وسئل ﵁ في مسألة من النكاح، جرت باشبيلية فاختلف فيها فقهاؤها.
ونص المسألة: الجواب / رضي الله عنك، في رجل تزوج، وهو محرم، أو تزوجها نكاح شغار، أو وقع نكاحه فاسد العقد، صحيح الصداق، الا أنه مما يقع فيه الطلاق، والميراث قبل فسخه؛ لاختلاف الناس فيه، وهو مما يفسخ قبل الدخول وبعده، لفساد عقده، هل يجب فيه صداق، ان مات الزوج، أو ماتت المرأة قبل الفسخ، أو فسخ النكاح، والصداق في ذلك كله انما هو عوض عن البضع في مثل هذا النكاح.
بين لنا الواجب في ذلك، مأجورا ان شاء الله.
فأجاب أيده الله، بهذا الجواب، تصفحت سؤالك ووقفت عليه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
والانكحة الفاسدة تنقسم على قسمين: نكاح فسد لصداقه ونكاح فسد لعقده.
[١]- النكاح الفاسد للصداق:
فأما الذي فسد لصداقه فالصحيح في المذهب المنصوص عليه لأصحابنا: ألا شيء للمرأة الا بالدخول.
وقد روي عن اصبغ فيمن تزوج بغرر، ثم مات قبل الدخول: ان لها صداق مثلها، وان طلق فلا شيء لها؛ فراعى التسمية الفاسدة، وجعله كنكاح التفويض التفويض على مذهب من رأى أن بالموت يجب في التفويض صداق المثل، وليس هذا معروفا في مذهبنا.
[٢]- النكاح الفاسد للعقد:
وأما ما فسد لعقده فإنه ينقسم على قسمين: نكاح متفق على فساده، ونكاح مختلف في فساده.
فأما ما اتفق على فساده مثل نكاح ذوات المحارم ونكاح المرأة في عدتها، أو على أمها، او بنتها أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو ما أشبه ذلك؛ فلا اختلاف أنه لا يجب الصداق المسمى فيه بالموت ولا نصفه، لأنه لا ميراث فيه، وانما يوجبه، الدخول.
وأما المختلف في فساده فإنه ينقسم، أيضا، على قسمين: قسم لا تأثير لفساد عقده في الصداق، وقسم لفساد تأثير في الصداق.
فأما مالا تأثير لفساد عقده في الصداق، مثل نكاح المحرم، ونكاح
[ ١ / ٢٢٨ ]
المرأة بغير ولي وما أشبه ذلك، فقيل إنه لا طلاق فيه ولا ميراث، ولا يكون فسخه طلاقا.
وقيل: ان الطلاق والميراث يكون فيه، وان فسخه طلاق: مراعاة للاختلاف فمن راعى الاختلاف وأوجب الطلاق والميراث فيه، فيجب على أصله، ايجاب الصداق المسمى في الموت، ونصفه في الطلاق قبل الدخول؛ إذ لا يصح لأحد أن يفرق بين الميراث والصداق الصحيح المسمى، فيوجب احدهما ويسقط الآخر، إذ لا مزية لأحدهما على صاحبه في الوجوب، لأن الله ﵎ نص على وجوب الصداق للزوجة على الزوج كما نص على وجوب الميراث بينهما وأجمعت الامة على ذلك لا خلاف بين احد أهل العلم: أن الصداق المسمى يجب للمرأة نصفه بالطلاق وجميعه بالموت وان لم يدخل بها كما لا اختلاف بينهم في ايجاب الميراث بينهما
وأما ان أدرك هذا النكاح قبل الدخول ففسخ، فلا اختلاف أعلمه انه لا شيء لها من الصداق، وان كان فسخه بطلاق؛ لان النكاح الصحيح إذا فرق بين الزوجين فيه قبل الدخول، لسبب يعلم انه ليس من جهته، كالذي يجذم او يجن، لا شيء لها من الصداق في قول اصحابنا المتقدمين، وإن كان للمرأة الرضا بالمقام على الزوج فكيف بمالا رضا في المقام عليه لأحد الزوجين.
وأما ما لفساده تأثير في الصداق، مثل نكاح المحلل، ونكاح الامة
[ ١ / ٢٢٩ ]
على ان ولدها حر، والنكاح على الا ميراث بينهما، وما أشبه ذلك فاختلف فيما يكون للزوجة فيه ان فات بالدخول: فقيل صداق المثل، لان للفساد تأثير في الصداق، وقيل الصداق المسمى، لأنه نكاح فسد لعقده، والصداق فيه صحيح.
فهذا الضرب من الأنكحة الفاسدة المنصوص فيها الا يجب للمرأة من الصداق المسمى شيء إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول وهذا بين على قول من يوجب للمرأة في هذا النكاح صداق المثل، الا ما حكيناه عن أصبغ، فيمن تزوج بغرر فمات قبل الدخول ان لها صداق مثلها.
وأما على مذهب من يوجب المرأة بالدخول الصداق المسمى فالأمر [٣٢] محتمل والا ظهر أن لا شيء لها من الصداق الا بالدخول.
طبيعة المهر:
وليس الصداق عوضا عن البضع، كما قلت، ان كان لا يستباح الفرج الا به وانما هو نحلة من الله ﷿، فرضا للزوجات على ازواجهن لا عن عوض الاستمتاع، لانها تستمتع به، ويلحقه في ذلك مثل الذي يلحقها، لان المباضعة فيما بينها وبين زوجها واحدة، قال الله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾
[سورة النساء الآية: ٤]
والنحلة: مالم تعوض عليه. فمتى وجب الميراث فالصدق المسمى واجب كان العقد فاسدا.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وبالله التوفيق بعزته.