وسئل ﵁، فيمن ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط، لما روي في ذلك من الاحاديث، ووجه تأويلها.
ونص السؤال: ما تقول، وفقك الله، في هذا الخط الذي يخطه
[ ١ / ٢٠٤ ]
الحساب في التراب وفي ضرب القرعة، هل أخذ الأجرة عليه حلال ام لا؟ وهل ضربها بغير أجر مباح أم لا؟ وعن هذه الحجج التي يحتجون بها هل تصح أم لا؟ وهي ما روي عن ابن عباس أنه قال سألت رسول الله ﷺ في علم الخط في التراب فقال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه علم ومن رواية معاوية بن الحكم كذلك عن النبي ﷺ، فمن وافق فهو الخط.
ويقال: ان النبي ﷺ الذي كان يخط في الرمل، كان هو ادريس ويقال: ابراهيم، على نبينا وعليهما السلام،
في قوله: ﴿فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم﴾ [سورة الصافات الآية: ٨٩]
معناه في الخط.
وذكر عن اسماعيل القاضي وعلي بن المثني وسفيان بن عيينه وصفوان بن سليم عن عطاه بن يسار وسئل رسول الله ﷺ عن الخط في التراب
فقال: علم علمه نبي من الأنبياء عليهم
[ ١ / ٢٠٥ ]
السلام فمن وافق علمه علم. فقال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن، فقال: حدثني به ابن عباس.
وروي عن سفيان أنه كان أمر رجلا أن يخط له في الرمل فسئل عن ذلك فقال: لحديث صفوان، اقترحت عليه بأن يخط لي وقال على بن المثني: حدثت سفيان: أن محمد بن صدقة كان يخط في الرمل لحديث صفوان.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
أنه: الخط في الرمل وقيل في قوله تعالى ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ انه الخط في الرمل. قاله ابن عباس وأكثر المفسرين.
كمال السؤال.
فأجاب أيده الله، على ذلك بهذا الجواب:
تصفحت - عصمنا الله واياك من الاعتقادات المضلة ولا عدل بنا وبك عن سواء المحجة وجعلنا لكتابه متبعين ويهدي أهل السنة والجماعة مهتدين - سؤالك ووقفت عليه.
وادعاء مشاركة الله تعالى في علم غيبه وما استأثر بمعرفته من ذلك دون غيره ولم يطلع عليه الا أنبياؤه ورسله بواسطة زجر، أو تنجيم أو بخط في غبار أو غير ذلك أو بغير واسطة والتصديق بشيء منه: كفر.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقد كذب الله ﷿ مدعي علم غيبه وأخيرا أنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى ﴿عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ [سورة الجن الآية: ٨٩]
وقال تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [سورة لقمان الآية: ٣٤]
وقال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب الا الله وما يشعرون﴾ [سورة النمل الآية: ٦٥]
وقال تعالى في قصة عيسى ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: ٤٩]
فجعل ذلك في دليل النبوة وما لا يطلع عليه الا ما أوحي به اليه. فادعاء معرفة ما يستتر الناس به من أسرارهم وما ينطوون عليه من أخبارهم، أو مايحدثه الله من غلاء الأسعار ورخصها ونزول المطر ووقوع القتل وحلول الفتن وارتفاعها وغير ذلك من المغيبات: ابطال لدلائل النبوات وتكذيب للآيات المنزلات.
وقد روى عنه النبي ﷺ انه قال: ﴿من صدق كاهنا أو عرافا وفي بعض الأخبار: أو منجما، فقد كفر بما أنزل الله على قلب محمد﴾.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال ﷺ: «أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى، فأما من قال: مطرنا بفضل الله، فذلك مؤمن بى كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بكوكب كذا وكذا، فذلك كافر بى، مؤمن بالكوكب.
في مثال هذه الرواية، يطول جلبها.
فلا جائز أن يخبر أحد بشىء من المغيبات اخبارا متواليا، من غير أن يتخلله غلط أو كذب، الا من يخبر عن الله ﷿ من نبى أو رسول.
فاحذر ان تشكك في ذلك، أو يخلط عليك فيه. ان من يدعى علم ذلك يخبر عن الشيء، فيكون على ما يقول، فانما يمكنه أن يصادف المغيب في بعض الجمل، وأكثرها يواقع فيها الغلط والكذب.
وأما تفصيل شىء منها فلا يعرفه، ولا يدريه ولا يمكنه تعاطيه.
