرُّكُوعِ بِلا نِيَّةِ إِحْرَامٍ، وذِكْرِ فَائِتَةٍ. وبِحَدَثٍ، وبِسُجُودِهِ لِفَضِيلَةٍ أَوْ لِتَكْبِيرَةٍ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٦٨، والمدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٩٩.
(٣) قال ابن الحاجب: (والقليل جدًا مغتفر ولو كان إشارة لسلام أو رد) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٢.
(٤) لم يسلِّم الشراح هذا المأخذ للمؤلف، واستبعده بعضهم قال الخرشي: (تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ السُّجُودِ لَا فِي الْجَوازِ؛ لِأَنَّ هَذَا وقَعَ مِنْهُ غَلَبَةً فَلَا يَتَّصِفُ بِجَوازٍ ولَا غَيْرِهِ؛ فَلِذَا حَسَنُ التَّشْبِيهُ مِنْ الْمُؤَلِّفِ (خليل) دُونَ الْعَطْفِ، فَفِي كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ نَظَرٌ)، واستحسنه بعضهم كالدردير الذي نقل كلام الخرشي بنصه وقال: (تشبيه في عدم السجود لا في الجواز، لأن ما وقع غلبة لا يوصف بجواز ولا غيره، فلذا حسن من المصنف التشبيه دون العطف) انظر: الشرح الكبير: ١/ ٢٤٠، وتابع الدسوقي شيخه في ذلك، وصرّح بأنه ردٌّ على ابن غازي. ١/ ٢٤٠.
[ ١ / ١٩٥ ]
قوله: (كَتَكْبِيرَةٍ لِلرُّكُوعِ بِلا نِيَّةِ إِحْرَامٍ، وذِكْرِ فَائِتَةٍ) شبّه هاتين المسألتين بمسألة القهقهة فِي تمادي المأموم وقطع غيره؛ ولذلك لَمْ يعطفهما عَلَى قوله: (بقهقهة)، بل قرن الأولى بكاف التشبيه، وجرّد الثانية من الباء، فلما رجع للمعطوفات عَلَى القهقهة كرر الباء فقال: و(بحدث إِلَى آخره)، وكرر الثانية، وإن تقدمت فِي فصل الفوائت قصدًا لجمع النظائر الثلاث المسماة بمساجين الإمام (١)، المبنية عَلَى الاستحسان [وفِي معنى ذكر الفائتة فِي الصبح بدليل قوله بعد: (وندب قطعها له لفذ لا مؤتم)] (٢).، فقد أجاد ما شاء برّد الله تعالى ضريحه، ولقد أحسن القائل:
وكَمْ عَائِبٌ ليلى ولَمْ يرَ وجْهَهَا فَقَالَ لَهُ الْحِرْمَانُ حسبك ما فاتا
وَبِمُشْغِلٍ عَنْ فَرْضٍ، وعَنْ سُنَّةٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وبِزِيَادَةِ أَرْبَعٍ كَرَكْعَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ.
قوله: (وبِمُشْغِلٍ عَنْ فَرْضٍ، وعَنْ سُنَّةٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ) مشغلٍ: اسم فاعل من اشغل رباعيًا، وهي لغة رديئة، قاله الجوهري وابن القوطية (٣): ومثله ما تقدّم فِي السترة، قال فِي كتاب الطهارة من " المدوّنة ": ومن أصابه حقن أو قرقرة فإن كان ذلك خفيفًا فليصل، وإن كان مما يشغله أو يُعجّله فِي صلاته فلا يصلي حتى يقضي حاجته، فإن صلى بذلك أحببت له الإعادة أبدًا، ولَمْ يحفظ ابن القاسم عن [مالك] (٤) فِي الغثيان شيئًا (٥). فحمل عياض الإعادة عَلَى الاستحباب، وقال الباجي: عن بعض الأَصَحّاب: ما خف
_________________
(١) مَسَاجِينَ الْإِمَامِ أَرْبَعَةٌ: مَنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، ومَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ، وممَنْ لَمْ يُكَبِّرْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وإِنَّمَا كَبَّرَ قَاصِدًا بِتَكْبِيرِهِ الرُّكُوعَ، وممَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا خَلْفَ الْإِمَامِ ".انظر: الفواكه الدواني، للنفراوي: ١/ ٢٠٢.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) قال الخرشي (ولعله تعقُّبٌ لكلام المؤلف): (مُشْغِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَشْغَلَ رُبَاعِيًّا، وهِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ والْفَصِيحُ شَاغِلٌ؛ لَكِنْ نَقَلَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوالٍ، وصَدَّرَ بِأَنَّهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ وثَنَّى بِالْقَوْلِ بِأَنَّهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وثَلَّثَ بِأَنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ) انظر: شرح الخرشي: ٢/ ٥٩، وراجع تعليق العدوي عليه. قلت: ونص القاموس: (وأشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، أو قليلةٌ أو رَديئَةٌ). انظر القاموس المحيط، للفيروز آبادي، ص: ١٣١٧.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٠١، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٣٤.
[ ١ / ١٩٦ ]
صلى به وإن ضمّ بين وركيه قطع، فإن تمادى أعاد فِي الوقت، وإن شغله وأعجله فأبدًا (١)، وقال اللخمي: هذا والغثيان أو ما يوهمه إن خفّ استحبّ زواله قبلها، وإن صلى به أجزأته، وإن أعجله وخفّ شغل قلبه أعاد فِي الوقت، وإن لَمْ يدر كيف صلى فأبدًا. وعَلَى هذه النقول اقتصر ابن عرفة.
وقال ابن بشير: إن شغله عن الفرائض أعاد أبدًا، وعن السنن ففي الوقت، ويجري عَلَى ترك السنن متعمدًا أو عن الفضائل، لا شيء عليه. ابن عبد السلام، وهذا كلام لا بأس به فِي فقه المسألة. انتهى. وهو الذي اعتمده المصنّف هنا.
وَبِتَعَمُّدِ كَسَجْدَةٍ، أَوْ نَفْخٍ، أَوْ أَكْلٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ قَيْءٍ، أَوْ كَلام، وإِنْ بِكُرْهٍ، أَوْ وجب لإِنْقَاذِ أَعْمَى، إِلا لإِصْلاحِهَا فَبِكَثِيرِهِ، وبِسَلامٍ، وأَكْلٍ، وشُرْبٍ، وفِيهَا إِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ انْجَبَرَ، وهَلِ اخْتِلافٌ أَوْ لا لِسَلامٍ فِي الأُولَى أَوْ لِلْجَمْعِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وبِتَعَمُّدِ كَسَجْدَةٍ، أَوْ نَفْخٍ، أَوْ أَكْلٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ قَيْءٍ، أَوْ كَلام) التعمد منسحب عَلَى هذه الأمور كلها؛ ولذلك أسقط فيها باء الجر بخلاف قوله: (وبسلام) وما بعده.
وَبِانْصِرَافٍ لِحَدَثٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ نَفْيُهُ، كَمُسْلِمٍ شَكَّ فِي الإِتْمَامِ ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ عَلَى الأَظْهَرِ، وبِسُجُودِ الْمَسْبُوقِ مَعَ الإِمَامِ بَعْدِيًَّا أَوْ قَبْلِيًَّا إِنْ لَمْ يَلْحَقْ رَكْعَةً وإِلا سَجَدَ، ولَوْ تَرَكَ إِمَامَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ وأَخَّرَ الْبَعْدِيَّ، ولا سَهْوَ عَلَى مُؤْتَمٍّ حَالَةَ الْقُدْوَةِ، وبِتَرْكِ قَبْلِيٍّ عَنْ ثَلاثِ سُنَنٍ وطَالَ، لا أَقَلَّ، فَلا سُجُودَ.
قوله: (كَمُسْلِمٍ شَكَّ فِي الإِتْمَامِ ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ عَلَى الأَظْهَرِ) تقدمت الإشارة إليه فِي باب الطهارة عند قوله: (وإن شكّ فِي صلاته ثم بان الطهر لَمْ يعد) (٢).
وإِنْ ذَكَرَهُ فِي صَلاةٍ وبَطَلَتْ، فَكَذَاكِرِهَا، وإِلا فَكَبَعْضٍ.
قوله: (وإِنْ ذَكَرَهُ فِي صَلاةٍ) الضمير المفعول فِي " ذكره " يعود عَلَى القبلي الذي عن
_________________
(١) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٢٩١.
(٢) انظر ما نقله في هذا الموطن عن: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٠٤، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٤٠، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٥، ٢/ ٨٢.
[ ١ / ١٩٧ ]
ثلاث سنن بدليل قوله: (وبطلت)، وقد قال ابن يونس: إن كانتا قبل السلام وهما مما لا تفسد الصلاة بتركهما، فكاللتين بعد السلام لا يفسد بذكرهما واحدة من الصلاتين.
فَمِنْ فَرْضٍ إِنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَوْ رَكَعَ بَطَلَتْ، وأَتَمَّ النَّفْلَ وقَطَعَ غَيْرَهُ.
قوله: (فَمِنْ فَرْضٍ إِنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَوْ رَكَعَ بَطَلَتْ، وأَتَمَّ النَّفْلَ وقَطَعَ غَيْرَهُ) ليس عَلَى إطلاقه، بل نصّ ابن يونس عَلَى أنه إن كان فِي بقيةٍ من الوقت أتمّ النفل ركع أو لَمْ يركع، وإن ضاق الوقت قطع إن لَمْ يركع قال: ويصير كمن ذكر فريضة ذهب وقتها فِي نافلة وليس قوله: (وقطع غيره) أي: الفرض عَلَى إطلاقه، بل قال ابن يونس: إن كان مَعَ إمامٍ تمادى فإِذَا سلّم أعادها.
وَنُدِبَ الإِشْفَاعُ إِنْ عَقَدَ رَكْعَةً وإِلا رَجَعَ بِلا سَلامٍ، ومِنْ نَفْلٍ فِي فَرْضٍ تَمَادَى كَفِي نَفْلٍ إِنْ أَطَالَهَا أَوْ رَكَعَ، وهَلْ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، أَوْ لا ولا سُجُودَ؟ خِلافٌ، وبِتَرْكِ رُكْنٍ فَطَالَ، كَشَرْطٍ وتَدَارَكَهُ، إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ.
قوله: (وَإِلا رَجَعَ بِلا سَلامٍ) يريد: وإن كان مأمومًا بخلاف الذي قبله، وقد قال فِي " المدوّنة ": قال ابن القاسم: وإن كانتا قبل السلام وهما من فريضة، ومما تعاد بنسيانهما الصلاة، فذكرهما بقرب صلاته فِي فريضة أو نافلة رجع إليهما بغير سلام، كان وحده أو مَعَ إمام، هكذا اختصرهما ابن يونس، وهو أتمّ من اختصار أبي سعيد (١)؛ ولهذا قال ابن عرفة: فرض فِي فرض فيها إن قرب سجد ولو كان مأمومًا.
ولَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا وهُوَ رَفْعُ رَأْسٍ، إِلا لِتَرْكِ رُكُوعٍ، فَبِالانْحِنَاءِ كَسِرٍّ وتَكْبِيرِ عِيدٍ، وسَجْدَةِ تِلاوَةٍ، وذِكْرِ بَعْضٍ، وإِقَامَةِ مَغْرِبٍ عَلَيْهِ وهُوَ بِهَا.
قوله: (وَهُوَ رَفْعُ رَأْسٍ، إِلا لِتَرْكِ رُكُوعٍ، فَبِالانْحِنَاءِ كَسوِرةٍ (٢)، وتَكْبِيرِ عِيدٍ،
_________________
(١) نص اختصار أبي سعيد: (وإن كانت قبل السلام وهما من فريضة فذكرهما بقرب صلاته رجع إليها بغير سلام، وإن أطال القراءة في هذه الثانية أو ركع بطلت الأولى، فإن كانت هذه الثانية نافلة أتمها، وإن كانت فريضة قطع إلا أن يعقد منها ركعة فيشفعها استحبابًا ثم يصلي الأولى والثانية. وإن كانت قبل السلام وهما من نافلة فذكرهما قبل أن يتباعد وهو في نافلة أخرى رجع إن لم يركع من الثانية شيئًا فسجد ما كان عليه، وتشهد وسلم وابتدأ النافلة التي كان فيها إن شاء) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٠٥.
(٢) في أصل المختصر لدينا ومطبوعته، والشروح الأخرى: (كسر).
[ ١ / ١٩٨ ]
وسَجْدَةِ تِلاوَةٍ، وذِكْرِ بَعْضٍ، وإِقَامَةِ مَغْرِبٍ عَلَيْهِ وهُوَ بِهَا) هذه ست نظائر وفِي ضمنها أربع: فالسرُّ والجهر والتنكيس فِي ضمن السورة؛ لأنهن أخفُّ منها، فهن أحري أن يفتن بوضع اليدين عَلَى الركبتين، وذكر السجود القبلي القادح تركه فِي ضمن ذكر البعض كما تقدّم، فالمجموع عشر.
تنبيه:
قال فِي " التوضيح ": وقد يقال: لا نسلّم أن ابن القاسم يرى هذا انعقادًا، وإنما قال بالفوات لأحد أمرين: إمّا لخفة المتروك كترك السورة والجهر، وإمّا لعدم الفائدة، كمن ذكر أنه نسي ركوع الأولى وهو راكع، فإن رجوعه إِلَى الأولى لا فائدة فيه إذ لا يصح له [١٢ / ب] إلا ركعة، ألا ترى أنهم قالوا فيمن ترك الجلوس، وفارق الأرض بيديه وركبتيه: أنه لا يرجع؛ مَعَ كونه لَمْ تنعقد له ركعة بل هنا أولى؛ لأنه هنا قد تلبّس بركن وتارك الجلوس لَمْ يتلبس إِلَى الآن به.
وبَنَى إِنْ قَرُبَ ولَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ - بِإِحْرَامٍ، ولَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ، وجَلَسَ لَهُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قوله: (وجَلَسَ لَهُ عَلَى الأَظْهَرِ) أي: وجلس لأجل الإحرام ليأتي به فِي حالة الجلوس التي فارق منها الصلاة، عَلَى ما استظهر ابن رشد إذ قال فِي " المقدمات ": إنما الصواب أن يجلس ثم يكبّر فيبني، وبسط القول فيها عَلَى ما يجب (١)، وأما قول ابن الحاجب: وعَلَى الإحرام ففي قيامه له قَوْلانِ، وعَلَى قيامه ففي جلوسه بعده، ثم ينهض فيتمّ قَوْلانِ (٢). فقال فِي " التوضيح ": قوله: ففي قيامه نحوه لابن بشير وابن شاس (٣)، وظاهره أن القولين جاريان ولو كان جالسًا، قال ابن عبد السلام وابن هارون: وليس بصحيح وإنما القَوْلانِ فِي حقّ من تذكّر بعد أن قام هل يطلب بالجلوس وهو قول ابن شبلون؛ لأنها
_________________
(١) انظر المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٧٦، ٧٧.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١٢٠/ ١ قال فيه: (إذا قلنا: يحرم، فهل يحرم قائما كالإحرام الأول، أو جالسا؛ لأنها الحالة التي فارق فيها الصلاة؟ قولان: حكي الأول عن بعض المتقدمين، والثاني لابن شلبون).
[ ١ / ١٩٩ ]
الحالة التي فارق عليها الصلاة، وهو الأصل، أو يجوز له أن يحرم وهو قائم؛ ليكون إحرامه بالفور، وهو قول قدماء أصحاب مالك، وعَلَى القيام فهل يجلس بعد ذلك أم لا؟ قَوْلانِ.
وأما من تذكّر وهو جالس، فإنه يحرم كذلك، ولا يطلب منه القيام اتفاقًا، والقول بأنه يكبّر ثم يجلس لابن القاسم، والقول بأنه يكبّر ولا يجلس لابن نافع، وأشار المازري إِلَى بنائهما عَلَى الحركة إِلَى الركن هل هي مقصودة أم لا، وأنكر ابن رشد أن يكون ما نسب لابن القاسم فِي المذهب، ووهم (١) من نقل ذلك عنه وليس بصحيح؛ لأن عبد الحقّ والباجي وغيرهما نقلوا ذلك عنه (٢). انتهى.
وذكر ابن عرفة فِي صفة البناء طرقًا منها: ظاهر قول ابن بشير وابن شاس (٣)، وناقش ابن عبد السلام بما يوقف عليه فِي كتابه.
وَأَعَادَ تَارِكُ السَّلامِ التَّشَهُّدَ.
قوله: (وأَعَادَ تَارِكُ السَّلامِ التَّشَهُّدَ) يريد بعد طول لا يمنع البناء، فارق الموضع أم لا، وهذا أحد القولين، وقيل: لا يعيد التشهد.
وسَجَدَ إِنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ ورَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الأَوَّلِ إِنْ لَمْ يُفَارِقِ الأَرْضَ بِيَدَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ، ولا سُجُودَ وإِلا فَلا، ولا تَبْطُلُ إِنْ رَجَعَ.
قوله: (وسَجَدَ إِنِ انْحَرَفَ (٤» أي: إن انحرف عن القبلة استقبل وسلّم وسجد بعد السلام وإن لَمْ يفارق الموضع، ولا طال الطول المذكور، فالشرط راجع للسجود لا للتشهد، فالسجود يجب بمجرد الانحراف بخلاف إعادة التشهد، هذا هو المساعد
_________________
(١) في (ن ٣): (وهو وهم).
(٢) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٨٦، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٦٠، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤، والذخيرة، للقرافي: ٢/ ٣٢٠.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١٢٠، ١٢١قال: (إذا قلنا: يحرم قائما، فهل يجلس بعد ذلك القيام؟ قال ابن القاسم: " يجلس ليأتي بالنهضة التي فعلها أولا في الصلاة ". وروى ابن نافع: لا يجلس، وقال: إن النهضة غير مقصودة في نفسها، وقد فات محلها بالقيام، فلا يعود إليها).
(٤) في (ن ١): (انحرف عن القبلة).
[ ١ / ٢٠٠ ]
للنصوص؛ فقد قال اللخمي: إن ذكره وهو بموضعه استقبل القبلة وسلّم، ولَمْ يكن عليه أن يكبّر، ولا أن يتشهد، ويسجد لسهوه بعد السلام، واختلف إِذَا فارق الموضع هل يكبّر؟ وهل يكون تكبيره وهو قائم أو بعد أن يجلس؟ وهل يتشهد ونحوه؟
في " التوضيح " مَعَ أن لفظه هنا: يحتمل رجوع الشرط للأمرين كما يعطيه قوله فِي " التوضيح " فِي قول ابن الحاجب، فإن قرب جدًا فلا تشهد ولا سجود، وإنما هذا إِذَا لَمْ ينحرف عن القبلة (١). والله تعالى أعلم.
ولَوِ اسْتَقَلَّ وتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ وسَجَدَ بَعْدَهُ كَنَفْلٍ لَمْ يَعْقِدْ ثَالِثَةً، وإِلا كَمَّلَ أَرْبَعًا وفِي الْخَامِسَةِ مُطْلَقًا.
قوله: (وتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ) أي تبعه فِي القيام، وفِي الرجوع بعد الاستقلال، ولو كان المأموم قد استقلّ، فإِذَا لَمْ يقم المأموم حتى رجع الإمام فأحرى أن يبقى عَلَى جلوسه، هذا هو الآتي عَلَى رواية ابن القاسم؛ حيث جعل فيها السجود بعديًا، والجلوس معتدًا به حسبما أشار إليه سند بن عنان، وقبله القرافي وتلميذه ابن راشد القفصي، والمصنف فِي " التوضيح "، ولم يعرج عليه ابن عرفه (٢).
وَسَجَدَ قَبْلَهُ فِيهِمَا.
قوله: (وَسَجَدَ قَبْلَهُ فِيهِمَا) أي: فِي مسألة الذي كمّل أربعًا، ومسألة الذي رجع من الخامسة، وعليه اختصرهما أبو سعيد (٣)، واختلف فِي توجيهه فِي الأولى فقال الأبهري وابن شبلون [وأبو محمد] (٤): لأنه نقص السلام. وقال ابن مسلمة والقاضي إسماعيل: لأنه نقص الجلوس، واختاره ابن الكاتب والقابسي واللخمي، ونقض اللخمي التعليل
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤، وقد نقل الحطاب كلام المؤلف هنا بلفظه، وأضاف له تقيدًا مهمًا. فقف على تمامه في مواهب الجليل: ٢/ ٣٣٦.
(٢) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٣٧١.
(٣) نص أبي سعيد: (ومن قام في نافلة من اثنتين ساهيًا فليرجع ما لم يركع، فإن ركع فقد اختلف قوله فيه، وأحب إلي أن يرجع ما لم يرفع رأسه من الركوع ويسجد بعد السلام، وإن رفع رأسه منها أتى برابعة وسجد قبل السلام، فإن سها عن السلام حتى صلى خامسة رجع متى ما ذكر، ويسجد قبل السلام) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي:١/ ٣٠٦.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ١ / ٢٠١ ]
الأول بلزومه فيمن صلى الظهر خمسًا، قال ابن عرفة: يردّ باستقلال الركعتين فِي النفل ونفيه فِي خامسة الظهر، ولا ينقض بأن السلام فرض، ولا ينجبر بسجود؛ لأن رعي كون النفل أربعًا يُصيّر سلام الركعتين كسنة، وفرع عَلَى كونه قبل أو بعد كون الأربع فِي قيام رمضان ترويحتين أو ترويحة، ويردّ بأن المعتبر فيه عدد الركعات، وهي معتبرة مُطْلَقًا، وإلا أمر بالرجوع بعد الثالثة. انتهى. وتوجيهه فِي الثانية قريب من هذا.
وتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا. ونُدِبَ أَنْ يَقْرَأَ، وسَجْدَةٍ يَجْلِسُ لا سَجْدَتَيْنِ [٩ / ب]، ولا يُجْبَرُ رُكُوعُ أُولاهُ بِسُجُودِ ثَانِيَتِهِ، وبَطَلَ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الأُوَلِ ورَجَعَتِ الثَّانِيَةُ أُولَى بِبُطْلانِهَا لِفَذٍّ وإِمَامٍ، وإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا سَجَدَهَا، وفِي الأَخِيرَةِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وقِيَامِ ثَالِثَةٍ بِثَلاثٍ، ورَابِعَةٍ بِرَكْعَتَيْنِ، وتَشَهُّدٍ.
قوله: (وَسَجْدَةٍ يَجْلِسُ) أي: وتارك سجدة يجلس، ثم يسجد، هذا مختاره من القولين، وظاهره كإن جلس أولًا أو لَمْ يجلس، وهو ظاهر إطلاق غيره، وقد قيّده فِي " التوضيح " بما إِذَا لَمْ يكن جلس، قال: وأما لو جلس أولًا لخرّ من غير جلوس اتفاقًا. انتهى. فتأمله مَعَ تعليله بقصد الحركة للركن.
وإِنْ سَجَدَ إِمَامٌ [وَاحِدَةً وقَامَ] (١) لَمْ يُتبعْ، وسُبِّحَ بِهِ، فإِذَا خِيفَ عَقْدُهُ قَامُوا، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا كَقُعُودِهِ بِثَالِثَةٍ.
قوله: (وَإِنْ سَجَدَ إِمَامٌ وَاحِدَةً [وَقَامَ] (٢) لَمْ يُتبَعْ، وسُبِّحَ بِهِ، فإِذَا خِيفَ عَقْدُهُ قَامُوا، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا كَقُعُودِهِ بِثَالِثَةٍ) أي: كما يقومون إِذَا قعد فِي التي هى ثالثة فِي نفس الأمر؛ لاعتقاده أنها رابعة، وسكت عن مساعدتهم له فِي ترك الجلوس عَلَى الثانية فِي نفس الأمر لاعتقاده أنها ثالثة لوضوحه.
