• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الفرائض ولا يرث من الرجال إلا عشرة الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد للأب وإن علا والأخ وابن الأخ وإن بعد والعم وابن العم وإن بعد والزوج ومولى النعمة.
ولا يرث من النساء غير سبع البنت وبئت الابن والأم والجدة والأخت والزوجة ومولاة النعمة.
فميراث الزوج من الزوجة إن لم تترك ولدا ولا ولد ابن النصف فإن تركت ولدا أو ولد ابن منه أو من غيره فله الربع، وترث هي منه الربع إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، فإن كان له ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها فلها الثمن.
وميراث الأم من ابنها الثلث إن لم يترك ولدا أو ولد ابن أو اثنين من الإخوة ما كانوا فصاعدا إلا في فريضتين في زوجة وأبوين فللزوجة الربع وللأم ثلث ما بقي وما بقي للأب وفي زوج وأبوين فللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي للأب ولها في غير ذلك الثلث إلا ما نقصها العول إلا أن يكون للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة ما كانا فلها السدس حينئذ.
وميراث الأب من ولده إذا انفرد ورث المال كله ويفرض له مع الولد الذكر أو ولد الابن السدس، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن فرض للأب السدس وأعطي من شركه من أهل السهام سهامهم ثم كان له ما بقي.
وميراث الولد الذكر جميع المال إن كان وحده أو يأخذ ما بقي بعد سهام من معه من زوجة وأبوين أو جد أو جدة وابن الابن بمنزلة الابن إذا
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
لم يكن ابن فإن كان ابن وابنة فللذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك في كثرة البنين والبنات وقلتهم يرثون كذلك جميع المال أو ما فضل منه بعد من شركهم من أهل السهام، وابن الابن كالابن في عدمه فيما يرث ويحجب.
وميراث البنت الواحدة النصف، والاثنتين الثلثان، فإن كثرن لم يزدن على الثلثين شيئا، وابنة الابن كالبنت إذا لم تكن بنت، وكذلك بناته كالبنات في عدم البنات، فإن كانت ابنة وابنة ابن فللابنة النصف ولابنة الابن السدس تمام الثلثين، وإن كثرت بنات الابن لم يزدن على ذلك السدس شيئا إن لم يكن معهن ذكر وما بقي للعصبة، وإن كانت البنات اثنتين لم يكن لبنات الابن شيء إلا أن يكون معهن أخ فيكون ما بقي بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك إذا كان ذلك الذكر تحتهن كان ذلك بينه وبينهن كذلك، وكذلك لو ورث بنات الابن مع الابنة السدس وتحتهن بنات ابن معهن أو تحتهن ذكر كان ذلك بينه وبين أخواته أو من فوقه من عماته ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن.
وميراث الأخت الشقيقة النصف، والاثنتين فصاعدا الثلثان، فإن كانوا إخوة وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قلوا أو كثروا.
والأخوات مع البنات كالعصبة لهن يرثن ما فضل عنهن ولا يربى لهن معهن).
الشرح
الفرائض أو علم المواريث اسم لمسمى واحد، والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة على غير قياس، لأن فعيلة الذي يجمع على فعائل قياسا شرطه إما أن يكون اسما أو صفة لا بمعنى مفعولة كما قيده في التسهيل وغيره (^١)، فلا يجمع على فعائل نحو جريحة وقتيلة.
_________________
(١) شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد للعلامة الحسن بن قاسم المرادي (٢/ ٨١٩)، ط: دار سعد الدين.
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
وهو مأخوذ من الفرض وهو التقدير، يقال: فرضت الشيء أفرضه؛ أي: قدرته وأوجبته ومنه قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧].
واصطلاحا: علم الفرائض لقب الفقه المتعلق بالإرث، وعلم ما يوصل لمعرفة قدر ما يجب لكل ذي حق من التركة (^١).
والفرائض ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع فمن الكتاب قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾ ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم﴾ [النساء: ١١، ١٢]، وفي السنة قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (^٢).
وقد أجمعت الأمة على أن الفرائض المقدرة في كتاب الله على التفصيل الذي ذكره، أو ذكره رسوله ﷺ أنه فرض لا يجوز العدول عنه.
فضل علم الفرائض:
يكفي علم المواريث فضلا أن الله جل في علاه قد تولى بنفسه تقدير
_________________
(١) حاشية ابن الخياط على شرح الخرشي لفرائض خليل (١١، ٢٠) تحقق خالد عبد الغني، ط: العلمية.
(٢) خرجه البخاري (٨/ ١٨٧) (٦٧٣٢) و(١٩٠) (٦٧٤٦)، ومسلم (٥/ ٥٩) (١٦١٥).
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
الفرائض وقسمتها كما بين ذلك في كتابه وجاءت السنة النبوية الشريفة شارحة بوضوح أحكام هذا العلم، ولله در القائل:
علم الفرائض علم لا نظير له … يكفيك أن قد تولى قسمه الله
وبين الحظ تبيانا لوارثه … فقال سبحانه (يوصيكم الله)
وفي الكلالة فتيا الله منزلة … فبان تشريف ما أفتي به الله
ومما ورد في فضل تعلمها قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «تعلموا الفرائض، واللحن (^١)، والسنة، كما تعلمون القرآن» (^٢).
أسباب الميراث:
أجمع العلماء أن أسباب الإرث ثلاثة وهي: نكاح، وولاء، ونسب.
قال ناظم الرحبية:
أسباب ميراث الورى ثلاثة … كل يفيد ربه الوراثة
وهي نكاح وولاء ونسب … ما بعدهن للمواريث سبب
وأركان الميراث:
١ - موت المورث أو إلحاقه بالأموات (كالمفقود الذي انتظرت مدة احتمال حياته).
٢ - حياة الوارث.
٣ - وجود الإرث.
وموانعه:
١ - الكفر لقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (^٣)، وعندنا لا يتوارث أهل ملتين من بعضهم البعض.
_________________
(١) أي: إعراب اللغة العربية.
(٢) الدارمي (٢/ ٤٤١) من سننه في كتاب الفرائض، باب: في تعلم الفرائض، والبيهقي (٦/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٣٢١)، ومسلم (٨/ ٦٦)، ورواه مالك في الموطأ ولم يذكر «الموطأ»: «ولا الكافر المسلم» (١٨٩١/ ٤٩٢).
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
٢ - والقتل فلا يرث القاتل عمدا عدوانا من مال ولا دية، وإن كان خطأ فإنه يرث من المال دون الدية كما سيأتي الكلام عليهم في قول المصنف.
٣ - الرق بجميع أنواعه، فلا يرث الرقيق ولا يورث، ولا يحجب، لأنه مملوك لسيده قال الناظم:
ويمنع الشخص من الميراث … واحدة من علل ثلاث
قتل، ورق، واختلاف دين … فافهم فليس الشك كاليقين
الوارثون من الرجال:
(ولا يرث من الرجال إلا عشرة الابن وابن الابن وإن سفل) مثلث الفاء لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وابن الابن داخل في الولد، وقديما قال الشاعر:
بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد
(والأب والجد للأب وإن علا) وإن بعد، لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾، والجد داخل في الأب كما دخل ولد الابن في الولد، ولحديث عمران بن حصين ﵁ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: «إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه»؟ فقال: «لك السدس» فلما أدبر دعاه، فقال: «لك سدس آخر» فلما أدبر دعاه، فقال: «إن السدس الآخر طعمة» (^١).
(والأخ) شقيقا كان أو لأب أو لأم لقوله تعالى: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾ هذا في الأخ من الأم؛ وما من الأبوين أو لأب فلقوله تعالى: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ [النساء: ١٧٦] فإذا كانت الأخت الشقيقة ترث فأولى منها الأخ الشقيق إن وجد معها لأنه يعصبها.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٨) (٢٠٠٨٨)، وفي (٤/ ٤٣٦) (٢٠١٥٧)، وأبو داود (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٠٣). قال الطيبي، ومعنى الطعمة التعصيب؛ أي: رزق لك ليس بفرض.
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
(وابن الأخ) الشقيق أو لأب وإن بعد، والعم الشقيق أو لأب (وابن العم) الشقيق أو لأب وإن بعد، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر».
(والزوج) لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾، (ومولى النعمة) وهو المعتق أو ما قام مقامه من ابن المعتق أو معتق المعتق.
لقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «إنما الولاء لمن أعتق» (^١).
الوارثات من النساء:
(ولا يرث من النساء غير سبع البنت) لقوله تعالى: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ … الآية، وبنت الابن للإجماع (^٢) ولدخولها في الولد لأن ولد الولد ولد (والأم) لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ الآية (والجدة) لأم أو لأب لأن النبي ﷺ: «أعطاها السدس» كما سيأتي، (والأخت) الشقيقة أو لأب لقوله تعالى: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، أو أخت لأم لقوله تعالى: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾، (والزوجة) لقوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ الآية، (ومولاة النعمة)؛ أي: المعتقة لحديث: «إنما الولاء لمن أعتق».
المواريث المقدرة في كتاب الله وإلحاقها بأهلها:
(فميراث الزوج من الزوجة إن لم تترك ولدا ولا ولد ابن النصف، فإن تركت ولدا) ذكرا كان أو أنثى (أو ولد ابن) كذلك سواء كان الولد (منه)؛ أي: من الزوج أو من غيره بنكاح أو زنى أو لعان من حر أو عبد مسلم أو كافر، ويشترط في الولد أو ولد ابنه أن يكون حرا مسلما غير قاتل (فله)؛
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢٦٦)، وأحمد (٢/ ٢٨) (٤٨١٧)، والبخاري (٣/ ٩٣) (٢١٥٦)، وأخرجه مسلم (٤/ ٢١٣) (٣٧٦٩)، وأبو داود (٢٩١٥).
(٢) الإجماع لابن المنذر (٦٦).
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
أي: الزوج (الربع) لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾.
(وترث هي)؛ أي: الزوجة أو الزوجتان أو الزوجات (منه)؛ أي: الزوج (الربع إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، فإن كان له ولد أو ولد ابن) ذكرا كان أو أنثى كان الولد (منها أو من غيرها) زوجة كانت أو أم ولد (فلها الثمن) لقوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾، فنص الحق ﷾ على فرضهما مع وجود الولد وعدم الولد، وقيس ولد الابن في ذلك على ولد الصلب لإجماعهم على أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب فكذلك في حجب الزوجين.