وهذه صفة الحرز والتخمين التى يشاركهم فيها جميع الناس، كمثل ما روى أن النبي ﷺ خبأ لصاف بن صياد، وكان
[ ١ / ٢٠٨ ]
رجلا يتكهن، (من سورة الدخان: ١٠) «يوم تأتى السماء بدخان مبين»
فقال: هو الدخ. فقال له النبي ﷺ: اخسأ فلن تعدو قدرك. يريد أتك لا يمكنك الاخبار بالاشياء على تفاصيلها، كما يخبر بها الأنبياء ﵈.
ومثل ما روى عن هرقل أنه أخبر أنه نظر في النجوم فرأى ملك الختان قد ظهر، فانما أخبر بهده الجملة المنغلقة التى أهمته وحيرته، وكدرت حاله، وخشى ان يكون ذلك سببا إلى خلع مملكته، ولم يعلم من جهة نظره في النجوم، وتخرصه في علم الغيوب، شيئًا من حال النبي ﷺ، وبعثه وظهور أمره، وما ينتهى اليه شأنه، حتى يخبر به على وجهة، لأن الله ﵎ لم يجعل شيئًا من خلقه دليلا على غيبه. وما يحدثه من فعله، كما يعتقد من أضله الله وأعواه، ولم يرد هداه، أعاذنا الله من الشيطان الرجيم، ولا نكب بنا عن المنهج المستقيم، برحمته، انه هو الغفور الرحيم.
وأما ما ذكرت أنه روى عن النبي ﷺ في الخط، فلا يصح عنه من طريق صحيح، وان صح، فلا بد ان يتأول على ما يطابق القرأن، ولا
[ ١ / ٢٠٩ ]
يخرج عما انعقد عليه أهل السنة، الإجماع، فنقول: ان معنى قوله: «فمن وافق خطه علم» الانكار لا الاخبار. وذلك أن الحديث خرج على سؤال سائل، سمع ان نبيا من الأنبياء كان يخط، فاعتقد صحة معرفة المغيبات من جهة الخط، على ما كانت تعتقده العرب، فأجاب، ﷺ، بكلام معناه الإنكار لاعتقاده، والانباء ان ذلك من خواص ذلك النبى ومعجزاته، الدالة على نبوته، وهو قوله: «كان نبى من الانبياء يخط، فمن وافق خطه علم» فقوله: «كان نبى من الانبياء يخط» اعلام منه بذلك واخبار به. وقوله: فمن وافق خطه علم معناه: أي لا يكون ذلك، فهو كلام ظاهرة الاخبار، والمراد به النهى عن اعتقاد ذلك، والانكار له.
ومثل هذا في القرآن وفي السنن الواردة عن النبى ﷺ، كثير: من ذلك قوله تعالى: ﴿قل: الله اعبد مخلصا له دينى فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾
[سورة الزمر: ١٥]
فظاهر هذا الكلام الامر بعباده ما شاؤوا من دون الله والمراد به النهى عن ذلك والوعيد عليه.
ومنه قوله تعالى لا بليس: ﴿واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم، وما يعدهم، الشيطان الا غرورا﴾
[سورة الاسراء: ٦٤]
فظاهره ايضا الامر، والمراد به النهى والوعيد عليه.
ومن ذلك ما روى عن النبى ﷺ انه قال ﴿نحن احق بالشك من ابراهيم» فظاهر هذا الكلام من النبى ﷺ الاخبار بتحقيق الشك
[ ١ / ٢١٠ ]
عليه في قدرة الله تعالى على احياء الموتى، اذ شك ابراهيم في ذلك، والمراد به: تحقيق نفى الشك عن ابراهيم اذ لا يشك هو في ذلك.
فلو لم يعدل بهذه الالفاظ الواردة في القرآن والسنن وما شاكلها عن ظاهرها بالتأويل، إلى ما يصح من معانيها، لعاد الإسلام، شركا، والدين لعبا.