_________________
(١) في مخطوطة المختصر بمركزنا والمطبوعة: (سجدة) وفي هامش المخطوطة استدرك قوله: (وقام)، وسقطت أيضا في إحالة المؤلف عليها فيما بعد عند شرحه لقوله: (وهل كذا إن لم يعلم. . .) وبعض الشروح على ثبوتها، والبعض الآخر على سقوطها، وتأويلها في ضمن الشروح التي سقطت منها.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
[ ١ / ٢٠٢ ]
تكميل:
قال ابن عرفة ونقل ابن عبد السلام عن ابن القاسم: [١٣ / أ] إن خافوا (١) عقده سجدوها: أعرفه دون استحباب إعادتهم. انتهى، ويأتي قول ابن القاسم. وقال فِي " التوضيح ": وأصل هذه المسألة لسحنون يعني: فِي " النوادر " (٢) وفيها نظر؛ لأنهم متعمدون لإبطال الأولى بتركهم السجود، ومن تعمد إبطال ركعة من صلاته بطل جميعها، ولو قيل: إنهم يسجدون سجدة ويدركون الثانية معه فتصح لهم الركعتان - ما بَعُدَ.
فإن قيل: فِي ذلك مخالفة للإمام لأن الإمام قائم وهم جلوس وقضاء فِي حكمه وهما غير جائزين؟
فالجواب: أما المخالفة فهي لازمة لهم أَيْضًا؛ لأن الإمام قائم وهم جلوس. وأما القضاء فِي حكم الإمام فقد أجيز مثله فِي الناعس والغافل والمزحوم خوفًا من إبطال الركعة، فكذلك هنا. انتهى.
وقد يفرق بأن الناعس ومن معه فعل السجدة أمامهم وهذا لَمْ يفعلها؛ عَلَى أن ابن رشد قال فِي رسم باع شاة من سماع عيسى: إِذَا نسي الإمام سجدة من الأولى فتبعه قوم عامدون وقوم ساهون وسجدها قوم وفاته فعلها فقد اختلف فِي الساجدين عَلَى ثلاثة أقوال:
الأول: أن السجدة تجزيهم، وتصحُّ لهم الركعة، فيجلسون فِي قيامه لرابعته حتى يسلّم بهم، ويسجد قبل [إن ذكر بعد] (٣) عقد الثالثة وبعد إن ذكر قبله، وهو قول ابن القاسم فِي هذه الرواية، وهو أضعفها؛ ولهذا قال: وأحب إليّ لو أعادوا الصلاة.
الثاني: بطلان صلاتهم لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها فِي حكم الإمام ولمخالفتهم إياه فِي النية فِي أعيان الركعات؛ لأن صلاتهم تبقى عَلَى بنيتها، وتصير للإمام ومن سهى معه الركعة الثانية أولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة، وهو قول أصبغ.
_________________
(١) في ن ٢: (خالفوا).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٨٧، ٣٨٨.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٢٠٣ ]
الثالث: أن السجود لا يجزيهم، وتبطل عليهم الركعة كما بطلت عَلَى الإمام ومن معه ويتبعونه فِي صلاته كلها وتجزيهم، حكاه ابن المواز.
وعلى الأول لو ذكروا قبل فواتها فقال أصبغ: يسجدونها معه، وأباه ابن القاسم، والساهون كإمامهم، والتابعون له عَلَى ترك السجدة عالمين بسهوه قال فِي الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويتخرّج عَلَى ما فِي " الموازية " أن تبطل عليهم الركعة، ولا تتنتقض الصلاة؛ لأن السجدة إِذَا كانت عَلَى مذهبه لا يجزئهم فعلها فلا يضرّهم تركها.
وأما إِذَا سها الإمام عنها وحده فلا يخلوا من خلفه من حالين:
أحدهما: أن يسجدوا لأنفسهم. والثاني: أن يتبعوه عَلَى ترك السجدة عالمين بسهوه، فأما إن سجدوا لأنفسهم، ولَمْ يرجع الإمام إِلَى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي بعدها فركعة القوم [صحيحة] (١) باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة بعينها التي أسقط منها السجدة فِي آخر صلاته، وهم جلوس ثم يسلّم بهم ويسجد بعد السلام.
واختلف إِذَا ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إِلَى السجود: هل يسجدون معه ثانية أم لا؟ عَلَى قولين. وأمّا إن تبعوه عَلَى ترك السجود عالمين بسهوه فصلاتهم فاسدة باتفاق. انتهى مختصرًا (٢).
وقبله ابن عرفة وإن كان المصنف استشكله فِي " التوضيح " عند كلامه عَلَى إمام قام إِلَى خامسة، وإنما قال ابن رشد: يقضي [الإمام] (٣) تلك الركعة بعينها إلى آخره؛ لأنه صار بمنزلة المستخلف المدرك.
وقد ذكر اللخمي عن محمد نحوه: فِي إمامٍ ذكر فِي تشهد الرابعة سجدة من الأولى، وكان القوم سجدوها ثم قال: فصار الإمام بمنزلة المستخلف بعد ركعة [عَلَى ذاك كله] (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٦٣، ٦٤.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من (ن ٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
وفِي " الأجوبة ": أن الإمام إِذَا شاركه القوم أو بعضهم فِي إسقاطها فهو كالفذ فِي البناء، وإلا فكالمأموم فِي القضاء، فاستشكال " التوضيح " غير صحيح، وقد لوّح المصنف بمثل هذا بقوله فيما يأتي إلاّ أن يجمع مأمومه (١) على نفي الموجب، وهناك ننقل عليه كلام ابن يونس إن شاء الله - تعالى - فقف عَلَى ذلك كله وبالله - تعالى - التوفيق.
فَإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ، وأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وسَجَدُوا قَبْلَهُ وإِنْ زُوحِمَ مُؤْتَمٌّ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ نَعَسَ أَوْ نَحْوَهُ اتَّبَعَهُ فِي غَيْرِ الأُولَى، مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا، أَوْ سَجْدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِيهَا قَبْلَ عَقْدِ إِمَامِهِ تَمَادَى وقَضَى رَكْعَةً، وإِلا سَجَدَهَا، ولا سُجُودَ عَلَيْهِ إِنْ تَيَقَّنَ.
قوله: (فَإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ، وأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ) يريد: وإن صلّوا أفذاذَا أجزأتهم وكذا فِي " النوادر " عن سحنون (٢). قال ابن عرفة واقتضاء قول ابن الحاجب أتم بهم أحدهم عَلَى الأَصَحّ. (٣) وجوب ذلك ومنعه لا أعرفه. انتهى. وقرره ابن عبد السلام فقال: وهل يتم بهم أحدهم؟ قَوْلانِ:
أحدهما - وهو الأَصَحّ الجاري عَلَى المشهور -: أنه يتمّ بهم بناءً عَلَى أن الأولى إِذَا بطلت رجعت الثانية عوضًا منها فيكونون مؤدين.
الثاني: أنهم لا يؤمهم أحدهم ويتمونها أفذاذَا، بناءً عَلَى أن الأولى إِذَا بطلت لَمْ ترجع الثانية عوضًا منها، [بل تبقى ثانية] (٤) فيكونون قاضيين؛ لكن المسألة من أوّلها إنما هى مبنية عَلَى القول الأول المشهور، وأما عَلَى القول الثاني: فيتبعونه؛ لأن جلوس الإمام يكون فِي محلّه، وكذلك قيامه، ولا سجود أَيْضًا عَلَى هذا القول قبل السلام، وإنما يسجدون بعده [١٣ / ب] لتحقق الزيادة فِي الركعة التي وقع الخلل فيها، وأمّا عَلَى المشهور فالسجود قبل السلام لتحقق النقصان فِي السورة من ركعة والجلوس الوسط. انتهى.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٨٥، ٣٨٦.
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ١٠٥.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٢٠٥ ]
قال ابن عرفة: وتوجيه ابن عبد السلام القولين بكون الفائتة أداء وقضاء يريد بأن القضاء المانع من الجماعات ما فات المأمومين دون إمامهم لا ما فات جميعهم، وتخريجه جلوسهم لجلوسه، وسجودهم (١) بعد سلامهم عَلَى أن الأولى قضاء؛ لأنه فِي محلّه يردّ بما مر، وبأنها إن كانت قضاءً فلا سجود عليهم لملزومية القضاء حمل الإمام زيادتهم قبل سلامه (٢) ولا زيادة لهم بعده.
وَإِنْ قَامَ إِمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَمُتَيَقِّنُ انْتِفَاءِ وَجُوبِهَا يَجْلِسُ، وإِلا اتَّبَعَهُ.
قوله: (وإِلا اتَّبَعَهُ) أي: وإن لَمْ يتيقن انتفاء موجبها اتبع الإمام فِي القيام فشمل أربعة: متيقن الموجب، وظانّه، وظانّ نفيه، والشاكّ فيهما، وقد ظهر بهذا أن المصنف لَمْ يعتمد قول ابن الحاجب: ويعمل الظانُّ عَلَى ظنه (٣)؛ لقول ابن عبد السلام: إنه مخالف لقول الباجي: المعتبر عند مالك فِي الصلاة اليقين أي: الاعتقاد الجازم المانع من النقيض، سواءً كان لموجب أم لا، ولَمْ يرد اليقين اصطلاحًا.
على أنه خرج فِي " التوضيح " قول ابن الحاجب (٤) عَلَى أحد القولين اللذين ذكرهما اللخمي فيمن ظن أنه صلى أربعًا هل حكمه كمن شكّ أصلى ثلاثًا أم أربعًا أو يبني عَلَى الظن.
وَإِنْ خَالَفَ عَمْدًا بَطَلَتْ فِيهِمَا، لا سَهْوًا، فَيَأْتِي الْجَالِسُ بِرَكْعَةٍ، ويُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ.
قوله: (ويُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ) أي: إِذَا اعتقد صحة الركعات الأربع، وتبع الإمام فِي الخامسة سهوًا يريد، ثم تبين أن إحدى الأربع باطلة، فإنه يعيد هذه الركعة عَلَى أصل
_________________
(١) في الأصل، و(ن ١): (وسجوده).
(٢) في (ن ٢): (السلام).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤.
(٤) عبارة ابن الحجاب: (وإذا قام الإمام إلى خامسة فمن أيقن موجبها وجلس عمدًا بطلت، ومن أيقن انتفاءه وتبعه عمدًا بطلت، ويعمل الظان على ظنه والشاك على الاحتياط) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤.
[ ١ / ٢٠٦ ]
المشهور، وإنما فرّع ابن شاس هذا عَلَى ما إِذَا قال الإمام: قمت لموجب (١)، وكذا ابن الحاجب إذ قال: وفِي إعادة التابع الساهي لها قَوْلانِ (٢).
وَإِنْ قَالَ قُمْتُ لِمُوجِبٍ، صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، وتَبِعَهُ.
قوله: (وَإِنْ قَالَ قُمْتُ لِمُوجِبٍ، صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، [وتَبِعَهُ] (٣» أي: لكونه تيقن الموجب أو ظنه أو ظنّ نفيه، أو شك فيه، ظاهره صادف النقص فِي نفس الأمر أم لا، وقد قال ابن هارون: شرط بعض أصحابنا يعني: ابن عبد السلام فِي الظن والشكّ موافقة النقص فِي نفس الأمر، وهذا ليس ببين؛ لأنه لو ظنّ أن الإمام ترك سجدة من الأولى، أو شكّ فِي ذلك وتبعه فِي هذه الخامسة، ثم تيقن بعد السلام أنها كانت تامّة لَمْ تبطل صلاته، وكون الساهي معذورًا إنما هو باعتبار نفي بطلان صلاته لا باعتبار سقوط ما يجب عَلَيْهِ إن كان بقي عَلَيْهِ شيء، وهذا لا خلاف فيه.
وَلِمُقَابِلِهِ إِنْ سَبَّحَ.
قوله: (وَلِمُقَابِلِهِ إِنْ سَبَّحَ) ليس شرط التسبيح عند القائل به وهو سحنون خاصًا بهذا، بل وكذلك إِذَا لَمْ يقل الإمام قمت لموجب.
كَمُتَّبِعٍ تَأَوَّلَ وَجُوبَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ.
قوله: (كَمُتَّبِعٍ تَأَوَّلَ وَجُوبَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ) صدق رضي الله تعالى عنه فيما نسبه للخمي ونصّه فِي " تبصرته ": " وتبطل صلاة من اتبعه عمدًا إِذَا كان عالمًا أنه لا يجوز له اتباعه، وإن كان جاهلًا يظن أن عَلَيْهِ اتباعه صحت صلاته.
لا لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ولَمْ يَتَّبِعْ.
قوله: (لا (٤) لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ولَمْ يَتَّبِعْ) كذا نص عَلَيْهِ ابن المواز بالبطلان.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس:١/ ١٢٧.
(٢) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٤.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ١): (إلا).
[ ١ / ٢٠٧ ]
فإن قلت: وقد اختار اللخمي أَيْضًا الصحة فِي هذا الوجه فقال: والصواب أن تتم صلاة من جلس ولَمْ يتبعه؛ لأنه جلس متأولًا، وهو يرى أنه لا يجوز له اتباعه، وهذا أعذر من الناعس والغافل، فما بال المصنف عدل عن اختياره فيه، وقد ذكر اختياره فِي الذي قبله؟
قلت: لما كان اختياره فِي ذلك موافقًا لأحد المنصوصين اعتمده فقال: قال فيه سحنون: أرجو أن يجزيه وأحب إليّ أن يعيد. وقال غيره تلزمه الإعادة، ولما كان اختياره [فِي هذا رأيًا له مخالفًا للمنصوص عدل] (١) عنه لذلك، وتقييده لزوم الاتباع فِي نفس الأمر نبّه عَلَيْهِ ابن عبد السلام فقال: ولا يمكن أن يلزمه هنا الاتباع إلاّ باعتبار ما فِي نفس الأمر، ويكون المأموم فِي هذا القسم جلس، وهو فِي نفس الأمر يلزمه القيام، لكن جلس لاعتقاده الكمال أو لظنه ولَمْ يصدق ظنه. انتهى.
وما ذكر فِي الظن فعلى طريقة ابن الحاجب وكذا قيّده أَيْضًا فِي " التوضيح " بنفس الأمر اتباعًا لابن عبد السلام، وإنما قال لا يمكن إلا كذلك؛ لأنه لو كان لزوم الاتباع هنا لتيقن الموجب ونحوه ما عذره اللخمي فِي الجلوس. فتأمله. والله تعالى أعلم.
وَلَمْ تُجِزِ مَسْبُوقًا عَلِمَ بِخَامِسَتِهَا.
قوله: (ولَمْ تُجِزِ مَسْبُوقًا عَلِمَ بِخَامِسَتِهَا) أي: والحالة أن الإمام قال: قمت لموجب، وأما إن لَمْ يقل قمت لموجب فإن الصلاة تبطل رأسًا، نقله ابن يونس عن ابن المواز قائلًا: ولو اتبعه فِيهَا من فاتته ركعة وهو يعلم أنها خامسة، ولَمْ يسقط الإمام شيئًا أبطل صلاته، وإن لَمْ يعلم فليقض ركعة ويسجد لسهوه كما يسجد إمامه.
وهَلْ كَذَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ تُجْزِه إِلا أَنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وهَلْ كَذَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ تُجْزِه إِلا أَنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلانِ) المراد بنفي الموجب: [نفي] (٢) الإسقاط عن أنفسهم لا عن إمامهم، وقد اقتصر فِي " التوضيح " عَلَى أنه إن لَمْ يعلم تجزيه عند مالك وابن المواز، والفرض أن الإمام قال:
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ٢٠٨ ]
قمت لموجب، والذي لابن يونس متصلًا بالنقل المتقدم عن ابن المواز ما نصّه: " ولو قال [١٤ / أ] الإمام: كنت أسقطت سجدة من الأولى أجزأت من اتبعه ممن فاتته ركعة، وأجزأت غيره ممن خلفه ممن اتبعه، إلا أن يجمع كل من خلفه عَلَى أنهم لَمْ يسقطوا شيئًا، إنما أسقطها الإمام وحده، فلا تجزيء من اتبعه عامدًا فمن خلفه ولا ممن فاتته ركعة وهو لا يعلم وليأت بها بعد سلامه وتجزيه ومن اتبعه عالمًا بأنها خامسة ممن فاتته ركعة أو لَمْ تفته بطلت صلاته، وينبغي لمن علم ممن فاتته ركعة أن لا يتبعه فِيهَا، ويقضي بعد سلامه، فإن اجتمع الإمام وكلّ من خلفه عَلَى أنهم أسقطوا سجدة من الأولى أعاد هذا صلاته، ولو نسيها الإمام وحده دون من خلفه أجزأته صلاته إِذَا قضى الركعة التي بقيت عَلَيْهِ.
ابن يونس: وإنما قال ذلك؛ لأنه إِذَا أسقط الإمام ومن معه سجدة من الأولى وجب عَلَى من فاتته ركعة القيام معه فِي هذه الخامسة لأنها رابعة له؛ لأن الأولى سقطت عن الإمام وعمن خلفه، كما سقطت عن الداخلين، وسجد بهم لسهوه قبل السلام؛ لأنه زاد ونقص، فإِذَا لَمْ يتبعه فِيهَا من فاتته ركعة فقد أبطل عَلَى نفسه، وأما من كان خلف الإمام، ولَمْ يسقط معه شيئًا، وإنما أسقط الإمام وحده، فقد وجب عَلَى الإمام وحده قضاء تلك الركعة بعينها بأم القرآن وسورة، ويسجد لسهوه بعد السلام، ويكون كمن استخلف بعد أن فاتته ركعة، فلا يجوز لمن خلفه ممن فاتته ركعة أن يتبعه فِيهَا، ولا يقضيها حتى يسلم الإمام بعد قضاء ركعة، وكذا فسّره محمد بن المواز فِي غير هذه المسألة. انتهى.
وراجع ما قدمنا عند قوله: (وإن سجد إمام واحدة (١) لَمْ يتبع) عن ابن رشد (٢) واللخمي، ثم قال ابن يونس: قال ابن المواز: وكذلك لو أسقط سجدة من الثانية أو الثالثة والقوم معه وقد اتبعه هذا فِي الخامسة فذلك جائز له، ولكن يقضي الأولى التي فاتته، وسواء اتبعه هاهنا وهو عالم بأنها خامسة أو غير خامسة؛ لأنها للإمام ومن معه رابعة.
قال أبو محمد بن أبي زيد: أراه يريد وليس بموقن بسلامة ما أدرك معه قال: ولو جلس فِي الخامسة معه، ثم ذكر الإمام سجدة لا يدري من أي ركعة فلا يسجد سجدة لا
_________________
(١) في (ن ١): (سجدة وقام).
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٦٣، ٦٤.
[ ١ / ٢٠٩ ]
هو ولا من شكّ لشكّه، ولا من فاتته ركعة، ويسجد الإمام لسهوه قبل السلام؛ إلاّ أن يعلم أن السجدة من إحدى الركعتين الأخيرتين فليسجد بعد السلام (١).
وتَارِكُ سَجْدَةٍ مِنْ كَأُولاهُ لا تُجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إِنْ تَعَمَّدَهَا.
قوله (وتَارِكُ سَجْدَةٍ [مِنْ كَأُولاهُ] (٢) لا تُجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إِنْ تَعَمَّدَهَا) لَمْ يحضرني فِي هذا أنسب مما فِي " الذخيرة " عن " الطراز " ونصّه: " ويتخرج عَلَى هذا أي عَلَى الاتباع بالتأويل إِذَا تعمّد خمسًا، فتبين أنها أربع (٣).قال ابن الماجشون: لا يضرّه. وقال ابن القاسم: إِذَا صلى خمسًا ثم ذكر سجدة من الأولى يأتى بركعة. قال ابن المواز: الصواب الاكتفاء بالخامسة، وإِذَا لَمْ يعتدّ بها سهوًا فأولى عمدً انتهى. فتأمل معه كلام المصنف نصًا ومفهومًا.
[سجود التلاوة]
سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ، قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ إُنْ جِلِسِ لُيِتِعِلَّمَ، ولَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ إِنْ صَلَحَ لِيَؤُمَّ، ولَمْ يَجْلِسْ لِيُسْمِعَ فِي إِحْدَى عَشَرَةَ، لا ثَانِيَةِ: (الْحَجِّ) و(النَّجْمِ) و(الانْشِقَاقِ) و(الْقَلَمِ). وهَلْ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ خِلافٌ، وكَبَّرَ لِخَفْضٍ ورَفْعٍ ولَوْ بِغَيْرِ صَلاةٍ، و(ص) ﴿وَأَنَابَ﴾ [٢]. و(فُصِّلَتْ) ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [٣٧].
قوله (سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ) احترز بقوله: (فقط) من السامع غير المستمع، فهو كقول ابن عبد السلام: إنما يسجد المستمع لا [السامع، وقول ابن عسكر فِي " الإرشاد ": ويسجد المستمع كالتالي لا] (٤) السامع (٥).
وكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ، أَوْ زَلْزَلَةٍ، وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ، وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ كَجَمَاعَةٍ.
قوله (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) ظاهره أنه يكره الجهر بالسجدة فِي المسجد، ولَمْ أقف عَلَى هذا منصوصًا لغيره، ولو كان هذا الكلام مؤخرًا عن قوله: (وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) لأمكن أن
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٨٩.
(٢) في (ن ٣): (منك أولاه).
(٣) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٣٠٧.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر: إرْشَادُ السَّالِك، لابن عسكر، ص: ٤٣.
[ ١ / ٢١٠ ]
يكون الضمير فِي قوله: " بها " عائد عَلَى القراءة، ويكون أشار به [لما] (١) فِي رسم سلعة سمّاها من سماع ابن القاسم ونصّه: " وسئل عن القراءة فِي المسجد؟ فقال: لَمْ يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث [لَمْ يكن] (٢)، ولَمْ يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عَلَيْهِ أوّلها، والقرآن حسن.
قال ابن رشد: يريد التزام القراءة فِي المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو عَلَى وجه ما مخصوص، حتى يصير ذلك كأنه سنة، مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح؟ فرأى ذلك بدعة، وأما القراءة عَلَى غير (٣) هذا الوجه فلا بأس بها فِي المسجد، ولا وجه لكراهتها، وقد قال فِي آخر رسم المحرم من هذا السماع: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلاّ فِي الصلاة والمساجد لا فِي الأسواق والطرق. ويأتي ما يشبه هذا المعنى فِي رسم سن من هذا السماع وفِي رسمٍ لَمْ يدرك من سماع عيسى (٤). انتهى.
وفي حمل كلام المصنف عَلَيْهِ بُعد من وجوهٍ لا تخفى، أو أشار به لما فِي سماع أشهب من طرد سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز (٥)، وفيه احتمال آخر نذكره فِي التي بعدها. إن شاء الله تعالى.
وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ، وأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وفِي كُرْهِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ رِوَايَتَانِ، واجْتِمَاعٌ لِدُعَاءٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، ومُجَاوَزَتْهَا لِمُتَطَهِّرٍ وَقْتَ جَوَازٍ، وإِلا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَوِ الآيَةِ؟ تَأْوِيلانِ، واقْتِصَارٌ عَلَيْهَا، وأُوِّلَ بِالْكَلِمَةِ، والآيَةِ قَالَ (٦) وهُوَ الأَشْبَهُ، وتَعَمُّدُهَا بِفَرِيضَةٍ أَوْ خُطْبَةٍ لا نَفْلٍ مُطْلَقًا، وإِنْ قَرَأَ فِي فَرْضٍ [سَجَدَ] (٧)، لا خُطْبَةٍ، وجَهَرَ إِمَامُ السِّرِّيَّةِ وإِلا اتُّبِعَ، ومُجَاوِزُهَا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٤٢.
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٦٦، ٤٧٧.
(٦) في المطبوعة: (قال المازري).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
[ ١ / ٢١١ ]
بِيَسِيرٍ يَسْجُدُ. وبِكَثِيرٍ يُعِيدُهَا بِالْفَرْضِ [مَا لَمْ] (١) يَنْحَنِ وبِالنَّفْلِ فِي ثَانِيَةٍ، فَفِي فِعْلِهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ قَوْلانِ. وإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْوًا، اعْتُدَّ بِهِ، ولا سَهْوَ بِخِلافِ تَكْرِيرِهَا أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهَا سَهْوًا، قَالَ وأَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُهُ، إِنْ كَرَّرَ حِزْبًا إِلا الْمُعَلِّمَ والْمُتَعَلِّمَ فَأَوَّلَ مَرَّةٍ.
قوله: (وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ) ينبغي أن يكون شاملًا لجلوس المستمع إليه لا يريد وجلوس القاريء، فقد نصّ عَلَى كراهتهما معًا فِي " المدوّنة " فقال: وكره مالك أن يجلس تعليمًا، ويكره أن يجلس الرجل متعمدًا لقراءة القرآن، وسجوده لا يريد تعليمًا، ومن قعد إليه فعلم أنه يريد قراءة سجدة قام عنه (٢).
فإن قلت: قوله: (لا لِتَعْلِيمٍ) بإسكان العين وكسر اللام الممدودة، يعين أنه أراد القاريء، ولو أراد المستمع لقال لا لتعَلُّم بفتح العين وضم اللام المشددة؛ لما تقرر فِي التصريف [١٤ / ب] أنك تقول: علمه تعليمًا فتعلّم تعلّمًا، فالتعلم (٣) مطاوع التعليم.
قلت: هذا هو الأصل عند أهل اللسان، ولكن الفقهاء يتوسعون فِي الاستعمال، ألا تراه فِي النصّ الذي قدمناه عن " المدوّنة " عبّر فيهما معًا بالتعليم، ساكن العين مكسور اللام الممدودة، كما هي عبارة المصنف التي حكمنا بشمولها، وذلك فِيهَا أسهل؛ لإمكان أن يدعي فِيهَا التغليب، وقد يمكن أن يكون أراد هنا جلوس المستمع فقط، وعبّر عن جلوس القاريء لهذا القصد بقوله قبله: (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) فتأمله.
ونُدِبَ لِسَاجِدِ الأَعْرَافِ [١٠ / ب] قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ.
قوله: (ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ) هو كقوله فِي " المدوّنة ": ولا يركع بها فِي صلاة ولا غيرها. ابن يونس؛ لأنه إن قصد بها الركعة فلم يسجدها، وإن قصد بها السجدة فقد أحالها عن صفتها، وذلك غير جائزٍ. انتهى، وحكى ابن رشد فِي رسم لَمْ يدرك من سماع عيسى: أن ابن حبيب يقول: إن الركعة التي ركعها لصلاته تجزيء من السجدة قال:
_________________
(١) ما بين المعكوفتين في المطبوعة: (ولم).
(٢) النص لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٨٣، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١١٢.
(٣) في (ن ١): (فالمعلم).
[ ١ / ٢١٢ ]
وعَلَى مذهبه فِي " المدوّنة " لا يجزءه ركوعه للصلاة عن السجدة، فهو بمنزلة من ترك سجود السجدة يقرؤها فِي الركعة الثانية فِي النافلة دون الفريضة. انتهى.
وقال المازري: نحى ابن حبيب لجواز ركوعه لصلاته به، والمعروف منعه، ولعله رأى سجود الصلاة يغني عنه كالجنابة عن الجمعة، انتهى باختصار.
ابن عرفة: وفِي " الذخيرة ": وإن قصد بالركوع السجدة لَمْ تحصل؛ لأنه غيّر هيئتها، وأشار ابن حبيب إِلَى جواز ذلك (١). انتهى. والتحرير ما قدمناه عن المازري. والله تعالى أعلم.
وإِنْ تَرَكَهَا وقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ.
قوله (وإِنْ تَرَكَهَا (٢) وَقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ) زاد اللخمي: إن لَمْ يسجد الإمام لَمْ يسجد مأمومه.
وسَهْوًا اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَيَسْجُدُ إِنِ اطْمَأَنَّ بِهِ.
قوله (وسَهْوًا اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ) هذا ركع ساهيًا عن السجدة من أول وهلة، بخلاف الذي تقدّم فِي قوله: (وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْوًا اعْتُدَّ بِهِ)؛ فإنه إنما انحطّ للسجدة، فلما وصل إِلَى حدّ الركوع أدركه السهو فبقي هناك راكعًا فهما مفترقان فِي الصورة، وذلك ظاهر من لفظه، وأما الحكم فالذي صوّبه ابن يونس: أن الذي يجري فِي هذه من الخلاف يجري فِي الأخرى إلاّ أن المصنف كما تراه حكى القولين فِي هذه واقتصر فِي الأولى عَلَى الاعتداد.
وقد حصّل اللخمي فِيهَا ثلاثة أقوال فقال فيمن نسي سجود التلاوة فِي نفلٍ: قال مالك فِي " العتبية ": إِذَا ذكر وهو راكع يمضي عَلَى ركوعه ولا يسجد، وكذلك لو انحطّ ليسجد فنسي فركع فإنه يرفع (٣) للركوع وتجزئه الركعة. وقال أشهب: ينحطُّ للسجود
_________________
(١) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١١١، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٨٢، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٩،١٠، والذخيرة، للقرافي: ٢/ ٤١٥.
(٢) في (ن ٣): (تركتها).
(٣) في (ن ١)، و(ن ٣): (يرجع).
[ ١ / ٢١٣ ]
وإن كانت نيته فِي حال انحطاطه للركوع. وقال ابن القاسم: إِذَا كانت نيته للسجود فإنه يخرّ ساجدًا؛ لأن ركعته تلك لا تجزيء عنه، ولو رفع منها، يريد بخلاف من كانت نيته من أول الركوع، فإنه يمضي لتمامها، والقول أنه إِذَا كانت نيته للركوع يمضي لها أحسن؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولَمْ يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبّس بالفرض وهو القيام أنه لا يرجع منه إِلَى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تفسد الصلاة بتعمد تركه فِي المشهور من المذهب فناسي السجدة أولى، وأما إِذَا كانت نيته فِي الانحطاط للسجدة فإن مالكًا ذهب إِلَى أن الفرض أن يوجد راكعًا، فتماديه عَلَيْهِ بنية الامتثال للركوع يجزيء عنه، وذهب ابن القاسم إِلَى أن الانحطاط للركوع فرض فِي نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود؛ لأنه لنفلٍ فلا يجزء عن فرض. انتهى.
فلو عكس المصنف لكان قد سلك طريقة اللخمي، إذ رجّح فِي قاصد الركوع الإمضاء، ولَمْ يرجّح فِي قاصد السجدة واحدًا من القولين، كما تراه وطريقة اللخمي هذه تنحو لما ذكر ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد. والله تعالى أعلم.
[فصل فِي صلاة النافلة]
نُدِبَ نَفْلٌ وتَأَكَّدَ بَعْدَ مَغْرِبٍ كَظُهْرٍ، وقَبْلَهَا كَعَصْرٍ بِلا حَدٍّ، والضُّحَى وسِرٌّ بِهِ نَهَارًا، وجَهْرٌ لَيْلًا، وتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ، وتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، وجَازَ تَرْكُ مَارٍّ، وتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ، وبَدْءٌ بِهَا بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ السَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ وآلِهِ وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ ﷺ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ وتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، وتَرَاوِيحُ، وانْفِرَادٌ بِهَا إِنْ لَمْ تُعَطَّلِ الْمَسَاجِدُ.، والْخَتْمُ فِيهَا، وسُورَةٌ تُجْزِئُ، ثَلَاثٌ وعِشْرُونَ، ثُمَّ جُعِلَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ، وخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيَتَهُ ولَحِقَ.
قوله: (وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ ﷺ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: بالصف الأول من مسجده ﵇، وكذا هي المسألة لمالك فِي رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، قال ابن القاسم: مصلاه ﵇ هو العمود المخلق. قال ابن رشد: هذا خلاف قول مالك فِي " الجامع ": أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي ﵇، ولكنه أقرب العمد إِلَى مصلاه - ﷺ -، والأصل فِي النفل حديث عتبان بن مالك، حيث صلى
[ ١ / ٢١٤ ]
النبي - ﷺ - ببيته مرة واحدة؛ ليتخذه مصلى (١)، فمحل مواظبته ﵇ أفضل، والأصل فِي الفرض نصّه ﵇ عَلَى فضل الصفّ الأول، فهو أولى مما علم فضله بالدليل (٢). ابن عرفة: فِي قوله فِي الفرض نظر؛ لأن فضل مسجده - ﷺ - أفضل من الصفّ الأول فِي غيره. انتهى. كأنه يعني أن ما زيد فيه خارج عنه.
وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا، وفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ.
قوله: (وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ، [١٥ / أ] ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا) أي: فِي الشفع والوتر، وبالوقوف عَلَى نقول الأئمة يظهر لك ما اعتمده المصنف فيهما، أمّا الشفع فحصّل ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التزام السورتين لمالك فِي كتاب ابن شعبان، وحكاه عياض عن بعض القرويين.
الثاني: ما تيسّر. لمالك فِي " المجموعة ".
الثالث: إن كان بعد تهجّدٍ فما تيّسر، وإن اقتصر عَلَيْهِ فالسورتان، وبه قيّد الباجي قول مالك فِي " المجموعة "، وبه فسّر عياض المذهب.
ونحوه للمازري، فإنه قال فِي " شرح التلقين ": وقد كنت فِي سنّ الحداثة، وعمري عشرون عامًا وقع فِي نفسي أن القراءة فِي الشفع لا يستحبّ تعيينها إِذَا كانت عقب تهجّد، وأن الاستحباب إنما يتوجّه فِي حقّ من اقتصر عَلَى شفع الوتر، فأمرت من يصلّي التراويح فِي رمضان أن يوتر عقب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع العدد مقرونًا بجزئه الذي يقوم به ويوتر عقبه؛ فتمالأ الأشياخ المفتون حينئذ بالبلد عَلَى إنكار ذلك، واجتمعوا بالقاضي، وكان ممن يقرأ عليّ ويصرف الفتيا فيما يحكم به إليّ، وسألوه أن يمنع من ذلك،
_________________
(١) انظر الحديث في: الموطأ، باب جامع الصلاة، من حديث محمود بن الربيع، حديث رقم: (٤٢٠)، وصحيح البخاري برقم (٤٢٤)، كتاب الصلاة، بَاب إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَوْ حَيْثُ أُمِرَ ولَا يَتَجَسَّسُ،، وصحيح مسلم برقم (١٥٢٨)، كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٣٦٩، ٣٧٠.
[ ١ / ٢١٥ ]
فأبي عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي عَلَى المسألة، فأبوا؛ فأبى، ثم اتسع الأمر، وصارت مساجدنا يفعل ذلك فِيهَا، فخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لَمْ تخصّ فِي رمضان بقراءة، فرجعت إِلَى المألوف، ثم بعد زمانٍ طويلٍ رأيت أبا الوليد الباجي أشار إِلَى الطريق التي كنت سلكت من التفصيل بين من كان وتره واحدة عقب صلاة الليل، ومن لَمْ يوتر إلا عقب الشفع، اللهم إلا أن يكون أراد قيام المتهجدين فِي غير رمضان؛ لأن رمضان يجتمع الناس فيه عَلَى النفل، ويتبع فيه فعل السلف فِي الاقتصار عَلَى عدد معلوم، فيكون مخالفًا لما سواه من قيام الليل، فقد يمكن أن يقصد إِلَى ذلك. انتهى.
واعترضه ابن عرفة فقال: إنما قال ذلك الباجي تقييدًا لرواية ابن عبدوس (١) لا تفسيرًا للمذهب، بل تعليلًا لمخالفة رواية التعيين، ولو ناظروه حجّوه (٢): إما باعتبار المذهب، فرواية التعيين أولى؛ لما تقرر من دليل ردّ المطلق للمقيد، وإما باعتبار الدليل؛ فلحديث أبيٍّ أنه - ﷺ - كان يوتر بثلاث ركعات يقرأ فِي الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وفِي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، والمعلوم منه - ﷺ - التهجد. انتهى.
قلت: لعلّ ابن عرفة لَمْ يقف عَلَى جميع كلام المازري، وإلا فقد أورد المازري نحو هذا بنفسه عَلَى نفسه بعد كلامه الذي قدّمناه.
وأما الوتر فقال فِي " المدوّنة ": كان مالك يقرأ فِيهَا بأم القرآن و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ولا يفتي الناس بذلك (٣). وقال اللخمي وابن يونس قال مالك فِي المجموعة: إن الناس ليلتزمون فِي الوتر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وما ذلك بلازم وإنّي لا أفعله.
قلت: وقول ابن عرفة: قال اللخمي: رجع مالك لقراءة الوتر بالفاتحة والإخلاص
_________________
(١) الذي عند الباجي: الرواية عن ابن عباس لا عبدوس، انظر المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٢/ ١٦٢.
(٢) في (ن ١): (حجو).
(٣) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٢٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
والمعوذتين [وهم إنما قال] (١) اللخمي: روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ فِي الأولى بـ: سبّح، وفِي الثانية بـ: الكافرون، وفِي الثالثة بـ: الإخلاص، وروي أنه كان يقرأ فِي الأخرة بالإخلاص والمعوذتين، وبهذا أخذ مالك [فِي الأخيرة] (٢)، وروي عنه فِي " مختصر " ابن شعبان أنه كان يقرأ فِي الأولى والثانية بمثل ما فِي الحديث الأول، ففهم ابن عرفة أن رواية ابن شعبان مرجوع عنها، ولا يحسن أن يفهم الرجوع من قوله: (فِي الأخرة)، فليس مراده فِي الرواية الأخرة كما سبق لفهم بعضهم، وإنما مراده فِي الركعة الأخرة.
قال: وروى يحيي بن اسحاق عن يحيي بن عمر لا تختص الوتر بقراءة، وقال ابن العربي فِي " عارضة الأحوذي فِي شرح الترمذي ": يقرأ المتهجد فِي الوتر من تمام حزبه، وغيره بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط؛ لحديث الترمذي (٣) وهو أصحّ من حديث قراءته بها مَعَ المعوذتين، وانتهت الغفلة بقومٍ يصلّون التراويح فإِذَا انتهوا للوتر قرأوا فيه بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. انتهى.
قلت: وفِي ترجمة محمد بن الخطاب من " الغنية " لعياض، حديث مسلسل بقراءة الإخلاص فِي كلّ ركعة من الشفع كل واحد من رواته يقول: ما تركته منذ سمعته، حتى انتهت الرواية لعياض فقال مثل ذلك، وذكره أَيْضًا ولد عياض فِي مناقب أبيه (٤).
ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى، وجَازَ،، إِلا لاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وكُرِهَ وَصْلُهُ، ووِتْرٌ بِوَاحِدَةٍ وقِرَاءَةُ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، ونَظَرٌ بِمُصْحَفٍ فِي فَرْضٍ، وأَثْنَاءَ نَفْلٍ، لا أَوَّلَهُ، وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ، وإِلا فَلا، وكَلامٌ بَعْدَ صُبْحٍ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ، لا بَعْدَ الْفَجْرِ، وضِجْعَةٌ بَيْنَ صُبْحٍ، ورَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، والْوِتْرُ سُنَّةٌ آكِدُ، ثُمَّ عِيدٌ، ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، ووَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ، وشَفَقٌ لِلْفَجْرِ،
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (يشير به لقول).
(٢) في (ن ١): (الأخيرة).
(٣) انظر: سنن الترمذي برقم (٤٦٢)، كتاب الصلاة، باب مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ فِى الْوِتْرِ.
(٤) اختصر الخرشي ﵀ بحث المؤلف هنا كالمقرر له، وقال: (. . . وهُو تَابِعٌ لِبَحْثِ الْمَازِرِيِّ، ومَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ الْعُدُولُ عَنْ نُقُولِ الْأَئِمَّةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّفْعِ والْوِتْرِ ولَوْ لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ إلَى بَحْثِ الْمَازِرِيِّ، هَذَا حَاصِلُ مَا نَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ) انظر: شرح الخرشي: ٢/ ١٢٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
وضَرُورِيِّةٌ لِلصُّبْحِ، ونُدِبَ قَطْعُهَا لَهُ لِفَذٍّ، لا مُؤْتَمٍّ، وفِي الإِمَامِ رِوَايَتَانِ، وإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ إِلا لِرَكْعَتَيْنِ تَرَكَهُ، لا لِثَلاثٍ ولِخَمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ ولَوْ قَدَّمَ، ولِسَبْعٍ زَادَ الْفَجْرَ، وهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا، ولا تُجْزِئُ إِنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إِحْرَامِهَا لِلْفَجْرِ ولَوْ بِتَحَرٍّ، ونُدِبَ الاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
وإِيقَاعُهَا بِمَسْجِدٍ، ونَابَتْ عَنِ التَّحِيَّةِ، وإِنْ فَعَلَهَا بِبَيْتِهِ لَمْ يَرْكَعْ ولا يَقْضِي غَيْرَ فَرْضٍ، إِلا هِيَ فَلِلزَّوَالِ، وإِنْ أُقِيمَتِ الصُّبْحُ وهُوَ بِمَسْجِدٍ تَرَكَهَا، وخَارِجُهُ رَكَعَهَا، إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وهَلِ الأَفْضَلُ كَثْرَةُ السُّجُودِ أَوْ طُولُ الْقِيَامِ؟ قَوْلانِ.
قوله (ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى) عطف هنا عَلَى اسم شبه فعل فعلًا ماضيًا عَلَى حدّ قوله جلّ وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ١ - ٤]، وفِي عطفه بـ: ثمّ إشارة لقوله فِي الصلاة الأول من " المدوّنة ": ومن أوتر فِي المسجد ثمّ أراد أن يتنفل بعده تربّص قليلًا، وإن انصرف بعد وتره إِلَى بيته تنفّل ما أحبّ (١).
وَعَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ بِسَلامٍ.
قوله: (وعَقِبَ شَفْعٍ) عطف عَلَى قوله: (آخر الليل).
[فصل فِي صلاة الجماعة]
الْجَمَاعَةُ بِفَرْضٍ، غَيْرِ جُمُعَةٍ سُنَّةٌ ولا تَتَفَاضَلُ، وإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا بِرَكْعَةٍ، ونُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ كَمُصَلٍّ بِصَبِيٍّ إِلا امْرَأَةٍ أَنْ يُعِيدَ مُفَوِّضًا مَأْمُومًا، ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ، غَيْرَ مَغْرِبٍ كَعِشَاءٍ بَعْدَ وَتْرٍ وإِنْ أَعَادَ ولَمْ يَعْقِدْ [رَكْعَةً] (٢) قَطَعَ، وإِلا شَفَعَ.
قوله: (ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ) عوّل فِي الإعادة مَعَ الواحد غير الإمام الراتب عَلَى " صاحب اللباب " وابن عبد السلام، وما كان ينبغي [١٥ / ب] له ذلك؛ فإن الحُفّاظ لَمْ يجدوه فِي المذهب حتى انتقد عَلَى ابن الحاجب جعْله مقابل الأَصَحّ، فقال ابن عرفة: ونقْل ابن الحاجب تعاد مَعَ واحد (٣)، لا أعرفه.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٦٧، والمدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٩٨.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٠٧، ونصه: (ويستحب إعادة المنفرد مع اثنين فصاعدًا لا مع واحد على الأصح)، وانظر متابعة الحطاب للمؤلف في مواهب الجليل: ٢/ ٤٠٣.
[ ١ / ٢١٨ ]
وإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ إِنْ قَرُبَ، وأَعَادَ مُؤْتَمٌّ بِمُعِيدٍ أَبَدًا [١٠ / ب] أَفْذَاذًا.
قوله (وَإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ) جواب (إن) هو (أتى) و(لو) إغياء.
وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ، ولا يُطَالُ رُكُوعٌ لِدَاخِلٍ، والإِمَامُ الرَّاتِبُ كَجَمَاعَةٍ، ولا تُبْتَدَأُ صَلاةٌ بَعْدَ الإِقَامَةِ، وإِنْ أُقِيمَتْ وهُوَ فِي صَلاةٍ قَطَعَ، إِنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وإِلا أَتَمَّ النَّافِلَةَ أَوْ فَرِيضَةً غَيْرَهَا وإِلا انْصَرَفَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ شَفْعٍ كَالأُولَى إِنْ عَقَدَهَا، والْقَطْعُ بِسَلامٍ أَوْ مُنَافٍ وإِلا أَعَادَ، وإِنْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ عَلَى مُحَصِّلِ الْفَضْلِ، وهُوَ بِهِ خَرَجَ ولَمْ يُصَلِّهَا ولا غَيْرَهَا.
قوله (وإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ) هذا الذي اقتصر عَلَيْهِ هو الذي نسبه ابن رشد لسماع عيسي وسحنون عن ابن القاسم (١)، وهذا عَلَى إجراء المتأخرين غير لائق بقوله أولًا: مفوضًا؛ فكأنه لَمْ يرتهن لذلك هنا، وقد أشبعنا الكلام عَلَيْهَا فِي موضوعنا عَلَى " المدوّنة " المسمى بـ: " تكميل التقييد وتحليل التقعيد " ومن الله سبحانه العون والتأييد.
وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا وبِبَيْتِهِ يُتِمُّهَا.
قوله: (وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا) من الواضح أن كلامه فيما يعاد، فلا ترد عَلَيْهِ المغرب و[لا] (٢) العشاء بعد الوتر (٣).
وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا، أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى [مُشْكِلًا] (٤)، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ، أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُحْدِثًا إِنْ تَعَمَّدَ أَوْ عَلِمَ مُؤْتَمُّهُ، وبِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ عَلِمَ، إِلا كَالْقَاعِدِ بِمِثْلِهِ فَجَائِزٌ، أَوْ بِأُمِّيٍّ إِنْ وَجِدَ قَارِئٌ أَوْ قَارِئٍ بِكَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ،
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٣١، ٣٢، ونص المسألة: (سُئل عن الرجل يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد، فيجد الناس في تلك الصلاة فيصلي معهم، فيذكر عند فراغه أن التي صلى في البيت صلاها على غير وضوء، ولم يعمد صلاح تلك بهذه التي صلى مع الإمام، فقال: صلاته التي صلى على الظهر مجزئة عنه، وليس عليه إعادة).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٣) يشير المؤلف إلى مسألة من صلى وحده، ثم أتي مسجدًا أقيمت فيه تلك الصلاة، فإنها تلزمه إلا أن تكون صلاة مغرب فإنها لا تعاد ثانية، ولا العشاء التي صلى وترًا بعدها، فإنها أيضا لا تعاد، واللزوم في هذا محتم؛ لما يلزم من مخالفة ذلك من الطعن على الإمام.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
[ ١ / ٢١٩ ]
أَوْ عَبْدٍ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ فِي فَرْضٍ، وبِغَيْرِهِ تَصِحُّ وإِنْ لَمْ تَجُزْ، وهَلْ بِلَحْنٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ، وبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وظَاءٍ خِلافٌ.
