• باب في أحكام الدماء والحدود:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة، أو باعتراف.
أو بالقسامة إذا وجبت.
يقسم الولاة خمسين يمينا ويستحقون الدم.
ولا يحلف في العمد أقل من رجلين.
ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد.
وإنما تجب القسامة بقول الميت: دمي عند فلان، أو بشاهد على القتل، أو بشاهدين على الجرح، ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب.
وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا.
فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين.
ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا.
ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان ولا تحلف امرأة في العمد.
وتحلف الورثة في الخطإ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة.
وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها.
وإذا حضر بعض ورثة دية الخطإ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث.
[ ٣ / ١١٧٩ ]
ويحلفون في القسامة قياما ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة.
ولا قسامة في جرح.
ولا في عبد.
ولا بين أهل الكتاب.
ولا في قتيل بين الصفين.
أو وجد في محلة قوم.
وقتل الغيلة لا عفو فيه.
وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة.
وعفوه عن الخطا في ثلثه.
وإن عفا أحد البنين فلا قتل ولمن بقي نصيبهم من الدية.
ولا عفو للبنات مع البنين.
ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما).
الشرح
(باب في) بيان (أحكام الدماء) من قود، ودية، وقصاص، ونحو ذلك كالغرة، (و) في بيان أسباب (الحدود) كالزنى والقذف والشرب والسرقة.
والحدود: جمع حد، وأصل الحد المنع، وهو ما يحجز بين شيئين، والفصل بين شيئين فيمنع اختلاطهما، ومنه أخذ معنى هذا.
والحدود العقوبات المقدرة يجوز أن تكون سميت بذلك من الحد المنع لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، وأن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم لكونها زواجر عنها، أو بالحدود التي هي المقدرات لكونها مقدرة لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان (^١)
_________________
(١) المطلع (٣٧٠).
[ ٣ / ١١٨٠ ]
وأما اصطلاحا: فهي عقوبات مقدرة شرعا لتمنع من الوقوع، في مثل ما ارتكب من المعاصي. والحدود ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء في الجملة، ويقتضيها القياس الصحيح، فهي جزاء لما انتهكه العاصي من محارم الله تعالى. وقد أجمع العقلاء على أن أحسن نظام جنائي هو الذي ينجح في مكافحة الجريمة ومحاربتها، ويحفظ الحقوق لأصحابها، ويحقق العدل والأمن والاستقرار، والشيء تعرف قيمته بآثاره، ونجاحه أو إخفاقه بعواقبه ونتائجه. وقد شهد التاريخ القديم والحديث أن الشريعة الإسلامية هي النظام الوحيد الكفيل بتحقيق الأمن بمعناه العام، والقادر على قطع دابر المجرمين ومكافحة الإجرام (^١).
قال المصنف: (ولا تقتل نفس) مكافئة (بنفس) مكافئة لها في الحرية والإسلام والعصمة (إلا) إذا ثبت القتل بأحد أمور ثلاثة إما:
١ - الثيب الزاني.
٢ - والنفس بالنفس.
٣ - والتارك لدينه المفارق للجماعة.
لحديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٢)، (ببينة عادلة) لحديث ابن أبي مليكة قال: كتب إلي ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». - وفي رواية: «كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه» (^٣).
_________________
(١) انظر: كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للشهيد عبد القادر عودة رحمه الله تعالى فهو نفيس في بابه ولبابه.
(٢) البخاري (٩/ ٦) (٦٨٧٨)، ومسلم (٥/ ١٠٦) (٤٣٩٠).
(٣) البخاري (٣/ ١٨٧) (٢٥١٤)، ومسلم (٥/ ١٢٨) (٤٤٩٠)، وأبو داود (٣٦١٩)، والترمذي (١٣٤٢).
[ ٣ / ١١٨١ ]
قال في «فتح الباري»: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء، حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها (^١).
(أو اعتراف)؛ أي: إقرار القاتل عن نفسه أنه قتل فلانا لقوله تعالى:
﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ [القيامة: ١٤]، ولحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵁: أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله.
فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه: - نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. فقال النبي ﷺ: «قل». فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم.
فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (^٢).
فالشاهد: «واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها، فاعترفت.
(أو بالقسامة): بفتح القاف، هي الأيمان المكررة في دعوى القتل، ويشترط في القتل بها شروط وهي ما أشار إليه بقوله: (إذا وجبت)؛ أي: القسامة بأن يكون القاتل:
١ - عاقلا،
٢ - بالغا،
٣ - مكافئا للمقتول في الدين والحرية،
٤ - غير
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٢٠١).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» ٢٣٧٩، والبخاري (٣/ ١٣٤) (٢٣١٤ و٢٣١٥)، ومسلم (٥/ ١٢١) (٤٤٥٤). العسيف: الأجير.
[ ٣ / ١١٨٢ ]
أب، ٥ - واتفق الأولياء على القتل؛ ٦ - وأن يكون الحالف اثنين فصاعدا؛ - وأن يكون مع الأولياء لوث؛ أي: قرينة تقوي جانب المدعي، ويغلب على الظن صدقه كأن يرى العدل المقتول يتخبط في دمه والمتهم بقربه وعليه أثر القتل؛ أي: كتلطخه بدمه والمدية بيده (^١).
وكيفية القسامة أنه (يقسم)؛ أي: يحلف (الولاة) ويشترط فيهم أن يكونوا عصبة المقتول ورثوه أم لا، فإن كانوا خمسين حلفوا (خمسين يمينا) كل واحد يحلف يمينا بتا واحدة بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانا قتله أو مات من ضربه (ويستحقون الدم) لحديث سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر - وهي يومئذ صلح - فتفرقا. فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه. ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال ﷺ: «كبر كبر وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما. فقال: «أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم»؟. قالوا: وكيف نحلف ولم نر؟ قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟». قالوا: وكيف بأيمان قوم كفار؟. فعقله النبي ﷺ من عنده (^٢).
وفي حديث سعد بن عبيد: فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة»، فوداه؛ أي: دفع ديته.
(ولا يحلف في العمد أقل من رجلين) عصبة لأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث مقام البينة، وكما لم يكتف في البينة بشهادة واحد فكذلك هنا لا يكتفى في الأيمان واحد، وذلك للعمل حكاه مالك ولأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث مقام البينة فلما لم يكتف في البينة بشهادة واحد فكذلك لا
_________________
(١) وانظر: شرح زروق (٢/ ٨٣٤)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٨/ ١٨٦). وابن العربي في الأحكام (١/ ٢٤)، والقرطبي في تفسيره (١/ ٤٥٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٣٥٢)، والبخاري (٩/ ٩٣) (٧١٩٢)، ومسلم (٥/ ١٠٠) (٤٣٦٤).
[ ٣ / ١١٨٣ ]
يكفي هنا في الأيمان واحد، ولأن النبي ﷺ عرض الأيمان على جماعة فقال ما سبق: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» وأقل الجماعة اثنان.
(و) إذا كان المدعى عليهم جماعة ف (لا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد) يقسمون عليه، وقيل: يقسمون على الجميع ثم يختارون واحدا منهم يقتلونه. لقوله ﷺ في الحديث السابق: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم»، ولأن القسامة أضعف من الإقرار والبينة، وفي قتل الواحد ردع ولأنه لا يدري أقتله الكل أو البعض والمحقق واحد والباقي مشكوك فيه فيترك.
(وإنما تجب القسامة بقول الميت) في مرضه: (دمي عند فلان) لم يختلف في هذا قول مالك وجميع أصحابه أنه لوث في العمد يوجب القسامة والقود، أو بشهادة واحد (على) معاينة (القتل) فإذا شهد العدل بمعاينة القتل يقسم الولاة مع شهادته ويستحقون الدم أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش بعد ذلك؛ أي: أن يشهد الشاهدان على معاينة الجرح بالفتح لأن المراد الفعل بل والضرب؛ أي: أو يشهدا على معاينة الضرب، وكذا يعد لوثا شهادة العدل الواحد على معاينة الجرح أو الضرب عمدا أو خطأ أو على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه فيقسم الولاة أنه من ذلك الجرح أو الضرب مات، أما إن مات بفوره أو أنفذت مقاتله فإنه يقتل به بلا قسامة.
وقوله: (ويأكل ويشرب) ليس بشرط بل المقصود تأخير الموت بعد معاينة البينة للجرح أو الضرب يوما فصاعدا ولو لم يأكل ولم يشرب.
للعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون.
وأن القسامة لا تجب إلا بأحد هذه الأمور:
١ - إما أن يقول المقتول: دمي عند فلان.
٢ - أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة.
٣ أو بشاهدين على الجرح (وهو فعل الجاني من ضرب أو جرح).
[ ٣ / ١١٨٤ ]
وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعي عليه الدم فهذا يوجب القسامة مدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذه الوجوه. اه (^١).
(وإذا نكل) بفتح الكاف؛ بمعنى: رجع (مدعو الدم) كلهم أو بعضهم عن اليمين في العمد، وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو بشاهد على القتل (حلف المدعى عليهم خمسين يمينا) لقول النبي ﷺ في الحديث السابق بعد نكول المدعين وقولهم: يا رسول الله ولم نحضر فتبريكم يهود بخمسين يمينا ولأحاديث أخرى في الباب، ويحلف المتهم معهم، فحلف المتهم معهم قرينة على جعل عصبة المدعى عليه الذي يستعين بهم مدعى عليهم.
(فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين) يمينا وبرئ، فإن نكل حبس حتى يحلف، فلا يخرج من السجن إلا إذا حلف (ولو ادعى القتل على جماعة) قال الأقفهسي: يريد وقد نكل مدعو الدم (حلف كل واحد من المدعى عليهم خمسين يمينا) لأن كل واحد من الجماعة مدعى إليه فلا يبرأ إلا بخمسين يمينا.
(ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا) لقوله ﷺ: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، ولأنه أحسن ما سمع مالك في هذه المسألة كما قال في «الموطأ»: ولأن كل واحد منهم يحلف عن نفسه إذ لعله الذي كان يقسم عليه، قال الأقفهسي: هذا قول عبد الملك إنه لا يجوز أن يحلف اثنان مع وجود أكثر.
(وإن كانوا أقل) من خمسين رجلا اثنين فصاعدا (قسمت عليهم الأيمان) فالاثنان يحلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا.
لما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز «أن النبي ﷺ قضى في الأيمان أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد عصبته يبلغ خمسين ردت الأيمان
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٢٦١)، وانظر: العجالة (٤/ ٣٠٦).
[ ٣ / ١١٨٥ ]
عليهم بالغا ما بلغوا» (^١).
وما ورواه ابن وهب أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: «قضى رسول الله ﷺ بخمسين يمينا ثم يحق دم المقتول إذا حلف عليه، ثم يقتل قاتله أو تأخذ ديته ويحلف عليه أولياؤه من كانوا قليلا أو كثيرا، فمن ترك منهم اليمين ثبتت على من بقي ممن يحلف فإن نكلوا كلهم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا ما قتلناه، ثم بطل دمه، وإن نكلوا كلهم عقله المدعى عليهم، ولا يبطل دم مسلم إذا ادعي إلا بخمسين يمينا».
ولأن النبي ﷺ قال لأولياء القتيل: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم» ولم يكونوا إلا ثلاثة: أخاه عبد الرحمن وابني عمه حويصة ومحيصة، فالظاهر أنه وجه الخطاب إليهم دون بقية العصبة. وصيغة اليمين: «تالله الذي لا إله إلا هو إن فلانا قتله» (^٢).
(ولا تحلف امرأة في العمد) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو. اه (^٣)، وسواء كان معها ذكر أم لا، لأن استحقاق الدم في القسامة شرطه الذكورية، فإن انفردت النسوة يصير المقتول بمنزلة من لا وراث له فترد الأيمان على المدعى عليه.
(وتحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة) فالاثنان يحلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، والثلاثة الواجب على كل واحد ستة عشر يمينا وثلثان، ويجبر كل واحد منهم الكسر الذي صار إلى حصته، فيحلف كل واحد سبعة عشر يمينا.
(وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها)؛ أي: من اليمين
_________________
(١) المصنف (١٠/ ٣٥) رقم (١٨٢٦٥).
(٢) المدونة (٤/ ٦٣٦).
(٣) شرح الزرقاني (٤/ ٢٦٤)، وانظر: التوضيح (٨/ ٢٠١)
[ ٣ / ١١٨٦ ]
المنكسرة فلو ترك ابنا وبنتا، فالمسألة من ثلاثة للذكر ثلاثة وثلاثون وثلث، وللبنت ستة عشر وثلثا اليمين المنكسرة، فقد خص البنت من اليمين المنكسرة أكثر من الابن فتحلف البنت سبعة عشر يمينا.
(وإذا حضر بعض ورثة دية الخطأ) وغاب البعض (لم يكن له)؛ أي: لمن حضر (بد) بضم الموحدة وشد المهملة؛ أي: مهرب (أن يحلف جميع الأيمان) الخمسين عند مالك وإلا لم يستحق من الدية شيئا (ثم يحلف من يأتي)؛ أي: يجيء ممن كان غائبا (بعده بقدر نصيبه من الميراث) ولا يجتزئ بيمين من حضر قبله قال الفاكهاني: لأن من شرط أخذ هذا المال حصول الأيمان، فإذا حلف الحاضر استحق نصيبه منه، والآتي بعد ذلك من الورثة يحلف ما ينوبه من الأيمان ويأخذ نصيبه، ولا يحلف الكل لتقدم حلف الحاضر كل الأيمان.
قال مالك: «إذا قام بعض ورثة المقتول الذي يقتل خطأ، يريد أن يأخذ من الدية بقدر حقه منها. وأصحابه غيب لم يأخذ ذلك. ولم يستحق من الدية شيئا، قل ولا كثر، دون أن يستكمل القسامة يحلف خمسين يمينا، فإذا حلف خمسين يمينا استحق حصته من الدية، وذلك أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يمينا، ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم. فإن جاء بعد ذلك من الورثة أحد، حلف من الخمسين يمينا بقدر ميراثه، وأخذ حقه حتى يستكمل الورثة حقوقهم، فإن جاء أخ لأم فله السدس، وعليه من الخمسين يمينا، السدس فمن حلف استحق حقه من الدية. ومن نكل بطل حقه».
وإن كان بعض الورثة غائبا أو صبيا لم يبلغ الحلم، حلف الذين حضروا خمسين يمينا، فإن جاء الغائب بعد ذلك حلف، أو بلغ الصبي الحلم حلف، يحلفون على قدر حقوقهم من الدية على قدر مواريثهم منها، قال يحيى: قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت (^١).
(ويحلفون في القسامة) وغيرها من الحقوق المالية (قياما) على
_________________
(١) الموطأ (٣٢٩٥)، تحقيق: الأعظمي.
[ ٣ / ١١٨٧ ]
المشهور، ردعا لهم وزجرا لعل المبطل يرجع للحق، لحديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية في اللعان: «وفيه فأرسل إليهما فجاءا فقام هلال فشهد ثم قامت فشهدت … الحديث» (^١)، وظاهر كلامه أنه لا يغلظ عليهم بالزمان وإنما يغلظ عليهم بالمكان، وإليه أشار بقوله:
(ويجلب) الحالف (إلى مكة) المشرفة (وإلى المدينة) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (و) إلى (بيت المقدس أهل أعمالها) نائب فاعل يجلب؛ والمعنى: أنه يجلب لهذه الأماكن المشرفة أهل طاعة هذه الأماكن للقسامة تغليظا عليهم، ولو كان بينه وبين هذه الأماكن زمن طويل نحو عشرة أيام لأنه أردع للكاذب لشرفها، لورود السنة بذلك كتعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ وبعد العصر كما في «الصحيح» وغيره (^٢)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا يحلف أحد عند منبري هذا، على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار - أو وجبت له النار» (^٣)، وثبت أن عمر ﵁ جلب المدعى عليهم في القسامة من اليمن إلى مكة ومن الكوفة إلى مكة ليحلفوا فيها (^٤)، فإن من كان في المدينة لا يجلب إلى مكة لأن الكل حرم الله، وفي «الموطأ» من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار» (^٥).
(ولا يجلب في غيرها)؛ أي: إلى غير هذه الأماكن الثلاثة (إلا من الأميال اليسيرة)؛ أي: إلا أن يكون الجلب من الأميال اليسيرة، وحدها بعضهم بثلاثة وبعضهم بعشرة. (ولا قسامة في جرح)؛ يعني: إذا جرح
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٢) (١٢٤٧٧)، والبخاري (٢٥٢٦)، ومسلم (٣٧٥٠).
(٢) البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (٢١٢)، وأبو داود (٣٤٧٤).
(٣) أبو داود (٣٢٤٦)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٩)، كتاب الأحكام: باب اليمين عند مقاطع الحقوق، حديث ٢٣٢٦، من حديث أبي هريرة. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وله شاهد من حديث جابر رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجه، ينظر: مصباح الزجاجة (٢/ ٢١٥).
(٤) التمهيد (٢٢/ ١٨).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٥٣)، وشرح الزرقاني (٤/ ٣).
[ ٣ / ١١٨٨ ]
شخص شخصا ولم تقم له بينة لا يقسم لأن النبي ﷺ إنما حكم بها في النفس، ويستحق القصاص في العمد، والدية في الخطأ؛ أي: فإذا قامت له بينة - شاهدان - فالدية في الخطأ والقصاص في العمد، وإذا لم يشهد به إلا واحد فإنه يحلف مع الشاهد يمينا واحدة وتؤخذ الدية في الخطأ، ويقتص في العمد، فإن لم يحلف المدعي برئ الجارح إن حلف وإلا حبس في جرح العمد وغرم في الخطأ. (و) كذا (لا) قسامة (في) قتل (عبد) لأنه أخفض رتبة من الحر، فإذا ثبت أن فلانا قتله بشاهدين غرم قيمته في العمد والخطأ بلغت ما بلغت، ويضرب مائة، ويسجن سنة. وذلك للعمل حكاه مالك فقال: الأمر عندنا في العبد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده وليس في العبيد قسامة في عمد ولا خطأ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك. اه (^١).
(و) كذا (لا) قسامة (بين أهل الكتاب) ليس ظاهر العبارة مرادا وهو أن القاتل والمقتول كافران، وإنما المراد أن الذمي إذا وجد منفوذ المقاتل وهو يقول: دمي عند فلان المسلم، وشهد على إقراره عدلان فإنه لا قسامة فيه، وإنما يغرم ديته في العمد من ماله ومع العاقلة في قتل الخطأ، فإن لم يكن إلا دعوى ولي الكافر على المسلم فلا يلتفت إليه.
(و) كذا (لا قسامة) ولا دية في قتيل وجد بين الصفين المسلمين إذا كانت الطائفتان متأولتين بأن ظنت كل طائفة جواز قتالها للأخرى لكونها أخذت مالها مثلا، فمن مات منهما قدمه هدر لأن قاتله معلوم في الجملة ولو لم يتعين.
(أو) قتيل (وجد في محلة)؛ أي: دار (قوم) وهذا حيث كان المحل الذي وجد فيه المقتول مطروقا لمرور الناس فيه غير أهله، وأما لو كان لا يمر فيه إلا أهله ووجد فيهم شخص مقتول من غيرهم فإنه يكون لوثا.
(وقتل الغيلة) وهي قتل الإنسان لأخذ ماله (لا عفو فيه)؛ أي: لا
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٦٨).
[ ٣ / ١١٨٩ ]
يجوز العفو فيه أو لا عفو فيه نافذ، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما لأن قتله على هذا الوجه في معنى المحاربة، والمحارب بالقتل يجب قتله ولو بعبد وكافر، وإنما لم يجز العفو فيها لأنها حق الله تعالى، وعلى هذا فهو مقتول حدا لا قودا، لما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» (^١).
(وللرجل العفو عن دمه)؛ أي: عن دم نفسه (العمد) إذا عفا بعد ما وجب له الدم مثل أن يعفو بعد إنفاذ مقاتله، ولا كلام للأولياء إذا. ولقول مالك في «الموطأ»: إنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله إذا قتل عمدا، أن ذلك جائز له، وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده (^٢)، (إن لم يكن قتل غيلة) لما تقدم من دليل إن قتل الغيلة لا عفو فيه، (وعفوه)؛ أي: الرجل المقتول (عن) دم نفسه (الخطأ) كائن (في ثلثه) لأن الدية مال من أمواله، فللورثة أن يمنعوه من الزائد على الثلث لأنه في هذه الحالة محجور عليه (وإن عفا أحد البنين) بعد ثبوت الدم وكان بالغا (فلا قتل)، لأن الدم لما لم يتبعض كان سقوط بعضه يوجب سقوط جميعه، وإذا ثبت سقوط القتل بعفو بعض البنين، سقط نصيبه وحده.
(و) يثبت (لمن بقي) من البنين (نصيبهم من الدية، ولا عفو للبنات مع البنين)؛ أي: ولا للأخوات مع الإخوة، وإنما العفو والاستيفاء للعاصب دون من معه من الإناث المتساويات لأن ولاية الدم مستحقة بالنصرة وليس
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٤٨)، ما جاء في الغيلة والسحر. وأخرجه البخاري تعليقا في الديات (٢١) عن ابن عمر. قال الحافظ في الفتح: وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة - من وجه آخر عن نافع ولفظه: أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل .. إلخ، ثم ذكر الحافظ رواية الموطأ التي بعد هذه، وقال: ورواية نافع أوصل وأوضح، الفتح (١٢/ ٢٢٧) باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ٢٥٣).
[ ٣ / ١١٩٠ ]
النساء من أهل النصرة فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة بها، وروي عن مالك أيضا أن لهن مدخلا فيه حكاه القاضي عبد الوهاب وهو الصحيح لعموم قوله ﷺ: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا فلهم العقل، وإن أحبوا فلهم القود» (^١) وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولياء المقتول فأرادوا قتله فقالت أخت المقتول وهي امرأة القاتل قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: عتق الرجل من القتل» (^٢) ولأن القصاص مستحق على استحقاق المواريث فوجب أن يثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق.
(ومن عفي عنه في العمد) أو تعذر منه القصاص لعدم التكافؤ كالمسلم يقتل الكافر (ضرب مائة)؛ أي: مائة سوط (وحبس عاما) وعلى ذلك مضى عمل السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
ولأنه لما عفا عنه من له العفو، وبقيت الله عقوبة جعلت كعقوبة الزاني البكر جلد مائة وحبس سنة، ولأنه لما سقط القصاص بقيت العقوبة كالسيد إذا قتل عبده فإنه لا يقتل به ولكنه يجلد مائة وينفى سنة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به» (^٣)، ورواه أيضا من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: «أتي رسول الله ﷺ، برجل قتل عبده متعمدا فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به» (^٤).
