[باب يُرْفَعُ الْحَدَثُ وحُكْمُ الْخَبَثِ]
بِالْمُطْلَقِ، وهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلا قَيْدٍ [٢ / أ] وإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى، أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ فَضْلَةَ طَهَارَتِهِمَا، أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ، أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ، أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ، وإِنْ بِدُهْنٍ لاصِقٍ أَوْ بِرَائِحَةِ قُطْرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ.
قوله: (أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ؟) الشكّ هو: التردد بين أمرين متساويين، [٣ / ب] فيخرج به التردد في ماء بئر الدور، إذا جهل سبب نتنها؛ لما يغلب على الظن أن ذلك من [المراحيض المجاورة] (١) لها؛ فتترك ما لم توقن السلامة، بخلاف بئر الصحراء حسبما في سماع أشهب وابن نافع (٢).
أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ، أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ، أَوْ بِمَطْرُوحٍ فِيهِ ولَوْ قَصْدًا مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ، والأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ.
قوله: (أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ) كالطحلب ما لم يطبخ فيه، كذا قيّده الطرطوشي فيما ذكر ابن فرحون (٣).
وَفِي الاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌ، لا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَدُهْنٍ خَالَطَ، أَوْ بُخَارِ مُصْطَكَى، وحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ.
قوله: (وفِي الاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌ) ابن عمران فِي " شرح ابن
_________________
(١) في الأصل: (الرائحة المجاوزة)، وفي (ن ٣): (الرائحة المتجاورة).
(٢) قال في سماع أشهب وابن نافع: (سئل فقيل له: إن بيرًا لنا قد أنتن ماؤها، ونزحناه، وماؤها بعد منتن؟ فقال: لا أرى أن يتوضأ منه حتى يأتوا ببعض هؤلاء الذين ينظرون إلى الآبار؛ فإني أخاف أن يكون من قناة مرحاض إلى جانبه. قال: فقلت له: أرأيت إن لم يكن نتنه من ذلك؟ فقال: لو علم أن نتنه ليس من ذلك ما رأيت بأسًا أن يتوضأ به) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٤٠.
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٨٠، قال: (ومن " المجموعة " قال عليّ: لا بأس بالوضوء بالماء يتغير ريحه من حمأٍ أو طحلب، إذا لم يجد غيره)، وانظر: المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ١/ ٣١٢، والخصال، لابن زرب، ص: ٥٢، والمعونة على مذهب عالم المدينة: ١/ ٦٢، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٢٣، والقوانين الفقهية، لابن جزي، ص: ٥٤.
[ ١ / ١٢٤ ]
الحاجب " (١): الملح غير المصنوع قسمان: ملح السباخ، وهو ما يخرج عليه الحرّ فيجمد فيصير ملحًا.
وملح المعادن، وهو حجارة، فإن أراد الفقهاء المعدني هذا الثاني فقط فهو من نوع الأرض كالكبريت والزرنيخ والزاج، وإن أرادوا مع ذلك ملح السباخ ففيه نظر؛ فإنه ماء جامد فينبغي أن لا يُختلف فيه كالثلج والجليد.
ويَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ.
قوله: (ويَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ) الظاهر من كلام ابن رشد فِي " الأجوبة ": أن السانية (٢) ليست مخصوصة بهذا الحكم؛ لأنه فرض ذلك فِي حبل الاستقاء وهو أعمّ، ونصّه: " وأما الماء يستقى [بالكوب] (٣) الجديد أو الحبل الجديد فلا يجب الامتناع من استعماله فِي الطهارة إلا أن يطول مكث الماء فِي الكوب أو طرف الحبل فيه حتى يتغير من ذلك تغيرًا بيّنًا فاحشًا.
وكذا فرضه ابن عرفة عامًّا فقال: وفِي طهورية المتغيّر بحبل استقائه؟ ثالثها: إن لَمْ يكن تغيره فاحشًا، الأول لابن [زرقون والثاني لابن الحاج] (٤)، والثالث لفتوى ابن رشد فِي المغير به وبالكوب.
كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ، أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ.
قوله: (كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ) ينبغي أن يكون التشبيه فيهما راجعًا لمجرد التغير، لا بقيد كونه بينًا كالمشبه [به] (٥)، وهذا هو المساعد للمنقول؛ ألا
_________________
(١) قال ابن الحاجب: (وفي الملح ثالثها الفرق بين المعدني والمسخن بالنار) انظر: جامع الأمهات، ص: ٣٠.
(٢) السانية: الناضحة، وهي الناقة التي يُستَقى عليها. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١٤/ ٤٠٤.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٤): (بالكرب) والمثبت هو الموافق لما في فتاوى ابن رشد: ٢/ ٨٠٧. والكَرَبُ: حَبلٌ يُشَدُّ على عَرَاقِيِّ الدَّلو. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١/ ٧١٤.
(٤) تباينت النسخ في هذين العلمين ووقع فيهما تصحيف من النساخ، ما بين رزق ورزوق، والحاج والحاجب، والمثبت عن شراح المختصر الأخرى، ويعضده قول ابن الحاجب: (والمتغير بالمجاورة أو بالدهن كذلك أي طهور). انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ١٢٥ ]
تراهم لَمْ يذكروا فيهما قولًا بالتفصيل بين البئر وغيره، كما ذكروه فِي المشبه به؛ ولذلك قال ابن عرفة: وفيما غيّر لونه ورق، أو حشيش غالب ثالثها: يكره، الأول للعراقيين، والثاني للإبياني، والثالث قول السليمانية: تعاد الصلاة بوضوئه فِي الوقت، وروى ابن غانم فيما تغيّر لونه وطعمه، ببول ماشية ترده، وروثها: لا يعجبني الوضوء به، ولا أحرّمه. الباجي (١): لأنها لا تنفك عنه غالبًا (٢). كقول العراقيين فِي الورق والحشيش. اللخمي: لأنه كثير تغيّر بطاهر قليل. وجعل فِي سلب طهوريته وكراهته قولين.
والأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَازُ، وفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ، وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ، وكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ. وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وضُوءٍ، وغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيِّرْ أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، ورَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ، وسُؤْرُ شَارِبِ خَمْرٍ، ومَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، ومَا لا يَتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ، لا إِنْ عَسُرَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ، أَوْ كَانَ طَعَامًا كَمُشَمَّسٍ، وإِنْ رُؤِيَتْ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ عُمِلَ عَلَيْهَا، وإِذَا مَاتَ بَرِّيٌّ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ بِرَاكِدٍ ولَمْ يَتَغَيَّرْ نُدِبَ نَزْحٌ بِقَدْرِهِمَا، لا إِنْ وَقَعَ مَيِّتًا.
قوله: (والأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَازُ). قال ابن رشد فِي " الأجوبة ": سئلت عن آبار الصحاري التي تدعو الضرورة إِلَى طيّها بالخشب والعشب؛ لعدم ما تطوى به سوى ذلك، فيتغيّر لون الماء ورائحته وطعمه من ذلك، هل يجوز الغسل والوضوء به؟ فأجبت بأن ذلك جائز، ثم احتجّ له، وذكر فِي آخر احتجاجه: أن قول بعض المتأخرين فِي الماء المتغيّر فِي الأودية والغدر مما يسقط فيه من أوراق الشجر النابتة عليه، والتي جلبتها الرياح إليه: لا يجوز الوضوء ولا الغسل به - شاذ خارجٌ عن أصل المذهب
_________________
(١) هو: أبو الوليد، سليمان بن خلف الباجي، الأندلسي، القرطبي، برع في الحديث والفقه، والكلام، له عدة تصانيف منها: " المنتقى، للباجي شرح الموطأ "، و" تفسير القرآن "، و" فصول الأحكام "، و" الإشارة "، وغير ذلك، توفي سنة: ٤٧٤ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، للقاضي عياض: ٤/ ٨٠٢، والأنساب، للسمعاني: ٢/ ١٩، الصلة، لابن بشكوال: ١/ ٢٠٠، بغية الملتمس، لابن عميرة الضبي: ٣٠٢، ٣٠٣، الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ١٩٧، المغرب في حلى المغرب، لابن سعيد المغربي: ١/ ٤٠٤.
(٢) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٣١٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
فلا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا يعرج عليه. انتهى (١). وكأنه أراد ببعض المتأخرين: الإبياني، ودل آخر كلامه أن فتياه غير قاصرة عَلَى ما تطوى به البئر من ذلك، فإطلاق المؤلف صواب.
وإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ لا بِكَثْرَةِ مُطْلَقٍ فَاسْتُحْسِنَ الطَّهُورِيَّةُ، وعَدَمُهَا أَرْجَحُ، وقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا أَوِ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، وإِلا فَقَالَ (٢) يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ، ووُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ.
قوله: (وإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ لاَ بِكَثْرَةِ مُطْلَقٍ فَاسْتَحْسِنَ الطَّهُورِيَّةُ وعَدَمُهَا أَرْجَحُ) كما عزى عدم الطهورية هنا لابن يونس، كذلك فعل فِي " التوضيح " (٣)، وهو وهمٌ؛ فإن ابن يونس إنما قال ما نصّه: " اختلف فِي الماء المضاف: هل إِذَا زال (٤) عين النجاسة يزول حكمها؟، والصواب أن لا يزول حكمها؛ لأن المضاف لا تؤدى به الفرائض، ولا النوافل ". وليس هذا فِي معنى مسألتنا، ولا هو منها فِي وردٍ ولا صدرٍ؛ وإنما هذا فِي غسل النجاسة بالماء المضاف؛ ولذلك كان فِي النسخ [٤ / أ] العتيقة عن ابن يونس: (إِذَا أزال) بصيغة الرباعي.
وأصل ما قال ابن يونس مبسوط فِي " تهذيب " عبد الحقّ، قال فيه: (أعرف بين أصحابنا اختلافًا فِي الماء المضاف تغسل به النجاسة: هل إِذَا زال (٥) عينها يزول حكمها؟ أو يبقى الحكم؟ وهو الصواب؛ لأن هذا الماء المضاف لا تؤدى به الفرائض ولا النوافل،
_________________
(١) انظر: مسائل ابن رشد: ٢/ ٨٦٦ وما بعدها.
(٢) في المطبوعة: (قال المازري) و(قال) تغني عن هذه الزيادة؛ لأنها مصطلح خليل على المازري.
(٣) يعني كتاب التوضيح، للمصنف ﵀ خليل ابن اسحاق، وهو شرح لمختصر ابن الحاجب الفرعي، في فروع المالكية جاري تحقيقه بمركزنا. قال المصنف في التوضيح: (اختلف إذا زال تغير النجاسة بنفسه على قولين، فمن رأى أن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغيير، وقد زال، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا حكم بالطهورية، ومن رأى أن الأصل أن لا تزال إلا بالماء، وليس هو حاصلًا حكم ببقاء النجاسة، وصوّب هذا الثاني ابن يونس وابن راشد) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق، ١/ ٢٥٩، رسالة دكتوراة مقدمة لجامعة القرويين، للباحث زماحي أحمد.
(٤) في الأصل: (أزال).
(٥) هكذا في جميع النسخ، وإن كان الأولى أن تكون بصيغة الرباعي على تحرير الشارح لنقل ابن يونس، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٧ ]
فكذلك لا يزيل حكم النجاسة، ومن قال إنه يرفع حكم النجاسة؛ فلضعف (١) أمرها إذ تزول بغير نية، وإذ ليس إزالتها بفرض مع اختلاف الناس فِي المضاف هل تجزيء به الطهارة للحدث؟
وقد نقل ذلك أبو الحسن الصغير عند قوله فِي الكتاب: ولا يزيل النجاسة من الثوب والبدن إلا الماء، وكره مالك لمن فِي فمه قطرة من دم أن ينزعه بفيه ويمجّه، بل لَمْ يعرف ذلك الإمام ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره (٢) ممن قبل ابن بشير فقال: وقول ابن بشير فِي طهورية النجس يزول تغيّره بلا نزح: قَوْلانِ، لا أعرفه، فنفى وجدان القولين معًا فِي المذهب، وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود.
ولا يلتفت لما حكى الشيخ أبو زيد الثعالبي من ردّ بعضهم عَلَى ابن عرفة بقول ابن يونس؛ لأن الرادّ مقلدٌ لخليل فِي نقله كالشارح. نعم أغفل ابن عرفة ما ذكر ابن رشد فِي رسم النسمة (٣) من سماع عيسى (٤) قال: روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك فِي جباب تحفر بالمغرب، فتسقط فيها الميتة فيتغير لون الماء وريحه ثم يطيب الماء بعد ذلك؟ أنه لا بأس به، ظاهره بلا نزح؛ عَلَى أنه ذكر أن أبا محمد جهَّل بعضهم فِي قوله فِي ماجل (٥) قليل الماء وقعت فيه فأرة: يطين (٦) حتى يكثر ماؤه فيشرب.
قال: فإن فعل شرب وهذا مما زال بكثرة مطلق، وقد كان صاحبنا الفقيه المحصل أبو العباس أحمد الونشريسي - حفظه الله تعالى - لما بلغه عني هذا التعقب أتاني بجزءٍ من وضع الإمام العلامة أبي عبد الله بن مرزوق عَلَى هذا المختصر، استخرجه من خزانة من هو به
_________________
(١) في الأصل: (فليضعف).
(٢) في (ن ٣): (قبله).
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢): (القسمة) والمثبت هو الموافق لما في السماع المذكور في البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٥٩.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٥) الماجِلٌ: يتخذ كالحوض الواسع عند مخرج القناة يجتمع فيها الماء، ثم يتفجر منها إِلى المزرعة، والماجِلُ: الماء الكثير المجتمع، والمعنى الأول كونه حوضًا هو مقصود المؤلف. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٣/ ٣٨، و١١/ ٦١٦.
(٦) في (ن ٢): (يصير).
[ ١ / ١٢٨ ]
ضنين، وأطلعني عليه فإِذَا به تعقب كلام المؤلف بنحو ما قلناه؛ فقال لي: احمد الله عَلَى موافقة نظرك لنظره، وتعلّق بحفظي من كلام ابن مرزوق ما معناه: أن المؤلف إن كان حمل كلام ابن يونس عَلَى نفس ما نحن فيه فهو وهمٌ، وإن أراد أن يقيسه عليه فهو بعيد؛ وإنما أطلت الكلام فِي هذا؛ لأن بعض فضلاء أصحابنا نازع فيه استبعادًا لتوهيم المؤلف واتباعه، والحقّ أحقُّ أن يتبع (١).