(وميراث الأم من ابنها الثلث) لو قال من ولدها لكان أحسن ليشمل الذكر والأنثى (إن لم يترك ولدا أو ولد ابن أو اثنين من الأخوة ما كانوا فصاعدا)؛ أي: في حال كون الإخوة أي إخوة كانوا ذكورا فقط، أو إناثا فقط، أو ذكورا وإناثا، أشقاء، أو لأب، أو لأم، بشرط أن يكونوا أحرارا مسلمين غير قاتلين لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ (إلا في فريضتين) وتسميان بالغراوين (^١):
أولهما: (في زوجة وأبوين فـ هي من أربعة (للزوجة الربع) سهم وللأم ثلث ما بقي) سهم (وما بقي) وهو سهمان فـ (للأب) فلو كان موضع الأب جد لكان لها الثلث حقيقة من رأس المال لأنها ترث معه بالفرض ومع الأب بالتعصيب، وهذا للعمل كما حكاه مالك (^٢)، ولأنه دخل بين الأبوين ذو
_________________
(١) وسميتا بذلك لأن: الأم غرت فيهما فإنها تأخذ الثلث لفظا لا معنى، ولأنها أخذت في الأولى الربع وفي الثانية السدس، وإنما سماه العلماء ثلثا أدبا مع كتاب الله تعالى.
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٣٧).
[ ٣ / ١٣٣١ ]
سهم، فوجب أن يكون للأم ثلث ما بقي بعد السهم، أصله إذا كان مع الأبوين بنت؛ أو تقول: لأن الأب والأم إذا اجتمعا كان للأب الثلثان وللأم الثلث، فإذا زاحمهما ذو فرض قسم الباقي بعد الفرض بينهما على الثلث والثلثين كما لو اجتمعا مع بنت، روى البيهقي عن زيد بن ثابت قال: وميراث الأم من ولدها إذا توفي ابنها أو ابنتها فترك ولدا أو ولد ابن ذكرا أو أنثى أو ترك الاثنين من الأخوة فصاعدا ذكورا أو إناثا من أب وأم أو من أب أو من أم السدس فإن لم يترك المتوفى ولدا ولا ولد ابن ولا اثنين من الأخوة فصاعدا فإن للأم الثلث كاملا إلا في فريضتين فقط وهما:
«أن يتوفى رجل ويترك امرأته وأبويه فيكون لامرأته الربع ولأمه الثلث مما بقي وهو الربع من رأس المال».
«أو أن تتوفى امرأة وتترك زوجها وأبويها فيكون لزوجها النصف ولأمها الثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال» (^١)، (ولها في غير ذلك الثلث إلا ما نقصها العول) وهو الزيادة على الفريضة، وذلك أن يجتمع في الفريضة كالأربعة والعشرين فروض: كالثلثين والسدسين لا تفي الفريضة بها ولا يمكن إسقاط بعضها من غير حاجب، ولا تخصيص بعض ذوي الفروض بالتنقيص، فيزاد في الفريضة سهام حتى يتوزع النقص على الجميع إلحاقا لأصحاب الفروض بأصحاب الديون. فسمي ذلك عولا والملحق العباس، ووافقه الصحابة ﵃، وذلك حين ماتت امرأة في خلافة عمر ﵁ وتركت زوجا وأختين فجمع الصحابة فقال لهم: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه فأشيروا علي. فأشار العباس بن عبد المطلب بالعول وقال: أرأيت لو مات رجل وترك ستة دراهم ولرجل عليه ثلاثة ولآخر أربعة أليس يجعل المال سبعة أجزاء (^٢). فأخذت الصحابة بقوله، وسيأتي دليله آخر الباب (إلا)
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٧).
(٢) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٥٠) (١٩٠٩)، وانظر: حاشية الدسوقي (٤/ ٤٧١).
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
أن يكون للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الأخوة ما كانا فلها السدس حينئذ) لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ ففرض لها السدس مع الولد وقيس عليه ولد الابن لما سبق، أما مع الاثنين من الأخوة فصاعدا فلقوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ ففرض له السدس مع الأخوة، وأقل الجمع اثنان عند مالك (^١)، كما نقله عنه القاضي أبو بكر، وعبد الملك بن الماجشون.
قال في المراقي:
أقل معنى الجمع في المشتهر … الاثنان في رأي الإمام الحميري
ذا كثرة أم لا، وإن منكرا … والفرق في انتهاء ما قد نكرا
واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وأطراف النهار لعلك﴾ [طه: ١٣٠]؛ أي: طرفيه، وقوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] قال الشيخ محمد الأمين: يشير إلى أن التحقيق هو ما حرره بعض المحققين من أن جمع القلة وجمع الكثرة إذا كانا معرفين لا فرق بينهما، لأن ألـ الاستغراقية تعمم كل واحد منهما فيستويان في المبدإ والمنتهى؛ أي: مبدؤهما ثلاثة أو اثنان ولا منتهى لأكثرهما، وأما إذا كانا منكرين فلا فرق بينهما أيضا في المبدإ لأن أقل كل منهما الاثنان أو الثلاثة، وإنما يفترقان في الانتهاء فقط في التنكير فأكثر جمع القلة عشرة، وجمع الكثرة لا منتهى له، وبهذا التحرير لا تحتاج إلى أن تقول في محل من المحال هذا مما استعير فيه جمع الكثرة لجمع القلة فهذا هو التحقيق، ولا تلتفت إلى كلام كثير من النحويين يزعمون أن أقل جمع الكثرة ما زاد على العشرة". اهـ (^٢)، فكل فرض تغير بعدد كان الاثنين فيه كالثلاثه كفرض البنات، وعن عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد
_________________
(١) الجمع اثنان فصاعدا، وقد ورد حديث وقد ضعف «الاثنان فما فوقهما جماعة» رواه الحاكم، وابن ماجه، والبيهقى في شعب الإيمان،
(٢) نثر الورود على مراقي السعود للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١/ ٢٧٤).
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
فإن الله يقول: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ وأنت تحجبها بأخوين فقال: «إن العرب تسمي الأخوين إخوة، فقال له: يا أبا سعيد أوهمت إنما هي ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فقال: لا، إن الله يقول: ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٩] فهما زوجان كل واحد منهما زوج، يقول: الذكر زوج والأنثى زوج» (^١).
وعن ابن عباس أنه دخل على عثمان ﵄ فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله: ﴿فإن كان له إخوة﴾ فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة فقال: عثمان: «لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس» (^٢).
(وميراث الأب إذا انفرد ورث المال كله) بلا خلاف لأنه عاصب، والعاصب إذا انفرد أخذ المال كله لقوله تعالى: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ فورث الأخ جميع مال الأخت إذا لم يكن لها ولد، فالأب أولى بالتعصيب إن وجد من الأخ، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦] فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا، أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» (^٣) وهو عام في الجماعة والواحد.
(ويفرض له مع) وجود (الولد الذكر أو ولد الابن) الذكر (السدس) من أصل التركة لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ ففرض له السدس مع الابن، وقيس عليه ابن الابن لأنه كالابن في الحجب والتعصيب.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٧).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٦٦٥)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٣٥)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٣٨)، وضعفه الألباني كما في الإرواء (٦/ ١٢٢).
(٣) البخاري (٢٢٩٨ و٥٣٧١)، ومسلم (٣/ ١١) (١٩٦٠)، وأبو داود (٢٩٥٤).
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
(فإن لم يكن له ولد) ذكر (ولا ولد ابن) كذلك (فرض للأب السدس) من أصل التركة للآية المذكورة لأن السدس فرضه مع جنس الولد، ولهذا كان للأم السدس مع البنت إجماعا (^١) (وأعطى) بعد ذلك (من شركه من أهل السهام) وهم البنت أو بنت الابن أو الاثنتان من ذلك فصاعدا (سهامهم ثم كان له ما بقي) إن بقي شيء، فإن فضل شيء بعد أخذ ذوي السهام سهامهم أخذه بالتعصيب، لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (^٢).
(وميراث الولد الذكر جميع المال إن كان وحده) لأنه عاصب والعاصب يأخذ جميع المال إذا انفرد، وليس معه ذو سهم، أما إن كان معه أخ فأكثر - أي: الولد - فإنهم يرثون جميع المال ويكون بينهم بالسوية، (أو يأخذ ما بقي بعد) أخذ (سهام من معه من زوجة وأبوين أو جد أو جدة) لقوله ﷺ: «فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» والابن أولى من الأب لأن الله تعالى بدأ به فقال ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾؛ وإنما بدأ بأهل السهام لأنهم أصل بالنسبة للعصبة لأن لهم سهاما معينة في الكتاب والسنة.
فإذا كان معه زوجة فقط فالمسألة من ثمانية لها ثمنها والباقي له.
وإن كان معه أبوان فقط فالمسألة من ستة للأبوين ثلثها وللابن ما بقي.
وإن كان معه جد أو جدة فالمسألة أيضا من ستة للجد أو الجدة السدس واحد، والباقي له.
وإن كان معه زوجة وأبوان فالمسألة من أربعة وعشرين للزوجة ثمنها ثلاثة وللأبوين ثلثها ثمانية والباقي له.
(وابن الابن بمنزلة الابن) غالبا، لما قدمناه مع ما يأتي قريبا (إذا لم يكن) للميت (ابن) من صلبه، ولا يكون كالابن في جميع الوجوه، لأن الابن
_________________
(١) مراتب الإجماع (١٠١).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
لا يسقط أصلا وابن الابن يسقط في نحو: أبوين وابنتين وابن ابن، وقد لا يحجب من يحجبه الابن، وأيضا ليس مثله في التعصيب، فإن ابن الصلب يعصب بنات الصلب، ولا يعصبهن ابن الابن.
(فإن كان ابن وابنة فللذكر مثل حظ الانثيين لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، وكذلك في كثرة البنين والبنات وقلتهم يرثون كذلك جميع المال، أو ما فضل منه بعد من شركهم من أهل السهام) للآية المذكورة.
