• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء كانت مسلمة أو كتابية. والأمة ومن فيها بقية رق قرآن كان الزوج في جميعهن حرا أو عبدا والأقراء هي الأطهار التي بين الدمين. فإن كانت ممن لم تحض أو ممن قد يئست من المحيض فثلاثة أشهر في الحرة والأمة.
وعدة الحرة المستحاضة أو الأمة في الطلاق سنة.
وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها كانت حرة أو أمة أو كتابية.
والمطلقة التي لم يدخل بها لا عدة عليها.
وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر كانت صغيرة أو كبيرة دخل بها أو لم يدخل مسلمة كانت أو كتابية.
وفي الأمة ومن فيها بقية رق شهران وخمس ليال ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته فتقعد حتى تذهب الريبة. وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بني بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر).
الشرح
العدد: جمع عدة بكسر العين فيهما، وهي مأخوذة من العدد لاشتمالها على عدد الأقراء أو الأشهر غالبا (^١).
_________________
(١) مغني المحتاج (٣/ ٣٨٤)، والمطلع على أبواب الفقه لمحمد بن أبي الفتح البعلي =
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
والعدة: هي تربص المرأة زمانا معلوما قدره الشارع علامة على براءة الرحم مع ضرب من التعبد (١).
وحكمها: الوجوب لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله ﷺ للفريعة بنت مالك ﵄: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» (^٢).
وأنواعها ثلاثة: أقراء، وشهور، وحمل.
أما الأقراء: فهي للمطلقة ذات الحيض حرة وأمة، وإلى الأولى أشار بقوله: (وعدة الحرة) ذات الحيض (المطلقة: ثلاثة قروء) سواء كانت مسلمة أو كتابية، لشمول عموم الآية الجميع، ولا خلاف في ذلك ثم أشار إلى الثانية لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهي الأطهار عند مالك وأصحابه، ومن الصحابة فابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة ﵂، وقال المالكية: «إن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أن القرء الذي هو الحيض يجمع على أقراء لا على قروء، وحكوا ذلك عن ابن الأنباري، وأيضا فإنهم قالوا: إن الحيضة مؤنثة والطهر مذكر، فلو كان القرء الذي يراد به الحيض لما ثبت في جمعه الهاء لأن الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة، وقالوا أيضا: إن الاشتقاق يدل على ذلك، لأن القرء مشتق من قرأت الماء في الحوض: أي: جمعته، فزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر، فهذا هو أقوى ما تمسك به هذا الفريق من ظاهر الآية» (^٣) … ثم ذكر دليل الفريق الآخر وإن أردت التوسع في ما احتج به كل فريق فعليك بكتب تفسير آيات الأحكام.
_________________
(١) = الحنبلي (١/ ٣٤٨)، المكتب الإسلامي، - بيروت، ١٤٠١ هـ: تحقيق: محمد بشير الأدلبي. (١) التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣)، وأسهل المدارك (٢/ ١٨٢).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (٣٦٥)، وأحمد (٦/ ٣٧٠)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١).
(٣) بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٣/ ١٣٠ - ١٣١).
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
(والأمة ومن فيها بقية رق (قرآن) لما سبق قريبا عند قوله: وعدة الأمة حيضتان (كان الزوج في جميعهن)؛ أي: جميع من ذكر وهي الحرة المسلمة والكتابية والأمة ومن فيها بقية رق (حرا أو عبدا) لقول ابن عباس ﵄: «الطلاق بالرجال والعدة بالنساء» (^١)، والإقراء هي الأطهار التي بين الدمين) الأنسب بلفظ الأقراء الدماء لأن الذي بين الدمين قرء واحد، ولا بد من الأقراء، وقد تقدم قول ابن رشد:
١ - (فإن كانت)؛ أي: المطلقة (ممن لم تحض) لصغر ويوطأ مثلها أمن حملها أم لا.
