وسئل ﵁ من مالقة في بيع الاموال المنتزل عليها فأجاب أيده الله، بهذا الجواب.
[ ١ / ١٩٨ ]
تصفحت، رحمنا الله واياك، سؤالك ووقفت عليه.
وبيع الأموال التي قد تنزل على اربابها فيها ومنعوا منها بيع فاسد يفتيه ما يفيت البيع الفاسد.
وقد نص على ذلك ابن حبيب في الواضحة وهو مذهب مالك ﵀ وجميع اصحابه، ولا اختلاف بينهم وبينه؛ فإن كانت الأملاك المبيع منها القطيع المذكور بيد رجل منزل قد منع منها أهلها وحال بينهم وبين استغلالها.
وأثبت المبتاع: انه غارس في القطيع الذي ابتاعه منها، قبل قيام البائعين عليه فيه بفسخ البيع كان القول قول البائعين بعد ايمانها فيما اقرأ ببيعه منه، لأن المبتاع مدعى عليه في الزائد وصحح البيع في ذلك بالقيمة يوم القبض بعد ارتفاع الانزال، لفواته بالمغارسة.
وان كان لم يثبت المبتاع ما ادعاه من أن مغارسته فيه كانت قبل قيام البائعين عليه بفسخ البيع فيه فسخ البيع فيه.
ويفسخ البيع في حظ الايتام منه، قائما كان أو فائتا، ان كانت قيمته يوم وقع البيع فيه اكثر من الثمن الذي بيع به بمالا يشبه ان يتغابن الناس فيه في البيوع.
[ ١ / ١٩٩ ]
وأما البيع عليهما فيه دون فاقة ولا حاجة، فلا تأثير له فيما يوجبه الحكم من تصحيحه بالقيمة إذا فات، لعله الاشتراك.
ومن قال: ان بيع المال المنتزل عليه يفسخ على كل حال ويرد
[٢٣] بعينه إلى البائع، قائما كان أو فائتا، على مذهب مالك، فقد أخطا خطأ ظاهرا.
وما قول أحمد بن خالد الا خارج عن مذهب مالك وجار على غير أصوله، فإن كان أحمد بناه على مذهبه فما أنعم النظر؛ إذ من قول مالك ﵀ وجميع أصحابه في بيع العبد الآبق: ان البيع فيه يفوت بالقبض مع حوالة الاسواق فما فوقه مما يفوت به البيع الفاسد.
ولا يخفي على ذي نظر: ان لا فرق بين المسألتين لا ستواء علة الفساد فيهما: وهو كون البائع ممنوعا مما باعه، لا يقدر على تسليمه إلى المبتاع ولا يقدر المبتاع على قبضه والوصول التي الانتفاع منه فيدخلهما الغرر قولا واحدا فإذا وجب الا يرد الآبق بعد القبض والفوت ويصحح بالقيمة من أجل انه بيع ما لا يملك فكذلك الاموال المنتزل عليها بل هي احرى بذلك، للجهل بصفة الآبق،
[ ١ / ٢٠٠ ]
والمعرفة بصفة المال المنتزل عليه
وقد كان بعض شيوخنا يجيزه، ويقيم اجازته من كتاب الصرف وكتاب الغصب من المدونة وان كنا لا نقول بذلك، ولكنه يدل على فساد قول من يجعله أشد في الفساد من بيع العبد الآبق.
أنواع البيع الفاسد:
وما احتج به من أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما لا يملك واذا صح النهي عن بيعه فلا ينعقد للمبتاع فيه عقد إلى آخر ما ذكره، لا حجة له فيه لأن النبي ﷺ نهى عن بيع أشياء كثيرة وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
[١]
فمنها ما ينفسخ البيع فيه ما كان المبيع قائما ويصحح بالقيمة إذا فات وهي ما نهى عن بيعه من أجل غرر أو فساد، يكون في ثمنه أو مثمونه، كبيع الثمر قبل أن يبدو وصلاحها وبيع حبل الحبلة وما أشبه ذلك.