(وابن الابن كالابن في عدمه فيما يرث ويحجب) لما قدمناه في الزوجة مع ما رواه البيهقي (^١) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «ومنزلة ولد الأبناء إذا لم يكن دونهم ولد كمنزلة الولد سواء ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون، ويحجبون كما يحجبون».
(وميراث البنت الواحدة النصف) التي للصلب (والاثنتين الثلثان، فإن كثرن لم يزدن على الثلثين شيئا) لقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ وحديث جابر ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع ﵁ إلى رسول الله ﷺ بابنتها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا بمال فقال: «يقضي الله في ذلك»، فنزلت آية الميراث فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وما بقي فهو لك» (^٢)، فدلت الآية على فرض ما زاد على
_________________
(١) السنن الكبرى (٦/ ٣٧٧)، ط: العلمية.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٩٢)، والترمذي (٢/ ١١)، وكذا الدارقطني (٤٥٨)، والحاكم (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، والبيهقي (٦/ ٢٢٩) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر به. وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل». قلت: وهو مختلف فيه والراجح أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي. وخالف بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن عقيل فقال: «هاتان بنتا ثابت بن قيس»، أخرجه أبو داود (٢٨٩١)، والدارقطني والبيهقي وقال أبو داود والبيهقي: «هذا خطأ إنما هو سعد بن الربيع»، وحسنه الألباني.
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
الاثنتين (^١)، ودلت السنة على فرض الاثنتين.
(وابنة الابن كالبنت) التي للصلب (إذا لم تكن بنت) الصلب موجودة، فإنها ترث النصف بالإجماع (^٢) (وكذلك بناته)؛ أي: الابن (كالبنات) للصلب في حال (عدم البنات) للصلب ترث الاثنتان منهن فصاعدا الثلثين بلا خلاف لإجماع الأمة على ذلك (^٣)، (فإن كانت ابنة) واحدة للصلب موجودة ومعها (ابنة ابن فللابنة) للصلب (النصف، ولابنة الابن السدس تمام الثلثين) لقضاء رسول الله ﷺ بذلك كما في حديث هزيل بن شرحبيل قال: «سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ: «للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فلأخت»، فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم» (^٤).
وفي رواية للبيهقي وغيره عن هزيل قال: «جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن بنت وبنت ابن وأخت فقالا: للبنت النصف، وللأخت النصف وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فقال: إني قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين» الحديث، ولأن بنت الابن ترث فرض البنات ولم يبق من فرض البنات إلا السدس، ولهذا لو تعددن لما تغير الحال معهن كما قال المصنف.
(وإن كثرت بنات الابن) مع بنت الصلب (لم يزدن على ذلك السدس
_________________
(١) وإن كان هناك من يفسر فوق هنا بمعنى ابتداء من اثنتين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ المقصود: اضربوا الرقاب.
(٢) بالإجماع: الإجماع لابن المنذر (٦٦).
(٣) المرجع السابق.
(٤) رواه البخاري مختصرا (٦٣٦١)، (باب: ميراث ابنة الابن مع بنت)، وأبو داود (٢٨٩٠)، والترمذي (٢/ ١١)، وابن ماجه (٢٧٢١).
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
شيئا إن لم يكن معهن ذكر) في درجتهن، وسيصرح بحكم ما إذا كان معهن ذكر (و) إذا أخذت بنت الصلب النصف وبنتا الابن أو بناته السدس. فـ (ما بقي للعصبة) لحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» وقد سبق (وإن كانت البنات) للصلب (اثنتين) فصاعدا مع بنت ابن فأكثر (لم يكن لبنات الابن شيء) لأن الثلثين تكمل دونهما (إلا أن يكون معهن)؛ أي مع بنات الابن (أخ) لهن أو ابن عم لهن في درجتهن وهو ما يسمى بالأخ المبارك لأنه لولاه لما ورثن شيئا (فيكون ما بقي بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين) إن بقي شيء، فإن لم يبق شيء فلا شيء لهن، لأنهن إنما يرثن بالتعصيب والعاصب لا يرث إلا ما فضل، لإجماع الصحابة عدا ابن مسعود على هذا، لأن الأخ ينقلهن إلى التعصيب، فيعصب الجميع ما بقي بعد بنات الصلب بينهن للذكر مثل حظ الأنثيين كما في الآية، لأن ولد الولد ولد لقوله تعالى: ﴿يبني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦] ولمخاطبته الله للعرب ببني إسماعيل، فولد الولد ولد وإن سفل.
(وكذلك إذا كان ذلك الذكر) الذي مع بنات الابن (تحتهن) فإنه يعصبهن، فإذا عصبهن (كان) ذلك (الباقي بينه وبينهن كذلك)؛ أي: للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال ابن عمر الأنفاسي: إن ابن الابن (^١) يعصب من في درجته ومن فوقه، ولا يعصب من تحته، (وكذلك لو ورث بنات الابن مع الابنة) للصلب (السدس وتحتهن بنات ابن معهن) ذكر في درجتهن، أو تحتهن ذكر كان ذلك الثلث الباقي (بينه وبين أخواته، أو من فوقه من عماته) لما ذكرناه، ولأنه لو وجد مع البنات في الطبقة الأولى لشاركهن ونقلهن إلى التعصيب فكذلك سائر الطبقات.
(ولا يدخل في ذلك) الثلث الباقي (من دخل في الثلثين من بنات الابن) لأنه من طبقة من دخل فيها حصلت له جهة ورث بها، وإنما يرث بالتعصيب من لولاه لم يرث.
_________________
(١) من حديث أبي أيوب الأنصاري، والبخاري (٨/ ١٠٧)، والترمذي (٣٥٥٣).
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
وقد ورد عن الصحابة ﵃ في أولاد الابن ما رواه البيهقي (^١) عن زيد بن ثابت قال: «فإن اجتمع الولد وولد الابن فكان في الولد ذكر فإنه لا ميراث معه لأحد من ولد الابن، وإن لم يكن الولد ذكرا وكانتا اثنتين فأكثر من البنات فإنه لا ميراث لبنات الابن معهن إلا أن يكون مع بنات الابن ذكر هو من المتوفى بمنزلتهن، أو هو أطرف منهن فيرد على من بمنزلته ومن فوقه من بنات الأبناء فضلا إن فضل فيقسمونه للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يفضل شيء فلا شيء لهم، وإن لم يكن الولد إلا ابنة واحدة فترك ابنة ابن فأكثر من ذلك من بنات الابن بمنزلة واحدة فلهن السدس تتمة الثلثين، فإن كان مع بنات الابن ذكر هو بمنزلتهن فلا سدس لهن ولا فريضة، ولكن إن فضل فضل بعد فريضة أهل الفرائض كان ذلك الفضل لذلك الذكر ولمن بمنزلته من الإناث للذكر مثل حظ الأنثيين وليس لمن هو أطرف منهن شيء لهن»، وروى أيضا جرير عن المغيرة عن أصحابه وعن أصحاب إبراهيم والشعبي: هذا ما اختلف فيه علي وعبد الله وزيد ﵃: ابنتان وابن ابن وابنة ابن، في قول علي وزيد: للابنتين الثلثان وما بقي لابن الابن وابنة الابن للذكر مثل حظ الانثيين، وفي قول عبد الله بن مسعود ﵁: للابنتين الثلثان، وما بقي للذكر دون الأنثى، لأنه لم يكن يزيد البنات على الثلثين (^٢).
ابنة وابنة ابن وابن ابن في قول علي وزيد للابنة النصف وما بقي فلابن الابن ولبنات الابن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وفي قول عبد الله: للابنة النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فلابن الابن.
(وميراث الأخت الشقيقة النصف والاثنتين فصاعدا الثلثان) لقوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة (^٣) إن امروا هلك ليس له ولد وله
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٣٧٦).
(٢) البيهقي (١٢٦٨٥).
(٣) الكلالة: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني (٩/ ٨): «اختلف أهل العلم في الكلالة فقيل: الكلالة اسم للورثة ما عدا الوالدين والمولودين، نص أحمد على هذا،
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لما ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾ [النساء: ١٧٦]، وعن جابر بن عبد الله لا قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات، فدخل علي رسول الله ﷺ، فنفخ في وجهي، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: «أحسن»، قلت: الشطر؟ قال: «أحسن» ثم خرج وتركني، فقال: «يا جابر، لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين»، قال: فكان جابر يقول: «أنزلت هذه الآية في: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ (^١).
_________________
(١) = وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: الكلالة من عدا الولد والوالد، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الفرزدق في بني أمية: ورثتم قناة المجد لا عن كلالة … عن ابني مناف عبد شمس وهاشم واشتقاقه من الإكليل الذي يحيط بالرأس ولا يعلو عليه، فكأن الورثة ما عدا الولد والوالد، قد أحاطوا بالميت من حوله لا من طرفيه أعلاه، وأسفله، كإحاطة الإكليل بالرأس، فأما الوالد والولد فهما طرفا الرجل، فإذا ذهبا كان بقية النسب كلالة، قال الشاعر: فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني … وما بعد شتم الوالدين صلوح وقالت طائفة: الكلالة اسم للميت نفسه، الذي لا ولد له ولا والد، يروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود. وقيل: الكلالة قرابة الأم، واحتجوا بقول الفرزدق الذي أنشدناه عنى: أنكم ورثتم الملك عن آبائكم لا عن أمهاتكم، ويروى عن الزهري أنه قال: الميت الذي لا ولد له ولا والد كلالة، ويسمى وارثه كلالة، والآيتان في سورة النساء، والمراد بالكلالة فيهما الميت، ولا خلاف في أن اسم الكلالة يقع على الإخوة من الجهات كلها، وقد دل على صحة ذلك قول جابر: يا رسول الله كيف الميراث؟ إنما يرثني كلالة. فجعل الوارث هو الكلالة، ولم يكن لجابر يومئذ ولد ولا والدة، وممن ذهب إلى أنه يشترط في الكلالة عدم الولد والوالد زيد وابن عباس وجابر بن زيد والحسن وقتادة والنخعي، وأهل المدينة والبصرة والكوفة، ويروى عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ويروى ذلك عن عمر والصحيح عنهما كقول الجماعة.