٢ - (أو) كانت (ممن قد يئست من المحيض كبنت سبعين سنة) فثلاثة أشهر في الحرة وعلى المشهور في (الأمة) لقوله تعالى: ﴿والتي ببسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والتي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]، وإنما سارت الأمة الحرة لعموم الآية، ولأن براءة الرحم لا تحصل إلا بثلاثة أشهر لأن الحمل يمكث أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يتحرك ويعلو جوف المرأة فيظهر الحمل، وبهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز والحسن ومجاهد وابن شهاب وغيرهم، ولا بد من مراعاة الشهور بالأهلة، فإذا طلقت في أثناء الشهر كملت الشهر الذي طلقت فيه من الشهر الرابع، ولا يحسب يوم الطلاق.
والثالثة أشار إليها بقوله: (وعدة الحرة المستحاضة أو الأمة) المستحاضة (في الطلاق سنة) «لقضاء عمر بن الخطاب ﵁ بذلك في المرتابة التي حالها كحال المستحاضة» (^٢)، وعلة ذلك أن تسعة أشهر هي معتاد أمد الحمل فتنتظرها لنفي الريبة، ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر لانتقالها عن الإقراء.
(وعدة الحامل في وفاة) على المشهور (أو طلاق) اتفاقا (وضع حملها)
_________________
(١) البيهقي (١٥٥٧٢)، ومصنف عبد الرزاق (١٢٩٥٠).
(٢) شرح الزرقاني (٣/ ٢٧٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٦٤)
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
كله ولو وضعته عقب الطلاق أو الوفاة بلحظة سواء (كانت حرة أو أمة) مسلمتين (أو كتابية) لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] وهي مخصصة لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قال أبي بن كعب ﵁ قلت يا رسول الله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ للمطلقة ثلاثا، أو للمتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلقة ثلاثا، وللمتوفى عنها» (^١)، وحديث أم سلمة ﵂ أن سبيعة الأسلمية توفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: «والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين»، فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: «انكحي» (^٢).
(والمطلقة التي لم يدخل بها لا عدة لها) لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا مفهوم لصفة الإيمان هنا بلا خلاف لأنه خرج مخرج الغالب (^٣).
(وعدة الحرة) غير الحامل سواء كانت مستحاضة أو غير مستحاضة (من الوفاة أربعة أشهر كانت) الزوجة (صغيرة أو كبيرة دخل بها) الزوج (أو لم يدخل مسلمة كانت، أو كتابية) كان الزوج صغيرا أو كبيرا، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وحديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا» (^٤)، وهو عام في المدخول بها وغيرها للإجماع، وحديث
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد (٥/ ١١٦) (٢١٤٢٥)، وأبو يعلى (١/ ٣٩)، والدارقطني (٣٨٤٥)، وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧٢٧)، والبخاري (٥٣٢٠)، ومسلم (٢٧٢٩).
(٣) انظر: المقدمات (٥٠٩ - ٥١٠).
(٤) أخرجه مالك «الموطأ» صفحة (٣٧٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٤).
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
معقل بن يسار الأشجعي ﵁ «أن رسول الله ﷺ قضى بذلك في بروع بنت واشق» (^١).
(وفي الأمة ومن فيها بقية رق شهران وخمس ليال) لأن عدتها على النصف كما سبق (وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بنى بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر) لما سبق أن براءة الرحم لا تتحقق إلا بثلاثة أشهر، ورواية ابن القاسم: شهران وخمس ليال.
إحداد المرأة عن زوجها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإحداد أن لا تقرب المعتدة من الوفاة شيئا من الزينة بحلي أو كحل أو غيره وتجتنب الصباغ كله إلا الأسود وتجتنب الطيب كله ولا تختضب بحناء ولا تقرب دهنا مطيبا ولا تمتشط بما يختمر في رأسها وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد، واختلف في الكتابية وليس على المطلقة إحداد وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة والطلاق.
وعدة أم الولد من وفاة سيدها حيضة وكذلك إذا أعتقها فإن قعدت عن الحيض فثلاثة أشهر).
الشرح
(والإحداد) وهو لغة: الامتناع، وفي لفظ الحديث: «أن تحد»، من الإحداد وهي أن تترك المرأة الزينة على الميت للعدة كزوجة وثلاثة أيام للقريبة ونحوها.
