تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ النَّعَمِ بِمِلْكٍ، وحَوْلٍ، كَمُلا، وإِنْ مَعْلُوفَةً وعَامِلَةً ونِتَاجًا لا مِنْهَا ومِنَ الْوَحْشِ، وضُمَّتِ الْفَائِدَةُ لَهُ، وإِنْ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ لا لأَقَلَّ. [الإِبِلُ] (١) فِي كُلِّ خَمْسٍ ضَائِنَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ جُلَّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزُ، وإِنْ خَالَفَتْهُ، والأَصَحُّ إِجْزَاءُ بَعِيرٍ إِلَى خَمْسٍ وعِشْرِينَ، فَبِنْتُ مُخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سَلِيمَةٌ فَابْنُ لَبُونٍ، وفِي سِتٍّ وثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وسِتٍّ وأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وإحدى وسِتِّينَ جَذَعَةً وسِتٍّ وسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وإحدى وتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، ومِائَةٍ وإحدى وعِشْرِينَ إِلَى تِسْعٍ [وَعِشْرِينَ] (٢) حِقَّتَانِ، أَوْ ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ الْخِيَارُ لِلسَّاعِي، وتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا ثُمَّ كُلِّ عَشْرٍ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وبِنْتُ الْمَخَاضِ الْمُوَفِّيَةُ سَنَةً، ثُمَّ كَذَلِكَ [زَكَاةُ] (٣) الْبَقَرِ، فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ ذُو سَنَتَيْنِ، وفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ ذَاتُ ثَلاثٍ، ومِائَةٍ وعِشْرِينَ كَمِائَتَيِ الإِبِلْ. [زَكَاةُ] (٤) الْغَنَمِ، فِي أَرْبَعِينَ شَاةً جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ ذُو سَنَةٍ ولَوْ مَعْزًا، وفِي مِائَةٍ وإحدى وعِشْرِينَ شَاتَانِ وفِي مِائَتَيْنِ وشَاةٍ ثَلاثٌ، وفِي أَرْبَعْمِائَةٍ، أَرْبَعٌ، ثُمَّ لِكُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، ولَزِمَ الْوَسَطُ، ولَوِ انْفَرَدَ الْخِيَارُ أَوِ الشِّرَارُ، إِلا أَنْ يَرَى [١٥ / ب] السَّاعِي أَخْذَ الْمَعِيبَةِ لا الصَّغِيرَةِ وضُمَّ بُخْتٌ لِعِرَابٍ وجَامُوسٌ لِبَقَرٍ، وضَأْنٌ لِمَعْزٍ، وخُيِّرَ السَّاعِي إِنْ وجبتْ وَاحِدَةٌ وتَسَاوَيَا، وإِلا فَمِنَ الأَكْثَرِ، وثِنْتَانِ مِنْ كُلٍّ إِنْ تَسَاوَيَا أَوِ الأَقَلُّ نِصَابٌ غَيْرُ وَقْصٍ، وإِلا فَالأَكْثَرُ وثَلاثٌ وتَسَاوَيَا فَمِنْهُمَا، وخُيِّرَ فِي الثَّالِثَةِ، وإِلا فَكَذَلِكَ، واعْتُبِرَ فِي الرَّابِعَةِ فَأَكْثَرَ كُلُّ مِائَةٍ، وفِي أَرْبَعِينَ جَامُوسًا وعِشْرِينَ بَقَرَةً مِنْهُمَا، ومَنْ هَرَبَ بِإِبْدَالِ مَاشِيَةٍ، أُخِذَ بِزَكَاتِهَا ولَوْ قَبْلَ الْحَوْلِ عَلَى الأَرْجَحِ، وبَنَى فِي رَاجِعَةٍ بِعَيْبٍ أَوْ فَلَسٍ كَمُبْدِلِ مَاشِيَةِ تِجَارَةٍ، وإِنْ دُونَ نِصَابٍ بِعَيْنٍ، أَوْ نَوْعِهَا، ولَوْ لاسْتِهْلاكٍ كَنِصَابِ قِنْيَةٍ، لا بِمُخَالِفِهَا، أَوْ رَاجِعَةٍ بِإِقَالَةٍ، أَوْ عَيْنًا بِمَاشِيَةٍ.
قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سَلِيمَةٌ فَابْنُ لَبُونٍ) احترز بالسليمة من المعيبة.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وخُلَطَاءُ الْمَاشِيَةِ كَمَالِكٍ، فِيمَا وَجَبَ مِنْ قَدْرٍ وسِنٍّ وصِنْفٍ، إِنْ نُوِيَتْ، وكُلٌّ حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا بِحَوْلٍ.
قوله: (مِنْ قَدْرٍ وسِنٍّ وصِنْفٍ) من أمثلته مسألة " المدوّنة ": إذ كان لأحدهما خمس عشرة ومائة من الإبل، وللآخر خمس، فأخذ منها الساعي حقتين ترادّا قيمتهما عَلَى أربعة وعشرين جزءًا، عَلَى صاحب الخمس جزء، وهو ربع السدس، وما بقي فعلى الآخر، ولولا الخلطة لأخرج صاحب الخمس شاة (١).
واجْتَمَعَا بِمِلْكٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي الأَكْثَرِ، مِنْ مُرَاحٍ، ومَاءٍ، ومَبِيتٍ، ورَاعٍ بِإِذْنِهِمَا، وفَحْلٍ بِرِفْقٍ، ورَاجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ شَرِيكَهُ بِنِسْبَةِ عَدَدَيْهِمَا، ولَوِ انْفَرَدَ وَقَصٌ (٢) لأَحَدِهِمَا فِي الْقِيمَةِ كَتَأَوُّلِ السَّاعِي الأَخْذَ مِنْ نِصَابٍ لَهُمَا، أَوْ لأَحَدِهِمَا، وزَادَ لِلْخُلْطَةِ، لا غَصْبًا، أَوْ لَمْ يَكْمُلْ لَهُمَا نِصَابٌ، وذُو ثَمَانِينَ خَالَطَ بِنِصْفَيْهِمَا ذَوِي ثَمَانِينَ، أَوْ بِنِصْفٍ فَقَطْ ذَا أَرْبَعِينَ كَالْخَلِيطِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ شَاةٌ، وعَلَى غَيْرِهِ نِصْفٌ بِالْقِيمَةِ.
قوله: (بِمِلْكٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ) راجع للماء وأخواته، [لا] (٣) للماشية كما توهّم بعضهم.
وخَرَجَ السَّاعِي، ولَوْ بِجَدْبٍ طُلُوعَ الثُّرَيَّا بِالْفَجْرِ، وهُوَ شَرْطُ وَجُوبٍ، إِنْ كَانَ، وبَلَغَ وقَبْلَهُ يَسْتَقْبِلُ الْوَارِثُ، ولا تُبْدَأُ إِنْ أَوْصَى بِهَا ولا تُجْزِئُ كَمُرُورِهِ بِهَا نَاقِصَةً، ثُمَّ رَجَعَ وقَدْ كَمُلَتْ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وأُخْرِجَتْ أَجْزَأَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وإِلا عَمِلَ عَلَى الزَّيْدِ والنَّقْصِ لِلْمَاضِي بِتَقْدِمَةِ الْعَامِ الأَوَّلِ، إِلا أَنْ يُنَقَّصَ الأَخْذُ النِّصَابَ أَوِ الصِّفَةَ فَيُعْتَبَرُ كَتَخَلُّفِهِ عَنْ أَقَلَّ فَكَمُلَ، وصُدِّقَ، لا إِنْ نَقَصَتْ هَارِبًا، وإِنْ زَادَتْ لَهُ فَلِكُلٍّ مَا فِيهِ بِتَبْدِئَةِ الأَوَّلِ، وهَلْ يُصَدَّقُ قَوْلانِ، وإِنْ سَأَلَ فَنَقَصَتْ أَوْ زَادَتْ، فَالْمَوْجُودُ إِنْ لَمْ يُصَدِّقْ، أَوْ صَدَّقَ ونَقَصَتْ، وفِي الزَّيْدِ تَرَدُّدٌ، وأُخِذَ الْخَوَارِجُ بِالْمَاضِي، إِلا أَنْ يَزْعُمُوا الأَدَاءَ، إِلا أَنْ يَخْرُجُوا لِمَنْعِهَا.
قوله: (وخَرَجَ السَّاعِي، ولَوْ بِجَدْبٍ طُلُوعَ الثُّرَيَّا بِالْفَجْرِ) كذا فِي " المدوّنة " (٤)، وتعقبه ابن عبد السلام بأنه ملزوم لإسقاط عام بعد نحو ثلاثين سنة. قال: والصواب البعث أوّل
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٦٦، وانظر: المدونة: ٢/ ٣٣١.
(٢) الوَقَصُ: ما بين الفَرِيضتين من الإِبل والغنم، واحدُ الأَوْقاصِ في الصدقة. انظر لسان العرب، لابن منظور: ٧/ ١٠٧.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٤) انظر: المدونة: ٢/ ٣٣٨، وقال في تهذيب المدونة: (وتبعث السعاة عند طلوع الثريا في استقبال الصيف، واجتماع الناس للمياه) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٧٠.
[ ١ / ٢٦٠ ]
المحرّم؛ لأن الأحكام (١) إنما هي متعلقة بالعام القمري لا الشمسي. ابن عرفة: يردّ (٢) بأن البعث حينئذ لمصلحة الفريقين؛ لاجتماع الناس بالمياه، [لا أنه] (٣) حول لكلّ الناس (٤)، بل كل عَلَى حوله القمري، فاللازم فيمن بلغت أحواله من الشمسية ما تزيد عَلَيْهِ القمرية حولًا كونه فِي العام الزائد، كمن تخلف (٥) ساعيه لا (٦) سقوطه. انتهى.
وفي " التوضيح ": علّق مالك الحكم هنا بالسنين الشمسية خلافًا للشافعي (٧)، وإن كان يؤدي إِلَى إسقاط سنة فِي نحو ثلاثين سنة؛ لما فِي ذلك من المصلحة العامّة.
[زكاة الحرث]
وفِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَكْثَرَ، وإِنْ بِأَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ، أَلْفٌ وسِتُّمِائَةِ رَطْلٍ مِائَةٌ وثَمَانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا مَكِّيًَّا، كُلٌّ خَمْسُونَ وخُمُسَا حَبَّةٍ، مُنْ مُطْلَقِ الشَّعِيرِ.
قوله: (أَلْفٌ وسِتُّمِائَةِ رَطْلٍ) مبني عَلَى أن وزن المد رطل وثلث، وهو المشهور، قيل: بالماء وقيل: بالوسط من البّر، قاله ابن رشد فِي " أجوبته "، وفِي سماع أشهب من كتاب زكاة الحبوب، ومثله لابن عبد البر (٨).
مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ فَقَطْ.
قوله: (مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ فَقَطْ) كأنه أدرج الزبيب فِي التمر فإنهما متفق عليهما، قال ابن عرفة: وفِي غيرهما ثالثها تجب فِي التين فقط. انتهى، وأما الزيتون فمن ذوات الزيوت التي ذكرها بعد.
_________________
(١) في (ن ٣): (الحاكم).
(٢) في (ن ٣): (يريد).
(٣) في (ن ٣): (لأنه).
(٤) في الأصل: (سنة).
(٥) في الأصل: (تخلف على).
(٦) في (ن ٣)، و(ن ٤): (إلى).
(٧) المعروف عند الشافعية أن الحول المعتبر عندهم هو الحول القمري لا الشمسي، وهو الذي يأتي عليه الأحكام التي تناط به، كسن البلوغ، وأقلّ زمن الحيض، والسنة القمرية عندهم: ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يومًا وخمس يوم وسدسه؛ لأنّ كل ثلاثين سنة تزيد أحد عشر يومًا ". انظر: مغني المحتاج، لمحمد الشربيني الخطيب: ١/ ١٠٨، وحاشية البجيرمي، لسليمان البجيرمي: ١/ ١٤١، وحواشي الشرواني، لعبد الحميد الشرواني: ١/ ٣٠٤.
(٨) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر: ٣/ ١٢ / ١٣، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٤٩٣.
[ ١ / ٢٦١ ]
مُنَقًّى.
قوله: (مُنَقًّى) أي: مخلّص من تبنه وصوانه. يريد إلا (١) قشر ما يختزن بقشره من علس (٢) أو أرز، يدلّ عَلَيْهِ ما يأتي.
مُقَدَّرَ الْجَفَافِ، وإِنْ لَمْ يَجِفَّ، نِصْفُ [١٦ / أ] عُشْرِهِ.