(٢) أبو داود (٢٨٨٦) أصله في البخاري (١٩١)، (٤٣٠١) وفي «الأدب المفرد» (٥١١)، ومسلم (٤٢٣٠).
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
(فإن كانوا إخوة وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، قلوا أو كثروا) لقوله تعالى: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾.
(والأخوات) الشقائق والأخت الواحدة (مع البنات) راجع للطرفين أعني قوله: الشقائق والأخت. وقوله: مع البنات أو البنت الواحدة أو مع بنت ابن أو بنات ابن (كالعصبة لهن يرثن ما فضل عنهن ولا يربى لهن)؛ أي: لا يفرض ولا يراد لهن؛ أي: للأخوات. وقوله: كالعصبة لهن اللام بمعنى مع (معهن)؛ أي: مع البنات بل يأخذن ما فضل بالتعصيب وإنما قال: كالعصبة؛ أي: يشبهن العصبة في أنهن لا يرثن إلا ما بقي، ولا يشبهن العصبة في حيازة المال إذا انفردن فهذا وجه قوله كالعصبة. وذلك لحديث هزيل بن شرحبيل السابق في البنت وبنت الابن وفيه أن النبي ﷺ قضى لابنتها النصف ولابنة ابنها السدس تكملة الثلثين وما بقي لأختها، ولحديث الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل، على عهد رسول الله ﷺ: «النصف للابنة والنصف للأخت» (^١).
تنبيه: العصبة أنواع:
١ - عاصب بنفسه.
٢ - وعاصب بغيره ويسمى العاصب بالغير.
٣ - وعاصب مع غيره ويسمى عاصب مع الغير.
وضابط العاصب: هو من يحوز جميع المال من القرابات والموالي إذا انفرد أو حاز الفاضل بعد الفروض. وليس في النساء عاصبة بالنفس إلا المعتقة.
القسم الأول: العصبة بالنفس: وعددهم وهم الذين لا يحتاجون إلى غيرهم في التعصيب أربعة عشر وهم:
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٤١)، وأبو داود (٢٥٠٦)، وصححه الألباني كما في صحيح وضعيف سنن أبي داود (٢٨٩٣).
[ ٣ / ١٣٤١ ]
الابن، وابن الابن مهما نزل، والأب، والجد من قبل الأب وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وأبناؤهما وإن نزلا، والعم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وأبناؤهما وإن نزلا، والمعتق والمعتقة.
وأحكام العصبة بالنفس ثلاثة:
الأول: أن من انفرد منهم حاز جميع المال.
الثاني: أن يأخذ ما أبقت الفروض.
الثالث: أن يسقط إذا استغرقت الفروض إلا ثلاثة: الابن، والأب، والجد.
وجهات العصبة بالنفس ست: بنوة، ثم أبوة، ثم جدودة، وأخوة، ثم بنو أخوة، ثم بنو عمومة، وبنوهم، ثم ولاء؛ فتقدم كل جهة على الجهة التي بعدها، ثم بعد الاستواء في الجهة يعتبر التقديم بالقرب؛ أي: قرب الدرجة، ثم بعد استوائهم في القرب يعتبر التقديم بالقوة، وعصبة المعتق وأحكامهم وجهاتهم كعصبة الميت.
القسم الثاني: العصبة بالغير وهم أربعة أصناف: البنت وأكثر مع الابن فأكثر الذي في درجتها، وبنت الابن سواء كان أخاها أو ابن عمها، أو مع ابن الابن الذي أنزل منها إذا احتاجت إليه، والأخت الشقيقة فأكثر مع الأخ الشقيق فأكثر، لأب فأكثر مع الأخ لأب فأكثر.
القسم الثالث: العصبة مع الغير وهم صنفان: الأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر مع البنت فأكثر، أو بنت الابن فأكثر (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب ولا مع الولد الذكر أو مع ولد الولد﴾.
_________________
(١) انظر: الهدية في شرح الرحبية للقاضي رشيد بن سليمان القيسي (٤٥، ٤٦، ٤٧)، ط: دار العاصمة.
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
والإخوة للأب في عدم الشقائق كالشقائق ذكورهم وإناثهم فإن كانت أخت شقيقة وأخت أو أخوات لأب فالنصف للشقيقة ولمن بقي من الأخوات للأب السدس ولو كانتا شقيقتين لم يكن للأخوات للأب شيء إلا أن يكون معهن ذكر فيأخذون ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين.
وميراث الأخت للأم والأخ للأم سواء السدس لكل واحد وإن كثروا فالثلث بينهم الذكر والأنثى فيه سواء ويحجبهم عن الميراث الولد وبنوه والأب والجد للأب.
والأخ يرث المال إذا انفرد كان شقيقا أو لأب والشقيق يحجب الأخ للأب وإن كان أخ وأخت فأكثر شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان مع الأخ ذو سهم بدئ بأهل السهام وكان له ما بقي وكذلك يكون ما بقي للإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم إلا أن يكون في أهل السهام إخوة لأم قد ورثوا الثلث وقد بقي أخ شقيق أو إخوة ذكور أو ذكور وإنات شقائق معهم فيشاركون كلهم الإخوة للأم في ثلثهم فيكون بينهم بالسواء وهي الفريضة التي تسمى المشتركة، ولو كان من بقي إخوة لأب لم يشاركوا الإخوة للأم لخروجهم عن ولادة الأم، وإن كان من بقي أختا أو أخوات لأبوين أو لأب أعيل لهن، وإن كان من قبل الأم أخ واحد أو أخت لم تكن مشتركة وكان ما بقي للإخوة إن كانوا ذكورا أو ذكورا وإناثا، وإن كن إناثا لأبوين أو لأب أعيل لهن والأخ للأب كالشقيق في عدم الشقيق إلا في المشتركة، وابن الأخ كالأخ في عدم الأخ كان شقيقا أو لأب ولا يرث ابن الأخ للأم والأخ للأبوين يحجب الأخ للأب والأخ للأب أولى من ابن أخ شقيق وابن أخ شقيق أولى من ابن أخ وابن أخ لأب يحجب عما لأبوين.
وعم لأبوين يحجب عما لأب وعم لأب يحجب ابن عم لأبوين وابن عم لأبوين يحجب ابن عم لأب وهكذا يكون الأقرب أولى ولا يرث بنو الأخوات ما كن ولا بنو البنات ولا بنات الأخ ما كان ولا بنات العم ولا جد لأم ولا عم أخو أبيك لأمه.
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
ولا يرث عبد ولا من فيه بقية رق.
ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
ولا ابن أخ لأم ولا جد لأم ولا أم أبي الأم، ولا ترث أم أبي الأب مع ولدها أبي الميت ولا ترث إخوة لأم مع الجد للأب ولا مع الولد وولد الولد ذكرا كان الولد أو أنثى ولا ميراث للإخوة مع الأب ما كانوا ولا يرث عم مع الجد ولا ابن أخ مع الجد.
ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية ولا يرث قاتل الخطإ من الدية ويرث من المال وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا.
والمطلقة ثلاثا في المرض ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك ولا يرثها وكذلك إن كان الطلاق واحدة وقد مات من مرضه ذلك بعد العدة.
ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها).
الشرح
(ولا ميراث للأخوة والأخوات مع الأب) لأنهم يدلون به، وكل من يدلي بشخص ذكر لا يرث مع وجوده بل يحجب حجب إسقاط، (ولا) ميراث لهم أيضا (مع الولد الذكر أو مع ولد الولد) الذكر أما الأول فلأنه أقوى تعصيبا منهم لأنه يدلي بنفسه، والأخ يدلي بغيره كما قاله التتائي.
وأما الثاني فلأن ابن الابن بمنزلة الابن، وذلك للإجماع حكاه ابن المنذر (^١) والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ الآية، فإنها تقتضي أنهم لا يرثون مع الولد والوالد.
(والأخوة للأب في) حال (عدم الشقائق كالشقائق ذكورهم وإناثهم) للإجماع حكاه غير واحد (^٢)، وذكره مالك عن عمل أهل المدينة فقال في «الموطأ»: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن ميراث الأخوة للأب إذا لم يكن
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (٦٦).
(٢) الإجماع لابن المنذر (٦٨).
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
معهم أحد من بني الأب والأم كمنزلة الأخوة للأب والأم سواء ذكرهم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم (^١)، ورواه البيهقي عن زيد بن ثابت وعلي (^٢) وإذا اجتمع ذكور وإناث قسم المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إلى آخر ما تقدم.
(فإن كانت الوارثة (أختا شقيقة) ليس معها ذكر (و) إنما معها (أخت) واحدة أو أخوات للأب فـ) يعطى النصف للشقيقة ولمن بقى من جنس (الأخوات للأب السدس) تكملة الثلثين. وعن ابن مسعود: لا حظ للأخت التي للأب في هذه الصورة.
(ولو كانتا شقيقتين) فأكثر لم يكن للأخوات اللواتي (للأب) معهما (شيء) في السدس لأن الشقيقتين استكملتا الثلثين، ولا في غير السدس (إلا أن يكون معهن اللواتي (لـ) لأب (ذكر) في درجتهن ولم يكن مع الشقيقتين ذكر فيأخذون ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين) لأن ولد الأب مع ولد الأب والأم كولد الابن مع ولد الصلب فكان ميراثهم كميراثهم.
ميراث الأخوة للأم:
(وميراث الأخت للأم، والأخ للأم سواء) حال من الأخت والأخ؛ أي: حال كونهما مستويين في الفريضة لا مزية لذكر على أنثى (السدس لكل واحد) منهما إذا انفرد للآية.
(وأما إن كثروا) بأن زادوا على الواحد ذكورا فقط أو إناثا فقط أو ذكورا وإناثا (فالثلث بينهم: الذكر والأنثى فيه سواء) لقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢]، والمراد بهذه الآية الأخ والأخت من الأم: بإجماع أهل العلم (^٣)، وفي قراءة سعد بن
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٤٠).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٣) (١٢٦٨٢).
(٣) الإجماع لابن المنذر (٦٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٥٧).
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أم» (^١).
وعن قتادة أن أبا بكر الصديق ﵁ قال في خطبته: «ألا إن هذه الآية التي ختم بها الله سورة النساء أنزلها الله في الأخوة من الأب والأم» (^٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: قضى عمر بن الخطاب أن ميراث الإخوة من الأم بينهم الذكر فيه مثل الأنثى.
