قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع.
ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل فإن لم يشهدا في العقد فلا يبني بها حتى يشهدا.
وأقل الصداق ربع دينار.
وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت وإن شاء شاورها وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها.
ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا.
والابن أولى من الأب والأب أولى من الأخ ومن قرب من العصبة أحق وإن زوجها البعيد مضى ذلك.
وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها وليس ذوو الأرحام من الأولياء والأولياء من العصبة).
الشرح
هذه ثمانية أشياء أولها هو الأصل والباقي توابع له، ولكل منها معنى لغة واصطلاحا تذكر في موضعها إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٩١١ ]
أما النكاح لغة: النكاح في كلام العرب: [الجماع] والوطء. يقال: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، وعن الزجاج: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء، والعقد جميعا، وموضوع: مادة ن ك ح في كلامهم: للزوم الشيء للشيء، راكبا عليه.
قال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكحها، قال: فرقت العرب فرقا لطيفا تعرف به موضع العقد عن الوطء؛ فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، أرادوا: تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته: لم يريدوا إلا المجامعة، لأن بذكر امرأته وزوجته يستغني عن العقد (^١).
واصطلاحا: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء من إطلاق المسبب على السبب (^٢)، وهو عقد وضعه الشارع ليفيد حل استمتاع كل من الزوج والزوجة بالآخر على الوجه المشروع (^٣).
ويترتب على كونه مجازا في الوطء لا حقيقة أن من زنى بامرأة لا يحرم عليه بنتها ولا أمها. وقد يستعمل عرفا مرادا به الوطء كقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فيفيد هذا أن الوطء يسند لكل من الرجل والمرأة بأن يقال: نكحت المرأة الرجل؛ أي: وطئته، كما يقال: نكح الرجل امرأته؛ أي: وطئها، إلا أنه ينافيه قول المصباح: وطئته برجلي أطؤه وطا: علوته، إلى أن قال: وطئ زوجته وطا: جامعها لأنه استعلى عليها (^٤).
والنكاح بمعنى الوطء لا يجوز في الشرع إلا بأحد أمرين عقد نكاح، أو ملك يمين لقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].
_________________
(١) الفتح (٩/ ١٠٣)، ونيل الأوطار للشوكاني (٦/ ١٠٨).
(٢) الذخيرة للقرافي (٤/ ١٨٨).
(٣) الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبي زهرة (١٨).
(٤) انظر: التوضيح (٣/ ٥٠٤)، وشرح حدود ابن عرفة (٢٣٤).
[ ٢ / ٩١٢ ]
• حكم النكاح:
حكمه الندب من حيث الجملة، وقد يجب على من لا ينكف عن الزنا إلا به، وفي المقنع لابن بطال: يكره لمن لا يجد طولا، ولا حرفة له، ولا صناعة. اهـ (^١).
• ترغيب الشارع في النكاح:
لقد رغب الشارع الحكيم في النكاح لما فيه من الفوائد العظيمة التي من أهمها:
١ - أنه يوجب إعفاف الزوجين.
٢ - أنه يوجد من يوحد الله تعالى.
٣ - أنه يكاثر به ﵊ الأمم يوم القيامة.
٤ - أن النبي ﷺ قدمه على الصوم.
٥ - بقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح (^٢).
٦ - إخراج الماء الذي يضر احتباسه.
٧ - نيل اللذة (^٣).
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء» (^٤).
• أركان النكاح:
أركانه أربعة:
١ - الولي.
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٥٠٥)، والذخيرة (٤/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٢) المرجعين السابقين.
(٣) الشربيني مغني المحتاج (٣/ ١٢٤).
(٤) البخاري (٣/ ٣٤) (١٩٠٥)، ومسلم (٤/ ١٢٨) (٣٣٧٩).
[ ٢ / ٩١٣ ]
٢ - والمحل (الزوجان).
٣ - والصيغة.
٤ - والصداق المفروض ولو حكما.
بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر الأركان بالولي اهتماما به فقال: (ولا نكاح إلا بولي) ولفظ المصنف هو من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي … الحديث (^١)»، وفي الباب عن نحو ثلاثين صحابيا وهو حديث متواتر، وعن عائشة لة عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له (^٢)»؛ قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الولي المذكور بالإشارة إليه في هذا الحديث هو الولي من النسب والعصبة؛ واختلفوا في غير العصبة مثل وصي الأب، وذي الرأي من السلطان إلا أنهم أجمعوا أن السلطان ولي من لا ولي له، لأن الولاية بعد عدم التعصيب تنصرف إلى الذي يقف على هذا الأصل. اهـ (^٣).