قوله: (أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) جعله أسوأ حالًا من المبتدع الذي قال فيه: (وأعاد بوقت فِي كحروري)، وهذا عكس قول ابن يونس: الصواب الإعادة عَلَى من صلى خلف شارب خمرٍ؛ لأنه من أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالًا من المبتدع، وقد اختلف فِي إعادة من صلى خلفه. انتهى. مَعَ أن أبا العباس القباب قال: أعدل المذاهب أنه لا يقدم فاسق للشفاعة والإمامة، ولكن لا إعادة عَلَى من صلى خلفه إن كان يتحفظ عَلَى أمور الصلاة، وهذا مرتضى التونسي واللخمي وابن يونس. انتهى.
وما كان ينبغي للمصنف أن يعدل عن المرتضى عند هؤلاء الأئمة إِلَى تشهير ابن بزيزة (١)، وما ذكره فِي المبتدع صواب؛ إذ هو مذهب ابن القاسم [فِي " المدوّنة "] (٢)، وللمصنف أن يقول بالموجب فِي جعل الفاسق أسوأ حالًا من المبتدع بالاعتبار الذي أشار إليه ابن عبد السلام: أنّ فسق الاعتقاد لا ينفي لمن صدق الفاسق، ألا ترى أن كتب الصحاح فِي الحديث اشتملت عَلَى جواز التحديث عن جماعةٍ من هذا الصنف (٣)، وإنما اجتنب المحدثون الرواية عمن كان من هذا الجنس داعيًا إِلَى مذهبه، ومن لَمْ يكن كذلك لَمْ يجتنبوا الرواية عنه، بخلاف فسق الجوارح (٤).
_________________
(١) هو: عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد، التونسي، فقيه، مفسر، ولد بتونس، وتوفي سنة ٦٦٢ هـ، من تآليفه: الإسعاد في شرح الارشاد، " شرح الأحكام الصغرى لعبد الحق، و" شرح التلقين ". انظر ترجمته في: توضيح المشتبه، لابن ناصر: ١/ ٢٠٢، ومعجم المؤلفين، لكحالة: ٥/ ٢٣٩.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) يشير المصنف ﵀ إلى مثل (عبّاد بن يعقوب) الذي قال فيه ابن خزيمة: (المتهم في رأيه الثقة في حديثة) وقد كان عبّاد بن يعقوب، يشتم السلف، ومن غلاة الشيعة، ورؤوس البدع، أخرج البخاري حديثه في: كتاب الاعتكاف، باب وسمى النبي ﷺ الصلاة عملًا، والترمذي: (باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب) والدارقطني: (باب وضوء النبي ﷺ) وأخرج له ابن خزيمة: (باب ذكر كتابة أجر المصلي). انظر: صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٧٦، وانظر: الضعفاء، للعقيلي: ١/ ٨.
(٤) يرى ابن تيمية أن أهل البدع قسمان: (الأول: من بدعته عن جهلٍ وضلال فهؤلاء قَبِل العلماءُ حديثهم لأنهم لا يتعمدون الكذب) الثاني: من بدعته عن زندقة وإلحاد، فهؤلاء رَفَض العلماء حديثهم لأن ما هم فيه يدفعهم إلى الكذب) انظر: منهاج السنة، لابن تيمية: ١/ ٦٣.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ، وكُرِهَ أَقْطَعُ، وأَشَلُّ وأَعْرَابِيٌّ لِغَيْرِهِ وإِنْ أَقْرَأَ وذُو سَلَسٍ وقُرُوحٍ، لِصَحِيحٍ، وإِمَامَةُ مَنْ يُكْرَهُ.
قوله (وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ) دخل فِي قوله: (كَحَرُورِيٍّ) المعتزلي والقدري (١)، ونحوهما ممن يشكل كونه كافرًا، وخرج به المقطوع بكفره، ومثله المازري بالقائل: إنه سبحانه ليس بعالم - تعالى الله عن ذلك - وخرج به أَيْضًا المقطوع بعدم كفره كذي هوىً خفيف، فاشتمل كلامه عَلَى أحكام الأقسام الثلاثة التي ذكر ابن رشد فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب (٢) فإن قلت: فقد قال ابن عبد السلام إن أكثر المتكلّمين عَلَى هذه المسألة، إنما فرضوا الكلام فِيهَا فِي مبتدع كانت بدعته فِي الصفات، وبنوها عَلَى التكفير بالمآل، فلا معنى لذكر الحرورية هنا؛ إذ هم قوم خرجوا عَلَى عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - بحروراء نقموا عَلَيْهِ قضية التحكيم، وكفّروا الناس بالذنب، ولَمْ يظهر منهم حينئذ بدعة فِي الصفات البتة.
قلت: قد ردّه ابن عرفة برواية أبي محمد وابن حبيب عن مالك [من ائتم] (٣) بأحدٍ من أهل الأهواء أعاد أبدًا إلاّ إمامًا واليًا أو خليفته عَلَى الصلاة؛ لأجل ائتمام ابن عمر بالحجّاج ونجدة الحروري (٤). وقال فِي " التوضيح ": قد يجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن ما ارتكبت الحرورية من التكفير بالذنب من أعظم البدع.
والثاني: نقل ابن يونس عن مالك التسوية بين القدري والحروري فِي أنه لا يصلّي خلفهما، ثم ذكر الخلاف كما ذكر ابن الحاجب (٥)، فدلّ عَلَى أن الجميع سواء.
_________________
(١) المعتزلة والقدرية فرقة واحدة تنسب إلى واصل ابن عطاء المتوفى سنة ١٩٨ هـ لهم خلاف مشهور مع الحسن البصري ﵀، ولهم مقالات غالية في العقائد كالقول بخلق القرآن، ومرتكب الكبيرة في منزلة بين الكفر والإيمان. . . ولهم غير ذلك. انظر: مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص: ١٥٥، والفرق بين الفرق للبغدادي، ص: ١٨.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٤٣، ٤٤٤.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٨٩.
(٥) قال ابن الحاجب: (وفي المبتدع كالحروري والقدري ثالثها تعاد في الوقت ورابعها تعاد أبدًا ما لم يكن واليًا؛ بناء على فسقهم أو على كفرهم، ولمالك وللشافعي والقاضي ﵃ فيهم قولان) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص:١١٠.
[ ١ / ٢٢١ ]
وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ (١)، وأَغْلَفَ، وولد زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ.
قوله (وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ وَأَغْلَفَ، ووَلَدِ زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ) أمّا الخصي وولد الزنا والعبد فلا إشكال فيهم، وأما المأبون فكذا ذكره ابن بشير وأتباعه، كابن شاس والقرافي وابن الحاجب (٢) وشرّاحه، وأنكر ذلك ابن عرفة فقال: ونَقْل ابن بشير كراهة إمامة المأبون لا أعرفه، وهو أرذل الفاسقين. انتهى.
قلت: حمله ابن عرفة عَلَى أنه الذي يؤتى فِي دبره. وقد وقع فِي رسم الجواب من سماع عيسى أن أبا سلمة ابن عبد الأسد الذي كان زوج أم سلمة رأى رجلًا مأبونًا بين يديه فِي الصلاة فاتقى ذلك (٣)، فكيف بإمامته؟ فلا يكون غيره من الفسقة أسوأ حالًا منه. لكن الظاهر من كلام ابن بشير وأتباعه: أنهم لَمْ يريدوا هذا الفاسق الخبيث، فإن ابن بشير ذكر أولًا النقص المانع من الإجزاء وأدرج فيه الفسقة، ثم ذكر النقص المانع من الكمال، وذكر من جملته [١٦ / أ] ما يحطّ المنزلة ويسرع إليه طعن الألسنة، وقال: ينخرط فِي هذا السلك كراهة الائتمام بالمأبون والأغلف.
وأبين منه لابن شاس إذ قال: ويكره أن يُتخذ ولد الزنا إمامًا راتبًا، وكذلك المأبون والأغلف (٤)، وقيل: بجواز اتخاذهم أئمة راتبين إِذَا كانوا صالحي الأحوال فِي أنفسهم سالمين من النقائص المتقدّمة (٥)، وكذا علل ابن عبد السلام كراهة ترتيب المأبون، ومن معه بأنهم تسرع إليهم الألسنة، وربما تعدى الأذى إِلَى من ائتم بهم، وفِي هذا كلّه دليل عَلَى
_________________
(١) رَجُل مَأبون أي مَقروف بخَلّة من السوء. انظر: الغريب، لابن قتيبة: ١/ ٥٠٦.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١٤٢، وقال ابن الحاجب: (ويكره أن يكون العبد والخصي وولد الزنى والمأبون والأغلف إمامًا راتبًا في الفرائض والعيد) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص:١١٠، وانظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٢٥٣. وقد نقل كلامه عن ابن شاس.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٤٩، ٥٠.
(٤) الأغلف، يقال: غلام أَغلف. إِذا لم تُقطع غُرْلَتُه، وغلام أَغلف: لم يختتن كأَقْلَف. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٩/ ٢٧١.
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١٤٢.
[ ١ / ٢٢٢ ]
أنهم لَمْ يريدوا الفاسق البيّن [الفسق] (١) الذي فهم ابن عرفة؛ وإنما أرادوا من هو أخفّ شأنًا من ذلك، فأما أن يكونوا أرادوا الذي كان موصوفًا بذلك، ثم تاب وحسنت توبته وبقيت الألسنة تتكلّم فيه مما مضى.
[ولعلّ فِي هذا بعض الشبه بما حكى ابن حبيب عن مالك: لا يؤم قاتل عمد وإن تاب] (٢)، وإنما يكونوا أرادوا به المتهم وهو أبين لمساعدته للغة العربية، وفِي البخاري: " ما كنا نأبنه بريبة (٣) " وفيه: " أَبَنُوا أهلي " (٤)، وعَلَى هذا حمله شيخ شيوخنا العلامة أبو عبد الله ابن مرزوق فِي كتاب " انتهاز الفرصة فِي محادثة عالم قفصة ".
وزعم الشارمساحي أنه عند الفقهاء الضعيف العقل، وكأنه عَلَى هذا أخف شأنًا من المعتوه فقد قال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم المعتوه الناس. قال سحنون: فإن أمّهم أعادوا. قال ابن رشد: المعتوه الذاهب العقل. وقول سحنون تفسير؛ لأنه لا تصحّ منه نية فوجب أن يعيد أبدًا من ائتم به، وأما الأغلف وهو الذي لَمْ يختتن فقال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم. قال سحنون: فإن فعل فلا إعادة عَلَى من ائتم به.
قال ابن رشد: قول سحنون تفسير، فلا يخرجه ترك الاختتان عن الإسلام، ولا يبلغ به مبلغ التفسيق، إلا أن ذلك نقصان فِي دينه وحاله؛ لأن الختان طهرة الإسلام وشعاره (٥).
وأما المجهول الحال فروى ابن حبيب عن مُطرِّف وابن الماجشون وأصبغ وابن عبد الحكم: لا ينبغي أن [يؤتم بمجهول] (٦) إلا راتبًا بمسجد.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٢١)، كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، ولفظ البخاري " نأبنه برقية " لا بريبة.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٤٧٩)، كتاب التفسير، باب قوله: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة. . " الآية.
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٣٠، ٢٣١.
(٦) في (ن ٣): (يؤم المجهول).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال فِي " الزاهي " (١): لا يؤتم بمجهول، هذا نقل ابن عرفة وزاد: إن كانت تولية المساجد لذي هوىً لا يقوم فِيهَا بموجب الترجيح الشرعي لَمْ يؤتم براتب فِيهَا إلا بعد الكشف عنه، وكذا كان يفعل من أدركته عالمًا دينًا.
وصَلاةٌ بَيْنَ الأَسَاطِينِ، أَوْ أَمَامَ الإِمَامِ بِلا ضَرُورَةٍ، واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا، كَأَبِي قُبَيْسٍ وصَلاةُ رَجُلٍ بَيْنَ نِسَاءٍ وبِالْعَكْسِ، وإِمَامَةٌ فِي الْمَسْجِدِ بِلا رِدَاءٍ، وتَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ.
قوله (واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا) كذا قال فِي " المدوّنة ": ولا يعجبني أن يصلّي فوق وهم أسفل (٢). ابن يونس قال ابن حبيب: ويعيد الأسفلون فِي الوقت، وقيل: إنما ذلك لأن الأسفلين ربما لَمْ يتمكن لهم مراعاة فعل الإمام، وربما دارت السفينة فيختلط عليهم أمر صلاتهم، فليس ذلك كالدكان الذي يكون فيه مَعَ الإمام قوم وأسفل منه قوم، فافترقا قال أبو الحسن الصغير: يلزم هذا فِي العكس وقد جوّزه فِي الكتاب.
وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ، ولَهُ الْجَمْعُ إِنْ جَمَعَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيرًا.
قوله (وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ) احترز بالجماعة من الفذ، فإنه لا يكره له أن يصلّي صلاة فِي المسجد قبل أن يصليها أمامه أو بعد ما صلّاها، ما لَمْ يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقدّم أو تأخر فيمنع، قاله اللخمي: وظاهر قوله بعد الراتب أن الصلاة إن لَمْ يكن لها فِي المسجد إمام راتب فلا كراهة فِي جمعها فيه مرتين، وإن كان لغيرها من الصلوات فيه إمام راتب، وهذا خلاف رواية ابن القاسم؛ لكنه رواية أشهب، واختاره اللخمي والمازري وابن عبد السلام، واعتمد فِي قوله: " وإن أذن " عَلَى ما عند سند، وهو خلاف
_________________
(١) كتاب الزاهي، لابن شعبان، في فقه المالكية وابن شعبان هو: حمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة، العماري، المصري، يعرف بابن القرطي، قال القاضي عياض كان ابن شعبان رأس المالكية بمصر وأحفظهم للمذهب، توفي سنة ٣٥٥ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي: ١٦/ ٧٨، والديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ٢٤٨.
(٢) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٨٢.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ما قطع به اللخمي وهذا ينبنى عَلَى وجه الكراهة فقيل: لتفريق الجماعات فتعمّ الكراهة، وقيل: لئلا يتطرقّ أهل البدع بالتأخير ثم يجمعوا مَعَ إمامهم، فيجوز إِذَا علمت البراءة من ذلك، وقيل لحقّ الإمام فيجوز إِذَا أذن.
ودلّ قوله: " الراتب " أن هذا فِي مسجد أو ما يقوم مقامه كالسفينة وغيرها، وقد نصّ عَلَى السفينة فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب. قال ابن رشد: وليس بخلاف لما أجاز فِي " المدوّنة " أن يصلي الذين فوق سقفها بإمام، والذين تحته بإمام؛ لأنهما موضعان (١). وفِي الذخيرة: قال صاحب " الطراز ": يتنزل المكان الذي جرت العادة بالجمع فيه وإن لَمْ يكن مسجدًا منزلة المسجد، وقاله مالك فِي " العتبية " (٢).
وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذًا، إِنْ دَخَلُوهَا. وقَتْلُ كَبَرْغُوثٍ بِمَسْجِدٍ، وفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ (٣)، واسْتُشْكِلَ، وجَازَ اقْتِدَاءٌ بِأَعْمَى، ومُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ وأَلْكَنَ، ومَحْدُودٍ، وعِنِّينٍ، ومَجْذُومٍ، إِلا أَنْ يَشْتَدَّ، فَلْيُنَحَّ وَصَبِيٍّ بِمِثْلِهِ.
قوله (وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذًا، إِنْ دَخَلُوهَا) مفهوم الشرط أنهم إن لَمْ يدخلوها جمعوا فِي غيرها، وهذا مقصود من المصنف اعتمادًا عَلَى قول عياض فِي " التنبيهات "، قال شيوخنا معناه: لمن قد دخل هذه المساجد لا لمن لَمْ يدخلها، وكذا جاء مفسرًا فِي " العتبية " فِي سماع أشهب وابن نافع. [١٦ / ب] قال مالك: من لَمْ يبلغ مسجد الرسول ﵇ حتى صلى أهله أنه يجمع تلك الصلاة فِي غيرها. وهو ظاهر " المدوّنة "؛ لأنه إنما تكلّم عَلَى من دخل. انتهى. ونسب ابن رشد نحو هذا لابن لبابة، وردّه بأن صلاة الفذّ هناك إن كانت أفضل ترجّحت مُطْلَقًا، وإلاّ فالعكس (٤).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٤٥، ٤٤٦، وانظر رواية ابن القاسم المشار لها في كتاب الصلاة الأول، من رسم أوله يسلف: ١/ ٣٠٧.
(٢) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٢٧٢.
(٣) قال في المدونة: (ويكره قتل البرغوث والقملة في المسجد، فإذا أصاب قملة وهو في الصلاة فلا يلقيها في المسجد، ولا يقتلها فيه، وإن كان في غير صلاة فلا بأس أن يطرحها في غير المسجد) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٧١.
(٤) انظر سماع أشهب وابن نافع من كتاب الصلاة الأول في البيان والتحصيل: ١/ ٤٠٤، ٤٠٥، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ٨٩.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ.
قوله (وَعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ (١) يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ) أشار بهذا لقوله فِي " المدوّنة ": وإن كانت طائفة عن يمين الإمام أو حذوه فِي الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام فِي الصفّ ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه (٢). وقد تعقبها أبو إسحاق التونسي بأن ذلك تقطيع للصفوف، وحمل ذلك ابن رشد فِي رسم شك من سماع ابن القاسم عَلَى أنه بعد الوقوع، ويكره ابتداءً (٣). وقال قبله فِي " المدوّنة ": ومن دخل المسجد وقد قامت الصفوف قام حيث شاء خلف الإمام أو عن يمينه أو عن يساره، وتعجّب مالك ممن قال يمشي حتى يقف حذو الإمام.
وقال اللخمي: يبتدأ الصفّ من وراء الإمام ثم عن يمينه وشماله حتى يتمّ الصف، ولا يبتدأ بالثاني قبل تمام الأول ولا بالثالث قبل تمام الثاني، وهو الذي يقتضيه قول مالك فِي كتاب ابن حبيب، وهو أحسن [مما له] (٤) في " المدوّنة "؛ لقوله ﵇: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " ثم قال: " يتمون الصفّ الأول ويتراصون " أخرجه مسلم (٥).
واختار المازري نحو هذا، وقال: ليس ما تعجّب منه مالك فِي " المدوّنة " ردٌّ لما اخترناه فِي الصفّ الأول؛ لأنه إنما تكلّم فِي " المدوّنة " عَلَى رجلٍ وحده جاء وقد كملت الصفوف.
فرع: فِي رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم قال مالك: أوّل من أحدث المقصورة [مروان بن الحكم حين طعنه اليماني؛ فجعل مقصورة] (٦) من طين وجعل فِيهَا
_________________
(١) في (ن ٢): (أو على).
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٧٦، والمدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٠٥.
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٦٥.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٥) انظر: صحيح مسلم برقم (٩٩٦)، كتاب الصلاة، باب الأَمْرِ بَالسُّكُونِ فِى الصَّلاَةِ.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ١ / ٢٢٦ ]
تشبيكًا. قال ابن رشد: اتخاذها فِي الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانًا وتغلق أحيانًا فالصفّ الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصفّ الأول هو اللاحق بجدار القبلة فِي داخلها، روي ذلك عن مالك (١). انتهى.
ابن عرفة: رواه ابن وهب بزيادة: لا بأس بالصلاة فِيهَا. ونقل بعض معاصري شيوخنا أنه الموالي للإمام مُطْلَقًا أنكر عَلَيْهِ وبحث عنه فلم يوجد. انتهى.
وفي " النوادر " قال ابن وهب عن مالك: لا بأس بالصلاة فِي المقصورة (٢).
[وقال أبو الحسن الصغير: انظر ما حجر من المسجد نفسه هل تصلى فيه الجمعة مثل المقصورة] (٣)، وقد كان القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وابن شهاب يصلّون فِيهَا، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]؛ لأن [حقّ] (٤) الناس فِي المسجد جميعًا؛ فليس لأحدٍ أن يختصّ بشئ منه دون غيره.
وَصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَدًا، وهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمَا، وإِسْرَاعٌ لَهَا بِلا خَبَبٍ، وقَتْلُ عَقْرَبٍ أَوْ فَأْرٍ بِمَسْجِدٍ.
قوله: (وصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَدًا) كذا فِي " المدوّنة " (٥)، وفِي قوله: (ولا يَجْذِبُ أَحَدًا) دليل عَلَى أنه لَمْ يجد موضعًا فِي الصفّ كما صرّح به فِي " التلقين ". وفِي معناه ما فِي رسم شكّ من سماع ابن القاسم فيمن قعد للتشهد فضاق به الصفّ: لا بأس أن يتأخر عنه أو يتقدم، وقد رأيت بعض أهل العلم يفعله. وأما من خرج [من الصفّ] (٦) بلا عذر فقال ابن رشد: قال ابن حبيب: قد أساء ولا إعادة عَلَيْهِ (٧).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢٩٦.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ١٠٥، وقال في تهذيب المدونة: (ومن صلى خلف الصفوف منفردًا، فلا بأس بذلك، ويقف حيث شاء، ولا يجبذ إليه أحدًا، فإن فعل فلا يتبعه، وهذا خطأ من الذي فعله وخطأ من الذي جبذه) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٧٥.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٧) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وروى ابن وهب عن مالك: عَلَيْهِ الإعادة لقوله - ﵇ - لأبي بكرة " زادك الله حرصًا ولا تعد " (١) أي للركوع دون الصفّ، والأظهر: للتأخر حتى تأتي وقد حفزك (٢) النفس. إذ لَمْ يأمره - ﵇ - بإعادتها. وطريقة ابن عبد السلام أنّ عدم جبذ المنفرد أحدًا مبنيٌ عَلَى المشهور من صحة صلاته، وأما عَلَى القول بالبطلان فيجذبه لئلا تبطل كقول المخالف، وتبعه فِي " التوضيح "، وذلك يقوي أنه مراده هنا، وما قدمناه أبين وأسعد بالنقول. والله سبحانه أعلم.
وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويَكُفُّ إِذَا نُهِيَ.
[قوله (وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويكفّ إِذَا نُهي) كذا فِي " المدوّنة "، وجملة لا يعبث صفة لصبيٍ لا حال؛ لأنه نكرة] (٣).
وَبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ. وخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ لِعِيدٍ، واسْتِسْقَاءٍ، وشَابَّةٍ لِمَسْجِدٍ ولا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِهِ، واقْتِدَاءُ ذَوِي سُفُنٍ بِإِمَامٍ، وفَصْلُ مَأْمُومٍ بِنَهَرٍ صَغِيرٍ أَوْ طَرِيقٍ.
قوله: (وبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ) ينبغي أن يقرأ بجرّ قدمه عطفًا عَلَى حصيرة، ونصب يمينه وأمامه عطفًا عَلَى تحت، وفِي عبارته قلق (٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ برقم (٢٨٥) أبواب الصلاة، باب الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه، والبخاري في صحيحه برقم (٧٨٣)، كتاب الأذان باب إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ.
(٢) النَّفَس المَحْفوزِ: الشديد المتتابع انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٥/ ٣٣٧.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢). وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ١٠٦، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٧٦.