_________________
(١) مسند الشافعي من حديث أبي شريح الكعبي (٣٤٣) (٤/ ١٨٠)، ط: الأوقاف القطرية، والبيهقي في السنن الصغرى (٣٠٢٣).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٣/ ١٠) رقم (١٨١٨٨).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣٧١) (٨/ ٣٦)، والدارقطني (١٨٧)، إسناده ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل وإسماعيل بن عياش فيه ضعف. إلا أن أحمد قال: ما روى عن الشاميين صحيح وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح وكذلك قول البخاري فيه.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣٧٢) (٨/ ٣٦)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ١٣٨) (٤٤٨٠)
[ ٣ / ١١٩١ ]
وقال مالك، في القاتل عمدا إذا عفي عنه: «إنه يجلد مائة جلدة ويسجن سنة» (^١).
أحكام الديات
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم.
ودية العمد إذا قبلت خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض.
ودية الخطإ مخمسة: عشرون من كل ما ذكرناه، وعشرون بنو لبون ذكورا.
وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به، ويكون عليه ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها وقيل ذلك على عاقلته وقيل ذلك في ماله.
ودية المرأة على النصف من دية الرجل.
وكذلك دية الكتابيين، ونساؤهم على النصف من ذلك.
والمجوسي ديته ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف من ذلك، ودية جراحهم كذلك).
الشرح
(والدية) واحدة الديات مأخوذة من الودي وهو الهلاك، يقال: أودى فلان إذا هلك فلما كانت تلزم من الهلاك سميت بذلك.
وهي اصطلاحا: مال يجب بقتل آدمي حر عوضا عن دمه (^٢) فما وجب في قتل غيره يقال فيه قيمة، وكذا ما وجب في قتل الرق يقال له قيمة أيضا،
_________________
(١) الموطأ (٣٢٦٣).
(٢) وانظر: تعريف ابن عرفة في شرح حدوده للرصاع (٦٢١).
[ ٣ / ١١٩٢ ]
وإنما وجبت الدية لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢]، وهي مختلفة الجنس بحسب الجاني: ف (على أهل الإبل) وهم أهل البادية والعمود (مائة من الإبل) مخمسة لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى اليمن فذكر الحديث وفيه: «ومن اعتبط (^١) مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل …» (^٢)، وفي حديث القسامة «فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم مائة ناقة» (^٣).
(وعلى أهل الذهب) كأهل مصر والشام (ألف دينار) (وعلى أهل الورق) كأهل العراق (اثنا عشر ألف درهم) لما ذكره مالك في «الموطأ» بلاغا: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم» (^٤)، وروى الشافعي والبيهقي من طريقه عن ابن شهاب وعن مكحول وعطاء قالوا: «أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر على عهد النبي ﷺ مائة من الإبل، فقوم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم» (^٥)، وفي حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم السابق أن النبي ﷺ كتب إلى
_________________
(١) ومن اعتبط مؤمنا قتلا؛ أي: قتله بلا جناية وكل من مات بغير علة فقد اغتبط ومات عبطة، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٦٣).
(٢) النسائي (٤٨٥٣)، وضعفه الألباني، وقال الحافظ في «البلوغ» (١/ ٢٤٩): اختلفوا في صحته، قال ابن عبد البر: هذا الحديث مشهور عند أهل السنة، مرفوع ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر لتلقى الناس له بالقبول. اه. وابن حبان (٦٥٥٩) قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف، وأخرجه البيهقي (٤/ ٨٩) (٧٥٠٧).
(٣) وقد تقدم تخريجه.
(٤) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢١٨) العمل في الدية.
(٥) شرح مسند الشافعي (٤/ ١٩٢ - ١٩٣)، وأخرجه الشافعي أيضا في «الأم» (٦/ ٩٢ - ط. بولاق)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٦٥٨٧).
[ ٣ / ١١٩٣ ]
أهل اليمن وأخذ من كلامه أن الدية لا تكون إلا من هذه الأجناس الثلاثة، وهو كذلك على المشهور فلا تكون من البقر ولا من الغنم ولا من العروض.
وعن ابن عباس ﵄ قال: «قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا» (^١).
(ودية العمد إذا قبلت) بأن حصل عفو عليها، أو تعذر القصاص لفقد المماثلة تكون مربعة من كل سن من الأسنان (خمس) وفي رواية خمسة (وعشرون حقة) وهي بنت أربع سنين (وخمس وعشرون جذعة) وهي بنت خمس سنين، (وخمس وعشرون بنت لبون) وهي بنت ثلاث سنين، (وخمس وعشرون بنت مخاض) وهي بنت سنتين لما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب أنه: «أن ابن شهاب كان يقول: في دية العمد إذا قبلت خمس وعشرون بنت مخاض. وخمس وعشرون بنت لبون. وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة» (^٢)، (ودية الخطإ مخمسة عشرون من كل ما ذكرنا) من الحقة والجذعة وبنت اللبون وبنت المخاض (و) يزاد على ذلك (عشرون بنو لبون ذكورا) لحديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دية الخطإ أخماسا عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض» (^٣)، وهو في السنن الأربعة بلفظ: «وعشرون ابن مخاض» (بدل بني لبون) (^٤).
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٢٣٦٨)، وأبو داود (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي (٨/ ٤٤)، وفي «الكبرى» (٦٩٧٨)، وابن ماجه (٢٦٢٩).
(٢) شرح الزرقاني (٤/ ٢١٨).
(٣) الدارقطني (٢٦٢).
(٤) وإسناد الأول أقوى؛ لأن في سند لفظ السنن الحجاج بن أرطاة، قال أبو حاتم الرازي: الحجاج يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا فلان فلا يرتاب به، والحديث رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والترمذي (١٣٨٦)، والنسائي (٨/ ٤٣)، وفي «الكبرى» (٦٩٧٧)، وابن ماجه (٢٧٣٣)، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ٩١) باب أجناس مال الدية وأسنان إبلها.
[ ٣ / ١١٩٤ ]
فدية العمد ناقصة عن دية الخطإ بالنسبة إلى الأنواع، وإن كانت في العدد واحدة.
(وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة) ونحوها غير قاصد بذلك قتله (فيقتله فلا يقتل به) لحرمة الأبوة، لأن رحمة الأبوة وشفقتها لا تتهم بالعمد في إزهاق فلذة الكبد، لما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب: «أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة، حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فنزي في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فقال له عمر: اعدد، على ماء قديد، عشرين ومائة بعير. حتى أقدم عليك. فلما قدم إليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنذا، فقال: خذها. فإن رسول الله ﷺ قال: ليس لقاتل شيء» (^١).، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قتادة بن عبد الله كانت له أمة ترعى غنمه فبعثها يوما ترعاها فقال له ابنه منها: حتى متى تستأمي أمي (^٢)؟، والله لا تستأميها أكثر مما استأميتها، فأصاب عرقوبه فطعن في خاصرته فمات، قال: فذكر ذلك سراقة بن مالك بن جعشم لعمر ﵁ فذكر نحوه، وفي آخره وقال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد والد بولد»، لقتلتك أو لضربت عنقك» (^٣) أما إذا كان ثمت قرينة تدل على أنه أراد قتله حقيقة فإنه يقتل به على المشهور (^٤).
(و) اختلف فيمن تكون عليه الدية على أقوال مشهورها أنها (تكون عليه)؛ أي: على القاتل أبا أو غيره حالة غير مؤجلة، فإن كان له مال وقتئذ
_________________
(١) الموطأ (١٥٥٧)، وشرح الزرقاني (٤/ ٢٤١).
(٢) تستأمي أمي: تبقيها أمة وتعاملها معاملة الإماء.
(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ١٨)، كتاب الديات: باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا، حديث (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٨)، كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بولده، حديث (٢٦٦٢)، قال الألباني: صحيح لغيره، الإرواء (٧/ ٢٩٦).
(٤) انظر: المسالك لابن العربي (٧/ ٣١).
[ ٣ / ١١٩٥ ]
أخذت منه وإلا انتظر يسره (وهي ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة) بكسر اللام المخففة وهي الحوامل وقوله: (في بطونها أولادها) تكرار زيادة في البيان (وقيل ذلك)؛ أي: الدية المغلظة (على عاقلته) قال ابن العربي: أي: على قبيلته التي تعقل عنه، والعقل الدية، لأن عمر قال لسراقة: أعدد لي مائة وعشرين بعيرا وليس هو بالأب القاتل (^١)، وإنما هو سيد القوم فالظاهر أنه كلفه بذلك لأنه سيد العاقلة ولأنه قتل لا يعتبر عمدا لما كان على جهة الأدب فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ (وقيل ذلك في ماله) إن كان له مال وإلا فعلى عاقلته. ولأنه بالعمد أشبه فلم تحمله العاقلة لأنه قد وجد فيه القصد.
(و) أما (دية المرأة) الحرة المسلمة ف (على النصف من دية الرجل) الحر المسلم وذلك بالإجماع (^٢)، قال ابن قدامة: قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل (^٣).
ولحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» (^٤)، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» (^٥).
واستدل مالك بما رواه في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه كان يقول: «تعاقل المرأة الرجل إلى الثلث الدية»، وبما رواه عن ابن شهاب وبلغه عن عروة بن الزبير أنهما كانا يقولان مثل قول سعيد بن
_________________
(١) المرجع السابق والصفحة، وانظر: (ص ٦٦ - ٦٧) منه.
(٢) الإجماع لابن المنذر (١١٦)، وحكاه ابن قدامة في المغني (٩/ ٥٢٨) مسألة دية الحرة المسلمة.
(٣) الاستذكار (٨/ ٦٧)، وبداية المجتهد (٢/ ٤٢٥)، وانظر: معالم السنن (٤/ ١٤).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٧٣٨)، وضعفه الألباني الإرواء (٧/ ٣٠٦).
(٥) إسناده ضعيف: أخرجه النسائي (٨/ ٤٤ - ٤٥) رقم: (٤٨٠٥)، والدارقطني (٣٨) (٣/ ٩١)، وانظر: حديث رقم (٣٧١٩) في ضعيف الجامع.
[ ٣ / ١١٩٦ ]
المسيب في المرأة: «أنها تعاقل الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت إلى النصف من دية الرجل» (^١).
وروى البيهقي من طريق الشافعي ثم من رواية ابن شهاب ومكحول وعطاء قالوا: «أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر على عهد النبي ﷺ مائة من الإبل فقوم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق» (^٢). فديتها خمسون من الإبل مخمسة أو مربعة على حسب القتل في الخطإ والعمد فإن كانت مغلظة تكون مثلثة ستة عشر وثلثا بعير من كل جنس، ومن الذهب خمسمائة دينار، ومن الورق ستة آلاف درهم.
(وكذلك دية الكتابيين) وهم اليهود والنصارى نصف دية رجال المسلمين لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «عقل الكافر نصف دية المسلم» (^٣) وفي رواية للأخير: «أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين» وهم اليهود والنصارى، واستدل مالك في «الموطأ» بما بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى أن دية اليهودي أو النصراني إذا قتل أحدهما على النصف دية الحر المسلم (^٤)، (ونساؤهم على النصف من ذلك)؛ أي: من نصف دية رجالهم للأدلة السابقة فإنها عامة في كل امرأة وادعى بعضهم الإجماع على ذلك.
(والمجوسي) وهو ما ليس بكتابي (ديته ثمانمائة درهم) إن كان من
_________________
(١) مالك في الموطأ كما في شرح الزرقاني (٤/ ٢٢٢).
(٢) البيهقي (١٦٥٨٧)، قال الألباني: ورجاله ثقات غير مسلم، وهو ابن خالد الزنجي وفيه ضعف (٧/ ٣٠٦) الإرواء.
(٣) أخرجه الترمذي (١٤١٣)، والنسائي (٨/ ٤٥)، وفي «الكبرى» (٦٩٨٢).
(٤) شرح الزرقاني (٤/ ٢٣٦).
[ ٣ / ١١٩٧ ]
أهل الورق، وعلى هذه النسبة تكون ديته من الذهب والإبل فتكون على أهل الذهب ستة وستين دينارا وثلثي دينار وعلى أهل الإبل ستة أبعرة وثلثي بعير لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دية المجوسي ثمانمائة درهم» رواه الشافعي والبيهقي وقال: الأشبه أن يكون موقوفا تفرد به أبو صالح كاتب الليث (^١)، وقال الطحاوي: لا يعلم روي عن النبي ﷺ في دية المجوسي غير هذا الحديث الذي لا يثبته أهل الحديث لأجل ابن لهيعة ولا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه (^٢)؛ وروى البيهقي من طريق ابن وهب ثم من حديث سعيد بن المسيب «أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم» (^٣)، وروى ابن وهب عن ابن شهاب «أن عليا وابن مسعود كانا يقولان في دية المجوسي ثمانمائة درهم» (^٤)، (ونساؤهم)؛ أي: نساء المجوس للأدلة السابقة فإنها عامة في كل امرأة وادعى بعضهم الإجماع على ذلك. (على النصف من ذلك)؛ أي: على النصف من دية رجالهم لما قدمناه، ولما رواه ابن وهب عن عمر بن قيس عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم (^٥)، والمجوسية بأربعمائة درهم (ودية جراحهم كذلك)؛ أي: دية جراح نساء المجوس على
_________________
(١) خرجه الشافعي (٢/ ١٠٦ - ١٠٧)، في كتاب الديات، حديث (٣٥٦)، من طريق فضيل بن عياض، ومن طريقه البيهقي (٨/ ١٠٠)، كتاب الديات: باب دية أهل الذمة، وفي «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٢٣٣)، كتاب الديات: باب دية أهل الذمة، حديث (٤٩٢٩).
(٢) انظر: الجوهر النقي لابن التركماني (٨/ ١٠١).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٧٨٠)، وانظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (٤/ ٩٨) كتاب الديات. وقال الباجي في المنتقى (٤/ ٢٣٢): وقد استدل القاضي أبو محمد في ذلك بأنه إجماع الصحابة حكم به عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد وكان يكتب بذلك إلى عماله قال: ودليلنا من جهة المعنى أن كل جنس لا تؤكل ذبائحهم فإنه لا يساوي المسلم في الدية كالأنثى والمرتد ودية المرأة منهم نصف دية الرجل وكذلك سائر المال.
(٤) كنز العمال (١٥/ ١٤١).
(٥) البيهقي (١٦٧٧٧)، وانظر: الذخيرة للقرافي (١٢/ ٣٥٦).
[ ٣ / ١١٩٨ ]
النصف من دية رجالهم، وجمع النساء بالميم باعتبار الأشخاص. قياسا على ما سبق في الجميع وقد اختلف الشراح في معنى هذا وهل هو راجع إلى جميع المذكورين من أهل الكتاب والمجوس ونسائهم أو هو راجع إلى النساء المجوس فقط لأنهم أقرب مذكور، والصواب الأول لأنه مأخوذ من قول مالك في «الموطأ» (^١): وجراح اليهودي والنصراني والمجوسي في دياتهم على حساب جراح المسلمين في دياتهم، أو من قول سحنون في «المدونة»: قلت لابن القاسم: كم ديات أهل الكتاب في قول مالك ودية نسائهم؟ قال: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين ونساؤهم على النصف من دية المسلمين، وأما المجوسي فإن دية رجالهم ثمانمائة درهم ودية نسائهم أربعمائة درهم، وجراحاتهم في دياتهم على قدر جراحات المسلمين من دياتهم، قال: وهذا كله قول مالك. اه (^٢)، فلو وقف الشراح على هذا ما اختلفوا في فهم كلام المصنف هنا.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وفي اليدين الدية، وكذلك في الرجلين أو العينين، وفي كل واحدة منهما نصفها، وفي الأنف يقطع مارنه الدية، وفي السمع الدية، وفي العقل الدية وفي الصلب ينكسر الدية، وفي الأنثيين الدية، وفي الحشفة الدية، وفي اللسان الدية، وفيما منع منه الكلام الدية، وفي ثديي المرأة الدية، وفي عين الأعور الدية).
الشرح
قوله: (وفي اليدين)؛ أي: قطع مجموعهما (الدية) كاملة (وكذلك في) مجموع قطع (الرجلين) الدية كاملة لحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه: أن في الكتاب الذي كتبه
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٣٧).
(٢) المدونة (٦/ ٣٩٥).
[ ٣ / ١١٩٩ ]
رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول «إن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع منها هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس» (^١)، وما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى النبي ﷺ في اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرجل نصف العقل» (^٢)، (أو)؛ أي: وكذا في مجموع قلع (العينين) الدية كاملة لحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن فذكر الحديث … وفيه: «وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي العينين الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار» (^٣)، (وفي كل واحدة منهما)؛ أي: مما ذكر من
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أبو داود (٤٥٦٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٦٧٠٥).
(٣) أبو داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة وابن جارود وابن حبان والبيهقي وجماعة، قال الغماري: وفي صحته اختلاف كبير، نصب الراية (٢/ ٣٤٢) وقال: قال بعض الحفاظ من المتأخرين: ونسخة كتاب عمرو بن حزم، تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي دائرة على سليمان بن أرقم وسليمان بن أبي داود الخولاني، عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وكلاهما ضعيف بل المربح في روايتهما سليمان بن أرقم وهو متروك، لكن قال الشافعي ﵁ في «الرسالة»: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال أحمد ﵁: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحا، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
اليدين والرجلين والعينين (نصفها)؛ أي: نصف الدية. للأحاديث السابقة، قال ابن عمر: هذا في الخطأ وأما في العمد، فإنه يقتص من الجاني.
(وفي الأنف يقطع مارنه) وهو ما لان من الأنف (الدية) كاملة، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» (^١)، أخبرنا ابن جريج عن ابن طاوس قال في الكتاب الذي عندهم عن النبي ﷺ في الأنف: «إذا قطع المارن مئة» (^٢).
وروى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في الأنف إذا جدع بالدية كاملة وإذا جدعت ثندوته فنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق» (^٣)، وروى من طريق سعيد بن منصور عن علي ﵁ قال: «وفي الأنف الدية» (^٤)، وإذا قطع بعض المارن بحسابه.
(وفي) إبطال (السمع) من الأذنين (الدية) كاملة وفي إبطاله من أحدهما نصف الدية، ولو لم يكن يسمع إلا بها. لما رواه البيهقي عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وفي السمع مائة من الإبل» وإسناده ضعيف (^٥)، وروى ابن أبي شيبة بسند ضعيف أيضا عن أبي المهلب عم أبي قلابة قال: «رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى عمر فيها بأربع ديات وهو حي»، ورواه أيضا عبد الرزاق والبيهقي في «سننه» (^٦).
_________________
(١) = منه كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم. وقال الألباني: ضعيف وأكثر فقراته لها شواهد فيه وانظر: الإرواء (٢٢١٢)، حديث رقم (٢٣٣٣) في ضعيف الجامع.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٧٤٦٤).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٣٨٦)، وأخرجه البيهقي (٨/ ٨٨)، كتاب الديات: باب دية الأنف.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠١٨).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٦٦٨)، وانظر: كنز العمال (٤٠٣٧٢).
(٦) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٦٤٧).
(٧) مصنف عبد الرزاق (١٨١٨٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٦٧٦٠).
[ ٣ / ١٢٠١ ]
أما مالك فقال في «الموطأ»: «إنه بلغه أن في كل زوج من الإنسان - (كاليدين والرجلين والبيضتين والشفتين والعينين) - الدية كاملة، وإن في اللسان الدية كاملة، وإن في الأذنين إذا ذهب سمعهما الدية كاملة اصطلمتا أو لم تصطلما، وفي ذكر الرجل الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة. اه» (^١)، ولم يبين عمن بلغه ذلك ولعله يقصد عن علماء المدينة، فقد روى ابن وهب عن سعيد بن المسيب أنه قال: «وفي السمع إذا ذهب الدية تامة» (^٢)، وروي أيضا عن ربيعة وأبي الزناد ومكحول ويحيى بن سعيد مثله، وورد ذلك أيضا عن الشعبي والنخعي وغيرهما كما ذكره البيهقي (^٣).
(وفي العقل) إذا أزاله بالضرب (الدية) للأثر السابق في السمع عن عمر ﵁، ولحديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «وفي العقل الدية مائة من الإبل» (^٤)، وروى البيهقي عن زيد بن ثابت قال في الرجل يضرب حتى يذهب عقله: الدية كاملة (^٥)، وروى ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري أنه سمع زيد بن أسلم يقول: مضت السنة في أشياء من الإنسان في نفسه الدية وفي العقل إذا ذهب الدية (^٦).
وروى البيهقي عن الحسن أنه سئل عن رجل أفزع رجلا فذهب عقله قال: لو أدركه عمر ﵁ لضمنه الدية (^٧).
وإذا أزاله بقطع يديه ديتان دية له ودية لهما.
(وفي الصلب ينكسر الدية) كاملة لما في حديث عمرو بن حزم السابق قريبا، ولما رواه ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٢٨).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠٠٥).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠٠٦).
(٤) رواه البيهقي بسند ضعيف (٨/ ٨٦) (١٦٠٠٧).
(٥) المرجع السابق (٨/ ٨٦) (١٦٠٠٩).
(٦) المرجع السابق والصفحة رقم (١٦٠١٠).
(٧) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠١١).
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
أخبره: «أن السنة مضت في العقل بأن في الصلب الدية» (^١).
(وفي الأنثيين الدية وفي الحشفة الدية) لما سبق في حديث عمرو بن حزم: «وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية» (^٢)، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره: «أن السنة مضت في العقل بأن في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية» (^٣). وروي أيضا عن عياض بن عبد الله الفخري أنه سمع زيد بن أسلم يقول: «مضت السنة بأن في الذكر الدية» تقدم. (وفي الأنثيين الدية) لما روى سعيد بن منصور في سننه أنبأنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ أنه قال: «وفي الذكر الدية وفي إحدى البيضتين النصف» (^٤)، وسيأتي حديث عبد الله بن عمر ﵁ وفي الحشفة قريبا فيما يمنع اللسان من الكلام، وفي قطعهما مع الذكر ديتان.
(وفي) قطع الحشفة وحدها (الدية) كاملة لما تقدم.
(وفي) قطع (اللسان الدية) كاملة (وفيما منع منه)؛ أي: من اللسان (الكلام الدية) كاملة؛ يعني أن من قطع من شخص بعض لسانه الناطق ومنع ذلك نطقه ففيه الدية كاملة لأنها للنطق لا للسان، لما سبق في حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب: «وفي اللسان الدية»، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في اللسان: «الدية كاملة» (^٥).