قوله: ([مُقَدَّرَ الْجَفَافِ] (٣» ابن عرفة: النصاب من عنب بلدنا ستة وثلاثون قنطارًا تونسيًا؛ لأنها يابسة اثنا عشر، وهي خمسة أوسق. انتهى.
قلت: ونحوه حفظت في (٤) عنب لمطة عن شيخنا الحافظ أبي عبد الله القوري، عن الشيخ أبي القاسم التازغدري: [٢٠ / ب] أن نصابه ستة وثلاثون قنطارًا فاسيًا.
ابن عرفة: وفِي كون المعتبر من الزيتون كيله يوم جداده، أو بعد تناهي جفافه، قَوْلانِ الأول: نص اللخمي عن المذهب. والثاني: لابن يونس عن السليمانية.
كَزَيْتِ مَا لَهُ زَيْتٌ وثَمَنِ غَيْرِ ذِي الزَّيْتِ ومَا لا يَجِفُّ.
قوله: (كَزَيْتِ مَا لَهُ زَيْتٌ) هو نصّ " المدوّنة " وخلاف قوله فِي الرسالة: " فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله ". (٥) وعَلَى الخلاف فهمه ابن عرفة.
وَفُولٍ أَخْضَرَ إِنْ سُقِيَ بِآلَةٍ وإِلا فَالْعُشْرُ ولَوِ اشْتُرِيَ السَّيْحُ أَوْ أُنْفِقَ عَلَيْهِ، وإِنْ سُقِيَ بِهِمَا فَعَلَى حُكْمِهِمَا، وهَلْ يُغَلَّبُ الأَكْثَرُ خِلافٌ.
قوله: (وَفُولٍ أَخْضَرَ) أي: فإِذَا باعه جاز له إخراج زكاته من ثمنه وهو قول مالك فِي " الموازية "، خلاف ما فِي رسم يسلف (٦) من سماع ابن القاسم من كتاب زكاة الحبوب،
_________________
(١) في (ن ٢): (لا).
(٢) العلس: العدس، وقيل ضرب من القمح، وقيل ضرب من البر. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٦/ ١٤٦.
(٣) في (ن ٣): (مقدرًا بجفاف).
(٤) في (ن ٢): (قنطارًا فاسيًا). ولعله اختلط بما بعده على الناسخ.
(٥) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٣٤٢، وتهذيب المدونة، للبراذعي ١/ ٤٧٥، ونصه: (ولا يخرص الزيتون ويؤتمن عليه أهله كما يؤتمنون على الحبّ، فإذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته) الرسالة، لابن أبي زيد، ص: ٦٦.
(٦) هكذا بالياء المثناة التحتية، وفي البيان والتحصيل، لابن رشد: (تسلف) بالتاء المثناة الفوقية، وأشار إلى أنه في نسختين من مخطوط البيان بالياء كما هي هنا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
من أنه إنّما يخرج مثله يابسًا بالتحري، كبيع الحائط إِذَا أزهى. قال ابن رشد: والفرق بينهما عَلَى ما فِي " الموازية " أن تمر (١) النخل والكرم إنّما يشتريه المشتري ليبسه، فهو ينقص من ثمنه لذلك، بخلاف الفول فإِذَا أعطى المساكين من ثمنه فلم يبخسهم شيئًا. (٢) انتهى.
فانظر عَلَى هذا أعناب لمطة، فإن الغالب فِيهَا أنها لا تشترى للتيبيس، وقد نقل اللخمي عن مالك فِي " الموازية ": أنّ من باع عنبه كلّ يوم وجهل خرصه فإنه يخرج من ثمنه، وهو خلاف ظاهر " المدوّنة "، وأمّا ما لا يصلح للتيبيس كعنب فاس ومكناسة إِذَا بلغ نصابًا، أو أضيف لما يكمّل النصاب فقد اندرج فِي قوله: (وما لا يجف).
وتضَمُّ الْقَطَانِي كَقَمْحٍ، وشَعِيرٍ وسُلْتٍ، وإِنْ بِبُلْدَانِ، إِنْ زُرِعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ حَصَادِ الآخَرِ.
قوله: (وتضَمُّ الْقَطَانِي) زاد فِي البيوع: ومنها كرسنة، وقال ابن عرفة فِي سماع القرينين (٣): إنها من القطاني. ولابن رشد عن ابن حبيب هي جنس. وفِي " المبسوطة " عن ابن وهب ويحيي بن يحيي: لا زكاة فِيهَا، وصوّبه ابن زرقون وابن رشد؛ لأنها علف، وقال ابن الجلاب وأبو محمد فِي " المختصر ": لا زكاة فِي الحلبة (٤).
تنبيهان:
الأول: ذكر ابن الجلاب فِي القطاني البسيلة. قال الباجي: وهي الكرسنة، ولَمْ ينكره ابن عرفة. وفِي " التوضيح " إنكاره بأن البسيلة متفق عَلَيْهَا، وقد اختلف فِي الكرسنة، وقال ابن جماعة فِي " مختصره ": البسيلة هي البسيم (٥)، وقيّدنا عن بعض شيوخنا أنّ هذا النوع المسمى بالبسيلة والبسيم هو المسمى عندنا بكرفالة.
_________________
(١) في (ن ٣): (ثمن)، والمثبت هو الموافق لباقي النسخ؛ ولما لابن رشد.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٤٨٣، ٤٨٤.
(٣) القرينان هما: أشهب وابن نافع.
(٤) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٦٣، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٣٩.
(٥) في (ن ٣): (البيسمة).
[ ١ / ٢٦٣ ]
الثاني: ذكر ابن الجلاب أَيْضًا الماش (١). ابن عرفة: قال أبو عمر فِي " الكافي ": هو حبّ الفجل، وعطف ابن الجلاب (٢) عَلَيْهِ [حبّ] (٣) الفجل، يأباه، وقال بعضهم: هو الجلبان الأخضر المعروف عندنا بتونس بالبسيم، وقال الجوهري: الماش حبّ وهو معرب أو مولّد، ولَمْ يذكره ابن السيّدة، وقال الرازي الطبيب عن ابن جناح (٤): هو حب أصغر من اللوبيا له عين كعينها، رأيته بقرطبة جلب لها من المشرق، وعن غير ابن جناح (٥) هو حب مدور شبه العدس.
فَيُضَمُّ الْوَسَطُ لَهُمَا، لا أَوَّلٌ لِثَالِثٍ.
قوله: (فَيُضَمُّ الْوَسَطُ لَهُمَا) أي: عَلَى البدلية لا عَلَى المعية؛ ولهذا زاد بعده: (لا أَوَّلٌ لِثَالِثٍ)، ولعلّ هذه الزيادة لَمْ تثبت عند من حمل كلام المصنف عَلَى المعية، وأقرب ضابط فِي الباب قول ابن شاس: إن كان الزرع فِي ثلاثة أزمنة، فإن زرع الثالث قبل حصاد الأول ضمّ الكلّ بعضه إِلَى بعض، وإن زرعه بعد حصاده وقبل حصاد الثاني وجبت الزكاة، إن كانت إضافة كل واحد من الطرفين منفردًا إِلَى الوسط تكمل النصاب، ولَمْ تجب إن كان لا يجتمع من مجموعهما معه نصاب.
وفي الوجوب إِذَا كمل النصاب من اجتماع الوسط مَعَ الطرفين جميعًا ولَمْ يكمل بضم أحدهما منفردًا إِلَى الوسط خلاف، وقد أجراه الشيخ أبو الطاهر عَلَى الخلاف فِي خليطي شخص واحد هل يعدّان خليطين أم لا؟. انتهى. وقد استوعب ابن عرفة طرف المسألة فعليك به.
_________________
(١) الذي في التفريع: (الماشر) انظر التفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٥٨. ولم أقف على تعريفٍ له أو استعمال، سوى ما قاله ابن عبد البر في الكافي: (وحب الماشر وحب الفجل) انظر الكافي، ص: ١٠٠، فهو معطوف على حب الفجل كما عند ابن الجلاب، فلعل نسخة المصنف للكافي ليس بها عطف. وفي لسان العرب: (الخُلَّرُ الماشُ، وقد ذكره الشافعي في الحبوب التي تُقْتاتُ). انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٤/ ٢٥٤.
(٢) في (ن ٢): (الحاجب).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٤) في (ن ٣): (نجاح).
(٥) في (ن ٣): (نجاح).
[ ١ / ٢٦٤ ]
لا الْكَتَّانِ، لا لِعَلَسٍ ودُخْنٍ وذُرَةٍ وأُرْزٍ. وهِيَ أَجْنَاسٌ والسِّمْسِمُ، وبِزْرُ الْفُجْلِ، والْقُرْطُمُ كَالزَّيْتُونِ.
قوله: (لا الْكَتَّانِ) كذا فِي سماع ابن القاسم: أن لا زكاة فِي بزر الكتان. قال ابن رشد ولأصبغ فِي " الموازية " أن الزكاة فيه (١).
فروع:
الأول: ألحق اللخمي بذوات الزيوت بزر السلجم (٢) بمصر، والجوز بخراسان لاتخاذ زيتهما للأكل.
الثاني: قال ابن عرفة: المعروف ألا زكاة فِي العسل، وذكر ابن حارث عن ابن وهب وجوبها فيه، فنَقْل القرافي عن سند: لم يختلف المذهب فِي سقوطها فِي العسل (٣)؛ قصور.
الثالث: قال اللخمي فيما يجنى من الجبال وغيرها من زيتون وعنب مما لا مالك له لا زكاة فيه أول مرة، فإن قام عَلَيْهِ وخدمه وأحياه زكّا ما يجنى بعد ذلك؛ [لتملّكه] (٤) بالإحياء.
وَحُسِبَ قِشْرُ الأُرْزِ والْعَلَسِ، ومَا تَصَدَّقَ بِهِ، واسْتَأْجَرَ قَتًَّا، لا أَكْلُ دَابَّةٍ فِي دَرْسِهَا، والْوُجُوبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ، وطِيبِ الثَّمَرِ، فَلا شَيْءَ عَلَى وَارِثٍ قَبْلَهُمَا لَمْ يَصِرْ لَهُ نِصَابٌ والزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَهُمَا.
قوله: (وَحُسِبَ قِشْرُ الأُرْزِ والْعَلَسِ (٥» أشار به لقول القرافي: العلس يختزن فِي قشره كالأرز فلا يزاد فِي النصاب لأجل قشره، [٢١ / أ] وكذلك الأرز قياسًا عَلَى نوى التمر، وقشر الفول والأسفل خلافًا للشافعية. انتهى (٦). وقول من قال أي: يحسبان ليسقطا (٧) غير صحيح.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٤٨٢، ونص المسألة: (.. قال ابن القاسم: قال مالك: وليس في حب بزر الكتان ولا في زيته شيء).
(٢) السلجم هو: اللفت. انظر: لسان العرب: ٢/ ٨٦.
(٣) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٣/ ٧٥.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٥) العَلَس: حَب يؤْكل، وقيل: ضرْب من الحِنطة، وقيل: ضرْب من البُرِّ، وقيل: العَدَس يقال له العَلَس. انظر: لسان العرب: ٦/ ١٤٦.
(٦) انظر: الذخيرة، للقرافي: ٣/ ٨٠.
(٧) في (ن ٣): (يسقطا)، وفي (ن ٤): (يسقطان).
[ ١ / ٢٦٥ ]
إِلا أَنْ يُعْدِمَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي، والنَّفَقَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ بِجُزْءٍ، لا الْمَسَاكِينِ، أَوْ بِكَيْلٍ فَعَلَى الْمَيِّتِ، وإِنَّمَا يُخَرَّصُ التَّمْرُ والْعِنَبُ إِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا.
قوله: (إِلا أَنْ يُعْدِمَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي) يريد إن وجد عنده الساعي الطعام بعينه ثم يرجع المشتري عَلَى البائع بقدر ذلك من الثمن كما فِي " المدوّنة " (١)، إلاّ أن أبا إسحاق التونسي لما علله قال: الأشبه عَلَى هذا أن يضمن المشتري الطعام إِذَا أكله، فانظره.
واخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِمَا نَخْلَةً نَخْلَةً، بِإِسْقَاطِ نَقْصِهَا لا سَقَطِهَا وكَفَى الْوَاحِدُ وإِنِ اخْتَلَفُوا، فَالأَعْرَفُ، وإِلا فَمِنْ كُلٍّ جُزْءٌ.
قوله: (واخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِمَا) ليس بشرط؛ فلو قال لحاجة أهلهما لكان أصوب.
وإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اعْتُبِرَتْ.