قال: ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علمه من رسول الله ﷺ ولهذه الآية التي قال الله: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ (^٣).
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «وميراث الأخوة للأم: أنهم لا يرثون مع الولد ولا مع ولد الابن ذكرا كان أو أنثى شيئا، ولا مع الأب ولا مع الجد أبي الأب شيئا، وهم في كل ما سوى ذلك يفرض للواحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى، فإن كانوا اثنين فصاعدا ذكورا أو إناثا فرض لهم الثلث يقسمونه بالسواء» (^٤).
(ويحجبهم)؛ أي: الإخوة والأخوات للأم (عن الميراث) حجب إسقاط (الولد) ذكرا كان أو أنثى (وبنوه) وإن سفلوا ذكورا وإناثا، (والأب والجد للأب) لقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت﴾ [النساء: ١١] الآية السابقة، فشرط في توريثهم عدم الولد والوالد، والولد يشمل الذكر والأنثى والوالد يشمل الأب والجد وتقدم في الذي قبله حديث زيد بن ثابت ﵁ وقوله في الأخوة للأم لا يرثون مع الولد ولا مع ولد الابن ذكرا كان أو أنثى، ولا مع الجد ذكرا كان الأخ أو أنثى، وأما الجد للأم فلا يحجب لأنه لا يرث.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٦٩٢)، في سننه عن القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف أن سعدا كان يقرؤها كذلك.
(٢) المرجع السابق (١٢٦٩٣).
(٣) الدر المنثور للسيوطي (٢/ ٤٤٩).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٦٩٤).
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
(والأخ يرث المال) كله تعصيبا (إذا انفرد كان شقيقا أو لأب) عند عدم الشقيق لقوله تعالى: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ (والشقيق)؛ أي: الأخ الشقيق (يحجب الأخ للأب) لأن كل من ساوى في درجة وزاد فهو مقدم لحديث علي ﵁ قال: «إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» (^١)، ولأن كل من ساوى غيره في درجته وزاد بولادة الأم فهو أولى، والشقيق ساوى الذي للأب في الدرجة وزاد عليه الأم.
(وإن كان) من يرث (أخ وأخت فأكثر شقائق أو لأب) عند عدم الشقائق (فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين) هذا مكرر وكأنه ذكره ليرتب عليه قوله: (وإن كان مع الأخ ذو سهم بدئ بأهل السهام وكان له ما بقي) لحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» وقد تقدم تخريجه.
(وكذلك يكون ما بقي) عن أهل السهام (للأخوة والأخوات) الأشقاء إن
_________________
(١) الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥) قال البخاري (٤/ ٦): باب تأويل قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ ويذكر: أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. قال أبو عيسى الترمذي (٢٠٩٥): هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث. وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ٩٥): «والحارث وإن كان ضعيفا فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى». وقال في الفتح: هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب قال: قضى محمد ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين. لفظ أحمد وهو إسناد ضعيف لكن قال الترمذي: أن العمل عليه عند أهل العلم، وكان البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلا تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به. اهـ. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٢٣)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن علي .. وحسنه الألباني في الإرواء (٦/ ١٠٨).
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
كانوا، وإلا فللإخوة والأخوات للأب يقسم ذلك الباقي إن كان بينهم (للذكر مثل حظ الأنثيين فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم لأن العاصب لا يأخذ إلا ما فضل عن أهل الأسهم.
مسألة المشركة أو المشتركة أو التي تعرف بالحمارية:
(إلا أن يكون في أهل السهام إخوة لأم) ذكورا فقط، أو إناثا فقط، أو ذكورا وإناثا (قد ورثوا الثلث)، وورث بقية أهل السهام الثلثين كزوج وأم أو جدة فقد استكملوا المال (و) الحال أنه (قد بقي) بعد استغراق أهل السهام جميع المال (أخ شقيق) فقط (أو إخوة ذكور) فقط (أو ذكور وإناث) معا (شقائق معهم) لا حاجة له. والمعنى: أو ذكور وإناث حالة كونهم؛ أي: الذكور والإناث إخوة شقائق (فـ) إن الأخ الشقيق أو الإخوة الشقائق يشاركون كلهم الأخوة للأم في ثلثهم لاشتراكهم في ولادة الأم فيكن بينهم بالسواء) حظ الذكر كالأنثى وهي الفريضة التي تسمى عند الفرضيين (المشتركة) لاشتراك الإخوة في الثلث وهي كل مسألة فيها زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأم فصاعدا، وعصبة من الأشقاء.
وتعرف أيضا بالحمارية والسبب في تسميتها بذلك أنها رفعت إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأراد أن يحكم بإسقاط الأشقاء، فقال واحد منهم (^١): هب أن أبانا حمارا، أليست أمنا واحدة، وقيل: بأن القائل له هو زيد، فعن زيد بن ثابت ﵁ في المشتركة قال: «هبوا أباهم كان حمارا، ما زادهم الأب إلا قربا، وأشرك بينهم في الثلث» (^٢).
وروي أيضا عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: «شهدت عمر بن الخطاب ﵁ أشرك الإخوة من الأب والأم مع الإخوة من الأم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أول بغير هذا»، قال: «كيف قضيت؟» قال: جعلته للإخوة من الأم، ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئا، قال:
_________________
(١) ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (٢/ ٢١٨).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٨٥١).
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
«تلك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا» (^١). والحكم مروي عن علي وعبد الله وزيد عثمان ﵃.
(ولو كان من بقي إخوة لأب لم يشاركوا الإخوة للأم في ثلثهم لخروجهم عن ولادة الأم) ثم ثنى بفقدان العصبة فقال:
(وإن كان من بقي أختا أو أخوات لأبوين أو لأب أعيل لهن) لأن ضيق المال لا يمنع ذوي الفروض، والأخوات أهل فروض فلا يسقط فرضهم، ولا يحجب، فوجب إيصاله بما أمكن وصارت من مسائل العول (^٢) فيعال للواحدة بالنصف ثلاثة فتبلغ تسعة ويعال للاثنتين بالثلثين أربعة فتبلغ عشرة (وإن كان من قبل الأم وأخ واحد أو أخت لم تكن مشتركة) لأن العدد من الأخوة للأم شرط في تسميتها مشتركة وأن لا يبقى من المال شيء للشقائق وهنا قد بقي لهم السدس.
(وكان ما بقي) وهو السدس (للأخوة إن كانوا ذكورا، أو ذكورا وإناثا) فالذكور فقط يقتسمونه بالسوية والذكور والإناث يقتسمونه للذكر مثل حظ الانثيين.
(وإن كن إناثا)؛ أي: الأخوات (لأبوين أو لأب أعيل لهن) للذكر مثل حظ الأنثيين لأن إرثهم حينئذ بالتعصيب، (والأخ للأب كالشقيق) لما تقدم قريبا ولاجتماعهما في التعصيب بالأب وقدم الشقيق عند اجتماعهم لأنه زاد عليه بالأم (إلا في المشتركة) لأن المعنى الذي ثبت للشقيق فيها مفقود في حق الأخ للأب وهو الاشتراك في ولادة الأم.
(وابن الأخ كالأخ في عدم الأخ كان شقيقا أو لأب) لأنه عاصب فهو بمنزلته في التعصيب لا في سائر الوجوه كما هو معلوم في الشروح.
(ولا يرث ابن الأخ للأم) لأنه ولد من لا مدخل له في التعصيب، ولأن
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٥٥) (٢٠٨٧٣).
(٢) العول: لغة: مصدر عال إذا زاد أو غلب؛ وفي اصطلاح الفرضيين هو: زيادة في سهام المسألة ونقص في أنصاب الورثة.
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
الأصل المفترض أن من أدلى بأنثى لا يرث ولم يستثن القرآن إلا الأخ للأم ذكرا أو أنثى.
الحجب (^١): لغة: الستر.
واصطلاحا: المنع من كل الميراث أو بعضه وهو قسمان:
أ - حجب بالأوصاف وهي الموانع السابقة ووجوده كالعدم، فلا يحجب أحدا لا حرمانا ولا نقصا ويمكن دخوله على جميع الورثة.
ب - وحجب بالأشخاص وهو المقصود المعنى بالترجمة، وينصرف إليه اسم الحجب عند الإطلاق، وهو قسمان: حجب حرمان، وحجب نقصان، فأما الأول: لا يدخل على ستة: الأب، والأم، والزوج، والزوجة، والابن، والبنت.
وأما حجب النقصان فأنواعه سبعة: وهو الانتقال من -
أ - فرض إلى فرض أقلل منه.
ب - ومن فرض إلى تعصيب.
ت - والانتقال من تعصيب إلى فرض.
ث - الانتقال من تعصيب إلى تعصيب.
ج - المزاحمة في الفرض في حق الزوجة والجدة وذوات الثلثين، وبنت الابن، والأخت للأب مع الأخت الشقيقة وأولاد الأم.
ح - المزاحمة في العول في حق ذوي الفروض، فإن الفروض تنقص بمقاديرها، وبيان هذه الأنواع وتفصيلها في كتب الفرائض (^٢).
_________________
(١) قال ابن غلبون: الحجب، ومنه قول أرباب القلوب … .، الغافل عن ذكر الله محجوب؛ أي: مستور عن مشاهدة أنوار الحقيقة، لا يجد للعبادة حلاوة لذة، ولا يلاحظ أنوار المشاهدة، ولا يذوق لذة المناجاة التي هي جنة معجلة في دار الدنيا، فهو مطرود عن باب الحضرة، نسأل الله أن يشفي صدورنا من الحجب العالقة نقصا وحرمانا، وأن يمنحنا من فضله توفيقا وإحسانا، وأن لا يجعل للعوائق علينا تسلطا، ولا سلطانا. آمين.
(٢) انظر: التحفة في علم المواريث لابن غلبون (١٢٨)، ط: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية (١٤٢٢ هـ).