وشرعا: (وهو أن لا تقرب المعتدة من الوفاة) على جهة الوجوب، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٠) (١٦٠٣٩) و(٤/ ٢٨٠) (١٨٦٥٨)، وأبو داود (٢١١٤)، والترمذي (١١٤٥).
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قال ابن العربي: «أفادت الآية وجوب التربص، وأفادت السنة الإحداد، وهي هيئة التربص» (^١)، وذلك ألا تقرب (شيئا من الزينة) ظاهرة كبيرة كانت أو صغيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كتابية، لأنه حق الله تعالى، فلزم الجميع، والاستبراء يقع بحيضة واحدة، فلما كان حقا لله تعالى لزم الصغيرة التي لم تحض.
والزينة تكون بأشياء أحدها ما أشار إليه بقوله:
(بحلي) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام كالسوار والخاتم نحوهما.
وثانيها: ما أشار إليه بقوله: (أو كحل) ظاهره ولو كان لضرورة، وهو قول ابن عبد الحكم، والذي في المدونة ولا تكتحل إلا من ضرورة. وثالثها: إزالة الشعث عن نفسها وإليه أشار بقوله: (أو غيره) فلا تدخل الحمام إلا من ضرورة ولا تطلي جسدها بالنورة.
(وتجتنب الصباغ كله إلا الأسود) فإنه لباس الحزن، إلا أن يكون زينة قوم فتجتنبه، (ولا تختضب بحناء ولا تقرب دهنا مطيبا) وإنما منعت منه ومن الزينة لأنهما يدعوان إلى النكاح، (ولا تمتشط بما يختمر في رأسها) وهو ما له رائحة طيبة لنهي النبي ﷺ كما في أحاديث عدة منها حديث أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا» ثم قال رسول الله ﷺ: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» (^٢).
قلت: وهذا فيه جواز تذكير الناس بالنعم المتجددة ومقارنتها بما كانوا
_________________
(١) المسالك في شرح موطأ مالك (٥/ ٦٦٦)، والقبس (٢/ ٧٦٤)، وانظر كلامه عن الآيات في كتابه: الأحكام (١/ ٢٠٧).
(٢) البخاري (٥٠٢٥، ١٢٢١)، ومسلم في الطلاق باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة رقم (١٤٨٦ - ١٤٨٩).
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
عليه من شظف العيش، وقسوة الجاهلية، ليحمدوا الله على ذلك.
وحديث أم عطية ﵂ قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوعا، إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الظهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار …» (^١)، وحديث أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: «ما هذا يا أم سلمة» فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال (^٢): «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعينه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب»، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» (^٣)، وحديثها أيضا عن النبي ﷺ قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل» (^٤)، أما استثناء السواد فلأنه ليس من لباس الزينة بل هو لباس الحزن، ولذلك لو كان في عرف قوم زينة لوجب عليها اجتنابه كغيره (^٥).
(وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد) لقوله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة
_________________
(١) البخاري (١/ ٨٥ و٧٧/ ٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٤ و٢٠٥).
(٢) قال في شرح النسائي: «إنه يشب الوجه بضم الشين المعجمة من شب النار أوقدها فتلالأت ضياء ونورا؛ أي: يلونه ويحسنه».
(٣) الموطأ (١٢٥٢)، وشرح الزرقاني (٣/ ٣٠٠)، وأخرجه أبو داود (٢٣٥٥) قال: حدثنا أحمد بن صالح، والنسائي (٦/ ٢٠٤).
(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢)، وأبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٠٣)، وصححه الألباني (صحيح أبي داود ٢٠٢٠). والثياب الممشقة هي المصبوغة بالمشق، وهي المغرة. قال أبو عبيد: يقال: مغرة ومغرة، ومشق، ومشق.
(٥) شرح الزرقاني (٣/ ٣٠٤).
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
أشهر وعشرا من حديث أم سلمة ﵂ وغيرها (^١)، فإن لفظ «امرأة» شامل للأمة والصغيرة والكبيرة (^٢)، وكذلك قوله ﷺ في حديثها السابق: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب» الحديث شامل للجميع.