قوله: (وإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اعْتُبِرَتْ) ابن عرفة: روى أشهب فِي " المجموعة ": إن فسد كرمه بعد خرصه فلا شئ عَلَيْهِ. ابن القاسم: ولو بقي منه دون نصاب. وعَلَى قول ابن الجهم: يزكّي ما بقى. الباجي: ويُصدّق فِي الجائحة، أبو عمر ما لَمْ يبين كذبه، وإن اتهم أحلف: ابن القاسم: وجائحة ما بيع إن لَمْ توجب رجوعًا ملغاة، وإلا أسقطت زكاة ما أسقطته واعتبر ما بقي. انتهى، وهذه الأخيرة فِي سماع يحيي (٢).
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى تَخْرِيصِ عَارِفٍ فَالأَحَبُّ الإِخْرَاجُ، وهَلْ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوِ الْوُجُوبِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وإِنْ زَادَتْ عَلَى تَخْرِيصِ عَارِفٍ فَالأَحَبُّ الإِخْرَاجُ) سكت عن النقص كابن يونس،
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٣٤٥.وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٧٧، ٤٧٨.
(٢) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٥٠٣، ٥٠٤، ونص المسألة: (سُئل ابن القاسم عن ثمر نخل بيع وفيه خمسة أوسق، وقد وجبت الزكاة فيها على البائع، فأصابتها جائحة تنقصها من الخمسة الأوسق التي كانت الزكاة إنما وجبت على البائع من أجلها، أتوضع الزكاة عن رب الثمرة للجائحة التي نقصتها مما يجب الزكاة في مثله؟ فقال: إن بلغ ما أصاب الثمرة من الجائحة الثلث فأكثر حتى يلزم البائع أن يضع ذلك عن المشتري، سقطت عنه الزكاة بذلك؛ لأن الثمرة قد صارت في البيع إلى ما لا يجب فيه الزكاة، وإن كان ما أصاب الثمرة من الجائحة أقل من الثلث، لم يوضع ذلك عن المشتري، ولم تسقط الزكاة عن البائع؛ لأنه قد باع خمسة أوسق تجب فيها الزكاة، ثم لم يرد من الثمن شيئًا للجائحة، فإذا لم يسقط ثمن الجائحة عنه فالزكاة واجبة عليه) وانظر: الاستذكار، لابن عبد البر: ٣/ ٢٢٣.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فإنه ما ذكر الخلاف إلّا إذ وجد أكثر مما خرص عَلَيْهِ، وذكر ابن الجلاب الخلاف فِي الزيادة ثم قال: فإن نقص الخرص لَمْ تنقص (١) الزكاة (٢)، ومقتضى قوله فِي " الجواهر " وقيل: يلزمه إخراج الزكاة، ولا يصدّق فِي النقص (٣) - أن الخلاف جار فيهما، واعتمده ابن الحاجب فقال: ولو تبين خطأ العارف ففي الرجوع إِلَى ما تبين قَوْلانِ (٤). وأما قوله: والمشهور أنهم إِذَا تركوه فالمعتبر ما وجد. فقال ابن عرفة: لا أعرفة ونحوه فِي " التوضيح "، ولهما مزيد كلام فِي المسألة.
وَأُخِذَ مِنَ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ.
قوله: (وَأُخِذَ مِنَ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ) كذا قال ابن الحاجب: ويؤخذ من الحب كيف كان اتفاقًا (٥). قال فِي " التوضيح " يعني كيف كان طيبًا كله أو رديئًا كله أو بعضه طيبًا وبعضه رديئًا. قال وفِي الاتفاق نظر؛ لقول ابن الجلاب: وتؤخذ الزكاة من وسط الثمار والحبوب المضموم بعضها إِلَى بعض، ولا يؤخذ من أعالي ذلك ولا من أدانيه (٦)، نعم نصّ اللخمي وابن شاس عَلَى ما قاله. انتهى، ولَمْ يزد ابن عرفة عَلَى أن قال: ويؤخذ من الحبّ كيف كان وإن اختلفت أنواعه فمن كلٍ بقدره.
كَالتَّمْرِ نَوْعًا أَوْ نَوْعَيْنِ، وإِلا فَمِنْ أَوْسَطِهَا.
قوله: (كَالتَّمْرِ نَوْعًا أَوْ نَوْعَيْنِ، وإِلا فَمِنْ أَوْسَطِهَا) من الواضح أن هذا التفصيل قاصر عَلَى التمر دون الحبّ الذي قال فيه: (كَيْفَ كَانَ)؛ ولذلك عدل عن النسق للتشبيه عَلَى غالب اصطلاحه كما بيّنا فِي صدر الكتاب، فحَمْلُ كلامه عَلَى ما فهم فِي " التوضيح " عن ابن الجلاب لا يصحّ، والضمير من قوله: (أَوْسَطِهَا) يعود عَلَى الأنواع بدلالة السياق،
_________________
(١) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٣)، و(ن ٤): (تنتقض)، والمثبت عن (ن ١) وهو موافق للمصدر المنقول منه.
(٢) في الأصل، و(ن ٣)، و(ن ٤): الزيادة، والمثبت عن (ن ١)، و(ن ٢) وهو موافق للمصدر المنقول منه، وانظر: التفريع لابن الجلاب: ١/ ١٦٢.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٢٢٢.
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٦١.
(٥) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٦٣.
(٦) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ثم ظاهر كلامه أنّ التمر إِذَا كان نوعًا واحدًا أخذ منه كيف كان جيّدًا أو رديئًا أو وسطًا، وإن كانا نوعين أخذ منهما كيف كانا، وإن لَمْ يكن نوعًا ولا نوعين بل كان أنواعًا أخذ من أوسطها، ولَمْ أر هذا التفصيل عَلَى هذا الوجه لأحد، وإنما المساعد للنقول قول ابن الحاجب: وفِي الثمار، ثالثها المشهور إن كانت مختلفة فمن الوسط، وإن كان واحدًا فمنه (١). وهذا الثالث مذهب الكتاب إلاّ أنه قيّده فِي " التوضيح " فقال: وهذا [إِذَا كانت] (٢) الأنواع متساوية، وإن كان أحدهما أكثر كثرة ظاهره فقال عيسى بن دينار: يؤخذ منه. قال فِي " الجواهر ": ولأشهب: أنه يؤخذ من كلّ واحد قسطه (٣).
واعلم أنه فِي " المدوّنة " إنما ذكر أنه يؤخذ من الوسط مَعَ الاختلاف فِي الثلاثة الأنواع (٤)، وأما إن اختلف النوع عَلَى صنفين فقال فِي " الجواهر ": أخذ من كلّ [صنفٍ] (٥) بقسطه، ولا ينظر إِلَى الأكثر، وقال عيسى: إن كان فِيهَا أكثر أخذ منه. انتهى.
فإن كان يحوم فِي " مختصره " عَلَى ما فهم فِي " توضيحه " عن " الجواهر " فعبارته غير وافية به. وبالجملة فكلامه فِي الكتابين مفتقر إِلَى فضل تأمل فانظره.
تنبيهان:
الأول: قال أبو إسحاق التونسي النظار: لعلّ ابن القاسم أراد أنه متى أخذ من كلّ صنف من التمر ما ينوبه شقّ ذلك لاختلاط (٦) ما فِي الحائط فأخذ من الوسط ولو كان لا مشقّة فِي ذلك لا نبغي أن يأخذ من كلّ صنف بقدره. انتهى فإن لاحظ المصنف هذا فالحقّ النوعين بالنوع لخفتهما، فلفظه يقبله؛ ولكنه خلاف ظاهر إطلاقاتهم.
_________________
(١) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٦٣.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢)
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٢٢١.
(٤) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٣٤٠، وقال في تهذيب المدونة: (وإذا كان الحائط صنفًا واحدًا من أعلى التمر أو أدناه أخذ منه، وإن كان أجناسًا أخذ من أوسطها جنسًا، لا من أدناها) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٧٤ ..
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٦) في (ن ٢)، و(ن ٣): (لاختلاف).
[ ١ / ٢٦٨ ]
الثاني: عند اللخمي أن الزبيب كالحبّ، وعند ابن بشير أنه كالتمر فقبلهما ابن عرفة معًا، ويدل عَلَى الأول رواية ابن نافع: أما الزرع والزبيب فمنه، وقاله عبد الملك (١) كذا نقل ابن يونس (٢) وغيره.
[زكاة النقود]
وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ، ومُجْتَمِعٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وإِنْ لِطِفْلٍ، أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ نَقَصَتْ، أَوْ بِرَدَاءَةِ أَصْلٍ، أَوْ إِضَافَةٍ.
قوله: (وفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا) هذا الدرهم هو المسمى درهم الكيل؛ لأنه تقدّر به مكاييل الشرع من أوقية ورطل [٢١ / ب] ومدّ وصاع، حكاه ابن راشد القفصي عن بعضهم، وقد ذكر المصنّف قدره قبل هذا إذ قال: " كلّ درهم خمسون وخمسًا حبّة من مطلق [الشعير] (٣)، ومنه يعلم أن الدينار اثنتان وسبعون حبّة، إذ الدينار مثل الدرهم، وثلاثة أسباع مثله، والدرهم سبعة أعشار الدينار؛ فإن الدرهم من وزن سبعة كما فِي " الرسالة " (٤).
قال ابن عرفة: وقول العزفي: قول ابن حزم: " وزن الدرهم الشرعي سبعٌ وخمسون حبّة وستة أعشار وعشر العشر، ووزن الدينار اثنتان وثمانون حبّة وثلاثة أعشار حبّة " (٥)، خلاف الإجماع - صواب، واتباع عبد الحقّ يعني: الأزدي صاحب " الأحكام "، وابن شاس وابن الحاجب له وهم (٦)، ومعرفة نصاب كلّ درهم أو دينار غيرهما، يقسّم مسطح عدد النصاب المعلوم وحبّات درهمه أو ديناره عَلَى حبّات المجهول نصابه والخارج النصاب. انتهى.
_________________
(١) في (ن ١) (الحقّ).
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بشير).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٣).
(٤) انظر: الرسالة، لابن أبي زيد، ص: ٦٦.
(٥) انظر: المحلى، لابن حزم: ٥/ ٢٤٦.
(٦) نص ابن الحاجب: (والدرهم سبعة أعشار المثقال، والمثقال اثنتان وثمانون حبّة وثلاثة أعشار حبّة من الشعير المطلق) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٦١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
قلت: فالدرهم الجاري الآن بمدينة فاس، وعملها الذي هو من ضرب ثمانين فِي الأوقية، من الأواقي الفضة الجارية بها، وزنه سبع حبّات من الشعير الوسط وهو نصف سدس مثقال الذهب الجاري بها، فالمثقال إِذًا أربع وثمانون حبّه، فإِذَا أخذ المسطّح القائم من ضرب نصاب الفضة المعلوم فِي حبّاتٍ درهمه، وهو عشرة الألف وثمانون فقسّم عَلَى حبات الدرهم، وهي سبع، كان الخارج ألفًا وأربع مائة وأربعين، وهي مبلغ النصاب بالدرهم الثمانيني المذكور، فإِذَا قسّم عَلَى الثمانين كان الخارج ثماني عشرة أوقية فضية فاسية، فهو النصاب بهذه الأواقي.
وإِذَا أخذ المسطّح القائم من ضرب نصاب الذهب المعلوم فِي حبوب ديناره، وذلك ألف وأربع مائة وأربعين فقسّم عَلَى حبوب المثقال الفاسي، وهي أربع وثمانون، كان الخارج سبعة عشر مثقالًا وسُبع المثقال، وهو نصاب الذهب بالمثاقيل الفاسية.
وكذا أخذنا هذا كلّه عن شيخنا الفقيه الحافظ الحجّة أبي عبد الله القوري، ثم امتحناه فوجدناه صحيحًا. وبالله سبحانه أستعين.
ورَاجَتْ (١) كَكَامِلَةٍ، وإِلا حُسِبَ الْخَالِصُ إِنْ تَمَّ الْمِلْكُ، وحَوْلُ غَيْرِ الْمَعْدِنِ، وتَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِهِ فِي مُودَعَةٍ ومُتَّجَرٍ فِيهَا بِأَجْرٍ لا مَغْصُوبَةٍ، ومَدْفُونَةٍ، وضَائِعَةٍ، ومَدْفُوعَةٍ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ بِلا ضَمَانٍ.