وقال ابن عرفة: «من له على المرأة ملك، أو أبوة، أو تعصيب، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو ذو إسلام (^٤)»، ويشترط فيه الإسلام،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٨١) باب: الولي، من كتاب النكاح، وأخرجه الترمذي كما في عارضة الأحوذي (٥/ ٢٦)، وابن ماجه (١/ ٦٠٥)، وأحمد في المسند (١/ ٢٥٠) وقال: صحيح، كما في المغني (٩/ ٣٤٥)، وجعله البخاري ترجمة فقال: باب من قال لا نكاح إلا بولي من كتاب النكاح كما في الصحيح. انظر: الفتح (٩/ ٨٨)، وصححه ابن حبان والحاكم، وانظر: تصحيح الألباني له في إرواء الغليل (٦/ ٢٣٨)، وصححه الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول (١١/ ٤٥٨).
(٢) أحمد في المسند (٦/ ٤٧)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وقال: «هذا حديث حسن»، وابن ماجه (١٨٧٩)، والنسائي في «الكبرى» (تحفة الإشراف) (١٢/ ١٦٤٦٢).
(٣) الاستذكار (٥/ ٣٩٣).
(٤) شرح حدود ابن عرفة (٢٤١).
[ ٢ / ٩١٤ ]
والحرية، والبلوغ، والعقل، والذكورية، ولا تشترط العدالة على المشهور في صحة العقد بل في كماله، ولا الرشد فيعقد السفيه لابنته بإذن وليه عند ابن القاسم، وهو شرط صحة لا يصح العقد بدونه لقوله ﷺ: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (^١)، وهو مروي - أي: عدم صحة العقد عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ وغيرهم، فإن وقع بغير ولي فسخ قبل البناء وبعده وإن ولدت الأولاد، وهل الفسخ بطلاق أو بغيره روايتان (^٢).
قال ابن العربي: وعلى الجملة فلم يختلف علماء المدينة ومكة في أن المرأة مسلوبة العبارة في النكاح كالصبي والمجنون، ولذلك كانت عائشة ﵂ «تخطب، وتقدر المهر ثم تقول: أعقدوا فإن النساء لا يعقدن» (^٣).
(وصداق) (^٤) لأن الصداق شرط صحة في الدخول أيضا لقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤]؛ أي: هبة من الله للنساء، وفي الباب أحاديث منها حديث: «التمس ولو خاتما من حديد» (^٥).
وحديث أنس ﵁ في زواج عبد الرحمن بن عوف ﵁ وفيه: «… ثم جاء يوما وبه أثر صفرة فقال النبي ﷺ: «مهيم» (^٦)، قال: تزوجت، قال:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٢٥) من كتاب النكاح، وعبد الرزاق (١٠٤٩٤)، قال الشيخ الألباني: (صحيح). انظر: حديث رقم (٧٢٩٨) في صحيح الجامع وما بين قوسين ضعيف عند الألباني. انظر: ضعيف الجامع رقم: (٦٢١٤).
(٢) انظر: مواهب الجليل (١٠/ ٢١٢).
(٣) القبس لابن العربي (٢/ ٦٨٩)، والتوضيح (٣/ ٥٦٤)، وأثر عائشة أخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ١٢٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ١٣٥).
(٤) فائدة: للصداق تسعة أسماء: الصداق، والصدقة، والمهر والنحلة، والفريضة، والأجر، والعلائق والعقر والحباء. المغني (٥/ ٩٧).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٤٩٨)، والبخاري (٢٣١٠)، ومسلم (٣٤٧١).
(٦) مهيم: بفتح الميم وسكون الهاء، ومعناه: ما شأنك، أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام، وكانت كلمة رسول الله ﷺ إذا سأل عن شيء، يقول: «مهيم»، الديباج على مسلم =
[ ٢ / ٩١٥ ]
«كم سقت إليها» قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب - شك إبراهيم - …» (^١).
(وشاهدي عدل) والإشهاد شرط صحة في الدخول، لا في صحة العقد ويشترط في شاهدي النكاح العدالة، لما في حديث عمران بن حصين من قوله ﵊: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (^٢)، ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة» (^٣)، وروي ذلك عن عمر وعلي ومن قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي وقتادة والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي (^٤).
وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن لم توجد العدول استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين.