وفي لسان الأخرس حكومة، ومعنى الحكومة: أن يقوم المجني عليه
عبدا سالما بعشرة مثلا ثم يقوم بالجناية بتسعة، فالتفاوت بالعشر فيجب عشر الدية.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠٢٩).
(٢) تقدم تخريج كتاب ابن حزم بما يغني عن تكراره.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠٢٩).
(٤) المرجع السابق (١٦٠٩٧).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠٢٨)، وابن أبي شيبة (٢٦٩٢٤).
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
(وفي) قطع (ثديي المرأة الدية) كاملة سواء كان القطع من أصلهما أو من حلمتيهما لما ذكره مالك في «الموطأ» أنه بلغه أن في ثديي المرأة الدية كاملة (^١)، ولعله يقصد ما رواه ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: في ثدي المرأة نصف الدية وفيهما الدية قال: وأخبرني يونس عن ربيعة أنه قال: «في ثدي المرأة سداد لصدرها وثمال لولدها، وهو بمنزلة المال في الغنى، وبمنزلة الأثاث في الجمال، وبمنزلة الجرح الشديد في المصيبة، فأرى فيه نصف دية المرأة» (^٢).
(وفي عين الأعور الدية) في الخطأ وسيأتي إذا كان عمدا، لما رواه عبد الرزاق عن قتادة، عن أبي مجلز، عن عبد الله بن صفوان: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في عين أعور فقئت عينه الصحيحة بالدية كاملة» (^٣)، وعن الحسن عن علي ﵁ أنه كان يقول في الأعور إذا فقئت عينه قال: «إن شاء أخذ الدية كاملة، وإن شاء أخذ نصف الدية وفقأ بالأخرى إحدى عيني الفاقي» (^٤)، ولأنه يبصر بالعين الواحدة ما يبصر بالعينين فوجبت الدية كاملة (^٥)، وهذا بخلاف اليدين والرجلين لأنه لا يعمل بيد واحدة ما يعمل بيدين ولا يسعى برجل واحدة سعيه برجلين.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس، وفي كل أصبع عشر، وفي الأنملة ثلات وثلت، وفي كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل وفي المنقلة عشر ونصف عشر، والموضحة ما أوضح العظم، والمنقلة ما طار فراشها من العظم ولم تصل إلى الدماغ وما وصل
_________________
(١) مالك في الموطأ (٤/ ٢٢٨).
(٢) السنن البيهقي (١٦٧٥٠). ثمال لولدها: أي مطعمه وعماده أو ظله وقيل: مطعمه في الشدة.
(٣) المرجع السابق (١٧٤٣١).
(٤) عبد الرزاق في مصنفه (١٧٤٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٧٢٧).
(٥) انظر: المنتقى (٧/ ٨٥)، والكافي (٢/ ١١١٢).
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
إليه فهي المأمومة ففيها ثلث الدية، وكذلك الجائفة.
وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد وكذلك في جراح الجسد).
الشرح
بدأ المصنف ﵀ يتكلم على أسماء الشجاج ولم يذكرها مفصلة وإنما اقتصر على بعضها، وأسماء الشجاج ثلاثة عشر اسما:
١ - الدامية: (هي التي يظهر الدم معها، فإن سال فهي الدامعة).
٢ - الدامعة: بعين مهملة لأن الدم ينبع منها كالدمع.
٣ - الخارصة: (ويقال لها أيضا: الخرصة وهي التي خرصت الجلد؛ أي شقته، وقيل: هي الدامية).
٤ - الباضعة: وهي تبضع اللحم.
٥ - المتلاحمة: وهي التي تقطع اللحم في عدة مواضع وقيل: هي كل ما يلتحم بالدم من الجراح والشجاج.
٦ - السمحاق: وهي التي يقال لها: الملطاء، وقيل: الملطى، وقيل: الملطات بالتاء، وهي التي يبقى بينها وبين انكشاف العظم ستر رقيق.
٧ - الموضحة: وهي التي توضح عن العظم.
٨ - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم.
٩ - المنقلة: وهي التي يطير فراش العظم منها مع الدماء.
١٠ - الدامغة: وهي التي تكسر العظم ولا يعيش صاحبها.
١١ - المأمومة: أو الآمة: وهي التي تخرق إلى أم الدماغ ويقال لها أيضا: الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف. ومعناها: ما وصل إلى الدماغ ولو بإبرة وفيها ثلث الدية بعد البرء وإنما قيل لها: آمة ومأمومة وأميم فيما ذكر أهل اللغة لبلوغها أم الرأس وهو مجتمع الدماغ وصاحبها يصعق بصوت كصوت الرعد ورغاء الابل ولا يمكنه البروز إلى الشمس (^١).
_________________
(١) المسالك لابن العربي (٧/ ٣٧ - ٣٨)، والقبس (٣/ ٩٩٤ - ٩٩٥)، والاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٩٨).
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
(وفي الموضحة) بكسر الضاد المعجمة (خمس من الإبل) في الخطأ وفي عمدها القصاص. لحديث عمرو بن حزم السابق وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «في المواضح خمس خمس» (^١).
(وفي) قلع (السن) ومثل القلع تصييرها مضطربة جدا، وسواء كانت من مقدم الفم أو مؤخره خمس من الإبل لحديث ابن عباس: «وفي السن خمس من الإبل» (^٢)، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في الأسنان خمس من الإبل في كل سن» (^٣).
(وفي) قطع (كل أصبع) من أصابع اليدين أو الرجلين في الخطأ (عشر) من الإبل، لحديث عمرو بن حزم السابق وحديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «الأصابع سواء عشر عشر من الإبل» (^٤)، وحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «في دية الأصابع اليدين والرجلين سواء، عشر من الإبل لكل أصبع» (^٥)، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «هذه وهذه سواء»؛ يعني: الخنصر والإبهام (^٦)، قال أبو عمر: «على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع كلها سواء دية كل واحد منها عشر عشر من الإبل لا يفضل منها شيء على
_________________
(١) حسن، رواه أبو داود (٤٥٦٦)، والنسائي (٨/ ٥٧)، والترمذي (١٣٩٠)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم، وصححه الألباني كما في الإرواء (٢٢٨٥).
(٢) أبو داود (٤٥٥٩)، وابن ماجه مختصرا (٢٦٥١)، والنسائي (٤٨٤١)، والحديث صحيح.
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢) رقم (٦٧١١)، وأبو داود (٤/ ١٨٩) رقم (٤٥٦٣)، والترمذي (٤/ ١٣) رقم (١٣٩٠)، والنسائي (٤/ ٢٤٣) رقم (٧٠٤٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٦) رقم (٢٦٥٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٤/ ١٨٧) رقم (٤٥٥٦)، والنسائي (٨/ ٥٦) رقم (٤٨٤٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٦) رقم (٢٦٥٤)، والبيهقي (٨/ ٩٢) رقم (١٦٠٥٧).
(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ١٣) رقم (١٣٩١) وقال: حسن صحيح غريب.
(٦) البخاري (٩/ ١٠) (٦٨٩٥)، وأبو داود (٤٥٥٨).
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
شيء وأن الأسنان كلها سواء الثنايا والأضراس والأنياب في كل واحد منها خمس خمس من الإبل لا يفضل شيء منها على شيء على ما في كتاب عمرو بن حزم» (^١)، وأما في العمد ففيه القصاص.
(وفي) قطع (الأنملة) بفتح الهمزة والميم (ثلاث وثلث) لأن في كل أصبع ثلاث أنامل هذا في حال الخطأ. وأما في العمد فالواجب القصاص.
(وفي) قطع (كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل) سواء كانت من إبهام الرجل أو اليد لما رواه البيهقي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «في الأصابع في كل مفصل ثلث دية الأصبع إلا الإبهام، فإن فيها نصف ديتها، إذا قطعت من المفصل لأن فيها مفصلين» (^٢) وروى ابن وهب عن مكحول أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى الأجناد: «في كل قصبة قطعت من قصب الأصابع ثلث عقل الأصابع» (^٣).
(وفي المنقلة) بكسر القاف المشددة (عشر ونصف عشر) وذلك خمسة عشر من الإبل والعمد والخطأ فيها سواء إذ لا قصاص فيها لأنها من التالف.
لحديث عمرو بن حزم السابق. وفيه: «وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل» (^٤)، وعن مكحول قال: «قضى رسول الله ﷺ في الجراحات في الموضحة فصاعدا قضى في الموضحة بخمس من الإبل، وفي السن خمسا، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الجائفة الثلث، وفي الأمة (^٥) الثلث …» (^٦) الحديث، وروي أيضا من طريق الدارقطني ثم من حديث زيد بن ثابت أنه قال: «في الموضحة خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة،
_________________
(١) التمهيد (١٧/ ٣٧٩).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٧٢٣).
(٣) المرجع السابق (١٦٧٢٢).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) والأمة على وزن الفاعلة هي التي تصل إلى أم الرأس، أي: أصله وهو الذي فيه الدماغ.
(٦) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
وفي المأمومة ثلث الدية) (^١) وروى سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: «في المنقلة خمس عشرة» (^٢).
(والموضحة) بكسر الضاد (ما أوضح)؛ أي: أظهر (العظم) وأزال الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم، وهي لا تكون إلا في الرأس والجبهة والخدين، ولا يشترط في تسميتها موضحة أن توضح ما له قدر وبال بل لو أوضحت مقدار إبرة كفى في تسميتها موضحة.
(والمنقلة ما طار فراشها) بفتح الفاء وكسرها (من العظم ولم تصل إلى الدماغ) ومن هنا بيانية؛ أي: الفراش الذي هو العظم ولم تصل تلك الجراحة إلى الدماغ (وما وصل إليه)؛ أي: إلى الدماغ ولو بقدر إبرة، ويبقى على الدماغ جلدة رقيقة متى انكشفت عنه مات فهي المأمومة ولا تكون إلا في الرأس والجبهة ثم بين حكمها بقوله: (ففيها ثلث الدية) فعلى أهل الإبل ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلث بعير، وعلى أهل الذهب ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، وعلى أهل الورق أربعة آلاف درهم.
(وكذلك الجائفة) وهي ما أفضت إلى الجوف ولا تكون إلا في الظهر فواجبها ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم السابق وفيه: «وفي الجائفة ثلث الدية» ولما تقدم في المنقلة ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ، في المأمومة ثلث العقل، ثلاثا وثلاثين من الإبل وثلثا، أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء، والجائفة مثل ذلك» رواه (^٣) البيهقي وغيره.
(وليس فيما دون)؛ أي: أقل من (الموضحة إلا الاجتهاد)؛ أي: الحكومة، لأن النبي ﷺ انتهى إليها كما قال مالك في «الموطأ»: «الأمر
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٣٠٧)، والبيهقي (١٦٦٢٤)، والدارقطني (٣٥٧).
(٢) البيهقي (١٥٩٨٤).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٩٨٦).
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
المجتمع عليه عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحة فما فوقها وذلك أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم فجعل فيها خمسا من الإبل» (^١).
قال أبو عمر: «روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقلة وأنه أقاد أيضا من المأمومة؛ والذي عليه جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار أنه لا قود في مأمومة ولا في جائفة ولا منقلة لأنه مخوف منها تلف النفس» (^٢).
وقال الشافعي الإمام: قرأنا على مالك إنا لم نعلم أحدا من الأئمة في القديم ولا الحديث قضى فيما دون الموضحة بشيء اه (^٣)، ولما رواه البيهقي عن طاوس مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ: «لا طلاق قبل ملك، ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات» (^٤)، وما رواه عبد الرزاق عن الحسن وعمر بن عبد العزيز «أن النبي ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشيء» (^٥)، وما رواه ابن وهب أخبرني عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزناد وإسحاق بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ لم يعقل ما دون الموضحة وجعل ما دون الموضحة عفوا بين المسلمين» (^٦)، وقال عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم النخعي قال: «فيما دون الموضحة حكومة» (^٧)؛ وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان به وروى محمد بن الحسن في «الآثار» عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن شريح أنه قال: «فيما دون الموضحة حكومة عدل» (^٨)، وصفتها أنه يقوم
_________________
(١) الموطا (٤/ ٢٣٠).
(٢) الاستذكار (٨/ ٩٨).
(٣) الأم للشافعي (٧/ ٢٦٨).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٥٢٨) هذا منقطع.
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٧٣١٦).
(٦) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٦٢٩).
(٧) مصنف عبد الرزاق (١٧٣١٩).
(٨) ابن أبي شيبة (٢٧٥٠٠).
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
عبد سالم من ذلك الجرح على صفته التي هو عليها يوم الجناية بعشرة مثلا، ثم يقوم ثانيا معيبا بتسعة، فالتفاوت بين القيمتين بالعشر فيجب على الجاني بتلك النسبة من الدية وهو عشرها.
(وكذلك) ليس فيما دون الجائفة في الخطأ (في جراح الجسد) إلا الاجتهاد؛ أي: الحكومة التي سلف بيانها.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يعقل جرح إلا بعد البرء وما برئ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه
وفي الجراح القصاص في العمد.
إلا في المتالف مثل المأمومة والجائفة والمنقلة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية).
الشرح
(ولا يعقل جرح)؛ أي: لا تؤخذ ديته (إلا بعد البرء) لأنه لا يعلم هل الواجب الدية كاملة أم لا؟ ولا يقتص منه إلا بعد البرء، قال مالك: «لا يعقل الجرح، وحتى يبرأ المجروح ويصح، فيقضى بحسبه» (^١)، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن آخر بقرن في رجله، فقال: يا رسول الله، أقدني، فقال: «حتى تبرأ جراحك» فأبى الرجل إلا أن يستقيد فأقاده النبي ﷺ فصح المستقاد منه، وعرج المستقيد، فقال: عرجت وبرأ صاحبي، فقال النبي ﷺ: «ألم آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك» قال: ثم أمر رسول الله ﷺ بعد من كان به جرح ألا يستقيد حتى تبرأ جراحته فإذا برأ استقاد» (^٢).
_________________
(١) الموطأ (٢٤٧٠)، وانظر: المسالك (٧/ ٣٩)، والقبس (٣/ ٩٩٦) كلاهما لابن العربي.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٧) (٧٠٣٤) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف.
[ ٣ / ١٢١٠ ]
قال أبو عمر: «وكذلك السنة في الجراح كلها عند مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي لا يقتص عندهم من جرح عمد، ولا ود جرح خطأ حتى يبرأ، ويعلم ما يؤول إليه، وأجاز الشافعي القصاص قبل البرء إذا سأل ذلك المجروح فإن زاد ذلك وآل إلى ذهاب عضو أو نفس كان فيه الأرش والدية …» (^١).
(وما برئ) منها (على غير شين)؛ أي عيب (مما دون الموضحة) وكذا ما دون الجائفة مما لا عقل فيه يسمى (ف) إنه (لا شيء) على الجاني من عقل وأدب وأجرة طبيب مفهوم كلامه أن ما برئ على شين فيه شيء وهو ما تقدم من قوله: وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد.
(وفي الجراح القصاص في العمد) لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، وهي وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل فقد قرر ذلك النبي ﷺ كما في حديث أنس أن الربيع كسرت ثنية جارية فأمر النبي ﷺ بالقصاص وقال: «كتاب الله القصاص» (^٢) ولوقائع أخرى متكررة حكم فيها بالقصاص وقد تقدم بعضها إلا في المتالف مثل المأمومة، والجائفة، والمنقلة، والفخذ، والأنثيين، والصلب ونحوه كعظم الصدر (ففي كل ذلك الدية)؛ يعني: أن ما كان من الجراحات التي يغلب فيها الموت سريعا كرض الأنثيين، وكسر عظم الصدر، وعظم الصلب، ففي عمد ذلك الدية؛ أي: عقله المقدر فيه، لما رواه سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح: «أن رجلا كسر فخذ رجل فخاصمه إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين أقدني قال: ليس لك القود، إنما لك العقل» (^٣).
ولما رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء من
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٣٧١).
(٢) البخاري (٣/ ٢٧٠) و(٤٤٩٩) و(٦٨٩٤)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٣٠٢)، كتاب القسامة: باب إثبات القصاص في الأسنان حديث (٢٤/ ١٦٧٥)، وأبو داود (٤٥٩٥) وغيرهم.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٥٢٣).
[ ٣ / ١٢١١ ]
أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: «القود بين الناس من كل كسر أو جرح إلا أنه لا قود في مأمومة، ولا جائفة، ولا متلف كائنا ما كان، وكانوا يقولون: الفخذ من المتالف». قال البيهقي: وقد روي في هذا عن النبي ﷺ بأسانيد لا يثبت مثلها، ثم روي من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقلة» (^١)، وروي أيضا عن نمران بن جارية عن أبيه أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي ﷺ، فأمر له بالدية فقال: يا رسول الله، إني أريد القصاص فقال: خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص (^٢)، وروى سعيد بن منصور عن عطاء: «أن عمر بن الخطاب ﷺ قال: «لا أقيد من العظام»» (^٣).
أما الدية كاملة إذا كانت الجناية موجبة لكمال الدية ككسر عظم الصدر أو العنق أو الصلب أو ثلث الدية أو عشرها أو نصف العشر على ما تقدم من البيان.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به.
وتحمل من جراح الخطإ ما كان قدر الثلث فأكثر وما كان دون الثلث ففي مال الجاني.
وأما المأمومة والجائفة عمدا فقال مالك: ذلك على العاقلة وقال أيضا: إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه لأنه متلف. ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدا أو خطأ.
وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى عقلها).
_________________
(١) المرجع السابق (١٦٥٢٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٦٣٦)، والبيهقي المرجع السابق (١٦٥٢٧).
(٣) المرجع السابق (١٦٥٢٢).
[ ٣ / ١٢١٢ ]
الشرح
(ولا تحمل العاقلة قتل عمد، ولا اعترافا به)؛ يعني: أن العاقلة لا تحمل دية عمد سقط فيه القصاص بعفو أو غيره من المسقطات، وحينئذ تكون حالة في مال الجاني، وإنما لم تحملها العاقلة لاحتمال التواطؤ بين القاتل وولي المقتول فعن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: «لا تحمل العاقلة ما كان عمدا ولا بصلح، ولا اعتراف ولا ما جنى المملوك إلا أن يحبوا ذلك طولا منهم» (^١)، وروى ابن وهب عن ابن أبي الزناد أيضا عن أبيه قال: حدثني الثقة عن عبد الله بن عباس ﵄ فذكر مثله (^٢)، (وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر الثلث فأكثر، وما كان دون مال الثلث ففي مال الجاني) وحد العاقلة الذين يحملون الدية سبعمائة رجل ينتسبون إلى أب واحد، وسميت بذلك لأنهم يعقلون؛ أي: يحملون عنه، للعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «الأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث فصاعدا فما بلغ الثلث فهو على العاقلة وما كان دون الثلث فهو في مال الجارح خاصة» (^٣)، وبه قال الفقهاء السبعة، وقال الشافعي: تحمل القليل والكثير.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «لا تعقل العاقلة ولا يعمها العقل إلا في ثلث الدية فصاعدا»، ثم قال البيهقي والمحفوظ: «أنه من قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أنهما قالا مثله» (^٤).
(وأما المأمومة، والجائفة عمدا، فقال) إمامنا (مالك) ﵀: (ذلك على العاقلة، وقال أيضا: إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما، فتحمله العاقلة
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ١٠٥) (١٦٧٩٤).
(٢) انظر: التلخيص الحبير (٤/ ٩٣).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٣٨)، باب: ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٨٢٣).
[ ٣ / ١٢١٣ ]
لأنهما لا يقاد من عمدهما) والأول هو المشهور (وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه ففيه الخلاف المذكور لأنه متلف)؛ أي: لا يقاد منه لخوف تلف النفس.
(ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدا أو خطأ) وهو هدر لا شيء فيه لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فأوجب الدية على من قتل غيره فدل على أنها لا تجب بقتل الإنسان نفسه. وهو رأي أهل الفقه بالمدينة كما قال مالك في «الموطأ» (^١)، واستدل البيهقي بما رواه البخاري (^٢) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا مع رسول الله ﷺ، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وشكوا فيه رجل مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره، قال سلمة: فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، … قلت: إن ناسا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله ﷺ: «كذبوا مات جاهدا مجاهدا، فله أجره مرتين» (^٣)، وبما رواه أبو داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه، فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله ﷺ: «أخوكم يا معشر المسلمين» فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله، أشهيد هو؟، قال: «نعم وأنا له شهيد» (^٤) ولعل وجه الاستدلال من الحديث أن النبي ﷺ لم يأمر العاقلة بالدية.
(وتعاقل)؛ أي: تساوي (المرأة) الرجل من أهل ديتها (إلى ثلث دية
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٢٣٨).
(٢) رواه البخاري (٤١٩٦)، ومسلم (٤٧٧٠)، وأبو داود (٢٥٣٨)، والبيهقي عن الشيخين في السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ١١٠).
(٣) أبو داود (٢٥٤٠).
(٤) أبو داود (٢٥٤١).
[ ٣ / ١٢١٤ ]
الرجل) فتأخذ في أطرافها مثل ما يأخذ الرجل إلى أن تبلغ ثلث دية الرجل والغاية خارجة (فإذا بلغتها) صوابه بلغته لأن الثلث مذكر لكنه أنث باعتبار اكتساب التأنيث من المضاف إليه (رجعت)؛ أي: ردت (إلى عقلها)؛ أي: ديتها، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون بعيرا لمساواتها للرجل فيما يقصر عن ثلث ديته، وإذا قطع لها أربعة أصابع ففيها عشرون بعيرا لأنها لو ساوته لزم أن يجب لها أربعون، وذلك أكثر من ثلث ديته فلذلك رجعت إلى نصف الواجب للرجل وهو عشرون وعلى هذا إجماع أهل المدينة (^١)، وفي ذلك قيل: لما عظمت مصيبتها قلت ديتها.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والنفر يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به.
والسكران إن قتل قتل.
وإن قتل مجنون رجلا فالدية على عاقلته.
وعمد الصبي كالخطإ، وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر، وإلا ففي ماله.
ولا يقتل حر بعبد، ويقتل به العبد.
ولا يقتل مسلم بكافر، ويقتل به الكافر.
ولا قصاص بين حر وعبد في جرح.
ولا بين مسلم وكافر).
الشرح
(والنفر) في اللغة من ثلاثة إلى تسعة، وعند الفقهاء الجماعة (يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به جميعا إذا تمالئوا على قتله؛ أي: اجتمعوا عليه، لأن
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٢٢٢).