قوله: (ورَاجَتْ كَكَامِلَةٍ) أي: وجازت كجواز الكاملة. الجوهري: " راج الشئ يروج (٢) نفق " انتهى، ومنه قول الحريري:
بلدَةٌ يوجَدُ فِيهَا كُلُّ شئ ويَروجُ
وأطلق الكاملة عَلَى الوازنة الخالصة من الغش، فهو شرط فِي الناقصة وزنًا والمضافة لا فِي الرديئة من أصل المعدن، إذ لا يشترط مسواتها فِي النفاق للجيدة الأصل، وهذا من الإجمال الذي يفرقه ذهن السامع كما أن قوله: (وإِلا حُسِبَ الْخَالِصُ) قاصر عَلَى المضافة.
_________________
(١) في أصل المختصر: (وجازت).
(٢) في (ن ١): (أي) ولعلها إدراج من الناسخ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ولا زَكَاةَ فِي عَيْنٍ فَقَطْ وُرِثَتْ، إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ لَمْ تُوْقَفْ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ بَعْدَ قَسْمِهَا أَوْ قَبْضِهَا، ولا مُوصًى بِتَفْرِقَتِهَا.
قوله: (إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ لَمْ تُوْقَفْ) مفهومه مخالف للمدونة إذ قال: فِيهَا: وإِذَا باع القاضي دارًا لقوم ورثوها، وأوقف الثمن حتى يقسم بينهم، ثم قبضوه بعد أعوام فلا زكاة عليهم فيه إلاّ بعد حولٍ من يوم قبضوه (١).
اللخمي: أسقط الزكاة لمّا كانوا مغلوبين عَلَى تنمية ذلك المال، وإن كانوا عالمين به، وكان موقوفًا بإيقاف القاضي، ثم قال فِيهَا: وكذلك من ورث مالًا بمكانٍ بعيد فقبضه بعد سنين فلستقبل به حولًا بعد قبضه، وإن بعث فِي طلبه رسولًا بإجارة أو بغير إجارة فليحسب له حولًا من يوم قبضه رسوله، فيزكّيه، وإن كان لَمْ يصل إليه بعد (٢).
ابن عرفة: فقوله فِيهَا: إن قبضه رسوله بعد أعوام فحوله من يوم قبضه يدل عَلَى إلغاء علمه به. انتهى.
فقول صاحب " الشامل (٣) ": ولو أقام أعوامًا، أو علم به، أو وقف له عَلَى المشهور؛ أحسن من عبارة المصنّف.
ولا مَالِ رَقِيقٍ ومَدِينٍ، وسَكَّةٍ، وصِيَاغَةٍ، وجودةٍ، وحُلِّيَ وإِنْ تَكَسَّرَ إِنْ لَمْ يَتَهَشَّمْ، ولَمْ يَنْوِ عَدَمَ إِصْلاحِهِ، أَوْ كَانَ لِرَجُلٍ، أَوْ كِرَاءٍ إِلا مُحَرَّمًا، أَوْ مُعَدًّى لِعَاقِبَةٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ مَنْوِيًَّا بِهِ التِّجَارَةُ، وإِنْ رُصِّعَ بِجَوْهَرٍ، وزَكَّى الزِّنَةَ، إِنْ نُزِعَ بِلا ضَرَرٍ، وإِلا تَحَرَّى،، وضُمَّ الرِّبْحُ لأَصْلِهِ كَغَلَّةِ مُكْتَرًى لِلتِّجَارَةِ ولَوْ رِبْحَ دَيْنٍ لا عِوَضَ لَهُ عِنْدَهُ.
قوله: (وَسَكَّةٍ، وصِيَاغَةٍ، وجودةٍ (٤» أمّا السّكة والجودة والصياغة المحرّمة فملغاة باتفاق، وأمّا الصياغة الجائزة فعلى المشهور.
_________________
(١) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١٩، وانظر: والمدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٦٩، ٢٧٠.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١٩، وانظر: والمدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٦٩، ٢٧٠.
(٣) هو كتاب " الشامل في فروع المالكية " لبهرام بن عبد الله، الدميرى، المالكي، المتوفى سنة ٨٠٥ هـ. انظر: كشف الظنون: ٢/ ١٠٢٥.
(٤) قوله: (وسَكَّةٍ، وصِيَاغَةٍ، وجودةٍ) معطوفات على قوله: (ولا زكاة
[ ١ / ٢٧١ ]
ولِمُنْفِقٍ بَعْدَ حَوْلِهِ مَعَ أَصْلِهِ [١٦ / ب] وقت الشِّرَاءِ، واسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ، لا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ مُقْتَنًى.
قوله: (وَلِمُنْفِقٍ بَعْدَ حَوْلِهِ مَعَ أَصْلِهِ وقت الشِّرَاءِ) أي: بعد الشراء، كما عبّر به فِي " المدوّنة " (١) وهو متعلّق بمنفق؛ إذ هو اسم مفعول.
وتُضَمُّ نَاقِصَةٌ وإِنْ بَعْدَ تَمَامٍ لِثَانِيَةٍ أَوْ لِثَالِثَةٍ.
قوله: (وتُضَمُّ نَاقِصَةٌ وإِنْ بَعْدَ تَمَامٍ) أي: وإن نقصت بعد تمام النصاب قبل حولها (٢).
إِلا بَعْدَ حَوْلِهَا كَامِلَةً فَعَلَى حَوْلِهَا.
قوله: (إِلا بَعْدَ حَوْلِهَا كَامِلَةً) أي: إلّا أن تنقص بعد حولها كاملة وفِيهَا مَعَ ما بعدها نصاب
كَالْكَامِلَةِ أَوَّلًا.
قوله: (كَالْكَامِلَةِ أَوَّلًا) أي: كالكاملة لأوّل وهلة بقطع النظر عن غيّرها.
وَإِنْ نَقَصَتَا، فَرَبِحَ فِيهِمَا أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا تَمَامَ نِصَابٍ عِنْدَ حَوْلِ الأُولَى، أَوْ قَبْلَهُ، فَعَلَى حَوْلِهِمَا. قوله: (وإِنْ نَقَصَتَا) أي: رجعتا بعد التمام إِلَى ما لا زكاة فيه كما فِي " المدوّنة " (٣).
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٤٣، ونص التهذيب: (قال ابن القاسم: وإذا مضى لعشرة دنانير عنده حول وأنفق خمسة، ثم اشترى بالخمسة الأخرى سلعة فباعها بخمسة عشر فلا شيء عليه حتى يبيعها بعشرين، وإن كانت النفقة بعد الشراء وباع السلعة بعد ذلك بستة أو أقل أو أكثر بخمسة عشر زكى عن عشرين). انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٣٩٧.
(٢) قال في تهذيب المدونة: (ومن أفاد خمسة دنانير ثم أفاد قبل تمام حولها بيوم من غير ربحها ما فيه الزكاة، أو ما يكون مع الأول فيه الزكاة، فحول المالين من يوم أفاد آخر الفائدتين، فإن كان الأول فيه الزكاة والثاني مما فيه الزكاة أم لا، فكل مال على حوله ما دام في جملتها ما تجب فيه الزكاة، فإن رجعا إلى ما لا زكاة فيه إذا جمعا بطل وقتاهما ورجعا كمال واحد لا زكاة فيه) انظر تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١٣.
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٦٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وَفُضَّ رِبْحُهُمَا، وبَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، والثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهَا وعِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ.
قوله: (وَفُضَّ رِبْحُهُمَا) يريد: إِذَا خلطا، فإن لَمْ يخلطا زكّى كلّ واحد بربح كما قال ابن رشد (١).
أَوْ شَكَّ فِيهِ لأَيِّهِمَا، فَمِنْهُ.
قوله: (أَوْ [شَكَّ فِيهِ لأَيِّهِمَا] (٢» إنما يتصور هذا والله [٢٢ / أ] تعالى أعلم - فِي الناقصتين من أصلهما لا فِي الراجعتين للنقص بعد التمام، ففي كتاب محمد بن سحنون: من أفاد خمسة عشر دينارًا، ثم بعد ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فِيهَا، فربح ستة دنانير، وقسم الربح عَلَى المالين، فناب المال الأول خمسة، فصار ربحه إِلَى ما فيه الزكاة فليزكّه لحوله، والثاني لحوله إن كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول أخرهما، ولو ضمهما حول أخرهما قبل الربح لَمْ يرجعا إِلَى حولين، ويبقى حولهما واحدًا، ولو تجر فِي أحد المالين، فربح فيه ستة دنانير ثم لَمْ يدر أيهما هو، فليزكهما عَلَى حول آخرهما، ولا يفضّه بالشكّ؛ فقد يزكي الأول قبل حوله.
كَبَعْدَهُ، وإِنْ حَالَ حَوْلُهَا فَأَنْفَقَهَا، ثُمَّ حَالَ حَوْلُ الثَّانِيَةِ نَاقِصَةً، فَلا زَكَاةَ، وبِالْمُتَجَدِّدِ عَنْ سِلَعِ التِّجَارَةِ بِلا بَيْعٍ كَغَلَّةِ عَبْدٍ وكِتَابَتِهِ وثَمَرَةِ مُشْتَرًى، إِلا الْمَأْبُورَةَ، والصُّوفَ التَّامَّ. وإِنِ اكْتَرَى وزَرَعَ لِلتِّجَارَةِ زَكَّى، وهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ لَهَا تَرَدُّدٌ لا إِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا لِلتِّجَارَةِ، وإِنْ وجبتْ زَكَاةٌ فِي عَيْنِهَا زَكَّى، ثُمَّ زَكَّى الثَّمَنَ لِحَوْلِ التَّزْكِيَةِ.
قوله: (كَبَعْدَهُ) أي: فينتقل إِلَى حين الربح. والمسألة مبسوطة فِي رسم الثمرة من سماع عيسى (٣).
_________________
(١) انظر المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٥٩.
(٢) في الأصل، و(ن ٤): (بشكٍ لأيهما).
(٣) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٣٨٥: ٣٨٧.
[ ١ / ٢٧٣ ]
[زكاة الدين]
وإِنَّمَا يُزَكَّى دَيْنٌ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ عَيْنًا بِيَدِهِ، أَوْ عَرْضَ تِجَارَةٍ وقُبِضَ عَيْنًا، ولَوْ بِهِبَةٍ. أَوْ إِحَالَةٍ كَمُلَ بِنَفْسِهِ، ولَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ أَوْ بِفَائِدَةٍ جَمَعَهُمَا مِلْكٌ وحَوْلٌ، أَوْ بِمَعْدِنٍ عَلَى الْمَنْقُولِ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ.
قوله: (وَلَوْ بِهِبَةٍ) أي: لغير من هو عَلَيْهِ؛ (١) لأن قبض الموهوب كقبض الواهب، وجعله إغياءً للقبض يدل عَلَى مراده؛ فإن الموهوب للمدين لا قبض لواهب فيه أصلًا.
ولَوْ فَرَّ بِتَأْخِيرِهِ.
قوله: (وَلَوْ فَرَّ بِتَأْخِيرِهِ (٢» هذا الإغياء فِي دين المحتكر، قال ابن عرفة: ولو أخره فارًا ففِيهَا زكاة لعام واحد، وسمع أصبغ ابن القاسم: لكلٍّ عام. انتهى، [فما نسب للمدونة هو] (٣) - والله تعالى أعلم - قوله فِيهَا: ومن له دين عَلَى ملى يقدر عَلَى أخذه منه، أو عَلَى مفلس لا يقدر عَلَى أخذه منه، فأخذه بعد أعوام؛ فإنما عَلَيْهِ زكاة عام واحد. هكذا اختصرها أبو سعيد، وليس بصريح فِي الفرار، وما نسبه لسماع أصبغ كأنه الذي أشار إليه ابن الحاجب بقوله: وعن ابن القاسم ما لَمْ يؤخر قبضه فرارًا وخولف ومخالفة أصبغ راويه، ولكن راجع موضوع هذا السماع فِي الأصل وتأمله (٤).
إِنْ كَانَ عَنْ كَهِبَةٍ أَوْ أَرْشٍ.
قوله: (إِنْ كَانَ عَنْ كَهِبَةٍ أَوْ أَرْشٍ) هذا الشرط أحال المسألة عن وجهها، وقريب منه فِي " التوضيح "؛ وذلك أن الكلام مفروض فيما يزكى لعام واحد مما مضى، فخرج منه للأقسام الأربعة التي ذكر ابن رشد فِي " المقدّمات " فِي دين الفائدة إِذَا أخّر فرارًا (٥).
_________________
(١) قال في تهذيب المدونة: (من كان له على رجل دين له أحوال، وهو قادر على أخذه منه، فوهبه له فلا زكاة فيه على ربه ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إذا لم يكن للموهوب له مال غيره، فإما إن كان له عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا. وقال غيره: عليه زكاته إذا وهب له، كان له مال أو لم يكن) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١٧.