ومن شروط صحة العقد الصيغة من الولي والزوج أو وكيله (^٥)، فمن الولي بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كأنكحتك، أو
_________________
(١) = للسيوطي، تحقيق: أبي إسحق الحويني الأثري، دار ابن عفان (٥/ ٣٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٦٨) (٢٠٤٨)، وبلفظ آخر قريبا منه: أخرجه مسلم (٤/ ١٤٥)، و(النسائي) (٦/ ١٢٠).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٤)، وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وهو مروي من حديث ابن عباس وابن عمر كما أخرج ذلك الدارقطني (٣/ ٢٢١ - ٢٢٥)، وحديث أبي هريرة أخرجه البيهقي كما في السنن الكبرى (٧/ ١٢٥). قال الشيخ الألباني: «صحيح» انظر حديث رقم (٧٥٥٧) في صحيح الجامع.
(٤) أخرجه الترمذي (١١٠٣) وقال: هذا حديث غير محفوظ، لا نعلم أحدا رفعه إلا ما روى عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة مرفوعا، وروى عن عبد الأعلى، عن سعيد هذا الحديث موقوفا، والصحيح ما روى عن ابن عباس قوله: «لا نكاح إلا ببينة» هكذا روى أصحاب قتادة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ لا نكاح إلا ببينة، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن أبي عروبة، نحو هذا موقوفا.
(٥) انظر: الاستذكار (٥/ ٤٧١).
(٦) انظر: مواهب الجليل (٥/ ٤٤).
[ ٢ / ٩١٦ ]
زوجتك؛ ومن الزوج ما يدل على الرضا كقبلت أو رضيت، ولا يشترط الترتيب بل هو مندوب، فلو بدأ الزوج بأن قال: زوجني، فيقول الولي: زوجتك لصح، نعم يشترط الفور بين القبول والإيجاب ولا يضر التفريق اليسير بخلاف الكثير إلا في صورة واحدة وهي: ما إذا كان رجل مريضا، وقال: إن مت من مرضي هذا فقد زوجت ابنتي من فلان، ومات بعد شهر مثلا وقبل الزوج بعد موته فإنه يصح.
تنبيه: يلزم النكاح بمجرد القبول والإيجاب، ولو قال الأول بعد رضا الآخر: لا أرضى، أنا كنت هازلا، لأن النكاح جد ولو قامت قرينة من الجانبين على إرادة الهزل لما تقدم من حديث: «ثلاثة جدهن جد .. وذكر النكاح …» (^١)، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى بتزويج ابنته لشاب وخشي أن يموت على شعبة من النفاق، ورأى أنه قد أعطاه شبه وعد مع أنه استثنى، ولكن أولئك الأخيار كانوا يحاسبون أنفسهم على النيات ونحن لا نبالي في أزماننا حتى على الأقوال والأعمال والأفعال (^٢).
(فان لم يشهدا)؛ أي: الولي والزوج (في العقد فلا يبنى بها حتى يشهدا) وفي نسخة حتى يشهد بالإفراد؛ أي: الزوج، لأنه شرط في صحة الدخول لا في العقد، لأنه عقد على منفعة فلم تكن مقارنة الشهادة شرطا في صحته كالإجارة، فلو دخل بدون إشهاد فسخ بطلقة بائنة، ويحدان إن لم يفش، ولم يعذرا بجهل، وأقرا بالوطء، أما إن فشا فلا يحدان وإن كانا عالمين، والفشو بالوليمة، والدف، والشاهد الواحد، ويدل على ذلك فعل ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير، وسالم وحمزة ابنا عمر وحمل فعلهم على الإعلان (^٣).
• حكم الزغاريد في الأعراس:
هل تجوز الزغاريد في الأعراس؟ إعلان النكاح، واللهو والفرح فيه من
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: القبس لابن العربي (٢/ ٦٨٢).
(٣) انظر: المغني (٩/ ٣٤٧).
[ ٢ / ٩١٧ ]
الأمور المشروعة، على أن يكون في حدود ما أباحه الشرع ورخص فيه.
فعن عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ: «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (^١)، والزغاريد نوع من اللهو الشائع في الأفراح والأعراس في بعض البلاد، ولذلك فإن المرأة إذا كان في صوتها نوع تغنج واستلذاذ من قبل الرجال فإنه لا يجوز لها ذلك، قال الخرشي رحمه الله تعالى: «قال الناصر اللقاني في «فتاويه»: رفع صوت المرأة التي يخشى التلذذ بسماعه لا يجوز من هذه الحيثية لا في الجنازة ولا في الأعراس، سواء كان زغاريت أم لا» انتهى (^٢). وأما إن كانت المزغرتة بين النساء ولم يسمعها الرجال ولم تكن فيها فتنة أو مفسدة فإن شاء الله لا بأس بها، والله أعلم.