فصل [الأعيان الطاهرة]
الطَّاهِرُ مَيْتُ مَا لا دَمَ لَهُ، والْبَحْرِيُّ ولَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ، ومَا ذُكِّيَ وجُزْؤُهُ، إِلا مُحَرَّمَ الأَكْلِ، وصُوفٌ، ووَبَرٌ، وزَغَبُ رِيشٍ، وشَعْرٌ ولَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إِنْ جُزَّتْ، والْجَمَادُ وهُوَ جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ، ومُنْفَصِلٍ عَنْهُ إِلا الْمُسْكِرَ، والْحَيُّ ودَمْعُهُ وعَرَقُهُ ولُعَابُهُ ومُخَاطُهُ وبَيْضُهُ ولَوْ أَكَلَ نَجِسًا، إِلا المَذِرَ، والْخَارِجَ بَعْدَ الْمَوْتِ، ولَبَنُ آدَمِيٍّ إِلا الْمَيِّتَ، ولَبَنُ غَيْرِهِ تَابِعٌ، وبَوْلٌ، وعَذِرَةٌ مِنْ مُبَاحٍ إِلا الْمُتَغَذِّي بِنَجِسٍ، وقَيْءٌ، إِلا الْمُتَغَيِّرُ عَنِ الطَّعَامِ، وصَفْرَاءُ، وبَلْغَمٌ، ومَرَارَةُ مُبَاحٍ، ودَمٌ لَمْ يُسْفَحْ، ومِسْكٌ وفَأْرَتُهُ، وزَرْعٌ بِنَجِسٍ، وخَمْرٌ تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّلَ.
والنَّجِسُ مَا اسْتُثْنِيَ، ومَيْتُ غَيْرِ مَا ذُكِرَ ولَوْ قَمْلَةً أَوْ آدَمِيًَّا، والأَظْهَرُ طَهَارَتُهُ، ومَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ ومَيْتٍ مِنْ قَرْنٍ وعَظْمٍ وظِلْفٍ وعَاجٍ وظُفُرٍ وقَصَبَةِ رِيشٍ وجِلْدٍ ولَوْ دُبِغَ ورُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ [٢ / ب] ومَاءٍ، وفِيهَا كَرَاهَةُ الْعَاجِ، والتَّوَقُّفُ فِي الْكَيْمَخْتِ، ومَنِيٌّ ومَذْيٌ، ووَدْيٌ، وقَيْحٌ، وصَدِيدٌ، ورُطُوبَةُ فَرْجٍ، ودَمٌ مَسْفُوحٌ، ولَوْ مِنْ سَمَكٍ وذُبَابٍ، وسَوْدَاءُ، ورُمَادُ نَجِسٍ ودُخَانُهُ، وبَوْلٌ، وعَذِرَةٌ مِنْ آدَمِيٍّ، ومُحَرَّمٍ ومَكْرُوهٍ، ويَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ، إِنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ وإِلا فَبِحَسَبِهِ.
ولا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ ولَحْمٌ طُبِخَ وزَيْتُونٌ مُلِّحَ وبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجِسٍ، وفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ، ويُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لا نَجِسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وآدَمِيٍّ، ولا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ، بِخِلافِ نَسْجِهِ، ولا بِمَا يَنَامُ فِيهِ مُصَلٍّ آخَرُ ولا بِثِيَابِ غَيْرِ مُصَلٍّ إِلا لِرَأْسِهِ، ولا بِمُحَاذِي فَرْجِ غَيْرِ عَالِمٍ، وحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى (٢)، ولَوْ مِنْطَقَةً، وآلَةِ حَرْبٍ؛ إِلا الْمُصْحَفَ،
_________________
(١) حرر الشارح هنا المسألة بالتفرق بين مسألة: الماء تغير بالنجاسة ثم زال تغيره من تلقاء نفسه، ومسألة الماء المضاف تزال منه النجاسة بفعل فاعل.
(٢) أي: حرم على الذكر استعمال الأواني من الذهب والفضة.
[ ١ / ١٢٩ ]
والسَّيْفَ، والأَنْفَ، ورَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا، وخَاتَمَ الْفِضَّةِ لا مَا بَعْضُهُ ذَهَبٌ ولَوْ قَلَّ، وإِنَاءُ نَقْدٍ، واقْتِنَاؤُهُ وإِنْ لامْرَأَةٍ، وفِي الْمُغَشَّى والْمُمَوَّهِ والْمُضَبَّبِ وذِي الْحَلْقَةِ وإِنَاءِ الْجَوْهَرِ قَوْلانِ، وجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا ولَوْ نَعْلًا لا كَسَرِيرٍ.
قوله: (وَلاَ يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ ولَحْمٌ طُبِخَ وزَيْتُونٌ مُلِّحَ وبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجِسٍ وفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ)، أمّا زيت خولط بنجس ففي تطهيره بطبخه بماء مرتين (١) أو ثلاثًا ثالثها إن كثر، ورابعها (٢) إن تنجس بماء ماتت فيه دابّة لا بموتها فِي الزيت، فالأول لسماع أصبغ عن ابن القاسم عن مالك، وفتيا ابن اللباد، والثاني للباجي عن ابن القاسم، والثالث لأصبغ، والرابع لابن الماجشون ويحيي ابن عمر، وأمّا لحم (٣) طبخ بنجس أو وقعت فيه نجاسة ففي تطهيره ثالثها: إن وقعت بعد طيبه، فالأول لسماع موسى (٤) من ابن القاسم، والثاني لسماع أشهب (٥)، والثالث نقله ابن رشد عن الحنفي، واختاره وتبعه ابن زرقون، وهو قصور؛ لأن عبد الحقّ وابن يونس نقلاه عن السليمانية.
وأمّا زيتون مُلّح بنجس فخرّجه اللخمي عَلَى الروايتين فِي اللحم، وروى إسماعيل طرحه؛ لسقوط فأرة فيه، وقال سحنون: إن تنجس زيتون (٦) قبل طيبه طرح وبعده غسل وأكل.
_________________
(١) في (ن ٣): (مرة).
(٢) في (ن ٣): (ورابعهما).
(٣) في (ن ٣): (الحكم). وغير واضحة في غيرها.
(٤) في الأصل: (عيسى) وغير واضحة في (ن ٣)، والمثبت هو الموافق لما في البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٨٩.
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد ونص سماع موسى ١/ ١٨٩: (وسئل ابن القاسم عما وقع في الجبّ أو البئر من النجس ثم يعجن به العجين أو يطبخ به قدر أو يصنع به شيئًا من الطعام ثم يعلم به أيؤكل ذلك الطعام؟ فقال ابن القاسم: أما ما عجن به من الطعام فلا يؤكل، وأما ما طبخ به من اللحم فإنه يغسل ويؤكل اللحم. قال موسى: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن عباس عن القدر يطبخ بماء أصابه نجس فقال: يهرق المرق ويغسل اللحم ويؤكل قال: فهذا الحديث قوة لابن القاسم). ونص سماع عيسى ١/ ١٦٠: (وسئل عن فارة وقعت في بير فتمعطت فيه فعجن بها وطبخ اللحم أترى أن يؤكل؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل. قيل له فما يصنع به؟ قال: لو أطعمه البهائم).
(٦) في (ن ٣): (زيت).
[ ١ / ١٣٠ ]
وأمّا (١) بيض سلق بنجس: فقال ابن القاسم وابن وهب: لا تؤكل بيضة طبخت مع أخرى فيها فرخ لسقيها إياها، وقال اللخمي: تؤكل السليمة عَلَى أحد قولي مالك فِي اللحم وصوّبه؛ لأن صحيح البيض لا ينفذه مائع
وأمّا فخّار بغواص فحكى الباجي فِي تطهير آنية الخمر يطبخ ماء فيها: روايتين، هذا تحصيل ابن عرفة؛ إلا أنه فِي النسخ التي بأيدينا عزى مثل قول ابن اللباد لسماع ابن القاسم، وإنما هو فِي سماع أصبغ بلاغ عن مالك (٢).
فإن قلت: ما الذي درج عليه المؤلف؟
قلت: عدم طهورية الجميع مطلقًا فإن قلت قد يتلمح من قوله: (ولَحْمٌ طُبِخَ [٤ / ب] وزَيْتُونٌ مُلِّحَ) أن ما وقع فيهما بعد الطبخ والملح لا يضر، فكأنه عَلَى القول الثالث فيهما؟
قلت: يأبى ذلك اعتماده فِي " التوضيح " تشهير ابن بشير عدم الطهورية فِي هذا الأصل قال: وبناه عَلَى خلاف فِي شهادة (٣).
فصل [حكم إزالة النجاسة]
هَلْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ ولَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ وبَدَنِهِ ومَكَانِهِ لا طَرَفَ حَصِيرِهِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ إِنْ ذَكَرَ وقَدَرَ؟، وإِلا أَعَادَ الظُّهْرَيْنِ لِلاصْفِرَارِ؟ خِلافٌ.
وسُقُوطُهَا فِي صَلاةٍ مُبْطِلٌ.
قوله: (وسُقُوطُهَا فِي صَلاةٍ مُبْطِلٌ) أي: وسقوط النجاسة عليه وهو فِي الصلاة مبطل لها، قال سحنون: من ألقي عليه ثوبٌ نجس فِي الصلاة، ثم سقط عنه فأرى أن يبتديء. قال الباجي: وهذا عَلَى رواية ابن القاسم (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٣).
(٢) انظر البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٩٨.
(٣) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٢٨١.
(٤) انظر في هذه المسألة: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٩٨، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ١٨٩، وانظر كلام الباجي في: المنتقى: ١/ ٢٨٥، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢١٠ وما بعدها، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤١، وانظر ما ساقه ابن رشد في المقدمات الممهدات في حكم الرعاف: ١/ ٣١.
[ ١ / ١٣١ ]
كَذِكْرِهَا فِيهَا.
قوله: (كَذِكْرِهَا فِيهَا) أي: كما أن ذكر نجاسة فِي الصلاة بثوب أو بدن مبطل لها، وهو مذهب " المدوّنة " فيقطع. قال فِي غيرها: ولو كان مأمومًا، وهو تفسير، وكلُّ هذا إِذَا كان الوقت متسعًا، وأما مع ضيقه فقال ابن هارون: لا يختلفون فِي التمادي إِذَا خشي فوات الوقت؛ لأن المحافظة عَلَى الوقت أولى من النجاسة.
وعلى هذا لو رآها وخشي فوات الجمعة أو الجنازة أو العيدين لتمادي لعدم قضاء هذه الصلوات، وفِي الجمعة نظر إِذَا قلنا إنها بدل، وقال فِي " التوضيح ": واقتضى قوله: (كذكرها فيها) أن مجرد الذكر مبطل؛ فعلى هذا لو ذكرها أو رآها فيها فهمَّ بالقطع ثم نسي فتمادى لبطلت، وكذا نصّ عليه ابن حبيب.
قال فِي " التوضيح ": وهو الجاري عَلَى مذهب " المدوّنة "، واختار ابن العربي عدم البطلان.
لا قَبْلَهَا.
قوله: (لا قَبْلَهَا) أي: لا إن رآها قبل الدخول فِي الصلاة، فإن ذلك لا أثر له فِي البطلان، ولكنه كمن لَمْ يرها عَلَى المعروف فيعيد فِي الوقت (١).
أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا وعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَحَدَثِ مُسْتَنْكِحٍ (٢)، وبَلَلِ بَاسُورٍ فِي يَدٍ إِنْ كَثُرَ الرَّدُّ، أَوْ ثَوْبٍ وثَوْبِ مُرْضِعَةٍ تَجْتَهِدُ، ونُدِبَ لَهَا ثَوْبٌ لِلصَّلاةِ، ودُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا، وقَيْحٍ، وصَدِيدٍ، وبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ وأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ عَذِرَةٍ، ومَوْضِعِ حِجَامَةٍ، مُسِحَ. فَإِذَا بَرِئَ غَسَلَ وإِلا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ، وبِالإِطْلاقِ، وكَطِينِ مَطَرٍ.
قوله: (أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا)، يقبل صورتين إحداهما ما فِي " الذخيرة " عن
_________________
(١) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ١٨٩، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢١٧،، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٣٣ وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢.
(٢) قال الحطاب: الْمُسْتَنْكِحَ يصحّ فيه فتح الكاف وكسرها، والشك الْمُسْتَنْكِحَ هو الذي يأتي صاحبه كثيرًا في الوضوء والصلاة وغيرها. انظر: مواهب الجليل: ١/ ١٤٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
أبي (١) العباس الإبياني قال: إِذَا كان أسفل نعله نجاسة فنزعه ووقف عليه جاز كظهر حصير، والثانية: ما ذكر المازري عن بعضهم: أن من علم بنعله نجاسة وهو فِي الصلاة فأخرج رجله دون تحريك صحت صلاته.
قلت: لكن يرجّح أنه أراد الأولى فقط اقتصاره عليها فِي " التوضيح " (٢)، وتقييده هنا النجاسة بالأسفلية، وكونه لَمْ يشترط عدم التحريك، وعدم مناقضة ما تقدم فِي سقوطها وذكرها فيها (٣). والله سبحانه أعلم
وإِنِ اخْتَلَطَتِ الْعَذِرَةُ بِالْمُصِيبِ، لا إِنْ غَلَبَتْ، وظَاهِرُهَا الْعَفْوُ، ولا إِنْ أَصَابَ عَيْنَهَا، وذَيْلِ امْرَأَةٍ مُطَالٍ لِلسِّتْرِ ورِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجِسٍ يَابِسٍ يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ، وخُفٍّ ونَعْلٍ مِنْ رَوَثِ دَوَابَّ، وبَوْلِهَا إِنْ دُلِكَا لا غَيْرِهِ، فَيَخْلَعُهُ الْمَاسِحُ لا مَاءَ مَعَهُ، ويَتَيَمَّمُ، واخْتَارَ اللَّخْمِيُّ (٤) إِلْحَاقَ رِجْلِ الْفَقِيرِ، وفِي غَيْرِهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلانِ، ووَاقِعٍ عَلَى مَارٍّ، وإِنْ سَأَلَ صُدِّقَ الْمُسْلِمُ. وكَسَيْفٍ صَقِيلٍ لإِفْسَادِهِ مِنْ دَمٍ مُبَاحٍ، وأَثَرِ دُمَّلٍ لَمْ يُنْكَأْ، ونُدِبَ إِنْ تَفَاحَشَ كَدَمِ بَرَاغِيثَ إِلا فِي صَلاةٍ.
قوله: (وَلا إِنْ أَصَابَ عَيْنَهَا) إنما أخّرَه لئلا ينطبق عليه قوله: (وظاهرها العفو)، وقد قال فِي " التوضيح ": يبعد وجود الخلاف فِي ذلك (٥).
ويَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجِسِ بِلا نِيَّةٍ بِغَسْلِهِ إِنْ عُرِفَ، وإِلا فَبِجَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَكُمَّيْهِ بِخِلافِ ثَوْبَيْهِ فَيَتَحَرَّى بِطَهُورٍ مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ ولا يَلْزَمُ عَصْرُهُ مَعَ زَوَالِ [٣ / أ] طَعْمِهِ، لا لَوْنٍ ورِيحٍ عَسُرَا (٦) والْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ، ولَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلاقِي مَحَلِّهَا، وإِنْ شَكَّ فِي إِصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ
_________________
(١) في (ن ٢)، و(ن ٣): (ابن) والمثبت هو الصحيح المعروف في اسمه، توفي الإبياني سنة: ٣٥٢هـ. انظر: ترجمته في: طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي: ١/ ١٦٠.
(٢) قال في التوضيح: (قال أبي العباس الأبياني، إذا كانت أسفل نعليه نجاسة فنزعه، ووقف عيه، جاز كظهر حصير) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١٣.
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢١١، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، ويغني عنه قوله: (واختار)؛ فهي في مصطلح المصنف للخمي.
(٥) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٢٩٨.
(٦) في أصل المختصر لدينا: (عصرًا).
[ ١ / ١٣٣ ]
نَضْحُهُ، وإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلاةَ كَالْغُسْلِ، وهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ بِلا نِيَّةٍ لا إِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ أَوْ فِيهِمَا.
قوله: (بِخِلافِ ثَوْبِهِ فَيَتَحَرَّى)، هذا الذي صحح ابن العربي، وفِي " النوادر عن سحنون وابن الماجشون يصلي بهما، وعن ابن (١) مسلمة يصلي بها ما لَمْ تكثر، هذا تحصيل ابن عرفة قال فِي " التوضيح ": والفرق عَلَى المشهور بين الأواني والثياب خفَّة النجاسة للاختلاف فيها، بخلاف الأواني، إذ لا خلاف فِي اشتراط المطلق فِي رفع الحدث.
قال: ونصّ سند عَلَى أنه يتحرى فِي الثوبين عند عدم ما يغسلهما به، خلاف ظاهر كلام ابن شاس وابن الحاجب. انتهي (٢).
وقد أغفلوا كلهم حتى ابن عرفة ما فِي سماع أبي زيد بن أبي الغمر من كتاب الصلاة، ونصّه: " قال ابن القاسم فيمن حضرته الصلاة فِي سفر وليس معه إلا ثوبان أصابت إحدهما نجاسة لا يدري أيهما هو؟ قال: يصلي فِي أحدهما ثم يعيد فِي الآخر مكانه.
وقد بلغني عن مالك أنه قال: يصلي فِي واحد منهما ويعيد ما كان فِي الوقت إن وجد ثوبًا، كما قال فِي الثوب يعني الواحد: ولست أنا أرى ذلك؛ ولكن يصلي فِي أحدهما ثم يعيد فِي الآخر مكانه، ثم لا إعادة عليه فِي وقت ولا غيره، وإن وجد غيرهما.
قال ابن رشد: قول ابن القاسم استحسان؛ لأنه إِذَا صلى بأحد الثوبين ثم أعاد بالآخر مكانه فقد تيقن أن إحدى صلاتيه قد حصلت بثوبٍ طاهر، وفيه نظر؛ لأنه إِذَا صلى فِي أحدهما عَلَى أن يعيد فِي الآخر، فلم يعزم فِي صلاته فيه عَلَى أنها فرضه إِذَا صلى بنية الإعادة، فحصلت النية غير مخلصة فيها للفرض، وكذلك إِذَا أعادها فِي الآخر لَمْ تخلص النية فِي إعادته للفرض؛ لأنه إنما نوى أنها صلاته إن كان هذا الثوب هو الثوب الطاهر،
_________________
(١) في (ن ٢): (أبي).
(٢) قال ابن شاس: (ولو أصاب بعض ثوبه نجاسة، ولم يعلم موضعها، لم يجز التحري، وغسل جميعه بخلاف الثوبين؛ لأن أصلهما الطهارة، فيستند اجتهاده إليها، والأصل في الواحد النجاسة بعد الإصابة) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ١/ ١١١، وقال ابن الحاجب: (ويتحرى في الثياب) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢. وانظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١١.
[ ١ / ١٣٤ ]
وقول مالك [أصحّ] (١) وأظهر من جهة (٢) النظر والقياس؛ لأنه يصلي فِي أحدهما عَلَى أنه فرضه فتجزئه صلاته، إذ لو لَمْ يكن له غيره فصلى به وهو عالم بنجاسته لأجزأته صلاته، ثم إن وجد فِي الوقت ثوبًا طاهرًا أعاد استحبابًا. انتهى.
وانظر: هل يمكن أن يكون معنى قول مالك: يصلي فِي واحد منهما بعد أن يتحراه. والإعادة الوقتية لا تنافيه، فيقرب القَوْلانِ من القولين، وفِي هذه الرواية مستند لسند فِي اختصاص التحري بالضرورة (٣). والله سبحانه أعلم.
وهَلِ الْجَسَدُ كَالثَّوْبِ، أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ خِلافٌ.
قوله: (وهَلِ الْجَسَدُ كَالثَّوْبِ أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ خِلافٌ) وسكت عن البقعة
قال ابن عرفة: قال بعض شيوخ شيوخنا: والبقعة تغسل اتفاقًا؛ ليسر الانتقال المحقق. وقال [٥ / أ] بعض شيوخنا الفاسيين: كالجسد، ونقله عن " قواعد " عياض. انتهى.
قلت: بل ظاهر " قواعد " عياض أن البقعة كالثوب، [وبغسلها اتفاقًا قطع الشرمساحي] (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) في الأصل: (جملة).
(٣) انظر السماع المذكور في البيان والتحصيل، لابن رشد: ٢/ ١٨٠، ١٨١، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩١، و١/ ٢١٥، وانظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٢.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل. قال في المدوّنة، لابن القاسم: (سمعت مالكا يقول: الدنس في الجسد وفي الثوب سواء) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٣٤، وقال في النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: (يغسل ما أصاب من الجسد): ١/ ٧٩، وانظر تفصيل المسألة في: المنتقى، للباجي: ١/ ٣١٨، و١/ ٤٠٨، والمعونة، للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٥٧، وقال في البيان والتحصيل، لابن رشد: (وهو أصله أي مالك أن ما شك في نجاسته من الأبدان فلا يجزيء فيه إلا الغسل بخلاف الثياب) هـ: ١/ ٨١، وفي جامع الأمهات، لابن الحاجب: (النضح). انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٣٩.
[ ١ / ١٣٥ ]
وإِذَا اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجِسٍ، صَلَّى بِعَدَدِ النَّجِسِ وزِيَادَةِ إِنَاءٍ. ونُدِبَ غَسْلُ إِنَاءِ مَاءٍ ويُرَاقُ لا طَعَامٍ وحَوْضٍ تَعَبُّدًا سَبْعًا بِوُلُوغِ كَلْبٍ مُطْلَقًا، لا غَيْرِهِ عِنْدَ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ بِلا نِيَّةٍ ولا تَتْرِيبٍ (١)، ولا يَتَعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلابٍ.
قوله: (وإِذَا اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ، أَو نَجِسٍ صَلَّى بِعَدَدِ النَّجِسِ وزِيَادَةِ إنَاءٍ) فهم الشارح هنا، وفِي " الشامل ": أن هذا القول مغاير للقول: بأنه يتوضأ ويصلي حتى تفرغ، وهو وهم اغترّ فيه بكلام ابن عبد السلام، وقد تعقبه ابن عرفة وقال فِي " التوضيح ": إنما ينبغي أن يكون محل الأقوال التي ذكر ابن الحاجب إِذَا لَمْ يتحقق (٢) عدد النجس من الطاهر أو تعدد النجس واتحد الطاهر (٣).
فصل [فرائض الوضوء، وسننه، وفضائله]
فَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ مَا بَيْنَ الأُذُنَيْنِ ومَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ، والذَّقْنِ، وظَاهِرِ اللِّحْيَةِ، فَيَغْسِلُ الْوَتَرَةَ، وأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ، وظَاهِرَ شَفَتَيْهِ، بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ، لا جُرْحًا بَرِئَ، أَوْ خُلِقَ غَائِرًا، ويَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ وبَقِيَّةُ مِعْصَمٍ إِنْ قُطِعَ، كَكَفٍّ بِمَنْكِبٍ بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ لاَ إجَالَةُ خَاتَمِهِ ونَقضَ غَيْرُهُ ومَسْحُ مَا عَلَى الْجُمْجُمَةِ بِعَظْمِ صُدْغَيْهِ مَعَ الْمُسْتَرْخِي، ولا يَنْقُضُ ظَفْرَهُ رَجُلٌ ولا امْرَأَةٌ ويُدْخِلانِ يَدَيْهِمَا تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ، وغَسْلُهُ مُجْزِئٌ، وغَسْلُ رِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَي السَّاقَيْنِ، ونُدِبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا، ولا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وفِي لِحْيَتِهِ قَوْلانِ، والدَّلْكُ، وهَلِ الْمُوَالاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وقَدَرَ؟ وبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا، وإِنْ عَجَزَ بَنَى مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلا أَوْ سُنَّةٌ؟ خِلافٌ.
_________________
(١) يعني عدم تتريب الآنية بولوغ الكلب كما ورد بذلك الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٧٩)، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ونص الرواية: (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ثم طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) ورواية الموطأ برقم (٦٥)، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، بغير التراب ونصها: (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ثم إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " والغسل ثمّ المالكية للتعبد لا لنجاسة الكلب قال الباجي: (وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عِبَادَةٌ لَا لِنَجَاسَةٍ)، انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٥٢.
(٢) في (ن ١): (يتحققون).
(٣) انظر حكم الماء المشكوك فيه في: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩١، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤١، ٤٢، والتوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣١١.
[ ١ / ١٣٦ ]
قوله: (لا إجَالَةُ خَاتَمِهِ ونَقض غَيْرُهُ) (نَقضَ) بالضاد المعجمة فعل مبني للفاعل أو للنائب وهذا أمثل ما يضبط به وأبعد من التكلّف، والضمير فِي قوله (غَيْرُهُ) للخاتم، وهو من صيغ العموم، إذ هو اسم جنس أضيف أي: ونقض ونزع غير الخاتم من كلِّ حائل فِي يد أو غيرها، فيندرج فيه ما يجعله الرماة. وغيرهم فِي أصابعهم من عظمٍ ونحوه، وما يزين به النساء وجوههن [وأصابعهن] (١) من النقط الذي له تجسّد، وما يكثّرن به شعورهن من الخيوط، وما يكون فِي شعر الرأس من حناء وحلتيت (٢) أو غيرهما، مما له تجسّد، أو ما يلصق بالظفر أو الذراع أو غيرهما من عجين، أو زفت أو شمع أو نحوها.
وكونه لَمْ يذكر شيئًا من هذه الأمور بعينه فِي هذا المختصر دليل عَلَى صحة هذا الضبط، وإرادة هذا العموم أو بعضه؛ ولا سيما الحناء فإنه سكت عن تعيينه مع كونه فِي " المدوّنة " و" مختصر " ابن الحاجب، ومشاهير الكتب، وما كان هكذا لا يسكت عنه غالبًا إلاّ إِذَا أدرجه فِي عموم.
فإن قلت: لما تحدّث ابن رشد عَلَى الخاتم فِي رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم - ذكر فِي من توضأ، وقد لصق بظفره أو بذراعه الشيء اليسير من العجين أو القير أو الزفت قولين، وقال: الأظهر منهما تخفيف ذلك عَلَى ما قاله أبو زيد بن أبي أمية فِي بعض روايات " العتبية " ومحمد بن دينار فِي المدوّنة [المدنية] (٣) خلاف قول ابن القاسم فِي " المدوّنة "، وظاهر قول أشهب فِي بعض روايات " العتبية "
قلت: لا خفاء أن هذا فِي اليسير بعد الوقوع، وأما ابتداءً فلابد من إزالته، وكون ابن رشد ذكر هذا الفرع عند كلامه عَلَى الخاتم مما يؤيد ما حملنا عليه لفظ المؤلف، وأما المداد (٤)
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) الحلتيت: نبات يَسْلَنْطِحُ، والحِلْتِيتُ: صمغ، وله بقلة تطبخ. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٢/ ٢٥.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١)، و(ن ٢)، و(ن ٣). وكتاب " المدنية ": لعبد الرحمن بن دينار، المتوفى سنة ٢٠١ هـ وهو الذي أدخل الكتب المعروفة بالمدنية، سمعها منه أخوه عيسى، ثم خرج بها عيسى فعرضها على ابن القاسم. انظر: اصطلاح المذهب عند المالكية، ص: ٨٥.
(٤) في (ن ١)، و(ن ٢): (المدارك).
[ ١ / ١٣٧ ]
فقال أبو محمد (١) عن ابن القاسم: من توضأ عَلَى مداد بيده أجزأه، وعزاه فِي " الطراز " لرواية محمد، وقال أبو القاسم بن الكاتب: قيّده بعض شيوخنا برقّته، وعدم تجسّده إذ هو مداد من مضى، وأجاز فِي سماع أشهب وابن نافع اختضاب الحائض والمرأة الجنب.
ابن رشد: لأن الخضاب لا يمنع رفع غسلهما حدثهما، وفِي " الطراز ": إن كان الحناء بباطن الشعر لَمْ يمنع المسح كالتلبيد، وقبله ابن عرفة (٢).
ونِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ وَجْهِهِ أَوِ الْفَرْضِ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ وإِنْ مَعَ تَبَرُّدٍ أَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْمُسْتَبَاحِ أَوْ نَسِيَ حَدَثًا لا [إِنْ] (٣) أَخْرَجَهُ أَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ (٤) مَا نُدِبَتْ لَهُ.
قوله: (أَوْ نَوى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ)، يعني: أن من نوى بفعله الطهارة المطلقة، [مثل أن يتطهر وينوي الطهارة، ولَمْ ينوي أي الطهارة هي، أصغرى أو الكبرى أو طهارة الماء أو الترابية يعني] (٥) فإن ذلك لا يرفع عنه الحدث؛ لأن الطهارة قسمان: طهارة نجس، وطهارة حدث، فإِذَا قصد قصدًا مطلقًا وأمكن انصرافه للنجس لَمْ يرتفع حدثه أي: [لأن النية لَمْ تتعلق جزمًا بالعرف المقصود] (٦)، قاله المازري وقبله ابن عرفة، والمؤلف فِي " التوضيح " (٧).