(٢) في (ن ٢)، و(ن ٣): (بتأخره).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٤) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١١، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٢٥٩، وانظر: والبيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ٤١١: ٤١٣، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٤٦.
(٥) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٤٩، ١٥٠.
[ ١ / ٢٧٤ ]
لا عَنْ مُشْتَرًى لِلْقِنْيَةِ، وبَاعَهُ لأَجَلٍ، فَلِكُلٍّ. وعَنْ إِجَارَةٍ أَوْ عَرْضٍ مُفَادٍ قَوْلانِ، وحَوْلُ الْمُتَمِّ مِنَ التَّمَامِ لا إِنْ نَقَصَ بَعْدَ الْوُجُوبِ، ثُمَّ زَكَّى الْمَقْبُوضَ وإِنْ قَلَّ.
قوله: (لا عَنْ مُشْتَرًى لِلْقِنْيَةِ، وبَاعَهُ لأَجَلٍ، فَلِكُلٍّ) أي: لا إن كان الدين عن مشترى بناض عنده للقنية، وباعه لأجل، فأخر قبضه فرارًا فإنه يزكيه لكلِّ عام قاله فِي " المقدمات " ونصّه: " إن كان عن ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية، فهذا إن كان باعه بالنقد لَمْ تجب عَلَيْهِ زكاة حتى يقبضه، ويحول عَلَيْهِ الحول بعد القبض، وإن كان باعه بتأخيره فقبضه بعد حول زكاة ساعة يقبضه، وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة زكّاه لما مضى من الأعوام، ولا خلاف فِي وجه من وجوه هذا القسم (١). انتهى.
وهو غريب، وقد نبّه الشيخ أبو الحسن الصغير عَلَى أنه خلاف ظاهر كلام ابن يونس، بل خلاف ظاهر قوله فِي " المدوّنة ": وإن كانت عروضًا أفادها بما ذكرنا، أو اشتراها للقنية دارًا كانت أو غيرها فقبضها، ثم باعها بعد أحوال فمطل بالثمن سنين، فلا زكاة عَلَيْهِ فِيهَا، ولا فِي ثمنها حتى يقبض الثمن، ثم يستقبل به حولًا بعد قبضه، فيزكّيه لعام واحد (٢). إذ ظاهره باع العروض بالنقد أو بالتأجيل، وأنه يستقبل الحول فيهما.
وأما عدم قصد الفرار فيدل عَلَيْهِ قوله: مطل فبحثه فِي ذلك [فِي " التوضيح "] (٣) ضعيف، وقد قبل ابن عرفة قول ابن رشد، وجعله فِي المؤجّل طريقة تقابل طريقة اللخمي فقال: وحول ثمن عرض القنية الحال من يوم قبضه اتفاقًا، وفِي المؤجّل طريقتان:
الأولى للخمي: فِي كونه كذلك أو من يوم بيعه قَوْلانِ: الأول: للمشهور، والثاني لابن الماجشون والمغيرة.
الطريقة الثانية لابن رشد: إن ملك بغير شراء بناض فالقَوْلانِ، فان أخره فرارًا تخرّج عَلَى القولين، وزكاته لكلّ عام عَلَى قولين وإن ملك بشراء بناض فحوله من يوم بيع، وإن أخّره فرارًا زكّاه لكلّ عام اتفاقًا.
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٥٠.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤١٦، وانظر: والمدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٢٥٧.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وإِنِ اقْتَضَى دِينَارًا فَآخَرَ فَاشْتَرَى بِكُلًّ سِلْعَةً، بَاعَهَا بِعِشْرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا مَعًا أَو إحداهُمَا بَعْدَ شِرَاءِ الأُخْرَى زَكَّى الأَرْبَعِينَ، وإِلا أَحَدًا وعِشْرِينَ، وضُمَّ لاخْتِلاطِ أَحْوَالِهِ آخِرٌ لأَوَّلَ، عَكْسُ الْفَوَائِدِ، والاقْتِضَاءُ لِمِثْلِهِ مُطْلَقًا، والْفَائِدَةُ لِلْمُتَأَخِّرِ مِنْهُ، فَإِنِ اقْتَضَى خَمْسَةً بَعْدَ حَوْلٍ، ثُمَّ اسْتَفَادَ عَشَرَةً وأَنْفَقَهَا بَعْدَ حَوْلِهَا، ثُمَّ اقْتَضَى عَشَرَةً زَكَّى الْعِشْرِينَ، والأُولَى إِنِ اقْتَضَى خَمْسَةً.
قوله: (وإِنِ اقْتَضَى دِينَارًا فَآخَرَ) المسألة اقتصر فِيهَا عَلَى ما عند ابن الحاجب (١)، وقد نوّعها ابن عرفة إِلَى أحدى عشرة صورة، وحرر عزو الأقوال فِيهَا، فعليك به إن كنت فارغ السرّ (٢).
[زكاة العروض]
وَإِنَّمَا يُزَكَّى عَرْضٌ لا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ. مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ بِنِيَّةِ تَجْرٍ أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ أَوْ قِنْيَةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، والْمُرَجَّحِ، لا بِلا نِيَّةٍ، أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ هُمَا.
قوله: (عَلَى الْمُخْتَارِ، والْمُرَجَّحِ) يرجّح للتجر مَعَ القنية كما فِي " التوضيح "، وأمّا التجر مَعَ الغلة فهذا الحكم فيه أبين، فكأنه قطع به من غير أن يحتاج للاستظهار بقول من اختاره، وهو اللخمي، وأما ابن يونس فلم يذكره أصلًا.
أَوْ كَانَ كَأَصْلِهِ، أَوْ عَيَنًا وإِنْ قَلَّ.
قوله: (أَوْ كَانَ كَأَصْلِهِ) هذا عكس التشبيه، والوجه أن يقول: وكان أصله كهو (٣).
وَبِيعَ بِعَيْنٍ، وإِنْ لاسْتِهْلاكٍ فَكَالدَّيْنِ، إِنْ رَصَدَ بِهِ السُّوقَ، وإِلا زَكَّى عَيْنَهُ ودَيْنَهُ النَّقْدَ الْحَالَّ الْمَرْجُوَّ، وإِلا قَوَّمَهُ، ولَوْ طَعَامَ سَلَمٍ كَسِلْعَةٍ ولَوْ بَارَتْ، لا إِنْ لَمْ يَرْجُهُ، أَوْ كَانَ قَرْضًا، وتُؤُوِّلَتِ [الْمُدَوَّنَةُ] (٤) أَيْضًا بِتَقْوِيمِ الْقَرْضِ، وهَلْ حَوْلُهُ لِلأَصْلِ، أَوْ وَسَطٍ مِنْهُ ومِنَ الإِدَارَةِ؟ تَأْوِيلانِ ثُمَّ زِيَادَتُهُ مُلْغَاةٌ، بِخِلافِ حَلْيِ التَّحَرِّي.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٤٦.
(٢) نقل الصور الإحدى عشر الحطاب ﵀ في: مواهب الجليل فطالعها هناك: ٣/ ١٧٧.
(٣) استحسن الحطاب هذا من المؤلف، وقال إنه ظاهر، ثم نقل كلام بهرام وعلّق عليه بأنه خلاف مشهور المذهب. انظر: مواهب الجليل: ٢/ ٣١٩.
(٤) زيادة من المطبوعة، ويغني عنه قوله: (وتؤولت) فهي مصطلح المصنف على المدونة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قوله: (إِنْ رَصَدَ بِهِ السُّوقَ) [٢٢ / ب] لا خفاء (١) إن هذا الشرط خاص بقوله: " فكالدين " بخلاف ما قبله من الشروط كنية التجر فإنها تعمّ عروض الحكرة والإدارة.
والْقَمْحُ والْمُرْتَجَعُ مِنْ مُفَلِّسٍ، والْمُكَاتَبُ يَعْجِزُ كَغَيْرِهِ، وانْتَقَلَ الْمَدَارُ لِلاحْتِكَارِ، [١٧ / أ] وهُمَا لِلْقِنْيَةِ بِالنِّيَّةِ لا الْعَكْسُ، ولَوْ كَانَ أَوَّلًا لِلتِّجَارَةِ، ولَوِ اجْتَمَعَ إِدَارَةٌ واحْتِكَارٌ وتَسَاوَيَا، أَوِ احْتُكِرَ الأَكْثَرُ، فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ، وإِلا فَالْجَمِيعُ لِلإِدَارَةِ، ولا تُقَوَّمُ الأَوَانِي، وفِي تَقْوِيمِ الْكَافِرِ لِحَوْلٍ مِنْ إِسْلامِهِ أَوِ اسْتِقْبَالِهِ بِالثَّمَنِ قَوْلانِ.
قوله: (وَالْقَمْحُ والْمُرْتَجَعُ مِنْ مُفَلِّسٍ، والْمُكَاتَبُ يَعْجِزُ كَغَيْرِهِ) ظاهر أن القمح (٢) غير مقصود لذاته، وأنه كقول ابن الحاجب: والقمح ونحوه عرض بخلاف نصاب الماشية (٣). والمراد: أن الحبوب والثمار التي تتعلّق الزكاة بعينها بمنزلة غيرها من العروض فِي أحكام الحكرة والإدارة.
وفي بعض النسخ: والفسخ عوض القمح، والمراد به ما فسخ بيعه من السلع فرجع لبائعه.
والْقِرَاضُ الْحَاضِرُ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ، إِنْ أَدَارَا.
قوله: (والْقِرَاضُ الْحَاضِرُ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ، إِنْ أَدَارَا) هذا أحد القولين فِي الحاضر عند اللخمي وغيره، ولَمْ يذكره ابن رشد أصلًا، وإنما قال فِي " المقدمات ": لا زكاة عَلَيْهِ حتى يقبض المال ويتفاضلا، وإن أقام (٤) أحوالًا، ونسبه لكتاب القراض من سماع أبي زيد، ومن [" المدوّنة "] (٥) ومن سماع عيسى و" الواضحة "، ثم قال: فإِذَا رجع إليه ماله بعد أعوام زكّى لكلّ سنة قيمة ما كان بيده من المتاع، وذكر نحو ما بعد هذا فِي الغائب (٦).
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (خلاف).
(٢) في (ن ١): (الحكم).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٤٧.
(٤) نصّ المقدمات: (قام) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٦٠.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٦٠، وله بدل: (يقبض المال) (ينض المال).
[ ١ / ٢٧٧ ]
أَوِ الْعَامِلُ مِنْ غَيْرِهِ، وصَبَرَ إِنْ غَابَ فَيُزَكَّى لِسَنَةِ الْفَضْلِ مَا فِيهَا، وسَقَطَ مَا زَادَ قَبْلَهَا، وإِنْ نَقَصَ فَلِكُلٍّ مَا فِيهَا، وأَزْيَدَ وأَنْقَصَ قُضِيَ بِالنَّقْصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قوله: (أَوِ الْعَامِلُ) أي: أو أدار العامل وحده وهو مساعد [لما] (١) ذكر قبل فِي اجتماع إدارة واحتكار، بخلاف إطلاقه فيما يأتي.
وَإِنِ احْتَكَرَا، أَوِ الْعَامِلُ فَكَالدَّيْنِ، وعُجِّلَتْ زَكَاةُ مَاشِيَةِ الْقِرَاضِ مُطْلَقًا، وحُسِبَتْ عَلَى رَبِّهِ وهَلْ عَبِيدُهُ كَذَلِكَ، أَوْ تُلْغَى كَالنَّفَقَةِ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وإِنِ احْتَكَرَا، أَوِ الْعَامِلُ فَكَالدَّيْنِ) أفاد هذا التشبيه فائدتين:
إحداهما: أنه لا يزكّي قبل رجوعه ليدّ ربّه بانفصال، ولو نصّ بيد العامل خلافًا لإلزام اللخمي. والثانية: أنه إنما يزكّي بعد الانفصال لسنة واحدة وعَلَيْهِ اقتصر فِي " المقدّمات " (٢)، وإمّا إطلاقه فِي احتكار العامل فغير مطابق لما قدّم فِي اجتماع إدارة وحكرة، وعَلَى ذلك أجرى ابن محرز وأبو اسحاق التونسي الحكم فِي إدارة أحدهما واحتكار الآخر، ولابن بشير وابن عبد السلام وابن هارون وابن عرفة فِي ذلك مباحث يوقف عَلَيْهَا فِي محالّها.
