وسئل ﵁، من مدينة اشبيلية، في مسألة من مسائل ابن زهر، ونص السؤال:
الجواب، رضي الله عنك، في رجل في ملكه ضيعة ببادية اشبيلية ورثها عن سلفه منذ سبعين عاما، لم يزل هو وأبوه قبله، يتصرف في الضيعة المذكورة بما يتصرف به ذو الملك في ملكه، من العمارة والبنيان والاستغلال وغير ذلك، إلى ان قام عليه رجل، فادعى ان الضيعة رهن بيده، به تملكها سلفه قبله، واسترعى عقدا على
[ ١ / ٢٧٥ ]
السماع، بالرهن فاثبت الذي بيده الضيعة، على السماع، أن جده ابتاعها من جد القائم عليه فيها، فافتي: ان شهادة الشراء أعمل.
ثم قام ذلك الرجل بعينه يدعي ان تلك الضيعة حبس عليه، وأثبت عقد التحبيس بالشهادة على خطوط شهدائه يتضمن: أن فلان ابن فلان حبس على ولده فلان وعلى كل ولد يولد له، وعلى اعقابهم، وأعقاب أعقابهم، جميع ضيعته بقرية فلانة المشتهرة بالنسبة اليه، وجميع املاكه بقرية فلانة المشتهر جميع ذلك بالنسبة إلى المحبس، اغنى اشتهارها عن تحديدها، وجميع الفندق الذي بمكان كذا، المشتهر بالنسبة إلى المحبس، ثم أكمل العقد.
شهد على اشهاد المحبس ممن حضر وعاين تخلي المحبس عن جميع ما وصف من الاملاك وقبض المحبس عليه لها وذلك في ذي القعدة من سنة اربع عشرة وأربع مائة.
فهل ترى قيامه بالرهن، اولا، يبطل قيامه بالحبس، أم لا؟ وكيف ان عجز عن اثبات ملك المحبس لما حبسه بالبينة القاطعة، هل يجوز اثباته بالسماع؟ وهل تجوز شهادة السماع في اثبات نسبة وأنه من عقب المحبس.
فأجاب أيده الله، بهذا الجواب، ونصه؟
تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك ووقفت عليه، وعلى عقد التحبيس وكان من وجه الحكم، فيما سألت عنه: الا يكلف الذي بيده الضيعة اثبات من اين صارت اليه ولا يسأل عن شيء حتى يثبت
[ ١ / ٢٧٦ ]
القائم فيها: ملك الراهن لها، ورهنه اياها، موته، وأنه وارثه، او وارث وارثه، لا وارث له غيره، في علم من شهد له بذلك، بينة تحوزها وتعينها.
وكذلك الحكم في قيامه بالحبس سواه في مذهب مالك، جميع اصحابه المتقدمين والمتأخرين، لا اختلاف بينهم في هذا الاصل.
غير ان قول المقوم عليه: ان الضيعة المقوم عليه فيها ابتاعها جده من جد القائم عليه فيها اقرار منه له بملكها، فاذا كان هو المحبس، واثبت حفيده القائم فيها عقد التحبيس المذكور، وأنه من عقب المحبس، لا عقب له غيره، بالسماع، ان عجز عن اثبات ذلك بالبينة القاطعة، وأعذر إلى المقوم عليه فيما ثبت من ذلك، فلم يكن عنده فيه مدفع، فالواجب ان يسأل المقوم عليه عن الضيعة التي اقر بشراء جده لها من جد القائم عليها فيها؛ فإن أقر أنها هي التي وقع ذكرها في كتاب التحبيس لم يجب على القائم فيها حيازة، لاتفاقهما عليها، نظر إلى تاريخ كتاب التحبيس وتاريخ السماع لشراء جد المقوم عليه من جد القائم، فإن وجد تاريخ الحبس اقدم قضي به وبطل الشراء، ووجب الرجوع بالثمن، وان وجد تاريخ السماع بالشراء أقدم، أو لم يعلم ايهما قبل صاحبه، قضي بالشراء، وبطل التحبيس، [٤٥] وهكذا الرواية في ذلك.
وان أنكر المقوم عليه أن تكون هي التي وقع ذكرها في كتاب التحبيس، لم يصح لحاكم ان يحكم للقائم بها، ولا ينظر له فيها، لاحتمال صدق قوله بأن يكون المحبس انما حبس ضيعة كانت له بالقرية
[ ١ / ٢٧٧ ]
المذكورة مشتهرة، حينئذ، بالنسبة اليه ثم اكتسب هذه الضيعة المقوم فيها بعد ذلك، وباعها من جد المقوم عليه، على ما شهدت به البينة، على السماع او غير ذلك من الوجوه المحتملة.
ولا يصح لحاكم أن يحكم إلا بيقين، لا اشكال فيه ولا احتمال، وهو معدوم في هذه المسألة إلا من جهة اقرار المقوم عليه، على ما وصفت لك، اذ قد باد شهود التحبيس الذين تصح بهم حيازة ما اشهدهم المحبس عليه، ولم يقع في كتاب التحبيس تحديد للضيعة المقوم فيها، فيمكن ان يحاز بها: على الصفة التي وصفها أهل العلم في الحيازة على الحدود إذا مات من شهد على الأصل.
والله أسأله التوفيق بعزته.
أصبغ بن محمد وقيمة شهادة السماع في الحبس
وأجاب فيها الفقيه أبو القاسم أصبغ بن محمد، ﵀ بهذا الجواب: ونصه تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك وعقد التحبيس. واذا لم يثبت القائم ملك المحبس فقيامه باطل
ولا تصح شهادة السماع في هذا، اذ لم يستخرج بشهادة السماع شيء من يد الحائز.
وبالله التوفيق.
اعتراض ابن الوزان على أصبغ بن محمد تأييدا لابن رشد
فقيل: ان هذا الجواب جواب على غير تدبر، اذ أقر الذي بيده الضيعة بملك المحبس لها، اذ قد ادعى شراء جده اياها منه واثبته بالسماع.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ولا يصح في المسألة غير ما أجاب به الفقيه الاجل الإمام الحافظ ابو الوليد ابن رشد ﵁.
جواب مختصر مما سبق في المسألة بعينها:
وسئل الفقيه الإمام الحافظ ابو الوليد ابن رشد ﵁ في مسألة ابن زهر ايضا، بسؤال آخر، فأجاب أيده الله، بهذا الجواب.
ان اقر المقوم عليه: أن الاملاك المقوم عليه بها، هي التي وقع ذكرها في كتاب التحبيس، وثبت ان عقد التحبيس وقع قبل الشراء الذي اثبته اتلمقوم عليه بالسماع، لم يكلف القائم إثبات ملك المحبس لها لقول المقوم عليه: ان موروثه اشتراها منه وقضي للقائم بتحبيسها بعد الإعذار فيما اثبته القائم.
وان لم يقر المقوم عليه بذلك، وكان قد مات جميع شهود عقد التحبيس، ولم يبق منهم من يجوز ما شهد فيه، ويعينه، لم يصح به حكم، وان ثبت بالشهادة على خطوط شهدائه، اذ لم يتضمن من تحديد الاملاك المذكورة ما يستدل بيد مدعيها الا أن ثبت القائم غير ذلك بما يجب ان ينظر له فيه.
وقد سئلت عن هذه المسألة في غير هذا السؤال، فجاوبت فيها بأبسط من هذا الجواب.
[ ١ / ٢٧٩ ]