وقال الفقيه الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ﵁:
(رواية المبسوطة: البتة لا تتبعض)
وقع في كتاب الايمان بالطلاق من المبسوطة ليحيى بن اسحق قال: وقال مالك: من قال لامرأته: أنت طالق ثلاث النتة، فهي طالق البتة، لان البتة لا تتبعض، ولا تبعض.
فقلت في اختصارى لها: هذا خلاف مذهبه في المدونة، لأنه قال في كتاب الايمان بالطلاق منها:
مذهب المدونة: البتة تتبعض
إذا شهد شاهد على رجل انه قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وشهد
[ ١ / ٣٩٧ ]
آخر انه قال: أنت طالق البتة، إن شهادتها جايزة، وتطلق عليه.
وعلى ما حكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف وابن الماجشون: انها لا تصلق عليه، بشهادتهما، ويحلف مع كل واحد منهما؛ لأن البتة لا تتبعض، فهي غير الثلاث.
طلب شرح رواية المدونة، وبيان علاقتها برواية الواضحة
قال ابو الوليد، ﵁: فكتب إلى بعض الطلبة من اشبيلية، يسأل عن معنى في المختصر، وقال إنه لم يفهم كيف يقام من مسألة كتاب الإيمان بالطلاق من المدونة: إن البتة تتبعض، مع انه موجود في الواضحة، من قول مطرف وابن الماجشون مثل ما في المدونة، ولم يجد فيها من روايتها عن مالك خلاف ما له فيها، وانما تنفهم اقامته ذلك من مسألة الحكمين من المدونة؛ لا من المسألة التي أقمتها منها.
ورغب في بيان ذلك، وشرحه بما يرفع الاشكال فيها.
تلفيق الشهادة دليل على التبعيض لدى سحنون وابن رشد
فاجبته بأن قلت: إن ذكرته في المختصر من أن قول مالك،
[ ١ / ٣٩٨ ]
رجمه الله، في المدونة، بتلفيق شهادة الشاهدين يشهد أحدهما على الرجل بطلاق البتة، والثانى بطلاق الثلاث، يقوم منه: أنم البتة عنده تتبعض، فهو صحيح لما قلته فيه.
ألا ترى سحنون، ﵀، قد احتج على من قال: إن البتة لا تتبعض، بتلفيق الشهادة في هذه المسألة، ورأى أن القول بتلفيقها، مع القول بأن البتة لا تتبعض، متناقض، وقال: يلزم من قال: إن الثلاث لا تتبعض، إن شهد شاهد بالبتة، والآخر بالثلاث، أن تكون شهادة مختلفة.
فلو كانت البتة عند مالك، ﵀، على مذهبه في المدونة، لا تتبعض، لما لفق الشهادة، ولقال: إنه يحلف المشهود عليه، تكذيبا لشهادة كل واحد منهما، ويحبس امرأته إذ لو لفقها مع قوله ان البتة لا تتبعض، لكان قوله متناقضا، كما ذهب اليه سحنون، ﵀.
مدلول البتة والثلاث
لأن البتة، عند من يرى انها لا تتبعض، لفظ مبهم، لا يجزأ، ولا يخصص منه استثناء، والثلاث لفظ صريح، يجزأ، ويخصص، ويصح منه الاستثناء، فوجبا ألا يلفقا في الشهادة لما بينهما من اختلاف في المعنى.
تخريج القولين من المدونة والواضحة
فيقام من قوله في المدونة: إن الشهادة تلفق: أن البتة تتبعض
[ ١ / ٣٩٩ ]
ومن مذهبه في الواضحة: أن البتة لا / تتبعض بتفرقته فيها بين أن يشهد أحد الشاهدين أنه طلق واحدة، والثاني أنه طلق البتة: أن الشهادة لا تلفق، أيضا، إذا شهد أحدهما بثلاث، والثانى بالبتة، فيكون قد جرى فيها على أصل واحد، إذ لا يصح أن يحمل عليه التناقض والاضطراب.