ومنها ما يختلف في فساد العقد فيه، لمطابقة النهي له كالبيع في
[ ١ / ٢٠١ ]
وقت صلاة الجمعة وبيع الحاضر للبادي وبيع المتلقي وما أشبه ذلك مما لا فساد ولا غرر في ثمنه ولا في مثمونه ومنها ما يفسخ على كل حال، وهو ما لا يصح بيعه على حال، كبيع الحر وام الولد وجلود الميتة، ولحوم الضحايا، وما أشبه ذلك.
ونهى النبي ﷺ عن بيع ما لا يملك يحتمل ان يكون أراد به: ما لا يتقرر للبائع عليه ملك كالحر، وام الولد ومال غيره وما أشبه ذلك.
فإن كان النبي ﷺ أراد ذلك فلا يصح الاحتجاج به في بيع الشيء المغصوب المنتزل عليه.
ويحتمل ان يكون أراد به ملا يملكه في تلك الحال الا أن ملكه باق عليه في الحقيقة، كبيع الشيء المغصوب وهو في يد الغاصب الممتنع به وبيع العبد والجمل الشارد وما أشبه ذلك.
فإن كان أراد ذلك فالمعنى في نهيه عنه ما يدخله من الغرر، إذ لا يعلم البائع ولا المبتاع متى تزول يد الغاصب ولا متى يرجع العبد الآبق ويؤخذ الجمل الشارد ويمكنه قبض ذلك وهو من القسم الاول الذي يفسخ ما كان المبيع قائما ويصحح بالقيمة إذا فات، باجماع من مالك وأصحابه.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وهذا كله بين لا اشكال فيه، ولا ارتياب في صحته ولا حجة لمن ذهب إلى مثل قوله فيما روي عن مالك ﵀ من أن المبيع الحرام من الربا وغيره من يرد إلى أهله أبدا، فات او لم بفت، لأنه قد نص في غير ما موضع من المدونة وغيرها، على أن البيع الحرام إذا فات تراد المتبايعان القيمة فيه ولم ترد السلعة المبيعة بعينها.
ولم يقل احد من أهل النظر: إن ذلك اختلاف من قوله، بل تأولوه على ما يصح فقالوا: ان معنى قوله: يرد البيع فات أو لم يفت: أن يرد المبيع بعينه ما كان قائما وترد القيمة إذا فات ويكون رد قيمته كرد عينه لما في رد عينه بعد الفوات، من الظلم لأحد المتبايعين وقد قال الله تعالى: ﴿وان تبتم فلك رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٧٩]
ورد قيمته في الفوات هو المراد بعينه وهو التصحيح بالقيمة، وان اختلفت العبارة في ذلك.
فهذا حكم البيع الفاسد، لما دخله من الربا، أو الفساد في الثمن، أو المثمون ويطلق عليه: انه بيع حرام.
[٢]
وأما البيع المكروه، فإنه ما يختلف اهل العلم في جوازه، وهو ينقسم على أقسام:
[ ١ / ٢٠٣ ]
فمنه ما يكره ابتداء / فاذا وقع مضي ولم يفسخ.
ومنه ما يفسخ ما لم يقبض.
ومنه ما يفسخ وان قبض ما لم يفت وكان قائما فان فات، مضي بالثمن.
[٣]
ومنه بيوع الشروط التي يسمونها بيوع الثنيا ويفسخ ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فان ترك الشرط جاز البيع هذا هو الصحيح لا قول من ذهب إلى أن البيع الحرام يفسخ، عند مالك في القيام والفوات، وان البيع المكروه هو الذي تكلم عليه في البيوع الفاسدة.
وقد سئلت عن هذه المسألة، منذ مدة فأجبت فيها بجواب مجرد عن الحجة، هذا معناه ووجب في هذا السؤال أن أدل صحة جوابي بما يتبين به الفصل بين المختلفين عليه فذكرت من ذلك ما حضرني، على سبيل الايجاز.
والله ولي التوفيق.