[ ٣ / ١٢١٥ ]
عمر ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» (^١)، وقد تقدم، وكذلك قتل علي ﵁ جماعة بواحد (^٢)، ولأنه لو لم يقتص من جميعهم لجعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص وسفك الدماء.
(والسكران) بمحرم شربه كخمر عالما بحرمته قاصدا شربه لأنه أدخل السكر على نفسه فلا يعذر، وأما لو أتى له السكر من طريق الدواء فإنه يعذر (إن قتل)؛ أي: إن قتل معصوما مكافئا له أو أعلى منه، واستدل مالك في «الموطأ» بما ذكر أنه بلغه أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أتى بسكران قد قتل رجلا فكتب إليه معاوية أن اقتله به (^٣)، وذلك لئلا يتساكر الناس فيقتل بعضهم بعضا.
(وإن قتل مجنون) مطبق لا يفيق من جنونه (رجلا) فالدية على عاقلته إذا بلغت الثلث كما سيأتي، لما ثبت عن علي ﵁ قال: «عمد المجنون والصبي خطأ» (^٤).
(وعمد الصبي كالخطأ) في نفي القصاص أما كون الصبي والمجنون لا يقتص منهما فلقوله: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ» (^٥)، (وذلك على عاقلته إن كان) ما جناه
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٤٨)، ما جاء في الغيلة والسحر، وأخرجه البخاري تعليقا في الديات (٢١) عن ابن عمر، قال الحافظ في الفتح: وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير، عن يحيى القطان - من وجه آخر عن نافع ولفظه: أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل .. إلخ، ثم ذكر الحافظ رواية الموطأ التي بعد هذه، وقال: ورواية نافع أوصل وأوضح، الفتح (١٢/ ٢٢٧)، باب: إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٨٢٦٩)، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣٩٨).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٥٠).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ٦١) (١٦٥٠٧).
(٥) أبو داود (٤/ ٥٥٨) (٤٤٠١)، والنسائي (٦/ ١٥٦) كتاب الطلاق، والترمذي (١٤٢٣).
[ ٣ / ١٢١٦ ]
تبلغ ديته (ثلث الدية فأكثر وإلا) تبلغ ثلث الدية (ففي ماله)؛ أي: مال الصبي إن كان له مال، وإلا أتبع به دينا في ذمته.
(وتقتل المرأة بالرجل اتفاقا (و) يقتل الرجل بها) عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، قال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: قال: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية كلها ثم قال: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ كلها قال ابن شهاب: فلما نزلت هذه الآية أقيدت المرأة من الرجل وفيما تعمد من الجراح، وقال أيضا: أخبرني مالك أن سعيد بن المسيب قال: الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها قال الله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ ولقوله: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» (^١) وفي رواية: «المسلمون تتكافأ دماؤهم. يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» (^٢)، ولما في كتاب النبي ﷺ الذي كتبه إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم وفيه: «أن الرجل يقتل بالمرأة» وهو حديث مشهور وقد تقدم عزوه مرارا.
(ويقتص لبعضهم من بعض في الجراح) لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥].
(ولا يقتل حر) مسلم (بعبد) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن أبا بكر، وعمر، كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد» (^٣)، وحديثه أيضا
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣٢٦).
(٢) أبو داود (٤/ ٦٦٧)، كتاب الديات: باب أيقاد المسلم بالكافر، حديث (٤٥٣٠)، والنسائي (٨/ ١٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥/ ٤١٣)، كتاب الديات: باب الحر يقتل عبد غيره، حديث (٥/ ٢٧٥)، والبيهقي في السنن (١٦٣٥٧)، والدارقطني (٣/ ١٣٤)، في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث (١٦١، ١٦٢).
[ ٣ / ١٢١٧ ]
أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي ﷺ ونفاه سنة، ومحا سهمه من ديوان المسلمين، ولم يقده به» (^١)، وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن ابن أبي جعفر عن بكير «أن السنة قضت بأن لا يقتل الحر المسلم بالعبد، وإن قتله عمدا، وعليه العقل (^٢)، أما مالك فقال: ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر إذا قتله عمدا، ولا يقتل الحر بالعبد وإن قتله عمدا، وهو أحسن ما سمعت. اه (^٣). ولم يذكر ممن سمعه ولا عمن بلغه، وأما الحر غير المسلم فيقتل بالعبد المسلم، وحينئذ لو قتل الحر المسلم العبد فالواجب عليه قيمته وفي جرحه ما نقص قيمته.
(ويقتل به)؛ أي: بالحر المسلم (العبد) لأنه إذا قتل العبد بالعبد فقتله بالحر أولى. قال ابن عمر الأنفاسي: يريد إذا شاء الأولياء لأنهم بالخيار بين أن يقتلوه أو يستحيوه، فإن استحيوه كان السيد بالخيار بين إسلام العبد أو يعطى دية المقتول.
(ولا يقتل مسلم) حر أو عبد (ب) قتل (كافر ويقتل به)؛ أي: يقتل بالمسلم الحر أو العبد (الكافر) لحديث أبي جحيفة ﵁ قال: سألنا عليا ﵁ فقلنا: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله ﷿ على عبدا فهما في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر» (^٤)، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «لا يقتل مؤمن بكافر» (^٥)، وحديث عائشة قالت: «وجد في قائمة سيف
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣٧١) (٨/ ٣٦). والدارقطني (١٨٧). وقد تقدم.
(٢) البيهقي (١٦٣٦٤).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٥٢).
(٤) البخاري (١١١) (١/ ٣٨)، والترمذي (١٤١٢)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، والنسائي (٨/ ٢٣)، وفي الكبرى (٦٩٢٠).
(٥) أخرجه أحمد (٩٩٣) (١/ ١٢٢)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٨/ ١٩)، وفي «الكبرى» (٨٦٢٩).
[ ٣ / ١٢١٨ ]
رسول الله ﷺ: «المؤمنون تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده …» (^١). (ولا قصاص بين حر وعبد في جرح) لأنه إنما يجب بوجود التكافؤ في الدماء. لما قاله مالك في «الموطأ»: وليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح (^٢)، ولما رواه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن سليمان بن عمرو عن ابن المسيب «أن عمر بن الخطاب الله قضى أنه ليس بين الحر والعبد قصاص في الجراح، وأن العبد مال فعقل العبد قيمة رقبته، وجراحه من قيمة رقبته، وإذا جرح الحر العبد انتظر به حتى يبرأ فيقوم به وهو صحيح، ويقوم وهو مجروح فيرد الجارح على صاحبه ما نقص من قيمة رقبته» (^٣)، وروي أيضا نحو هذا عن علي وابن مسعود وغيرهما بأسانيد يطول نقلها.
وحاصل المسألة أن الجاني إن ساوى المجني عليه في الحرية والإسلام اقتص له منه في الجرح والنفس، وإن كان أعلى منه فيهما لم يقتص له لا في جرح، ولا في نفس، وإن كان أدنى منه فيهما اقتص له منه في النفس دون الجرح، وإن كان في أحدهما الحرية فقط والآخر الإسلام فقط فأجروه على التفصيل.
(و) كذلك (لا) قصاص (بين مسلم وكافر) في جرح، فإن جنى المسلم على الكافر وعليه دية ذلك العضو إن كان مما له عقل مسمى فإن لم يكن فيه عقل ففيه الحكومة، وإن جنى الكافر على المسلم فالدية عليه فيما كان فيه عقل مسمى والحكومة فيما ليس فيه عقل مسمى.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة.
وما كان منها من غير فعلهم أو وهي واقفة لغير شيء فعل بها
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٥٢).
(٣) المدونة (٦/ ٣٦٤).
[ ٣ / ١٢١٩ ]
فذلك هدر وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد فهو هدر.
وتنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين وثلثها في سنة ونصفها في سنتين.
والدية موروثة على الفرائض.
وفي جنين الحرة غرة عبد أو وليدة تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم.
وتورث على كتاب الله.
ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية.
وقاتل الخطإ يرث من المال دون الدية.
وفي جنين الأمة من سيدها ما في جنين الحرة وإن كان من غيره ففيه عشر قيمتها.
ومن قتل عبدا فعليه قيمته).
الشرح
(والسائق) الذي يسوق الدابة من خلفها، و(القائد) الذي يقودها، (والراكب) الذي على ظهرها (ضامنون لما وطئته الدابة) برجلها لأنهم قادرون على ضبطها، ولأن عمر ﵁ قضى في الذي أجرى فرسه بالعقل، فالقائد والسائق أحرى أن يغرموا من الذي أجرى فرسه ذكره مالك في «الموطأ» (^١)، وهكذا هذه السيارات والآلات الحديثة، (وما كان منها)؛ أي: الدابة من الإتلاف (من غير فعلهم)؛ أي: بأن أتلفته بذنبها أو كدمته بفمها (أو وهي واقفة لغير شيء)؛ أي: من غير شيء فعل بها من ضرب أو نخس، (فذلك) الفعل منها (هدر)؛ أي: لا دية فيه وكذلك لو فلتت عجلة من السيارة دون تسبب من السائق يلحق بها بعد إجراء التحقيق من الجهات المختصة، والله أعلم، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٤٦).
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
«جرح العجماء جبار، والبثر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (^١)، والجبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة الهدر الذي لا دية فيه.
(وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد، فهو هدر)؛ يعني: أنه إذا انهار البئر أو المعدن على من يعمل فيه فهلك لم يؤخذ به مستأجره لأنه لا صنع فيه لمكلف، فلا يتعلق به ضمان. لحديث أبي هريرة ﷺ السابق.
(وتنجم)؛ أي: تقسط (الدية) الكاملة المأخوذة في الخطأ عن قتل المسلم أو غيره (على العاقلة في ثلاث سنين) والقاتل كواحد منهم (وثلثها في سنة) كدية المأمومة والجائفة (ونصفها في سنتين) كما لو قطع يد أو رجل شخص، وقد جرى على القول بأنها تنجم على أربع سنين، وإلا لقال في سنة ونصف. لما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الشعبي، وعن الحكم عن إبراهيم قالا: «أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب له وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين ثلثا الدية في سنتين، والنصف في سنتين، والثلث في سنة، وما دون ذلك في عامه» (^٢). ورواه ابن وهب في مصنفه أن عامر الشعبي قال: «جعل عمر بن الخطاب الله الدية في ثلاث سنين وثلثي الدية في سنتين ونصف الدية في سنتين وثلث الدية في سنة» قال: وقال لي مالك مثل ذلك سواء، وقال لي مالك: في النصف يكون في سنتين لأن زيادة على الثلث (^٣)، وقال أيضا: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن علي بن أبي طالب له «قضى بالعقل في قتل الخطأ في ثلاث سنين» (^٤)، وقال الشافعي: وجدنا عاما في أهل العلم أن رسول الله ﷺ قضى في جناية الحر
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧٠ و٥٤١)، وأحمد (٢/ ٢٣٩) (٧٢٥٣)، والبخاري (١٤٩٩)، ومسلم (٤٤٨٥).
(٢) المصنف لابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٥) (٢٧٤٣٨)، تحقيق: الحوت، ومصنف عبد الرزاق (٩/ ٤٢٠)، باب: في كم تؤخذ الدية (١٧٨٥٧)
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٨٢٩)، ومسند الفاروق لابن كثير (٢/ ٤٥٠)، وضعفه الألباني لانقطاعه كما في الإرواء (٧/ ٣٣٧).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٨٣٠).
[ ٣ / ١٢٢١ ]
المسلم على الحر المسلم خطأ بمائة من الإبل على عاقلة الجاني، وعاما فيهم أنها في مضي الثلاث سنين في كل سنة ثلثيها وبأسنان معلومة. اه، لكنه تعقب على هذا بأنه لا يعلم عن النبي ﷺ في ذلك شيء، نعم قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث الدية (^١).
(والدية) سواء كانت من عمد أو خطأ (على) حكم (الفرائض) المقدرة في مال الميت، فيأخذ كل واحد من الورثة نصيبه المقدر له في كتاب الله تعالى. لحديث حجاج بن الصواف قال: قرأت في كتاب معاوية ابن عم أبي قلابة أنه من كتاب أبي قلابة فوجدت فيه: هذا ما استذكر محمد بن ثابت المغيرة بن شعبة ﵁: «من قضاء قضاه رسول الله ﷺ أن الدية بين الورثة ميراث على كتاب الله ﷿» (^٢).
وحديث ابن شهاب «أن عمر بن الخطاب ﵁ نشد الناس بمنى من كان عنده علم من الدية أن يخبرني، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلى رسول الله ﷺ أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقضى بذلك عمر بن الخطاب» (^٣)، قال ابن شهاب: «وكان قتل أشيم خطأ».
(وفي جنين الحرة غرة عبد أو وليدة) على الجاني إجماعا (^٤) ولحديث أبي هريرة ﵁: أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها «فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة»، (تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم) وذلك نصف عشر دية أبيه أو عشر دية أمه. لما ذكره مالك عن (^٥)
_________________
(١) وانظر: الجامع الصحيح للترمذي (٦٦٣/ ٣) (١٣٨٦)، باب: ما جاء في الدية كم هي من الإبل. وذكر ذلك ابن كثير في مسنده (٢/ ٤٥٠).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٣٤/ ٨) (١٦٩٣٣).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٤٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٢)، وأبو داود (٢٩٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، والترمذي (١٤١٥).
(٤) الإجماع لابن المنذر (٧٠٦) ص (١٢٠).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٣٣)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (٤٤٠٩).
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
ربيعة أنه كان يقول: «الغرة تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم، ودية المرأة الحرة خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم» (^١).
قال مالك: «فدية جنين الحرة عشر ديتها، والعشر خمسون دينارا أو ستمائة درهم» (^٢)، ولما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» حدثنا إسماعيل بن عياض عن زيد بن أسلم «أن عمر بن الخطاب ﵁ قوم الغرة خمسين دينارا» (^٣).
والمشهور أنه لا يعطى في الغرة إلا الذهب دون الإبل، قاله الأقفهسي.
(وتورث) الغرة (على) حكم الفرائض المذكورة في (كتاب الله تعالى) في ميراث الميت لما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: أنه سئل في رجل ضرب امرأته فأسقطت، ما دية السقط؟ قال: بلغنا في السنة أن القاتل لا يرث من الدية شيئا فديته على فرائض الله تعالى ليس للذي قتله من ذلك شيء. اه (^٤). ولأن الغرة دية فهي كحكم الدية وقد تقدم أنها موروثة على الفرائض ولأن النبي ﷺ أفرد ما يجب في الجنين عما يجب في أمه فجعل في الأم دية، وجعل في الجنين غرة فصح أن حكم الغرة كحكم دية النفس لا كحكم دية الأعضاء (^٥).
(ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية ولا يحجب أحدا إذ من لا يرث لا يحجب وارثا). لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «القاتل لا يرث»، وقال الترمذي: هذا حديث لا يصح، ولا يعرف إلا من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وقد تركه بعض أهل العلم منهم أحمد بن حنبل؛ والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث، كان القتل عمدا
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٢٢٦).
(٢) المرجع السابق والصفحة.
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٦/ ٣٤٠) (٢٧٨٥٢)، والبيهقي (١٦٨٦٥).
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٨٣٦١).
(٥) مسالك الدلالة للغماري (٣٣٩).
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
أو خطأ، وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك اه (^١) وحديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس للقاتل ميراث» (^٢).
(وقاتل الخطأ يرث من المال دون الدية) وحيث يرث يحجب وحيث لا يرث لا يحجب، وصورة ذلك إذا كانوا ثلاثة إخوة وأما، وقتل أحدهم الآخر فإن الأم ترث من الدية الثلث، لأن ما هنالك إلا أخ واحد مع القاتل لأن القاتل لا يرث من الدية، وترث من المال السدس لأن القاتل يرث المال فيحجبها الأخوان عن الثلث إلى السدس. قال مالك في «الموطأ»: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن قاتل العمد لا يرث من دية من قتل شيئا، ولا من ماله وأن الذي يقتل خطأ لا يرث من الدية شيئا، وقد اختلف في أن يرث من ماله لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه وليأخذ من ماله فأحب إلي أن يرث من ماله ولا يرث من ديته اه (^٣). قال ابن المنذر وأجمعوا على أن القاتل عمدا لا يرث من مال من قتله، ولا من ديته شيئا. وأجمعوا على أن القاتل خطأ لا يرث من دية من قتله (^٤).
(وفي جنين الأمة من سيدها) الحر إذا ألقته ميتا مثل (ما في جنين الحرة) من زوجها الحر غرة عبد أو أمة، وإطلاقه على أم الولد أمة خلاف الاصطلاح. (وإن كان) الجنين (من غيره)؛ أي: غير السيد (ففيه عشر قيمتها)؛ أي: قيمة الأمة إذا ألقته ميتا ذكرا كان أو أنثى. لأن الغرة المحكوم بها في جنين الحرة الهذلية قومت بخمسين دينارا كما سبق، وهو عشر دية أمه، فوجب أن يكون في جنين الأمة عشر قيمة أمه أيضا لأن دية الأمة قيمتها.
_________________
(١) الترمذي (٢١٠٩)، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٣٥)، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٤٥ و٢٧٣٥).
(٢) مالك (٢/ ٨٦٧)، كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه حديث (١٠)، وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٨٤) (٢٦٤٦).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٢٤٣ - ٤/ ٢٤٤) / باب: ما جاء في ميراث العقل والتغلي فيه.
(٤) الإجماع لابن المنذر (ص ٧٠) رقم (٣٢٠ - ٣٢١)، ط: الأوقاف القطرية، وحكى
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
(ومن قتل) من المسلمين عبدا (فعليه قيمته) في ماله قتله خطأ أو عمدا لما رواه البيهقي عن عمر ﵁ في العبد يصاب قال: «قيمته بالغة ما بلغت» (^١)، وما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب «العلل» عن الأحنف بن قيس عن عمر وعلي ﵄ في الحر يقتل العبد قالا: ثمنه ما بلغ قال البيهقي: وهذا سند صحيح (^٢)، إلا أن يكون قتله غيلة، فإنه يقتل لحق الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل بعضهم.
وكفارة القتل في الخطإ واجبة عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له).
الشرح
(وتقتل الجماعة بالواحد) مسلما حرا كان أو عبدا أو ذميا (في الحرابة والغيلة) تقدم تفسير الغيلة بأنها قتل إنسان لأخذ ماله، والحرابة كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر الاستغاثة معه عادة، سواء صدر ذلك الفعل من رجل أو امرأة (وإن ولي القتل بعضهم)؛ أي: هذا إذا وليهم كلهم، بل وإن وليه بعضهم، ولو لم يكن منهم تمالؤ قبل ذلك بخلاف غير الحرابة والغيلة، فإنه لا يقتل الجمع بواحد إلا إذا تمالؤوا على قتله ابتداء، أو باشر جميعهم القتل. لما سبق أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة
_________________
(١) = ابن حزم الاتفاق على الأول في مراتبه (٩٨) فقال: واتفقوا أنه لا يرث قاتل عمدا بالغ ظالم عالم بأنه ظالم من الدية خاصة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وروينا عن الزهري: أن القاتل عمدا يرث من المال لا من الدية.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ٣٧).
(٣) نفس المرجع والصفحة السابقة (١٦٣٧٨)، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن المسيب والزهري (٤٠١٧٦).
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
برجل قتلوه قتل غيلة وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» رواه مالك وغيره (^١)، ورواه البيهقي مطولا عن المغيرة بن حكيم الصنعاني عن أبيه: «أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا، فقالت لخليلها: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى فامتنعت عنه فطاوعها واجتمع على قتله الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم قطعوه أعضاء وجعلوه في عيبة من أدم فطرحوه في ركية في ناحية القرية وليس فيها ماء، ثم صاحت المرأة فاجتمع الناس فخرجوا يطلبون الغلام قال: فمر رجل بالركية التي فيها الغلام فخرج منها الذباب الأخضر فقلنا: والله إن في هذه لجيفة ومعنا خليلها فأخذته رعدة، فذهبنا به فحبسناه، وأرسلنا رجلا فأخرج الغلام فأخذنا الرجل فاعترف، فأخبرنا الخبر فاعترفت المرأة والرجل الآخر وخادمها فكتب يعلي (^٢) وهو يومئذ أمير بشأنهم فكتب إليه عمر ﵁ بقتلهم جميعا وقال: والله لو أن أهل صنعاء شركوا في قتله لقتلتهم أجمعين» (^٣).
(وكفارة القتل في الخطأ واجبة) قال التتائي: ولا يشترط كون القاتل مكلفا فلذا تؤخذ من مال الصبي والمجنون لأنها من خطاب الوضع (^٤).
وقوله: (عتق رقبة) تفسير؛ أي: هي عتق رقبة (مؤمنة) سليمة من العيوب.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي المكي، صحابي جليل، أسلم يوم الفتح. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ١٠١).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ٤١) (١٦٣٩٨).
(٤) وتعريفه: «هو ما تعلق بفعل المكلف بواسطة وضع أمارة من سبب، أو شرط، أو مانع على حكم من تلك الأحكام الخمسة، وإنما سمي خطاب الوضع وكأن الله ﷿ يقول مثلا: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أنني حكمت بكذا نحو: إذا زالت الشمس فقد حكمت بوجوب صلاة الظهر، فكون الخطاب بوجوب الصلاة عند الزوال خطاب وضع؛ لأن الزوال شرط في الوجوب والشروط من خطاب الوضع، وخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف؛ لأنه لم يوجد خطاب تكليف إلا مقترنا بخطاب وضع، إذ لا يخلو التكليف من الشروط والموانع والأسباب …».
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
كاملة الرق، (فإن لم يجد)؛ بمعنى: فإن لم يستطع عتق رقبة بأن كان معسرا (فصيام شهرين متتابعين)؛ أي: فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين فإن لم يتابع الصوم بأن أفطر عمدا ابتدأه أو نسيانا أو لمرض لا يبتدئه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما﴾ [النساء: ٩٢] (ويؤمر بذلك)؛ أي: بالتكفير لكن على جهة الاستحباب (إن عفا عنه) الولي (في العمد فهو خير له) لعظم ما ارتكبه من الإثم.
أحكام الزنديق والساحر والمرتد
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويقتل الزنديق، ولا تقبل توبته، وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام، وكذلك الساحر ولا تقبل توبته.
ويقتل من ارتد إلا أن يتوب، ويؤخر للتوبة ثلاثا، وكذلك المرأة. ومن لم يرتد وأقر بالصلاة، وقال: لا أصلي أخر حتى يمضي وقت صلاة واحدة، فإن لم يصلها قتل.
ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها.
ومن ترك الحج، فالله حسبه.
