وسئل ﵁، من مدينة بطليوس في مسألة من النكاح نزلت عندهم فاختلف فيها فقهاؤها.
ونص المسألة من اولها إلى أخرها:
الجواب، رضي الله عنك، في رجل مات، وترك ولدا، وابنة بكرا، واوصى بهما إلى رجل، وجعل معه رجلا آخر، يشرف على جميع افعاله فيما يتولاه من أمر ابنته، ولا ينفذ الوصي امرًا من نكاح او غيره الا بأمر المشرف المذكور.
ثم مات المشرف المفوض اليه الامر، فقام الوصي وقدم على انكاح اليتيمة اخاها الذي في الولاية معها، فعقد النكاح بينها وبين رجل. ثم مات الزوج قبل الدخول بها فطلب الوصي الصداق والميراث وامتنع ورثة الزوج من دفع الصداق، واحتجوا بأن النكاح لا يصح في عدم المشرف، الا بمن يقوم مقامه، وقالوا: هو بمنزلة الاب، في عدم الاب، وقالوا ايضا: انما يجب الصداق في مثل هذا النكاح بالدخول إذ هو عوض عن البضع، بخلاف النكاح الصحيح.
[ ١ / ٢٢٢ ]
واستظهروا على قولهم بما في الجزء الاول من نكاح النوادر حيث قال مالك، في المرأة لها وليان فزوجها كل واحد منهما على حدة من رجل: " فإن لم يول كل منهما صاحبه، لم يجز نكاح كل واحد منهما وان أمر كل واحد منهما صاحبه، فنكاح أولهما أولى، إلا ان يبني الآخر "
قال محمد: وهذا في الوصيين والسيدين، فجعل محمد الأوصياء بمنزلة السيدين.
وقد جاءت الروايات في المدونة وغيرها: ان انكاح احدهما لا يجوز بغير اذن السيد الآخر، وان اجازة الآخر، ويفسخ قبل البناء وبعده وذلك الفسخ انما هو لفساد العقد.
فكذلك احد الأوصياء إذا نكح اليتيمة البكر، فساده في عقده والنكاح، إذا فسد لعقده، لا يجب فيه صداق الا بالبناء،، كذلك في ثالث نكاح النوادر في باب احكام النكاح الفاسد، وان كان يقع فيه الطلاق.
بين لنا الجواب في ذلك وما تقتضي الروايات فيه، هل الموت والفسخ بمنزلة واحدة في سقوط الصداق فيما فسد عقده مما يقع فيه الطلاق على ظاهر الروايات التي في ثالث نكاح النوادر مأجورا ان شاء الله تعالى.
فأجاب أيده الله بهذا الجواب: تصفحت رحمنا الله واياك سؤالك ووقفت عليه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وليس انكاح احد الوصيين دون صاحبه اليتيمة التي إلى نظرهما بمنزلة انكاح الوصي اياها دون اذن المشاور؛ لان الوصيين وليان لها جميعا، كالسيدين في الامة، لا يجوز لأحدهما ان ينفرد بعقد النكاح عليها دون صاحبه الا ان يوكله على ذلك، فان فعل كان العقد فاسدا كنكاح عقده غير ولي.
[٣٠] وأما المشاور فليس بوصي ولا ولي ولا إليه من ولاية العقد شيء وانما له المشورة، التي جعلت اليه خاصة، فاذا شاوره الوصي في النكاح، فرآه سدادا ونظرا لها انفرد هو بالعقد فإن أنكحه الوصي دون إذن المشاور فالعقد في نفسه صحيح، إلا انه موقوف على نظره فان رأى ان يجيزه أجازة وان رأى ان يرده رده كالسفيه يتزوج بغير إذن وصيه والصغير بغير اذن ابيه، والولي يزوج وثم من هو أولى منه حاضر على مذهب من يرى الخيار في الرد او الاجازة للولي الاقرب.