وَزُكِّيَ رِبْحُ الْعَامِلِ، وإِنْ قَلَّ إِنْ أَقَامَ بِيَدِهِ حَوْلًا، وكَانَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِلا دَيْنٍ، وحِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ نِصَابٌ وفِي كِوْنِهِ شَرِيكًا أَوْ أَجِيرًا خِلافٌ، ولا تَسْقُطُ زَكَاةُ حَرْثٍ ومَعْدِنٍ ومَاشِيَةٍ بِدَيْنٍ، أَوْ فَقْدٍ، أَوْ أَسْرٍ، وإِنْ سَاوَى مَا بِيَدِهِ، إِلا زَكَاةَ فِطْرٍ عَنْ عَبْدٍ عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
قوله: (وزُكِّيَ رِبْحُ الْعَامِلِ) أي: وزكّى العامل ربحه، وحمل كلامه عَلَى القول بأن ما يخص العامل من الربح يزكّيه ربّ المال غير صحيح، والشروط المذكورة تأبي ذلك، وفيه ثلاثة أقوال مستوفاة فِي " المقدّمات " (٣).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٦٠.
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٥٧، ١٥٨.
[ ١ / ٢٧٨ ]
فرع:
في " النوادر " عن سحنون: إن تمّ حول مال القراض بيد العامل ولَمْ يشغل بعضه زكّى مكانه.
بِخِلافِ الْعَيْنِ. ولَوْ دَيْنَ زَكَاةٍ، أَوْ مُؤَجَّلًا.
قوله: (بِخِلافِ الْعَيْنِ) أي: فإن الفقد والأسر والدين مسقطات لزكاتها.
أَوْ كَمَهْرٍ أَوْ نَفَقَةِ زَوْجَةٍ مُطْلَقًا، أَوْ ولد إِنْ حُكِمَ بِهِ.
قوله: (أَوْ كَمَهْرٍ) هذا مذهب " المدوّنة " (١) خلافًا لابن حبيب
فإن قلت: ما الذي يدخل تحت كاف التشبيه؟
قلت: قال ابن عبد السلام: ربما كان هذا المعنى فِي بعض الديون للزوجة أو للأبّ عَلَى الولد مما لا يطلب إلا عند موت أو مشارة؛ لكن قال ابن عرفة: وجعل ابن بشير وتابعه متعلّق القولين الدين المعتاد بقاؤه فِي الذمة إِلَى الأجل البعيد، [كالمهر] (٢) يقتضي وجود القول الثاني فِي غير المهر ولا أعرفه، وقول ابن رشد وغيره: المهر تحلّة نحلة لا عن عوض يمنع لحوق دين غيره به انتهى.
وتابع ابن بشير هنا هو ابن الحاجب دون ابن شاس.
وَهَلْ إِنْ [لم] (٣) يتَقَدَّمَ يُسْرٌ؟ تَأْوِيلانِ، أَوْ وَالِدٍ بِحُكْمٍ إِنْ تَسَلَّفَ لا بِدَيْنِ كَفَّارَةٍ أَوْ هَدْيٍ.
قوله: (وهَلْ إِنْ لم يتقَدَّمَ يُسْرٌ؟ تَأْوِيلانِ) ذكرهما عبد الحقّ فِي النكت (٤).
_________________
(١) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٧٥، قال فيها: (لو أن رجلا كانت في يديه مائة دينار ناضة فحال عليها الحول، وعليه مائة دينار دينًا مهرًا لامرأته أيكون عليه فيما في يديه الزكاة؟ فقال: لا. قلت: وهو قول مالك).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) نقل كلام عبد الحق الحطاب في مواهب الجليل: ٢/ ٣٢٩، ونصه: (والمعنى إن لم يحكم بنفقته فهل لا تسقط مطلقًا وهو تأويل عبد الحق، أو لا تسقط إلا إن حدث عسر بعد يسر، وهو تأويل بعض شيوخه).
[ ١ / ٢٧٩ ]
إِلا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مُعَشَّرٌ زُكِّيَ، أَوْ مَعْدِنٌ، أَوْ قِيمَةُ كِتَابَةٍ، أَوْ رَقَبَةُ مُدَبَّرٍ، أَوْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ مُخْدَمٍ، أَوْ رَقَبَتِهِ لِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ، أَوْ عَدَدُ دَيْنٍ حَلَّ، أَوْ قِيمَةُ مَرْجُوٍّ.
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ [عِنْدَهُ مُعَشَّرٌ] (١) زُكِّيَ) أي: فأحرى إن لَمْ يزك، وفِي معنى المعشر (٢) الماشية، فلو قال: إلا أن يكون عنده نعم أو معشر (٣) وإن زكّيا، كان أبين وشمل.
أَوْ عَرْضٌ حَلَّ حَوْلُهُ إِنْ بِيعَ، وقُوِّمَ وَقْتَ الْوُجُوبِ عَلَى مُفْلِسٍ، لا آبِقٌ وإِنْ رُجِيَ، أَوْ دَيْنٌ لَمْ يُرْجَ.
قوله: (إِنْ بِيعَ، وقُوِّمَ وَقْتَ الْوُجُوبِ عَلَى مُفْلِسٍ) وجه الكلام: إن بيع عَلَى مفلس وقوّم وقت الوجوب، وإنما حرّفه ناسخ المبيضة، وكثيرًا ما يقع له مثل هذا. والله تعالى أعلم.
وإِنْ وُهِبَ الدَّيْنُ أَوْ مَا يُجْعَلُ فِيهِ، ولَمْ يَحِلَّ حَوْلُهُ أَوْ مَرَّ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسَهُ بِسِتِّينَ دِينَارًا ثَلاثَ سِنِينَ حَوْلٌ، فَلا زَكَاةَ أَوْ مَدِينُ مِائَةٍ، لَهُ مِائَةٌ مُحَرَّمِيَّةٌ، ومِائَةٌ رَجَبِيَّةٌ يُزَكِّي الأُولَى.
قوله: (ولَمْ يَحِلَّ حَوْلُهُ) ينطبق عَلَى هبة الدين، وهبة ما يعجل فيه، وإنما أفرده لأن العطف بأو.
وَزُكِّيَتْ عَيْنٌ وُقِفَتْ لِلسَّلَفِ.
قوله: (وَزُكِّيَتْ عَيْنٌ وُقِفَتْ لِلسَّلَفِ) كذا فِي كتاب الزكاة الثاني من " المدوّنة " (٤).
كَنَبَاتٍ.
قوله: (كَنَبَاتٍ) هو كقوله فِي " المدوّنة ": وتؤدى الزكاة عَلَى الحوائط المحبسة فِي سبيل الله، أو عَلَى قومٍ بأعيانهم أو بغير أعيانهم (٥).
_________________
(١) في (ن ١): (عنده مشعر)، وفي (ن ٢): (معشر عنده).
(٢) في (ن ١): (المشعر).
(٣) في (ن ١): (مشعر).
(٤) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٣٤٣، ونصها بتصرف: (قيل لمالك ﵀: لو أن رجلا حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها على ذلك جعلها حبسًا هل ترى فيها الزكاة؟ فقال: نعم أرى فيها الزكاة).
(٥) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٧٦، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٣٤٣.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَحَيَوَانٍ، ونَسْلِهِ.
قوله: (وحَيَوَانٍ، ونَسْلِهِ) هو كقوله فِي " المدوّنة ": ومن حبس إبلًا فِي سبيل الله ليحمل عَلَيْهَا أو عَلَى نسلها ففي ذلك الزكاة، ثم قال: وإن أوقف الدنانير أو الماشية لتفرّق فِي سبيل الله أو عَلَى المساكين أو لتباع الماشية ويفرّق الثمن فلا زكاة فيما أدرك الحول من ذلك (١).
عَلَى مَسَاجِدَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ.
قوله: (عَلَى مَسَاجِدَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ (٢» يعني فإِذَا وقف النبات عَلَى مساجد أو قومٍ غير معينين كالفقراء وبني تميم زكي عَلَى ملك ربه المحبس له، سواء [٢٣ / أ] تولى تفرقته بنفسه أم لا، حصل لكلّ مسجد أو لكلّ شخص نصاب أم لا، إِذَا كان المجموع نصابًا بخلاف ما بعده.
تكميل: قال ابن عرفة: وفيما [حبس] (٣) عَلَى المساجد طرق. التونسي: ينبغي زكاتها عَلَى ملك ربها، فتضاف لأصل ماله. اللخمي: قول مالك زكاتها عَلَى ربّها للعمل، والقياس، قول مكحول لا زكاة فِيهَا؛ لأن الميّت لا يملك، والمسجد لا زكاة عَلَيْهِ ككونها لعبد. أبو حفص: لو حبس جماعة كل واحد نخلات عَلَى مسجد، فإن بلغ مجموعها نصابًا زكي. انتهى.
وقول التونسي تضاف لأصل ماله يريد إِذَا كان حيًّا كالمسألة المذكورة فِي " المقدّمات " (٤)، وقد أغفل ابن عرفة قول عبد الحقّ فِي " التهذيب ": أعرف فِي المال الموقوف لإصلاح
_________________
(١) انظر: السابق، ونص المدونة فيه: (قلت لمالك فرجل جعل إبله له في سبيل الله يحبس رقابها ويحمل على نسلها، أتؤخذ منها الصدقة كما تؤخذ من الإبل التي ليست بصدقة؟ قال: نعم فيها الصدقة. . . قلت له: فلو أن رجلا جعل مائة دينار في سبيل الله تفرق أو على المساكين، فحال عليها الحول هل تؤخذ منها الزكاة؟ فقال: لا هذه كلها تفرق، وليست مثل الأولى).
(٢) في (ن ١): (غيره).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٥١.
[ ١ / ٢٨١ ]
المساجد والغلات المحبّسة فِي مثل هذا اختلافًا بين المتأخرين فِي زكاة ذلك، والصواب عندي أن لا زكاة فِي كلّ شئ يوقف عَلَى ما لا عبادة عَلَيْهِ من مسجد ونحوه. انتهى، وقد نقله صاحب " الجواهر " (١) و" التقييد ".
كَعَلَيْهِمْ، إِنْ تَوَلَّى الْمَالِكُ تَفْرِقَتَهُ.
قوله: (كَعَلَيْهِمْ، إِنْ تَوَلَّى الْمَالِكُ تَفْرِقَتَهُ) أدخل أداة الجرّ عَلَى أداة الجرّ؛ إيثارًا للاختصار، ومثله قول الشاعر:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بّعْدَما تَمَّ ظَمَؤهَا تَصِلُ وعَنْ فَيْضِ بزيزاء مجهل (٢)
والضمير فِي (عليهم) يعود عَلَى المعينين، والمعنى: كالموقوف عَلَى قوم معينين كزيد وعمر وخالد إِذَا تولى المالك تفرقته بنفسه، فإنه أَيْضًا يزكى عَلَى ملكه، وإن لَمْ ينب كل واحد منهم نصابًا، والشرط مقصور عَلَى ما بعد الكاف عَلَى غالب اصطلاحه، الذي نبهنا عَلَيْهِ فِي صدر الكتاب.
وَإِلا إِنْ حَصَلَ لِكُلٍّ نِصَابٌ.
قوله: (وإِلا إِنْ حَصَلَ لِكُلٍّ نِصَابٌ) أي: وإن لَمْ يتول المالك تفرقته زكّى إن حصل لكل واحد من المعينين نصاب، وهذه طريقة اللخمي.
وَفِي إِلْحَاقِ وَلَدِ فُلانٍ بِالْمُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ قَوْلانِ.
قوله: (وفِي إِلْحَاقِ وَلَدِ فُلانٍ بِالْمُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ قَوْلانِ) أي: فمن ألحقهم بالمعينين فصّل، ومن ألحقهم بغيرهم لَمْ يفصّل عَلَى ما تقدّم فيهما، فتفريع القولين عَلَى القسمين فِي غاية المناسبة، وليس بمستغنى عنه كما قيل، وعليك بـ " المقدمات " فقد أتقن فِيهَا هذا الباب (٣).
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ٢١٣.
(٢) البيت: لمزاحم العقيلي، انظر: أدب الكاتب، لابن قتيبة، ص: ٥٣٥.
(٣) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ١٥١، وما بعدها.
[ ١ / ٢٨٢ ]
[زكاة المعادن]
وَإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنُ عَيْنٍ، وحُكْمُهُ لِلإِمَامِ، ولَوْ بِأَرْضِ مُعَيَّنٍ، إِلا مَمْلُوكَةٍ لِمَصَالِحَ فَلَهُ، وضُمَّ بَقِيَّةُ عِرْقِهِ، وإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ، لا مَعَادِنُ ولا عِرْقٌ آخَرُ، وفِي ضَمِّ فَائِدَةٍ حَالَ حَوْلُهَا وتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ تَصْفِيَتِهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنُ عَيْنٍ) هو نصّ " المدوّنة " (١)؛ فنقله عن " التبصرة " و" الطراز " قصور.
