قال الفقيه الإمام الحافظ أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، ﵁ وقع في المدونة وغيرها في شهادة الشاهد يشهد لنفسه، ولغيره بوصية مال، اختلاف كثير، يفتقر تحصيله إلى تفصيل وتحصيل وتقسيم.
في المسألة أربع حالات
وذلك أنها مسألة تنقسم إلى قسمين، ولا يخلو كل قسم مكنهما من وجهين:
[ ١ / ٤٤٤ ]
أحد القسمين أن يكون الموصي قد أشهد على وصيته في كتاب
والثاني: أن يكون أشهد على وصيته لفظا بغير كاتب.
حالتان للقسم الأول
فأما القسم الأول، وهو أن يشهد الموصي على وصيته مكتوبة، قد أوصى للشاهد
فيها بوصية فلا يخلو من وجهين:
أحدهما أن يكون ما سمي للشاهد فيها يسيرا
والثاني: أن يكون ما سمي له فيها كثيرا
[١]- الوصية مكتوبة وما سمي فيها للشاهد يسير.
فأما ان كان ما سمي له فيها يسيرا ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدهما: أن شهادة الموصى له لا تجوز لنفسه ولا لغيره؛ لأنه يتهم في اليسير كما يتهم في غير الوصية، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
والثاني: أن شهادته تجوز لنفسه ولغيره؛ فان كان وحده حلف الموصي لهم مع شهادته: أن ما شهد به من الوصية حق، فتثبت الوصية بشهادته مع أيمانهم، وأخذ هو ماله فيها، لأنه في خيز التبع لجملة الوصية، وان كان معه غيره ممن أوصى له فيها، أيضا، بيسير، ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ كل منهما ماله فيها بغير يمين، وان كان الشاهد الذي معه في الوصية ممن لم يوص له فيها بشىء ثبتت الوصية، أيضا، بشهادتهما وأخذ هو ماله فيها بغير يمين وهذا هو قول ابن القاسم في
[ ١ / ٤٤٥ ]
المدونة، ورواية مطرف عن مالك في الواضحة.
والثالث: ان شهادته تجوز لغيره، ولا تجوز لنفسه، فان كان وحده، حلف الموصى لهم مع شهادته، واستحقوا وصاياهم، ولم يكن له هو شىء، وان كان معه غيره، ممن أوصى له فيها، أيضا، بيسير ثبتت الوصية بشهادتهما، لمن سواهما، فأخذوا وصاياهم، بغير يمين، وحلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، فاستحق وصيته، وان كان معه من لم يوص له فيها بشىء، ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواه، وحلف هو مع شهادة صاحبه، واستحق وصيته، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة.
والرابع: أن شهادته تجوز له ولغيره، إن كان معه شاهد غيره، ولا تجوز له، وتجوز لغيره، ان لم يكن / معه شاهد غيره. فإن كان معه شاهد غيره ثبتت الوصية بشهادتها وأخذ هو ماله فيها بغير يمين، وان لم يكن معه شاهد غيره، حلف غيره مع شهادته، واستحق وصيته، ولم يكن له هو شىء، وهو قول يحى بن سعيد في المدونة.
[٢]- الوصية مكتوبة، وما سمي فيها للشاهد كثير.
وأما ان كان ما سمي له فيها كثيرا، فلا تجوز شهادته له ولا لغيره، في المشهور من الاقوال، وتجوز شهادته لغيره، ولا تجوز لنفسه، على قياس قول أصبغ في نوازله من كتاب الشهادات في العبدين يشهد ان بعد عتقهما: أن الذي أعتقهما غصبهما من رجل، مع مائة دينار، أن شهادتهما تجوز في المائة ولا تجوز في غصب رقابهما، لأنهما يتهمان أن يريدا إرقاق أنفسهما، ولا يجوز لحر أن يرق نفسه، إذ يقوم من قوله في هذه المسألة: أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة يجوز منها مالا تهمة فيه وهو خلاف المشهور في المذهب.
[ ١ / ٤٤٦ ]
حالتان للقسم الثاني
وأما القسم الثاني، وهو يشهد الموصي على وصيته لفظا بغير كتاب، فيقول: لفلان كذا ولفلان كذا، ولفلان كذا، والشاهد أحدهم، فلا يخلو من وجهين.
أحدهما: أن يكون الذي أوصى به لأحد الشهود يسيرا.
والثاني: أن يكون الذي أوصى به كثيرا.
[٣]- الوصية شفوية، وما سمي فيها للشاهد يسير.
فأما ان كان الذي أوصي له به يسيرا، فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره، فان كان وحده، حلف الموصى لهم مع شهادته، واستحقوا وصاياهم وان كان معه غيره ممن غيره ممن شهد لنفسه، أيضا، بيسير، حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، واستحق وصيته، وأخذ من سواهما وصضاياهم بشهادتهما دون يمين. وان كان معه غيره ممن لم يشهد لنفسه بشىء حلف هو معه، واستحق وصيته، وأخذ من سواه وصيته، بشهادتهما دون يمين. وقد يقال: انه لا يجوز شهادته لنفسه، ولا لغيره، بتأويل ضعيف.
[ ١ / ٤٤٧ ]
[٤]- الوصية شفوية، وما سمى للشاهد كثير
وأما ان كان الذي شهد به لنفسه كثيرا، فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره، على قول مطرف وابن الماجشون، في الواضحة، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات، فان لم يكن معه غيره، على مذهب مطرف وابن الماجشون، حلف الموصى لهم، واستحقوا وصاياهم بايمانهم مع شهادته، وان كان معه غيره، ممن شهد لنفسه بكثير، أيضا، حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، فاستحق وصيته، ان لم تكن شهادة كل واحد منهما لصاحبه في مجلس واحد، على مذهبهما في الشهود يشهد بعضهم لبعض: ان شهادتهم لا تجوز ان كانت على رجل واحد، في مجلس واحد، وأخذ من سواهما وصيته، بشهادتهما دون يمين.
وبالله التوفيق بعزته.
رد الشاهادة للتهمة في بعضها.
فصل. فالمشهور في المذهب: أن الشهادة، إذا رد بعضها للتهمة، ردت كلها. وقد قيل: انه يجوز منها ما لا تهمه فيه، على قياس قول أصبغ الذي حكيناه.
والمشهور في المذهب، أيضا، أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة جاز منها ما أجازته السنة، وقد قيل: انها ترد كلها، وذلك قائم من المدونة، من قوله، في شهادة النساء للوصي، أن شهادتين لا تجوز، إن كان عتق وأبضاع النساء.
وكذلك المشهور، أيضا، في المذهب: أن الشهادة إذا رد بعضها،
[ ١ / ٤٤٨ ]
لانفراد الشاهد بها، دون غيره، أنها انما تصح فيما تصح فيه شهادة الشاهد الواحد، وتبطل فيما لا تصح الا بشهادة شاهدين، مثل أن يشهد الرجل على وصية رجل، وفيها عتق ووصايا لقوم، فان الموصى لهم بالمال يحلفون مع شهادة الشاهد، وتكون وصاياهم فيما بعد ذلك البرقي عن أشهب، وجميع جلسائه.
وأما إذا لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها سقط من حفظه بعضها، فانها تسقط كلها باجماع.
والله ولى التوفيق برحمته.