• حد الصداق المشروع:
(وأقل الصداق ربع دينار) وأقل الصداق بفتح الصاد وكسرها؛ أي: أقل ما يصح به العقد إما ربع دينار من الذهب الخالص، ولا حد لأكثره، لقوله تعالى: ﴿وآتيتم إحدتهن قنطارا﴾ [النساء: ٢٠]، ولأنه في مقابلة البضع وهو عضو آدمي محترم فلا يستباح بأقل مما ذكر قياسا على يد السارق كذا استدل به مالك وتعقبه الجمهور بأنه:
قياس في مقابلة النص فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وقال اللخمي: ليس هذا القياس ببين لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مباح بوجه جائز وكذلك قاله ابن الفخار، ولهذا قال الدراوردي لمالك لما سمع منه هذه المسألة: تعرقت يا أبا عبد الله؛ أي: سلكت مسلك أهل العراق في القياس، وقال ابن العربي: «وزن الخاتم من
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٦٣).
(٢) شرح مختصر خليل (١/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٩١٨ ]
الحديد لا يساوي ربع دينار وهو مما لا جواب عنه ولا عذر فيه» (^١)، وقال أبو عمر: واحتجوا أيضا بأن الله ﷿ لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء، وأباحه لمن لم يجد طولا دل على أن الطول لا يجده كل الناس، ولو كان الفلس، والدانق، والقبضة من الشعير، ونحو ذلك طولا لما عدمه أحد. اهـ (^٢).
وقال الحطاب: التحديد بربع دينار لم يرد فيه نص بل الظاهر خلافه لقوله: «التمس ولو خاتما من حديد» فتأمله والله أعلم (^٣).
(وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها)؛ أي: جبر ابنته البكر على النكاح ممن شاء بما شاء ولو كان أقل من صداق المثل فله أن يزوجها بربع دينار، وإن كان صداق مثلها ألفا ولا كلام لها لحديث: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (^٤)، قال أبو عمر: في الحديث دلائل، ومعان، وفوائد:
منها: «أن الأيم إذا كانت أحق بنفسها، فغير الأيم وليها أحق بها من نفسها، ولو كانتا جميعا أحق بأنفسهما من وليهما، لما كان لتخصيص الأيم معنى، والولي ها هنا: الأب - والله أعلم - دون سائر الأولياء، ألا ترى أن سائر الأولياء غير الأب ليس له أن يزوج الصغيرة ولا له أن يزوج البكر الكبيرة إلا بإذنها، وذلك للأب في بناته الأبكار، بوالغ أو غير بوالغ». اه (^٥).
(وإن بلغت) ولو عانسا وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها على المشهور لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم وفيه: «… والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، ووجه الدليل منه أنه قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لإحداهن فدل على نفيه عن الأخرى وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها
_________________
(١) كذا نقله الحافظ في الفتح (٩/ ٢١٠).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٤٠٧).
(٣) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٥/ ٩٢).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٢٥)، ومسلم (٤/ ١٤١) (٣٤٦٠) وغيرهما.
(٥) الاستذكار (٥/ ٣٨٨).
[ ٢ / ٩١٩ ]
سواء بلغت أم لا، لأن لفظ البكر يعمها، واختلف في حد التعنيس فقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون (^١).
(وإن شاء شاورها) التخيير من غير أرجحية على حسب ظاهر قول المصنف، والذي في «الجواهر» وغيرها يستحب له استئذانها لحديث ابن عباس المذكور لأنه محمول على البكر إذا بلغت لأن غيرها لا يتأتى استئذانها (^٢).
(وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها) لحديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره» (^٣) وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها﴾ (^٤)، وفي الباب عن غيرهما، قال في «المدونة» (^٥): «لا تزوج اليتيمة التي يولي عليها حتى تبلغ وتأذن»، قال ابن ناجي: «إلا أن يكون نص الأب في الوصية على الإجبار فينزل منزلته»، ونص في «المختصر»: على أن الوصي ووصيه ينزل منزلة الأب في الإجبار بشرطين على سبيل البدل أحدهما: أن يعين له الزوج، والآخر: أن يأمره الأب بإجبار (^٦).
وهذا الثاني نص عليه الشيخ بعد قوله: ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها فعلى هذا يحمل قول الشيخ هنا حتى تبلغ على ما إذا لم يأمره الأب بالإنكاح، وما ذكره الوصي كالجد والأخ هو المعروف من المذهب (^٧)،
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات (٣\ ٥١٧).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٣\ ٥١٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٩٥١٦)، وابن حبان (٣٦٩٨)، وابن أبي شيبة (١٥٩٩٢).
(٤) أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي (٦\ ٨٧)، وفي الكبرى (٥٣٦٠)، وابن حبان (٤٠٧٩).
(٥) المدونة (٤\ ١٥٩).