واختلف في وجوب الإحداد على (الكتابية) على قولين: مشهورهما وجوب الإحداد فروى ابن نافع عن مالك لا إحداد عليها، لأن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث» والنصرانية ليست مؤمنة، وقيل: إن قوله ﷺ خرج مخرج الغالب، وروى ابن القاسم عليها الإحداد، وقال: قال مالك: إنما رأيت عليها الإحداد لأنها من أزواج المسلمين فقد وجبت عليها العدة والإحداد من لوازم العدة، ولحديث أم سلمة السابق: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب» الحديث فإنه شامل لكل زوجة كتابية كانت أو مسلمة، ولأن الله تعالى قال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] فوجب الحكم عليها بحكم الإسلام وهو وجوب الاحداد على المتوفى عنها زوجها.
(وليس على المطلقة) طلاقا بائنا أو رجعيا (إحداد) لعدم وروده عن الشارع أما قياسها على المتوفى عنها زوجها فمنقوض بالملاعنة والمختلعة، وبوجود الفارق بين عدة البائن التي هي ثلاثة قروء وعدة المتوفى عنها زوجها التي هي أربعة أشهر وعشر ليال، وقد قيل: إن الحكمة فيه الاحتياط للأنساب لأن الميت لا محامي له عن نسبه، فجعل الحداد زاجرا وقائما مقام المحامي عن الميت بخلاف المطلق فإنه لوجوده يحامي عن نسبه ويحتاط له.
(وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة) دخل بها أو لم يدخل (^٣) (والطلاق) إذا دخل بها لحق الزوج ففي الوفاة أربعة أشهر وعشرا ولو كانت مطيقة والزوج كذلك وفي الطلاق ثلاثة أقراء أو أشهر للأدلة السابقة
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢١٦)، والبخاري (١٢٢٢، ٥٠٢٤، ٥٠٣٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٤).
(٢) المسالك لابن العربي (٥/ ٦٦٩).
(٣) المدونة (٢/ ٧٦)، وانظر: المسالك (٥/ ٦٦٨).
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
في الإحداد، ولأن الله تعالى أوجب العدة حفظا للأنساب واستبراء للرحم من ماء الزوج الأول وذلك أمر تستوي فيه النساء مسلمات كن أو كتابيات. (وعدة أم الولد من وفاة سيدها) وهي الحر حملها من وطء مالكها (حيضة، وكذلك إذا أعتقها) لأنه استبراء لزوال الملك عن الرقبة كسائر استبراء المعتقات والمملوكات، ولأنها ليست بزوج ولذلك لا ترث. (فإن قعدت عن الحيض فثلاثة أشهر) لأنها المدة التي لا يتبين الحمل في أقل منها كما سبق.
الاستبراء
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة انتقل الملك ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك، ومن هي في حيازته قد حاضت عنده ثم إنه اشتراها فلا استبراء عليها إن لم تكن تخرج.
واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ ثلاثة أشهر، واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر، والتي لا توطأ فلا استبراء فيها.
ومن ابتاع حاملا من غيره أو ملكها بغير البيع فلا يقربها ولا يتلذذ منها بشيء حتى تضع).
الشرح
الاستبراء: «استفعال من برأ؛ ومعناه: قصد علم براءة رحمها من الحمل بأخذ ما يستبرأ به من الوفاة» (^١). وقال في «المصباح»: «استبرأت» المرأة طلبت براءتها من الحبل، قال الزمخشري (استبرأت) الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة» (^٢).
(واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة) واحدة مراعاة لحفظ
_________________
(١) المطلع على المقنع (١/ ٣٤٩).
(٢) المصباح المنير (مادة برأ).
[ ٢ / ١٠١٠ ]
الأنساب (^١) سواء (انتقل الملك ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك) كالإرث والصدقة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة» (^٢)، وحديث رويفع بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» (^٣)، لأن المعتبر الانتقال المظنون معه شغل الرحم بماء المنتقل منه إلى المنتقل إليه لا أسباب الانتقال.