فلهذا قلت في المختصر: وعلى ما حكى ابن حبيب في الواضحة، عنه من رواية مطرف وابن الماجشون: أنها لا تطلق عليه بشهادتهما، ويحلف مع كل واحد منهما
فان كان في كتابك وحكى ابن حبيب فأصلحه ورده وعلى ما حكى ابن حبيب.
روايات في الواضحة بتيعيض البتة
وما وقع في الواضحة لمطرف وابن الماجشون، او المطرف وابن القاسم، على ما في بعض الروايات، من تلفيق هذه الشهادة، مثل ما في المدونة، وهو قول ابن الماجشون على أصله في أن البتة تتبعض، أيضا، ومن قول ابن القاسم في احدى الروايات على أحد قوليه، في أن البتة تتبعض أيضا، ومن قول مطرف على خلاف أصله في أن البتة لا تتبعض، فهو اختلاف في قوله من ذلك.
ترجيح التبعيض والتسوية بين الثلاث والبتة
والصحيح في النظر قول من قال: ان البتة تتبعض، وهو الذي أقمته من المدونة، ولا وجه لقول من قال: أنها لا تتبعض، لأن نهاية
[ ١ / ٤٠٠ ]
الطلاق ثلاث، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق بالبتة فإنما معنى قوله وارادته: أنت طالقة نهاية عدة الطلاق، كما قال عمر بن عبد الغزيز ﵀: لو كان الطلاق ألفا، ما أبقت البتة منه شيئًا من قال: البتة فقد رمى الغاية القصوى فلا فرق في المعنى بين أن يقول: أنت طالق ثلاثا، وأنت طالق البتة، لأنه واصف للطلاق في المسألتين جميعا، بأقصى ما تبين به المرأة عنه من عدد الطلاق، فوجب أن يستويا في جميع الاحكام، من التلفيق في الشهادة، والتبعيض بالاستثناء، وغير ذلك، ولا يقوم ذلك عندى من المدون الا من المسألة التي ذكرتها، وقد تقدم بيان الوجه في ذلك.
مدلول البتة في طلاق الحكين من المدونة
وأنا اقامة ذلك من مسالة الحكمين فيها، فليس بصحيح؛ لأن البتة عنده على مذهبه فيها: أن طلاق الحكمين واحدة بائنة، فلذلك تكون، إذا اختلفا فيما حكما به من عدد الطلاق، واحدة بائنة، ألا ترى أنهما لو اجتمعا على البتات لكانت واحدة بائنة، مع أن الذي في المدونة في الحكمين إنما هو لابن الماجشون.
واختلاف الحكمين في الطلاق خلاف اختلاف الشاهدين في الشهادة في ذلك.
فلما وقع في المختصر المذكور من قول مالك، ﵀ نصا أن البتة
[ ١ / ٤٠١ ]
لا تتبعض، وهو قول ضعيف، خارج عن الأصول، على ما بيناه.
بينت، بما ذكرته: ان مذهبه في المدونة خلاف ذلك.
أدلة اخرى على ربط التبعيض بتلفيق الشهادة
ومما يدل - وفقنا الله واياك - على صحة ما ذهبت اليه من أن من لم يلفق شهادة الشاهدين، إذا شهد أحدهما بطلقة، والثاني بالبتة في البعض، لا يلفقها، أنه إذا شهد أحدهما بثلاث، والثاني بالبتة في الكل، وهو مذهب مالك، ر حمه الله في رواية مطرف وابن الماجشون عنه المبنى على أن البتة لا تتبعض، وأن من لفق شهادتها إذا شهد احداهما بطلقة والثاني بالبتة في البعض، يلفقها إذا شهد أحدهما بثلاث، والثاني بالبتة في الكل، وهو مذهب الإمام مالك، ﵀، في المدونة، المبنى على أن البتة تتبعض، سوى ما تقدم من الادلة، واستشهدت عليه بقول سحنون من لالأثمة، وهو دليل واضح، على طريقة أهل الأصول المحققين:
أ- وضعية تلفيق الشهادة
انا نقول: قد تقرر، لا محالة، أن التلفيق بين شهادة الشاهدين اما يكون إذا شهدا، جميعا، على شىء واحد، واختلف لفظهما في الشهادة، أو عم أحدهما وخص الآخر، أو شهد أحدهما ببعض ما شهد به الآخر، على الاختلاف في ذلك.