(٦) الثمر الداني (٤٣٩)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٣\ ٥٢٠)
(٧) الذخيرة للقرافي (٤\ ٢١٩)، والتوضيح (٣\ ٥٢٠).
[ ٢ / ٩٢٠ ]
وقيل: له جبرها إن كانت مميزة وخيف فسادها مع بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي المراد أن يثبت عند القاضي موجبات التزويج من خوف فسادها بزنا أو ضيعة لفقر، وكونها بلغت عشر سنين فأكثر.
(ولا يزوج الثيب) البالغة العاقلة الحرة التي لم تزل بكارتها بعارض أو بزني رشيدة كانت أو سفيهة (أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول) لحديث ابن عباس ﵄ السابق فيه: «الثيب أحق بنفسها» (^١)، وحديث خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك «فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها» (^٢)، فرضاها معتبر ومخالفته مردودة، قال الحافظ (^٣): ورد النكاح إذا كانت ثيبا فزوجت بغير رضاها إجماع اهـ.
وقيدنا بالبالغة احترازا من الصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ فلا يتوقف تزويجها على رضاها بل حكمها حكم المجبرة، وبالعاقلة احترازا عن المجنونة؛ أي: عن الثيب البالغ المجنونة فإن الأب يجبرها ولو كان لها أولاد، وكذا الحاكم يجبر المجنونة البالغة إذا لم يكن هناك أب، وبالحرة احترازا من الأمة فإن للسيد جبرها اتفاقا، وبالتي لم تزل بكارتها إلخ مما أزيلت بكارتها بعارض فإن للأب جبرها اتفاقا، ومن أزيلت بكارتها بزني فكذلك على ما في «المدونة» (^٤)، وما ذكر من أنها تأذن بالقول فهو كذلك لما رواه مالك ومسلم أنه ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (^٥) والمراد بالأيم الثيب، والفرق بين البكر والثيب أن الحياء قائم في البكر، والثيب قد زال منها ذلك؛ أي: لم يوجد بتمامه.
(ولا تنكح المرأة) ذات الحال وهي التي لها شأن في قومها (إلا بإذن وليها) أو وكيله لما تقدم أن الولي شرط في صحة العقد ولا خلاف في ذلك.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٢٥)، ومسلم (٤/ ١٤١) (٣٤٦٠)، وأبو داود (٢٠٩٨).
(٢) مالك في الموطأ (١١١٣)، والبخاري (٥١٣٨).
(٣) الفتح (٩/ ١٠١).
(٤) المدونة (٤/ ١٥٦).
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٩٢١ ]
عندنا (أو) بإذن (ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان) للأحاديث السابقة في اشتراط الولي، ولقول عمر بن الخطاب ﵁: «لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان» (^١)، وعن عبد الرحمن بن القاسم: «أن عائشة كانت يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها زوج فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح» (^٢).
وعن ابن عباس بلفظ: «لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان» (^٣).
• شروط ولاية النكاح:
ذو الرأي من اجتمعت فيه شروط الولاية: وشروطها: الذكورة، والحرية، والعقل، والبلوغ، وعدم الإحرام، وعدم الكفر في المسلمة، وقوله: كالرجل من عشيرتها تفسير لذي الرأي وقوله: أو السلطان معطوف على ذي الرأي فأو للترتيب وإنما قيدنا المرأة في كلامه بذات الحال لقوله: (وقد اختلف في الدنية) وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال ولا مال ولا حال، فمتى اتصفت بجمال أو مال أو حال تكون شريفة، والحال ما يعد مفخرة كالنسب والحسب ككرم الآباء هل لها (أن تولي أجنبيا) وهو من له ولاية الإسلام مع وجود الولي الخاص الذي لا جبر له فقال ابن القاسم: يجوز لها أن توليه ابتداء مع وجود القريب؛ وقال أشهب: لا يجوز ذلك إلا لعدم القريب، فالشيخان متفقان على الصحة وإنما الخلاف بينهما في الجواز ابتداء هذا ما أفاده بعضهم، وأفاد التتائي خلاف ذلك وأن الخلاف بينهما إنما هو بالصحة وعدمها، فابن القاسم يقول بالصحة؛ أي: مع الكراهة وهو المعتمد،
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٥٢٥) رقم (١٠٩٣) ووصله الدارقطني عنه، والبيهقي (٧/ ١١١) رقم (١٣٤١٨).
(٢) البيهقي في السنن الكبرى (١٤٠٢٣). والبغوي في شرح السنة، المكتب الإسلامي - دمشق - بيروت (٤١/ ٩).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، كما في الفتح (٩/ ٩٨).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
وأشهب يقول بعدمها (^١).