ومن ترك الصلاة جحدا لها فهو كالمرتد يستتاب ثلاثا، فإن لم يتب قتل.
ومن سب رسول الله ﷺ قتل، ولا تقبل توبته.
ومن سبه من أهل الذمة بغير ما به كفر، أو سب الله بغير ما به كفر قتل إلا أن يسلم.
وميراث المرتد لجماعة المسلمين).
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
• الزندقة:
الشرح
هو لفظ أعجمي معرب، أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام، وعرب (^١).
وقال الخليفة العباسي «المهدي»: «وما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع» (^٢).
إطلاقات الزندقة ومعانيها في الإسلام:
استخدم هذا المصطلح في معان متعددة .. فمنهم من يطلقه على من لا يؤمن بالله واليوم الآخر كما ذكر ذلك ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (^٣)، وقيل: الزنديق: كلمة معربة عن الفارسية استعملها المسلمون أولا في الدلالة على القائلين بالأصلين النور والظلمة على مذهب المانوية وغيرهم ثم اتسع معناها عندهم فشمل الدهريين والملحدين وسائر أصحاب المعتقدات الضالة بل أطلق على المتشككين وكل متحرر عن أحكام الدين فكرا وعملا (^٤).
ونجد أن الفقهاء يطلقون الزنديق على المنافق، يقول الحافظ ابن حجر: «ثم أطلق الاسم (الزنديق) على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام»، حتى قال مالك: «الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من فقهاء الشافعية
_________________
(١) بغية المرتاد (السبعينية)، (ص ٣٣٨)، وانظر: رسالة في تحقيق لفظ الزنديق لابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)، ص ٤٧، والتي نشرت، بتحقيق: د. حسين محفوظ في أحد أعداد مجلة كلية الآداب بجامعة بغداد. انظر: مقالا كاملا حول الزندقة بمجلة البيان، العدد (٦٣) (ص ٢٣) ذو القعدة ١٤١٣ هـ - مايو ١٩٩٣ م، وانظر: العدد (١٩٦ - ٢٠٠٤ م).
(٢) وفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ١٥١)، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر، بيروت.
(٣) إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٢٤٦).
(٤) انظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٩٢٩)، وتاريخ الإلحاد لعبد الرحمن بدوي (ص ١٤ - ٣٢).
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
وغيرهم: أن الزنديق هو الذي يسر الإسلام ويخفي الكفر» (^١)، وبعض علماء السلف يطلقه على الجهمية، كما يفعل ذلك الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٢ هـ) «وقد يرمى صاحب المجون والفحش بالزندقة» (^٢).
قال المصنف في حكم الزنديق:
(ويقتل الزنديق) حدا لا كفرا؛ أي: إن تاب حين اطلعنا عليه وفائدة قتله حدا أن ماله لوارثه، ومثل توبته بعد الاطلاع عليه إنكاره لما شهدت به البينة عليه من الزندقة. وأما لو اعترف بها ولم يتب، فلا يكون قتله حدا بل كفرا، ويكون ماله كمال المرتد لا يورث عنه، بل يكون مقره بيت مال المسلمين. ولا تقبل توبته إن ظهر عليه، وتقبل إن جاء تائبا قبل أن يظهر عليه (وهو الذي يسر الكفر ويظهر الاسلام) وهو المنافق في زمن النبوة، بل إن عقائد الزنادقة قد تضمنت كما هائلا من صنوف الكفر الصريح، والردة الظاهرة، كقولهم بالحلول وتأليه البشر، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وإنكار النبوة أحيانا، وادعاء النبوة أحيانا أخرى! والقول بالتناسخ، وإنكار القيامة والجنة والنار، واستحلال المحرمات وجحد الواجبات (^٣).
والزندقة موجودة وظاهرة في العصر الحديث، وهو أن المستشرقين (^٤) قد اعتنوا عناية كبيرة بهذا الموضوع، فكتبوا دراسات مستقلة عن بعض الزنادقة، ولكنهم - كما هي عادتهم - دافعوا عن هؤلاء الزنادقة وعن آرائهم، ولمعوهم وأثنوا عليهم خيرا (^٥)، وكثير من الحكام الماسونين اليوم على شاكلة الزنادقة
_________________
(١) الفتح (١٢/ ٢٧١).
(٢) في كتابه (الرد على الجهمية)، وفي كتابه (النقض على بشر المريسي).
(٣) انظر توضيحا لذلك على سبيل المثال: كتاب الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي، في باب الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه في شيء.
(٤) والمستشرقون: هم طائفة من علماء الغرب اعتنوا بدراسة العلوم المشرقية الإسلامية فمنهم من آمن وكثير منهم كفار خدموا الاستعمار الغربي وسرقوا كنوز المخطوطات النادرة، ولبسوا على أهل الغرب الإسلام بل شككوا في كثير من القضايا الإسلامية.
(٥) انظر: كتاب (من تاريخ الإلحاد في الإسلام) لعبد الرحمن بدوي ودائرة المعارف الإسلامية للمستشرقين (١٠/ ٤٤٠ - ٤٤٦).
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
حيث حاربوا الإسلام باسمه، وقربوا كل حثالة في المجتمع إليهم، ونصبوا المجازر للعلماء والدعاة ووصفوهم بأبشع الصفات فيا لغربة الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله النصر لدينه آمين.
السحر وحكم الساحر:
تعريف «السحر» وبيان حقيقته:
السحر: في اللغة: يطلق على ما خفي ولطف سببه، لذلك تقول العرب في الشديد الخفاء: أخفى من السحر.
وهو في الاصطلاح الشرعي كما يقول ابن قدامة في المغني: «عقد ورقى يتكلم به ويكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له» (^١).
والسحر له حقيقة وتأثير، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وعاداته، وله تأثير في إيلام الجسم وإتلافه، وهذا هو الذي عليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة (^٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكذلك) يقتل (الساحر ولا تقبل توبته) بعد أن ظهر عليه. أما إن جاء تائبا قبل أن يظهر عليه فتقبل توبته.
واعلم أن السحر لا يتم إلا بالاستعانة بالشياطين والعبودية لها بالقول والفعل وتناول المحرمات والخبائث ونحو ذلك، وهذا كله كفر وشرك لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يأتيه.
والأدلة على كفر الساحر كثيرة منها:
قال تعالى: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢]، ووجه الاستدلال بالآية أنها رتبت الحكم وهو الكفر
_________________
(١) المغني (٨/ ١٥).
(٢) انظر: المجموع للنووي (١٩/ ٢٤٠)، والفروق للقرفي: (٤/ ١٤٩)، وغيرها.
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
على الوصف المناسب وهو السحر، وهذا مبين بأن العلة في الكفر هو السحر.
وقد أجمع العلماء على حرمة تعلم السحر وتعليمه، قال ابن قدامه ﵀: «تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم» (^١)، وقال الذهبي ﵀ في كتابه «الكبائر»: «الكبيرة الثالثة: السحر، لأن الساحر لا بد وأن يكفر قال تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] … إلى أن قال: «فترى خلقا كثيرا من الضلال يدخلون في السحر ويظنونه حراما فقط، ولا يشعرون أنه الكفر، ويدخلون في تعليم السيمياء - نوع من السحر - وهي محض السحر، وفي عقد الرجل عن زوجته وهو سحر، وفي محبة الرجل للمرأة وبغضها له، بكلمات مجهولة أكثرها شرك وضلال» (^٢).
وذهب المالكية إلى قتل الساحر، لكن قالوا: إنما يقتل إذا حكم بكفره، وثبت عليه بالبينة لدى الإمام (^٣)، واستدل من رأى قتل الساحر بأنه مرتد، والمرتد كافر وحكمه القتل، لقوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٤).
وقد روي عن عمر ﵁ أنه كتب كتابا قبل موته بسنة «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة» قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر في يوم» (^٥). كما روي قتل السحرة عن عدد من الصحابة منهم عثمان وابن عمر وأبي موسى وقيس بن سعد ﵃، ومن التابعين سبعة ﵃: عمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى.
الردة وما يتعلق بها من أحكام:
(ويقتل من ارتد)؛ أي: رجع عن الإسلام فالردة كفر بعد إسلام تقرر
_________________
(١) المغني (١٠/ ١٠٤).
(٢) الكبائر (/ ١٤).
(٣) كشف المغطا لابن عاشور (٣٢٨ - ٣٢٩).
(٤) رواه مالك مرسلا (١٤٨٣) وقد وصله كثير من أهل الحديث، والبخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨).
(٥) قال الحافظ (١٠/ ٢٣٦): أخرج البخاري أصل الحديث دون قصة قتل السواحر (برقم ٣١٥٦)، وأحمد في المسند (١٦٥٧)، وأبو داود في الخراج الإمارة (٣١/ ٢).
[ ٣ / ١٢٣١ ]
(إلا أن يتوب)؛ أي: وإذا قلنا بأن من ارتد يقتل عند عدم التوبة فلا يبادر بقتله (و) لكن تعرض عليه التوبة لما رواه مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أنه قال: «قدم على عمر بن الخطاب ﵁ رجل من قبل أبي موسى الأشعري ﵁ فسأله عن الناس؛ فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مغربة (^١) خبر؟، فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟، قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني» (^٢). فإن أبى فإنه (يؤخر للتوبة ثلاثا)؛ أي: ثلاثة أيام وجوبا، فإن تاب فلا إشكال وإلا قتل بغروب شمس الثالث، واستدلوا في تأخيره ثلاثة أيام أن الله تعالى أخر قوم صالح لهذا الأجل (^٣)، قال تعالى: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥]، وبقول عمر الأنف الذكر.
وقوله: (وكذلك المرأة) خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى حيث قال: إن المرأة تحبس حتى تسلم أو تجبر على الإسلام، وتؤخر الحامل حتى تضع.
وقد تم تنفيذ عدد من أحكام القتل على المرتدين كفعل علي ﵁ بمن ألهوه، وكذلك نفذ أبو موسى ومعاذ ﵄ القتل في يهودي في اليمن، والذي كان قد أسلم ثم ارتد. وفي الحديث: فبعثه على اليمن (أي: بعث
_________________
(١) وأصلها من الغرب وهو البعد، أي: خبر غريب يبعد في العادة سماعه.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٣٢)، قال الزرقاني: محمد المدني «ثقة»، الشرح (٤/ ١٨)، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (٨/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، كتاب المرتد: باب من قال يحبس ثلاثة أيام، وفي معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩)، كتاب المرتد: باب استتابة المرتد، حديث (٥٠٣٢)، وضعفه الألباني في الإرواء رقم (٢٤٧٤).
(٣) تبيين المسالك للشيخ الشيباني الشنقيطي (٤/ ٤٧٩).
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري) ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال انزل وألقى له وسادة وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: «هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال: اجلس نعم، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل» (^١).
وروى عبد الرازق (^٢): «أن ابن مسعود ﵁ أخذ أقواما ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر. فكتب إليه أن أعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخل عنهم وإذا لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله».
وروي عن أبي عمر الشيباني أن المستورد العجلي تنصر بعد إسلامه، فبعث به عتبة بن فرقد إلى علي فاستتابه فلم يتب، فقتله (^٣)
والردة نوعان: مغلظة ومخففة: لأن النبي ﷺ قبل توبة جماعة من المرتدين، وأمر بقتل جماعة آخرين، ضموا إلى الردة أمورا أخرى تتضمن الأذى والضرر للإسلام والمسلمين، مثل أمره بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح (^٤)، لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم.
وأمر بقتل ابن أبي سرح (^٥)، لما ضم إلى ردته الطعن والافتراء. وفرق أبو العباس أحمد ابن تيمية بين نوعين: أن الردة المجردة تقبل معها التوبة، والردة التي فيها محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد لا تقبل فيها التوبة قبل القدرة.
والمحاربة كما قال أهل العلم نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان.
_________________
(١) البخاري (٦٥٢٥)، ومسلم (٦/ ٦) (١٧٣٣).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٠/ ١٦٨) (١٨٧٠٧).
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٠/ ١٧٠) (١٨٧١٠).
(٤) التمهيد (٦/ ١٧٥).
(٥) المرجع السابق.
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد، وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان قد يكون أعظم مما تفسده اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض بالفساد باللسان أوكد.
والقلم أحد اللسانين كما قال الحكماء، بل ربما كان القلم أشد من اللسان وأنكى، ولا سيما في عصرنا؛ لإمكان نشر ما يكتب على نطاق واسع.
إلا أن المرتد محكوم عليه بالإعدام من الجماعة المسلمة؛ فهو محروم من ولائها وحبها ومعاونتها. فالله تعالى يقول: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]، وهذا أشد من القتل الحسي عند ذوي العقول والضمائر من الناس.
حكم تارك الصلاة المقر بوجوبها:
(ومن لم يرتد) عن دين الإسلام وأقر بوجوب الصلاة وقال: لا أصلي الآن وأصلي بعد، أو قال: لا أصلي مطلقا (أخر حتى يمضي وقت صلاة واحدة)؛ أي: يكاد يمضي؛ أي: بحيث يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها غير معتبر فيها طمأنينة ولا اعتدال ولا قراءة فاتحة صونا للدماء ما أمكن، فإن قام للفعل فلا إشكال وإلا قتل بالسيف في الحال، وهو معنى قوله: (فإن لم يصلها قتل)؛ أي: في الحال.
وإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى، وقد تنازع فيها أهل العلم سلفا وخلفا، في تكفير تارك الصلاة، المؤمن بوجوبها المتهاون عن أدائها، وقد مر بعض الكلام عنها في الصلاة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: «تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل» (^١)، وذلك لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة،
_________________
(١) حاشية السندي على النسائي (١/ ٢٣١).
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
فمن تركها: فقد كفر» (^١).
وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفا. انتهى (^٢).
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: «فاسق ولا يكفر»، ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي: «يقتل حدا» وقال أبو حنيفة: «يعزر ولا يقتل».
ولكل من الفريقين أدلة استندوا إليها، ونظم ذلك أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في أبياته التي قالها في حكم تارك الصلاة:
خسر الذي ترك الصلاة وخابا … وأبى معادا صالحا ومابا
إن كان يجحدها فحسبك أنه … أمسى بربك كافرا مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسل … غطى على وجه الصواب حجابا
فالشافعي ومالك رأيا له … إن لم يتب حد الحسام عقابا
وأبو حنيفة قال يترك مرة … هملا ويحبس مرة إيجابا
والظاهر المشهور من أقواله … تعزيره زجرا له وعقابا.
إلى أن قال:
والرأي عندي أن يؤدبه الإما … م بكل تأديب يراه صوابا
ويكف عنه القتل طول حياته … حتى يلاقي في المآب حسابا
فالأصل عصمته إلى أن يمتطي … إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٣٥٥، ٣٤٦)، والترمذي (٢٦٢١) في الإيمان، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (١/ ٢٣١)، وفي «الكبرى» (٣٢٦)، وابن ماجه (١٠٧٩) في الصلاة. قال الشوكاني في النيل: الحديث صححه النسائي والعراقي، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم. وقال: صحيح ولا نعرف له علة.
(٢) انظر: «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٩٩٠)، و«المحلى» (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣). ومرقاة مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن عبيد الله الرحماني المباركفوري (٢/ ٢٨٣)
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
الكفر أو قتل المكافي عامدا … أو محصن طلب الزنا فأصابا (^١)
• حكم مانع الزكاة:
(ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها) بفتح الكاف؛ أي: قهرا وإن أدى ذلك إلى قتاله، وإذا مات فيكون دمه هدرا.
وقد حذر الله من منع الزكاة في نصوص كثيرة، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتلهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان عنده مال لم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان. يطلبه حتى يمكنه يقول: أنا كنزك» (^٢).
وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (^٣).
وقال أبو بكر ﵁: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»، فقال عمر: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» (^٤).
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن دقيق العيد (٣/ ٥٥) كتاب القصاص حديث: «لا يحل دم …».
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٥٣٠) (١٠٨٦٧)، والبخاري (٤٦٥٩).
(٣) البخاري (٢٥، ٢٧٨٦)، وأخرجه مسلم في الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، رقم (٢٢).
(٤) البخاري (١٣٣٥، ٦٨٥٥)، ومسلم (١٣٣).
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
ولذلك جاء حكم مانع الزكاة في السنة، فقال ﷺ عن الزكاة: «من أعطاها مؤتجرا - قال ابن العلاء: مؤتجرا بها - فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها - بالقوة - وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ﷿، ليس لآل محمد منها شيء» (^١).
إذا: يجب على إمام المسلمين أو من يقوم مقامه أن يأخذ الزكاة من مانعها بالقوة ولو اضطر الإمام أو من ينوب لقتاله، بزيادة شطر ماله عقوبة على المنع، هذا هو الحكم الشرعي في مانع الزكاة.
حكم تارك حج الفريضة:
(ومن ترك الحج فالله حسبه)؛ أي: لا تتعرض له بقتل ولا بغيره إذ لعله لم تتوفر عنده شروط وجوب الحج في نفس الأمر ولو توفرت في الظاهر.
(ومن ترك الصلاة) المفروضة (جحدا لها)؛ أي: لوجوبها (فهو كالمرتد يستتاب ثلاثا، فإن لم يتب قتل) كفرا لا حدا وحينئذ لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا توارث بينه وبين ورثته ومقر ماله بيت مال المسلمين.
حكم من انتقص جناب النبي ﷺ-:
(ومن سب رسول الله ﷺ) بأن ذكر ما يدل على النقص (قتل حدا)؛ أي: إن تاب أو أنكر ما شهدت به عليه البينة ولا تفيد التوبة في سقوط الحد، ولذا قال المصنف: (ولا تقبل توبته)؛ أي: إنه يقتل، ولا بد ولا تنفعه التوبة لأنه حد وجب فلا تسقطه التوبة. أما إذا لم يتب كان قتله كفرا. وقد أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢) (٢٠٢٦٥) و(٥/ ٤) (٢٠٢٩٧)، وأبو داود (١٥٧٥)، حسن، والنسائي (٥/ ١٥)، وفي «الكبرى» (٢٢٣٦)، والدارمي (١٦٧٧).
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل (^١)، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي» (^٢) وقد دل على هذا الحكم الكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآيته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].
فهذه الآية نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب بطريق الأولى، وقد دلت الآية أيضا على أن من تنقص رسول الله ﷺ فقد كفر، جادا أو هازلا.
وأما السنة؛ فعن علي ﵁: «أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها» (^٣).
وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي ﷺ.
وعن ابن عباس أن رجلا أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول [سيف قصير] فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها. فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فجمع الناس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام». فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (١٢٢).
(٢) نقله القرطبي (٨/ ٨٢) في الجامع لأحكام القرآن، وابن حجر في الفتح (١٢/ ٢٨١).
(٣) أبو داود (٤٣٦٢)، والحديث جيد كما قال في الصارم المسلول (٢/ ١٢٦) وله شاهد.
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ: «ألا اشهدوا أن دمها هدر» (^١).
والظاهر من هذه المرأة أنها كانت كتابية كافرة ولم تكن مسلمة، فإن المسلمة لا يمكن أن تقدم على هذا الأمر الشنيع. ولأنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدة بذلك، وحينئذ لا يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك.
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، فقلت: أقتله؟ فانتهرني، وقال: «ليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ» (^٢).
فعلم من هذا أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له، وهو بعمومه يشمل المسلم والكافر.
المسألة الثانية: إذا تاب من سب النبي ﷺ فهل تقبل توبته أم لا؟.
اتفق العلماء على أنه إذا تاب توبة نصوحا، وندم على ما فعل، أن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله تعالى له.
واختلفوا في قبول توبته في الدنيا، وسقوط القتل عنه، فذهب مالك وأحمد إلى أنها لا تقبل، فيقتل ولو تاب.
واستدلوا على ذلك بالسنة والنظر الصحيح: أما السنة فعن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وسماهم وابن أبي سرح فذكر الحديث قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟
_________________
(١) صححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦٥٥).
(٢) انظر: صحيح النسائي (٣٧٩٥).
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
قال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (^١).
وهذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبا.
وكان عبد الله بن سعد من كتبة الوحي فارتد وزعم أنه يزيد في الوحي ما يشاء، وهذا كذب وافتراء على النبي ﷺ وهو من أنواع السب، ثم أسلم وحسن إسلامه، فرضي الله عنه.
وأما النظر الصحيح:
فقالوا: إن سب النبي ﷺ يتعلق به حقان؛ حق الله، وحق لآدمي، فأما حق الله فظاهر، وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه. وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المعرة على النبي ﷺ بهذا السب، وأناله بذلك غضاضة وعارا والعقوبة إذا تعلق بها حق الله وحق الآدمي لم تسقط بالتوبة، كعقوبة قاطع الطريق، فإنه إذا قتل تحتم قتله وصلبه، ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من تحتم القتل والصلب، ولم يسقط حق الآدمي من القصاص، فكذلك هنا، إذا تاب الساب فقد سقط بتوبته حق الله تعالى، وبقي حق الرسول ﷺ لا يسقط بالتوبة. فإن قيل: ألا يمكن أن نعفو عنه، لأن النبي ﷺ قد عفا في حياته عن كثير ممن سبوه ولم يقتلهم؟
فالجواب: كان النبي ﷺ تارة يختار العفو عمن سبه، وربما أمر بقتله إذا رأى المصلحة في ذلك، والآن قد تعذر عفوه بموته، فبقي قتل الساب حقا محضا لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه، فيجب إقامته (^٢).
وخلاصة القول:
أن سب النبي ﷺ من أعظم المحرمات، وهو كفر وردة عن الإسلام بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك جادا أم هازلا. وأن فاعله يقتل ولو تاب، مسلما كان أم كافرا.
_________________
(١) صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٣٤).
(٢) الصارم المسلول (٢/ ٤٣٨).
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
ثم إن كان قد تاب توبة نصوحا، وندم على ما فعل، فإن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله له (^١).
نسأل الله تعالى أن يعز أهل طاعته، ويذل أهل معصيته.
(ومن سبه) ﷺ (من أهل الذمة بغير ما به كفر، أو سب الله ل بغير ما به كفر (قتل) (^٢)، لأن الشرع أقره وأعطاه العهد ورفع عنه السيف على ما هو أصل في دينه الفاسد كاعتقاد كونه ليس بنبي، أو نبوته خاصة إلى العرب أو وصف الله تعالى بكونه ثالث ثلاثة أما ما ليس هو من أصل دينهم فإن الشرع لم يعطهم أمانا ولا عهدا عليه فمن صدر شيء منه قتل كما لو صدر من المسلم إلا أن يسلم) لورود الشرع بقبول توبة الكافر دون المسلم المرتد فقال تعالى في حق الكفار: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ وقال النبي ﷺ في حق المرتد: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٣)
(وميراث المرتد لجماعة المسلمين) فيوضع في بيت مالهم، لحديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (^٤).
