وسأله ﵁، الفقيه القاضى ابو عبد الله ابن عيسى بمدينة سبتة، أيام قضائه بها، في الزيادة في جامعها، اذ اختلف اهل العلم، بهذا السؤال؛
[ ١ / ٢١٤ ]
ونصه: ما تقول رضي الله عنك في مسجد جامع مصر من الامصار، ضاق عن أهله وعمن يصلى فيه، واحتيج إلى الزيادة فيه، وحواليه حوانيت لقوم شتى، طلبنا منهم البيع في تلك الحوانيت لتزاد في الجامع، فامتنعوا، فهل يجبرون على البيع بالقيمة؟ وكيف ان ادعى بعضهم التحبيس في ذلك، وأثبته، او لم يثبته، فهل يجبر على البيع، لاجل الضرورة المذكورة، او يناقل في ذلك بربع الجامع المذكور، ان ثبت التحبيس؛ وقد فضل للجامع من كراء ربعه ما تشرى به الحوانيت المذكورة وأكثر؟
وقد علمت - وفقك الله - ما ذكر ابن حبيب وابو الفرج وغيرهما في هذا المعنى بين لنا ذلك ان شاء الله.
فأجاب ايده الله، بهذا الجواب ونصه:
تصفحت، رحمنا الله واياك، سؤالك، ووقفت عليه:
واذا ضاق المسجد الجامع عن اهل الموضع، واحتيج إلى الزيادة فيه، كما وصفت، ولم يكن حواليه ما يزاد فيه الا من الحوانيت التي أبي اربابها من بيعها، فالواجب في ذلك ان توخذ منهم بالقيمة، ويحكم عليهم بذلك، على ما أحبوا او كرهوا، لمنفعة الناس بذلك وضرورتهم اليه، وهو قول ابن الماجشون (روى ذلك ابو زيد عنه) في الثمانية.
[ ١ / ٢١٥ ]
واليه ذهب اكثر شيوخنا المتقدمين وبذلك قضى عثمان بن عفان ﵁ على من أبى البيع من ارباب الدور، التي زادها في مسجد النبى ﵇ المحبسة وغيرها.
وقد روى ابن عبدوس عن سحنون انه قال في نهر إلى جانب طريق الناس، والى جانب الطريق أرض لرجل، فمال النهر على الطريق، فهدمها، قال: ان كان للناس طريق قريبة يسلكونها، ولا ضرر عليهم في ذلك، فلا ارى لهم على هذا الرجل طريقا، وان كان يدخل عليهم في ذلك ضرر، رأيت ان يأخذ لهم الإمام طريقا من أرضه ويعطيه قيمتها من بيت المال.
وهذه مثل مسألتك بعينها لا فرق بينهما وهذا الحكم هو من باب القضاء على الخاصة لمنفعة العامة كقول مالك وغيره من اهل العلم: ان الطعام إذا غلا، واحتيج اليه، وكان في البلد طعام، ان الإمام يامر اهله باخراجه إلى السوق، وبيعه من الناس لحاجتهم اليه.
ومما يشبه ذلك من منفعته العامة قول النبى ﷺ ﴿لا بيع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع، حتى يهبط بها إلى الاسواق﴾: فلما رأى النبى ﷺ أن ذلك مما يصلح العامة امر بذلك فيه
[ ١ / ٢١٦ ]
ولهذا المعنى ضمن أهل العلم الصناع، وأخرجوهم عن حكم الاجراء في ألاضمان عليهم. ومثل هذا كثير.
وقد كان بعض الشيوخ يخالف في هذا، ويقول: لا سبيل إلى ان يكره الإمام احدا على بيع داره للزيادة في الجامع، ولا يخرجه عنها الا بطيب نفس، ويحتج لذلك بحديث مروي لا حجة له فيه، لاحتماله وجوها من التأويل. وقد احتج بعض من ذهب إلى هذا بقول النبي ﷺ: ﴿لا يحل مال امرىء مسلم الا عن طيب نفس منه﴾ وليس ذلك بصحيح؛ لان الحديث ليس على عمومه، وانما هو مخصوص بما يخصصه من أدلة الشرع. وكذلك ما كان في معناه، مما ورد في القرآن والسنة بألفاظ عامة، الا ترى ان رسول الله ﷺ قضى بالشفعة للشفيع على المبتاع، وقال ﴿من اعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل﴾. الحديث فلم يكن اخذ الشفيع الشقص من المبتاع بغير طيب نفس منه، ان أبي ان يعطيه اياه بقيمته ولا أخذ شقص الشريك من العبد بقيمته بغير طيب نفس منه، ان ابى ان يعطيه اياه بقيمته، او يعتق نصيبه منه، معاضا لقول النبى ﷺ: ﴿لا يحل مال امرىء مسلم بغير نفس منه﴾ بل كان مفسرا له، ومبينا لمعناه، اذ جعل ذلك رسول الله ﷺ في الشفعة حقا للشفيع على المشترى، لعله الانتفاع بخط شريكه وازالة ضرر الشركة عن نفسه، / وفي العبد المعتق حقا للعبد، لازالة ضرر الرق عن نفسه وللا نتفاع بكمال حريته.
[ ١ / ٢١٧ ]
واذا ثبتت الاحكام بالسنن للمعاني والعلل، وجب القياس عليها، وقد قال مالك ﵀ وجميع أصحابه، قياسا على ذلك: ان من بنى في بقعة رجل بغير امره، أو بأمره إلى مدة، فانقضت، ان لصاحب البقعة ان يأخذ نقض الباني بقيمته، ان شاء الله ذلك الباني أو أباه للعلة الجامعة بين ذلك وهي الانتفاع ونفي الضرر.
فإذا وجب بالسنن الثابته في هذه المسائل التي ذكرناه، ان يخرج الرجل عما يملكه من الأموال بغير طيب نفسه ان أبي ان يطوع بذلك لمنفعة رجل واحد، وازالة الضرر عنه، فذلك أوجب في منفعة عامة المسلمين، وازاحة الضرر عن جميعهم، إذ لا يشك احد ولا يتمري ان منفعة الناس بالزيادة في جامعهم الذي يضطرون إلى صلاة الجمعة فيه ولا تجزيهم فيما سواه من المساجد، أكثر وأن الضرر الداخل عليهم في الصلاة في الرحاب المتصلة والطرق المتصلة به إذا ضاق المسجد عليهم، لا سيما عند الطين والمطر، اشد وابين.
وكذلك يجب إذا أدعى أرباب الحوانيت المذكورة انها محبسة عليهم، أثبتوا ذلك أو لم يثبتوه، إذا ابوا من بيعها، ان تؤخذ عنهم بالقيمة، جبرا على ما احبوا أو كرهوا ويؤمرون أن يجعلوا القيمة، التي يأخذونها فيها في حبس مثله؛ من غير ان يقضي بذلك عليهم، على ما روى ابن القاسم عن مالك ﵀، اذ لم يختلف قول مالك وجميع اصحابه المتقدمين والمتأخرين ان بيع الحبس القائم جائز؛ ليتوسع به في المسجد الجامع إذا احتيج إلى ذلك، وانما اختلفوا فيما سواه من المساجد، على ما اتت به الروايات عنهم في العتبية والواضحة وغيرها.
[ ١ / ٢١٨ ]
وما حكاه أبو الفرج عن مالك وذكره ابن حبيب في الواضحة يشهد لما ذهبنا اليه إذا اعتبر.
وإذا فضل للجامع من كراء ريعه ما تشترى به الحوانيت المذكورات، فلا تصح المعاوضة فيها بشىء من احباسه. وبالله التوفيق.