• مراتب أولياء المرأة الثيب:
انتقل يتكلم على مراتب الأولياء بالنسبة للثيب فقال:
(والابن أولى أولى) بتزويج أمه على المشهور (من الأب)؛ لأنه أقوى العصبة بدليل أنه أحق بموالي مواليها من الأب؛ وقيل: إن الأب أولى منه حكاه الباجي من رواية المدنيين، واختار بعض الشيوخ أن لا ولاية للابن في هذا الباب إلا أن يكون من عشيرة أمه وهو القياس كما قال الباجي (^٢)، وفي «البداية» روي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن (^٣)، (والأب أولى) بنكاح ابنته للإجماع على ذلك (^٤) (من الأخ) الشقيق أو لأب، ولو اقتصر على قوله: ومن قرب من العصبة فهو أحق لكفى، ومعنى أحق على جهة الأولوية بدليل قوله (وإن زوجها البعيد) كالعم مع وجود الأقرب الخاص كالأخ (مضى ذلك) التزويج لأن الترتيب بينهما إنما هو على جهة الأولوية فقط كما أفاد ذلك معظم شيوخ المدونة، وأن مخالفته مكروهة فقط إن كان التزويج بكفء ولم يكن الخاص مجبرا (^٥)، فإن زوجها بغير كفء فإنه يرد؛ أي: يجب على الولي الأقرب رد النكاح ولو رضيت المرأة بذلك فإن لم يرده رفعت ذلك للإمام؛ أي: وجوبا لرده، ولا يجوز لها الرضا وإن زوجها مع وجود المجبر فسخ (وللوصي أن يزوج الطفل) الذكر الذي في (ولايته)؛ أي: له جبره على التزويج كالأب حيث كان في ذلك مصلحة كنكاحه من المرأة الموسرة أو الشريفة لأن إيجاب الوصي كإيجاب الأب، والأب له أن يزوجه بلا خلاف بين أهل العلم كما قال ابن المنذر (^٦)، لما روي أن ابن عمر ﵁
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/ ٦٠).
(٢) انظر: المنتقى للباجي (كتاب النكاح).
(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ١٢) ط: دار الفكر.
(٤) الإجماع لابن المنذر (ص ٧٤).
(٥) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٥/ ٦١ - ٦٢).
(٦) الأوسط (٨/ ٢٨٦)، والمغني (٧/ ٣٩٣).
[ ٢ / ٩٢٣ ]
زوج ابنه وهو صغير فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعا (^١)، ثم هذا في الغلام السليم من الجنون أما غيره ففيه خلاف.
(ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها) وأن يعين له الزوج كما لبعضهم كأن يقول له: «زوجها من فلان، لحديث قدامة بن مظعون لما زوج ابنة أخيه، فقال: أنا عمها، ووصي أبيها، فلم ينكر عليه» (^٢)، وعلى ما في «المختصر» يكفي إذا أمره بالإجبار أن يزوجها ممن شاء ولأن إنكاح البنت يراد منه دفع العار، والوصي لا ضرر عليه في وضعها عند من لا يكافئها وما يلتحق بذلك من العار فلم تثبت له الولاية كالأجنبي بخلافه في الذكر، ولأن الذكر له الفسخ إذا بلغ بخلاف الأنثى.
(وليس ذوو الأرحام من الأولياء) في النكاح وهم من كان من جهة الأم سواء كان وارثا كالأخ للأم أو غير وارث كالخال.
(والأولياء من العصبة) جمع عاصب وهو كل ذكر يدلي بنفسه أو بذكر مثله، والأقوى تعصيبا يقدم فيقدم الأخ الشقيق مثلا على الأخ للأب، قال ابن عمر الأنفاسي: ظاهر كلامه أن الولي لا يكون إلا من العصبة، وقد قال قبل هذا: أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان فتنافى كلامه سابقا ولاحقا ويجاب بمنع المنافاة برد ما هنا إلى ما تقدم بأن نقول: الولي لا يكون إلا من العصبة؛ أي: لا من ذوي الأرحام فلا ينافي أنه قد يكون غير عاصب بأن يكون كافلا أو حاكما فالحصر إضافي واختلف في قدر الكفالة التي يستحق بها الكافل تزويج المكفولة، فقيل: عشر سنين، وقيل: أقله أربعة أعوام، وقيل: العبرة بمدة يعد فيها مشفق ولأن الولاية في النكاح تثبت للأولياء لدفع
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ»: (٢/ ٥٢٧/ ١٠)، والشافعي رقم (١٥٦٣) من البدائع، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢٤٦)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٩٢، ٦/ ٤٧٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٣٠١، ٤/ ٣٠٢) من طرق عن نافع عن ابن عمر بمعنى القصة بعضهم أطول من بعض، ورواه سعيد (٩٢٥)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢٤٦) عن سليمان بن يسار عن ابن عمر به بنحوه.