(٤) قلت: بيّن العدوي في حاشيته على الخرشي هذا القلق بقوله: (وقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَمِينَهُ ثُمَّ أَمَامَهُ) عَطْفٌ عَلَى تَحْتَ فَأَنْتَ تَرَاهُ عَطَفَ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لِلْعَطْفِ عَلَى الْمُضَافِ فَفِيهِ قَلَقٌ) انظر: حاشية العدوي على شرح الخرشي: ٢/ ١٧٤، وأما الحطاب فقال: (عطف على محذوف تقديره أو تحت حصيره في يساره، أي: في جهة يساره، ثم قدامه إلى آخره، وكأنه - والله أعلم - تركه لكونه أول الجهات التي ذكرها في التنبيهات، فلما ذكر ما عداها معطوفًا بثم علم أنها هي الأولى وفيه ما ترى)، انظر: مواهب الجليل، للحطاب: ٢/ ٤٤٩.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ.
قوله (وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ) أي: فلا يجوز يريد إلا لتعليم كصلاته - ﷺ - عَلَى المنبر، قاله عياض وقبله ابن عرفة، وفِي البخاري أن أحمد بن حنبل احتجّ به عَلَى الجواز مُطْلَقًا (١).
[١١ / أ] وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ.
قوله: (وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ) هكذا فِي بعض النسخ بباء السببية لا بكاف التشبيه، وذلك أمثل (٢) أي: وبطلت الصلاة بسبب قصد الإمام و[١٧ / أ] المأموم بالعلو الكبر، كأنه تكلّم أولًا فيما إِذَا سلما من قصد الكبر، فنّوعه إِلَى جائز وممنوع قائلًا: (وَعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ)، ثم تكلّم ثانيًا فِي قصدهما الكبر، فقطع بالبطلان فيهما، وذلك مستلزم لعدم جوازهما، وهذا الذي سلك تمكن تمشيته مَعَ بعض النقول.
فأما ما ذكره فِي الإمام فإليه ذهب أبو إسحاق التونسي فقال: إنما تجب الإعادة عَلَيْهِ وعليهم إِذَا فعل ذلك عَلَى وجه الكبر، وأما لو ابتدأ يصلي لنفسه عَلَى دكان، فجاء رجل فصلى أسفل منه لجازت صلاتهما؛ لأن الإمام هنا لَمْ يقصد الكبر، وكذا إِذَا فعلوا ذلك للضيق. انتهى، ونحوه للخمي فِي الذي ابتدأها وحده، وكذا حكى ابن يونس فِي الضيق عن سحنون ويحيي بن عمر قال: وأخذه فضل من قوله فِي " المدوّنة ": لأنهم يعبثون (٣).
وأما ما ذكره فِي المأموم فقد حكى عبد الحقّ فِي " التهذيب " أن بعض شيوخه نحى إِلَى أن المأمومين لو قصدوا الكبر بعلوهم لأعادوا، لعبثهم. انتهى. إلاّ أنّ المأموم إِذَا لَمْ يقصد
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٧): كتاب الصلاة، باب الصّلاةِ فِي السّطوحِ والمِنبرِ والخشبِ، ونصه: " قال أبو عبد اللهِ قال علِيّ بن عبدِ اللهِ سألنِي أحمد بن حنبلٍ ﵀ عن هذا الحدِيثِ قال: فإِنّما أردت أنّ النّبِيّ ﷺ كان أعلى مِن النّاسِ فلا بأس أن يكون الإِمام أعلى مِن النّاسِ بِهذا الحدِيثِ، قال: فقلت إِنّ سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثِيرًا فلم تسمعه مِنْهُ؟ قال: لَا.
(٢) أطال الحطاب ﵀ الكلام فيما وقع في نسخ المختصر من اختلاف في هذا الموضع، وقال ما حاصله: إن النسخ قد أتت بـ: (كقصد، وبقصد، ولقصد) ووجد لكلٍ وجهًا في المذهب، مع إشارته لما للمؤلف هنا. انظر: مواهب الجليل، للحطاب: ٢/ ٤٥٣.
(٣) يعني ما جاء في المدونة من قوله: (ولا يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه أصحابه، فإن فعل أعادوا أبدًا لأنهم يعبثون) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٢٤٩.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الكبر متفق عَلَى عدم بطلان صلاته، والإمام إِذَا لَمْ يقصده مختلفٌ فيه فقيل: بعدم البطلان كما تقدّم، وهو مفهوم كلام المصنف عَلَى النسخة التي اخترناها.
وقيل: بالبطلان؛ حمايةً للذرائع، وأخذًا بعموم النهي فِي الحديث، وهو ما فِي مسند ابن [سحنون] (١) أن حذيفة بن اليمان قام يصلّي عَلَى دكان فجذبه سلمان فقال: ما أدري أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لا يصلي الإمام عَلَى شئ أنشذ مما عَلَيْهِ أصحابه " (٢)؟ قال ابن بشير: وكأنه - ﵇ - أشار إِلَى ما أحدثه بنو أميّة، وكانوا يتخذون لأنفسهم مواضع مرتفعة يعلون بها عَلَى الناس فِي الإمامة تكبّرًا منهم.
إِلا بِكَشِبْرٍ، وهَلْ يَجُوزُ إِنْ كَانَ مَعَ الإِمَامِ طَائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ؟ تَرَدُّدٌ، ومُسَمِّعٌ واقْتِدَاءٌ بِهِ، أَوْ بِرُؤْيَةٍ، وإِنْ بِدَارٍ.
قوله: (إِلا بِكَشِبْرٍ) هذا مثتثنى من قوله: (لا عكسه)، وهو تفسير لليسير الذي فِي " المدوّنة " (٣). قال ابن عبد السلام: لأن المقصود منه ظهور أفعال الإمام للمأمومين ليقتدوا به كصلاة النبي - ﷺ - عَلَى المنبر (٤). انتهى. وعن ابن عرفة: أنه كان يطيل ذيل سجادة المحراب حتى يشاركه الناس فِيهَا.
وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ، بِخِلافِ الإِمَامِ ولَوْ بِجَنَازَةٍ.
قوله: (وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ) قال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخ شيوخنا يقول هذا الشرط لابد منه، ولكنه لا يلزم التعرض إليه بما يدل عَلَيْهِ مطابقة؛ إذ هناك ما يدل عَلَيْهِ التزامًا كانتظار المأموم إمامه بالإحرام، ولو سئل حينئذ عن سبب الانتظار لأجاب بأنه مأموم. وما قاله ظاهر. انتهى.
قال القباب: وهذا واضح وكلام المازري نص أو كالنصّ فِي ذلك؛ لأنه قال إِذَا
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (سنجر).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه برقم (٥٠١٦) باب ما جاء في مقام الإمام.
(٣) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٨١، وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي، ونصه: (إلا الارتفاع اليسير مثل ما كان بمصر فتجزئهم الصلاة) ١/ ٢٤٩.
(٤) أخرجه النسائي في سننه برقم (٧٩٣)، كتاب المساجد، باب الصلاة على المنبر.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قارنت الأفعال الأفعال بقصد ذلك وتعمدٍ له فهذا معنى النية، ولابد من افتتاح الصلاة بها لئلا يمضي جزء من الصلاة لَمْ تقصد فيه المتابعة، ولقد قال بعض الناس فِي معارضة ذلك: إن النية من باب القصد والإرادات لا من باب الشعور والإدراكات، وهذا الذي قاله لا معارضة فيه [بوجهٍ] (١)؛ لأن من جاء [إِلَى المسجد بقصد] (٢) الصلاة، وقعد فِي المسجد ينتظر الإمام لا يقال فيما فعل: إنه [شعر] (٣) بمجيئه إِلَى المسجد ولم يقصده، أو أشعر بانتظاره الإمام ولم يرده، بل قصد المسجد للائتمام وانتظر الإمام بقصد، وقام للصلاة وتهيأ للدخول فِيهَا وبقي ينتظر الإمام، كل ذلك بإرادة وقصد.
إِلا جُمُعَةً وجَمْعًا، [وَخَوْفًا] (٤) ومُسْتَخْلَفًا.
قوله: (إِلا جُمُعَةً وجَمْعًا وخَوْفًا ومُسْتَخْلَفًا) مراده بالجمع: الجمع ليلة المطر لا كلّ جمع، وعند ابن عرفة فِي الاستخلاف نظر؛ لأن المستخلف كمؤتم به ابتداءًا لصحة صلاتهم أفذإِذَا، ونحوه للقبّاب إذ قال: هذا عَلَى القول بأنه لا يجوز لهم إن يُتمّوا أفذاذَا، وهو قول ابن عبد الجكم. انتهى. وتمام البحث فيه فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " الذي وضعناه عَلَى " المدوّنة ".
كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، واخْتَارَ فِي الأَخِيرِ خِلافَ الأَكْثَرِ.
قوله: (كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ) ابن عرفة يلزم عَلَيْهِ إعادة من ائتم به غيره ولَمْ ينو الإمامة فِي جماعة. (٥) انتهى. ونحوه لابن عبد السلام.
ومُسَاوَاةٌ فِي الصَّلاةِ، وإِنْ بِأَدَاءٍ وقَضَاءٍ، أَوْ بِظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، إِلا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ ولا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ كَالْعَكْسِ، وفِي مَرِيضٍ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ فَصَحَّ قَوْلانِ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ٣): (لمسجد لقصد).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٥) قال في منح الجليل: (فَإِنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ مُنْفَرِدًا فَائْتَمَّ بِهِ بَالِغٌ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ ونَوَى الْإِمَامَةَ حَصَلَ الْفَضْلُ لَهُمَا. وَإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ حَتَّى أَتَمَّ أَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ حَصَلَ الْفَضْلُ لِلْمَأْمُومِ لَا لَهُ، فَلَهُ الْإِعَادَةُ فِي جَمَاعَةٍ لِتَحْصِيلِ الْفَضْلِ) انظر: منح الجليل، للشيخ عليش: ١/ ٣٧٨
[ ١ / ٢٣١ ]
قوله: (إلا نفلًا خلف فرض (١» ابن عرفة: عَلَى جواز النفل بأربع أو فِي سفر.
ومُتَابَعَةٌ فِي إِحْرَامٍ وسَلامٍ فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ مُبْطَلَةٌ.
قوله: (فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ. مُبْطَلَةٌ) الشك فِي المأمومية قد يكون من أحدهما كما علمت، وقد يكون منهما كما فرض سحنون فِي رجلين ائتم أحدهما بالآخر، فشكّا فِي تشهدهما فِي الإمام منهما، [١٧ / ب] فإن سلّما معًا فعلى الخلاف فِي المساواة، إلا أن المصنف اقتصر هنا عَلَى القول بالبطلان، وإن تعاقبا صحت للثاني فقط، ولو كان أحدهما مسافرًا سلّم المسافر، وأعاد وأتمّ الآخر ولا يعيد، ولو نوى كلّ من المصليين عند الإحرام إمامة الآخر صحّت صلاتهما فذين، ولو نوى كل واحد منهما حينئذ أن يأتمّ بالآخر بطلت صلاتهما معًا.
لا (٢) الْمُسَاوَقَةُ كَغَيْرِهِمَا لَكِنْ سَبْقُهُ مَمْنُوعٌ، وإِلا كُرِهَ.
قوله (لا الْمُسَاوَقَةُ (٣) كَغَيْرِهِمَا) عبارة فِيهَا قلق؛ ولذلك ذكر لي عن بعض أصحابنا أنه قال: لعل صوابه كالمسابقة لا غيرهما، فتصحفت الكاف بلا، ولا بالكاف، والباء بالواو، فتأمله (٤).
وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ، ونُدِبَ تَقْدِيمُ سُلْطَانٍ ثُمَّ رَبِّ مَنْزِلٍ والْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَالِكِ وإِنْ عَبْدًا كَامْرَأَةٍ، واسْتَخْلَفَتْ، ثُمَّ زَائِدِ فِقْهٍ، ثُمَّ حَدِيثٍ، ثُمَّ قِرَاءَةٍ، ثُمَّ عِبَادَةٍ، ثُمَّ بِسِنِّ إِسْلامٍ، ثُمَّ بِنَسَبٍ، ثَّم بِخَلْقٍ، ثُمَّ بِلِبَاسٍ إِنْ عَدِمَ نَقْصَ مَنْعٍ أَوْ كُرْهٍ، واسْتِنَابَةُ النَّاقِصِ كَوُقُوفِ ذَكَرٍ عَنْ يَمِينِهِ، واثْنَيْنِ خَلْفَهُ. وصَبِيٌّ عَقَلَ الْقُرْبَةَ كَالْبَالِغِ ونِسَاءٌ خَلْفَ الْجَمِيعِ، ورَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدِّمِهَا.
قوله (وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ) الذي ظهر لي من نقولهم أنّه إن علم إدراك الإمام فيما فارقه منه استوى فِي ذلك الرافع والخافض فِي الأمر
_________________
(١) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٤): (مفترض).
(٢) في النسخة المطبوعة إلا.
(٣) المساوقة هي المتابعة فورًا. انظر: منح الجليل، للشيخ عليش: ١/ ٣٨٠.
(٤) ليس في شروح المختصر الأخرى ما رأه ابن غازي من القلق في هذه العبارة، ولا ما نحى إليه من ادعاء التصحيف.
[ ١ / ٢٣٢ ]
بالعود، ولَمْ تختلف الطرق فِي هذا، وإنما اختلفت طريقة الباجي وابن رشد (١) واللخمي فيما إِذَا لَمْ يعلم إدراكه، بخلاف ما تعطيه عبارة المصنف، وقد أشبعنا الكلام [فِي ذلك] (٢) فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " فقف عَلَيْهِ. وبالله تعالى التوفيق.
والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ.
قوله: (والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ).
لعلّ مراده بالعدل: الأعدل؛ لأنه قطع قبل ببطلان صلاة من ائتمّ بفاسق (٣).
ورَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ وإِنْ تَشَاحَّ مُتَسَاوُونَ لا لِكِبْرٍ اقْتَرَعُوا، وكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِلا تَأْخِيرٍ لا لِجُلُوسٍ، وقَامَ بِتَكْبِيرٍ إِنْ جَلَسَ فِي ثَانِيَةٍ، إِلا مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ، وقَضَى الْقَوْلَ وبَنَى الْفِعْلَ.
قوله: (وَرَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ) الظاهر أن ضمير (إِدْرَاكَهُ) يعود عَلَى الصفّ، فهو كقوله فِي " المدوّنة ": وحيث يطمع إِذَا دبّ راكعًا وصل إليه. ومفهومه إن لَمْ يظن ذلك تمادى إِلَى الصفّ وإن فاتته الركعة وهذا قول مالك واختاره ابن رشد، وأمّا قوله فِي " المدوّنة ": وإن لَمْ يرج ذلك أحرم مكانه (٤) فهو لابن القاسم، واختاره أبو اسحاق التونسي وبسطه فِي رسم اغتسل من سماع ابن القاسم (٥).
يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ.
قوله: (يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ) سماها آخر بالنسبة لجهة الداخل لا لجهة الإمام.
_________________
(١) انظر ما للباجي في: المنتقى: ٢/ ١٢٠، ١٢١، وانظر ما لابن رشد في: البيان والتحصيل، من سماع ابن القاسم، من رسم أوله كتب عليه ذكر حق: ١/ ٣٢١، وانظر ما أحال عليه في شرح ذلك الرسم.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) يشير إلى ما مرّ في قول المصنف: (وبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا، أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ).
(٤) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي، ونصه: (ومن أتى والإمام راكع، فخشي رفع رأسه فليركع بقرب الصف، وحيث يطمع إذا دبّ راكعًا يصل إليه، فإن لم يطمع بذلك أحرم حيث أمكنه).
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٣٣٠، ٣٣١.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، لا سَاجِدًا، أَوْ جَالِسًا. وَإِنْ شَكَّ فِي الإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا، وإِنْ كَبَّرَ لِرُكُوعٍ، ونَوَى بِهَا الْعَقْدَ، أَوْ نَوَاهُمَا، أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا، أَجْزَأَهُ، وإِنْ لَمْ يَنْوِهِ نَاسِيًا لَهُ تَمَادَى الْمَأْمُومُ فَقَطْ. وفِي تَكْبِيرِ السُّجُودِ تَرَدُّدٌ، وإِنْ لَمْ يُكَبِّرِ اسْتَأْنَفَ.
قوله: (قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا) خلاف ما دلّ عَلَيْهِ قوله قبله: (إن ظنّ إدراكه قبل الرفع) من أنّ دبيبه لا يتصور إلاّ فِي الركوع، إلاّ أن يريد أنه [إن] (١) خاب ظنه دبّ قائمًا. فتدبره، وقد استوفينا ما فيه من الخلاف فِي " تكميل التقييد ".
فصل [فِي استخلاف الإمام]
نُدِبَ لإِمَامٍ خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ، أَوْ نَفْسٍ، أَوْ مُنِعَ الإِمَامَةَ لِعَجْزٍ، أَوِ الصَّلاةَ بِرُعَافٍ، أَوْ سَبْقِ حَدْثٍ، وذِكْرِهِ اسْتِخْلافٌ وإِنْ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، ولا تَبْطُلُ إِنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ قَبْلَهُ، ولَهُمْ إِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، ولَوْ أَشَارَ لَهُمْ بِالانْتِظَارِ، واسْتِخْلافُ الأَقْرَبِ، وتَرْكُ كَلامٍ فِي كَحَدَثٍ، وتَأَخَّرَ مُؤْتَمًَّا فِي الْعَجْزِ، ومَسْكُ أَنْفِهِ فِي خُرُوجِهِ، وتَقَدُّمُهُ إِنْ قَرُبَ، وإِنْ بِجُلُوسِهِ، وإِنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ صَحَّتْ كَأَنِ اسْتَخْلَفَ مَجْنُونًا [١١ / ب]، ولَمْ يَقْتَدُوا بِهِ، أَوْ أَتَمُّوا وِحْدَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِإِمَامَيْنِ، إِلا الْجُمُعَةَ، وقَرَأَ مِنَ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، وابْتَدَأَ بِسِرِّيَّةٍ، إِنْ لَمْ يَعْلَمِ [الأَوَّلَ] (٢).
قوله: (ولَوْ أَشَارَ لَهُمْ بِالانْتِظَارِ) يقتضي هذا الاغياء أن عدم انتظاره مندوب، وهو خلاف قوله بعد: (كَعَوْدِ الإِمَامِ لإِتْمَامِهَا) والخلاف فِي الموضعين ولا يلزم أن يكون فِي الثاني مرتبًا عَلَى الأول. والله تعالى أعلم.
وصِحَّتُهُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ.
قوله: (وصِحَّتُهُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ) أي: بإدراك ما قبل تمام الركوع.
وَإِلا فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى بِالأُولَى أَوِ الثَّالِثَةِ صَحَّتْ، وإِلا فَلا كَعَوْدِ الإِمَامِ لإِتْمَامِهَا، وإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيٍّ.
قوله: (وإِلا فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى بِالأُولَى أَوِ الثَّالِثَةِ صَحَّتْ) حقه أن يفرع هذا عَلَى
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قوله: (وإن جاء بعدًا لعذر فكأجنبي) كما فعل ابن الحاجب (١)، وقرره فِي " التوضيح "، وإلا فمن لَمْ يدرك جزءًا يعتد به يستحيل بناءه بالأولى.
تنبيه: لهذا يرجع قول من قال: إن استخلفه عَلَى شفع صحت، وعَلَى وترٍ بطلت. قال المازري: شفع المغرب كوتر غيرها، وكذا اختصره ابن عرفة.
وجَلَسَ لِسَلامِهِ الْمَسْبُوقُ كَأَنْ سُبِقَ هُوَ، لا الْمُقِيمُ يَسْتَخْلِفُهُ مُسَافِرٌ، لِتَعَذُّرِ مُسَافِرٍ، أَوْ جَهْلِهِ، فَيُسَلِّمُ الْمُسَافِرُ، ويَقُومُ غَيْرُهُ لِلْقَضَاءِ.
[قوله] (٢): (وَجَلَسَ لِسَلامِهِ الْمَسْبُوقُ كَأَنْ سُبِقَ هُوَ) عبارة فِيهَا قلق؛ ولكن مراده معروف (٣).
وإِنْ جَهِلَ مَا صَلَّى أَشَارَ فَأَشَارُوا وإلا سُبِّحَ بِهِ.
قوله: (وَإِنْ جَهِلَ مَا صَلَّى أَشَارَ فَأَشَارُوا وإلا سُبِّحَ بِهِ) قُدّمت الإشارة عَلَى التسبيح؛ لأنها تُحصّل المقصود بمرة بخلاف التسبيح، قاله ابن عبد السلام، زاد ابن شاس وابن الحاجب: وإلا تكلّم (٤)، فلعلّ المصنّف أسقطه قصدًا إذ قال فِي " التوضيح ": فيه نظر لما قدمناه فِي الكلام لإصلاحها. وكأنه لَمْ يقف عَلَى ما فِي سماع موسى من إباحة الكلام فِي هذا إِذَا تعذر غيره، وقال ابن رشد: إنه الجاري عَلَى المشهور (٥).
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١١٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) قلق العبارة عند المؤلف من بروز الضمير، كما أشار لذلك الخرشي في شرحه: ٢/ ٢١٣.
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١٤٩، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١١٣.
(٥) نص السماع المذكور: (سُئل ابن القاسم عن إمام أحدث فقدم رجلًا قد دخل في الصلاة قبل حدث الإمام - وهو جاهل بما مضى للقوم وللإمام، كيف يصنع المقدم؟ أيمضي على صلاة نفسه، ويصلي لنفسه حتى يسبح به القوم - إن خالف صلاتهم، ويشيروا إليه بما بقي من صلاة إمامهم؟ أم يسعه أن يشير إليهم ويشيروا إليه إن لم يفهم بالتسبيح؟ وهل يسعه إن لم يفطن بالإشارة ويفهم بها أن يكلم ويكلموه ولا يقطع ذلك صلاته؟ قال ابن القاسم: يشير إليهم حتى يفهم ما ذهب من الصلاة، فإن لم يفهم بالإشارة ومضى حتى يسبح به فلا بأس، وإن لم يجد بدًا إلا أن يتكلم فلا بأس به) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ١٣٥، ١٣٦.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وإِنْ قَالَ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْتُ رُكُوعًا عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ، وسَجَدَ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ بَعْدَ صَلاةِ إِمَامِهِ.
قوله: (وإِنْ قَالَ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْتُ رُكُوعًا عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلافَهُ) يشمل أربعة: عالم الإسقاط، وظانّه، وظانّ عدمه، والشاكّ كما تقدّم تحريره فِي قيام الإمام لخامسة (١).
[فصل فِي صلاة المسافر]
سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ ولاهٍ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، ولَوْ بِبَحْرٍ ذِهَابًا قُصِدَتْ دُفْعَةً، إِنْ عَدَّىَ الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى مُجَاوَزَةِ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ بِقَرْيَةِ الْجُمُعَةِ، والْعَمُودِيُّ حِلَّتَهُ، وانْفَصَلَ غَيْرُهُمَا قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ وَقُتِيَّةٍ، أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ، وإِنْ نُوِيَتَا بِأَهْلِهِ إِلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ لا أَقَلَّ إِلا الْمَكِّيَّ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ ورُجُوعِهِ، ولا لِرَاجِعٍ لِدُونِهَا، ولَوْ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ، ولا عَادِلٌ عَنْ قَصْرٍ بِلا عُذْرٍ، ولا هَائِمٌ، وطَالِبُ رَعْيٍ إِلا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ قَبْلَهُ، ولا مُنْفَصِلٌ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً إِلا أَنْ يَجْزِمَ بِالسَّيْرِ دُونَهَا، وقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ.