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والأخ للأبوين يحجب الأخ للأب) لجمعه رحما وتعصيبا، وليس في الأخ للأب غير التعصيب، فالشقيق أقوى، فلذلك حجبه، وكرر هذا ليرتب عليه قوله: (والأخ للأب أولى من ابن أخ شقيق) لأنه أقرب منه بدرجة (وابن أخ شقيق أولى من ابن أخ لأب) لأنه أقوى كما في الأخوين، وابن أخ لأب يحجب عما لأبوين لأنه يدلي بولادة الأب والعم يدلي بولادة الجد (وعم لأبوين يحجب عما لأب) لجمعه رحما وتعصيبا وليس في الآخر إلا جهة تعصيب كما سبق في الأخوين (وعم لأب يحجب ابن عم لأبوين) لعلوه عليه بدرجة (وابن عم لأبوين يحجب ابن عم لأب) لأنه لا يدلي بسببين (وهكذا يكون الأقرب أولى) لقوله ﷺ: ﴿ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر﴾ تقدم.
ولا يرث بنو الأخوات ما كن شقائق أو لأب أو لأم، وبناتهن من باب أولى، (ولا) يرث (بنو البنات) وبناتهن من باب أولى.
(ولا) يرث (بنات الأخ) ما كان شقيقا أو لأب أو لأم.
(ولا) يرث (بنات العم ولا جد لأم ولا عم أخو أبيك لأمه) قال الفاكهاني: وفي بعض النسخ هنا: ولا جد لأم، وفي بعضها أيضا لأنه الأمر المجتمع عليه في المدينة كما قال مالك، ولما سيأتي في ذوي الأرحام، وأما بنات الأخ وبنات العم فلأن الله ﵎ ذكر في كتابه الوارثات من النساء فذكر ميراث الأم من ولدها، وميراث البنات من أبيهن، وميراث الزوجة من زوجها، وميراث الأخوات للأب والأم، وميراث الأخوات للأب، وميراث الأخوات للأم، وورثت الجدة بالذي جاء عن النبي ﷺ فيها، والمرأة ترث من أعتقت هي نفسها لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٥] قاله مالك في «الموطأ» (^١)، يعني: ولم يرد في الكتاب والسنة غير هؤلاء ولأن النبي ﷺ قال: «فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر».
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٥٣).
[ ٣ / ١٣٥١ ]
(ولا ابن أخ لأم، ولا أم أبي الأم) وكذا الخال والخالة والعمة.
(ولا يرث عبد) فن (^١) لقوله ﷺ: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» (^٢)، فدل على أن العبد لا يملك مالا وأن ما يملكه لسيده فلو أعطى ميراثا لكان المعطي في الحقيقة هو سيده الذي لا فريضة له في كتاب الله ولم يورثه الله (ولا من فيه بقية رق) لأن المكاتب رق ما بقي عليه درهم، والمدبر من لأن النبي ﷺ باعه، وأم الولد مملوكة لأنه يجوز لسيدها وطؤها بحكم الملك، وتزويجها وإجارتها، فمن فيه بقية رق حكمه حكم العبد فلا يرث ولا يورث.
(ولا يرث المسلم الكافر) عند الجمهور (ولا الكافر المسلم) إجماعا لحديث أسامة بن زيد ﵂ عن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (^٣).
وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى (^٤)، وفي رواية: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ولا يتوارث أهل ملتين» (^٥)
_________________
(١) العبد: المقصود به الرقيق، والرق في اللغة: العبودية، وفي الشرع: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب كفره بالله تعالى. وأنواع الرقيق ستة هي:
(٢) القن هو: العبد الخالص العبودية لسيده ليس فيه شائبة حرية.
(٣) المكاتب: هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده بمال يؤديه جملة أو مقسطا.
(٤) المدبر هو: الذي علق عتقه على موت سيده؛ أي: دبر وفاته.
(٥) أم الولد هي: الأمة التي ولدت من سيدها، فيمتنع عليه هبتها أو بيعها فإذا مات سيدها أصبحت حرة.
(٦) المعلق عتقه بصفة: كما لو قال سيده: إن شفى الله فلانا فأنت حر.
(٧) المبعض هو: الإنسان الذي بعضه حر وبعضه رقيق.
(٨) البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣).
(٩) تقدم تخريجه مرارا.
(١٠) رواه أبو داود (٢٩١١).
(١١) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، وأبو داود (٣/ ٣٢٨) (٢٩١١)، وابن ماجه (٢/ ٩١٢)، =
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
(ولا أم أبي الأم) لأنها من ذوي الأرحام.
(ولا ترث أم أبي الأب مع ولدها أبي الميت) لأنها به تتقرب وكل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، ولأنه منقول عن زيد بن ثابت أفرض الأمة، وفي كلامه إشكال ظاهر لأن أم أب الأب ليست والدة لأب الميت.
وقوله: (ولا ترث إخوة لأم مع الجد للأب ولا مع الولد وولد الولد) تكرار لكن فيه زيادة قوله: (ذكرا كان) الولد (أو أنثى)، وكذا قوله: (ولا ميراث للإخوة مع الأب ما كانوا) أشقاء أو لأب تكرار.
(ولا يرث عم مع الجد) لأنه يدلي به فهو حاجب له من أي جهة كان (ولا ابن أخ مع الجد) لأن الأخ في رتبة الجد والأخ يحجب ابنه فكذا من هو بمنزلته.
(ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الله عن النبي ﷺ «لا يرث القاتل شيئا من ديته، ولا من ماله» (^١) وحديث عمر هـ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس لقاتل ميراث» (^٢).
وأما قاتل العمد غير العدوان كقتل الإمام أحدا ممن يرث في حد وجب عليه، وكقتل شخص أباه مثلا في فئة باغية فإنه يرثه.
_________________
(١) = (٢٧٣١)، وسعيد بن منصور في سننه رقم (١٣٧)، وابن الجارود في المنتقى رقم (٩٦٧)، والدارقطني (٤/ ٧٥)، كتاب الفرائض: حديث (٢٥)، وابن عدي في الكامل (٨٢/ ٥)، والبيهقي (٦/ ٢١٨)، والبغوي في شرح السنة (٤/ ٤٧٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٩٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٧٢)، كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شيء»، والحديث صححه ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٢/ ٣٥)، فقال: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناد أبي داود والدارقطني إسناد صحيح اهـ. السنن الكبرى (٦/ ٢١٨).
(٢) أبو داود (٤٥٠٦)، قال في التلخيص: أخرجه الدارقطني وفي إسناده كثير بن سليم وهو ضعيف. والبيهقي (١٢٦٠٢)، وحسنه الألباني. انظر حديث رقم (٥٤٢١) في صحيح الجامع.
(٣) مالك في الموطأ (١٦٨٤)، انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٤١)، وإسناده منقطع. وهو عند ابن ماجه في الديات في باب القاتل لا يرث (ص ١٩٤).
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
(ولا يرث قاتل الخطأ من الدية ويرث من المال) لما سبق في الدماء مع بعض أحاديث في المسألة التي قبلها أيضا؛ ويحجب في موضع يرث، ولا يحجب في موضع لا يرث. مثال ذلك: أن يترك الميت أما وأخوين أحدهما قاتله، فإن الأم ترث من المال السدس وما بقي للأخوين معا لأن الأخوين يحجبانها من الثلث إلى السدس، وترث من الدية الثلث لأن القاتل لا يرث من الدية فلا يحجبها، وباقي موانع الميراث انتفاء النسب باللعان، وإبهام التقديم والتأخير. كما إذا مات قوم من الأقارب في سفر أو تحت هدم وجهل السابق منهم لفقد الشرط وهو تأخير حياة الوارث من موت الموروث.
(وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا) لأنه سقط اعتباره جملة فكان كالميت ولما رواه البيهقي عن أنس بن سيرين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى، ولا يحجب من لا يرث» (^١)، وما رواه أيضا عن الحكم عن إبراهيم قال: قال علي وزيد ﵄: «المشرك لا يحجب ولا يرث» (^٢)، وروي أيضا عن المغيرة عن الشعبي عن علي وزيد بن ثابت ﵄ قالا: «المملوكون وأهل الكتاب بمنزلة الأموات» (^٣)، وقال عبد الله: «يحجبون ولا يرثون» (^٤).
ميراث المطلقة:
(والمطلقة ثلاثا في المرض) المخوف الذي أشرف فيه الزوج على الموت (ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك) الذي طلقها فيه، «لنهيه ﷺ عن إخراج وارث وبه قضى عثمان ﵁، فقد ورث زوجة عبد الرحمن بن عوف ﵁ منه بعد انقضاء عدتها وكان قد طلقها البتة وهو مريض ثم مات من مرضه ذلك» (^٥)، وقد مر في النكاح (ولا يرثها هو) لأنها أجنبية منه لبينونتها
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٦٢٤).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٦٢٦).
(٤) المرجع السابق (١٢٦٢٧).
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
(وكذلك إن كان الطلاق واحدة، وقد مات من مرضه ذلك بعد العدة) لعين الذي ذكرناه في النكاح.
(وإن طلق الصحيح امرأته طلقة واحدة فإنهما يتوارثان ما كانت في العدة) لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها فيتوارثان كالتي لم تطلق.
(ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها) لاتهامه بإدخال وراث وقصده الأضرار بالورثة فيعامل بنقيض قصده كالطلاق في المرض، وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب وغيره عن ابن شهاب أنه قال في الرجل يتزوج المرأة وقد يئس له من الحياة أن صداقها في الثلث ولا ميراث لها.
وروي أيضا عن يونس عنه أنه قال: لا نرى لنكاحها جوازا من أجل أنه أدخل الصداق في حق الورثة، وليس له إلا الثلث يوصي فيه، ولا يدخل المرأة التي تزوج في ميراث ورثته، وروي أيضا عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد أنه قال: «نرى أن لا يجوز لمن تزوج في مرض صداق إلا في ثلث المال» (^١)
ميراث الجدة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وترث الجدة للأم السدس وكذلك التي للأب، فإن اجتمعتا فالسدس بينهما إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به؛ لأنها التي فيها النص وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما، ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جنات واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب أم الأب وأم أبي الأب ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين).
_________________
(١) المدونة (٤/ ٢٤٦).