(٢) المسند (٦١٣٦)، والبيهقي في الكبرى (١٣٤٣٤).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
العار عن النسب والنسب إنما هو للعصبة، ولهذا رجح بعضهم عدم ولاية الابن لأنه لا نسب بينه وبين الأم إلا أن يكون ابن عمها كما سبق.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه وذلك إذا ركنا وتقاربا.
ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع.
ولا نكاح بغير صداق ولا نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل.
ولا النكاح في العدة ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق ولا بما لا يجوز بيعه وما فسد من النكاح لصداقه فسخ قبل البناء فإن دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل.
وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا ولا يحصن به الزوجان).
الشرح
• حرمة خطبة المسلم على خطبة أخيه إذا تراكن الطرفان:
(ولا يخطب أحد على خطبة أخيه) بكسر الخاء طلب التزويج (ولا يسوم على سومه) لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، …» (^١)، زاد ابن جريج عن نافع عن ابن عمر ﵁: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب» (^٢).
قال الفاكهاني: رويناه في هذا الموضع بضم الفعلين، وقال الأقفهسي:
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٤٩٠)، والبخاري (٧/ ٢٤) (٥١٤٢)، ومسلم (٤/ ١٣٨) (٣٤٣٨).
(٢) رواه البخاري (٤٨٤٨).
[ ٢ / ٩٢٥ ]
الفعلان مجزومان على النهي هكذا الرواية نقلا للحديث بلفظه، وعلى ما قال الفاكهاني يكون بلفظ الخبر ومعناه النهي (^١) (وذلك) النهي عن الخطبة على الخطبة، والسوم على السوم حرام بشرط (إذا ركنا) بفتح الكاف وكسرها، وإضافة شرط إلى ما بعده للبيان (وتقاربا)؛ أي: الزوجان، أو المتبايعان، والتراكن في النكاح أن تميل إليه ويميل إليها، والتقارب في النكاح اشتراط الشروط بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول، فإذا صار التراكن والتقارب حرمت خطبة الثاني، وإذا عقد عليها، ندب فسخ النكاح إن اطلع على هذا التعدي قبل الدخول، وقيل: يجب فسخه قبل الدخول وبعده، لأن فاعل ذلك بمنزلة من تزوج زوجة غيره (^٢)؛ لحديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة … الحديث» (^٣)، ووجه الدلالة منه عدم إنكاره ﷺ على خطبة الثلاثة، وإشارته بإنكاح أسامة وذلك محمول على أنه لم يحصل منها ركون إلى أحد من الثلاثة، وأحاديث النهي محمولة على ما إذا حصل الركون جمعا بين الأدلة، ومثله حديث الثلاثة الذين كلموا عمر ﵁ أن يخطب عليهم امرأة من دوس، «فخطبها لنفسه لأنه لم يحصل منها ركون لأحدهم فزوجت نفسها عمر ﵁» (^٤). اهـ.
• الأنكحة الفاسدة:
نكاح الشغار:
شرع يبين الأنكحة الفاسدة فقال: (ولا يجوز نكاح الشغار) بكسر الشين وبالغين المعجمتين؛ وهو على ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٤/ ٤١٣)، ط: الريان، وانظر: تنكيت ابن عاشور على الحديث في كشف المغطى (٢٤٩) ط: دار السلام.
(٢) انظر: الكافي (٢٣٠) والزرقاني (٣/ ١٦٤)، والذخيرة للقرافي (٤/ ١٩٨)، والتوضيح (٤/ ٢٩).
(٣) مالك في الموطأ (١٢١٠)، ومسلم (٣٧٧٠).
(٤) المعونة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٠٥).
[ ٢ / ٩٢٦ ]
١ - صريح الشغار.
٢ - ووجه الشغار.
٣ - ومركب منهما.
واقتصر الشيخ على الأول فقال (وهو البضع بالبضع) لحديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (^١)، وفي رواية بعضهم: أن التفسير مدرج من كلام نافع ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام»» (^٢).
وهل الشغار مشتق من الرفع تقول: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول، وإنما يفعل ذلك عند بلوغه وهو موجود في المرأة عند الجماع.
أو من الخلو: وهو رفع الصداق بينهما تقول: شغرت البلد؛ أي: خلت من الناس ولذا استعمل في النكاح بدون مهر (^٣).
وصريح الشغار: أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
ووجه الشغار: أن يسمى لكل واحدة صداقا، مثل أن يقول: زوجني ابنتك بخمسين على أن أزوجك ابنتي بخمسين.