_________________
(١) من هنا ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٦، ونصها في الحناء: (قال لي مالك في الحناء، تكون على الرأس، فأراد صاحبه أن يمسح على رأسه في الوضوء، قال: لا يجزئه أن يمسح على الحناء حتى ينزعها فيمسح على شعره)، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٨٧، ٨٨، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٩، ونصه: (ولا تمسح على حناءٍ ولا غيره).
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٤) في أصل المختصر لدينا: (استباحة ممنوع).
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من: (ن ٤).
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و(ن ٤).
(٧) انظر في الكلام على النية: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٠٧، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٤٥: ٤٨، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٤٤.
[ ١ / ١٣٨ ]
أَوْ قَالَ إِنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَلَهُ، أَو جَدَّدَ فَتَبَيَّنَ حَدَثَهُ، أَوْ تَرَكَ لُمْعَةً فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ الْفَضْلِ أَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الأَعْضَاءِ، والأَظْهَرُ فِي الأَخِيرِ الصِّحَّةُ وعُزُوبُهَا بَعْدَهُ ورَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ، وفِي تَقَدُّمِهَا بِيَسِيرٍ؛ خِلافٌ.
وسُنَنُهُ غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثَلاثًا تَعَبُّدًا بِمُطْلَقٍ ونِيَّةٍ ولَوْ نَظِيفَتَيْنِ أَو أحدثَ فِي أَثْنَائِهِ مُفْتَرِقَتَيْنِ ومَضْمَضَةٌ واسْتِنْشَاقٌ وبَالَغَ مُفْطِرٌ وفِعْلُهُمَا بِسِتٍّ أَفْضَلُ، وجَازَا أَو احدهُمَا بِغَرْفَةٍ، واسْتِنْثَارٌ ومَسْحُ وَجْهَيْ كُلِّ أُذُنٍ، وتَجْدِيدُ مَائِهِمَا ورَدُّ مَسْحِ رَأْسِهِ، وتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ، فَيُعَادُ الْمُنَكَّسُ وَحْدَهُ إِنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ، وإِلا مَعَ [٣ / ب] تَابِعِهِ ومَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ، وبِالصَّلاةِ وسُنَّةً فَعَلَهَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ وفَضَائِلُهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، وقِلَّةُ مَاءٍ بِلا حَدٍّ كَالْغُسْلِ، وتَيَمُّنُ أَعْضَاءٍ، وإِنَاءٍ إنْ فُتِحَ وبَدْءٌ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وشَفْعُ غَسْلِهِ، وتَثْلِيثُهُ، وهَلِ الرِّجْلانِ كَذَلِكَ أَوِ الْمَطْلُوبُ الإِنْقَاءُ؟ وهَلْ تُكْرَهُ الرَّابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ؟ خِلافٌ.
وتَرْتِيبُ سُنَنِهِ أَوْ مَعَ فَرَائِضِهِ وسِوَاكٌ وإِنْ بِأَصْبُعٍ كَصَلاةٍ بَعُدَتْ مِنْهُ، وتَسْمِيَةٌ، وتُشْرَعُ فِي غُسْلٍ وتَيَمُّمٍ، وأَكْلٍ وشُرْبٍ وذَكَاةٍ ورُكُوبِ دَابَّةٍ وسَفِينَةٍ، ودُخُولٍ وضِدِّهُ لِمَنْزِلٍ، ومَسْجِدٍ ولُبْسٍ وغَلْقِ بَابٍ وإِطْفَاءِ مِصْبَاحٍ ووَطْءٍ، وصُعُودِ خَطِيبٍ مِنْبَرًا، وتَغْمِيضِ مَيْتٍ ولَحْدِهِ، ولا تُنْدَبُ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ ومَسْحُ الرَّقَبَةِ وتَرْكُ مَسْحِ الأَعْضَاءِ، وإِنْ شَكَّ فِي ثَالِثَةٍ فَفِي كَرَاهَتِهَا قَوْلانِ، قَالَ: كَشَكِّهِ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ هَلْ هُوَ الْعِيدُ.
قوله: (أَوْ قَالَ إِنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَلَهُ) يعني: أن من تطّهر وقال: إن كنت أحدثت فهذا الطهر لذلك الحدث، ثم تبين أنه كان محدثًا فإنه لا يجزيه. رواه عيسى عن ابن القاسم، وقال عيسى من رأيه: يجزيه. فقال الباجي: أما عَلَى القول بوجوب غسل الشاكّ فيجزيه اتفاقًا، وأما عَلَى استحبابه فالقَوْلانِ، ونحوه لأبي إسحاق التونسي وعبد الحق. وقال ابن عرفة: لعلّ سماع عيسى فِي الوهم لا الشكّ، والظنّ باقٍ فِي الأول لا الثاني؛ ولذا قال اللخمي: من شكّ هل أجنب أم لا؟ اغتسل. ويختلف: هل ذلك واجب أو استحباب؟ كمن أيقن بالوضوء وشكّ فِي الحدث فإن اغتسل ثم ذكر أنه كان جنبًا أجزأه غسله ذلك، وهو بمنزلة من شكّ هل أحدث أم لا فتوضأ ثم ذكر أنه كان محدثًا، وبمنزلة من شكّ فِي الظهر فصلاها ثم ذكر أنه لَمْ يكن صلاها فإن صلاته تلك تجزيه، وإن قال: أنا
[ ١ / ١٣٩ ]
أتخوّف أن أكون أجنبت وليس لشكٍ عنده إلا أنه يقول: يمكن أن يكون ونسيت، لَمْ يكن عليه غسل، فإن اغتسل ثم ذكر أنه كان جنبًا اغتسل، ولَمْ يجزه الغسل الأول. انتهى.
وقد ظهر من هذا: أن الرواية إن كانت فِي الشكّ فهي مفرعة عَلَى القول باستحباب طهر الشاكّ، وإلاّ فهي فِي الوهم والتجويز العقلي (١).
[باب الاستنجاء]
نُدِبَ لِقَاضِي الْحَاجَةِ جُلُوسٌ، ومُنِعَ بِرَخْوٍ نَجِسٍ واعْتِمَادُه عَلَى رِجْلٍ، واسْتِنْجَاءٌ بِيَدٍ يُسْرَيَيْنِ وبَلُّهَا قَبْلَ لُقِيِّ الأَذَى، وغَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَهُ، وسَتْرٌ إِلَى مَحِلِّهِ وإِعْدَادُ مُزِيلِهِ، ووِتْرُهُ وتَقْدِيمُ قُبُلِهِ وتَفْرِيجُ فَخِذَيْهِ، واسْتِرْخَاؤُهُ، وتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ وعَدَمُ الْتِفَاتِهِ، وذِكْرٌ وِرْدَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، فَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ إنْ لَمْ يَعُدْ، وسُكُوتٌ إِلا لِمُهِمٍّ وبِالْفَضَاءِ تَسَتُّرٌ وبُعْدٌ، واتِّقَاءُ جُحْرٍ ورِيحٍ ومَوْرِدٍ وطَرِيقٍ وظِلٍّ وشَطٍّ ومَاءٍ دَائِمٍ، وصُلْبٍ وبِكَنِيفٍ [نجس] (٢) نَحَّى ذِكْرَ اللهِ ويُقَدِّمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا ويُمْنَاهُ خُرُوجًا عَكْسَ مَسْجِدٍ والْمَنْزِلُ يُمْنَاهُ بِهِمَا، وجَازَ بِمَنْزِلٍ وَطْءٌ وبَوْلٌ وغَائِطٌ، مُسْتَقْبِلَ قِبْلَةٍ ومُسْتَدْبِرًا، وإِنْ لَمْ يَلْجَأْ أُوِّلَ بِالسَّاتِرِ وبِالإِطْلاقِ لا فِي الْفَضَاءِ، وبِسِتْرٍ قَوْلانِ، تَحْتَمِلُهُمَا، والْمُخْتَارُ التَّرْكُ لا الْقَمَرَيْنِ وبَيْتِ الْمَقْدِسِ ووَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ بِاسْتِفْرَاغِ أَخْبَثَيْهِ مَعَ سَلْتِ (٣) ذَكَرٍ ونَتْرٍ خَفَّا (٤)، ونُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وحَجَرٍ، ثُمَّ مَاءٌ وتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وحَيْضٍ ونِفَاسٍ وبَوْلِ امْرَأَةٍ، ومُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا ومَذْيٍ بِغَسْلِ ذَكَرِهِ كُلِّهِ، فَفِي النِّيَّةِ وبُطْلانِ صَلاةِ تَارِكِهَا أَوْ تَارِكِ كُلِّهِ قَوْلانِ، ولا يُسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ، وجَازَ بِيَابِسٍ طَاهِرٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُؤْذٍ، ولا مُحْتَرَمٍ ولا مُبْتَلٍّ ونَجِسٍ وأَمْلَسَ ومُحَدَّدٍ ومُحْتَرَمٍ مِنْ مَطْعُومٍ ومَكْتُوبٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ وجِدَارٍ ورَوْثٍ وعَظْمٍ، فَإِنْ أَنْقَتْ أَجْزَأَتْ كَالْيَدِ، ودُونَ الثَّلاثِ.
قوله: (وَشَطٍّ ومَاءٍ دَائِمٍ، وصُلْبٍ) سقط الأولان من بعض النسخ (٥)، فأمّا الشط: فهو
_________________
(١) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٠٤، والبيان والتحصيل في السماع المذكور: ١/ ١٤١.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة وبهامش أصل المختصر في مقابلها بخط مغاير: (خلاف).
(٣) السَّلْتُ: قَبْضُكَ على الشيء. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٢/ ٤٥.
(٤) أي: خفيفًا.
(٥) ناقش بعض شراح المختصر ما أشار إليه ابن غازي، ورأوا أن قول خليل: (ومورد) يغني عن قوله: (شط)، انظر: الشرح الكبير، للدردير: ١/ ١٠٧.
[ ١ / ١٤٠ ]
شاطيء النهر والبحر؛ عَلَى أنه إنما ذكر فِي التلقين شاطيء النهر، وعبّر عنه ابن عرفة بضفة الوادي وقربه، وأمّا المورد الذي ذكر قبل هذا فهو موضع ورود الماء من الأنهار والعيون والآبار، وأمّا الماء الدائم [٥ / ب] أي: الراكد فظاهر كلامه أنه يتقيه وإن (١) كثر، وبه صدّر ابن عرفة، وفِي " التلقين ": إلا أن يكون كثيرًا جدًا كالمستبحر، وصرّحوا بجوازه فِي الجاري، وهذا ما لَمْ يكن فيه ضرر.
ففي " أجوبة " ابن رشد: أنه سئل عن ماءٍ جارٍ فِي جنات وعليه أرحاء وأهل الجنات يسقون به ثمارهم، ويصرفون ما يحتاجون منه لمنافعهم وشربهم فبنى بعضهم عليه كرسيًا للحدث، [واحتجّ] (٢) بأن ذلك لا يغيّره لكثرته، وقال الآخرون: إنه وإن لَمْ يغيّره فإنه يقذره ويعيفه، وربما رسبت الأقذار فِي قراره وذلك مما ينغصه علينا هل لهم فِي ذلك مقال؟، وما تراه إن سكت أصحاب هذا الماء عنه، هل للحاكم النظر فيه؟؛ إذ قد ينتفع به جماعة المسلمين خارج الجنات، أم يسعه السكوت عنه؟.
فأجاب ﵀: الحكم بقطع هذا الضرر واجب، والقضاء به لازم، قام بذلك بعض أهل الجنات، أو من سواهم بالحسبة، وعَلَى الحاكم أن ينظر فِي ذلك إِذَا اتصل به الأمر، وإن لَمْ يقم عنده فيه قائم؛ بأن يبعث إليه العدول فإِذَا شهدوا عنده به قضى بتغييره؛ لما فِي ذلك من الحقّ لجماعة المسلمين خارج الجنات، ولا يسعه السكوت عن ذلك.
وأمّا الموضع الصلب: فإن كان نجسًا اتقاه مطلقًا، وإن كان طاهرًا فلا يبول فيه قائمًا كما قال فِي " المدوّنة ": وأكرهه فِي بموضعٍ يتطاير فيه، وليبلْ جالسًا ومثله فِي " التلقين " وغيره وقد قسّمه الباجي إلي أربعة أقسام فقال:
إن كان طاهرًا رخوًا جاز القيام، والجلوس أولى؛ لأنه أستر، وإن كان نجسًا رخوًا بال قائمًا؛ مخافة أن تتنجس ثيابه، وإن كان صلبًا نجسًا تنحى عنه إِلَى غيره وإن كان صلبًا طاهرًا تعيّن الجلوس. ومثله لابن بشير عن الأشياخ، وقبله ابن عرفة والمؤلف فِي
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (ولا).
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
[ ١ / ١٤١ ]
" التوضيح "، وقد نبّه عَلَى الأولين هنا بقوله: (ندب لقاضي الحاجة [جلوس] (١)، ومنع برخوٍ نجس)، وأما إطلاقه فِي اتقاء الصلب فلا أعرفه إلاّ لأبي حامد الغزالي إذ قال: وأن يتقي الموضع الصلب (٢).
فَصْل [نواقض الوضوء]
نُقِضَ الْوُضُوءُ بِحَدَثٍ [٤ / أ]، وهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ فِي الصِّحَّةِ، لا حَصًى ودُودٌ ولَوْ بِبِلَّةٍ وبِسَلَسٍ فَارَقَ أَكْثَرَ، كَسَلَسِ مَذْيٍ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، ونُدِبَ إنْ لازَمَ أَكْثَرَ، لا إنْ شَقَّ، وفِي اعْتِبَارِ الْمُلازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَفِي اعْتِبَارِ الْمُلازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ) هذا لعدم نصّ المتقدمين. قال ابن عرفة: وفِي كون المعتبر فيه اللزوم وقت الصلاة أو اليوم قولا شيخي شيوخنا ابن جماعة والبَودِري، والأظهر عدد صلواته، وفسّر ابن عبد السلام الأكثر: بإتيان البول ثلثي كل ساعة ليلًا ونهارًا، وتعقبه الأول بأنه فرضٌ نادر بناءً عَلَى فهمه من قصر وجود البول عَلَى أوقات الصلوات، وهو وهم؛ إنما مراد ابن جماعة: قصر المعتبر منه عَلَى الموجود أوقات الصلوات، وقوله: وأيضًا إن كان الأمر عَلَى ما قال لَمْ يخل وقت صلاة من بول قلّ أو كثر، فلابد من ناقض، فتستوى مشقة الأقلّ والأكثر، ويستوى الحكم، يردّ بأنه مشترك الإلزام فيما اختار، وفِي " التوضيح " عن المنوفي: ينبغي أن تقيّد المسألة بما إِذَا كان إتيان ذلك عليه مختلفًا فِي الوقت، فيقدر بذهنه أيهما، أكثر فيعمل عليه، وأمّا إن كان وقت إتيانه منضبطًا فإنه يعمل عليه إن كان أول الوقت أخّرها، وإن (٣) كان آخره قدّمها.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٢) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٢٤، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ١٩٢، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٢١، ٢٢، والمنتقى، للباجي: ١/ ٤٦٢، ٤٦٣. وفتاوى ابن رشد: ٢/ ١١٨٨، ١١٨٩، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٢، ٥٣، والتوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣٥٥ وانظر: إحياء علوم الدين، للغزالي: ١/ ١٣١.