(ومن هي في حيازته) برهن أو وديعة مثلا إذا علم أنها (قد حاضت عنده ثم إنه اشتراها) الأحسن أن لو قال: ثم ملكها ليشمل الشراء وغيره (فلا استبراء عليها) للعلم ببراءة الرحم (إن لم تكن تخرج) لوجود الشك وتطرق احتمال أن تكون أصيبت في خروجها بعد حيضتها المحققة لبراءة رحمها من سيدها الأول (واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ ثلاثة أشهر) لأن الحمل لا يتبين في أقل من ذلك (واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر) لما سبق من أنها المدة التي تتحقق فيها براءة الرحم (والتي لا توطأ فلا استبراء فيها) لتحقق براءة رحمها من ماء الغير (ومن ابتاع حاملا من غيره أو ملكها بغير البيع فلا يقربها ولا يتلذذ منها بشيء حتى تضع) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق قريبا أن النبي ﷺ قال: «لا توطأ حامل حتى تضع» (^٤)، وحديث رويفع بن ثابت أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره» (^٥)، أما المنع من الالتذاذ بها فلأنه داعية إلى الوطء المحرم فأشبهت المبيعة ولأنها في حالة الحمل أم ولد لغيره والبيع باطل فلا يجوز معه الاستمتاع.
_________________
(١) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣٨).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٨) (١١٢٤٦)، وأبو داود (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ١٩٥)، والدارمي (٢٢٩٥).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) (١٧١١٧ و١٧١١٨)، وأبو داود (٢١٥٨).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) (١٧١١٧ و١٧١١٨)، وأبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (١١٣١).
[ ٢ / ١٠١١ ]
النفقة وأحكامها
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والسكنى لكل مطلقة مدخول بها ولا نفقة إلا للتي طلقت دون الثلاث وللحامل كانت مطلقة واحدة أو ثلاثا.
ولا نفقة للمختلعة إلا في الحمل، ولا نفقة للملاعنة وإن كانت حاملا، ولا نفقة لكل معتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها.
ولا تخرج من بيتها في طلاق أو وفاة حتى تتم العدة إلا أن يخرجها رب الدار ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل فلتخرج وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة.
والمرأة ترضع ولدها في العصمة إلا أن يكون مثلها لا يرضع وللمطلقة رضاع ولدها على أبيه ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت).
الشرح
(والسكنى) واجبة على الزوج إذا كان يتأتى منه الوطء (لكل مطلقة مدخول بها) يوطأ مثلها حرة كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية، كان الطلاق واحدة أو أكثر رجعيا أو بائنا، ولو خلعا، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦] والتقييد بالمدخول بها لوجود التمكين بخلاف غير المدخول بها.
(ولا نفقة إلا للتي طلقت دون ثلاث) واحدة أو اثنتين لأنه يملك رجعتها، فالزوجية باقية، والتمكين من الاستمتاع موجود، ولحديث فاطمة بنت قيس إن رسول الله ﷺ قال: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة»، وفي رواية: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى» (^١) وهو وإن كان
_________________
(١) أحمد (٢٨١٠٨)، وسنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي (٦/ ٤٥٥).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
ضعيفا لانفراد بعض الضعفاء برفعه إلا أن ما تضمنه من حكم الرجعية مجمع عليه، وهو على انفراده دليل مقبول (^١)، أما المطلقة البائن فلا نفقة لها لمفهوم قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فإنه ظاهر في أنهن إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن، ولحديث فاطمة بن قيس أن زوجها طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «ليس لك عليه نفقة» (^٢).
(وللحامل) التي طلقت سواء (كانت مطلقة) طلقة (واحدة) أو اثنتين (أو ثلاثا) لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾، وقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس وقد بت زوجها طلاقها: «والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا»، فأتت النبي ﷺ، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لك» (^٣). (ولا نفقة للمختلعة) لأنها بائن ولا نفقة لبائن كما سبق (إلا في الحمل) لا مفهوم لها بل كل مطلقة طلاقا بائنا لا نفقة لها ما لم تكن حاملا للآية السابقة.