فانكاح الوصي في مسألتك التي سألت عنها اليتيمة التي إلى نظره، بعد موت المشاور، ليس بعقد فاسد، وانما موقوف على نظر القاضي؛ إن رأى ان يجيزه اجازه، وإن رأى ان يرده رده بوجه النظر.
فان لم يعثر على الأمر ولا رفع اليه حتى مات الزوج فقد فات موضع النظر ووجب للزوجة الصداق المسمى والميراث، اذ لاحظ لها في
[ ١ / ٢٢٤ ]
الرد بعد موت الزوج لان ذلك يسقط ما وجب لها من الصداق والميراث لغير وجه نظر.
ولو كان العقد فاسدا، لوجب لها ايضا، الصداق المسمى، على مذهب من يرى الميراث والطلاق في العقد الفاسد، الذي لم يتفق على فساده.
وكذلك لو طلق قبل الفسخ، لوجب لها بالطلاق نصف الصداق المسمى على هذا القول، لان الصداق المسمى يجب جميعه بالموت، ونصفه بالطلاق، بنص القرآن.
فإذا وجب الا يسقط الميراث المتفق على وجوبه الا بعقد متفق على فساده، فكذلك يجب الا يسقط جميع الصداق المسمى بالموت ولا نصفه بالطلاق، اذ قد نص الله ﷿ على وجوبه واجمعت الأمة على لزومه الا في عقد متفق على فساده.
وما وقع في النوادر من كتاب محمد بن المواز من سقوط الصداق في العقد الفاسد، إذا فسخ قبل الدخول، فليس بخلاف لما قلناه والفرق بينهما ان الزوج في الفسخ مغلوب على الفراق، بخلاف الطلاق فوجب الا يكون لها شيء من الصداق؛ كالذي يجن او يجزم قبل دخوله بامرأته، فيفرق بينهما، أنه لا شيء لها من الصداق المسمى
وأيضا، فإن الله تعالى لما نص على وجوب نصف الصداق المسمى بالطلاق فقال تعالى: ﴿وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم
[ ١ / ٢٢٥ ]
لهن فريضة فنصف ما فرضتم، الا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقد النكاح الآية تيقن وجوبه، وما ثبت بيقين، وجب الا يسقط الا بيقين مثله وهو الاتفاق على فساد العقد.
ولما لم يوجد في محكم القرآن ولا في شيء من السنن والاثار نص ولا دليل، على وجوب نصف الصداق المسمى في الفسخ، وجب الا يثبت فيه إذ الاصل براءة الذمة والا يثبت فيها شيء الا بيقين
هذا الذي يأتي في أصولهم، ولا أعرف نص الرواية في سقوط الصداق المسمى في النكاح الذي فسد لعقده حقيقة إذا لم يعثر عليه حتى مات أحد الزوجين على مذهب من يرى الميراث بينهما.
وانما أعرف ذلك لعيسى بن دينار في سماعه من كتاب النكاح من العتبية في الذي يتزوج المرأة على ألا ميراث بينهما، أو على ألا نفقة لها.
وهذا النكاح لم يفسد لعقده حقيقة وانما فسد للشرط الفاسد المقترن به فله تأثير في فساد الصداق فهو كالنكاح الذي فسد لصداقه؛ ترى أنه يكون لها بعد الدخول، صداق المثل، لا المسمى.
ولقد روى عن أصبغ في النكاح الذي فسد لصداقه، أنه راعى التسمية الفاسدة، فأوجب للمرأة صداق المثل، إذا مات الزوج قبل
[ ١ / ٢٢٦ ]
الدخول فكيف إذا فسد حقيقة، والصداق صحيح لا فساد فيه!
وقد سئلت عن هذه المسألة منذ مدة فأخبر سائق السؤال انها نزلت بيطليوس فأجبت فيها بايجاب الصداق، والمراث، وكان في السؤال، زيادة على هذا السؤال، تقوى وجوب الصداق، وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣١]