(٣) في (ن ١)، و(ن ٢): (ولا).
[ ١ / ١٤٢ ]
مِنْ مَخْرَجَيْهِ أَوْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إنِ انْسَدَّا، وإِلا فَقَوْلانِ، وبِسَبَبِهِ وهُوَ زَوَالُ عَقْلٍ وإِنْ بِنَوْمٍ ثَقُلَ ولَوْ قَصُرَ لا خَفَّ، ونُدِبَ إنْ طَالَ ولَمْسٌ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً ولَوْ كَظُفُرٍ أَوْ شَعَرٍ أَوْ حَائِلٍ وأُوِّلَ بِالْخَفِيفِ وبِالإِطْلاقِ إِنْ قَصَدَ لَذَّةً أَوْ وَجَدَهَا، لا انْتَفَيَا.
قوله: (مِنْ مَخْرَجَيْهِ أَوْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إنِ انْسَدَّا وإِلا فَقَوْلانِ). هذه طريقة ابن بزيزة وله عزاها فِي " التوضيح " فجزم بها هنا كأنها عنده تفسير للمذهب.
إِلا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ [مُطْلَقًا] (١) وإِنْ بِكُرْهٍ أَوِ اسْتِغْفَالٍ لا لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ، ولا لَذَّةٌ بِنَظَرٍ كَإِنْعَاظٍ.
قوله: (وَإِنْ بِكُرْهٍ أَوِ اسْتِغْفَالٍ) راجع لقوله: (إِلا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ)، فليس يحتاج للتقييد بحصول اللذة؛ لأنه مبنيٌ عَلَى عدم انفكاكها عنه (٢).
ولَذَّةٌ بِمَحْرَمٍ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (ولَذَّةٌ بِمَحْرَمٍ عَلَى الأَصَحِّ). من هذه ومن الصغيرة احترز بقوله أولًا: (ولَمْسٌ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً)، فأمّا الصغيرة فقال ابن رشد: لا وضوء فِي لمسّها، ولو قصد اللذة ووحدها، إلا عَلَى مذهب من يوجب الوضوء فِي اللذة بالتذكار.
قال ابن عرفة: يردّ بقوة الفعل، وأمّا ذات المحرم فقال ابن رشد: لا وضوء فِي تقبيلها إلاّ مع قصد اللذة من الفاسق، وقبله ابن عرفة، ولم يذكر فيه خلافًا، ونصّ فِي " التلقين ": " أنه إِذَا كان هناك لذة فلا فرق بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم، وقبله المازري، وما ذكر الخلاف فِي لمس المحرم إلاّ عن الشافعية، قال: كما اختلفوا فِي الصغيرة والعجوز الهرمة.
فأنت ترى المؤلف عدل عن هذا كله، وجعل الأَصَحّ ألا أثر للمحرم لو وجدت اللذة، اعتمادًا عَلَى ظاهر قول ابن الجلاب: ولا وضوء عليه فِي مسّ ذوات محارمه (٣)، وعَلَى ظاهر قول ابن الحاجب: فلا أثر لمحرم، وعَلَى تقرير ابن عبد السلام لهذا الظاهر مع
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) في الكلام على القبلة انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٢.
(٣) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ٥١.
[ ١ / ١٤٣ ]
حكايته خلافه عن بعض أئمة المذهب، وقوله: لا يبعد إجراء ذلك عَلَى الخلاف فِي مراعات الصور النادرة وعَلَى ذلك خرجها الشارمساحي؛ إلا أنه استثنى قبلتها عَلَى الفم، والحقّ (١) والله سبحانه أعلم أن المذهب [٦ / أ] ما قدمناه عن عبد الوهاب وابن رشد والمازري ومن وافقهم، والآخر غايته أنه تخريج أو تمسك بظاهرٍ سهل التأويل، فكيف يجعله هو الأَصَحّ (٢)؟!.
وَمُطْلَقُ مَسِّ ذَكَرِهِ الْمُتَّصِلِ ولَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا بِبَطْنٍ أَوْ جَنْبٍ لِكَفٍّ أَوْ إِصْبَعٍ وإِنْ زَائِدًا حَسَّ.
قوله: (ومُطْلَقُ مَسِّ ذَكَرِهِ الْمُتَّصِلِ) ابن هارون: ولو مسّ موضع الجَبِّ فلا نصّ فيه عندنا، وحكى الغزالي: أن عليه الوضوء، والجاري عَلَى أصلنا نفيه؛ لعدم اللذة غالبًا (٣).
وَبِرِدَّةٍ وبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلا الْمُسْتَنْكِحَ.
قوله: (إلا الْمُسْتَنْكِحَ (٤» أى: فلا شيء عليه، ظاهره ولا يبني عَلَى أول خاطريه، وإليه مال ابن عبد السلام فقال: اعتبار أول خاطريه هو قول بعض القرويين، وتبعه عليه أكثر المتأخرين قالوا: لأنه فِي الخاطر الأول سليم الذهن، وفيما بعده شبيه بغير العقلاء فلا يعتبر.
وظاهر " المدوّنة " وغيرها سقوط الوضوء من غير نظر إِلَى خاطرٍ البتة، وهو الذي كان يرجّحه بعض من لقيناه ويقول به، ويذكر أنه رجع إليه فيه بعض المشارقة، وكان يوجهه بأن المستنكح ومن هذه صفته لا ينضبط له الخاطر الأول مما بعده، والوجود يشهد
_________________
(١) في (ن ١)، و(ن ٢): (والحق ما قررناه).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٢، والتفريع، لابن الجلاب: ١/ ٥١، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٩٨، ٩٩، والمقدمات الممهدات، لابن رشد: ١/ ٨، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٦.
(٣) انظر: الموطأ، لمالك بن أنس: ١/ ٤٣، والمدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٨، وتهذيب المدونة، للبراذعي: ١/ ١٧٦، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥٤، ٥٥، والتمهيد، لابن عبد البر: ١٧/ ١٨٦، والمقدمات الممهدات، لابن رشد:١/ ٨، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٧.
(٤) قال الحطاب: الْمُسْتَنْكِحَ يصحّ فيه فتح الكاف وكسرها، والشك الْمُسْتَنْكِحَ هو الذي يأتي صاحبه كثيرًا في الوضوء والصلاة وغيرها، انظر: مواهب الجليل: ١/ ١٤٣.
[ ١ / ١٤٤ ]
لذلك، وأيضًا فإن ما وجّهوا به هذا القول مبنىٌ عَلَى أن كلّ ما خالف العادة أو الأصل، وكان يغتفر منه اليسير دون الكثير فإنه ينقص من الكثير مقدار اليسير المغتفر فيغتفر، وهذا شيء ذهب إليه بعض الشيوخ، وهو خلاف أصل المذهب، كقولهم فِي زيادة كيل الطعام المشتري عَلَى التصديق ونقصه .. وغير ذلك من الفروع الشبيهة به. انتهى.
وما زلت أستشكله حتى أوقفني بعض الطلبة عَلَى قول أبي عبد الله بن مرزوق فِي " شرح خليل ": لَمْ يزل الطلبة يستشكلون فهم هذا البناء وتنزيل مسألة المستنكح عليه، والذي يظهر أن هذه المسألة عكس هذا الأصل؛ لأن المغتفر (١) هنا ما زاد عَلَى الخاطر الأول وهو الكثير، والذي لا يغتفر وهو الخاطر الأول هو القليل، إلا أن يكون من قياس العكس فيشبه، والطريقة القروية هى التي عند اللخمي، واقتصر عليها ابن عرفة كأنها تفسير فقال: قال اللخمي: والمستنكح يبني عَلَى أول خاطريه، وإلا ألغاه (٢).
وَبِشَكٍّ فِي سَابِقِهِمَا، لا بِمَسِّ دُبُرٍ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ وقَيْءٍ وأَكْلِ جَزُورٍ وذَبْحٍ وحِجَامَةٍ وقَهْقَهَةٍ بِصَلاةٍ، ومَسِّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا، وأُوِّلَتْ أَيْضًا بِعَدَمِ الإِلْطَافِ (٣)، ونُدِبَ غَسْلُ فَمٍ مِنْ لَحْمٍ ولَبَنٍ، وتَجْدِيدُ وُضُوءٍ إنْ صَلَّى بِه.
قوله: (وَبِشَكٍّ فِي سَابِقِهِمَا) حكى سند فيه الاتفاق، وقال ابن عرفة: لو تيقن طهرًا وحدثًا، شكّ فِي أحدثهما فقال ابن العربي: لا نصّ لعلمائنا. وقال إمام الحرمين: الحكم نقيض ما كان عليه، وهو صحيح أقوالنا إلغاء الشكّ فمن كان قبل الفجر محدثًا جزم بعده بوضوء، وحدث شكٌّ فِي أحدثهما فمتوضيء لتيقن وضوئه، وشكّه فِي نقضه ولو كان متوضئًا فمحدث؛ لتيقن حدثه وشكّه فِي رفعه. ابن محرز صوره ست:
" إن تيقنهما وشكّ فِي الأحدث وجب الوضوء. ولو شكّ معه فِي وجودهما فكذلك.
_________________
(١) في الأصل: (المعتبر).
(٢) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٢٢، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٥١، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٥٨.
(٣) نص المدونة في مس المرأة فرجها: (قال مالك في مس المرأة فرجها: إنه لا وضوء عليها) انظر: المدونة، لابن القاسم: ١/ ٩، والإلطاف هو: أن تدخل (المرأة) شيئا من يدها في فرجها. انظر الشرح الكبير، للدردير: ١/ ١٢٣.
[ ١ / ١٤٥ ]
ولو أيقن بالحدث وشكّ فِي رفعه فواجب. فإن شكّ مع ذلك فِي تقدمه فأوجب. ولو أيقن بالوضوء وشكّ فِي نقضه جاء الخلاف. فإن شكّ مع ذلك فِي تقدمه فالوضوء أضعف ". انتهى. وقد صرّح المصنف هنا بصورتين، ولا يخفاك استنباط باقيها من كلامه ضمنًا.
وَلَوْ شَكَّ فِي صَلاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ، لَمْ يُعِدْ.
قوله: (وإن شَكَّ فِي صَلاتِهِ [ثُمَّ بَانَ] (١) الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ) أي: فإن افتتح الصلاة متيقنًا بالطهارة، ثم شكّ فيها فِي أثناء الصلاة فتمادى عَلَى صلاته ثم تبين أنه متطهّر لَمْ يعد الصلاة، [هذا عَلَى] (٢) قول ابن القاسم، فِي رسم (بع) من سماع عيسى (٣)، وروى سحنون عن أشهب فِي أول سماعه: أن صلاته باطلة (٤)، وعزى فِي " التوضيح " الأول لمالك والثاني لأشهب وسحنون، ثم قال: قال المازري: وكذلك اختلف إِذَا افتتح بتكبيرة الإحرام ثم شكّ فيها، وتمادى حتى أكمل ثم تبين له بعد ذلك أنه أصاب فِي التمادي، أو زاد فِي الصلاة شيئًا تعمدًا أو سهوًا، ثم تبين أنه و(٣) هل يجزيه عن الواجب أم لا؟ ومن ذلك الاختلاف فيمن سلّم شاكًّا فِي إكمال الصلاة ثم تبين بعد ذلك الكمال؟ قال فِي " التوضيح ": وعَلَى هذا فيتخرج لنا من هنا قاعدة وهي: إِذَا شككنا فِي شيءٍ لا تجزيء الصلاة بدونه ثم تبين الإتيان به هل تجزيء الصلاة أو لا؟. انتهى، ولكن لا يلزم اتحاد المشهور فِي هذه النظائر؛ لاختلاف المدارك، ألا ترى إِلَى قوله بعد هذا: (كمُسَلِّمٍ شكّ فِي الإتمام ثم ظهر الكمال عَلَى الأظهر) (٥).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٣) نص السماع: (سُئل ابن القاسم عمن افتتح الصلاة المكتوبة، فلما صلى ركعتين شك في أن يكون على وضوء، فتمادى في صلاته - وهو على شكه ذلك، فلما فرغ من صلاته، استيقن أنه كان على وضوء. قال: صلاته مجزئة عنه، إلا أن يكون نواها نافلة حين شك).انظر: البيان والتحصيل: ٥/ ٢.
(٤) نص السماع بتمامه: (قال سحنون: وسُئل أشهب عن الرجل يدخل المكتوبة فيصلي ركعتين، ثم يشك في أنه بقي عليه مسح رأسه، ثم يتم بقية صلاته، ثم يذكر بعد ذلك أنه قد أتم وضوءه، قال: صلاته باطله) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٨٢.
(٥) انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٣٠٤، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٤٦ ]
ومَنَعَ حَدَثٌ: صَلاةً وطَوَافًا ومَسَّ مُصْحَفٍ وإِنْ بِقَضِيبٍ، وحَمْلَهُ وإِنْ بِعِلاقَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ إِلا بِأَمْتِعَةٍ قُصِدَتْ وإِنْ عَلَى كَافِرٍ، لا دِرْهَمٍ وتَفْسِيرٍ ولَوْحٍ لِمُعَلِّمٍ ومُتَعَلِّمٍ وإِنْ حَائِضًا وجُزْءٍ لِمُتَعَلِّمٍ وإِنْ بَلَغَ.
قوله: (لا دِرْهَمٍ وتَفْسِيرٍ). ابن عبد السلام ولو كان مثل تفسير ابن عطية (١)، زاد فِي " التوضيح ": لأن المقصود منه ليس القرآن. (٢) ابن عرفة، ومقتضى الروايات: لا بأس بالتفاسير غير ذات كتب الآي مطلقًا، وذات كتبها إن لَمْ تقصد وأطلق ابن شاس: الجواز (٣).