_________________
(١) لقد كتب كثير من العلماء حول حكم ساب الرسول ﷺ في هذه الأيام، وقامت مؤتمرات لنصرته، وهو أمر واجب ينبغي أن تتكاتف عليه جهود الأمة، علماء وحكاما وعامة الناس، وكان ممن كتب في هذا الموضوع قديما الإمام الرباني المالكي القاضي عياض في كتابه الماتع «الشفا بتعريف أحوال المصطفى»، لكن كثيرا ممن يزعم حب المصطفى ﷺ هذه الأيام لم يقم على دعواه بينة فأين الدعوى من الحقيقة. والدعاوى إن لم تقيموا … عليها بينات أصحابها أدعياء
(٢) وكما سيأتي في حد الزنا أن من نواقض العهد بيننا وبين أهل الذمة أن يسبوا الرسول.
(٣) تقدم تخريجه في الردة.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٢٤١ ]
الحرابة وأحكامها
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به، فإن قتل أحدا فلا بد من قتله.
وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه، وكثرة مقامه في فساده، فإما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف، أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب.
فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبا وضع عنه كل حق هو الله من ذلك وأخذ بحقوق الناس من مال أو دم.
وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال.
وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم ويقتل المسلم بقتل الذمي قتل غيلة أو حرابة).
الشرح
الحرابة من الحرب التي هي نقيض السلم: يقال: حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرب بفتح الراء: وهو السلب.
يقال: حرب فلانا ماله؛ أي: سلبه فهو محروب وحريب (^١).
والحرابة في الاصطلاح وتسمى قطع الطريق عند أكثر الفقهاء هي البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث (^٢).
وزاد المالكية محاولة الاعتداء على العرض مغالبة.
وجاء في «المدونة»: من كابر رجلا على ماله بسلاح أو غيره في زقاق
_________________
(١) تاج العروس، ولسان العرب.
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ٩٠)، وروض الطالب (٤/ ١٥٤)، والإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع (٢/ ٢٣٨)، والمغني (٨/ ٢٨٧).
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به)؛ أي: أخذ قبل توبته، لأنه حق الله تعالى (فإن قتل أحدا) ولو عبدا أو كافرا (فلا بد من قتله) ولو عفا عنه ولي المقتول لأنه حق الله تعالى لقوله ﷺ في الحديث الصحيح أيضا: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» (^٢)، (وإن لم يقتل أحدا (فيسع)؛ أي: يبذل الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه)؛ أي: اكتسابه للمعاصي (وكثرة مقامه في فساده) فيفعل به الإمام ما يراه كافيا في ردعه، فإن كان ذا قوة فعل به أشد العقوبات الآتية وهو القطع من خلاف، وإن لم يكن كذلك فعل به أيسر العقوبات وهي النفي، ثم بين ما يبذل فيه الإمام اجتهاده فقال: (فأما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف، أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب) والأصل قوله تعالى: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤].
ولحديث ابن عباس ﵁: «أن ناسا أغاروا على إبل النبي ﷺ، فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمنا، فبعث في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم»، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة (^٣).
وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا
_________________
(١) منح الجليل لعليش (٩/ ٣٣٧)، وجواهر الإكليل (٢/ ٢٩٤)، وانظر: موسوعة الفقه الكويتية مادة (حرب).
(٢) البخاري (٣/ ٩٣)، ومسلم (٤/ ٢١٣)، وأبو داود (٣٩٢٩)، والترمذي (٢١٢٤).
(٣) أخرجه مسلم (٥/ ١٠١) (٤٣٦٨)، وأبو داود (٤٣٦٩)، وأخرجه النسائي، في «الكبرى» (٧٥٢٦)، وابن ماجه (٢٥٧٨ و٣٥٠٣).
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، أو رجل قتل رجلا متعمدا فيقتل، أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ﷿ ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» (^١).
فهؤلاء الأعراب عملوا أعمالا شنيعة، دلت على فساد قلوبهم وخبث طويتهم. فقد ارتدوا عن الإسلام، وجزاء المرتد القتل، وقتلوا الراعي القائم بخدمتهم، وسملوا عينيه بغير حق. وسرقوا الإبل التي هي لعامة المسلمين، فهذا غلول وسرقة وخيانة. وحاربوا الله ورسوله، بقطع الطريق، لإفساد في الأرض، وكفروا نعمة الله تعالى وهي العافية - بعد المرض، والسمن بعد الهزال. فكانوا بهذا مستحقين لعذاب يقابل فعلهم ليردع من لم يدخل الإيمان قلبه من الجفاة.
أما سجن المحارب بالبلد التي ينفى إليها فلئلا يقطع الطريق بها أيضا، وتحصل منه إذاية للناس فكان من اللائق حبسه حتى يموت.
والقتل يكون على الوجه المعتاد بالسيف أو الرمح بوضعه في لبته، والصلب الربط على الجذع ويكون قائما غير منكس، ومعنى القطع من خلاف أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن حارب بعد ذلك قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن حارب بعد ذلك قتل.
(فإن لم يقدر)؛ أي: لم يظهر (عليه حتى جاء) إلى الإمام (تائبا وضع عنه كل حق هو لله) تعالى (من ذلك)؛ أي: من عقوبات الحرابة وهي القتل وما ذكر معه في الآية لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]. وأما حقوق الآدميين وحقوق الله في غير الحرابة كحد الزنى وشرب الخمر فلا يوضع عنه شيء منها، وإلى هذا أشار بقوله: (وأخذ بحقوق الناس) التي جناها في حال حرابته (من مال أو دم) لأن التوبة لا تأثير لها في حقوق الآدميين فيؤخذ منه المال إن وجد واتبع به إن أعدم. (وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال) والمراد به المحارب وليس
_________________
(١) النسائي (٤٠٤٨).
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
المراد به السارق وسواء قدر عليه في حال تلصصه أو جاء تائبا، وأما المجتمعون على السرقة فكل مخاطب بما أخذه خاصة.
وقوله: (وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم) تكرار مع ما تقدم.
(ويقتل المسلم بقتل الذمي) أو العبد إذا قتله قتل غيلة أو حرابة قبل أن يتوب. لأنه حق الله تعالى لا للذمي، وللعمل كما يفهم من قول مالك في «الموطأ»: «الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله مسلم قتل غيلة فيقتل به (^١) وأما إن تاب بعد ما قتل فعليه دية الذمي وقيمة العبد ولا يقتل بهما.
حد الزنا
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت، والإحصان أن يتزوج امرأة نكاحا صحيحا ويطأها وطئا صحيحا.
فإن لم يحصن جلد مائة جلدة وغربه الإمام إلى بلد آخر وحبس فيه عاما.
وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة وكذلك الأمة وإن كانا متزوجين ولا تغريب عليهما ولا على امرأة. ولا يحد الزاني إلا باعتراف أو بحمل يظهر أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه كالمرود في المكحلة ويشهدون في وقت واحد وإن لم يتم أحدهم الصفة حد الثلاثة الذين أتموها).
الشرح
الزني: لفظه مقصور عند أهل الحجاز، ممدود عند أهل نجد.
واصطلاحا: عرفوه بأنه وطء مكلف مسلم فرج آدمي.
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٢٣٦).
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
وحكمه: الحرمة.
وعقوباته ثلاثة: رجم فقط، جلد مع تغريب، جلد فقط، وقد ثبت الرجم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فالآية من المنسوخ لفظا الثابتة حكما كما قال سيدنا عمر ﵁: «فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف» (^١)، وإلى عقوبات الزنى أشار إلى الأولى بقوله: (ومن زنى من حر) مسلم مكلف ذكرا كان أو أنثى (محصن رجم حتى يموت) بحجارة معتدلة وليس بالعظيمة خشية التشويه، ولا بالصغيرة خشية التعذيب، ويتقى في حالة الضرب وجهه وفرجه ويضرب على ظهره أو بطنه. لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: «إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر: وهو أفقه منه، نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي، فقال رسول الله ﷺ: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ، فرجمت» (^٢).
وحديث الشعبي: «أن عليا ﵁ حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس
_________________
(١) البخاري (٦٨٣٠).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٣٧٩)، والبخاري (٣/ ١٣٤) (٢٣١٤ و٢٣١٥)، ومسلم (٤٤٥٤) (٥/ ١٢١).
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
ورجمها يوم الجمعة وقال: «قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ» (^١)، أي: بهديه الذي جاء به من عند الله تعالى، وحديث عبادة بن الصامت له قال: قال رسول الله ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم» (^٢).
وحديث جابر بن عبد الله به «أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به النبي ﷺ، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم» (^٣)، وتقدم حديث: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» (^٤).
(والإحصان) لغة: العفة. والمحصن هو بفتح الصاد المهملة من الإحصان ويأتي بمعنى العفة، والتزويج، والإسلام، والحرية، لأن كلا منها يمنع المكلف من عمل الفاحشة، وقال الراغب: يقال للمتزوجة محصنة؛ أي: أن زوجها أحصنها، ويقال: امرأة محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها، وبالفتح إذا تصور حصنها من غيرها (^٥)، والإحصان شرعا هو (أن يتزوج): الرجل العاقل البالغ (امرأة) مسلمة كانت أو كتابية حرة أو أمة بالغة أو غير بالغة ممن يوطأ مثلها (نكاحا صحيحا) احترازا من النكاح الفاسد فإنه لا يحصن اتفاقا، (ويطؤها وطأ صحيحا)؛ أي: مباحا فلو وطئ في حال الحيض فلا إحصان بهذا الوطء. (فإن لم يحصن) الحر المسلم المكلف (جلد مائة جلدة) لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، وللأحاديث السابقة قريبا (و) بعد أن يجلد (غربه الإمام إلى بلد
_________________
(١) البخاري (٨/ ٢٠٤) (٦٨١٢)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٠٢).
(٢) مسلم ٥/ ١١٥ (٤٤٣٢)، وأبو داود (٤٤١٥)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٠٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٣٨)، والنسائي، في «الكبرى» (٧١٧٣) وفيه كلام حول وقفه ورفعه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) المفردات للراغب (٢٣٩).
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
آخر) على نحو ثلاث مراحل؛ أي: ثلاثة أيام (وحبس فيه عاما) فإن رجع قبل تمام العام أخرج إليه أو إلى محل آخر مثله في البعد، ليتحقق استيفاء مدة التغريب، ولأنه إن لم يسجن لذهب في البلاد كذا في «المدونة»، للأحاديث السابقة، وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام» رواه البخاري من طريق الزهري وزاد في آخره، قال ابن شهاب: وأخبرني عروة: «أن عمر ﵁ غرب ثم لم تزل تلك السنة» (^١)، وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «فيمن زنى ولم يحصن ينفى عاما من المدينة مع إقامة الحد عليه» (^٢).
قال ابن شهاب: «وكان عمر ﵁ ينفي من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر» (^٣)، وحديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» (^٤).
والحكمة في رجم المحصن وجلد غير المحصن، أن الأول قد تمت عليه النعمة بالزواج، فإقدامه على الزنا يعد دليلا على أن الشر متأصل في نفسه، وأن علاجه عن تركه صعب، وأنه ليس له عذر في الإقدام عليه وأما غير المحصن، فلعل داعي الشهوة غلبه على ذلك، فخفف عنه الحد، مراعاة لحاله وعذره.
(وعلى العبد في الزنى خمسون جلدة) وفي بعض النسخ خمسين وهي
_________________
(١) البخاري (٢٥٠٦).
(٢) البخاري (٢١٩٠، و٦٤٤٤).
(٣) البيهقي (١٧٤٢٧) وقال: رواه البخاري عن يحيى بن بكير ولم أقف عليه الآن، هكذا ذكرت في المناهل: ولكن وقفت عليه الآن في البخاري؛ لأنه رواه تعليقا في باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، وانظر: فتح الباري (١٢/ ١٥٩) والحمد لله، وانظر: التمهيد (٩/ ٨٨).
(٤) أخرجه الترمذي (١٤٣٨) وقال: حديث ابن عمر حديث غريب، رواه غير واحد عن عبد الله بن إدريس فرفعوه، وروى بعضهم عن عبد الله بن إدريس هذا الحديث عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر، ورواه النسائي في الكبرى (٧٣٤٢)، وانظر: شرح الزرقاني (٤/ ١٨١).
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
على تقدير مضاف؛ أي: حد خمسين وكذلك الأمة عليها في الزنى خمسون جلدة، وكان الأولى أن يقدم الأمة على العبد لأنها التي ورد فيها النص قال الله تعالى: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا يتبعض فانتقل الحكم إلى الجلد، ولحديث علي ﷺ قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة له سوداء، زنت لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمائها، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال لي: «إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين» (^١). وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي ﵁ قال: «أمرنا عمر بن الخطاب ﷺ فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا» (^٢).
ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد في هذا الحكم والعبد مقيس عليها من باب لا فارق. (وإن كانا متزوجين) لأن من شرط الإحصان الحرية ففارق الحر في ذلك (ولا تغريب عليهما) فالحكم في حقهما الجلد فقط، وإنما لا يغربان لحق سيدهما، والرق أحد ضوابط قاعدة: المشقة تجلب التيسير، (و) كذا (لا) تغريب (على المرأة) لأنها محتاجة إلى الحفظ والصيانة، ففي تغريبها تعريض لهتكها ومواقعة مثل الذي غربت من أجله، ولا بد لها إن غربت من محرم فيكون عقابا لغير مستحقه فسقط تغريبها.
• الطرق التي تثبت بها الزنى:
قال: (ولا يحد الزاني إلا باعتراف منه) فاعترافه بالزنى ولو مرة موجب للحد المشروع بالنسبة له من رجم أو جلد، لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (^٣)، ولأن النبي ﷺ لم يحد إلا بعد الاعتراف كما في قصة ماعز والغامدية وغيرهما (^٤).
_________________
(١) مسند أحمد (١١٤٢) (٢/ ٣٥٥) حققه شعيب الأرناؤوط، وقال صحيح لغيره.
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٨٤).
(٣) وقد تقدم تخريجه مرارا.
(٤) رواه البخاري (٦٤٣٨)، ومسلم (٤٥٢٠) وغيره.
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
(أو بحمل يظهر) ممن هي خالية من الزوج والسيد قال تعالى في شأن مريم: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠]، أو بشهادة أربعة رجال أحرار (بالغين عدول يرونه)؛ أي: ذكر الزاني في فرجها (كالمرود) (بكسر الميم في المكحلة) بضم الميم والحاء وتقع منهم الشهادة (ويشهدون في وقت واحد)، وهو وقت أداء الشهادة، ولا بد من اتحاد الرؤيا؛ أي: أن الأربعة يجتمعون في النظر للذكر في الفرج.
فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد واحد فلا يكفي ذلك لاحتمال تعدد الوطء، والأفعال لا يضم بعضها إلى بعض. لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف - قال سفيان: كذا حفظت - ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده» (^١).
وحديث ابن عباس ﵄ أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كنت راحما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة. فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها» (^٢).
وأما اشتراط كون البينة أربعة فبالإجماع لقوله تعالى: ﴿والتي يأتين الفاحشة من نسآبكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، وقوله تعالى: ﴿لولا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكذبون﴾ [النور: ١٣].
وحديث أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال لرسول الله ﷺ أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال
_________________
(١) رواه مالك (١٥٠٤)، والبخاري (٦٤٤٢)، ومسلم (٤٥١٣).
(٢) ابن ماجه (٢٦٥٦).
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
رسول الله ﷺ: «نعم» (^١).
وأما كونهم رجالا فلأن لفظ الأربعة في الآيات المذكورة يختص بالرجال دون النساء، ولأن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفي بهم بالإجماع، بل لا بد أن يكون بدل الرجل امرأتان فيصيرون خمسة وهو خلاف النص أيضا وأما كونهم أحرارا فلقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] ورجالنا هم الأحرار لا المماليك الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم. وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن عثمان ﵁: «أنه قضى في شهادة المملوك والصبي والمشرك أنها جائزة إذا شهد بها المملوك بعد عتقه، والصغير بعد كبره، والمشرك بعد إسلامه إلا أن يكونوا ردت عليهم قبل ذلك» (^٢).
وأما كونهم بالغين فلعدم تكليف الصبي وأما كونهم عدولا فلأن الفاسق لا يؤمن عليه الكذب، فالعدالة شرط في كل شهادة وخصوصا في مثل هذا الباب الذي يستدعي مزيد الاحتياط للظهور والدماء.
وأما كونهم يرونه كالمرود في المكحلة فلحديث أبي هريرة ﵁ قال:
«جاء الأسلمي نبي الله ﷺ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ، فأقبل في الخامسة، فقال: «أنكتها؟» قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم، قال: «كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟» قال: نعم، قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: «فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم» (^٣)، فإذا اعتبر هذا في إقرار المرء على نفسه فاعتباره في شهادة الغير عليه أولى.
_________________
(١) مالك (١٤١٥)، ومسلم (٣٨٣٥)، وأبو داود (٤٥٣٥).
(٢) المدونة (٦/ ١٥٤).
(٣) رواه البخاري مختصرا عن ابن عباس، وتقدم تخريج حديث ماعز. وانظر: الفتح، باب: هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت.
[ ٣ / ١٢٥١ ]
وأما شهادتهم في وقت واحد فلأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة (^١) كما سيأتي ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا الرابع في مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم.
قصة طريفة وقعت في عهد سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام:
وذلك ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أنه كان أربعة من أشراف بني إسرائيل راودوا امرأة جميلة من بني إسرائيل عن نفسها وكانت بارعة الجمال فمنعتهم، وحاولوا أن يصلوا إليها فامتنعت، فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاؤوا وشهدوا عند داوود أن عندها كلبا علمته الزنا وأنها تزني مع كلبها وكان مثل هذا عند داوود يقتضي حكم الرجم فدعا داوود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بالكلب فرجمها داوود، قالوا: وكان سليمان إذا ذاك صغيرا فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شرطا قال: فلان وفلان جعلهم كالشرطين وأخذ قوما وجعلهم شهودا وجاؤوا يشهدون فقام وجعل رجلا كأنه امرأة وقالوا: نشهد أن هذا زنت مع كلبها ثم قال سليمان للسياف والذين جعلهم كالشرط: خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وائتوني بهم واحدا واحدا، فجاؤوه بالأول وقال له: ما تقول في شهادتك؟ قال: أقول أنها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أحمر. ثم دعا بالثاني وقال: ما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أسود، ثم دعا بالآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب فعلم أنهم كذبة فقال: اقتلوهم لأنهم قتلوها وسمع داوود الخبر فأرسل للشهود حالا وفرقهم وجاؤوه واحدا واحدا فسألهم واختلفوا في لون الكلب فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة
_________________
(١) رواه البخاري معلقا (٨ - باب شهادة القاذف والسارق والزاني)، وابن أبي شيبة (٢٨٨٢٤)، والبيهقي (١٧٤٩٨).
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
زور ليقتلوها حيلة فقتلهم قصاصا. هكذا قال والله أعلم. (^١). والمهم العبرة منها.
(وإن لم يتم أحدهم الصفة) بأن يقول: رأيته بين فخذيها ولا أدري ما وراء ذلك (حد الثلاثة الذين أتموها) حد القذف، ولا حد على الرابع، بل يعاقب باجتهاد الإمام ولو زاد على الحد.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا حد على من لم يحتلم.
ويحد واطئ أمة والده.
ولا يحد واطئ أمة ولده وتقوم عليه وإن لم تحمل.
ويؤدب الشريك في الأمة يطؤها ويضمن قيمتها إن كان له مال فإن لم تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم عليه).
الشرح
(ولا حد على من لم يحتلم) لأنه غير مكلف فاعلا كان أو مفعولا، لحديث علي ﵁ مرفوعا: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (^٢)، وإنما يؤدب؛ أي: يجب على من تولى أمور الناس أن يؤدبه لأجل إصلاح حاله.
(ويحد واطئ أمة والده لعدم الشبهة في ماله (ولا يحد واطئ أمة ولده) لأن له شبهة في ماله (و) لكن (تقوم عليه) يوم وطئ لأنه فوتها عليه.
(وإن لم تحمل) ولا يجوز للابن وطؤها بعد ذلك.
ويجب على الأب بعد أن يغرم قيمتها وأن يستبرئها إن أراد الاستمرار على وطئها ليفرق بين ماء الشبهة والملك، وإنما يباح له وطؤها بعد الاستبراء.
_________________
(١) تاريخ ابن عساكر (٢٢/ ٢٣٣)، دار الفكر، بيروت (١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م)، وانظر: مذكرة الأصول للشيخ الأمين الشنقيطي (٤٢٥)، وعزاها لابن عساكر في تاريخه.
(٢) تقدم تخريجه مرارا.
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
إذا لم يتقدم للابن وطء وإلا حرمت عليهما ولكن يغرم القيمة لابنه لأنه أتلفها عليه.
(ويؤدب الشريك في الأمة يطؤها) ولو أذن له شريكه في وطئها لأن فرجها لا يباح بمجرد إذن شريكه مع بقائه على الشركة، وإنما لزم الأدب دون الحد لحديث عائشة بلفظ: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (^١) وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا» (^٢)، ولوقوع الإجماع في درء الحدود بالشبهات (^٣).
(و) لكن (يضمن قيمتها)؛ أي: نصف قيمتها مثلا (إن كان له مال) إذا حملت وليس لشريكه التماسك بنصيبه، ويبقى على الشركة لثبوت حرمة الاستيلاد لها، وتكون له أم ولد، ولا قيمة عليه في الوطء لأنه كالواطئ لملكه.
(فإن لم تحمل فالشريك) الذي لم يطأ (بالخيار بين أن يتماسك)
_________________
(١) عن عروة عنها ﵂، والحديث أخرجه الترمذي (٤/ ٣٣) (١٤٢٤)، والدارقطني (٣/ ٨٤) حديث (٨)، والحاكم (٤/ ٣٨٤)، كتاب الحدود، والبيهقي (٨/ ٢٣٨)، والخطيب في «تارخ بغداد» (٥/ ٣٣١)، كلهم من طريق يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂؛ وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري ويزيد بن زياد ضعيف في الحديث. ورواه وكيع عن يزيد بن زياد ولم يرفعه وهو أصح … اه، وقال في «العلل الكبير» (ص ٢٢٨) رقم (٤٠٩، ٤١٠): سألت محمدا عن هذا الحديث؟ فقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فرده الذهبي بقوله: قال النسائي: يزيد بن زياد شامي متروك. وقال ابن حجر: وفي سند حديث: «ادرؤوا الحدود» من لا يعرف. الفتح (١٢/ ٣٦٢).
