وسئل الفقيه الإمام الحافظ قاضي الجماعة ابو الوليد ابن رشد ﵁، ع عقد إنزال. ونسخته، من أوله إلى آخره:
عقد المغارسة
" صلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما "
أنزل فلان بن فلان الفلاني فلان فلان بن فلان الفلانى في الجبل المشعر المحدد بكذا، بأن أعطاه نصفه مشاعا، على ان يحترق المنزل النصف الباقي بيد المنزل فلان، ويغرسه نقول شجر كذا من صنف كذا، على المتعارف من تقارب الغرس وتباعده، نقولا جيادا تكون من عند المنزل فلان، وعليه ان يعتمرها مدة عشرة اعوام، من تاريخ هذا الكتاب بحرثتين جيدتين، وحفرتين بليغتين، في كل عام من
[ ١ / ١٤٠ ]
الاعوام المذكورة في أوان العمارة، على أن يشرع المنزل فلان في ذلك كله في عام تاريخ هذا العقد وعند امكان ذلك، ونزل المنزل فلان في نصف الجبل المحدود منزلة المنزل له فيه وحل فيه محله، على سبيل الإجارة الصحيحة، ولهما ان يقتسما، متى احبا، أو دعا إلى ذلك احدهما، بعد ان اختبرا عمق الشعراء في الأرض، وأحاطا علما بمبلغ المؤنة في ذلك، وعلما أنهما متى اقتسماه بالقرعة، كان كل نصيب منهما مساويا للآخر في المؤنة والعمارة لتساويه وتقاربه.
الجواب، رضي الله عنك في العقد المنعقد فوق هذا، هل هو صحيح على مضمنه، أو فاسد؟ وان كافاسدا، هل يصلح العقد بزيادة شرط فيه، خلا العقد منه، أو اسقاط شرط منه؟ وكيف لو أخذه بنصف فدان مشاع، على أن يحرث له نصف فدان متساو في القسمة؟
وان كان بين المسألتين فرق، فلك الفضل في بسط الفرق بينهما، وبيان وجه فساد الفاسد منهما، يعظم الله اجرك. تصفحت رحمنا الله واياك، سؤالك هذا، ونسخة العقد الواقع فوقه، ووقفت على ذلك كله
الربا اساس فساد عقد المغارسة
وهو عقد فاسد لانه لو استأجره على غرس نصف الجبل، بنصفه على الإشاعة، وان كان يعتدل في القسم، على ان يقتسماه قبل الغرس، على
[ ١ / ١٤١ ]
ما يوجبه الحكم من القسم بالقرعة، على أن يغرس الاجير للمستأجر حظه الذ يحصل له من القسمة بالسهمة بالحظ، الذي يصير اليه بها، لكان غررا لا يجوز، لان الاجير لا يدرى اى الجهتين تخرج له بالسهمة فقد صارت اجرته مجهولة.
ومما يدل على أنها مجهولة انه، لو اراد بيعها، لما جاز له ذلك. ولا يجوز، ان تكون الاجرة الا مما يجوز بيعه.
ولو استأجر، أيضا، على غرس نصف الجبل المحدود بنصفه، على الاشاعة فإن كل واحد يعتدل في القسم، على ألا يقتسماه الا بعد الغرس، لكان غررا لا يجوز، أيضا، لأنه يعمل على أن تكون أجرته على عمله نصف الغرس بعد غرسه ولا يعلم كيف يكون حاله، وذلك من أعظم الغرر.
فان لم تجز هذه الاجارة على شرط تعجيل القسمة قبل الغرس ولا على شرط تأخيرها إلى بعد الغرس، لتقرر الغرر في كلا الوجهين، فقد تبين، أيضا انها غير جائزة، على ما تضمنه العقد، من أن لهما أن [٥] يقتسماه، متى احبا ومن دعا منهما إلى ذلك فذلك / له، اذ لا يخرجان بذلك عن احد الوجهين الفاسدين.