وحِرْزٍ بِسَاتِرٍ، وإِنْ لِحَائِضٍ.
قوله: (وَحِرْزٍ بِسَاتِرٍ، وإِنْ لِحَائِضٍ). قال مالك فِي سماع أشهب من كتاب الصلاة: لا بأس بما تعلّقه الحائض والحبلى والصبي من القرآن، إن كان مما يكنه من قصبة حديد (٤) أو جلد يخرز عليه، ابن رشد: أجازه فِي المرض، وأما فِي الصحة لما يتوقع من مرض أو عين فظاهر هذه الرواية إجازته، وهو أولى بالصواب، وقد روي عنه كراهته، والخيل والبهائم كالآدمي. انتهى (٥). وإطلاق المصنف يتناول المريض والصحيح كما صوّب ابن رشد.
[موجبات الغسل]
يَجِبُ غُسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِمَنِيٍّ، وإِنْ بِنَوْمٍ أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلا جِمَاعٍ ولَمْ يَغْتَسِلْ.
قوله: (أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلا جِمَاعٍ [٦ / ب] ولَمْ يَغْتَسِلْ). فِي النسخة المقروءة عَلَى أبي عبد الله بن الفتوح: صوابه أو به ولَمْ يغتسل، وهذا يتمشى الكلام به ويكون المعنى: أنه
_________________
(١) ابن عطية: عبد الحق بن أبي بكر بن عطية، المتوفى سنة ٥٤٢ هـ. له كتاب المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة: ٢/ ١٦١٣.
(٢) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣٨٥.
(٣) قال ابن شاس: (ويجوز مس كتاب التفسير والفقه والدرهم المنقوش وما كتب للدراسة كاللوح للصبيان ) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٥٠/ ١.
(٤) انتهى هنا السقط من: (ن ٣).
(٥) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٤٣٨، ٤٣٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
يجب الغسل بالمني وإن خرج بعد ذهاب اللذة بلا جماع، أو خرج بعد ذهاب اللذة بالجماع، والحالة أنه لَمْ يغتسل لذلك الجماع، ومفهومه أنه لو اغتسل للجماع لَمْ يعد الغسل لخروج المني، وبه صرّح فِي قوله: (كمن جامع فاغتسل ثم أمنى)، وبسط ذلك:
أن المسألة عَلَى وجهين أحدهما: أن يلتذّ بغير جماع ولا ينزل ثم ينزل. والثاني: أن يجامع ولَمْ ينزل ثم يغتسل ثم يخرج منه المني، فقيل: بالوجوب فيهما؛ لأنه مستند إِلَى لذة متقدمة، وقيل: لا فيهما؛ لعدم المقارنة؛ ولأن الجنابة فِي الثاني قد اغتسل لها، [والقول الثالث: التفرقة فيجب فِي الأول دون الثاني؛ لأنه فِي الثاني قد اغتسل لجنابته، والجنابة الواحدة لا يتكرر الغسل لها] (١). وقد ذكر اللخمي والمازري وغيرهما الثلاثة الأقوال، وكذا قرر ابن هارون قول ابن الحاجب: ولو التذّ ثم خرج بعد ذهابها جملة فثالثها إن كان عن جماع وقد اغتسل فلا يعيد (٢)، وتبعه فِي " التوضيح (٣) " واقتصر هنا عَلَى الثالث.
فإن قلت: فأي فائدة فِي تصويب ابن الفتوح؛ مع أن من جامع ولَمْ يغتسل ذمته عامرة بالغسل وإن لَمْ ينزل؟
قلت: فائدته فِي المفهوم، إلا أن التصريح به يضعفها، ولكلام المصنف محمل آخر ذكرناه فِي التي بعدها (٤).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٤).
(٢) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٦٠.
(٣) قال في التوضيح: (هذه المسألة على وجهين: أحدهما أن يجامع ولم ينزل، ثم يغتسل ثم يخرج منه المني. والثاني أن يلتذ بغير جماع، ولا ينزل ثم ينزل فقيل بالوجوب، لأنه مستند إلى لذة مقدمة. وقيل: لا فيهما لعدم المقارنة، ولأن الجنابة في الأول قد اغتسل لها. والثالث التفرقة، فيجب في الثاني دون الأول؛ لأنه في الأول قد اغتسل لجنابته والجنابة الواحدة لا يتكرر لها الغسل. وقد ذكر اللخمي والمازري وغيرهما الثلاثة الأقوال هكذا. وهكذا كان شيخنا - ﵀ - يقرر هذا المحل وكذلك قرره ابن هارون) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٣٨٧، ٣٨٨.
(٤) أشكل هذا الموطن على شراح المختصر الآخرين، واستشكلوا كلام صاحب المختصر، قال الحطاب بعد استشكاله: (هذا أولى ما يعتذر به عن كلام المصنف وإن كان فيه بعد فغيره مما اعتذر به أشد تكلفا. . . ولِذَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ بِهِ " ولَمْ يَغْتَسِلْ " وهُو إصْلَاحٌ بِتَكَلُّفٍ) انظر: مواهب الجليل: ١/ ٣٠٦، ٣٠٧. ووقع هذا الإصلاح لصاحب التاج والإكليل وقال بعد شرحه: (والقصد كشف المنقول، وأما تحقيق المناط، أعني تنزيل المنقول على لفظ المؤلف فما غيري بدوني في ذلك) انظر: التاج والإكليل، لمحمد بن يوسف: ١/ ٣٠٦. وقال الدردير في شرحه: (قوله: ولم يغتسل لا مفهوم له) انظر: الشرح الكبير، للدردير: ١/ ١٢٧، وانظر استشكال الدسوقي أيضا في حاشيته على الشرح الكبير: ١/ ١٢٧.
[ ١ / ١٤٨ ]
لا بِلا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ ويَتَوَضَّأُ كَمَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى ولا يُعِيدُ الصَّلاةَ، وبِمَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ لا مُرَاهِقٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعٍ فِي فَرْجٍ وإِنْ مِنْ بَهِيمَةٍ ومَيِّتٍ، ونُدِبَ لِمُرَاهِقٍ كَصَغِيرَةٍ وطِئَهَا بَالِغٌ لا بِمَنِيٍّ وَصَلَ لِلْفَرْجِ، ولَوِ الْتَذَّتْ.
قوله: (لا بِلا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ ويتوضأ كَمَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى ولا يُعِيدُ الصَّلاةَ) اقتصر فِي الثلاثة عَلَى القول بالوضوء؛ لقول ابن القصار (١) فيما ذكر الباجي عنه: أن وجوبه ظاهر المذهب، فأما الأولان فلا يتوهم فيهما إعادة الصلاة، وأما الثالث فمحلّ (٢) الخلاف فِي إعادتها، لكن اقتصر عَلَى القول بعدم الإعادة؛ لأنه الذي اختاره المازري وابن رشد وغيرهما، لكونه لا يحكم له بالاعتبار إلاّ بعد الخروج.
قال ابن رشد: وللقول بإعادة الصلاة وجه عَلَى بعد، وهو ما يخشى أن يكون انفصل الماء من موضعه، وصار إِلَى قناة الذكر بعد أن اغتسل لمجاوزة الختان؛ فصار بذلك جنبًا، فصلى ثم خرج الماء بعد. قاله فِي سماع عيسى.
فإن قلت: إنما فرّع الباجي القول بإعادة الصلاة عَلَى القول بالغسل، كما هو ظاهر كلام ابن رشد، وعَلَى ذلك درج ابن الحاجب وغيره (٣)، فقد كان المصنف فِي غنيً عن قوله: (ولا يعيد الصلاة) لاقتصاره عَلَى القول بالوضوء.
قلت: قد فرّعه اللخمي عَلَى القول بعدم الغسل أيضًا فقال: واختلف بعد القول: أن لا غسل فِي ذلك فِي: وجوب الوضوء، وفي (٤) إعادة الصلاة، فقال مالك فِي " المجموعة "، وفِي سماع ابن القاسم: ليس فِي ذلك إلاّ الوضوء ويعيد الصلاة، ثم كمّل بقية الأقوال، إلاّ أن ما نسبه لسماع ابن القاسم لَمْ يوجد فيه كما ذكر ابن عرفة.
_________________
(١) ما نقله الباجي هو عن ابن المواز لا ابن القصار كما في المنتقى. انظر: المنتقى، للباجي: ١/ ٤٠٧.
(٢) في الأصل: (فمحمل).
(٣) نص ابن الحاجب بتمامه: (ولو التذ ثم خرج بعد ذهابها جملة فثالثها إن كان عن جماع وقد اغتسل فلا يعيد، وعلى وجوبه لو كان صلى ففي الإعادة قولان، وعلى النفي ففي الوضوء قولان) انظر جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٦٠.
(٤) في (ن ١)، و(ن ٣): (ولا في).
[ ١ / ١٤٩ ]
تفريع:
قال فِي " " النوادر ": ومن " المجموعة " قال مالك من رواية علي وابن القاسم وابن وهب وابن نافع فِي: الجنب يغتسل ثم يخرج منه بقية منى وقد بال أو لَمْ يبل، فليغسل ذلك وليتوضأ. قال عنه ابن القاسم: وليعد الصلاة. ابن يونس: وقال عنه ابن حبيب: إنما عليه الوضوء. عبد الحق: وروى ابن حبيب: خروج مائه من فرجها بعد غُسلها كبولها، ويمكن أن يكون المصنف ألمّ برواية " النوادر " هذه إذ قال قبل: (أو بعد ذهاب لذة بلا جماع لَمْ يغتسل)؛ بحيث يتناول صورتين إحداهما ألا يخرج مع اللذة شيء من المني فلا ينطبق عليها قوله: (ولَمْ يغتسل)، والأخرى: أن يخرج معها بعض المني وتبقى منه بقية، وإليها يرجع قوله: (ولَمْ يغتسل)، ومفهومه أنه لو اغتسل للخارج من المني مع اللذة لَمْ يعد الغسل لخروج البقية، كما فِي هذه الرواية (١).
وبِحَيْضٍ ونِفَاسٍ بِدَمٍ، واسْتُحْسِنَ وبِغَيْرِهِ لا بِاسْتِحَاضَةٍ ونُدِبَ لاِنْقِطَاعِهِ ويَجِبُ غُسْلُ كَافِرٍ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَا ذُكِرَ وصَحَّ قَبْلَهَا وقَدْ أَجْمَعَ عَلَى الإِسْلامِ لا الإِسْلامُ إِلا لِعَجْزٍ، وإِنْ شَكَّ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ وأَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ كَتَحَقُّقِهِ.
ووَاجِبُهُ نِيَّةٌ ومُوَالاةٌ كَالْوُضُوءِ وإِنْ نَوَتِ الْحَيْضَ والْجَنَابَةِ أَواحدهُمَا نَاسِيَةً لِلآخَرِ أَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ والْجُمُعَةَ أَوْ نِيَابَةً عَنِ الْجُمُعَةِ حَصَلا، وإِنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ أَوْ قَصَدَ نِيَابَةً [٤ / ب] عَنْهَا انْتَفَيَا، وتَخْلِيلُ شَعَرٍ وضَغْثُ مَضفُورِهِ لا نَقْضُهُ ودَلْكٌ ولَوْ بَعْدَ الْمَاءِ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوِ اسْتِنَابَةٍ، وإِنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ.
وسُنَنُهُ: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا وصِمَاخُ أُذُنَيْهِ ومَضْمَضَةٌ واسْتِنْشَاقٌ.
قوله: (واسْتُحْسِنَ وبِغَيْرِهِ) أي: بغير دم. وأصل المسألة فِي سماع أشهب: أن من ولدت دون دم اغتسلت. فقال اللخمي: هذا استحسان (٢)؛ لأنه للدم لا للولد، ولو اغتسلت لخروج الولد دون الدم لَمْ يجزها، وقال ابن رشد: معنى سماع أشهب دون دمٍ
_________________
(١) انظر المسألة في: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ٢٦، والمنتقى، للباجي: ١/ ٤٠٧، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٦٧، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٦٠، ومسائل ابن رشد: ٢/ ٨١١.
(٢) في الأصل: (الاستحسان).
[ ١ / ١٥٠ ]
كثير إذ خروجه بلا دمٍ معه ولا بعده محال عادة، هذا تحصيل ابن عرفة. قال: ونقل ابن الحاجب نفيه روايةً، وابن بشير قولًا، لا أعرفه (١).
وَنُدِبَ بَدْءٌ بِإِزَالَةِ الأَذَى، ثُمَّ أَعْضَاءُ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً وأَعْلاهُ ومَيَامِنِهِ وتَثْلِيثُ رَأْسِهِ وقِلَّةُ الْمَاءِ بِلا حَدٍّ كَغَسْلِ فَرْجِ جُنُبٍ لِعَوْدِهِ لِجِمَاعٍ ووُضُوئِهِ لِنَوْمٍ لا تَيَمُّمٍ ولَمْ يَبْطُلْ إلا بِجِمَاعٍ، وتَمْنَعُ الْجَنَابَةُ مَوَانِعَ الأَصْغَرِ، والْقِرَاءَةَ إلا كَآيَةٍ لِتَعَوُّذٍ ونَحْوِهِ، ودُخُولَ مَسْجِدٍ، ولَوُ مُجْتَازًا، كَكَافِرٍ، وإِنْ أَذِنَ مُسْلِمٌ. ولِلْمَنِيِّ تَدَفُّقٌ ورَائِحَةُ طَلْعٍ أَوْ عَجِينٍ.
قوله: (لا تَيَمُّمٍ). يعني: أن الجنب العاجز عن الوضوء لا يؤمر بالتيمم، بناءً عَلَى أن الوضوء للنشاط لا لتحصيل طهارة، وهو قول مالك فِي " الواضحة " (٢).
ويُجْزِئُ عَنِ الْوُضُوءِ وإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ جَنَابَتِهِ، وغَسْلُ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ مَحَلِّهِ، ولَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ كَلُمْعَةٍ مِنْهَا، وإِنْ عَنْ جَبِيرَةٍ.
قوله: (وَيُجْزِئُ عَنِ الْوُضُوءِ وإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ [٧ / أ] جَنَابَتِهِ)، يعني: أنه يجزئه الغسل عن الوضوء، فتجزئه نية الأكبر عن الأصغر، فإِذَا اغتسل لجنابته فذكر أنه إنما عليه الوضوء أجزأه، وكذا نصّ عليه اللخمي، زاد ابن عرفة وخرج عَلَى ترك الترتيب، وأجزأه غسل الرأس عن مسحه (٣).
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١٣٨، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٣٩٧، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٦١.