(٢) سنن ابن ماجه: في الزوائد في إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي ضعفه أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم، وقال الشيخ الألباني: ضعيف.
(٣) الإجماع لابن المنذر (١١٢).
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
بنصيبه منها ولا شيء له على الواطئ لا صداق ولا ما نقصها، (أو تقوم عليه)؛ أي: على الواطئ فإن كان موسرا أخذ منه شريكه ثمن نصيبه منها وإن كان معسرا اتبعه بالقيمة على ما يتفقان عليه من حلول أو تأجيل.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وإن قالت امرأة بها حمل استكرهت لم تصدق وحدت إلا أن
تعرف (^١) بينة أنها احتملت حتى غاب عليها أو جاءت مستغيثة عند النازلة
أو جاءت تدمي.
والنصراني إذا غصب المسلمة في الزنا قتل.
وإن رجع المقر بالزنا أقيل وترك.
ويقيم الرجل على عبده وأمته حد الزنا إذا ظهر حمل أو قامت بينة غيره أربعة شهداء أو كان إقرار ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان).
الشرح
متى تصدق المرأة إذا ظهر بها حمل؟:
(وإن قالت امرأة) حرة غير طارئة لم يعلم لها زوج والحال أن (بها حمل) ظاهر (استكرهت عليه (لم تصدق) في دعواها الإكراه لأن الأصل الطوع حتى يثبت الإكراه، ولأن تصديقها ذريعة إلى كثرة الزني، لا سيما مع قلة دين النساء وخاصة في هذا الزمان وسواء كانت ممن يليق بها الإكراه أم لا وحدت إلا أن تظهر أمارة تدل على صدقها وهي أن تعرف بينة عادلة أنها احتملت حتى غاب عليها المكره وخلا بها أو جاءت مستغيثة عند النازلة)؛ أي: عقب الوطء لأن مجيئها صائحة قرينة غصبها (أو جاءت تدمى) إذا كانت بكرا ظاهر المصنف أن مجيئها بتلك الحالة مسقط للحد وليس
_________________
(١) (تعرف): كما في نسخة الحلبي، وفي نسخة الغرب الإسلامي: (تعرف)، بضم التاء وكسر الراء المشددة.
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
كذلك، فلا يكفي في سقوط الحد عنها مجرد مجيئها تدمي، بل لا بد بعد تحقق الفعل من قرينة تدل على صدقها كمجيئها متعلقة بمن ادعت عليه، لقوله ﷺ: ﴿وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه﴾ (^١)، وفي حديث ابن عباس بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي» (^٢)، وفي لفظ: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه» (^٣).
حكم الكتابي إذا اغتصب امرأة مسلمة:
(والنصراني) أو اليهودي (إن غصب المسلمة في الزنى قتل) إذا ثبت الغصب بأربعة شهداء لأنه بهذا الفعل ناقض للعهد وكل ناقض للعهد يحكم بقتله.
شروط العهد بين المسلمين وأهل الكتاب:
من المعلوم أن من شروط العهد بيننا وبين أهل الذمة، والحقوق الواجبة عليهم التي يجب أن يلتزموا بها في الدولة الإسلامية هي ما أورده الماوردي رحمه الله تعالى حيث قال:
١ - ألا يذكروا كتاب الله بطعن ولا تحريف.
_________________
(١) الطبراني في الأوسط (٨٢٧٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥).
(٣) قال الحافظ ابن رجب: قال النووي: حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما، ثم قال ابن رجب: هذا الحديث خرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من طريق الأوزاعي، وخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩)، والدارقطني في «السنن» (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وأخرجه: الطحاوي في شرح المعاني (٣/ ٩٥)، وابن حبان (٧٢١٩)، والطبراني في الصغير (٧٥٢)، والبيهقي (٧/ ١٥٦) و(١٠/ ٦١)، وعندهما: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في الصحيحين، وقد خرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٨)، وقال: صحيح على شرطهما. كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد في العلل، له (١/ ٢٠٥) جدا، وقال: ليس يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٢٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٥٢)، والبيهقي (٦/ ٨٤).
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
٢ - ألا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء.
٣ - ألا يذكروا دين الإسلام بذم أو قدح.
٤ - ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح.
٥ - ألا يفتنوا مسلما عن دينه.
٦ - ألا يعينوا أهل الحرب، ولا يودوا أغنياءهم (^١).
رجوع الزاني عن الاعتراف لا يوجب عليه الحد:
(وإن رجع المقر بالزنى أقيل وترك) لأن النبي ﷺ كان يعرض لماعز لعله يرجع عن الإقرار، ولأنه ورد من طرق متعددة في قصة أن ماعزا لما حرب (^٢) فقال لهم: ردوني إلى رسول الله ﷺ قال لهم النبي ﷺ: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» (^٣) وسواء رجع لشبهة أو لا، رجع في الحد أو قبله، وأما الهرب فإن كان في أثناء الحد فكالرجوع، وأما قبل فالحد لازم، وفرق بأن الهرب في أثناء الحد يدل على الرجوع لإذاقته العذاب بخلافه قبله، وحيث سقط الحد عنه لا يسقط عنه صداق المزني بها حيث كانت مكرهة.
من الذي يقيم حد الزنا على العبد والأمة:
(ويقيم الرجل على عبده وأمته حد الزنى) وحد القذف، وحد الشرب، ولا يقيم عليهما حد السرقة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر» (^٤)، وحديث علي ﵁ قال:
_________________
(١) الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية ص (١٠٣) .. (وأهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي) وهي رسالة مفيدة في بابها من إعداد: نمر محمد الخليل النمر، إشراف: الدكتور محمد أبو فارس، قدمت إلى كلية الشريعة في الجامعة الأردنية استكمالا لمتطلبات الماجستير في قسم الفقه والتشريع، عدد الصفحات: (٤١٥) صفحة، بما فيها الفهارس، الطبعة الأولى: (١٤٠٩ هـ) المكتبة الإسلامية.
(٢) أي: وجد مس الحجارة. وقد تقدم تخريج الحديث.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) البخاري (٢١٥٢ و٦٨٣٩)، ومسلم (٤٤٦٤).
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
قال رسول الله ﷺ: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (^١).
ويشترط في إقامته الحد المذكور أحد أمور وهي:
(إذا ظهر حمل) بالأمة أو أقامت بينة عليها أو على العبد بالزني (غيره)؛ أي: غير السيد وهو (أربعة شهداء أو كان إقرار) منهما على أنفسهما بذلك. ولما كان حكم الأمة المتزوجة بغير عبد السيد يخالف حكم غيرها خشي أن يتوهم دخولهما فيما تقدم استدرك على ذلك فقال: (ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره)؛ أي: لغير السيد (فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان)؛ أي: لحق الآخر من الزوجين إن كان حرا ولحق سيده إن كان رقا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵃ قال في الأمة: إذا كانت ليست بذات زوج فظهر منها فاحشة جلدت نصف ما على المحصنات من العذاب يجلدها سيدها فإن كانت من ذوات الأزواج رفع أمرها إلى الإمام (^٢).
اللواط
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن عمل عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أحصنا أو لم يحصنا).
الشرح
اللواط هو اقتراف فاحشة إتيان الذكران في أدبارهم والعياذ بالله، وقد سمى الله فعلهم بالفاحشة كما قال سبحانه على لسان لوط ﷺ: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ [الأعراف: ٨٠]، و(أل) في الفاحشة للعهد.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٨٩) (٦٧٩) وفي (١/ ٩٥) (٧٣٦) حسن لغيره، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧٢٠١) وفي (٧٢٢٧) وفي (٧٢٢٨)، قال أبو عبد الرحمن النسائي: عبد الأعلى ليس بذلك القوي.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٧/ ٣٩٥) (١٣٦١٠).
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن عمل عمل قوم لوط)؛ أي: من اقترف جريمة قوم لوط فقد جاء بابا من أكبر الجرائم، لأنها من أشد الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا، بل وللحياة نفسها، وقد عاقب الله فاعليها بأقسى عقوبة، فخسف الأرض بقوم لوط، وأمطر عليهم حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة، وجعل ذلك قرآنا يتلى إلى يوم الدين ليكون درسا للعباد، قال الله سبحانه: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]، وقد أمر الرسول ﷺ بقتل فاعله ولعنه، فعن عكرمة، عن ابن عباس لما أن رسول الله ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به» (^١). ولفظ النسائي: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط … ثلاثا» (^٢).
قال الشوكاني: «وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم» (^٣).
_________________
(١) أبو داود (٤٤٦٢ و٤٤٦٤)، والترمذي (١٤٥٥ و١٤٥٦)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٠٠)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي. وصححه الألباني كما في الإرواء (٨/ ٢١).
(٢) النسائي (٧٣٣٧)، وصححه الألباني (٣٤٦٢) (الصحيحة).
(٣) نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ١٦٧)، باب: من وقع على ذات محرم أو عمل عمل قوم =
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
وإنما شدد الإسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة، ولذلك كانت عقوبة الفاعل والمفعول طوعا ما نص عليه المصنف بقوله: (ومن عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أحصنا أو لم يحصنا) لفظ من عمل يشمل الحر والعبد والكافر، وعمل قوم لوط إتيان الذكور في أدبارهم، وسواء كان الذكر مملوكه أم لا. وخرج بالذكر الأنثى فإنه لا يرجم بذلك، لكن إن كانت ممن يحل له وطؤها عوقب عقوبة شديدة وإن كانت ممن لا يحل له وطؤها حد حد الزنى، ويشترط في رجم المفعول به أن يكون بالغا وهو شرط أيضا في رجم الفاعل.
وأما لو كانا غير مكلفين فالأدب فقط.
حد القذف
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وعلى القاذف الحر الحد ثمانون وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزنا.
والكافر يحد في القذف ثمانين.
ولا حد على قاذف عبد أو كافر.
ويحد قاذف الصبية بالزنا إن كان مثلها يوطأ.
ولا يحد قاذف الصبي.
ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا وطء.
ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد.
وفي التعريض الحد.
ومن قال لرجل: يا لوطي حد).
_________________
(١) = لوط أو أتى بهيمة، وانظر: الأضرار المترتبة على هذه الفاحشة الخبيثة في كتاب: «الإسلام والطب» للدكتور محمد وصفي.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
الشرح
القذف بالذال المعجمة، أصل القذف الرمي بالحجارة وغيرها. ومنه قول الله تعالى لأم موسى ﵇: ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم﴾ [طه: ٣٩].
وهو في الاصطلاح: ما يدل على الزنى أو اللواط أو النفي عن الأب أو الجد، وهو محرم بالكتاب، قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]، ومحرم بالسنة فإن النبي ﷺ جلد الذين خاضوا في الإفك.
وله شروط في القاذف، وشروط في المقذوف. وبدأ بما يوجب القذف فقال: (وعلى القاذف الحر) البالغ مسلما كان أو كافرا ولو سكرانا أو أبا (ثمانين) جلدة، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤].
ولحديث عائشة ﵂ قالت: «لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل، أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم» (^١).
ولحديث ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء، فقال النبي ﷺ: «البينة أو حد في ظهرك»، فقال: «يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: «البينة وإلا حد في ظهرك» فذكر حديث اللعان» (^٢).
(وعلى العبد)؛ يعني: جنسه الصادق بالذكر والأنثى مسلما كان أو كافرا (أربعين) جلدة في القذف، لحديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا»؛ أي: بعدهما (فما رأيت أحدا) منهم (جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين) (^٣).
_________________
(١) أبو داود (٤٤٧٤) (٤٤٧٥)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في «الكبرى»، وتحفة الأشراف (١٢/ ١٧٨٩٨).
(٢) البخاري (٢٥٢٦، ٤٤٧٠، ٥٠٠١)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٤٥).
(٣) رواه مالك في الموطأ شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٨٥)، والبيهقي في السنن (١٧٥٩٩)
[ ٣ / ١٢٦١ ]
ولأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا وخمسين في الزنا لما سبق فهو محض تكرار.
قال ابن عمر: صوابه ثمانون وأربعون وخمسون، ووجه الرواية بالنصب على التمييز.
(والكافر) الحر (يحد في القذف ثمانين) جلدة لعموم الآية، والتقييد بالحر لإخراج العبد، فإن عليه نصف ما على الحر.
(ولا حد على قاذف عبد)؛ أي: جنسه الصادق بالذكر والأنثى لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت نبي التوبة ﷺ يقول: «أيما رجل قذف مملوكه وهو بريء مما قال، أقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال». وفي رواية: «من قذف مملوكه بالزنا، يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال» (^١)، ففيه دلالة على أنه لا يحد من قذف عبده لأن تعليق إيقاع الحد عليه يوم القيامة ظاهر في ذلك إذ لو وجب حده في الدنيا لم يجب عليه الحد يوم القيامة لأن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه؛ ولأنه لو كان يجمع عليه بين الأمرين لكان الحر كذلك (أو كافر) لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أشرك بالله، فليس بمحصن» (^٢)، قال البيهقي: وكأن المراد بالإحصان في هذا الحديث إحصان القذف وإلا فابن عمر هو الراوي عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديين زنيا (^٣) وهو لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه اه وحد القذف إنما هو على المحصن لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾
(ويحد قاذف الصبية بالزنى إن كان مثلها يوطأ، ولا يحد قاذف
_________________
(١) البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (٤٣٢٤).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٩٣٤٩)، والبيهقي (١٧٣٩١)، والدارقطني (١٩٨). وصححا وقفه على ابن عمر، وقال ابن الجوزي في التحقيق: والصواب بأنه موقوف (٢/ ٣٢٥)، وانظر: الضعيفة للألباني (٢/ ١٥١) (٧١٧).
(٣) ابن ماجه (٢٥٥٦)، والنسائي في «الكبرى»، والحديث صحيح.
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
الصبي بذلك؛ أي: بالزنى لأنه لا يلحقه العار بذلك إلا أن يكون قذفه بأنه فعل به لأنه يلحقه العار في هذا.
(ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا) في (وطء) لارتفاع القلم عنه كما في حديث: «رفع القلم عن ثلاث …» تكرر مرارا.
(ومن نفى رجلا) حرا مسلما؛ أي: أو امرأة كذلك ولو صغيرين أو مجنونين (من نسبه) من أبيه وإن علا مثل أن يقول له: لست بابن فلان (فعليه الحد) لأن المعرة التي تدخل على الإنسان في كونه ولد زنى أعظم من فعله الزنى، لأن معرة الزنى تزول بالتوبة ومعرة كونه ولد زنى لا تزول أبدا. ولأنه قذف أمه بالزنا فدخل في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وللعمل حكاه مالك فقال: الأمر عندنا أنه إذا نفى رجل رجلا من أبيه فعليه الحد، وإن كانت أم الذي نفى مملوكة فإن عليه الحد اه (^١).
وروى وكيع قال: حدثنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: «لا حد إلا في اثنين أن يقذف محصنة أو ينفي رجلا من أبيه» (^٢).
(وفي التعريض) وهو خلاف التصريح مثل أن يقول لشخص: ما أنا بزان وغرضه أن المخاطب زان وإنما عبر عنه بلفظ موضوع لضده؛ أي: لمنافيه (الحد) للقذف الملوح له بالتعريض. ولما رواه مالك في «الموطأ» عن عمرة بنت عبد الرحمن: «أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين» (^٣).
وقال عبد الرزاق في «مصنفه»: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن عمر
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٨٧).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٧٦٠٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٩٣٥) (٩/ ١٩٠).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٨٧).
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
كان يجلد الحد في التعريض بالفاحشة (^١).
وروى ابن وهب أخبرني سعيد بن أيوب عن عطاء عن عمرو بن دينار عن أبي صالح الغفاري أن عمرو بن العاص جلد رجلا الحد كاملا في أنه قال للآخر: يا ابن ذات الراية، وقال وكيع: ثنا غير واحد عن جابر عن طريف العكلي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من عرض عرضناه بالسوط.
(و) كذا (من قال لرجل: يا لوطي حد) لأنه نسبه إلى فاحشة يلزم فاعلها الحد.
• حكم تكرار الحدود وتداخلها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن قذف جماعة فحد واحد يلزمه لمن قام به منهم ثم لا شيء عليه، ومن كرر شرب الخمر أو الزنا فحد واحد في ذلك كله وكذلك من قذف جماعة.
ومن لزمته حدود وقتل، فالقتل يجزئ عن ذلك إلا في القذف فليحد قبل أن يقتل.
ومن شرب خمرا أو نبيدا مسكرا حد ثمانين سكر أو لم يسكر.
ولا سجن عليه.
ويجرد المحدود ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب ويجلدان قاعدين.
ولا تحد حامل حتى تضع.
ولا مريض مثقل حتى يبرأ.
ولا يقتل واطي البهيمة وليعاقب).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١٣٧٠٣).
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
الشرح
(ومن قذف جماعة) بكلمة واحدة (ف) عليه (حد واحد يلزمه لمن قام به منهم ثم) بعد ذلك لا شيء عليه؛ أي: لا حد عليه لمن قام منهم لأن الحد في القذف، إنما هو لأجل دفع المعرة عن المقذوف وتكذيب القاذف، فإذا حد القاذف فقد ارتفعت المعرة عن المقذوف وحصل الغرض المطلوب للشارع، وحينئذ لا يحتاج إلى تكرار الحد. ولأن النبي ﷺ «حد من قذف عائشة لها حدا واحدا مع أنه قذفها والذي اتهم بها (^١)، وكذلك قال لهلال بن أمية حين رمى امرأته بشريك: البينة أو حد في ظهرك» (^٢) ولم يقل حدان مع أنه رمى المرأة وشريكا، وكذلك حد عمر الله الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة حدا واحدا مع أنهم رموه ورموا المرأة التي زنى بها، ولأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، ولم يفرق بين واحد أو جماعة ولأنها جناية توجب الحد فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر.
إن يتعدد سبب والموجب … لهن واحد كفى لهن موجب
ومن كرر شرب الخمر أو كرر (الزنى ف) يلزمه (حد واحد في ذلك كله) لأن الحدود إذا كان جنسها واحدا تداخلت بمعنى اكتفي بإحداها كالأحداث إذا تكررت كان الواجب في جميعها طهرا واحدا، وانظر إلى ما قاله القرافي في «الفروق» (^٣).
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف والشافعي على أن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ عنه حد واحد اه.
_________________
(١) وقد تقدم في جلده للثلاثة: مسطح وحسان وحمنة ﵃.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق (٢/ ٣١)، ط: عالم الكتب، بيروت.
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
لكن الخلاف موجود حكاه ابن حزم في المحلى وهو مذهب الظاهرية (^١).
(وكذلك من قذف جماعة) عليه حد واحد لا يقال: إن هذا تكرار مع ما تقدم لأنا نقول: ما تقدم كان قذفه لجماعة مرة واحدة، وهذا تكرر منه القذف.
(ومن لزمته حدود وقتل) مثل أن يزني ويشرب الخمر ويسرق ويقتل مسلما (فالقتل يجزئ عن ذلك) كله ولا يحد وقد روي عن ابن مسعود ﷺ قال: «ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله» (^٢).
(إلا في) اجتماع (القذف) مع القتل (فليحد) للقذف (قبل أن يقتل) لنفي المعرة عن المقذوف.
• الخمر وحد شاربها:
للخمر في اللغة ثلاثة معان:
١ - الستر والتغطية، ومنه: اختمرت المرأة إذا غطت رأسها ووجهها بالخمار.
٢ - والمخالطة: ومنه قول كثير عزة:
هنيئا مريئا غير داء مخامر (^٣)
٣ - والإدراك، ومنه قولهم: خمرت العجين (^٤) وهو أن تتركه حتى يبلغ وقت إدراكه.
فمن هذه المعاني الثلاثة أخذ اسم الخمرة، لأنها تغطي العقل وتستره، ولأنها تخالط العقل، ولأنها تترك حتى تدرك وتستوي.
_________________
(١) انظر: المحلى (١١/ ١٣٥).
(٢) رواه سعيد بن منصور، وضعفه الألباني في الإرواء (٢٣٣٦).
(٣) أي: مخالط.
(٤) لا يزال هذا اللفظ مستعملا لهذا المعنى. اه. شارح.
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
وتعريفها - شرعا: أنها اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع من الأشربة لحديث: عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر» (^١)
والخمر محرمة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] فقرنه مع عبادة الأصنام التي هي الشرك الأكبر بالله تعالى.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (^٢) وأجمعت الأمة على تحريمها، وإن اختلفوا فيما يقع عليه اسم الخمر.
حكمة تحريمها التشريعية: لا يحتمل المقام هنا ذكر ما ذكره العلماء وأهل الاختصاص من المفاسد التي تجرها وتسببها ويكفيك قوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] فذكر أنه سبب في كل شر، وعائق عن كل خير. فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» (^٣)؛ وقال عثمان ﵁: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث» (^٤)، فجعلها أما وأساسا لكل شر وخبث، ولو لم يكن فيها إلا ذهاب العقل لكفى سببا للتحريم فكيف يشرب المرء تلك الآثمة التي تزيل عقله، فيكون بحال يضحك منها الصبيان، ويتصرف تصرف المجانين، فداء هذا بعض أمراضه، كيف يرضاه عاقل لنفسه؟!
_________________
(١) مسلم (٦/ ١٠٠) (٥٢٦٧)، والنسائي (٨/ ٢٩٧)، وفي «الكبرى» (٥٠٧٥)، وأخرجه مالك في «الموطأ» رواية أبي مصعب الزهري (١٨٤٤).
(٢) رواه مسلم (٣٧٣٥).
(٣) الحاكم وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح (٧٢٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٩٩).
(٤) أخرجه النسائي (٨/ ٣١٥)
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
• حد شارب الخمر:
(ومن شرب خمرا) وهو ما دخلته الشدة المطربة من ماء العنب بحيث صار شأنه الإسكار أسكر بالفعل أم لا (أو) شرب (نبيذا) وهو ما يجعل في الماء من التمر أو الزبيب وقوله: (مسكرا) صفة لنبيذ لا لخمر لأن الإجماع على أن شارب الخمر يحد سكر أم لم يسكر (حد ثمانين) جلدة بعد صحوه إن ثبت عليه ذلك بإقرار، أو بشهادة شاهدين على الاستعمال أو الشم ممن يعرفها لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر» (^١). وكان بمحضر الصحابة ﵃ فصار إجماعا.
ولحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: «كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين» (^٢).
