وكتب ابن منظور قاضي / مدينة اشبيلية إلى الفقهاء المشاورين بقرطبة ﵃، يسألهم عن مسألة ابن زهر التي نزلت به في قيام ابن زهر على ابن خالص.
فأجاب فيها الفقيه الإمام الحافظ ابو الوليد ابن رشد، ﵁، بهذا الجواب المبرم، والايراد المحكم، وقد تقدم هذا الجواب في الجزء الاول وفي لفظه خلاف اللفظ الاول غير أن المعنى فيهما واحد.
تصفحت خطابك، وما أدرجت طيه، ووقفت على مضمن ذلك كله.
وقول يحيي بن محمد بن خالص المقوم عليه في الاملاك التي بيده، لقرية فلانة ابتاعها من انجزت اليه بالوراثة عنه، من محمد بن مروان ابن زهر اقراره له منه بالملك، إلا أن القائم عليه فيها بالتحبيس لم يأت في الحيازة، بما له فيه منفعة؛ اذ لم يعرف الحائزون: ان الاملاك التي حازوها هي المحبسة المذكورة في كتاب التحبيس، الثابت عندك،
[ ١ / ٢٦٠ ]
ولا شهدوا بذلك، وانما شهدوا بملك ما حازوا لمحمد بن زهر خاصة، والملك قد اقر له به المقوم عليه ابن خالص، فلم تفدنا الحيازة معنى يوجب حكما، ولا تحقق لها تحبيس هذه الاملاك المقوم فيها على ابن خالص.
واذ لم يبق من شهود عقد التحبيس من يعين ان هذه الاملاك، التي بيد ابن خالص، هي التي اشهده المحبس على تحبيسها، ولا تضمن عقد التحبيس من وصف الاملاك وتحديدها ما يعلم به انها هي بموافقة الحدود لها، فلا يعتبر بوقت وقوع البيع، الذي اثبته عندك القائم على ابن خالص، بالسماع ان كان قبل تاريخ كتاب التحبيس أو بعده، ولا يحتاج ان يسأل الشهود عن ذلك.
وشهادتهم، على نص ما تضمنه العقد من انهم لم يزالوا يسمعون، على الاطلاق، من غير تقييد، محمولة على أنهم لم يزالوا يسمعون ذلك، على مر الايام وسوالف الاعوام، منذ نشأوا وعقلوا، على ما يقتضيه الاطلاق، وذلك أكثر من المدة التي حددها اهل العلم في اجازة شهادة السماع، بخلاف ما لو عرى العقد من لفظه، لم يزالوا، وقيدت فيه لمدة غير محصورة ولا محدودة.
واذ ثبت عندك - وفقك الله - الاسترعاء بالسماع المذكور على نصه، واستنفذت حجج المتخاصمين عندك، فلم يكن للواحد منهما من الحجة غير ما أظهره اليك، واثبته عندك، فالقضاء ببقاء الاملاك بيد ابن خالص واجب، والحكم بمنع القائم بالتحبيس من الاعتراض له والتكرر عليه لازب، الا ان يأتي بغير ما اتي به اولا، فتنظر فيه
[ ١ / ٢٦١ ]
اذ لا تعجيز في الاحباس.
ولا يلزم ابن خالص، إذا قضيت ببقاء الأملاك بيده، وحكمت بقطع الاعتراض عنه، شىء من ثمنها، اذ قد مضى من طول المدة ما يصدق فيه المبتاع على أداء ثمن ما ابتاعه، في قول مالك رحمة الله، وأصحابه كلهم.
ولو وجب ان يحكم على ابن خالص، بالثمن لما صح ان يمكن ابن ذهر من قبضه وتموله، الا ان يرجع عنا ادعاه من التحبيس إلى تصديق ابن خالص فيما ادعاه من البيع، على اختلاف اصحابنا المتقدمين ﵏ في ذلك.
وسائر ما تضمنه عقد التحبيس الثابت عندك لا يوجب ان يسأل من بيده شىء من ذلك؛ من أين صار اليه؟ ولا يعتقل عليه، ولا يكلف اثباتا ولا عملا الا من بعد أن يثبت القائم بالتحبيس ملك المحبس لما حبسه، ويجوز ما أثبت تحبيسه حيازه صحيحة على الوجه الذي ذكرناه وهذا أصل اختلاف فيه، اعنى: أن من بيده ملك يدعيه لنفسه لا يكلف اثبات من أين صار اليه، حتى يثبت المدعى ما ادعاه ويحوزه
والله ولى التوفيق بعزته
[ ١ / ٢٦٢ ]
مخالفة أربعة من المشاورين بقرطبة لرأى ابن رشد:
وافتى الفقيهان المشاوران ابو محمد، وأبو القاسم ابنا الإمام الشيخ أبي عبد الله ابن عتاب، ﵀: أن يسأل الشهود الذين شهدوا على البيع بالسماع، عن تاريخ وقت البيع، فان كان ذلك قبل تاريخ كتاب التحبيس، قضى ببقاء الاملاك بيد ابن خالص، وأبطل قيام ابن زهر بالتحبيس، وان كان ذلك بعد تاريخ كتاب التحبيس، أو لم يؤرخوا شيئًا، نفذ التحبيس وقضى به، وأبطل البيع.
واحتجا في إعمال المؤرخ على غير المؤرخ لما حكاه ابن حبيب / في الواضحة.
وتابعهما على جوابهما واعمال الحيازة وترك اعتراضهما واعمال الحبس واكماله باقرار ابن خالص بالملك، إذ أقر بالبيع؛ الفقيه القاضي ابو عبد الله ابن حمدين، قاضي الجماعة بقرطبة، والفقيه ابو محمد عبد الصمد رحمهما الله.
- مخالفة اصبغ بن محمد لابن رشد، ايضا:
وقال الفقيه الاجل ابو القاسم اصبغ بن محمد ﵁:
[ ١ / ٢٦٣ ]
لا يصح التحبيس الا بعد اثبات ملك التحبيس لما حبسه، وقت التحبيس، وليس في اقراره ابن خالص بالشراء من المحبس إلا الإقرار بالملك يوم البيع، وذلك مالا منفعة فيه.
فان ارخ الشهود السماع مدة تجوز فيها شهادة السماع، مثل الثلاثين سنة، إلى نحو ذلك، قضي لابن خالص، بما بيده من الأملاك، وأبطل الحبس، وسجل بذلك، وان لم يجدوا الا مدة قريبة نحو العشرة الاعوام إلى خمسة عشر علما، قضي لابن زهر ببقاء الأملاك بيده، على ما يقربه من التحبيس.
والله التوفيق.