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
الشرح
(وترث الجدة للأم السدس) فقط لما ثبت أنه ﷺ أعطاها السدس، (وكذلك) الجدة (التي للأب) ترث السدس بطريق القياس على التي للأم (فإن اجتمعا فالسدس بينهما) بالسوية. لحديث قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر ﵁ فسألته ميراثها فقال: «ما لك في كتاب الله شيء وما علمت في سنة رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة ﵁: «حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس» فقال: هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁ فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر ﵁ فسألته ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيكما خلت به فهو لها» (^١).
وحديث عبادة بن الصامت ﵁ «أن النبي ﷺ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء» (^٢). وحديث بريدة ﵁ «أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم» (^٣)، (إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي ورد فيها النص) وهو حديث قبيصة بن ذؤيب السابق، فإن في رواية ما لك في «الموطأ» زيادة تدل على ذلك، وهي قوله: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب ﵁ تسأله ميراثها، فقال لها:
_________________
(١) مالك كما في شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٤٥)، وأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٥)، وأبو داود (٢٨٩٤)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والترمذي (٢١٠٠).
(٢) السنن الكبرى (١٢٧١٧)، وقال: إنه مرسل لأنه وقع عنده عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: إن من قضاء وذكره مرسلا ولعل كلمة عن تحرفت عنده بكلمة بن فجاء مرسلا نعم هو منقطع لأن إسحاق المذكور لم يدرك عبادة والله أعلم. وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ٣٢٧)، وقال الألباني: ضعيف، وقال الحافظ: «وذكر البيهقي عن عمد بن نصر أنه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك، ولا يصح إسناده عنه».
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٤/ ٧٣)، كتاب الفرائض: باب ذكر الجدات حديث (٦٣٣٨)، وانظر: التلخيص الحبير (٣/ ١٨٧).
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
مالك في كتاب الله شيء وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك؛ يعني: للجدة من قبل الأم «كما وقع التصريح به في رواية ابن وهب، وكما يدل عليه الخبر الذي رواه مالك أيضا عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه قال: أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس بينهما؛ وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن الجدة أم الأم لا ترث مع الأم الدنية شيئا، وهي فيما سوى ذلك يفرض لها السدس فريضة، وأن الجدة أم الأب لا ترث مع الأم ولا مع الأب شيئا، وهي فيما سوى ذلك يفرض لها السدس فريضة، فإذا اجتمعت الجدتان أم الأب وأم الأم وليس للمتوفى دونهما أب ولا أم فإني سمعت أن أم الأم إن كانت أقربهما كان لها السدس دون أم الأب، وإن كانت أم الأب أقربهما أو كانتا في القرب من المتوفى بمنزلة سواء فإن السدس بينهما نصفين». اهـ (^١)، (وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين) ولا تختص به التي للأب كما اختصت به التي للأم عند القرب لأنها إنما أخذت بطريق القياس وتلك بطريق النص للأحاديث السابقة والعمل الذي حكاه مالك قريبا، ورواه البيهقي عن زيد بن ثابت وعن أبي الزناد: أنه الذي سمعه؛ يعني: من فقهاء المدينة.
(ولا ترث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما) يقمن مقامهما عند عدمهما تحجب القربى البعدى على حكم ما تقدم واستدل على ذلك في «الموطأ» بقوله: لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ «ورث الجدة، ثم سأل أبو بكر عن ذلك حتى أتاه الثبت عن رسول الله ﷺ أنه ورث الجدة فأنفذه لها، ثم أتت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب ﷺ فقال لها: «ما أنا بزائد في الفرائض شيئا فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيتكما خلت به فهو لها» قال مالك: ثم لم نعلم أحد ورث غير جدتين منذ كان الإسلام إلى اليوم». اهـ (^٢).
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٤٦).
(٢) تقدم تخريجه وانظر: المرجع السابق (٣/ ١٤٧) ..
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
وروى البيهقي بسنده: أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام «كان لا يفرض إلا للجدتين» وروى أيضا من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري أنه قال: «لا نعلم ورث في الإسلام إلا جدتين» (^١).
(ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات واحدة من قبل الأم) وهي أم الأم (واثنتين من قبل) الأب إحداهما (أم الأب و) الأخرى (أم أبي الأب) روى ذلك الدارقطني والبيهقي (^٢) من طرق عنه وعن علي وابن مسعود وابن عباس، بل وعن النبي ﷺ إلا أنها مراسيل لم تسند، والمرسل حجة عند مالك.
(ولم يحفظ عن الخلفاء الله توريث أكثر من الجدتين) كما سبق عن مالك والزهري لكن قال البيهقي عن الشعبي: «أن زيد بن ثابت وعليا ﵄ كانا يورثان ثلاث جدات من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، فهذا علي بن أبي طالب أحد الخلفاء ورث ثلاث جدات» (^٣).
ميراث الجد:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وميراث الجد إذا انفرد فله المال وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر السدس، فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة والأخوات فليقض له بالسدس، فإن بقي شيء من المال كان له.
فإن كان مع أهل السهام إخوة فالجد مخير في ثلاثة أوجه: يأخذ أي ذلك أفضل له: إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي، فإن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخا أو أخوين أو عدلهما أربع أخوات فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون
_________________
(١) البيهقي (١٢٧١٩).
(٢) الدارقطني (٧٦) (٤/ ٩١)، وللبيهقي (١٢٧٢٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣١٩٢٦)، وعبد الرزاق (١٩٠٧٩).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٧٢٤، ١٢٧٢٥).
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
المقاسمة أفضل له، والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق.
فإن اجتمعوا عاده الشقائق بالذين للأب فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم، ولا يربى للأخوات مع الجد إلا في الغراء وحدها وسنذكرها بعد هذا).
الشرح
(وميراث الجد) للأب عند عدم الأب من ولد ابنه الهالك وإن سفل ذكرا كان أو أنثى (إذا انفرد) بأن لم يكن معه أحد من الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب أو غيرهم من أهل السهام؛ أي: كالبنت وبنت الابن (فله المال) كله كالأب إجماعا (^١) لأنه أب لقوله تعالى: ﴿يبني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧].
(وله مع الولد الذكر، أو مع ولد الولد الذكر، السدس) فقط إذا لم يكن معه صاحب فرض ولا أحد من الإخوة لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ [النساء: ١١]، (فإن شركه أحد من أهل السهام غير الأخوة والأخوات فليفرض) وفي نسخة فليقض وهي أولى له (بالسدس) من أصل المال كما تقدم في ميراث الأب مع البنت أو بنت الابن (فإن بقي شيء من المال) بعد أخذ الجد السدس وأهل السهام سهامهم (كان له)؛ أي: للجد فهو في هذه الحالة وارث بالفرض والتعصيب كما سبق في الأب (فإن كان مع أهل السهام إخوة)؛ أي: جنس الإخوة أشقاء أو لأب (فالجد مخير في ثلاثة أوجه) وفي تعبيره بقوله: مخير تجوز لأنه إنما يأخذ الأفضل منها كما نص على ذلك هو في آخر عبارته بقوله: (يأخذ أي ذلك أفضل له) والأوجه الثلاثة:
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (٦٩).
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
(إما مقاسمة الأخوة) فيقدر أخا (أو السدس من رأس المال، أو ثلث ما بقي) في هذه المسألة فارق الجد حكم الأب على رأي بعض الصحابة والتابعين منهم علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ واختلفت أقوال عمر ﵁ وأحكامه في الأخوة من الجد اختلافا كبيرا، حتى قال عبيدة السلماني: «إنه يحفظ مائة قضية لعمر في الأخوة مع الجد، وما ذهب إليه مالك هو المنقول عن زيد بن ثابت وابن مسعود» (^١) وهو المنقول أيضا عن علماء المدينة (^٢).
(فإن لم يكن معه)؛ أي: الجد (غير الإخوة) لا أهل السهام ولا غيرهم (فهو يقاسم أخا وأخوين)؛ أي: ويقاسم أخوين (أو عدلهما أربع أخوات) بدل من عدلهما (فإن زادوا)؛ أي: الأخوة على الأخ والأخوين وعدلهما بأن يكونوا أكثر من مثلي الجد (فله الثلث) من أصل المال فرضا لا ينقص عنه إذا علمت هذا (فهو)؛ أي: الجد (يرث الثلث مع الإخوة، إلا أن تكون المقاسمة أفضل له) من أخذ الثلث أو استويا فإنه يقاسم (والأخوة للأب معه)؛ أي: مع الجد (في) حال (عدم) الإخوة (الشقائق كالشقائق) إلا في المسألة المشتركة التي تقدمت (فإن اجتمعوا)؛ أي: الأشقاء والذين للأب مع الجد (عاده الشقائق بالذين للأب)؛ أي: حاسبوه فهو فعل ماض (فـ) بسبب عد الشقائق على الجد الإخوة للأب (منعوه بعدهم كثرة الميراث ثم كانوا)؛ أي: الأشقاء الذكور (أحق منه) صوابه منهم؛ أي: من الإخوة للأب مثال ذلك: أن يترك الميت جدا وأخا شقيقا وأخا لأب. فإن الأخ الشقيق يحاسب الجد بالأخ للأب فيكون للجد الثلث وهو الذي تعطيه المقاسمة ثم يرجع الأخ الشقيق فيأخذ السهم الذي للأخ للأب فيكون في يده سهمان وفي يد الجد سهم (إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ) الشقيقة (نصفها مما حصل) كما لو كانت تأخذ لو انفردت (و) بعد أن تأخذ نصفها تسلم ما بقي من التركة (إليهم)؛
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٧٨٣).
(٢) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٤١ - ١٤٢).
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
أي: إلى من ذكر من جد أو أخ لأب أو أخت لأب أو هما لأب. (ولا يربى)؛ أي: لا يفرض (للأخوات مع الجد) شيء مسمى (إلا في) المسألة المعروفة عند الفرضيين بالأكدرية وبـ (الغراء وحدها) فإنه يفرض فيها للأخوات مع الجد (وسنذكرها بعد) إن شاء الله تعالى آخر هذا الباب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويرث المولى الأعلى إذا انفرد جميع المال كان رجلا أو امرأة، فإن كان معه أهل سهم كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام، ولا يرث المولى مع العصبة وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله، ولا يرث من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله، ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو جره من أعتقن إليهن بولادة أو عتق، وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم، ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وحدها وهي: امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها، فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما).
