وقال الفقيه الإمام الحافظ، ابو الوليد محمد بن احمد بن احمد ابن رشد، ايده الله:
[ ١ / ٣٤٠ ]
اعلم انه إذا قسم مال الميت، ثم طرأ بعد ذلك من له فيه حق، فلا يخلو ذلك من احد تسعة اوجه، وهي:
[١] ان يطرأ غريم على غرماء.
[٢] او يطرأ غريم على ورثة.
[٣] او يطرأ غريم على غرماء وورثته.
[٤] او يطرأ غريم على موصى له بجزء وعلى ورثة.
[٥] او يطرأ غريم على موصى له بعدد وعلى ورثة.
[٦] او يطرأ موصى له بعدد على ورثة.
[٧] او يطرأ موصى له بجزء على ورثة.
[٨ - ٩] او يطرأ موصى له على موصى لهم، او يطرأ وارث على ورثة.
أربعة احوال من التسعة:
فأما إذا طرأ غريم على غرماء او طرأموصى له على موصى لهم او طرأ وارث على ورثة او طرأ موصى له بجزء على ورثة فمذهب ابن القاسم، في الأربعة الأوجه: ان ينظر إلى ما كان يجب لهذا الطارئ لو كان حاضرا، يوم القسمة فيتبع كل واحد منهم بما حصل في نصيبه، من ذلك الجزء.
وقيل: انه إذا وجد واحدا منهم، ساواه فيما في يده، ان كان كل جزؤه مثل جزئه ويتبعان معا أصحابهما، قياسا على المسألة التي في كتاب محمد وهي:
[ ١ / ٣٤١ ]
[٦٥] الرجل يترك زوجة، وورثة غيرها فيقتسمون / المال ثم طرأ، بعد ذلك زوجة أخرى، فتجد هذه الزوجة، الأولى، التي أخذت الثمن كله عديمة.
قال ترجع بحصتها في يد من وجدت مليئا من الورثة ثم يتبع ذلك الذي رجعت عليه بحصتها فيما في يديه، الزوجة الأولى معها.
وابن حبيب يجعل طريان الموصى له بجزء من الورثة كطريان الغريم، على الورثة.
ثلاث حالات أخرى بين رأي ابن القاسم واعتراض ابن رشد:
وأما إذا طرأ غريم على ورثة أو طرأ غريم على موصى له بجزء وورثة أو طرأ موصى له بعدد على ورثة، فمذهب ابن القاسم: أنه ان طاع الذين اقتسموا المال بأداء هذا الطارئ، أو طاع احدهم بأداء جميعه، من عند نفسه، صحت قسمتهم وان أبوا أو أبى أحدهم فالقول قول من أبى وتنفسخ القسمة الا أن يكون استحقاق الدين بشهادة هذا الذي أبي مع مستحقيه فلا تنفعه ابايته وحده وتنفذ القسمة، ويلزمه ما ينوبه من الدين، لأنه يتهم: أنه انما أراد بالاقرار بالدين، نقض القسمة.
وهذا معترض من قوله، لأنه كان ينبغي له إذا اتهمه، ألا يجيز شهادته، كما أتى في نوازل سحنون من كتاب الأقضية من العتبية في:
[ ١ / ٣٤٢ ]
رجل مات وشهد رجلان أنه أوصى بوصية وجعل اليهما تنفيذها.
فقال: يسألهما القاضي، إذا شهد عنده، هل قبلا تنفيذ الوصية، فان قالا: نعم قبلناها، أسقط شهادتهما، وان قالا: لم نقبل أجازهما.
وهؤلاء، الذين اقتسموا مال الميت، ضامنون لما أكلوا أو استهلكوا من ذلك، وأما ما ذهب بأمر من السماء فلا ضمان عليهم فيه لصاحب هذا الحق الطارئ عليهم، ولا بعضهم لبعض، وكذلك إذا جنى على شيء مما في يد واحد منهم يتبعون جميعا الذي جنى عليه ومن باع منهم شيئًا مما في يده فإنما عليه الثمن الذي باعه به إذا لم تكن في البيع محاباة ويقتسمون ما بقي بعد اخراج حق هذا الطارئ.
رواية أشهب ورأيه:
ويأتي على رواية أشهب عن مالك: أن القسمة تنفسخ على كل حال وان رضي أحدهم، أو جميعهم بأداء حق هذا الطارئ، لحق الله ﷿ في ذلك.
وقال أشهب من رأيه: ان القسمة تصح ولا تنفسخ، ويأخذ هذا الطارئ حقه من كل واحد منهم، على قدر الأجزاء. التي اقتسموا عليها، زادت أو نقصت.
[ ١ / ٣٤٣ ]
رأي سحنون، وابن حبيب:
وسحنون يقول مثل قوله في صحة القسمة؛ غير أنه يخالفه في صفة الرجوع، فيقول: يأخذ هذا الطارئ حقه من كل واحد منهم، على قد ما بيده يوم الحكم.
وابن حبيب يقول: إذا دعا أحدهم إلى تصحيح القسمة، فالقول قوله، ويغم ما ينوبه ان كان نصيب أصحابه لم يتلف ولا نقص، وان كان تلف أو نقص، لم يكن ذلك له الا أن يحمل نوبه مما نقص أو تلف.
وكذلك يقول في طريان الموصى له بجزء على الورثة، ويجعله كطريان الغريم عليهم.
الحالة الثامنة:
وأما إذا طرأ غريم على غرماء وورثة فمذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك: أنه ان كان حين أخذ الغرماء دينهم يبقى في يد الورثة ما يحمل دين هذا الطارئ، لم يتبع هذا الطارئ الغرماء، وأخذ حقه من الورثة، ان كانوا أملياء، واتبعهم ان كانوا عدماء، ولم يكن له على الغرماء رجوع، وان لم يكن فيما أخذ الورثة كفاف اتبع الورثة بما أخذوا والغرماء بما بقي له مما كان يحصل لو كان حاضرا يوم القسمة، وليس له رجوع على الغرماء بقيمة ما بأيدي الورثة، إذا أتلفه
[ ١ / ٣٤٤ ]
الورثة، لأن الغرماء لديونهم إذا لم يعلموا بدين هذا الطارئ عليهم، كأنه حكم قد وقع، فلا يرد.
الحالة التاسعة:
وأما إذا طرأ غريم على موصى له بعدد، وعلى ورثة، فإنما ينظر إلى ثلث ما يبقى من المال بعد اخراج الدين، فإن كان بقدر ما أخذ الموصى له، لم يكن للغريم أن يتبعه بشيء ويأخذ دينه من الورثة، ان كانوا أملياء، فإن كانوا عدماء، أخذ دينه مما يد هذا الموصى له واتبع الموصى له الورثة بما أخذه منه صاحب الدين.
وان كانت وصيته أكثر من ثلث ما يبقى، بعد اخراج الدين أخذ صاحب الدين ذلك الزائد، وأخذ من الورثة ما بقي من دينه، ان كانوا كلهم أملياء / أعني: الموصى له والورثة وان كان الورثة عدماء والموصى له مليا، أخذ دينه مما في يد هذا الموصى له واتبع الموصى له الورثة بما نقصه أداء الدين من ثلث ما بقي من المال، بعد اخراج الدين وان كان الورثة أملياء، والموصى له عديما، يأخذ دينه من الورثة وأتبع الورثة والموصى له بما أخذ زائدا، على الثلث ما بقي من المال، بعد اخراج الدين.
وبالله التوفيق.