(ولا نفقة للملاعنة) لحديث ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ فرق بين المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت» (^٤)، ولأنها بائنة مؤبدة التحريم (ولو كانت حاملا) لأن الحمل منفي عن أبيه، والنفقة إنما تجب له أو لها بسببه ولذلك لو استلحقه وجبت عليه ورجعت بها عليه (ولا نفقة) ولا كسوة (لكل معتدة من وفاة) سواء كانت حاملا أم لا، صغيرة كانت أو كبيرة، دخل بها أم لم يدخل مسلمة كانت أو كتابية لأنه بموت الزوج صار المال للورثة، ولأن النفقة إنما تجب للمتمكن من الاستمتاع، ولا استمتاع للميت، ولأنها أيضا تجب مياومة ولا ملك له بعد الموت فلا يمكن إيجابها على
_________________
(١) مسالك الدلالة (٢٥٣).
(٢) رواه مالك (١٠٦٤)، ومسلم (٢٧٠٩).
(٣) رواه مسلم (٢٧١٤).
(٤) رواه أحمد (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٨).
[ ٢ / ١٠١٣ ]
الورثة ولقول ابن عباس ﵁ «في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠] نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لها من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا» (^١) (ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها) لحديث فريعة بنت مالك ﵂ قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا لورثته، وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني، قال: «تحولي» فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: «فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا» (^٢).
فقوله ﷺ امكثي في بيتك، وقد ذكرت أنه لا بيت لزوجها يدل على وجوب سكناها في بيت زوجها إذا كان له بيت بطريق الأولى، ثم إن البيت الذي كانت تسكنه الظاهر أنه بالكراء، وإذا نقد الزوج الكراء فقد صار في معنى ملكه مدة أجل الكراء (ولا تخرج) المعتدة (من بيتها) خروج نقلة لغير ضرورة سواء كانت معتدة (في طلاق أو وفاة حتى تتم العدة) والتقييد بخروج النقلة لأجل الاحتراز عن خروجها في حوائجها فإنه جائز لكن لا تبيت إلا في بيتها، وظاهر كلامه أنها لا تخرج ولو لحجة الإسلام وهو كذلك، أما المطلقة الرجعية فلقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء: ١٩] وأما البائن فلقضاء جماعة من الصحابة بذلك ففي «الموطأ»: «أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم فأرسلت عائشة أم المؤمنين ﵂ إلى
_________________
(١) النسائي (٣٥٤٣)، وقال الألباني: حسن صحيح.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ١٠١٤ ]
مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة فقالت: اتق الله واردد المرأة إلى بيتها» (^١)، وفي «الموطأ» أيضا عن نافع أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان فطلقها البتة فأنكر ذلك عليها عبد الله بن عمر ﵄ (^٢)، وأما المتوفى عنها فلحديث فريعة السابق، وقول النبي ﷺ لها: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»، (إلا أن يخرجها رب الدار ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل فلتخرج) لوجود العذر المبيح لها الخروج والانتقال لأن الواجب عليها فعل السكنى ولزوم المسكن لا تحصيله (وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة) لأنه قائم مقام الذي نقلت عنه.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمرأة ترضع ولدها إذا كانت في العصمة)؛ أي: عصمة أبيه وجوبا لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣] أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا، وليس لها أجر في نظير ذلك ولا حد لأقل الرضاع وأكثره حولان بنص القرآن إلا أن يكون مثلها لا يرضع لمرض، وقلة لبن أو كونها ذات قدر وشرف، فالأولى للعذر والحرج المرفوع عن الأمة، أما الثانية فهي مما انفرد به مالك ولا دليل إلا ما قيل من العرف المنزل منزلة الشرط، قال ابن العربي: اختص مالك دون فقهاء الأمصار باستثنائها؛ يعني: الشريفة من عموم الآية لأصل من أصول الفقه وهو العمل بالمصلحة.
(وللمطلقة) طلاقا بائنا أو رجعيا وخرجت من العدة (رضاع ولدها)؛ أي: بالأجرة وترجع بها على أبيه أفهم كلامه أن الرضاع حق لها لا عليها لما رواه أبو داود من قوله ﷺ للمرأة التي طلقها زوجها وأراد أن يأخذ ولدها
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (٣٦٥)، وأحمد (٦/ ٣٧٠)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١).
(٢) الموطأ (١٢٠٦)، وأبو داود (٢٢٩٧).