قوله: (وقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ) الدخول فِي هذه بالرجوع، وبلده [الموضع] (٢) الذي تقدّمت فيه إقامته، فهو أعمّ من وطنه، بدليل الاستثناء، والدخول فِي التي بعدها بالمرور، ووطنه أخصّ من بلده.
وإِنْ بِرِيحٍ إِلا مُتَوَطِّنَ كَمَكَّةَ رَفَضَ سُكْنَاهَا، ورَجَعَ نَاوِيًا السَّفَرَ، وقَطَعَهُ دُخُولُ وطَنِهِ، أَوْ مَكَانَ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ وإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ، ونِيَّةُ دُخُولِهِ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ الْمَسَافَةُ.
قوله: (وإِنْ بِرِيحٍ) الريح فِي هذه ألجأته لدخول الرجوع (٣) وفِي التي بعدها الجأته لدخول المرور.
_________________
(١) راجع ما سبق في شرحه لقول المصنف: (إِنْ قَامَ إِمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَمُتَيَقِّنُ انْتِفَاءِ وَجُوبِهَا يَجْلِسُ، وإِلا اتَّبَعَهُ).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، وفي (ن ٣): (والموضع).
(٣) في (ن ١): (المرفوع) ودخول الرجوع يعني به عودته إلى محل إقامته بعارض خارجي كريح ألجأت مسافرًا بالبحر للعود إلى موضعه الذي خرج منه.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَنِيَّةُ إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ، ولَوْ بِخِلالِهِ إِلا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوِ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً - لا الإِقَامَةُ وإِنْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ.
قوله: (ولَوْ بِخِلالِهِ) [١٨ / أ] هو كقول ابن الحاجب: وإن كانت بخلاله (١). وقد جوّز فيه ابن عبد السلام أن يكون تنبيهًا عَلَى ما إِذَا خرج لسفرٍ طويل ناءٍ، وباليسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ويقيم أربعة أيام ثم يسير ما بقي من المسافة فلا شكّ أنه يتم فِي مقامه، واختلف هل يتم فِي مسيره، وجَوّز أَيْضًا أن يكون رفعًا لما يتوهم من أن نية الإقامة إنما تؤثر إِذَا كانت فِي غير السفر، أما إِذَا كانت فِي أضعافه فلا أثر لها؛ لأنها حينئذ كأنها فِي غير محل. انتهى. [فإن أراد] (٢) هنا الأول؛ فقد أشار (بلو) إِلَى خلافٍ مذهبي، إلاّ أن الثاني أمسّ بلفظه، [مَعَ أن] (٣) الأول مستفاد من قوله فيما سبق: (قصدت دفعه).
وإِنْ نَوَاهَا بِصَلاةٍ شَفَعَ ولَمْ تُجْزِ حَضَرِيَّةً ولا سَفَرِيَّةً، وبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وإِنِ اقْتَدَى مُقِيمٌ بِهِ فَكُلٌّ عَلَى سُنَّتِهِ، وكُرِهَ كعكسه، وتَأَكَّدَ، وتَبِعَهُ ولَمْ يُعِدْ، وإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إِتْمَامًا [أَعَادَ بِوَقْتٍ] (٤)، وإِنْ سَهْوًا سَجَدَ والأَصَحُّ إِعَادَتُهُ كَمَأْمُومِهِ بِوَقْتٍ، والأَرْجَحُ الضَّرُورِيُّ إِنْ تَبِعَهُ، وإِلا بَطَلَتْ كَأَنْ قَصَرَ عَمْدًا، والسَّاهِي كَأَحْكَامِ السَّهْوِ، وكَأَنْ أَتَمَّ، ومَأْمُومُهُ بَعْدَ نِيَّةِ قَصْرٍ عَمْدًا وَسَهْوًا أَوْ جَهْلًا فَفِي الْوَقْتِ، وسَبَّحَ مَأْمُومُهُ ولا يَتْبَعُهُ وسَلَّمَ الْمُسَافِرُ بِسَلامِهِ، وأَتَمَّ غَيْرُهُ بَعْدَهُ أَفْذَاذًا وأَعَادَ فَقَطْ بِالْوَقْتِ، وإِنْ ظَنَّهُمْ سَفْرًا فَظَهَرَ [١٢ / أ] خِلافُهُ أَعَادَ أَبَدًا، إِنْ كَانَ مُسَافِرًا كَعَكْسِهِ.
قوله: (وإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إِتْمَامًا أَعَادَ بِوَقْت) كذا فِي بعض النسخ، وبه يصح الكلام (٥) ويكون قوله: (وإِنْ سَهْوًا سَجَدَ) مستأنفًا.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١١٧.
(٢) في (ن ١): (فأراد.
(٣) في (ن ٣): (من).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر.
(٥) نقل عبارة المؤلف هنا الحطاب في مواهب الجليل كالمقرر لها، انظر: مواهب الجليل: ٢/ ١٥١.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وفِي تَرْكِ نِيَّةِ الْقَصْرِ والإِتْمَامِ تَرَدُّدٌ، ونُدِبَ تَعْجِيلُ الأَوْبَةِ، والدُّخُولُ ضُحًى. ونُدِبَ تَعْجِيلُ الأَوْبَةِ، والدُّخُولُ ضُحًى.
قوله: (وفِي ترك نية القصر والإتمام تَرَدُّدٌ) هذا فِي حقّ المسافر لا المقيم كما قيل.
وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ، وإِنْ قَصُرَ ولَمْ يَجِدْ، بِلا كُرْهٍ، وفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ.
قوله: (ورُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ) أي: لا ببحر قال فِي " النكت ": لأنا إنما نبيح للمسافر فِي البر الجمع من أجل جد السير، وخوف فوات أمر، وهذا غير موجود فِي المسافر بالريح. انتهى. فتأمل هل يلزم عَلَيْهِ أنّ من لا يشترط الشرطين فِي البر يبيح الجمع فِي البحر فيعارض قوله: (وإن قصر ولم يجد).
لإِدْرَاكِ أَمْرٍ بِمَنْهَلٍ (١) زَالَتْ بِهِ، ونَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وقَبْلَ الاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ، وبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا.
قوله: (بِمَنْهَلٍ زَالَتْ بِهِ، ونَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وقَبْلَ الاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ، وبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا) هكذا فِي أكثر النسخ وهو الصواب، والضمير من قوله: (فِيهَا) يعود عَلَى العصر، وفِي بعض النسخ: ونوى النزول بعد [الاصفرار وقبله] (٢) آخر العصر وبعده خيّر فِيهَا، وكأنه [إصلاح] (٣) غرّ صاحبه ظاهر قول ابن الحاجب: فإن زالت ونيته النزول بعد الاصفرار جمع مكانه، وقبله الاصفرار صلى الظهر، وأخّر العصر، فإن نوى الاصفرار فقالوا: مخيّر (٤). ولا ينبغي أن يحمل عَلَى ظاهره خلافًا لمن فهمه كذلك من شارحيه، ووفاقًا لابن عرفة إذ قال: فإن زالت بمنهله ونوى النزول بعد الغروب جمع به، وقبل الاصفرار لا جمع (٥). وبينهما. قال المازري: فِي جمعه نظر للزوم كون الثانية فِي غير مختارها. اللخمي: يجوز تأخيره الثانية وهو أولى.
_________________
(١) المَنَاهِلَ هي: الْمَنَازِلُ الَّتِي فِي الْمَفَاوِزِ عَلَى طَرِيقِ السَّفَرِ. انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٢/ ١٥٣.
(٢) في (ن ١): (الاصفرار قبله)، وفي (ن ٢)، و(ن ٣): (الاصفرار وقيل).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١١٩.
(٥) في (ن ١): (رد)، وفي (ن ٢): (بجواز)، وفي (ن ٣): (يجمع).
[ ١ / ٢٣٨ ]
المازري: هذا عَلَى عدم تأثيم من أخّر إليه وإلاّ ففيه نظر. ابن عرفة: ردّه اللخمي بقوله: لا إثم للضرورة. ابن بشير: المشهور الجمع، وقيل يؤخر الثانية. وقول ابن الحاجب: قالوا مخير. يريد: فِي تأخير الثانية إذ هو المقول، ولا أعرفه لغير الشيخين. انتهى، ويعني بالشيخين: اللخمي والمازري المتقدمي الذكر.
فقد اتضح لك من كلام ابن عرفة أنه نزّل تخيير ابن الحاجب عَلَى ما بين الاصفرار والغروب، فحمل قوله: نوى الاصفرار عَلَى جميع زمان الاصفرار الذي بين البياض والغروب، لا عَلَى أوّل جزء من الاصفرار، فإن ذلك غير معقول ولا تساعد عَلَيْهِ النقول، فوجب لذلك أن يتأول (١) أَيْضًا [قوله] (٢): ونيته (٣) النزول بعد الاصفرار. بأن يقال: أي بعد انقضاء زمان الاصفرار، وذلك بغروب الشمس. والله تعالى أعلم.
وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا، إِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ.
قوله: (وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا، إِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ) الجاري عَلَى ما قدمنا أن يحمل الاصفرار عَلَى جميع ما بين البياض والغروب.
وإِلا فَفِي وَقْتَيْهِمَا كَمَنْ لا يَضْبِطُ نُزُولَهُ وكَالْمَبْطُونِ، ولِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وهَلِ الْعِشَاءَانِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلانِ، وقَدَّمَ خَائِفُ الإِغْمَاءِ، والنَّافِضِ، والْمَيْدِ (٤)، وإِنْ سَلِمَ أَوْ قَدَّمَ ولَمْ يَرْتَحِلْ أَوِ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ ونَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ، أَعَادَ الثَّانِيَةَ بِالْوَقْتِ، وفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ فَقَطْ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِمَطَرٍ أَوْ طِينٍ وظُلْمَةٍ لا لِطِينٍ أَوْ ظُلْمَةٍ أذِّنَ لِلْمَغْرِبِ كَالْعَادَةِ، وأخِّرَ قَلِيلًا، ثُمَّ صُلِّيَا وَلاءً (٥) إِلا قَدْرَ أَذَانٍ مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ، وإِقَامَةٍ.
قوله: (وإِلا فَفِي وَقْتَيْهِمَا) أي: وإن لَمْ ينو النزول فِي جميع زمان الاصفرار ولا فيما
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٣): (يتناول).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٢)، و(ن ٣).
(٣) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣): (نية).
(٤) المَيْدُ: ما يُصِيبُ من الحَيْرَةِ عن السُّكْر أَو الغَثَيانِ أَو ركوب البحر، والمائد الذي يركب البحر فَتَغْثي نَفْسُه من نَتْن ماء البحر حتى يُدارَ بِهِ، ويَكاد يُغْشَى عليه. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٢/ ١٥٣.
(٥) أي على التوالي بلا فصل.
[ ١ / ٢٣٩ ]
قبله، وإنما [نوى] (١) النزول بعد الغروب فقط صلاهما فِي وقتيهما جمعًا صوريًا لا جمع رخصة، إلا بالنسبة لتفويت الفضلية.
ولا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، ولَمْ يَمْنَعْهُ، ولا بَعْدَهُمَا، وجَازَ لِمُنْفَرِدٍ بِالْمَغْرِبِ، يَجِدُهُمْ بِالْعِشَاءِ، ولِمُعْتَكِفٍ بِمَسْجِدٍ كَأَنِ انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، لا إِنْ فَرَغُوا فَيُؤَخَّرُ لِلشَّفَقِ، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ ولا إِنْ حَدَثَ السَّبَبُ بَعْدَ الأُولَى، ولا الْمَرْأَةُ والضَّعِيفُ بِبَيْتِهِمَا ولا مُنْفَرِدٌ بِمَسْجِدٍ كَجَمَاعَةٍ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ.
قوله: (ولَمْ يَمْنَعْهُ) أي: لَمْ يمنع التنفل الجمع، وقاله فِي الذخيرة (٢).
[فصل فِي صلاة الجمعة]
شَرْطُ الْجُمْعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، وهَلْ إِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ وصُحِّحَ، أَوْ لا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا، بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ، لا خِيَمٍ، وبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَّحِدٍ، والْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ وإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً. لا ذِي بِنَاءٍ خَفَّ.
قوله: (وبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَّحِدٍ) شرط الاتحاد فِي البلد الواحد بيّن عَلَى المشهور قال ابن عرفة: وعَلَيْهِ لا يجوز إحداث الجمعة بقربها بثلاثة أميال اتفاقًا، وأجزأها زيد بن بشر فيما زاد عَلَى ثلاثة أميال، واعتبر يحيى بن عمر ستة أميال واعتبر ابن حبيب البريد، ونقل فِي " النوادر " الأول والثالث (٣)، وقول ابن الحاج (٤): لكلّ قرية أن يُجَمِّعُوا ولو قربوا، ولا نصّ فِي منعه: قصور. انتهى. وصححّ الباجي الأول (٥)، وهو المفهوم من كلام المصنف بعد هذا.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) قال في الذخيرة: (قال سند وقال ابن حبيب: يتنفل عند أذان العشاء لزيادة القربة، وإذا قلنا لا يتنفل فتنفل فلا يمنع ذلك الجمع قياسًا على الإقامة) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٢/ ٣٧٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٤٥١ وما بعدها.
(٤) في (ن ٣): (الحاجب).
(٥) انظر: المنتقى، للباجي: ٢/ ١٢٩
[ ١ / ٢٤٠ ]
وفِي اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ، وقَصْدِ تَأْبُدِهَا بِهِ وإِقَامَةِ الْخَمْسِ تَرَدُّدٌ، وصَحَّتْ بِرَحْبَتِهِ، وطُرُقٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ إِنْ ضَاقَ، أَوِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ. لا انْتَفَيَا كَبَيْتِ الْقَنَادِيلِ، وسَطْحِهِ، ودَارٍ، وحَانُوتٍ.
قوله: «١) وَفِي اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ، وقَصْدِ تَأْبُدِهَا [بِهِ] (٢) وإِقَامَةِ الْخَمْسِ تَرَدُّدٌ) أما الأولان فمعروفان وأما الثالث فقال ابن بشير: وقد سمعت [أنه] (٣) لابد من أن يكون الصف دائمًا فيه، إلا أن تزيله الأعذار التي لابد منها. انتهى. ولا أعرفه لغيره، وعنه نقله فِي " التوضيح " بلا تَرَدُّدٌ، ولَمْ يذكره ابن عرفة.
وبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ، أَوَّلًا بِلا حَدٍّ، وإِلا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
قوله: (وبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ، أَوَّلًا بِلا حَدٍّ، وإِلا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ) هذا هو الذي فهم المصنف من كلام ابن عبد السلام إذ نقل عنه فِي " التوضيح " أنه قال: والذي يتبين أن العدد المشترط إنما يشترط فِي ابتداء [١٨ / ب] إقامة الجمعة، لا فِي كلّ جمعة؛ لما فِي حديث العير أنه لَمْ يبق مَعَ رسول الله - ﷺ - إلا اثنا عشر رجلًا (٤). انتهى.
وليس كلام ابن عبد السلام بعين هذا النصّ، ونصّه الذي يتبين أن هذه الجماعة شرط فِي صحة إقامتها فِي البلد ووجوبها عَلَى أهله: ولا يشترط حضور هذا العدد فِي كلّ جمعة؛ لما فِي حديث العير أنه لَمْ يبق معه ﵇ إلا اثنا عشر رجلًا. انتهى.
وقد استفسره ابن عرفة فقال: إن أراد أن عدد الجماعة شرط كفاية فِيهَا فلا قائل به، وإن أراد أنه شرط فِي وجوبها لا أدائها فباطل؛ لأن ما هو شرط فِي الوجوب شرط فِي الأداء، وإلا أجزأ الفعل قبل وجوبه عنه بعده، ولا ينقض بإجزاء الزكاة قبل الحول (٥)
_________________
(١) في (ن ٣) زيادة: (وبجماعة تتقرا بهم قرية أولا بلا حد) وهو مختلط بما بعده.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢).
(٤) حديث العير أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٩٣٦)، كتاب الجمعة، باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ ومَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ "، ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٣٤)، كتاب الجمعة: باب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " [الجمعة: ١١].
(٥) في (ن ٣): (وجوبها).
[ ١ / ٢٤١ ]
بيسير؛ لأنه بناءً عَلَى أن ما قرب الشئ مثله، وإلا أجزأت قبله مُطْلَقًا، ولا بإجزائها للمرأة والعبد؛ لأنه مشروط بتبعيتها لذي شرط وجوب فِي فعله الشخصي، وإن أراد صحتها باثني عشر قبل إحرامها أو بعد فهما ما تقدّم للباجي وابن رشد. انتهى.
والذي للباجي أنه قال: ردّ أصحابنا قول الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين دون الإمام بحديث جابر أنه ما بقي حين انفضّوا معه ﵊ إلّا اثنا عشر رجلًا يقتضي إجازتها باثني عشر وإمام (١).
والذي لابن رشد أنه لما ذكر فِي " المقدمات " فِي إلغاء شرط بقاء الجماعة بعد إحرامهم واعتباره إِلَى السلام أو إِلَى تمام ركعة ثلاثة أقوال، ونسب الأول " للمدونة " ووجّهه بقصة انفضاضهم للعير إلا اثنا عشر رجلًا (٢). فاشحذ قريحتك واحرق مزاجك فِي فهم المصنف واستفسار ابن عرفة، فربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا.
وفي " القبس " (٣) رتّب علماؤنا عَلَى نازلة الانفضاض فرعًا غريبًا فقالوا: يجب إتمام الجمعة باثني عشر رجلًا، ولكنّها لا تنعقد إلّا بأكثر منهم. رواه أشهب وغيره، والصحيح: أن كلّ ما جاز تمامها به جاز انعقادها عَلَيْهِ. انتهى. وقد أغفله ابن عرفة.
فإن قلت: هل يصحّ حمل كلام المصنّف هنا عَلَى ما فِي " القبس "؟
قلت: يبعده كونه لَمْ يذكره فِي " التوضيح "؛ مَعَ أنّ صاحب القبس صحّح خلافه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: المنتقى، للباجي: ٢/ ١٣٠، ١٣١.
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٠٣.
(٣) هو كتاب " القبس في شرح موطأ مالك بن أنس "، للحافظ أبى بكر بن العربي، المالكي المتوفى سنة ٥٤٣هـ.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وَاسْتُؤْذِنَ إِمَامٌ ووَجَبَتْ إِنْ مَنَعَ وأَمِنُوا، وإلا لَمْ تُجْزِ.
وسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ ولَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ، وأَعَادَ إِنْ تَغَذَّى، أَوْ نَامَ اخْتِيَارًا. لا لأَكْلٍ خَفَّ، وجَازَ تَخَطٍّ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ واحْتِبَاءٌ فِيهَا، وكَلامٌ بَعْدَهَا لِلصَّلاةِ، وخُرُوجُ كَمُحْدِثٍ [فِيهَا] (١) بِلا إِذْنٍ، وإِقْبَالٍ عَلَى ذِكْرٍ قَلَّ سِرًَّا كَتَأْمِينٍ، وتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ كَحَمْدِ عَاطِسٍ سِرًَّا، ونَهْيُ خَطِيبٍ، وأَمْرُهُ وإِجَابَتُهُ، وكُرِهَ تَرْكُ طُهْرٍ فِيهَا، والْعَمَلُ يَوْمَهَا، وبَيْعُ كَعَبْدٍ بِسُوقٍ وَقْتَهَا.
قوله: (وَاسْتُؤْذِنَ إِمَامٌ ووَجَبَتْ إِنْ مَنَعَ وأَمِنُوا، وإلا لَمْ تُجْزِ) رأيت فِي بعض الحواشي وأظنّه مما قُيّد عن شيخنا أبي عبد الله القوري أن قوله: (وإلا) راجع للشرط الأخير وهو الأمان، (ولم تَجُز) بفتح التاء وضم الجيم، من الجواز لا من الإجزاء والمعنى: وإن لَمْ يأمنوا لَمْ يجز لهم أن يقيموا الجمعة أي: للخوف عَلَى أنفسهم. انتهى، وهو أبين مما فِي " التوضيح " إذ قال فيه ما نصّه: " إِذَا عطّل الإمام الجمعة أو نهاهم عنها فقال مالك وابن القاسم: إِذَا قدروا عَلَى إقامتها فعلوا. هكذا نقل اللخمي ونقل غيره أن مالكا قال فِي " المجموعة ": إن أمنوا أقاموها وإن كان [على] (٢) غير ذلك فصلى رجل الجمعة بغير إذن الإمام لَمْ يجزهم.؛ يريد لأن مخالفة الإمام لا تحلّ، وما لا يحلّ فعله لا يجزئ عن الواجب. انتهى.
وغالب الظن به أنه ما أراد فِي " مختصره " إلا ما ذكر فِي " توضيحه " وهو محتمل للنظر، وفِي النفس منه شئ، وما نقله عن المجموعة محتمل للتأويل، وزاد اللخمي: وفرّق أشهب بين أن يمنعهم أو يكونوا ممن لا يمنع فصلّوها بغير أمره، واختصره ابن عرفة فقال: وفرّق أشهب بين منعه وسكوته.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣).
[ ١ / ٢٤٣ ]
وتَنَفُّلُ إِمَامٍ قَبْلَهَا، أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الأَذَانِ. وحُضُورُ شَابَّةٍ، وسَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ، وجَازَ قَبْلَهُ، وحَرُمَ بِالزَّوَالِ. كَكَلامٍ فِي خُطْبَتَيْهِ بِقِيَامِهِ، وبَيْنَهُمَا، ولَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ، إِلا أَنْ يَلْغُوَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وكَسَلامٍ، ورَدِّهِ، ونَهْيِ لاغٍ، وحَصْبِهِ (١) أَوْ إِشَارَةٍ لَهُ وابْتِدَاءِ صَلاةٍ بِخُرُوجِهِ، وإِنْ لِدَاخِلٍ، ولا يَقْطَعُ إِنْ دَخَلَ، وفُسِخَ بَيْعٌ وإِجَارَةٌ وتَوْلِيَةٌ وشَرِكَةٌ وإِقَالَةٌ وشُفْعَةٌ بِأَذَانٍ ثَانٍ، فَإِنْ فَاتت فَالْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، لا نِكَاحٌ وهبةٌ وصَدَقَةٌ، وعُذْرُ تَرْكِهَا والْجَمَاعَةِ: شِدَّةُ وحْلٍ، ومَطَرٍ، وجُذَامٌ، ومَرَضٌ، وتَمْرِيضٌ، وإِشْرَافُ قَرِيبٍ (٢) ونَحْوِهِ، وخَوْفٌ عَلَى مَالٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ ضَرْبٍ والأَظْهَرُ والأَصَحُّ، أَوْ حَبْسُ مُعْسِرٍ، وعُرْيٌ، ورَجَاءُ عَفْوِ قَوْدٍ وأَكْل كَثَوْمٍ كَرِيحٍ عَاصِفَةٍ [١٣ / أ] بِلَيْلٍ، لا عِرْسٍ (٣)، أَوْ عَمًى، أَوْ شُهُودِ عِيدٍ، وإِنْ أَذِنَ الإِمَامُ.
قوله: (أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الأذَانِ) محمول عَلَى أذَان غير الجمعة، وإلاّ ناقض ما يأتي من تحريم ابتداء صلاة بخروج الإمام.