الشرح
ميراث المعتق:
(ويرث المولى الأعلى) وهو المعتق بكسر المثناة (إذا انفرد) بأن لم يكن معه صاحب فرض ولا أحد من عصبة العتيق (جميع المال) لأنه يرث بالتعصيب سواء كان رجلا أو امرأة لحديث عائشة لنا أن النبي ﷺ قال في قصة بريرة: «إنما الولاء لمن أعتق» وقد سبق وحديث الحسن مرسلا: «أن النبي ﷺ خرج إلى البقيع فرأى رجلا يباع، فساوم به ثم تركه، فاشتراه رجل فأعتقه، ثم أتى به النبي ﷺ فقال: إني اشتريت هذا فأعتقته، فما ترى فيه؟
[ ٣ / ١٣٦١ ]
قال: «أخوك ومولاك»، قال: ما ترى في صحبته؟ قال: «إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو خير لك وشر له»، قال: ما ترى في ماله؟ قال: «إن مات ولم يدع وارثا فلك ماله هكذا جاء مرسلا» (^١) وفي الباب ما سيأتي بعضه.
(فإن كان معه أهل سهم)؛ أي: فرض ولم يكن معهم عصبة أخذ أهل السهام سهامهم (كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام) لأنه إنما يرث بالتعصيب. وبهذا قضى ﵊. كما في حديث سلمى بنت حمزة ﵂ وعن أبيها قالت: «مات مولى لي وترك ابنته فقسم رسول الله ﷺ ماله بيني وبين ابنته فجعل لي النصف ولها النصف» (^٢)، وحديث أبي موسى قال: «مات رجل وترك ابنته ومواليه الذين أعتقوه فقسم النبي ﷺ ميراثه بين ابنته وبين مواليه» (^٣).
(ولا يرث المولى) الأعلى (مع العصبة)؛ أي: عصبة العتيق لأنهم يرثون بالنسب وهو بالولاء لأن «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب» كما قال النبي ﷺ (^٤).
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٧٥٦).
(٢) النسائي في الكبرى (٦٣٩٨)، والآحاد والمثاني للشيباني (٥/ ٣٢٧) (٣١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣١٧٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٧٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٦٨): رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح وإسناد أحمد كذلك إلا أن قتادة لم يسمع من سلمى.
(٣) المجمع (٤/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) رواه البيهقي (١٢٧٥٥)، والحاكم (٧٩٩٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والدارمي موقوفا (٧٩٩٠)، وقال حسين سليم أسد: رجاله ثقات ولكن جعفر بن عون ما عرفنا له سماعا قديما من سعيد بن أبي عروبة، ورواه ابن حبان (٤٩٥٠)، قال الألباني: وقال البيهقي عقب الحديث: «قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: هذا الحديث خطأ لأن الثقات لم يرووه هكذا وإنما رواه الحسن مرسلا». ثم ساق البيهقي إسناده الى الحسن به مرفوعا. قلت: وإسناد هذا المرسل صحيح وهو مما يقوي الموصول الذي قبله على ما يقتضيه بحثهم في «المرسل» من علوم الحديث فإن طريق الموصول غير طريق المرسل ليس فيه راو واحد مما في =
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
(وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله ﷿ لعدم التعصيب فيهم ولا فرض لهم فسقطوا للعمل حكاه سحنون، وحديث عطاء بن يسار قال: «سئل النبي ﷺ عن ميراث العمة والخالة وهو راكب فسكت، ثم سار هنيهة، ثم قال: «حدثني جبريل أنه لا ميراث لهما»» (^١)، وعن عطاء بن يسار: «أن النبي ﷺ ركب إلى قباء وعلى الحمار إكاف، فقال: «أستخير الله تعالى في ميراث العمة والخالة فأوحى الله تعالى إليه أن لا ميراث لهما» (^٢) ووصله غيرهما من حديث أبي هريرة وابن عمر بأسانيد واهية ساقطة وحديث أبي أمامه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (^٣)، فأخبر الله أن الله أعطى كل ذي حق حقه فدل على أن كل من لم يعطه فلا حق له.
(ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن)؛ أي: إلا الولاء الكائن ف
_________________
(١) =المرسل فلا أرى وجها لتخطئته بالمرسل، بل الوجه أن يقوي أحدهما بالآخر كما ذكرنا لا سيما وقد جاء موصولا من طرق أخرى عن عبد الله بن دينار به، فلا بد من ذكرها حتى تتبين الحقيقة، وذكر رحمه الله تعالى الأحاديث في ذلك» وصححه. انظر: حديث رقم (٧١٥٧) في صحيح الجامع.
(٢) المراسيل لأبي داود (٣٦١/ ١/ ٢٦٣)، والدارقطني (٤٢/ ٤) (٨٠)، والبيهقي (١٢٥٦٦).
(٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، وعبد الله بن جعفر هو والد علي بن المديني وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٤١)، لكنه ضعيف.
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٠)، كتاب الوصايا، باب الوصية للوارث، حديث (٢٨٧٠)، والترمذي (٤/ ٤٣٣)، كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، حديث (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥)، كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، حديث (٢٧١٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٧)، والطيالسي (٢/ ١١٧) - منحة رقم (٢٤٠٧)، وسعيد بن منصور (٤٢٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٦٤)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٢٧)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، كتاب الوصايا، باب؟ نسخ الوصية للوالدين، كلهم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله ﵎ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى رقم (٩٤٩).
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
الشخص الذي أعتقنه؛ أي: باشرن عتقه أو أعتق عنهن؛ أي: أعتقه عنهن غيرهن بإذنهن أو بغير إذنهن كما أفاده التتائي، قال صاحب «الرحبية»:
وليس في النساء طرا عصبة … إلا التي منت بعتق الرقبة
(أو جره من أعتقن إليهن بولادة أو عتق) لما سبق آخر الوصايا.
مسائل عائلة:
(وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله) أو في السنة أو بالإجماع (وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضه على مبلغ سهامهم) وتحقيق ما يقال في هذا الموضع أن تقيم أصل الفريضة بأن تصحح المسألة وتعطي لكل وارث من أهل الفريضة سهمه، ثم تجمع ذلك، فإن اجتمع مثلها أو أقل علمت أنها غير عائلة، وإن اجتمع أكثرها؛ أي: أكثر منها علمت أنها عائلة كالمنبرية، فإن ثلثيها وسدسيها وثمنها يزيد على أربعة وعشرين؛ وإذا عالت فتجعل الفريضة من الموضع الذي بلغته سهامهم وهو السبعة والعشرون، مثال ذلك المنبرية: وهي زوجة وأبوان وابنتان، للبنتين الثلثان ولكل واحد من الأبوين السدس، وللزوجة الثمن، فاتحد مخرج فرض الأبوين فاكتفينا بواحد وهو من ستة، واندرج فيه فرض البنتين، واتفق فرض الزوجة مع مخرج السدس بالنصف فتضرب ثلاثة في ثمانية يحصل أربعة وعشرون للبنتين ثلثاها ستة عشر وللأب سدسها أربعة، وللأم كذلك أربعة فصار ذلك أربعة وعشرين فاحتجنا إلى فرض الزوجة فعلنا بقدر ثمنها ثلاثة أسهم فعالت إلى سبعة وعشرين.
وذلك لما رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي وابن حزم والبيهقي في السنن من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس ﵄ بعد ما ذهب بصره فتذاكرنا فرائض الميراث فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عددا لم يحص في مال نصفا ونصفا وثلثا، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث، فقال له زفر: يا ابن عباس من أول من أعال الفرائض.
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
قال عمر بن الخطاب ﵁.
قال: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضا.
قال: «والله ما أدري كيف أصنع بكم والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر، قال: وما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص فأدخل على كل ذي حق ما دخل عليه من العول، وذكر الخبر في إنكار ابن عباس للعول» (^١).
وروى البيهقي من طريق خارجة بن زيد عن أبيه: «أنه أول من أعال الفرائض وكان أكثر ما أعالها به الثلثين» (^٢).
المسألة الغراء:
(ولا يعال للأخت مع الجد إلا ف) ي المسألة التي سماها مالك بـ (الغراء وحدها وهي امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب، وجدها، فـ) المسألة من ستة (للزوج النصف) وهو ثلاثة (وللأم الثلث) وهو اثنان (وللجد السدس) وهو واحد، (فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة) فتصير المسألة بعولها من تسعة، ثم يقول الجد للأخت: «لا ينبغي لك أن تزيدي علي في الميراث لأنك معي كالأخ، فردي ما بيدك وهو ثلاثة إلى ما بيدي وهو سهم ليقسم بيننا للذكر مثل حظ الانثيين، وأربعة على ثلاثة لا تصح ولا توافق فتضرب ثلاثة عدد الرؤوس المنكسرة في الفريضة بعولها وهو تسعة فتكون سبعة وعشرين للزوج ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة، وللأخت والجد أربعة مضروبة في ثلاثة باثني عشر تأخذ الأخت منها ثلثها وهو أربعة، ويأخذ الجد ثلثيها وهو ثمانية ومن هذا علم معنى قول الشيخ: (ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما) لأنه لو لم يفرض للأخت هنا لسقطت وليس في الفريضة من
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٥٣) (١٢٨٣٦)، والحاكم (٤/ ٣٤٠)، وحسنه الألباني. انظر: الإرواء (٦/ ١٤٥).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٢٨٣٣).
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
يسقطها لأن الجد مع هؤلاء ليس بعصبة بل يفرض له فلا يعصبها حتى تسقط؛ وروى البيهقي من طريق جرير عن المغيرة عن أصحاب إبراهيم والشعبي: أم وأخت وزوج وجد في قول علي ﵁ للأم الثلث وللأخت النصف وللزوج النصف وللجد السدس من تسعة».
وفي قول عبد الله: «للأخت النصف وللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس ومن تسعة أسهم ويقاسم الجد الأخت بسدسه ونصفها فيكون له ثلثاه ولها ثلثه تضرب التسعة في ثلاثة فتكون سبعة وعشرين للأم ستة وللزوج تسعة ويبقى اثنا عشر للجد ثمانية وللأخت أربعة وهي الأكدرية أم الفروج» (^١).
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٢٨٢٠).
[ ٣ / ١٣٦٦ ]