(٢) الذي وقفت عليه في الواضحة من كلام ابن حبيب: (حدثني أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن مالك عن أبي سعيد إن رسول الله ﷺ تيمم جدارًا. قال عبد الملك: وليس ذلك عندنا إلا على التيمم للنوم من الجنابة إذا لم يحضره الماء)، وفي النوادر والزيادات: قال ابن حبيب: وإذا لم يجد الجنب الماء فلا ينام حتى يتيمم. انظر: النوادر والزيادات: ١/ ٨٥.
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٦٤، وجامع الأمهات، لابن الحاجب ونصه: (ويجزيء الغسل عن الوضوء) ص: ٦٣.
[ ١ / ١٥١ ]
[المسح عَلَى الخفين]
رُخِّصَ لِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ وإِنْ مُسْتَحَاضَةً بِحَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ مَسْحُ جَوْرَبٍ.
قوله: (رُخِّصَ لِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ وإِنْ مُسْتَحَاضَةً) كذا فِي " المدوّنة ". قال فِي " التوضيح ": لئلا يتوهم قصر الرخصة عَلَى الرجل، لكونه هو الذي يضطر غالبًا إِلَى الأسباب المقتضية للبسه (١).
جُلِّدَ ظَاهِرُهُ وبَاطِنُهُ وخُفٍّ ولَوْ عَلَى خُفٍّ بِلا حَائِلٍ كَطِينٍ، إِلا الْمِهْمَازَ (٢) ولا حَدَّ بِشَرْطِ جِلْدٍ طَاهِرٍ خُرِزَ وسَتَرَ مَحَلَّ الْفَرْضِ وأَمْكَنَ تَتَابُعُ الْمَشْيِ بِهِ بِطَهَارَةِ مَاءٍ كَمُلَتْ بِلا تَرَفُّهٍ وعِصْيَانٍ بِلُبْسِهِ، أَوْ سَفَرِهِ.
قوله: (جُلِّدَ ظَاهِرُهُ وبَاطِنُهُ) أي: أعلاه وأسفله من خارج، فهو كقوله فِي " المدوّنة ": إلاّ أن يكون فوقهما وتحتهما جلد مخروز (٣).
فَلا يُمْسَحُ وَاسِعٌ ومُخَرَّقٌ قَدْرَ ثُلُثِ الْقَدَمِ وإِنْ بِشَكٍّ لا دُونَهُ إِنِ الْتَصَقَ، كَمُنْفَتِحٍ صَغُرَ وغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ كَمَّلَ ورِجْلًا فَأَدْخَلَهَا حَتَّى يَخْلَعَ الْمَلْبُوسَ قَبْلَ الْكَمَالِ ولا مُحْرِمٌ لَمْ يُضْطَرَّ.
قوله: (لا دُونَهُ) أي: لا دون قدر الثلث (٤).
_________________
(١) انظر: المدوّنة، ونصها: (.. قلت لابن القاسم: أرأيت المستحاضة أتمسح على خفيها؟ قال: نعم، لها أن تمسح على خفيها): ١/ ٤١، وانظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩٣.
(٢) المِهْمازُ: حديدة تكون في مؤخّر خُف الرائض. انظر لسان العرب، لابن منظور: ١/ ٣٠٦.
(٣) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٤٠.
(٤) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩٥. وللإمام الحطاب هنا تحرير في هذه المسألة يحسن أن نسوقه قال فيه بعد أن استبدل كلام المصنف: (لا أقل إن التصق) بـ (لا دونه): " كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: (لا دونه إن التصق) وهو ما نحاه شارحنا، ثم قال الحطاب ﵀: " ورأيت بخط بعض أصحابنا ممن وقف على نسخة بخط المصنف أن كلتا اللفظتين ليستا في أصل المصنف، وأنه رأى بخط المصنف في حاشية المبيضة: " أني مقتصر في هذا على كلام ابن رشد في البيان "، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات إحدى اللفظتين كما يظهر ذلك من كلام ابن رشد، ولفظه: لا أقل. أخصر فهي أولى، وكلام ابن رشد الذي أشار إليه ذكره في التوضيح، وفيه طول، وقال بعد أن ذكر الروايات: فاستقرينا من مجموع هذه الروايات أنه يمسح على الخرق اليسير، ولا يمسح على الخرق الكبير " انظر: مواهب الجليل: ١/ ٤٦٩. = = ونصّ ابن رشد الذي أشار إليه الحطاب في البيان والتحصيل: ١/ ٢٠٦: (ولم يبين في الرواية حدّ الخرق الذي يجوز المسح عليه من الذي لا يجوز، ولا وقع ذلك في الأمهات ما فيه شفاء وجلاء. . . وقامت الأدلة على أن الثلث هو آخر حد اليسير وأول حد الكثير. .وإن كان الخرق أقل من الثلث فإنه يمسح عليه) هـ: وفي بعض الشروح الأخرى: (وإن بشكٍّ إن التصق)، وفي بعضها: (بل دونه إن التصق) وفي بعضها (لا دونه إن التصق) وفي بعضها: (لا أقل إن التصق) ومعنى الأربعة واحد. . . " إلخ انظر: شرح الخُرَشي: ١/ ٣٥٣، ٣٥٤. قال العدوي معقبًا على كلام الخرشي السابق: (وإِن بِشكٍّ إن التصق) أصله (لا دونه إن التصق ومسحه بل دونه) أي بل يمسح دونه إن التصق فقوله: (فهو) أي: الشّرط، ولعلّ بل أولى؛ لِأنّ العطف بِلا بعد النّفيِ يمتنِع، إلّا أن يجاب بِأنّه يغتفر فِي التّابِعِ ما لا يغتَفر فِي المَتبوعِ) انظر: السابق. قلت: وفي نسختنا المحفوظة بمكتبتنا: (وإن بشكٍ لا دونه إن التصق).
[ ١ / ١٥٢ ]
وَفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ، ولا لابِسٌ لِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ أَوْ لِيَنَامَ، وفِيهَا يُكْرَهُ، وكُرِهَ غَسْلُهُ وتَكْرَارُهُ وتَتَبُّعُ غُضُونِهِ (١) وبَطَلَ بِغُسْلٍ وَجَبَ وبِخَرْقِهِ كَثِيرًا.
قوله: (وفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ) ابن عرفة: لا نصّ فِي الخفّ المغصوب، وفيه نظر، وقياسه عَلَى المحرم يردّ بأن حقّ الله تعالى آكد، وقياسه عَلَى مغصوب الماء يتوضأ به، والثوب يستتر به، والمدية يذبح بها، والكلب يصطاد به، والصلاة بالدار المغصوبة يردُّ بأنها عزائم.
وبِنَزْعِ أَكْثَرِ رِجْلٍ لِسَاقِ خُفِّهِ.
قوله: (وبِنَزْعِ أَكْثَرِ رِجْلٍ لِسَاقِ خُفِّهِ)، جعل الحكم للأكثر اعتمادًا عَلَى قول ابن الجلاب: إلا أن تخرج الرجل كلها أو جلها (٢)؛ وكأنه عنده تفسير لما فِي " المدوّنة " (٣).
لا الْعَقِبِ.
قوله: (لا الْعَقِبِ) أي: لا بنزع العقب، فهو كقوله فِي " المدوّنة ": وإِذَا خرج العقب من الخف إِلَى الساق والقدم كما هي فِي الخف، فهو عَلَى وضوءه (٤).
_________________
(١) الغضْنُ والغَضَنُ: الكَسْرُ في الجِلْد، والغُضُون: مكاسِرُ الجلد في الجَبين والنَّصِيلِ). انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٣١/ ٣١٤.
(٢) انظر: التفريع، لابن الجلاب: ١/ ٣١
(٣) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٤١، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩٨، والتفريع، لابن الجلاب: ١/ ٣٠، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢٠٦.
(٤) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٤١، ونصّها: (وإن خرج العقب إلى الساق قليلا، والقدم كما هي في الخف فلا أرى عليه شيئا).
[ ١ / ١٥٣ ]
وَإِذَا نَزَعَهُمَا أَوْ أَعْلَيَيْهِ أَو أحدهُمَا بَادَرَ لِلأَسْفَلِ كَالْمُوَالاةِ، وإِنْ نَزَعَ رِجْلًا وعَسُرَتِ الأُخْرَى، وضَاقَ الْوَقْتُ فَفِي تَيَمُّمِهِ أَوْ مَسْحِهِ عَلَيْهِ أَوْ إِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ وإِلا مُزِّقَ، أَقْوَالٌ.
ونُدِبَ نَزْعُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ ووَضْعُ يُمْنَاهُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ويُسْرَاهُ تَحْتَهَا ويُمِرُّهُمَا لِكَعْبَيْهِ وهَلِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ أَوِ الْيُسْرَى فَوْقَهَا تَأْوِيلانِ، ومَسْحُ أَعْلاهُ وأَسْفَلِهِ، وبَطَلَتْ إِنْ تَرَكَ أَعْلاهُ لا أَسْفَلَهُ فَفِي الْوَقْتِ [المختار] (١).
قوله: (أَو أحدهُمَا) أي: أحد [المنفردين أو أحد الأعليين، فإِذَا نزع] (٢) أحد المنفردين نزع الآخر وغسل الرجلين، وإِذَا نزع أحد الأعليين مسح الذي تحته فقط، هذا قول ابن القاسم فِي المسألتين، ومقتضى سماع أشهب: ألا يجب خلع الخفّ الآخر فِي المسألتين، وقال ابن حبيب: لابد من خلعه فِي المسألتين، فهي ثلاثة أقوال قد حصّلها ابن رشد فِي سماع أشهب (٣).
[فصل في التيمم]
يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وسَفَرٍ أُبِيحَ، لِفَرْضٍ ونَفْلٍ، وحَاضِرٌ صَحَّ لِجَنَازَةٍ إِنْ تَعَيَّنَتْ، وفَرْضٍ غَيْرِ جُمُعَةٍ، ولا يُعِيدُ لا سُنَّةٍ، إِنْ عَدِمُوا مَاءً كَافِيًا أَوْ خَافُوا بِاسْتِعْمَالِهِ مَرَضًا، أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ أَوْ عَطَشَ، مُحْتَرَمٍ مَعَهُ.
قوله: (ولا يُعِيدُ) أي لا يعيد حاضر الفرض الذي صلاه بالتيمم إِذَا وجد الماء، فهو كقوله فِي " المدوّنة ": ولا إعادة عليه إِذَا توضأ بعد ذلك فِي وقتٍ ولا غيره، ولمالك قول فِي الحضري: أنه يعيد إِذَا توضأ (٤).
أَوْ بِطَلَبِهِ تَلَفَ مَالٍ أَوْ خُرُوجَ وَقْتٍ كَعَدَمِ مُنَاوِلٍ أَوْ آلَةٍ، وهَلْ إِنْ خَافَ فَوَاتَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ؟ خِلافٌ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ٩٦، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٣٧، و١/ ١٤٣، ١٤٤.
(٤) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ٤٤، والنوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١٠٩، ١١٠، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٦٧.
[ ١ / ١٥٤ ]
قوله: (أَوْ خُرُوجَ وَقْتٍ) يعني الاختياري، قال ابن رشد فِي رسم عبد استأذن من سماع عيسى: القول بأن من خاف طلوع الشمس تيمم: هو عَلَى القول بأن الصبح ليس لها وقت ضرورة، وأما عَلَى القول بأن لها وقت ضرورة - وهو الإسفار - فإنما يعالج طلب الماء ما لَمْ يخف أن يسفر؛ لأن الذي لا يجد الماء ينتقل إِلَى التيمم إِذَا خشي أن يفوته وقت الاختيار. انتهى (١). وأمّا ما قاله ابن عسكر (٢) في " الإرشاد ": من اعتبار الضروري هنا غير معروف.
[٥ / أ] وجَازَ جِنَازَةٌ وسُنَّةٌ ومَسُّ مُصْحَفٍ وقِرَاءَةٌ وطَوَافٌ ورَكْعَتَاهُ بِتَيَمُّمِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ إِنْ تَأَخَّرَتْ.
قوله: (وجَازَ جِنَازَةٌ وسُنَّةٌ ومَسُّ مُصْحَفٍ وقِرَاءَةٌ وطَوَافٌ ورَكْعَتَاهُ بِتَيَمُّمِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ إنْ تَأَخَّرَتْ). ظاهره أن هذه الأشياء يجوز أن تصلى بعد الفرض والنفل بتيممها، كما عند ابن الحاجب، إلاّ إنه زاد عليه ذكر الجنازة وعبّر عن ما دون الفرض من الصلوات بالسنة فتكون الرغيبة والنافلة أحرى.
فإن قلت: أما السنة فما دونها بعد الفرض فجوازها ظاهر، وكذلك بعد النفل، فقد ذكر فِي " النوادر ": عن ابن القاسم: أنه لا بأس أن يوتر بتيمم النفل (٣)، وأما الجنازة إِذَا تعيّنت فكيف يصليها بتيمم غيرها؟ وأما الطواف فقد أطلقه هنا كابن الحاجب وهو يقول فِي " التوضيح ": ينبغي أن يقيّد بطواف النفل (٤)، وقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب الطواف بعد الفرض كالنفل لا أعرفه فِي واجبه فكيف به بعد النفل!.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ١٤٧، ١٤٨
(٢) هو: عبد الرحمن بن محمد بن عسكر، شهاب الدين، البغدادي، المالكي، له التصانيف الحسنة المفيدة، منها كتاب " المعتمد والعمدة " في الفقه، وكتاب " الإرشاد "، وله في الحديث وغيره تآليف مشهورة، توفي سنة: ٧٣٢ هـ. انظر ترجمته في: الدرر الكامنة، لابن حجر: ٣/ ١٣٥، وشذرات الذهب، لابن العماد، ٣/ ١٠٢.
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١١٩.
(٤) انظر: التوضيح، لخليل بن إسحاق: ١/ ٤٢٧.، وانظر: جامع الأمهات، ص: ٦٩، ونصه: (ولو نوى فرضًا جاز النفل بعده وكذلك الطواف وركعتاه).
[ ١ / ١٥٥ ]
قلت: لعل قوله بعد هذا: (لا فرض آخر) أعم من أن يكون [أحد] (١) الخمس أو جنازة تعينت أو طوافًا واجبًا، فيكون قيدًا لما أطلق هنا فِي الجنازة والطواف، وليس فِي قوله بعد: (وبطل الثاني ولو مشتركة) ما يبعده ولابد، عَلَى أنّي لا أذكر الآن من صرّح بجواز التبعية فِي الجنازة لفرضٍ أو نفل تعينت أم لا؟
فإن قلت: قوله: (إن تأخرت)؛ إنما يحسن اشتراطه فِي تيمم الفرض لا تيمم النفل؟
قلت: يمكن أن يكون مفهومه بالنسبة لتيمم الفرض مفهوم مخالفة، وبالنسبة لتيمم النفل مفهوم موافقة يفرقه ذهن السامع، ولَمْ يصرح المصنف بشرط الاتصال وهو منصوص فِي سماع أبي زيد، ولا يشترط نية النافلة عند تيمم الفريضة، وقد ذكره ابن رشد (٢).
