مسألة من غصب قمحا وشعيرا لرجلين فخلطهما.
قال الفقيه الإمام القاضي أبو الوليد ابن رشد ﵁: ان سأل سائل عمن غصب قمحا وشعيرا لرجلين، فخلطهما: ما يجب لهما عليه، وهل لهما أن يبرياه من العداء دون رضاه، ويأخذ طعامهما، أم لا يكون ذلك لهما الا برضاه، وكيف يقتسمانه ان أبرياء برضاه أو بغير رضاه، على المذهب؛ إذ قد اختلفت في ذلك ظواهر الروايات، واختلف المتأخرون فيما حملوها عليه من التأويلات، فالذي نقول به والله الموفق للصواب برحمته، على منهاج قول مالك وأصحابه: أن الواجب على الغاصب أن يخرج لصاحب القمح مكيلة قمحه، ولصاحب الشعير مكيلة شعيرة، فان لم يكن له مال، بيع الطعام المخلوط على ذمته، فقسم ثمنه على قيمة القمح والشعير يوم الحكم، واشترى لكل واحد منهما بما ناب طعامه مثل طعامه، فما نقص من مكيلته فعلى الغاصب وما زاد فله، لا اختلاف بينهم في هذا.
وانما اختلفوا إن رضي المغصوب منهما، أن يسقطا حكم العداء عن الغاصب ويأخذا القمح والشعير مخلوطا هل لهما ذلك ام لا، على قولين، أحدهما: أن ذلك لهما وهو مذهب ابن القاسم، والثاني: أن ذلك
[ ١ / ٤١٤ ]
ليس لهما الا برضاه؛ لأن القمح والشعير المخلوطين قد وجبا للغاصب بعدائه وترتب في ذمته لصاحب القمح، مثل مكيلة قمحه ولصاحب الشعير مثل مكيلة شعيره، فليس لهما أن يأخذا الطعام المخلوط عوضا عما ترتب لهما في ذمته الا برضاه، وهو قول أشهب.
كيفية اقتسام الطعام المخلوط
وعلى هذين القولين يجرى الاختلاف الحاصل بين أهل العلم في كيفية اقتسامهما الطعام المخلوط إذا أبرأ الغاصب، وفيما عدا ذلك من فروع المسألة:
فيأتي على قياس القول الأول، وهو أن حق المغصوب منهما أن يسقطا حكم العداء عن الغاصب ويأخذا الطعام المخلوط: أنهما يقتسمانه بينهما، إذا أبرأ الغاصب على قيمة القمح والشعير، يوم الخلط، يريد: ويقوم القمح غير معيب، بدليل ما في المدونة، خلاف ما ذهب اليه سحنون.
ولا وجه لقول من قال: انه لا يحل أن يقتسما الطعام المخلوط بينهما على القيم، وأن مراد ابن القاسم في الكتاب: أن يباع، وأن يقتسما ثمنه على القيم؛ لأنهما إذا أسقطا حكم العداء عن الغاصب، فقد صار الطعام كأنه اختلط من غير عداء، واذا اختلط من غير عداء، وجب أن يقتسماه بينهما على القيم.
وقد روى عن سحنون أنه يباع، ويقتسمان الثمن، على قيمة القمح معيبا والشعير غير معيب، وذلك والله أعلم استحسان خوف الذريعة، إلى التفاضل في الصنف الواحد من طعامين لا على أن
[ ١ / ٤١٥ ]
[٨١] ذلك واجب في القياس، لأنه انما يباع على ملكهما فلو حرم على صاحب القمح أن يأخذ من الطعام المخلوط أكثر من مكيلة قمحه لما حل له أن يأخذ ثمن ذلك وقد قال رسول الله ﷺ:
" لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها "
ويؤيد هذا، أيضا، قول ابن القاسم، في رواية عيسى من كتاب الغصب: إذا ذهب الغاصب فلم يعرف، لا أحب لهما أن يقتسماه يريد الطعام على الكيل؛ لأنه انما منع اقتسامه بينهما على الكيل من أجل ان الذي يوجبه الحكم أن يقسم بينهما على القيم، فيدخله التفاضل بين الصنف الواحد من الطعام.