وجَازَ دَفْعُهُ بِأُجْرَةٍ غَيْرِ نَقْدٍ، وعَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ، واعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ، وبِجُزْءٍ كَالْقِرَاضِ قَوْلانِ.
قوله: (وجَازَ دَفْعُهُ بِأُجْرَةٍ غَيْرِ نَقْدٍ، وعَلَى [أَنَّ] (٢) الْمُخْرَجَ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ) صوابه كما قيل (٣): وجاز دفعه بأجرة وبكراء بغير نقد، عَلَى أن المخرج للمدفوع له، وأقرب منه وجاز دفعه بأجرة، وبغير نقد عَلَى [أن] (٤) المخرج للمدفوع له، ولعلّ المصنف كذلك قاله، فحوّل الناسخ الواو عن محلّها، والتصوّر بعد الإصلاح ظاهر.
وَفِي نَدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ، وهُوَ، دِفْنُ جَاهِلِيٍّ وإِنْ بِشَكٍّ - أَوْ قَلَّ، أَوْ عَرْضًا، أَوْ [١٦ / ب] وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، إِلا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ، أَوْ عَمَلٍ فِي تَخْلِيصِهِ فَقَطْ، فَالزَّكَاةُ.
قوله: (إِلا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ، أَوْ عَمَلٍ فِي تَخْلِيصِهِ فَقَطْ، فَالزَّكَاةُ) هذه عبارة غير محررة، ويظهر ذلك بالوقوف عَلَى نصّ " المدوّنة " وكلام الناس عَلَيْهَا، ففي " المدوّنة ": الرِّكاز
_________________
(١) معدن العين هو الذهب والفضة، وقد نص مالك على أنه لا زكاة في مثل اللؤلؤ والجوهر والمسك والعنبر والفلوس ومعادن النحاس والرصاص والزرنيخ والحديد وما أشبه هذه المعادن. انظر: المدوّنة، لابن القاسم ٢/ ٢٩٢.، وقال في تهذيب المدونة، للبراذعي: (ولا زكاة فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزنه ما تجب فيه الزكاة فيزكيه) وقال بعده: (ولا زكاة في معادن النحاس والرصاص والحديد والزرنيخ. .وشبهه) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٣٥، ٤٣٦.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) لعل المؤلف يشير لكلام المواق في ذات المسألة إذ قال: (لَوْ قَالَ وجَازَ دَفْعُهُ بِأُجْرَةٍ وبِكِرَاءٍ بِغَيْرِ نَقْدٍ عَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ وبِجُزْءٍ كَالْقِرَاضِ قَوْلَانِ، واعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرَ) انظر: التاج والإكليل، للمواق: ٢/ ٣٣٨.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ١ / ٢٨٣ ]
دفن الجاهلية [ما لَمْ يطلب بمال] (١)، وفيه الخمس، قال مالك: ناله بعمل أو بغير عمل، وقال أَيْضًا مالك فِي موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون فِي الرِّكاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لَمْ يطلب بمال، ولَمْ يتكلّف فيه كبير عمل، فأمّا ما طلب بمال، وتكلّف فيه كبير عمل، فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز، وهو الأمر عندنا (٢) انتهى.
فقال عياض: فِي هذا حمله بعضهم عَلَى الخلاف لما قبله فِي الرِّكاز، وحمله بعضهم [على] (٣) أن كلامه فِي هذا إنما هو فِي المعدن لا فِي الرِّكاز، وأنّه لا يختلف فِي الرِّكاز كيف قيل إن فيه الخمس. انتهى.
وعَلَى الخلاف حمله اللخمي، فمعنى قوله عَلَى هذا: فليس بركاز أي: حكمًا، وأمّا تسمية الرِّكاز فباقية عَلَيْهِ، غير أنه يزكى ولا يخمّس، وعَلَى الوفاق حمله ابن يونس، وأنه إنما أراد أن يبين صورة الرِّكاز وصورة المعدن حسبما فِي التقييد.
ولما اختصر ابن الحاجب المسألة قال: وأما الرِّكاز فعلماء المدينة أنه دفن الجاهلية، يوجد بغير نفقة ولا كبير عمل، فإن كان أحدهما فالزكاة (٤). انتهى.
وهل هو مَعَ أحدهما ركاز أو معدن؟ حرره ابن عبد السلام فقال: يعني أن علماء المدينة يفسرون الرِّكاز بما ذكر، وهو معنى ما فِي " الموطأ " (٥) و" المدوّنة "؛ لكن (٦) معناه عند شيوخ المذهب أن النفقة والعمل الكبير هما نفقة الحفر و[التصفية، لا نفقة الحفر خاصة] (٧)، وذلك خاصٌ بالمعدن.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ١)، و(ن ٤)، وانظر نص المدوّنة: ٢/ ٢٩٣.
(٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ٤٣٧، وانظر: المدوّنة، لابن القاسم: ٢/ ٢٩٣.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٥٣، وله بدل (علماء) (عالم).
(٥) لفظ الموطأ: (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ثم في الركاز الخمس " قال مالك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولونه أن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤونة، فأما ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز) الحديث أخرجه مالك في الموطأ برقم (٥٨٥) كتاب الزكاة، باب زكاة الركاز. وانظر المدونة: ٢/ ٢٩٣.
(٦) في الأصل، و(ن ١): (لأن).
(٧) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
[ ١ / ٢٨٤ ]
والحاصل أنهم ميّزوا المعدن بلازمه وهو كثرة العمل، وقال بعضهم: إن التحديد بهذا دليل عَلَى إخراج الندرة عن المعدن فِي الحكم، وإلحاقها بالرِّكاز. انتهى.
فأنت تري ابن عبد السلام [٢٣ / ب] قد سلك مسلك من حمل " المدوّنة " عَلَى الوفاق مستدلًا باعتبارهم التصفية الخاصة بالمعدن، فإن الدفين لَمْ تتخلل أجزاءه تراب فيحتاج إِلَى تصفية، وبهذا يظهر لك ما فِي عبارة المصنف من الإشكال؛ فإنه فرض الكلام فِي الرِّكاز، وشرط أن تكون المؤونة في التخليص الذي هو التصفية، وحمل الاستثناء عَلَى الانقطاع حتى يرجع للمعدن تعسّف، ويوجد فِي بعض النسخ فِي تحصيله عوض تخليصه وهو أمثل، وإن كان كالحشو (١).
وأما قوله: (فقط) فإن كان راجعًا لتخليصه فقد علمت ما فيه، وأما إن كان [راجعًا لكبير النفقة والعمل معا فهو كالحشو، وإن كان] (٢) راجعًا لأحدهما لا بعينه من حيث العطف بأو فهو مساعد لما فِي " التوضيح " من أنهما غير متلازمين؛ إذ قد يعمل مدة طويلة هو وعبيده ولا ينفق نفقة كثيرة.
وقال ابن عبد السلام: المعتبر إما النفقة وإما كبير العمل، وأحرى إِذَا اجتمعا، عَلَى أنهما متلازمان. وقال ابن عرفة: لفظ " المدوّنة " الأخير كالموطأ: ما طُلب بمالٍ وكبير عمل فغير رِّكاز عطفًا بالواو، ويتعارض مفهومًا نفيهما معًا وأثباتهما معا، ونقلْ اللخمي الأخير معطوفًا بأو وعَلَيْهِ قول ابن الحاجب: إن كان أحدهما فالزكاة (٣).
وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ، والطَّلَبُ فِيهِ، وبَاقِيهِ لِمَالِكِ الأَرْضِ، ولَوْ جَيْشًا، وإِلا فَلِوَاجِدِهِ، إِلا (٤) دِفْنَ الْمُصَالِحِينَ. فَلَهُمْ إِلا أَنْ يَجِدَهُ رَبُّ دَارٍ بِهَا فَلَهُ ودِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ، ومَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ، فَلِوَاجِدِهِ بِلا تَخْمِيسٍ.
_________________
(١) تابع الحطاب والدردير المؤلف في إشارته تلك؛ دون أن يعبرا بالحشو.
(٢) زيادة من (ن ١)، و(ن ٣).
(٣) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٥٣.
(٤) في أصل المختصر لدينا والمطبوعة: (وإلا).
[ ١ / ٢٨٥ ]
قوله: (إِلا دِفْنَ الْمُصَالِحِينَ) هكذا فِي بعض النسخ بالاستثناء من غير واو؛ ولا يصحّ غيره؛ لأن [إلّا] (١) الاستثنائية لا تعطف عَلَى المركّبة من شرطٍ ونفيٍ (٢).
[فصل فِي مصارف الزكاة]
ومَصْرِفُهَا فَقِيرٌ، ومِسْكِينٌ وهُوَ أَحْوَجُ، وصُدِّقَا، إِلا لِرَيْبَةٍ، إِنْ أَسْلَمَ وتَحَرَّرَ، وعَدِمَ كِفَايَةً بِقَلِيلٍ أَوْ إِنْفَاقٍ أَوْ صَنْعَةٍ، وعَدَمَ بُنُوَّةٍ لِهَاشِمٍ والْمُطَّلِبِ (٣).كَحَسْبٍ عَلَى غَرِيمٍ، وجَازَ لِمَوْلاهُمْ وقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ، ومَالِكِ نِصَابٍ، ودَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وكِفَايَةِ سَنَةٍ.
قوله: (وعَدَمَ بُنُوَّةٍ لِهَاشِمٍ والْمُطَّلِبِ) مثله فِي " قواعد " عياض، وقال فِي " الإكمال ": قال الشافعي: آله ﷺ هم: بنو هاشم، ويدخل مدخلهم بنو المطلب أخو هاشم دون سائر بني عبد مناف؛ لقوله ﵇: " نحن وبنو المطلب شئ واحد " (٤)، ولقسم النبي - ﵇ - لهم مَعَ بني هاشم سهم ذوي القربى دون غيرهم، ونحى إِلَى هذا بعض شيوخ المالكية. انتهى. وهو غريب فِي المذهب حتى إن ابن عرفة لَمْ يذكره بخصوصه إذ قال: وفِي الآل أربعة:
ابن القاسم ومالك وأكثر أصحابه: بنو هاشم.
عياض عن أشهب بنو قصي (٥).
الباجي واللخمي وابن رشد عنه: بنو غالب.
عياض وقيل: كل قريش. انتهى.
ونسب النبي - ﷺ - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) كل الشروح على ثبوت ما خطّأه المؤلف، دون إشارته.
(٣) في المطبوعة: (لا المطلب).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٣١١)، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، ولفظه: (قال النبي ﷺ إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد).
(٥) في الأصل: (أقصى).
[ ١ / ٢٨٦ ]
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار [بن معد] (١) بن عدنان - ﷺ - فمن كان من ولدفهر فهو قرشي.
ولو قال المصنف: وعدم بنوة لهاشم لا المطلب لجرى عَلَى المشهور، ووافق قوله بعد: (غير هاشمي) (٢).
وفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا (٣) تَرَدُّدٌ، وجَابٍ، ومُفَرِّقٌ حُرٌّ عَدْلٌ عَالِمٌ بِحُكْمِهَا غَيْرُ هَاشِمِيٍّ، وكَافِرٍ وإِنْ غَنِيًَّا وبُدِئَ بِهِ، وأَخَذَ الْفَقِيرُ بِوَصْفَيْهِ، ولا يُعْطَى حَارِسُ الْفِطْرَةِ مِنْهَا، ومُؤَلَّفٌ كَافِرٌ لِيُسْلِمَ وحُكْمُهُ بَاقٍ، ورَقِيقٌ مُؤْمِنٌ ولَوْ بِعَيْبٍ يُعْتَقُ مِنْهَا لا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ ووَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وإِنِ اشْتَرَطَهُ لَهُ، أَوْ فَكَّ أَسِيراّ لَمْ يُجِزْهُ، ومَدِينٌ ولَوْ مَاتَ يُحْبَسُ فِيهِ، لا فِي فَسَادٍ ولا لأَخْذِهَا إِلا أَنْ يَتُوبَ عَلَى الأَحْسَنِ إِنْ أَعْطَى مَا بِيَدِهِ مِنْ عَيْنٍ، وفَضْلِ غَيْرِهَا، ومُجَاهِدٌ وآلَتُهُ، ولَوْ غَنِيًَّا كَجَاسُوسٍ لا سُورٍ ومَرْكَبٍ، وغَرِيبٌ مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ولَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا وهُوَ مَلِيٌّ بِبَلَدِهِ، وصُدِّقَ، وإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ كَغَازٍ، وفِي غَارِمٍ يَسْتَغْنِي تَرَدُّدٌ، ونُدِبَ إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الأَصْنَافِ والاسْتِنَابَةُ، وقَدْ تَجِبُ.