وأما كون النبيذ المسكر له حكم الخمر فلحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة» (^٣)، وقوله: (وسكر أو لم يسكر) إشارة إلى الرد على المخالف القائل بأنه إنما يحد في النبيذ إذا سكر لحديث معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه» (^٤)، مع قول النبي ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» وقوله
_________________
(١) رواه مسلم (٤٥٤٩)
(٢) البخاري (١٤/ ١٣)، كتاب الحدود: باب الضرب بالجريد والنعال، حديث (٦٧٧٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أبو داود (٤٤٨٣)، والنسائي في «الكبرى» (٥٢٧٩)، وابن ماجه (٢٥٧٢) من رواية عدة من الصحابة منهم معاوية ﵁.
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
أيضا كما في حديث جابر ﵁ به مرفوعا: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (^١)، فدل على أن اسم الخمر واقع على القليل والكثير وأن التحريم شامل للمسكر وغيره.
(ولا سجن عليه)؛ أي: على من شرب الخمر أو النبيذ المسكر وإن كثر
ذلك منه؛ «لأنه لم يرد عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أنهم سجنوا فيه، اللهم إلا ما كان من سعد بن أبي وقاص أنه سجن أبا محجن» (^٢).
(ويجرد المحدود) الذكر من كل شيء إلا ما يستر عورته، إلا أن هذا مخالف لقول ابن مسعود له: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد».
(ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها من الضرب) كالفرو لأن الغرض الانزجار عن مثل ما ارتكبه، وعند التألم بالضرب يظن الانزجار عن المعاصي ويندب أن تجعل في قفة، ويجعل تحتها شيء من تراب ويبل بالماء لأجل الستر، «ولأن النبي أمر بالجهنية، فشدت عليها ثيابها» (^٣).
(ويجلدان قاعدين) على الحال.
(ولا تحد حامل حتى تضع) وتجد من يقوم بحال الطفل لحديث بريدة: أن النبي الله جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: «وما ذاك؟» قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: «أأنت؟» قالت: نعم، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، قال: فكفلها رجل
_________________
(١) أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، من حديث جابر ﵁.
(٢) الإصابة لابن حجر (٤ - ١٧٤)، والخراج (ص ٣٣)، والكامل لابن الأثير (١/ ٤١٨)، من رسالة للمؤلف بعنوان: إتحاف الأمين بأحكام السجن والسجين، ط: وزارة الأوقاف القطرية.
(٣) مسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠)، والترمذي (١٤٣٥).
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ، فقال: «قد وضعت الغامدية»، فقال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: «فرجمها» (^١).
وحديث عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا النبي ﷺ وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟» (^٢). إنها رحمة الله للعالمين، فلئن كان للمخطئ ذنب فلا ذنب للآخرين، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨].
(و) كذا (لا) يحد (مريض مثقل) بفتح القاف المشددة؛ أي: اشتد مرضه (حتى يبرأ) لخوف التلف إذا جلد. لحديث علي ﷺ قال: إن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أجلدها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت» وزاد في الحديث: «اتركها حتى تماثل» (^٣). (تماثل)؛ أي: تقارب البرء والأصل تتماثل].
(ولا يقتل واطئ البهيمة) لضعف الحديث الوارد بقتله من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة» (^٤) وعن ابن عباس أنه قال: «من أتى بهيمة فلا حد عليه» وهذا أصح من الحديث الأول. اه.
_________________
(١) خرجه مسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٢٥ و٧١٤٨).
(٢) مسلم (٢٤) (١٦٩٦).
(٣) مسلم (٥/ ١٢٥) (٤٤٧٠)، والترمذي (١٤٤١)، وقد تقدم بلفظ آخر.
(٤) أبو داود في كتاب الحدود (٤/ ١٥٩) (٤٤٦٤)، وقال عقب الحديث الأول: ليس
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
قال ابن ناجي: لولا قوله: (وليعاقب) لاحتمل أن يفهم منه أنه يحد حد البكر، ولكن قوله وليعاقب قرينة دالة على أن المراد بقوله ولا يقتل أنه لا حد عليه، وإنما كان عليه العقاب بما يراه الإمام لارتكابه أمرا محرما.
• حد السرقة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو وزن ثلاثة دراهم فضة قطع، إذا سرق من حرز.
ولا قطع في الخلسة.
ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد.
ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف، ثم إن سرق فيده ثم إن سرق
فرجله.
ثم إن سرق جلد وسجن.
ومن أقر بسرقة قطع.
وإن رجع أقيل.
وغرم السرقة إن كانت معه وإلا اتبع بها. ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر.
ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع ولا يقطع المختلس.
وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له.
ولا قطع في ثمر معلق، ولا في الجمار في النخل، ولا في الغنم
_________________
(١) = هذا بالقوي ثم أسند الحديث الثاني عنه ثم قال: وهذا يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو، وكذلك ضعفه جماعة من الحفاظ وبيان ضعفه يطول، والترمذي في كتاب الحدود (٤/ ٥٦) ح (١٤٥٥)، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ، وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ١٣).
[ ٣ / ١٢٧١ ]
الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك التمر من الأندر.
ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف.
ومن سرق من الكم قطع ومن سرق من الهري وبيت المال والمغنم فليقطع وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع.
ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع في عدمه ويتبع في عدمه بما لا يقطع فيه من السرقة).
الشرح
السرقة: سرق الشيء يسرقه سرقا وسرقا واسترقه الأخيرة عن ابن الأعرابي وأنشد:
بعتكها زانية أو تسترق … إن الخبيث للخبيث يتفق
اللام هنا بمعنى مع والاسم السرق والسرقة بكسر الراء فيهما وربما قالوا: سرقه مالا وفي المثل سرق السارق فانتحر والسرق مصدر فعل السارق (^١).
واصطلاحا: قال ابن عرفة: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه» (^٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن سرق) بفتح الراء من المكلفين الذكور أو الإناث الأحرار أو الأرقاء مسلمين وغيرهم ربع دينار ذهبا ولا يلتفت إلى كونه يساوي ثلاثة دراهم (أو) سرق (ما قيمته يوم السرقة) لا يوم الحكم (ثلاثة دراهم من العروض) أو سرق (وزن ثلاثة دراهم فضة) خالصة ولا التفات إلى كونها تساوي ربع دينار (قطع)؛ أي: قطعت يده، والأصل في ذلك قوله تعالى:
_________________
(١) لسان العرب، مادة: (سرق)، وانظر: المطلع، والمصباح.
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٦٤٩).
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨]، ولحديث ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» (^١) وفي لفظ بعضهم: «قيمته ثلاثة دراهم» (^٢).
وحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» (^٣).
وكان ربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنا عشر درهما.
والمجن: هو الترس لأنه يواري حامله؛ أي: يستره، والميم زائدة ويجمع على مجان، وإنما كانت زائدة لأنه من الجنة والسترة، ذكره في (النهاية) (^٤).
(إذا سرق من حرز) وهو ما لا يعد الواضع فيه مضيعا عرفا، وإن كان يختلف باختلاف الأشخاص والأموال فرب مكان يكون حرزا بالنسبة إلى شخص وغير حرز بالنسبة لآخر، أو يكون حرزا بالنسبة لمتاع ولا يكون حرزا بالنسبة إلى متاع آخر.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخة خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع …» (^٥)، وورد اعتبار الحرز عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وغيرهم ﵃.
_________________
(١) مالك في الموطأ (١٥١٧)، والبخاري (٦٤١١)، ومسلم (١٦٨٦).
(٢) مالك في الموطأ (١٥٢١)، ومسلم (٤٥٠٠).
(٣) البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (١٦٨٤)، والترمذي (١٤٤٥) وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢٦٨٣).
(٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٠٨).
(٥) أبو داود (١٧٠٨)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٥/ ٤٤)، و(٨/ ٨٤)، وابن ماجه (٢٥٩٦).
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
وقال ابن المنذر: لم يخالف فيه إلا شرذمة قليلة فهو كالإجماع كذا.
(ولا قطع في الخلسة) بضم الخاء وهي أخذ المال ظاهرا غفلة؛ أي: أخذا ظاهرا لا خفية، لحديث جابر عن النبي ﷺ قال: «ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع» (^١).
(ويقطع في ذلك)؛ أي: في سرقة ما ذكر (يد الرجل والعبد والمرأة) للآية والسنة الثابتة في قطع يد المخزومية (^٢) وغيرها (والعبد) لعموم الآية. ولأنه لا يتبعض فلو لم يقطع لسقط الحد بخلاف الرجم فإنه وإن كان لا يتبعض فإن له بدلا وهو الجلد فلا يسقط معه الحد.
ولأن عمل الصحابة ﵃ جرى على قطع العبد، واحتج بعضهم بعموم الآية مع علمهم باختصاص العبد بأحكامه في الحدود، فدل على أنه في السرقة كالحر، قال ابن رشد «وبدرء الحد قال عمر وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة» (^٣) وروى مالك والشافعي عنه عن نافع أن عبدا لعبد الله بن عمر ﵄ سرق وهو آبق فأرسل به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص وهو أمير المدينة ليقطع يده فأبي سعيد أن يقطع يده وقال: لا تقطع يد الأبق السارق إذا سرق.
فقال له عبد الله بن عمر: «في كتاب الله وجدت هذا؟ ثم أمر به عبد الله بن عمر فقطعت يده» (^٤).
واختلف العلماء في حقيقة اليد التي تقطع على أقوال وأصحها، ما ذهب إليه الجمهور، بل نقل فيه الإجماع (^٥) من أنها الكف التي تبتدئ من
_________________
(١) أبو داود (٤٣٩١)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٨/ ٨٨)، وابن ماجه (٢٥٩١).
(٢) البخاري (٣٢٨٨)، ومسلم في الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره رقم (١٦٨٨)
(٣) بداية المجتهد (٤/ ٢٣٤).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ٢٦٨) (١٧٦٩٤)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ١٩١)
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ١٧١ - ١٧٢)، وبداية المجتهد (٢/ ٢٩٥) ط: دار المعرفة.
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
الكوع، فالآية الكريمة ذكرت قطع اليد، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، ومع هذا فقد بينتها السنة، فإن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦] والنبي ﷺ مسح على كفيه فقط (^١)، بل جاء في بعض الآثار وفيها ضعف كما عند البيهقي عن عمر ﵁ «أنه كان يقطع السارق من المفصل»، وقال: قد سلف مرفوعا في الديات وأنه ضعيف (^٢).
ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن أول ما يقطع اليد اليمنى (^٣)، وبه قرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) (^٤)، (ثم إن سرق) ثانيا بعد أن قطعت يده اليمنى (قطعت رجله من خلاف بأن يكون القطع لرجله اليسرى، ثم إن سرق) ثالثا، (ف) تقطع (يده) اليسرى، ثم إن سرق رابعا (ف) تقطع (رجله) اليمنى. وموضع القطع في اليدين من الكوع وفي الرجلين من مفصل الكعبين. لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا رجله فإن عاد فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا رجله» (^٥)، لكن السنة الصحيحة قد أثبتت قطع الرجل اليسرى في السرقة، وقام الإجماع على ذلك (^٦).
وحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر ﵁ أراد أن يقطع رجلا بعد اليد والرجل فقال عمر ﵁: «السنة اليد» (^٧)، وروى مالك في «الموطأ» عنه أيضا أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم على أبي
_________________
(١) كما في حديث عمار ﵁ عند مسلم وغيره وقد تقدم في التيمم.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٠) (١٧٧١٢)، وقال الألباني وفي كتاب «الحدود» لأبي الشيخ من طريق نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقطعون من المفصل. قلت: وله شواهد فمنها عن عبد الله بن عمرو قال: «قطع النبي ﷺ سارقا من المفصل» انظر: الإرواء (٨/ ١١٨).
(٣) بداية المجتهد الموضع السابق.
(٤) تلخيص الحبير (٤/ ٧١).
(٥) رواه الدارقطني، لكنه حديث لا يصلح للاحتجاج به، وانظر: نصب الراية (٣/ ٣٧٢)
(٦) فتح القدير (٤/ ٢٤٨)، والمحلى (١١/ ٣٥٦).
(٧) ابن أبي شيبة (٢٨٨٥١)، والدارقطني (٣٨٨)، والبيهقي (١٧٧٢٥).
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
بكر الصديق ﵁ فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر ﵁: «وأبيك ما ليلك بليل سارق»، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق ﵁ فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت (^١) أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق ﵁ فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر ﵁: «الدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته» (^٢).
(ثم إن سرق) في الخامسة (جلد وسجن) ولعل الحبس لظهور توبته أو موته.
(ومن أقر بسرقة قطع) ويكفي في الإقرار مرة واحدة. لما سبق من أن إقرار المرء على نفسه أقوى شيء في الثبوت وإقامة الحجة وعلى ذلك كان يقيم النبي ﷺ الحدود، ولحديث أبي أمية المخزومي أن رسول الله ﷺ أتى بلص فاعترف اعترافا ولم يوجد معه المتاع فقال له رسول الله ﷺ: «ما إخالك سرقت»، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع، وجيء به، فقال: «استغفر الله وتب إليه» فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: «اللهم تب عليه ثلاثا» (^٣).
وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق فقال رسول الله ﷺ: «ما إخاله سرق» فقال السارق: بلى يا رسول الله فقال: «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به» فذهبوا به فقطعوه ثم حسموه ثم أتوه به، فقال: «تب إلى الله»، فقال: قد تبت إلى الله، قال: «اللهم تب عليه» (^٤).
_________________
(١) أي: جاءهم بالبيات (يعني: الليل).
(٢) الموطأ (١٥٢٦)، وانظر: شرح الزرقاني (٤/ ١٩٤).
(٣) أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٨/ ٦٧)، وفي «الكبرى» (٧٣٢٢)، وابن ماجه (٢٥٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٤٤)، والدارقطني (٧١)، (٣/ ٧١)، والبيهقي =
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
(وإن رجع) عن إقراره بالسرقة لشبهة أو غيرها، مثال الشبهة أن يقول: أخذت مالي المودع فظننت ذلك سرقة، ومثال غير الشبهة أن يقول مثلا: أنا كذبت في إقراري (أقيل) من القطع؛ أي: ترك لما رواه أبو أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتي بلص اعترف، ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله ﷺ: «ما إخالك سرقت؟» قال: بلى، مرتين أو ثلاثا (^١).
وقال عطاء: «كان من مضى، يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمى أبا بكر وعمر ﵄» (^٢).
عن إبراهيم قال: «أتي أبو مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملا فقال: أسرقت؟ قولي لا» (^٣).
وعن عمر ﵁: «أنه أتي برجل سرق فسأله: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا فتركه» (^٤).
(وغرم السرقة)؛ أي: قيمتها (إن كانت) القيمة (معه وإلا أتبع بها) في ذمته إلى ملائه لأنها حق آدمي لا يسقط إلا بعفو صاحبه، أو الوفاء به، ما لم يكن السارق مزمن الإعسار (^٥).
(ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز) سواء كان الإخراج بنفسه، أو رماه إلى خارج، أو أخرجه على ظهر دابته، أو كانوا
_________________
(١) = (١٧٧١٥)، ورواه البزار كما قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٤٢٧) عن شيخه أحمد بن أبان القرشي وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في إرواء الغليل (٨/ ٨٣): ضعيف.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٢٢٤)، كتاب اللقطة باب ستر المسلم، حديث (١٨٩١٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٥٢٠)، كتاب الحدود، باب: في الرجل يؤتى به فيقال: أسرقت؟ قال: لا، كلاهما من طريق ابن جريج.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٧٧٤٠) (٨/ ٢٧٦).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٢٢٤)، كتاب اللقطة باب ستر المؤمن، حديث (١٨٩٢٠)
(٦) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ١٦٢ - ١٦٣) (٦/ ١٦٥ - ١٦٦).
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
جماعة فرفعوه على رأس أحدهم أو ظهره فخرج به، وسواء بقوا هم في الحرز، أو خرجوا معه، ففي كل ذلك القطع. أما إذا لم يخرجها من الحرز أو أتلفها فيه ثم أخرجها فلا قطع (^١).
(وكذلك الكفن لا يقطع سارقه حتى يخرجه من القبر) إذا كان يساوي ربع دينار لأن القبر حرز له.
(ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع) لأنه ليس بسارق، وإنما هو خائن والخائن لا قطع عليه، والأصل ما في حديث جابر به أن النبي ﷺ قال: «ليس على خائن، ولا منتهب - وهو من أخذ المال عيانا قوة وغلبة -، ولا مختلس قطع» (^٢).
قوله: (ولا يقطع المختلس) تكرار وهو ساقط في بعض النسخ.
(وإقرار العبد فيما يلزمه) في بدنه من حد، أو قطع، كإقراره بشرب أو قذف أو زنى؛ أي: من كل أمر يوجب العقوبة عليه في جسده لزمه ما أقر به.
وإن أنكر ذلك سيده كما في التتائي لأنه لا يتهم أن يوقع على نفسه هذا.
(و) أما إقراره في (ما كان في رقبته)؛ أي: فيما يوجب أخذه فيه كما إذا أقر بقطعه يد حر (فلا إقرار له) لأنه يتهم بحب انتقاله لمن أقر له.
(ولا قطع في ثمر) معلق على رؤوس الشجر هذا في المعلق في البستان. لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر، ولا كثر» (^٣) والكثر: الجمار.
ولحديث عمرو بن شعيب الآتي، وأما ما كان من الثمر في الدور أو البيوت فإن سارقه يقطع لأنه من حرز.
_________________
(١) تفسير القرطبي (٦/ ١٦٤).
(٢) أبو داود (٤٣٩١ و٤٣٩٢)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٨/ ٨٨)، وفي «الكبرى» (٧٤١٩)، وابن ماجه (٢٥٩١)، وصححه ابن حبان (١٠/ ٣١٠)، والألباني كما في الإرواء (٨/ ٦٣)،.
(٣) وأخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤٣٢)، وأبو داود (٤٣٨٨)، والنسائي (٨/ ٨٧)، وفي الكبرى (٧٤٠٧)، وقواه الحافظ (١٢/ ٩١).
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
(ولا) قطع (في الجمار) وهو قلب النخل حال كونه (في النخل، ولا) قطع (في الغنم الراعية) في حال رعيها سواء كان معها راع أم لا (حتى تسرق من مراحها) بضم الميم وفتحها موضع مقيلها التي تساق إليه عقب الرواح من المرعى.
(وكذلك التمر) المقطوع لا قطع فيه حتى يسرق (من الأندر) وهو الجرين سواء كان قريبا أو بعيدا من البلد (^١). لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده له قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله ﷺ عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: «فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه (^٢) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن» قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها قال: «من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة (^٣) فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، ومن أخذ من أجرانه (^٤) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن» (^٥).
(ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنى) والخمر لأنه إذا بلغ الإمام تعلق به حق الله فلا يجوز للإمام العفو عنه ولا طلبه منه، ففي حديث عائشة ﵂ لنت في قصة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده أن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد ﵄: «أتشفع في حد من حدود الله …» الحديث (^٦)،
_________________
(١) ويقال في لهجتنا: «النادر» وهو موضع جمع الحبوب قبل الدرس.
(٢) العطن: المراح.
(٣) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون وهو معطف الإزار وطرف الثوب أي: لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئا في خبنة ثوبه أو سراويله إنتهى ما في النهاية. وقال الخطابي: الخبنة ما يأخذه الرجل في ثوبه فيرفعه إلى فوق. ويقال للرجل إذا رفع ذيله في المشي: قد رفع خبنته انتهى. انظر: معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود (٢/ ٩٠).
(٤) الأجران جمع جرين وهو مربد التمر ونحوه.
(٥) أبو داود (١٧٠٨)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٥/ ٤٤) و(٨/ ٨٤)، وفي «الكبرى» (٢٢٨٥ و٥٧٩٨ و٧٤٠٣)، وابن ماجه (٢٥٩٦).
(٦) رواه البخاري (٣٢٨٨)، ومسلم (١٦٨٨).
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه» (^١).
وعن صفوان بن أمية ﵁ أن رجلا سرق برده فرفعه إلى النبي ﷺ: «فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، قد تجاوزت عنه، قال: فلولا كان هذا قبل أن تأتيني به يا أبا وهب، فقطعه رسول الله ﷺ» (^٢).
ولحديث الزبير بن العوام ﵁ أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال: لا حتى أبلغ به السلطان.
فقال الزبير: «إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا بلغ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» (^٣)، وفي رواية الدارقطني وقال: «فإذا بلغ السلطان فلا أعفاه الله إن أعفاه» (^٤).
قال ابن عبد البر ﵀: «لا أعلم خلافا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان وأن عليه إذا بلغته إقامتها» (^٥).
وإن تاب الزاني والسارق يدل على عدم جواز العفو حديث ماعز والغامدية. (واختلف في ذلك)؛ أي: في الشفاعة بعد بلوغ الإمام (في القذف) فقال مالك مرة: يجوز بناء على أن القذف حق للمقذوف، ومرة قال: لا يجوز بناء على أنه حق الله تعالى. وأما قبل بلوغ الإمام فيجوز على المعتمد.
(ومن سرق من الكم) ونحوه كالجيب والعمامة والحزام (قطع) لأن الإنسان حرز لما عليه.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٩٧).
(٢) رواه النسائي (٨/ ٦٨)، وفي الكبرى (٧٣٢٤).
(٣) مالك في الموطأ (١٥٢٥) واللفظ له، وانظر: أحاديث في الباب في فتح الباري (١٢/ ٧٨).
(٤) الدارقطني (٣٦٣) (٤/ ٢٠٤)، وانظر: شرح الزرقاني (٤/ ١٩٤).
(٥) الاستذكار (٧/ ٤٦٦) ونقله الزرقاني في الموضع السابق.
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
(ومن سرق من الهري) وهو بيت يجعله السلطان للمتاع والطعام (و) من (بيت المال) وهو بيت يجعله السلطان للعين الذهب والفضة بمثابة وزارة المالية والخزانة العامة (و) من (المغنم)؛ أي: بعد حوزه (فليقطع) في ذلك كله، وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع (ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة)؛ أي: يؤخذ منه قيمتها (في) حال (ملائه) وأما إذا كان المسروق باقيا لم يفت فإن صاحبه يأخذه بعد القطع لأن القطع ليس عوضا عنه.
(ولا يتبع) السارق بما فات (في) حال (عدمه) المراد أنه لو أعسر جزء من الزمن الذي بين سرقته وقطعه لسقط عنه لئلا يجتمع عليه عقوبتان (ويتبع) السارق (في عدمه بما)؛ أي: بالشيء الذي لا يقطع فيه من (السرقة) بأن كان دون النصاب.
[ ٣ / ١٢٨١ ]