وكذلك ايضا لو وقعت الإجارة بينهما على هذا، وسكتا عن القسمة، لا يخرج فعلهما إلى وجه جائز.
[ ١ / ١٤٢ ]
مصير عقد المغارسة الفاسد
فان وقعت الاجارة على ما تضمنه العقد، ولم يعثر عليها حتى فاتت، فغرس الاجير جميع الجبل مشاعا، كان على الاجير قيمة نصف الجبل مشاعا يوم قبضه، على حكم البيع الفاسد، إذا فات، وكان له نصف أجرة مثله، في غرس جميعه، فان كان لأحدهما في ذلك فضل على صاحبه، رجع بذلك عليه وكان الغرس مشتركا بينهما.
وان لم يعثر على ذلك حتى اقتسما الجبل، وغرس الأجير حظه، وحظ المستأجر، كان على الاجير للمستأجر قيمة حظه الذي صار له مقسوما، وعلى المستأجر للأجير أجر مثله في غرسه حظه، وترادا الفضل بينهما.
وان عثر على ذلك، بعد غرس الاجير حظه، وقبل أن يغرس حظ المستأجر، كان على الاجير قيمة حظه الذي فوته بالغرس. وان كان عثر على ذلك، بعد أن غرس الاجير حظ المستأجر وقبل أن يغرس حظه، زكان الجبل كله لصاحبه، وكان عليه للاجير اجرة مثله، في غرسه حظه وكذلك يكون الحكم بينهما إذا وقع الأمر مسكوتا عنه.
ولو قال: أؤاجرك على أن تغرس جميع الجبل، ويكون لك نصفه إذا غرسته، لكان الحكم فيه إذا لم يعثر عليه حتى فات بالغرس، ان يكون للأجير اجر مثله في غرسه جميعه، ويكون جميع الجبل مغروسا لربه.
تنظير وتفريق
وهذه المسألة تشبه الرجل يدفع الجلود إلى الرجل ليدبغها على
[ ١ / ١٤٣ ]
النصف، في جميع وجوهها
بخلاف مسألة الرجل يستأجر الرجل على حمل طعامه إلى بلد كذا بنصفه، فان ذلك جائز على مذهب ابن القاسم: إذا اشترط ابن القاسم له أن يأخذ حظه، متى شاء وأن ذلك جائز على مذهب سحنون، ما لم يشترط على ألا يأخذ نصيبه حتى يوصله إلى ذلك البلد
والفرق بينهما ان الطعام يقسم على الكيل، من غير قرعة، فلا يدخله الفساد إذا اشترط انه يأخذ حظه منه متى شاء، والجلود تقسم بالقرعة، فلا تجوز بحال وان اشترط ان يأخذ حظه متى شاء.
وأما المسألة التي ذكرت في سؤالك في استئجار الرجل على حرث نصف فدان مشاع، متساو في القسمة، بأصل نصف فدان آخر فهي مسألة جائزة لا اشكال فيها ولا في جوازها، ولا نسب بينها وبين التى سألت عنها لان هذه المسألة الاجرة فيها منفصلة مما يستوفي فيه العمل، وكلاهما معلوم، الا ترى ان نصف الفدان، الذي هو أجرة عمله معلوم، يجب له بالعقد، ويجوز له بيعه وما جاز بيعه جاز الاستئجار به والعمل ايضا مقدر معلوم، إذ إنما يلزم في الاجازة تقدير العمل لا تعيين ما يستوفي فيه، والمسألة التي سألت عنها، الاجرة فيها غير منفصلة مما يستوفي فيه العمل فدخلها ما قد بينته من الجهل والغرر.
شروط جواز المغارسة
فلا يجوز الاستئجار على غرس نصف الجبل بنصف أصله على الإشاعة إلا ان يكون متسويا، معتدلا في القسمة بالذرع، ويشترطان
[ ١ / ١٤٤ ]
قسمته قبل الغرس ويعنيان الجهه التي يأخذ الاجير منها النصف لنفسه في أجرته والجهه التي يغرسها لرب الجبل. وبالله التوفيق.