قوله: (وفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا تَرَدُّدٌ) هذا التَرَدُّدٌ لعدم نصّ المتقدمين قال ابن عرفة: وقول ابن عبد السلام: لو أعطاها إياه جاز أخذها منه فِي دينه، خلاف تعليل الباجي رواية ابن حبيب منع إعطاء الزوجة زوجها فإنه كمن دفع صدقته لغريمه يستعين بها عَلَى أداء دينه (٤). ابن عرفة: الأظهر إن أخذه بعد إعطائه بطوع الفقير دون تقدم شرطه أجزأه.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، وفي (ن ٢): (بن معاد).
(٢) رحم الله كلا الشيخين فقد أثبتها خليل ﵀، ولعلها سقطت من نسخة المؤلف؛ حيث هي ثابتة في النسخة المطبوعة، وعليها بعض الشروح، وهو موطن توقّف عنده أكثر الشراح كما فعل المؤلف هنا؛ لخلاف المذهب في تحديد الآل، وإن كان عنّ لي أنها ساقطة من نسخ المختصر المغربية دون المشرقية، والمقصود بالمطّلب هو المطلب بن عبد مناف، وليس عبد المطلب بن هاشم. راجع: مواهب الجليل: ٢/ ٣٤٤، وشرح الخرشي: ٢/ ٥١٩، ٥٢٠.
(٣) في أصل المختصر والمطبوعة: أخذها منه.
(٤) انظر: المنتقى، للباجي: ٣/ ٢٤٤.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وكرها كذلك إن كان له ما يواريه وعيشه الأيام وإلاّ فلا كما قال فِي " المدوّنة " فِي قصاص (١) الزوجة بنفقتها فِي دين عَلَيْهَا، وبشرط كما لَمْ يعطه. انتهى، وفِي " التوضيح ": أما مَعَ التواطؤ (٢) فلا ينبغي أن يقال بالإجزاء إلّا أنه كمن لَمْ يعط شيئًا، ولو فصل مفصل فإن كان لا يمكنه الأخذ أصلًا فلا يجزئ؛ وإن كان يأخذ بلا مشقة أجزأه، وإن كان يأخذه بمشقة كره.
وكُرِهَ لَهُ حِينَئِذٍ تَخْصِيصُ قَرِيبِهِ، وهَلْ يُمْنَعُ إِعْطَاءُ زَوْجَةٍ زَوْجَهَا، أَوْ يُكْرَهُ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وكُرِهَ لَهُ حِينَئِذٍ تَخْصِيصُ قَرِيبِهِ) أي: وكره حين الاستنابة للنائب تخصيص قريب المالك المستنيب، هذا ظاهر لفظه، ومفهومه أن النائب إن لَمْ يخص قريب المالك بل أعطاه كما يعطي غيره فإنه يجوز، فكأنه يرجع إِلَى قوله فِي " المدوّنة ": ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلًا بعد أن قال: وأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولعلّ المصنف سكت عن هذا لأنه أحرى.
وتحصيلها عَلَى طريقة ابن عرفة: أن فِي إعطاء المالك قريبًا لا تلزمه نفقته أربعة أقوال: الكراهة؛ لرواية ابن القاسم. والجواز؛ لرواية مُطرِّف. والاستحباب؛ [٢٤ / أ] لرواية الواقدي. والرابع: لا تجزئ لجدٍ ولا لولد، وتجوز لذي أخوة أو عمومة أو خوؤلة، لأبي محمد عن ابن حبيب. وأن غيره إِذَا ولي صرفها فقال الباجي: يجوز إعطاؤه القريب اتفاقًا. وقال أبو محمد عن ابن القاسم: لمن ولي صرف زكاة غيره إعطاء قرابته بالاجتهاد. انتهى.
وقوله: " بالاجتهاد " فِي قوة قوله فِي " المدوّنة ": كما يعطي غيرهم (٣). فلا يخالفه مفهوم كلام المصنف والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في (ن ١): (حاصل).
(٢) في (ن ١): (التراضي).
(٣) انظر: المدونة، لابن القاسم: ٢/ ٢٩٧، ٢٩٨، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥، والمنتقى، للباجي: ٣/ ٢٤٣، ٢٤٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وجَازَ إِخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ، وعَكْسُهُ بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا بِقِيمَةِ السَّكَّةِ، ولَوْ فِي نَوْعٍ.
قوله: (بِقِيمَةِ السَّكَّةِ (١) وَلَوْ فِي نَوْعٍ) أي: ولو فِي نوعٍ واحد، كما إِذَا أخرج ذهبًا غير مسكوك عن جزء دينار مسكوك، فإنه لابد أن يخرج معه قيمة السكّة، وهو قول ابن القاسم خلافًا لابن حبيب، وإليه أشار (بلو)، ومفهوم قوله: (فِي (٢) نَوْعٍ) أنه لو كان فِي نوعين فأخرج الورق عن جزء الدينار المسكوك [ولم يوجد مسكوكًا] (٣) لاعتبر قيمته مسكوكًا من بابٍ أحرى، فهو كقول ابن الحاجب: وإِذَا وجب جزء عن المسكوك، ولَمْ يوجد مسكوكا، وأخرج مكسورًا فقيمة السكّة عَلَى الأَصَحّ، كما لو أخرج ورقًا (٤).
لا صِيَاغَةٍ فِيهِ.
قوله: (لا صِيَاغَةٍ فِيهِ) بجرّ صياغة وتنوينه عطفًا عَلَى لفظ السكّة. أي: لا بقيمة الصياغة فِي النوع الواحد، فهو كقول ابن الحاجب: والمصوغ يخرج عنه المكسور بالوزن لا بالقيمة عَلَى المشهور إذ له كسره (٥).
وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ، لا كَسْرُ مَسْكُوكٍ، إِلا لِسَبْكٍ، ووَجَبَ نِيَّتُهَا وتَفْرِقَتُهَا، بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ، إِلا لأَعْدَمَ فَأَكْثَرُهَا لَهُ بِأُجْرَةٍ مِنَ الْفَيْءِ، وإِلا بِيعَتْ واشْتُرِيَ مِثْلُهَا كَعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، وقُدِّمَ لِيَصِلَ عِنْدَ الْحَوْلِ، وإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَوْ دَينًا أَوْ عَرْضًا قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ، أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، وتَعَذَّرَ رَدُّهَا إِلا لِلإِمَامِ، أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا أَوْ بِقِيمَةٍ لَمْ تُجْزِ، لا إِنْ أُكْرِهَ أَوْ نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ أَوْ قُدِّمَتْ فِي عَيْنٍ ومَاشِيَةٍ، فَإِنْ ضَاعَ الْمُقَدَّمُ، فَمِنَ الْبَاقِي وإِنْ تَلِفَ جُزْءُ نِصَابٍ ولَوْ يُمْكِنُ الأَدَاءُ سَقَطَتْ كَعَزْلِهَا فَضَاعَتْ، لا إِنْ ضَاعَ أَصْلُهَا، وضَمِنَ إِنْ أَخَّرَهَا، عَنِ الْحَوْلِ، أَوْ أَدْخَلَ عُشْرَهُ مُفَرِّطًا، لا مُحَصِّنًا، وإلا فَتَرَدُّدٌ، وأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وكَرْهًا وإِنْ بِقِتَالٍ [١٨ / أ] وأُدِّبَ، ودُفِعَتْ لِلإِمَامِ الْعَدْلِ، وإِنْ عَيْنًا. وإِنْ غُرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَجِنَايَةٌ عَلَى الأَرْجَحِ، وزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. ومَا غَابَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ ولا ضَرُورَةَ.
_________________
(١) في (ن ١): (السكت).
(٢) في الأصل، و(ن ٢)، و(ن ٤): (المدوّنة) وهو مقحمٌ لا معنى له.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب: ص: ١٥٠.
(٥) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ١٥٠.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قوله: (وفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ) أي: وفِي إخراج غير النوع عن المصوغ تَرَدُّدٌ، فهو كقول ابن الحاجب: فإن أخرج ورقًا عن مصوغ جائز، وقلنا إنها ملغاة ففي اعتبار قيمتها قَوْلانِ لابن الكاتب وأبي عمران، وألف القبيلان فِيهَا بناءً عَلَى أن الورق كالطعام فِي جزاء الصيد أو لا حقّ للمساكين فِي الصياغة (١).
[فصل زكاة الفطر]
يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وقُوتِ عِيَالِهِ وإِنْ بِتَسَلُّفٍ، وهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوِ الْفَجْرِ، خِلافٌ.
قوله: (يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ) [الظاهر من لفظه أنه أراد بجزء الصاع ما يجب عَلَى مالك جزء من رقيق، وقد فسّر قدره] (٢) بقوله بعد: (والمشترك والمبعض بقدر الملك)، ونحوه لابن عرفة حيث حدّ زكاة الفطر إِذَا أريد به المصدر بأنها: إعطاء مسلم فقير [لقوته] (٣) يوم الفطر صاعًا من غالب القوت، أو جزءه المسمى للجزء المقصور وجوبه عَلَيْهِ قال: ولا ينتقض بإعطاء صاع ثانٍ؛ لأنه زكاة كأضحية ثانية، وإلا زيد مرة واحدة، وحدّها (٤) إِذَا أريد بها الاسم بأنها: صاع من غالب القوت، أو جزءه المسمى للجزء المقصور وجوبه عَلَيْهِ يعطى مسلمًا فقيرًا لقوت يوم الفطر. انتهى.
ولا يبعد هذا المحمل قوله: (عنه)؛ لعطفه عَلَيْهِ (وعن كل مسلم)، ولو أراد الإشارة لقول سند: من قدر عَلَى بعض الزكاة أخرجه عَلَى ظاهر المذهب. لكان الأنسب أن يقول: أو بعضه عوضًا من قوله: (أو جزؤه).
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن ٣): (أحدها).
[ ١ / ٢٩٠ ]
مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ مِنْ مُعَشَّرٍ، أَوْ أَقِطٍ، غَيْرَ عَلَسٍ، إِلا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرُهُ، وعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ، وإِنْ لأَبٍ وخَادِمِهَا أَوْ رِقٍّ لَوْ مُكَاتِبًا وآبِقًا رُجِيَ، ومَبِيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيارٍ ومُخْدَمًا، إِلا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخْدَمِهِ، والْمُشْتَرِكُ، والْمُبَعِّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ، ولا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ، والْمُشْتَرَى فَاسِدًا عَلَى مُشْتَرِيهِ، ونُدِبَ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، ومِنْ قُوتِهِ الأَحْسَنِ، وغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إِلا الْغَلِثِ.
قوله: (مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ) أي: من أغلب قوت البلد لا قوت المؤدي، بدليل ما ذكر بعد من ندب إخراجها من قوته (١) الأحسن، وجوازها من قوته (٢) الأدون.
ودَفْعُهَا لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ، أَوْ رِقُّهُ يَوْمَهُ ولِلإِمَامِ الْعَدْلِ، وعَدَمُ زِيَادَةٍ، وإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ، وجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ ودَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وآصُعٍ لِوَاحِدٍ وقُوتِهِ الأَدْوَنِ إِلا لِشُحٍّ، وإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ بِكَالْيَوْمَيْنِ، وهَلْ مُطْلَقًا أَوْ لِمُفَرِّقٍ تَأْوِيلانِ ولا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا وإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ.
قوله: (وعَدَمُ زِيَادَةٍ) الظاهر من اقتصاره عَلَى هذه العبارة أنه يشير لقول مالك: لا يؤديها بالمُدّ الأكبر بل بِمُدِّهِ - ﵇ - (٣). فإن أراد خيرًا (٤) فعلى حدته. قال القرافي: سدًّا لذريعة تغيير المقادير الشرعية. ولو أراد عدم زيادة المسكين على صاع واحد لقال مثلًا: وعدم زيادة مسكين، وسيقول فِي الجائزات ودفع صاع لمساكين وآصع لواحد. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) في (ن ١): (قوة).
(٢) في (ن ١): (قوة).
(٣) قال مالك ﵀ في الموطأ: (والكفارات كلها وزكاة الفطر وزكاة العشور كل ذلك بالمد الأصغر مد النبي ﷺ، إلا الظهار فإن الكفارة فيه بمد هشام، وهو المد الأعظم). انظر: موطأ مالك برقم (٦٢٨)، كتاب الزكاة، باب من تجب عليه زكاة الفطر.
(٤) في (ن ٣): (فعلًا).
[ ١ / ٢٩١ ]