[فصل فِي صلاة الخوف]
رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ أَمْكَنَ تَرْكُهُ لِبَعْضٍ، قَسْمُهُمْ، وإِنْ وُجَاهَ الْقِبْلَةِ، أَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ قِسْمَيْنِ، وعَلَّمَهُمْ، وصَلَّى بآذَانٍ وإِقَامَةٍ بِالأُولَى فِي الثُّنَائِيَّةِ رَكْعَةً، وإِلا فَرَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا أَوْ قَارِئًا فِي الثُّنَائِيَّةِ، وفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ، وأَتَمَّتِ الأُولَى وانْصَرَفَتْ، ثُمَّ صَلَّى بِالثَّانِيَةِ مَا بَقِيَ وسَلَّمَ فَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ولَوْ صَلَّوْا بِإِمَامَيْنِ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا جَازَ، وإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخَّرُوا لآخِرِ الاخْتِيَارِيِّ، وصَلَّوْا إِيمَاءً كَأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا، وحَلَّ لِلضَّرُورَةِ مَشْيٌ ورَكْضٌ، وطَعْنٌ، وعَدَمُ تَوَجُّهٍ وكَلامٌ وإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ، وإِنْ أَمِنُوا بِهَا أَتَمَّتْ صَلاةَ أَمْنٍ، وبَعْدَهَا لا إِعَادَةَ كَسَوَادٍ ظُنَّ عَدُوًَّا فَظَهَرَ نَفْيُهُ، وإِنْ سَهَا مَعَ الأُولَى سَجَدَتْ بَعْدَ إِكْمَالِهَا، وإِلا سَجَدَتِ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ، والْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ. وإِنْ صَلَّى فِي ثُلاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلِّ رَكْعَةٍ بَطَلَتِ الأُوْلَى، والثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الأَرْجَحِ وصُحِّحَ خِلافُهُ.
قوله: (قَسْمُهُمْ، وإِنْ وُجَاهَ الْقِبْلَةِ) هذا هو المشهور، قال اللخمي: واختلف إِذَا كان
_________________
(١) الحَصْبُ: الرَمْيُ بالحَصْباءِ. انظلر: لسان العرب، لابن منظور: ١/ ٣١٩.
(٢) أي إشرافه على الموت. انظر الشرح الكبير، للدردير: ١/ ٣٨٩.
(٣) بِالْكَسْرِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ، أَيْ: لَيْسَ الِابْتِنَاءُ بِهَا مِنْ الْأَعْذَارِ؛ إذْ لَا حَقَّ لَهَا فِي إقَامَةِ زَوْجِهَا عِنْدَهَا، بِحَيْثُ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ والْجَمَاعَةِ. انظر: الشرح الكبير، للدردير: ١/ ٣٩١.
[ ١ / ٢٤٤ ]
العدو فِي القبلة [هل] (١) يصلي بهم جميعًا أو طائفتين؟ فقال أشهب فِي مدونته: لا يفعل؛ لأنه يتعرّض أن يفتنه العدو أو يشغله، فإن فعل أجزأه وأجزأهم. وفِي كتاب مسلم: أن العدّو لما كان فِي القبلة صف النبي - ﷺ - الناس خلفه صفّين كبّر وكبّروا معه، وركع وركعوا معه، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي [سجد] (٢) معه، وانحدر الصف المؤخر فسجدوا، ثم قاموا وقدّم الصفّ المؤخر، وتأخّر الصفّ المقدم، ثم ركع النبي - ﷺ - وركع جميعهم معه ثم سجد وسجد الصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا، وقام الصف المؤخر فِي [نحو] (٣) العدو، فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر، فسجدوا، ثم سلّم النبي - ﷺ - بهم جميعًا (٤).
وهذه صفة حسنة وليس يخشى فِيهَا ما يخشى إِذَا كان سجودهم كلهم [١٩ / أ] معًا. انتهى. ونقله أبو عمر فِي " الكافي " [عن بعض أصحابنا وقبله ابن عرفة] (٥).
[فصل فِي صلاة العيد]
سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ لِمَأْمُورِ الْجُمْعَةِ، مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ، لِلزَّوَالِ ولا يُنَادَى الصَّلاةَ جَامِعَةً وافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالإِحْرَامِ، ثُمَّ بِخَمْسٍ غَيْرِ الْقِيَامِ، مُوَالًى، إِلا بِتَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ، بِلا قَوْلٍ، وتَحَرَّاهُ مُؤْتَمٌّ لَمْ يَسْتَمِعْ، وكَبَّرَ نَاسِيهِ إِنْ لَمْ يَرْكَعْ وسَجَدَ بَعْدَهُ، وإِلا تَمَادَى وسَجَدَ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ قَبْلَهُ، ومُدْرِكُ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ، فَمُدْرِكُ الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَبْعًا بِالْقِيَامِ، ونُدِبَ إِحْيَاءُ لَيْلَتِهِ، وغُسْلٌ، وبَعْدَ الصُّبْحِ وتَطَيُّبٌ وتَزَيُّنٌ، وإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ، ومَشْيٌ فِي ذِهَابِهِ.
قوله: (وَإِلا تَمَادَى) أي: وإن لَمْ يذكر حتى انحنى للركوع تمادى وكذا فِي المدوّنة (٦).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن ٢): (نحر).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٢)، كتاب الصلاة: باب صَلاَةِ الْخَوْفِ.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣) وانظر الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر، ص ٧٢.
(٦) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٧٠، ونص التهذيب: (وإن نسي التكبير في الركعة الأولى فذكر قبل أن يركع رجع فكبّر وقرأ وسجد بعد السلام، وإن ذكر بعدما ركع تمادى وسجد قبل السلام) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٣١.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وإِنْ فَاتَتْ قَضَى الأُولَى بِسِتٍّ وهَلْ بِغَيْرِ الْقِيَامِ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وإِنْ فَاتَتْ قَضَى الأُولَى بِسِتٍّ وهَلْ بِغَيْرِ الْقِيَامِ تَأْوِيلانِ) ظاهره أن تكبيرة القيام موجودة، وإنما التَأْوِيلانِ: هل هي معدودة أم لا؟ وليس كذلك بل التَأْوِيلانِ فِي وجودها كما فِي " التوضيح "، فمن أثبتها فقياسًا عَلَى مدرك تشهد غيرها فِي قيامه بالتكبير وإن كان مكررًا مَعَ الإحرام؛ ليصله بابتداء القراءة، ومن أسقطها فلأن معه من التكبير ما يتصل بابتداء القراءة فلم يحتج لتكريرها، وإِلَى هذا يرجع ما لعبد الحقّ واللخمي والمازري وابن رشد فِي سماع عيسى (١) وعياض فِي التنبيهات. والله تعالى أعلم.
وفِطْرٌ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ، وتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ وخُرُوجٌ بَعْدَ الشَّمْسِ، وتَكْبُيرٌ فِيهِ حِينَئِذٍ لا قَبْلَهُ، وصُحِّحَ خِلافُهُ وجَهْرٌ بِهِ، وهَلْ لِمَجِيءِ الإِمَامِ أَوْ لِقِيَامِهِ لِلصَّلاةِ؟ تَأْوِيلانِ ونَحْرُهُ أُضْحِيَتَهُ بِالْمُصَلَّى، وإِيقَاعُهَا بِهِ إِلا بِمَكَّةَ، ورَفْعُ يَدَيْهِ فِي أُولاهُ فَقَطْ، وقِرَاءَتُهُمَا بِكِسِبِّحْ، والشَّمْسِ، وخُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ، وسَمَاعُهُمَا، واسْتِقْبَالُهُ وبَعْدِيَّتُهُمَا، وأُعِيدَتَا إِنْ قُدِّمَتَا، واسْتِفْتَاحٌ بِتَكْبِيرٍ، وتَخَلُّلُهُمَا بِهِ بِلا حَدٍّ، وإِقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَوْ فَاتَتْهُ، وتَكْبُيرُهُ إِثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً، وسُجُودِهَا الْبَعْدِيِّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لا نَافِلَةٍ ومَقْضِيَّةٍ فِيهَا مُطْلَقًا، وكَبَّرَ [١٣ / ب] نَاسِيهِ إِنْ قَرُبَ. ومُؤْتَمٌّ إِنْ تَرَكَهُ إِمَامُهُ، ولَفْظُهُ وهُوَ: اللهُ أَكْبَرُ ثَلاثًا، وإِنْ قَالَ بَعْدَ تَكْبِيرَتَيْنِ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، ثُمَّ تَكْبِيرَتَيْنِ وللهِ الْحَمْدُ، فَحَسَنٌ. وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ بِمُصَلًّى قَبْلَهَا وبَعْدَهَا، لا بِمَسْجِدٍ فِيهِمَا.
قوله: (وتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ) كذا صرح باستحبابه فِي " التلقين " وإيّاه تبع ابن شاس وابن الحاجب (٢) وقد قبله المازري، وزاد ليكون أوّل طعامه من لحم أضحيته، ونحوه للخمي، وزاد عن ابن شهاب (٣) يأكل من كبدها، والعجب من قصور ابن عرفة إذ قال: ونقْل ابن الحاجب استحباب تركه فِي الأضحى لا أعرفه، بل فِي المدوّنة، و" الموطأ " لا
_________________
(١) انظر البيان والتحصيل، كتاب الصلاة الرابع، من سماع عيسى، من رسم العتق: ٢/ ٦٧، ٦٨.
(٢) قال في التلقين: (ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلى وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى) انظر: التلقين، للقاضي عبد الوهاب: وانظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١٧٣، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٢٨.
(٣) في (ن ١): (أشهب).
[ ١ / ٢٤٦ ]
يؤمر بذلك فِي الأضحى (١)، أبو عمر: ظاهره التخيير، واستحب غيره تركه حتى يأكل من أضحيته (٢). انتهى.
[فصل فِي صلاة الكسوف]
سُنَّ وإِنْ لِعَمُودِيٍّ ومُسَافِرٍ لَمْ يَجِدَّ سَيْرُهُ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ سِرًَّا، بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ ورُكُوعَيْنِ، ورَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ لِخُسُوفِ قَمَرٍ، كَالنَّوَافِلِ جَهْرًا بِلا جَمْعٍ ونُدِبَ فِي الْمَسْجِدِ، وقِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ مُوَالِيَاتِهَا فِي الْقِيَامَاتِ، ووَعْظٍ بَعْدَهَا، ورَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وسَجَدَ كَالرُّكُوعِ ووَقْتُهَا كَالْعِيدِ، وتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِالرُّكُوعِ، ولا تُكَرَّرُ.
قوله: (وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وسَجَدَ كَالرُّكُوعِ) ابن عبد السلام: وينبغي أن تكون الإطالة فِي السجود دون الركوع كما هي فِي الركوع دون القيام.
وَإِنِ انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا، فَفِي إِتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ قَوْلانِ، وقُدِّمَ فَرْضٌ خِيفَ فَوَاتُهُ، ثُمَّ كُسُوفٌ، ثُمَّ عِيدٌ وأُخِّرَ الاسْتِسْقَاءُ لِيَوْمٍ آخَرَ.
قوله: (وَإِنِ انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا [فَفِي إِتْمَامِهَا] (٣) كَالنَّوَافِلِ قَوْلانِ) هذا كإطلاق (٤) ابن الحاجب (٥)، وقيّده ابن عرفة بما إِذَا تمّ شطرها، وإلا فقال ابن زرقون: قيل: يقطعها، وقيل: يتمّها نفلًا.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ، رواية (يحيي) برقم (٤٣٢)، كتاب العيدين، باب الأمر بالأكل قبل الغدو في العيد، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٧١، ونص تهذيب المدونة، للبراذعي: (وينحر الإمام أضحيته في المصلى، ويفطر في الفطر قبل أن يخرج إلى العيد، وليس ذلك في الأضحى).
(٢) نص ابن عبد البر في الاستذكار قوله: (.. يدل على أن الأكل في الفطر عنده مؤكد يجري مجرى السنن المندوب إليها التي يحمل الناس عليها، وأنه في الأضحى من شاء فعله ومن شاء لم يفعله، وليس بسنة في الأضحى ولا بدعة وغيره يستحب أن لا يأكل يوم الأضحى حتى يأكل من أضحيته ولو من كبدها). انظر: الاستذكار، لابن عبد البر: ٢/ ٣٩٠.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ١): (كالطلاق).
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٣٠، ونصه: (فإن انجلت في أثنائها ففي إتمامها كالنوافل قولان).
[ ١ / ٢٤٧ ]
[فصل فِي صلاة الاستسقاء]
سُنَّ الاسْتِسْقَاءُ لِزَرْعٍ أَوْ شُرْبٍ بِنَهْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وإِنْ بِسَفِينَةٍ رَكْعَتَانِ جَهْرًا، وكُرِّرَ إِنْ تَأَخَّرَ، وخَرَجُوا ضُحًى مُشَاةً بِبِذْلَةٍ، وتَخَشُّعٍ مَشَايِخُ ومُتَجَالَّةٌ، وصِبْيَةٌ، لا مَنْ لا يَعْقِلُ مِنْهُمْ، وبَهِيمَةٌ وحَائِضٌ. ولا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ، وانْفَرَدَ لا بِيَوْمٍ، ثُمَّ خَطَبَ كَالْعِيدِ، وبَدَّلَ التَّكْبِيرَ بِالاسْتِغْفَارِ، وبَالَغَ فِي الدُّعَاءِ آخِرَ الثَّانِيَةِ مُسْتَقْبِلًا، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ بِلا تَنْكِيسٍ، وكَذَا الرِّجَالُ فَقَطْ قُعُودًا. ونُدِبَ خُطْبَةٌ بِالأَرْضِ، وصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ، وصَدَقَةٌ.
قوله: (ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ) ظاهره تأخير التحويل عن الدعاء وهو خلاف ما فِي " المدوّنة " و" الرسالة " وغيرهما (١).
ولا يَأْمُرُ بِهِمَا الإِمَامُ، بَلْ بِتَوْبَةٍ، ورَدِّ تَبِعَةٍ وجَازَ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا، وبَعْدَهَا، واخْتَارَ إِقَامَةَ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ [بِمَحَلِّهِ] (٢) لِمُحْتَاجٍ (٣). قَالَ وفِيهِ نَظَرٌ.
قوله: (وَلا يَأْمُرُ بِهِمَا الإِمَامُ) تصريح بأن الصوم والصدقة لا يأمر بهما الإمام بعد تسليم ندبهما هنا، ولا أعلم من صرّح بذلك غيره، بل ظاهر كلام اللخمي والمازري وأتباعهما كابن شاس وأبي الحسن الصغير وابن عرفة: أن الصدقة مندوب إليها ويأمر بهما الإمام، وهل الصوم كذلك؟ قَوْلانِ. والندب وأمر الإمام فيما يعطيه قوة كلامهم متلازمان.
_________________
(١) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٦٦، وقال في تهذيب المدونة: (استقبل القبلة قائمًا والناس جلوس، فحول ما على يمينه من ردائه على يساره، وما على يساره على يمينه، ثم يدعو الإمام قائمًا والناس جلوس)، وانظر: ارسالة، لابن أبي زيد، ص: ٥٢.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٣) أي: اختار اللخمي أن يقيم غير المحتاج للاستسقاء صلاة الاستسقاء للمحتاج بمحله الذي يقيم به، وقال المازري: فيه نظر.
[ ١ / ٢٤٨ ]
[فصل فِي أحكام الجنائز]
فِي وَجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ، ولَوْ بِزَمْزَمَ، والصَّلاةِ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ وكَفْنِهِ، وسُنِّيَّتِهِمَا خِلافٌ، وتَلازَمَا، وغُسْلَ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلا نِيَّةٍ، وقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إِنْ صَحَّ النِّكَاحُ، إِلا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالْقَضَاءِ وإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ، أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ، أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، والأَحَبُّ نَفْيُهُ، إِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لا رَجْعِيَّةٌ وكِتَابِيَّةٌ إِلا بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ، وإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ، ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ وهَلْ تَسْتُرُهُ، أَوْ عَوْرَتُهُ؟ تَأْوِيلانِ، ثُمَّ يُمِّمَ لِمِرْفَقَيْهِ كَعَدَمِ الْمَاءِ، وتَقْطِيعِ الْجَسَدِ، وتَزْلِيعِهِ (١)، وصُبَّ عَلَى مَجْرُوحٍ أَمْكَنَ مَاءٌ كَمَجْدُورٍ (٢) إِنْ لَمْ يُخَفْ تَزَلُّعُهُ، والْمَرْأَةُ أَقْرَبُ امْرَأَةٍ، ثُمَّ أَجْنَبِيَّةٌ، ولُفَّ شَعْرُهَا، ولا يُضْفرُ، ثُمَّ مَحْرَمٌ فَوْقَ ثَوْبٍ، ثُمَّ يُمِّمَتْ لِكُوعَيْهَا، وسُتِرَ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتَيْهِ، وإِنْ زَوْجًا. [١٤ / أ].
قوله: (أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ) أشار به لقول ابن يونس: أحبّ إليّ ألا تغسله؛ لأنه قد حرم عَلَيْهِ تزويجها أن لو كان ذلك طلاقًا، وكان حيًّا.
[صلاة الجنازة]
ورُكْنُهَا النِّيَّةُ وأَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، وإِنْ زَادَ لَمْ يُنْتَظَرْ، والدُّعَاءُ، ودَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وإِنْ وَالاهُ، أَوْ سَلَّمَ بَعْدَ الثَّلاثِ أَعَادَ، وإِنْ دُفِنَ، فَعَلَى الْقَبْرِ، وتَسْلِيمَةٌ خَفِيَّةٌ (٣)، وسَمَّعَ الإِمَامَ مَنْ يَلِيهِ، وصَبَرَ الْمَسْبُوقُ لِلتَّكْبِيرِ، ودَعَا إِنْ تُرِكَتْ، وإِلا وَالَى.
وَكُفِّنَ بِمَلْبُوسِهِ لِجُمُعَةٍ، وقُدِّمَ كَمَؤُونَةِ الدَّفْنِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ ولَوْ سُرِقَ، ثُمَّ إِنْ وجِدَ وعُوِّضَ وَرِثَ، إِنْ فُقِدَ الدَّيْنُ كَأَكْلِ السَّبُعِ الْمَيِّتَ.
قوله: (كَأَكْلِ السَّبُعِ الْمَيِّتَ) نقله المازري عن ابن (٤) العلاء البصري وزاد - وكأنه عن القابسي -: ولو خيف نبشه كانت حراسته من رأس المال، وقد أغفل ابن عرفة هذين الفرعين.
_________________
(١) المُزَلَّع الذي قد انقشر جلد قدمه عن اللحم، ومعناه أيضا التشقق، والمراد في كلام الشارح التسلخ. انظر: لسان العرب، لابن منظور، ص: ٢/ ٣٠٩.
(٢) أي: مصاب بالجدري.
(٣) في المطبوعة: (خفيفة)
(٤) في (ن ١)، و(ن ٢): (أبي).
[ ١ / ٢٤٩ ]
هُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لا زَوْجِيَّةٍ، والْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وإِلا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ونُدِبَ تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِاللهِ، وتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إِحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ، ثُمَّ ظَهْرٍ، وتَجَنُّبُ حَائِضٍ وجُنُبٍ لَهُ.
قوله: (لا زَوْجِيَّةٍ) هو بياء النسب عطفًا عَلَى قرابة أو رقّ.
وتَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ، وتَغْمِيضُهُ، وشَدُّ لَحْيَيْهِ، إِذَا قَضَى، وتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ، ورَفْعُهُ عَنِ الأَرْضِ، وسَتْرُهُ بِثَوْبٍ.
قوله: (وَشَدُّ لَحْيَيْهِ) نقله ابن عبد السلام عن غير المذهب فقال ابن عرفة: قد ذكره سند، ولَمْ يعزه لغير المذهب، وتعليل ابن شعبان إغماضه خوف دخول الماء عينيه يؤكد شدّ لحيته (١).
ووضْعُ ثَقِيلٍ عَلَى بَطْنِهِ، وإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إِلا الْغَرَقَ. ولِلْغُسْلِ سِدْرٌ، وتَجْرِيدُهُ، ووَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ، وإِيثَارُهُ كَالْكَفَنِ لِسَبْعٍ، ولَمْ يُعَدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ وغُسِلَتْ، وعَصْرُ بَطْنِهِ بِرِفْقٍ، وصَبُّ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَخْرَجَيْهِ بِخِرْقَةٍ، ولَهُ الإِفْضَاءُ إِنِ اضْطُرَّ، وتَوْضِئَتُهُ، وتَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ، وإِمَالَةُ رَأْسِهِ [بِرِفْقٍ] (٢) لِمَضْمَضَةٍ، وعَدَمُ حُضُورِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وكَافُورٌ فِي الأَخِيرَةِ، ونُشِّفَ، واغْتِسَالُ غَاسِلِهِ، وبَيَاضُ الْكَفَنِ، وتَجْمِيرُهُ، وعَدَمُ تَأَخُّرِهِ عَنِ الْغُسْلِ. وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ، [وَلا] (٣) يُقْضَى بِالزَّائِدِ إِنْ شَحَّ الْوَارِثُ، إِلا أَنْ يُوصِيَ، فَفِي ثُلُثِهِ.
قوله: (ووَ ضْعُ ثَقِيلٍ عَلَى بَطْنِهِ) ابن عبد السلام: وقع فِي المذهب تجعل حديدة عَلَى بطنه، ونصّ الشافعية عَلَى معناه قالوا: لئلا يسرع انتفاخ بطنه. فقال ابن عرفة: لا أعرفه فِي المذهب بل نقل ابن المنذر إباحته عن الشعبي والشافعي (٤).
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (لحييه) وهو كذلك في كثير من شروح المختصر.
(٢) زيادة من المطبوعة.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) وضع الثقيل على بطنه منصوص في كتب الشافعية، انظر: الأم، للشافعي: ١/ ٢٨٠، قال: (ويضع على بطنه شيئًا من طين أو لبنة أو حديدة سيف أو غيره؛ فإن بعض أهل التجربة يزعمون أن ذلك يمنع بطنه أن تربو) وانظر: والمهذب، للشيرازي: ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وهَلِ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ، أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ والْبَاقِي سُنَّةٌ؟ خِلافٌ. ووِتْرُهُ، والاثْنَانِ عَلَى الْوَاحِدِ، والثَّلاثَةُ عَلَى الأَرْبَعَةِ، وتَقْمِيصُهُ، وتَعْمِيمُهُ، وعَذَبَةٌ فِيهَا، وأُزْرَةٌ، ولِفَافَتَانِ، والسَّبْعُ لِلْمَرْأَةِ، وحُنُوطٌ دَاخِلَ كُلِّ لِفَافَةٍ، وعَلَى قُطْنٍ يُلْصَقُ بِمَنَافِذِهِ، والْكَافُورُ فِيهِ وفِي مَسَاجِدِهِ وحَوَاسِّهِ ومَرَاقِّهِ، وإِنْ مُحْرِمًا ومُعْتَدَّةً، ولا يَتَوَلَّيَاهُ، ومَشْيُ مُشَيِّعٍ، وإِسْرَاعُهُ، وتَقَدُّمُهُ وتَأَخُّرُ رَاكِبٍ وامْرَأَةٍ، وسَتْرُهَا بِقُبَّةٍ، ورَفْعُ الْيَدَيْنِ بِأُولَى التَّكْبِيرِ، وابْتِدَاءٌ بِحَمْدٍ وصَلاةٍ [عَلَيْهِ] (١) عَلَى نَبِيِّهِ ﵊، وإِسْرَارُ دُعَاءٍ، ورَفْعُ صَغِيرٍ عَلَى الْكَفِّ، ووُقُوفُ إِمَامٍ بِالْوَسَطِ ومَنْكَبَيِ الْمَرْأَةِ رَأْسُ الْمَيِّتِ عَنْ يَمِينِهِ، ورَفْعُ قَبْرٍ كَشِبْرٍ مُسَنَّمًا، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى كَرَاهَتِهِ، فَيُسَطَّحُ، وحَثْوُ قَرِيبٍ فِيهِ ثَلاثًا، وتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لأَهْلِهِ وتَعْزِيَةٌ، وعَدَمُ عُمْقِهِ، واللَّحْدُ، وضَجْعٌ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقَبَّلًا، وتُدُورِكَ إِنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ كَتَنْكِيسِ رِجْلَيْهِ، [١٤ / ب] وكَتَرْكِ الْغُسْلِ، ودَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ، إِنْ لَمْ يُخَفِ التَّغَيُّرُ، وسَدُّهُ بِلَبِنٍ ثُمَّ لَوْحٍ، ثُمَّ قَرْمُودٍ، ثُمَّ آجُرٍّ (٢)، ثُمَّ قَصَبٍ، وسَنُّ التُّرَابِ أَوْلَى مِنَ التَّابُوتِ، وجَازَ غُسْلُ امْرَأَةٍ ابْنَ كَسَبْعٍ، ورَجُلٍ كَرَضِيعَةٍ.