[ ٢ / ١٠١٥ ]
منها فقال لها رسول الله ﷺ: «أنت أحق به ما لم تنكحي» (^١) (ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت لقوله تعالى في سورة الطلاق بعد ذكر المعتدات: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦].
الحضانة
(والحضانة للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر ونكاح الأنثى ودخولها) (^٢)، وذلك بعد الأم إن ماتت أو نكحت للجدة ثم للخالة فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد فالأخوات والعمات. فإن لم يكونوا فالعصبة).
الشرح
«الحضانة: بفتح الحاء مصدر حضنت الصبي حضانة تحملت مؤنته وتربيته؛ والحاضنة التي تربي الطفل سميت بذلك لأنها تضم الطفل إلى حضنها وهو ما دون الإبط إلى الكشح وهو الخصر» (^٣).
قال ابن عرفة: «هي محصول قول الباجي حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه» (^٤).
(والحضانة) حق (للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر)؛ أي: المحقق فالخنثى المشكل تستمر حضانته ما دام مشكلا (ونكاح الأنثى ودخولها) قال في «التحفة»:
وهي إلى الإثغار في الذكور … والاحتلام الحد في المشهور (^٥)
ولا يكفي الدعوى للدخول بل لا بد من الدخول وإن صغيرين واستمرت
_________________
(١) الموطأ (١٢٠٧)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) (ودخول بها): نسخة الحلبي.
(٣) المطلع على المقنع (١/ ٣٥٥)، ولسان العرب (١٣/ ١٢٢).
(٤) شرح حدود ابن عرفة (٣٢٤).
(٥) البهجة شرح التحفة (١/ ٤٠٥)، وعنه الشيباني في تبيين المسالك (٣/ ٢٥٢).
[ ٢ / ١٠١٦ ]
نفقتها على أبيها لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أبو داود ولفظه: «وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني (^١)، (وذلك)؛ أي: الحضانة تنتقل بعد الأم إن ماتت أو نكحت للجدة أم الأم ثم الجدة من جهة الأم وإن بعدت (ثم) بعد جدة الأم ينتقل الحق (للخالة) لحديث البراء بن عازب ﵁ أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي، وقال جعفر بنت عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم» (^٢)، ورواه أحمد من حديث علي ﵁ وقال فيه: «فإن الخالة والدة» (^٣).
(فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد فالأخوات والعمات، فإن لم يكونوا فالوصية) لا نص في هذا، وإنما المعتبر وجود الشفقة والحنان والعطف وقوة ذلك، فمن كان أكثر قدم مراعاة لمصلحة الرضيع لأن الشارع ما قدم الأم إلا لذلك إلا أنه لما قدم الأم كان من يدلى بها مقدما على من يدلى بالأب (^٤).
النفقة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يلزم الرجل النفقة إلا على زوجته كانت غنية أو فقيرة. وعلى أبويه الفقيرين.
وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم على الذكور حتى يحتلموا ولا زمانة بهم، وعلى الإناث حتى ينكحن ويدخل بهن أزواجهن، ولا نفقة لمن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢) (٦٧٠٧)، وأبو داود (٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٧)، وقال الألباني في الإرواء (٧/ ٢٤٤): حسن.
(٢) والبخاري (٢٥٥٢، ١٦٨٩)، وأبو داود (٢٢٨٠).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٩٨) (٧٧٠).
(٤) انظر: مواهب الجليل (٥/ ٥٩٥).
[ ٢ / ١٠١٧ ]
سوى هؤلاء من الأقارب وإن اتسع فعليه إخدام زوجته. وعليه أن ينفق على عبيده ويكفنهم إذا ماتوا واختلف في كفن الزوجة فقال ابن القاسم: في مالها، وقال عبد الملك: في مال الزوج، وقال سحنون: إن كانت ملية ففي مالها وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج).
الشرح
النفقة: نفقت الدراهم (نفقا) من باب تعب نفدت ويتعدى بالهمزة فيقال: (أنفقتها و(النفقة) اسم منه وجمعها (نفاق) مثل رقبة ورقاب ونفقات) على لفظ الواحدة أيضا (^١).
وشرعا: قال ابن عرفة: «ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف» (^٢).