ولفظه: لا أحب ها هنا ليست على بابها والمراد بها: لا يحل ومثل هذا كثير في التجاوز في الألفاظ.
تكييف قسمة الطعام المخلوط على القيمة
فان قال قائل: إذا كان الواجب لكل واحد من المغصوب منهما على الغاصب مكيلة طعامه فرضيا أن يبرياه، ويقتسما الطعام المخلوط بينهما على القيم، فقد باع كل واحد منهما ما وجب له على الغاصب بما تصير له بالقيمة من الطعام المخلوط وذلك التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل؛
فالجواب: أن ذلك ليس ببيع، انما ذلك أمر أوجبه الحكم بين الشريكين المغصوب منهما الطعام، بعد أن فرط إبراؤهما الغاصب من
[ ١ / ٤١٦ ]
حكم العداء ولأن البيع، أيضا، انما يكون برضا المتابعين والغاصب في هذه المسألة محكوم عليه بأخذ الطعام، المخلوط فيه، شاء أو أبى وما يوجبه الحكم بين الشريكين لا يعتبر في ذلك رضا. فليس بحقيقة بيع ألا ترى أنه قد روى عن ابن القاسم فيمن حلف ألا يبيع سلعة فاغتصبها منه غاصب ففاتت عنده بنقصان كثير أنه لا حنث عليه في أخذ عوضها منه، وقد قال ابن حبيب فيمن سرق منه جلد أضحيته، أنه يقضي له على السارق بالقيمة ويتمولها ويأكلها ولا شيء عليه، ومثل هذا كثير.
فإن أراد أحدهما على هذا القول أن يعطي صاحبه مكيلة طعامه، ويأخذ جميع الطعام المخلوط، لم يكن ذلك له ولو رضي صاحبه بذلك لكان حراما ولا يحل، لأنهما لما أسقطا العداء عن الغاصب وجب أن يكون الطعام المخلوط بينهما على القيم، فإذا أعطى أحدهما فيما وجب له من الطعام المخلوط مكيلة طعامه فقد تبايعا الطعام بالطعام من صنف واحد متفاضلا.
فصل ويأتي على قياس القول الثاني وهو أن ليس للمغصوب منهما أي يبريا الغاصب ويأخذا الطعام المخلوط الا برضاه: ان ذلك لا يكون لهما برضاه، الا أن يقتسما الطعام المخلوط على الكيل، لأنهما لو أبرياه برضاه من غير شرط، على أن يقسماه على القيم لكان ذلك بيع الطعام بالطعام متفاضلا؛ لأن كل واحد منهما قد وجب له على الغاصب مثل طعامه فإذا أخذ به ما وجب له من الطعام المخلوط بالقيمة، فقد باع الطعام بالطعام متفاضلا.
[ ١ / ٤١٧ ]
ولو أراد أحدهما، على هذا القول، إذا ابرأا الغاصب على ان يقتسما الطعام المخلوط على الكيل: أن يعطي صاحبه مكيلة طعامه ويأخذ جميع الطعام المخلوط لكان ذلك حلالا جائزا إذا رضيا.
ولو أراد احدهما، قبل ان يبريا الغاصب، أن يعطي صاحبه عن الغاصب، مكيلة، لم يجز ذلك لأنه يصير قد ابتاع الطعام المخلوط بالمكيلة التى وجبت له على الغاصب وبالمكيلة التي أعطى صاحبه عن الغاصب فيكون بمنزلة من باع مدي قمح بمدي طعام، أحدهما أرفع منه والثاني أدنى منه.
ولو أخذ أحدهما من الغاصب مكيلة طعامه لم يكن لصاحبه أن يشارك الغاصب في الطعام المخلوط، بمكيلة طعامه التي وجب له عليه الا برضاه.
فهذا هو وجه القول في هذه المسألة وقد تكلم عليها أبو اسحق التونسي وغيره في كتاب الوديعة وكتاب الغصب فلم يحصلوا الرواية ولا جروا في ذلك على أصل.
وبالله التوفيق.