قوله: (وهَلِ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ، أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ (٣) والْبَاقِي سُنَّةٌ؟ خِلافٌ) سلّم فِي " التوضيح " أن الأول ظاهر كلامهم ونسب الثاني لـ: " التقييد " و" التقسيم "، ومقتضي كلامه هنا: أن الخلاف فِي التشهير، وقال ابن عرفة: قال أبو عمر وابن رشد: الفرض من الكفن ساتر العورة (٤)، والزائد لستر غيرها سنة، وقال ابن بشير: أقلّه ثوب يستره كله. انتهى. وصرّح ابن بشير بنفي الخلاف منه (٥)، وأنه بخلاف الحيّ.
_________________
(١) كذا في الأصل، وما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٢) القرمود والآجر قال فيهما صاحب منح الجليل: (القرمود: بِفَتْحِ الْقَافِ وسُكُونِ الرَّاءِ أي: طِينٍ مَصْنُوعٍ عَلَى هَيْئَةِ وُجُوهِ الْخَيْلِ، والآجُرٍّ: بِمَدِّ الْهَمْزِ وضَمِّ الْجِيمِ وشَدِّ الرَّاءِ، أَيْ طُوبٍ) انظر: منح الجليل، للشيخ عليش: ١/ ٥٠٢.
(٣) في (ن ١): (عورته).
(٤) قال ابن عبد البر: (وكلهم (أي الفقهاء) لا يرون في الكفن شيئًا واجبًا ولا يتعدى وما ستر العورة أجزأ) انظر: الاستذكار: ٣/ ١٦، وقال ابن رشد: (الذي يتعين منه تعين الفرض ستر العورة) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٠٨.
(٥) أي: الميت.
[ ١ / ٢٥١ ]
والْمَاءُ الْمُسَخَّنُ، وعَدَمُ الدَّلْكِ لِكَثْرَةِ الْمَوْتَى، وتَكْفُينٌ بِمَلْبُوسٍ، أَوْ مُزَعْفَرٍ، ومُوَرَّسٍ، وحَمْلُ غَيْرِ أَرْبَعَةٍ، وبَدْءٌ بِأَيِّ نَاحِيَةٍ.
قوله: (والْمَاءُ الْمُسَخَّنُ) هو كقول ابن الجلاب (١): لا بأس أن يغسله بالماء السخن. ابن عرفة: وهو ظاهر المذهب. انتهى. وفِي " الزاهي ": ويغسل بالماء السخن إن احتاجوا إِلَى ذلك. وقال المازري: قال أشهب: واسع غسله بالماء سخنًا أو باردًا.
قلت: فعزو ابن عرفة التخيير لابن شاس، قصور.
والْمُعَيِّنُ مُبْتَدُعٌ، وخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ (٢)، أَوْ إِنْ لَمْ يُخْشَ مِنْهَا الْفِتْنَةُ فِي كَأَبٍ، وزَوْجٍ، وابْنٍ وأَخٍ، وسَبْقُهَا، وجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا.
قوله: (والْمُعَيِّنُ مُبْتَدُعٌ) هو كقوله فِي " المدوّنة "، وقول من قال: يبدأ باليمين بدعة (٣). وإن كان أشهب وابن حبيب لا يسلّمان ذلك.
ونَقْلٌ وإِنْ مِنْ بَدْوٍ، وبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وبَعْدَهُ بِلا رَفْعِ صَوْتٍ وقَوْلٍ قَبِيحٍ، وجَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُورَةٍ، ووَلِيَ الْقِبْلَةَ الأَفْضَلُ، أَوْ بِصَلاةٍ يَلِي الإِمَامَ رَجُلٌ، فَطِفْلٌ، فَعَبْدٌ، فَخَصِيٌّ، فَخُنْثَى كَذَلِكَ، وفِي الصِّنْفِ أَيْضًا الصَّفُّ، وزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلا حَدٍّ. وكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ، وقَلْمُ ظُفْرِهِ، وهُوَ بِدْعَةٌ، وضُمَّ مَعَهُ إِنْ فُعِلَ.
قوله: (ونَقْلٌ وإِنْ مِنْ بَدْوٍ) حاصل ما فِي " النوادر " فِي ذلك عن ابن حبيب: لا بأس بحمله من البادية للحاضرة، ومن موضع لآخر؛ مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقّاص بالعقيق فحملا للمدينة. (٤) ورواه ابن وهب، وروى علي: لا بأس به للمصر إن قرب. انتهى، ولَمْ يزد ابن عرفة عَلَيْهِ فتأمل معه الأغياء [١٩ / ب] فِي عبارة المصنف.
_________________
(١) في الأصل، و(ن ٣): (الحاجب) وما نقله الشارح لم أقف عليه عند ابن الحاجب؛ وإنما هو لابن الجلاب، انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ٢٦٨.
(٢) أي كبيرة السن، وفسّرها الخرشي بأنها التي قعدت عن المحيض. انظر: شرح الخرشي: ٢/ ٣٦٢.
(٣) انظر: المدوّنة: ١/ ١٧٦ قال فيها: (قلت لمالك من أي جوانب السرير أحمل الميت، وبأي ذلك أبدأ؟ قال: ليس في ذلك شيء موقت احمل من حيث شئت، إن شئت من قدام، وإن شئت من وراء، وإن شئت احمل بعض الجوانب ودع بعضها وإن شئت فأحمل، وإن شئت فدع، ورأيته يرى أن الذي يذكر الناس فيه يبدأ باليمين بدعة).
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٧٣.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَلا تُنْكَأُ قُرُوحُهُ، ويُؤْخَذُ عَفْوُهَا.
قوله: (وَلا تُنْكَأُ قُرُوحُهُ، ويُؤْخَذُ عَفْوُهَا) مثله للجلاب (١) قال الشارمساحي أي: أزيل ما عَلَيْهَا من الدم، والقيح مما تسهل إزالته. انتهى.
والعفو فِي اللغة: الفضل، ومنه قوله تعالى: " خذ العفو " [الأعراف: ١٩٩] أي: ما سهل من أموال الناس، وعفا أي: فضل، وزاد من قولهم: عفا النبت والشعر. قاله ابن عطية، وأنشد قول حاتم الطائي:
خذ العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي فِي سورتي حين أغضب (٢)
وقِرَاءَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ كَتَجْمِيرِ الدَّارِ.
قوله: (وقِرَاءَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ كَتَجْمِيرِ الدَّارِ) كراهة القراءة والتجمير عند احتضاره (٣) هو قول مالك فِي سماع أشهب، قال ابن رشد: واستحبهما ابن حبيب (٤)، زاد ابن يونس عنه استحباب الروائح الطيبة.
وبَعْدَهُ، وعَلَى قَبْرِهِ، وصِيَاحٌ خَلْفَهَا، وقَوْلُ: اسْتَغْفِرُوا لَهَا، وانْصِرَافٌ عَنْهَا بِلا صَلاةٍ، أَوْ بِلا إِذْنٍ، إِنْ لَمْ يُطَوِّلُوا.
قوله: (وَبَعْدَهُ، وعَلَى قَبْرِهِ) ابن عرفة، وقبل عياض: استحباب بعض العلماء القراءة عَلَى القبر؛ لحديث الجريدتين (٥) وقاله الشافعي (٦). انتهى، وفِي " الإحياء ": لا بأس بالقراءة عَلَى القبور (٧). وفي " مسالك " ابن العربي: يستحبّ تلقينه بعد الدفن.
_________________
(١) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ٢٦٨.
(٢) البيت نسبه صاحب الأغاني لأسماء بن خارجه لا حاتم الطائي. انظر: الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني: ٢٠/ ٣٦٧.
(٣) في (ن ١): (إحضاره).
(٤) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٢٣٤، ونص سماع أشهب: (قال أشهب: وسُئل مالك عن قراءة القرآن عند رأس الميت بـ: ﴿يس﴾، فقال: ما سمعت بهذا، وما هو من عمل الناس، قيل له: أفرأيت الإجمار عند رأسه - وهو في الموت يجود بنفسه؟ فقال أيضًا: ما سمعت شيئًا من هذا، وما هذا من عمل الناس).
(٥) حديث الجريدتين أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٢١٦)، كتاب الوضوء، بَاب مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ، ومسلم في صحيحه برقم (٧٠٣) كتاب الطهارة، باب الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ ووُجُوبِ الاِسْتِبْرَاءِ مِنْه، وهي جريدة واحدة، وليست جريدتين كما عبّر المؤلف؛ غير أنها شقت نصفين كما ورد في نص الحديث.
(٦) في (ن ١): (الشعبي)، وهو مستحب عند الشافعية لحصول الثواب. انظر: روضة الطالبين، للنووي: ٦/ ٢٠٣.
(٧) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالي: ٤/ ٤٩٢.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وحَمْلُهَا بِلا وَضُوءٍ، وإِدْخَالُهُ بِمَسْجِدٍ، والصَّلاةُ عَلَيْهِ فِيهِ، وتِكْرَارُهَا، وتَغْسِيلُ جُنُبٍ.
قوله: (وحَمْلُهَا بِلا وَضُوءٍ) كذا فِي سماع ابن القاسم. ابن رشد: إنما كرهه لأنه يحمل ولا يصلّي، ولو علم أنه يجد فِي موضع الجنازة ما يتوضأ به لَمْ يكره له حملها عَلَى غير وضوء (١).
كَسِقْطٍ، وتَحْنِيطُهُ، وتَسْمِيَتُه، وصَلاةٌ عَلَيْهِ، ودَفْنُهُ بِدَارٍ، ولَيْسَ عَيْبًا بِخِلافِ الْكَبِيرِ لا حَائِضٍ، وصَلاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ أَوْ مُظْهِرِ كَبِيرَةٍ والإِمَامِ عَلَى مَنْ حَدُّهُ الْقَتْلُ بِقَوْدٍ أَوْ حَدٍّ، وإِنْ تَوَلاهُ النَّاسُ دُوْنَهُ، وإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَتَرَدُّدٌ.
قوله: (ولَيْسَ عَيْبًا) أي: ليس دفن السقط فِي الدار عيبًا فِيهَا، وكذا نصّ عَلَيْهِ ابن يونس عن ابن سحنون عن مالكٍ، قال: لأن السقط ليس له حرمة الموتى؛ إذ لا يصلي عَلَيْهِ، ولا يورث، ألا ترى أنه قد أبيح دفنه فِي الدور. قيل له: أفيجوز الانتفاع بموضع قبر السقط؟ قال: أكره ذلك. قال ابن سحنون: والقياس جواز الانتفاع به لجواز بيعه.
وفي " التوضيح ": القَوْلانِ فِي كونه عيبًا حكاهما ابن بشير، والمنصوص لمالك: ليس بعيب. انتهى. وهو صحيح، ولم ينقل ابن عرفة القولين إلا من طريق ابن بشير، وكذلك هما فِي كتاب " التنبيه " لابن بشير، من غير تنبيه عَلَى نصّ ولا تخريج، إلاّ أنه [قال] (٢): وهما منزّلان عَلَى الخلاف الذي فِي جواز دفنه فِي الدور، ففي قول بعضهم: فِي كلام المصنف نظر، [نظر] (٣).
وتَكْفِينٌ بِحَرِيرٍ، ونَجِسٍ، كَأَخْضَرَ، ومُعَصْفَرٍ أَمْكَنَ غَيْرُهُ.
قوله: (وَتَكْفِينٌ بِحَرِيرٍ) اللخمي: وجنسه الكتان والقطن، وفِي " النوادر " عن ابن حبيب: ما جاز فِي حياته (٤). ابن عرفة: فيدخل الصوف.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٢١٠ ونص المسألة: (سُئل مالك عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء، فأراد أن يحمل لموضع الأجر ولا يصلي، قال: ليس هذا من العمل أن يحمل رجل ولا يصلي، ولم يعجبه ذلك، وقال: ليس هذا من عمل الناس أن يحملوا على غير وضوء).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣)
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٦٣.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وزِيَادَةُ رَجُلٍ عَلَى خَمْسَةٍ، واجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِبُكَاءٍ وإِنْ سِرًَّا، أَوْ تَكْبِيرُ نَعْشٍ، وفَرْشُهُ بِحَرِيرٍ، وإِتْبَاعُهُ بِنَارٍ ونِدَاؤُهُ بِمَسْجِدٍ أَوْ بَابِهِ، لا بِكَحِلْقٍ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ.
قوله: (وزِيَادَةُ رَجُلٍ عَلَى خَمْسَةٍ) لَمْ أر من صرّح بكراهته، وأخذ من قول ابن حبيب: أحب إِلَى مالك خمسة أثواب (١). لا يلزم.
وقِيَامٌ لها، وتَطْيِينُ قَبْرٍ أَوْ تَبْيِيضُهُ، وبِنَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ تَحْوِيزٌ، وإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ، وجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بِلا نَقْشٍ، ولا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ، ولَوْ بِبَلَدِ الإِسْلامِ. أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الأَحْسَنِ، لا إِنْ رُفِعَ حَيًَّا وإِنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ إِلا الْمَغْمُورَ، ودُفِنَ بِثِيَابِهِ إِنْ سَتَرَتْهُ، وإِلا زِيدَ بِخُفٍّ وقَلَنْسُوَةٍ ومِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا، وخَاتَمٍ قَلَّ فَصُّهُ، لا دِرْعٍ وسِلاحٍ، ولا دُونَ الْجُلِّ، ولا مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، وإِنْ صَغِيرًا ارْتَدَّ، أَوْ نَوَى بِهِ سَابِيهِ الإِسْلامَ، إِلا أَنْ يُسْلِمَ كَأَنْ أَسْلَمَ ونَفَرَ مِنْ أَبَوَيْهِ. وَإِنِ اخْتَلَطُوا غُسِّلُوا وكُفِّنُوا، ومُيِّزَ الْمُسْلِمُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلاةِ، ولا سَقْطٌ لَمْ يَسْتَهِلَّ.
قوله: (وقِيَامٌ لها) تصريح بكراهة القيام للجنازة وظاهره مُطْلَقًا، والذي لابن رشد فِي سماع موسى: أن القيام كان مأمورًا به للجنائز فِي ثلاثة مواضع:
أحدها: من كان جالسًا فمرّت به أن يقوم حتى تخلفه.
والثاني: من اتبع جنازة أن لا يجلس حتى توضع.
والثالث: من سبق الجنازة إِلَى المقبرة فقعد ينتظرها أن يقوم إِذَا رآها حتى توضع [ثم] (٢) نسخ ذلك كله بما روي أن رسول الله - ﷺ - كان يقوم فِي [الجنازة] (٣) ثم جلس وأمرهم بالجلوس. وروي أنه فعل ذلك مرة، وكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهي انتهى، وأما القيام عَلَى الجنازة حتى تُدفن فلا بأس به، والقول بنسخه ليس بصحيح، وقد فعله
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٥٨.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
[ ١ / ٢٥٥ ]
علي بن أبي طالب، وقال: قليل لأخينا قيامنا عَلَى قبره (١) وقال ابن حبيب: إنما نسخ من القيام فِي الجنائز الوجوب، فمن جلس ففي [سعة] (٢)، ومن قام فمأجور. انتهى (٣).
ففهم هنا ابن عرفة فِي حكم القيام قولين: أحدهما أن وجوبه، نسخ للإباحة، وهو ظاهر المذهب. والثاني: أنه نسخ للندب، وهو قول ابن حبيب، وعَلَى هذا فلا كراهة، وهو ظاهر كلام غير واحد، ولعلّ المصنف استروح الكراهة من قوله: فلما نهى عنه ﵇ انتهى، أو مما فِي " النوادر " عن علي ابن أبي (٤) زياد: أن الذي أخذ به مالك أن يجلس ولا يقوم، وهو أحبّ إليّ (٥).
فرع:
كره فِي سماع ابن القاسم أن يتبع الرجل الجنازة حاسرًا بغير رداء، ابن رشد: ومن هذا المعنى ما يفعل عندنا من تبيض الولي عَلَى وليّه (٦). ابن عرفة: ونحوه عندنا (٧) تسويده.
_________________
(١) انظر في القيام للجنازة: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، وباب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلاَ يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ. وفي نَسْخِ القيام انظر: صحيح مسلم، كتاب الجنائز باب نَسْخِ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٣).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥.
(٤) زيادة من: (ن ٢).
(٥) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٨٠.
(٦) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، وعندنا في كلامه تعني الأندلس العامرة.
(٧) أي: في تونس.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ، أَوْ بَالَ، [١٥ / أ] أَوْ رَضَعَ، إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْحَيَاةُ، وغُسِلَ دَمُهُ، ولُفَّ بِخِرْقَةٍ، ووُرِيَ ولا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ، إِلا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا، ولا غَائِبٍ، ولا تُكَرَّرُ، والأَوْلَى بِالصَّلاةِ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ، ثُمَّ الْخَلِيفَةُ، لا فَرْعُهُ، إِلا مَعَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، وأَفْضَلُ وَلِيٍّ، ولَوْ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ وصَلَّى النِّسَاءُ دُفْعَةً، وصُحِّحَ تَرَتُّبُهُنَّ، والْقَبْرُ حبسٌ لا يُمْشَى عَلَيْهِ، ولا يُنْبَشُ (١) مَا دَامَ بِهِ، إِلا أَنْ يَشِحَّ رَبُّ كَفَنٍ غُصِبَهُ، أَوْ قَبْرٍ بِمِلْكِهِ أَوْ نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ، وإِنْ كَانَ بِمَا يَمْلِكُ فِيهِ الدَّفْنَ بُقِّيَ وعَلَيْهِمْ قِيمَتُهُ، وأَقَلُّهُ مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ، وحَرَسَهُ، وبُقِرَ عَنْ مَالٍ كَثُرَ، ولَوْ بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ، لا عَنْ جَنِينٍ، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْبَقْرِ إِنْ رُجِيَ، وإِنْ قُدِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مَحَلِّهِ فُعِلَ، والنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وصُحِّحَ أَكْلُهُ [أَيْضًا] (٢).
قوله: (ولَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ، أَوْ بَالَ، أَوْ رَضَعَ) فِي " التوضيح ": المشهور عن مالك أنه إِذَا تحرّك أو عطس أو رضع لا يحكم له بالحياة. ابن حبيب: ولو أقام يتنفس يومًا، ويفتح عينيه ما لَمْ يسمع له صوت، وفيه نظر، وأشكل من ذلك قول يحيي بن عمر: إِذَا قام عشرين يومًا [٢٠ / أ] أو أكثر، ولَمْ يصرخ ثم مات فلا يغسّل ولا يصلى عَلَيْهِ؛ لأن الميت يتغير فِي أقل من ذلك، ويسير الحركة لا يعتبر اتفاقًا، وكثير الرضاع يعتبر اتفاقًا. وقطع المازري بأن الرضاع لا يكون إلاّ من حيّ، وأنكره غيره. ابن الماجشون: والبول لا يدل عَلَى حياة؛ لاحتمال أن يكون من استرخاء. انتهى.
وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن لا يلحق العطاس (٣) بالرضاع اليسير؛ لأن العطاس يرجع إِلَى حركة، وهو خروج هواء محتقن. والرضاع وإن قلّ معه ضربٌ من التمييز، وذلك مستلزم قطعًا للحياة، وكذا قبل ابن عرفة قول المازري، وإلغاء الرضاع تشكيك فِي الضروريات، وقطع بأن البول لغو، وزاد عن اللخمي وعبد الحقّ عن عبد الوهّاب: أن طول المكث كالاستهلال: خلاف ما حكى ابن حارث عن يحيي ابن عمر.
_________________
(١) كلام المصنف عن نبش القبر بعد الدفن ومتى يجوز.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٣) في (ن ١): (العاطس).
[ ١ / ٢٥٧ ]
ودُفِنَتْ مُشْرِكَةٌ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ بِمَقْبَرَتِهِمْ، ولا تَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَنَا ولا قِبْلَتَهُمْ، ورُمِيَ مَيِّتُ الْبَحْرِ بِهِ مُكَفَّنًا إِنْ لَمْ يُرْجَ الْبَرُّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ، ولا يُعَذَّبُ بِبُكَاءٍ لَمْ يُوصِ بِهِ، ولا يُتْرَكُ مُسْلِمٍ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ، ولا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ أَبًا كَافِرًا ولا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إِلا أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ، والصَّلاةُ أَحَبُّ مِنَ النَّفْلِ إِذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إِنْ كَانَ كَجَارٍ أَوْ صَالِحًا.
قوله: (ودُفِنَتْ مُشْرِكَةٌ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ بِمَقْبَرَتِهِمْ) مراده بالمشركة: الكافرة. سواءً كانت مباحة الوطء، وهي الكتابية، أو كانت غير مباحة الوطء، كالوثنية إِذَا أسلم واطئها بعدما أحبلها، فلو قال: كافرة لحرر العبارة. قال ابن عرفة: ونقل ابن غلاب (١) عن المذهب: تدفن بطرف مقبرة المسلمين، وهْمٌ. انتهى.
فإن قلت: إنما يلي دفنها أهل دينها بمقبرتهم، كما صرّح به فِي " النوادر " (٢) وغيرها فما فائدة قول المصنف: (ولا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم)؟ وإنما وقع هذا فِي " المدوّنة " عن ربيعة فِي المسلم يواري أباه الكافر (٣).
قلت: كأنه احترز به من قول بعض العلماء: يجعل ظهرها إِلَى القبلة؛ لأن وجه الجنين إِلَى ظهرها، عَلَى أن فِي التعبير (٤) عن هذا المقصد بهذه العبارة بعد. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (غالب) وفي التاج والإكليل، ومنح الجليل: (غلاب) كما هو مثبت.
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٩٧، ٥٩٨.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ١٨٧، ونصّها: (وقال مالك لا يغسل المسلم والده إذا مات الوالد كافرًا، ولا يتبعه، ولا يدخله قبره، إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه). وقال في تهذيب المدونة: (قال ربيعة: ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٤٤.
(٤) في (ن ١): (التغير).
[ ١ / ٢٥٨ ]