(ولا يلزم الرجل) الموسر (النفقة إلا على زوجته كانت غنية أو فقيرة) مسلمة كانت أو كتابية حرة أو أمة، وتطلق عليه بعد التلوم بالعجز عنها، إلا أن تكون تزوجته عالمة بفقره وعجزه عن النفقة (^٣)، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (^٤)، وحديث معاوية القشيري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا، قال: «أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن، ولا تقبحوهن» (^٥)، (وعلى أبويه الفقيرين) لقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] ومن الإحسان الإنفاق عليهما وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه،
_________________
(١) المصباح (نفق).
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٣٢١).
(٣) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ١٢٦ فما بعدها)، كتاب النفقات.
(٤) مسلم (٤/ ٦٤) (٣٠٢٨)، وأبو داود (٢١٤٥)، والترمذي (٨٥٧)، والنسائي (٥/ ٢٣٠ و٢٤٠ و٢٤٣) و(٧/ ٢٣١
(٥) أبو داود (٢١٤٦)، وصححه الألباني.
[ ٢ / ١٠١٨ ]
عن جده أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: «إن لي مالا وولدا ووالدي يريد أن يجتاح (^١) مالي قال: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» (^٢).
وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم» (^٣)، (وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم) لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فاتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦] أوجب أجر رضاع الولد على أبيه وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وحديث عائشة في قصة هند امرأة أبي سفيان وشكايتها من بخله وشحه فقال النبي ﷺ: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (^٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على خادمك». قال: عندي آخر، قال: «أنت أعلم به» (^٥). وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، كذا قال ابن المنذر (^٦)، لكنه منقوض
_________________
(١) أي: يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان واجتاحهم: إذا أتى على أموالهم، ومنه: الجائحة، وهي الآفة التي تصيب المال فتهلكه، معالم السنن للخطابي (٥/ ١٨٣).
(٢) أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبو داود (٣٥٣٠).
(٣) السنن (٣/ ٨٠٠ - ٨٠١) (٣٥٢٩)، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (٥/ ١٨٣): حديث حسن.
(٤) البخاري (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤)، واللفظ له.
(٥) أبو داود (١٦٩١)، ورواه مسلم بلفظ آخر (٢٢٧٤)، ورواه النسائي بتقديم الزوجة على الولد.
(٦) الإجماع (ص ٢٣) رقم (٣٩١).
[ ٢ / ١٠١٩ ]
بوجود من خالفه من السلف وذهب إلى أنه لا تجب نفقة أحد على أحد (ولا نفقة لمن سوى هؤلاء من الأقارب لأن الدليل دل على وجوب نفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يلحق بهم في وجوب النفقة (وإن اتسع)؛ أي: أيسر الزوج فعليه إخدام زوجته إذا كانت من ذوات الشرف التي لا تخدم نفسها في العرف والعادة، لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩] ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادما، ولأنه ما تحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة.
(وعليه أن ينفق على عبيده ويكفنهم إذا ماتوا) لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (^١)، وما تقدم من حديث الرجل أن عنده دينارا آخر قال: «أنفقه على خادمك» (^٢).
واختلف في كفن الزوجة) الحرة وقيل: والأمة المدخول بها أو التي دعي إلى الدخول بها فقال ابن القاسم وسحنون: هو (في مالها) لأنه من توابع النفقة الواجبة بوجود الاستمتاع وبذهابه سقطت النفقة (وقال عبد الملك (^٣): في مال الزوج) لعدم انقطاع علاقة الزوجية بدليل جواز اطلاعه على عورتها بالغسل ونحوه، ووجود الموارثة بينهما (وقال) مالك في «العتبية» و(سحنون: إن كانت ملية ففي مالها، وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج) وهو مجرد استحسان منه وتفريق لا يدل عليه دليل.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٠٦) أنه بلغه، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٩٢)، ومسلم (٤٣٢٩).
(٢) أحمد (٢/ ٢٥١) (٧٤١٣) و(٣/ ٤٧١) (١٠٠٨٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٩٧)، وأبو داود (١٦٩١)، ورواه مسلم بلفظ آخر (٢٢٧٤)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨١).
(٣) قيل: ابن حبيب، وقيل: ابن الماجشون.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]