لا فَرْضٌ آخَرَ وإِنْ قَصْدًا وبَطَلَ الثَّانِي ولَوْ مُشْتَرَكَةً، لا بِتَيَمُّمٍ لِمُسْتَحَبٍّ ولَزِمَ مُوَالاتُهُ.
قوله: (لا فَرْضٌ آخَرَ وإِنْ قَصْدًا وبَطَلَ الثَّانِي ولَوْ مُشْتَرَكَةً) أي: لا يصلي بتيمم فرض فرضًا آخر وإن قصد الفرضين معًا بالتيمم الأول، فإن فعل بطل الفرض الثاني وأعاده أبدًا، وصحّ الأول، قال ابن عبد السلام: ولا يقال إنه لما نوى [فرضين] (٣) ولا يستباح به إلا فرض واحد صار كأنه تيمم غير مشروع؛ لأن المقصود الأهم من النية استباحة [٧ / ب] العبادة، وفعله فرضًا أو فرضين من لواحق التيمم، وأحد الفرضين منفصلٌ عن الآخر، والأول عبادة مستقلة بنفسها بخلاف من نوى فِي الذبيحة أن يجهز حتى يبين الرأس، أي: فإنه مختلف فيه، وما ذكر من بطلان الفرض الثاني هو ظاهر قول ابن القاسم فِي سماع أبي زيد، وهو قول مُطرِّف وابن الماجشون، وعَلَى هذا اقتصر ابن عرفة فِي عزوه، ونسبه فِي " النوادر " لابن القاسم من رواية ابن المواز مطلقًا، سواءً كانتا مشتركتي الوقت أم لا.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١١٩، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢١٢، ٢١٣، وجامع الأمهات، لابن الحاجب، ص: ٦٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ٣).
[ ١ / ١٥٦ ]
قال الباجي: وهو [الذي] (١) يناظر عليه أصحابنا، وقد نقل هذا فِي " التوضيح "، وأشار بقوله: (ولو مشتركة) (٢) إِلَى قول أصبغ: إن كانتا مشتركتين أعاد الثانية فِي الوقت وإلاّ أعادها أبدًا؛ وعليه فقيل: المعتبر الوقت الضروري، وقيل الاختياري، حكاهما ابن رشد فِي سماع أبي زيد (٣).
وَقَبُولُ هِبَةِ مَاءٍ لا ثَمَنٍ أَوْ قَرْضُهُ وأَخْذُهُ بِثَمَنٍ اعْتِيدَ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ وإِنْ بِذِمَّتِهِ وطَلَبَهُ لِكُلِّ صَلاةٍ، ولَوْ تَوَهَّمَهُ لا تَحَقَّقَ عَدَمُهُ طَلَبًا لا يَشُقُّ بِهِ كَرُفْقَةٍ قَلِيلَةٍ، أَوْ حَوْلَهُ مِنْ كَثِيرَةٍ إنْ جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ ونِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاةِ ونِيَّةُ أَكْبَرَ إنْ كَانَ، ولَوْ تَكَرَّرَتْ ولا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وتَعْمِيمُ وَجْهِهِ وكَفَّيْهِ لِكُوعَيْهِ ونَزَعُ خَاتَمِهُ. وصَعِيدٌ طَهُرَ كَتُرَابٍ وهُوَ الأَفْضَلُ، ولَوْ نُقِلَ وثَلْجٍ وخَضْخَاضٍ وفِيهَا: جَفَّفَ يَدَيْهِ، رُوِيَ بِجِيمٍ وخَاءٍ، وجِصٍّ لَمْ يُطْبَخْ، وبِمَعْدِنٍ غَيْرِ نَقْدٍ وجَوْهَرٍ.
قوله: (أَوْ قَرْضُهُ) لا أعرف عند أحدٍ من أهل المذهب هذا الفرع، إلاّ أن ابن عبد السلام لما تكلّم عَلَى من يبيع منه الماء بغير غبن، وهو محتاج لنفقة سفره، وأنه لا يلزمه قال: وإن كان مليا ببلده إلا أن يجد من يسلفه فيلزمه، ولها نظائر. انتهى. فإن كان المصنف لهذا أشار؛ فالضمير فِي قوله: (قَرْضُهُ) يعود عَلَى الثمن، وهو معطوف عَلَى المثبت لا المنفي، والمعنى: ولزمه قبول سلف ثمن يشتري به الماء إِذَا بُذل له ولَمْ يعجز عن القضاء لخفّة المنة فِي ذلك، وعَلَى هذا لو عطفه بالواو لكان أولى. والله تعالى أعلم.
ومَنْقُولٍ كَشَبٍّ ومِلْحٍ ولِمَرِيضٍ حَائِطُ لَبَنٍ، أَوْ حَجَرٍ. لا بِحَصِيرٍ وخَشَبٍ، وفِعْلُهُ فِي الْوَقْتِ. فَالآيِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، والْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ، والرَّاجِي آخِرَهُ. وفِيهَا تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ لِلشَّفَقِ. وسُنَّ تَرْتِيبُهُ، وإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وتَجْدِيدُ ضَرْبَةٍ لِيَدَيْهِ. ونُدِبَ تَسْمِيَةٌ، وبَدْءٌ بِظَاهِرِ يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ مَسْحُ الْبَاطِنِ لآخِرِ الأَصَابِعِ، ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ٣): (مشتركتي الوقت).
(٣) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد: ١/ ١١٧، والمنتقى، للباجي: ١/ ٤٢٧،، والبيان والتحصيل، لابن رشد: ١/ ٢١٢، ٢١٣.
[ ١ / ١٥٧ ]
وبَطَلَ بِمُبْطِلِ الْوُضُوءِ وبِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلاةِ لا فِيهَا إِلا نَاسِيَهُ ويُعِيدُ الْمُقَصِّرَ فِي الْوَقْتِ، وصَحَّتْ إِنْ لَمْ يُعِدْ كَوَاجِدِهِ بِقُرْبِهِ، أَوْ رَحْلِهِ، لا إِنْ ذَهَبَ رَحْلُهُ، وخِائِفِ لِصٍّ أَوْ سَبْعٍ ومَرِيضٍ عَدِمَ مُنَاوِلًا، ورَاجٍ قَدمَ ومُتَرَدِّدٍ فِي لُحُوقِهِ ونَاسٍ ذَكَرَ بَعْدَهَا كَمُقْتَصِرٍ عَلَى كُوعَيْهِ، لا عَلَى ضَرْبَةٍ، وكَمُتَيَمِّمٍ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ، وأُوِّلَ بِالْمَشْكُوكِ، وبِالْمُحَقَّقِ، واقْتَصَرَ عَلَى الْوَقْتِ لِلْقَائِلِ بِطَهَارَةِ الأَرْضِ بِالْجَفَافِ، ومُنِعَ مَعَ عَدَمِ مَاءٍ تَقْبِيلُ مُتَوَضٍّ، وجِمَاعُ مُغْتَسِلٍ، إِلا لِطُولٍ، وإِنْ نَسِيَ إِحْدَى الْخَمْسِ، تَيَمَّمَ خَمْسًا وقُدِّمَ ذُو مَاءٍ مَاتَ ومَعَهُ جُنُبٌ إِلا لِخَوْفِ عَطَشٍ كَكَوْنِهِ لَهُمَا وضَمِنَ قِيمَتَهُ. وتَسْقُطُ صَلاةٌ وقَضَاؤُهَا بِعَدَمِ مَاءٍ وصَعِيدٍ.
[فصل]
إِنْ خِيفَ غَسْلُ جُرْحٍ كَالتَّيَمُّمِ، مُسِحَ، ثُمَّ جَبِيرَتُهُ، ثُمَّ عِصَابَتَهُ كَفَصْدٍ، ومَرَارَةٍ، وقِرْطَاسِ صُدْغٍ، وعِمَامَةٍ خِيفَ بِنَزْعِهَا.
قوله: (ومِلْحٍ) أقرب ما يعطيه اللفظ أنه معطوف عَلَى شبّ، وأنه أراد منع التيمم عَلَى المنقول من الشب (١) والملح وأمثالهما.
وإِنْ بِغُسْلٍ (٢)، أَوْ بِلا طُهْرٍ، أَوِ انْتَشَرَتْ إِنْ صَحَّ جُلَّ جَسَدِهِ أَوْ أَقَلُّهُ، ولَمْ يَضُرَّ غَسْلُهُ وإِلا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ كَأَنْ قَلَّ جِدًَّا كَيَدٍ، وإِنْ غَسَلَ أَجْزَأَ وإِنْ تَعَذَّرَ مَسَّهَا وهِيَ بِأَعْضَاءِ تَيَمُّمِهِ، تَرَكَهَا وتَوَضَّأَ، وإِلا فَثَالِثُهَا يَتَيَمَّمُ إِنْ كَثُرَ، ورَابِعُهَا يَجْمَعُهُمَا، وإِنْ نَزَعَهَا لِدَوَاءٍ أَوْ سَقَطَتْ وإِنْ بِصَلاةٍ قَطَعَ ورَدَّهَا ومَسَحَ، وإِنْ صَحَّ غَسَلَ، ومَسَحَ مُتَوَضٍّ رَأْسَهُ.
قوله: (وإِنْ بِغُسْلٍ أَوْ بِلا طُهْرٍ أَوِ (٣) انْتَشَرَتْ). هكذا ينبغي أن يكون معطوفًا، بأو كما فِي بعض النسخ.
_________________
(١) الشَّبُّ: حِجارةٌ يُتَّخَذُ منها الزَّاجُ وما أَشبهه .. له بَصِيصٌ شديدٌ. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١/ ٤٨٣.
(٢) في أصل المختصر: (بِغُسْلٍ وَجَبَ).
(٣) في (ن ٣): (و)، وكذا هو في أصل المختصر لدينا، والنسخة المطبوعة. قلت: وعلى عطف (انتشرت) بالواو شرّاح المختصر الآخرين، وعند الدسوقي: (وإن انتشرت) قال: أي هذا إذا كانت العصابة قدر المحل المألوم بل وإن انتشرت العصابة وجاوزت محل الألم، فهو قريب من كلام الشارح ﵀ هنا. انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ١/ ١٦٤. وقال الصاوي: (أَوْ انْتَشَرَتْ: أَيْ اتَّسَعَتْ لِلضَّرُورَةِ) فعطفها في نسخته بأو كما صوبها الشارح هنا ﵀.
[ ١ / ١٥٨ ]
[فصل] [٥ / ب]
الْحَيْضُ دَمٌ كَصُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُلِ مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً، وإِنْ دَفْعَةً، وأَكْثَرُهُ لِمُبْتَدَأَةٍ نِصْفُ شَهْرٍ، كَأَقَلِّ الطُّهْرِ، ولِمُعْتَادَةٍ ثَلاثَةٌ اسْتِظْهَارًا عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْهُ، ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ ولِحَامِلٍ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ النِّصْفُ، ونَحْوُهُ وفِي سِتَّةٍ فَأَكْثَرَ عِشْرُونَ يَوْمًا ونَحْوُهَا، وهَلْ مَا قَبْلَ الثَّلاثَةِ كَمَا بَعْدَهَا أَوْ كَالْمُعْتَادَةِ؟ قَوْلانِ. وإِنْ تَقَطَّعَ طُهْرٌ لَفَّقَتْ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلِهَا. ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ عَنْهَا، وتَصُومُ وتُصَلِّي وتُوطَأُ، والْمُمَيَّزُ بَعْدَ طُهْرٍ تَمَّ حَيْضٌ ولا تَسْتَظْهِرُ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (عَلَى تَفْصِيلِهَا) أي: عَلَى التفريق السابق بين المبتدأة والمعتادة والحامل ابتداءً وانتهاءً.
والطُّهْرُ بِجُفُوفٍ، أَوْ قَصَّةٍ وهِيَ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا فَتَنْتَظِرُهَا لآخِرِ الْمُخْتَارِ، وفِي الْمُبْتَدَأَةِ تَرَدُّدٌ، ولَيْسَ عَلَيْهَا نَظَرُ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، بَلْ عِنْدَ النَّوْمِ، أَوِ الصُّبْحِ، ومَنَعَ صِحَّةَ صَلاةٍ، وصَوْمٍ، ووُجُوبَهُمَا، وطَلاقًا، وبَدْءَ عِدَّةٍ.
قوله: (والطُّهْرُ بِجُفُوفٍ، أَوْ قَصَّةٍ وهِيَ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا) أي: فإِذَا رأتها لَمْ تنتظر الجفوف، فلزم من ذلك ألا تنتظر زوالها وقد قال ابن يونس: قال بعض شيوخنا فِي التي ترى القصة: لا تنتظر زوالها، ولكن تغتسل إِذَا رأتها؛ لأنها علامة للطهر.
وَوَطْءَ فَرْجٍ أَوْ تَحْتَ إِزَارٍ ولَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ وتَيَمُّمٍ ورَفْعَ حَدَثِهَا، ولَوْ جَنَابَةً ودُخُولَ مَسْجِدٍ فَلا تَعْتَكِفُ، ولا تَطُوفُ ومَسَّ مُصْحَفٍ لا قِرَاءَةً.
والنِّفَاسُ دَمٌ خَرَجَ لِلْوِلادَةِ ولَوْ بَيْنَ تَوْأَمَيْنِ، وأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا، فَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا فَنِفَاسَانِ وتَقْطَعُهُ ومَنْعُهُ كَالْحَيْضِ ووَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ (١) والأَظْهَرُ نَفْيُهُ.
قوله: (وَوَطْءَ فَرْجٍ أَوْ تَحْتَ إِزَارٍ) ظاهره أنه يجوز له الاستمتاع بكلِّ ما عدا ذلك منها حتى الاستمناء بيدها، ولا أعلم أحدًا من أهل المذهب صرّح بذلك، وقد صرّح بجوازه أبو حامد فِي " الإحياء " (٢).
_________________
(١) الهادَ هُوَ: دَمٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ قُرْبَ الْوِلَادَةِ. انظر الشرح الكبير، للدردير: ١/ ١٧٥.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالي: ٢/ ٣٢٥.
[ ١ / ١٥٩ ]