وأما شهادة أحدهما بغير ما شهد به الآخر، وان كان مثله، فلا تلفق شهادتهما في ذلك بلا خلاف.
ب - العلاقة بين الثلاث والبتة:
والثلاث تطليقات لا تخلو أن يكون هى البتة أو غيرها، فإن كانت
[ ١ / ٤٠٢ ]
البتة فالواحدة منها هي بعضها، وان لم تكن هي البتة، وكانت غيرها، فالواحدة منها غيرها، وليست بعضها، إذ من المستحيل في العقل أن تكون الثلاث هي البتة، ولا تكون الواحدة منها بعضها، / أو أن تكون الواحدة منها بعضها، ولا تكون الثلاث هي كلها، كما أن من المستحيل في العقل أيضا، إن لم تكن الثلاث هي البتة، وكانت غيرها، أن تكون الواحدة منها هي بعضها، وإن كانت الواحدة منها بعضها، الا أن تكون هي كلها، وتكون غيرها.
تلخيص:
فإذا تقرر هذا، وثبت بالدليل الواضح الذي أثبتناه، والبرهان اللائح الذي أقمناه، علمنا أن مالكا، ﵀، لم يقل في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في الشاهدين يشهد أحدهما بطلقة، زالثاني بالبتة: أن شهادتهما ترد، ولا تجوز، ولا يلفق شىء منها الا من وجه أن البتة عنده لا تتبعض، فالطلقة التي شهد بها أحد الشاهدين غير البتة التي شهد بها الشاهد الثاني؛ اذ لو كانت البتة عنده على هذه الرواية تتبعض، وكان الشاهد الذي شهد بالطلقة قد شهد على بعض ما شهد به الشاهد الذي شهد بالبتة لقال: ان الشهادة تلفق في ذلك وتجوز فيه، كما قال في روايتهما عنه، إذا شهد أحدهماعلى طلقة، والثاني على ثلاث.
فإذا كانت الطلقة الواحدة التي شهد بها أحد الشادين عند مالك،
[ ١ / ٤٠٣ ]
﵀ على هذه الرواية، غير البتة، التي شهد بها أحد الشاهدين، أي لا بعضها، فالثلاثة التي بها أحد الشاهدين غير البتة، التى يشهد بها اشاهد الثاني، اذ من المستحيل في العقل أن تكون الواحدة من الثلاث غير البتة، لا بعضها - وتكون الثلاث هى البتة، لا غيرها.
فإذا كانت الثلاث عنده، على هذه الرواية، هى غير البتة، لا البتة، على ما قررناه مما لا محيص لأحد منه ولا خروج له عنه، وجب إذا شهد أحد الشاهدين بالثلاث، والثاني بالبتة، ألا تلفق الشهادة، وأن يحلف المشهود عليه على شهادة كل واحد منهما ويبقى مع امرأته.
وهذا كله، بحمد الله، بين، لاخفاء به، ولا اشكاك فيه.
فالقول بأن البتة تتبعض يستفاد من قول من قال: تلفق شهادة الشاهدين يشهد أحدهما بالثلاث، والثاني بالبتة كما يستفاد من قول من لفق شهادتها، إذا شهد أحدهما بواحدة والثاني بالبتة.
والقول بانها لا تتبعض يستفاد من قول من لم يلفق شهادة الشاهدين، إذا شهد أحدهما بواحدة، والثاني بالبتة، كما يستفاد من قول من لم يلفق شهادتهما اذاشهد أحدهما بثلاث، / والثاني بالبتة.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٠٤ ]