ومما يبطل حمل قوله ﵇: ﴿فمن وافق خطه علم﴾ على ظاهرة، ابطالا لائحا، ويويد تأولينا فيه: انه ليس على طريق الاخبار، تأييدا ظاهرا، انه قد روى في بعض الاخبار: فمن وافق خطه، علم الذي علم وفي بعضها ان نبيا من الانبياء كان يأتيه امره في الخط. فلو كان على سبيل الاخبار لوجب، إذا وافق خطه، ان يعلم من جهته الأشياء المغيبات باعيانها التي علم ذلك النبي من جهة ذلك الخط، في وقته الذي كان فيه، لقوله «علم الذي علم»، ولوجب ايضا، اذ وافق خطه الذي يعلم منه ان الله امره بكذا أو نهاه عن كذا أو احل له كذا أو حرم عليه كذا، على ما روى انه ياتيه أمره في الخط ان يعلم هو من جهته إذا وافقه انه مأمور بمثل ذلك، ومنهى عما نهى عنه، ومحلل ما احل له، ومحرم عليه ما حرم عليه، فيكون بمنزلته في النبوة.
فلما بطل هذا بطل ان يحمل الكلام على ظاهره، ولزم ان يتأول
[ ١ / ٢١١ ]
على ما قلناه، وعلم، ان صحت هذه الاحاديث، ان الله خص ذلك النبي بالخط، وجعل له فيه علامات على أشياء من المغيبات، وعلى ما يأمره به من العبادات، كما جعل فور التنور علامة لموسى ﷺ على لقاء الخضر، وكما جعل منع زكرياء من تكليم الناس ثلاثة ايام الا رمزا علامة له على هبة الولد له، وكما جعل الله تعالى لنبينا ﵇ نصره اياه والفتح عليه، ودخول الناس في الدين افواجا علامة له على حلول اجله المغيب عنه، على ما روى في تفسير سورة النصر.
ومثل هذا، لو تتبع كثير وهي كلها من خواص الانبياء ومعجزاتهم الدالة على صحة نبواتهم.
وأما قولك: وقيل في قوله تعالى: ﴿او اثارة من علم﴾
[سورة الاحقاف: ٤]
انه الخط في الرمل، فقد يصح هذا التأويل على معنى نبأ، وهو أن العرب كانوا أهل عيافة، وهو الخط وزجر، وكهانة، فقال تعالى لنبيه ﵇: ﴿قل لهم يامحمد أرايتم ما تدعون من دون الله﴾ يريد: آلهتم التي كانوا يعبدون من دون الله «أرونى ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السماوات، ايتونى بكتاب من قبل هذا، الكتاب يشهدلكم أن الهتكم خلقت لكم شيئًا من ذلك، فاستحقت من اجله عبادتكم لها «أو
[ ١ / ٢١٢ ]
أثاره من علم» وهو الخط على اعتقادكم الذي تعتقدونه، ومذهبكم الذي تدينون به أي انكم لا تقدرون على اقامة حجة على دعواكم، أن آلهتكم تستحق العبادة بوجه من الوجوه، والدعوى، إذا لم تكن معها حجة، بطلت
فيصح هذا التأويل على هذا المعنى: لان الذي ننكر، ولا نصححه: ان يكون الخط في التراب والرمل يعلم به علم الغيب، من جهة نبوة نبي، او بتأويل شىء من القرآن، لان النصوص الواردة فيه، التي لا تحتمل التأويل، تبطل ذلك.
وقد قيل في قوله تعالى او أثره من علم «معناه: او خاصة من علم خصصتم بها.
وقيل معناه: او علم توثرونه، أي تستخرجونه.
وقيل معناه: او علم توثرونه عن احد من قبلكم.
وقيل معناه: او بينة من الامر.
وقيل معناه او بقية من علم وهذا التأويل أبين، لان العرب تسمى البقية أثاره كما قال الشاعر:
وذات اثارة اكلت عليه نباتا، في اكمته فغارا
[ ١ / ٢١٣ ]
يريد: ناقة ذلت من شحم:
وبعض هذه التأويلات قريب من بعض؛ لان البقية شىء يؤثر، وقرىء، ايضا اثره، وأثره.
وأما قوله ﷿، في قصة ابراهيم: «فنظر نظرة في النجوم فقال: اني سقيم» فلأهل العلم بالتأويل في ذلك غير ما تأويل واحد، تركت ذكرها اختصارا، ولا أعلم من قال معناه الخط، وان قيل، فقد دللنا على خطئه.
واما قوله ﷿ «ولا يحيطون بشىء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه» فمعناه عند اهل العلم بالتأويل، الا بما شاء ان يطلع عليه انبياءه ورسله، فلا يجوز الاشتغال يضرب القرعة في التراب، وهي من حبائل الشيطان، وأخذ الاجرة عليها حرام.
والله أساله التوفيق، / والهدي، واعوذ به من الضلال والعمى، برحمته، انه ولى ذلك.