والمركب منهما: أن يسمى لواحدة دون الأخرى مثل أن يقول: زوجني ابنتك بخمسين على أن أزوجك ابنتي بغير شيء.
وحكم الأول: أنه يفسخ بطلاق على المشهور قبل الدخول وبعده وإن ولدت الأولاد وللمدخول بها صداق المثل ولا شيء لغير المدخول بها.
_________________
(١) أخرجه مالك «الموطأ» ١٥٢٩، والبخاري (٧/ ١٥) (٥١١٢)، ومسلم (٤/ ١٣٩) (٣٤٤٩).
(٢) مسلم ٤/ ١٣٩ (٣٤٥٢).
(٣) التوضيح (٤/ ١٦٦ - ١٦٧).
[ ٢ / ٩٢٧ ]
وحكم الثاني: أنه يفسخ قبل البناء لا بعده على المشهور ولكل واحدة منهما الأكثر من المسمى وصداق المثل.
وحكم الثالث أنهما يفسخان ويثبت نكاح المسمى لها بعد البناء واختلف هل لها صداق المثل أو الأكثر من المسمى وصداق المثل تأويلان (^١).
ويفسخ نكاح التي لم يسم لها وليس لها إلا صداق المثل (ولا) يجوز (نكاح بغير صداق) للآيات المتقدمة والأحاديث وذلك إذا شرطا إسقاطا فإن وقع فالمشهور أنه يفسخ قبل الدخول وليس لها شيء، وفي فسخه بطلاق قولان، ويثبت بعده بصداق المثل ويلحق به الولد ويسقط الحد لوجود الخلاف (^٢).
نكاح المتعة:
(و) كذلك (لا) يجوز (نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل) إجماعا، والفسخ فيه بغير طلاق وقيل: «بطلاق ويعاقب الزوجان» (^٣)، وللأحاديث الكثيرة الدالة على تحريمها منها حديث علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية» (^٤) وحديث سبرة الجهني (^٥) أنه كان مع النبي ﷺ فقال: «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (^٦)، وفي رواية عنه: «أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة» (^٧) وذهب إلى أنه أصح ما روي في ذلك،
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ١٥٢).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) مواهب الجليل (٥/ ٨٥).
(٤) مسلم (١٤٠٧).
(٥) حرف في المسالك إلى بسرة.
(٦) رواه مسلم (١٤٠٦).
(٧) مسلم (١٤٠٦).
[ ٢ / ٩٢٨ ]
قال أبو عمر في «الاستذكار» (^١): لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه.
والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق وليس هذا من حكم الزوجة عند أحد من المسلمين.
وقد حرم الله ﷿ الفروج إلا بنكاح صحيح، أو ملك يمين. وليست المتعة نكاحا صحيحا، ولا ملك يمين، وقال ابن أبي ذئب: سمعت ابن الزبير يخطب، فقال في خطبته: إن الذئب يكنى أبا جعدة، ألا وإن المتعة هي الزنا … حتى قال ابن الزبير: لو متع ابن عباس لرجمته. اهـ.
وظاهر كلام المصنف كخليل والمدونة وغيرها قرب الأجل أو بعد بحيث لا يدركه عمر أحدهما (^٢).
قال ابن رشد: هو نكاح بصداق وولي وشهود وإنما فسد من ضرب الأجل، وحكمه أنه يفسخ أبدا بغير طلاق، فيفيد أنه من المتفق على فساده، وعليه فمن نكح امرأة نكاح متعة ولم يتلذذ بها جاز لأبيه وابنه نكاحها، ويعاقب فيه الزوجان ولا يبلغ بهما الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات، لكن يؤدبان أدبا غليظا لأن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: «إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت» (^٣)، والولد لاحق لأبيه لأن النكاح فيه شبهة، وعليها العدة كاملة، ولا صداق لها إن كان الفسخ قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول فلها صداق المثل مطلقا سمي لها صداقا أم لا.
أما إذا تزوج ولم يذكر الأجل في عقد النكاح، وأضمره الزوج في نفسه
_________________
(١) الاستذكار (٥/ ٥٠٨).
(٢) انظر: الشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٩٣)، ومواهب الجليل للحطاب (٥/ ٨٥).
(٣) مالك في الموطأ (١٩٩٤).
[ ٢ / ٩٢٩ ]
فليس ذلك من نكاح المتعة المحرم، وهذا ما لم يتكلم به الزوج ولو تبين للمرأة أن الرجل يريد فراقها بعد حين لما في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» (^١).
النكاح في العدة:
(و) كذا (لا) يجوز (النكاح)؛ بمعنى: العقد على المرأة حال كونها (في العدة) إجماعا، سواء كانت عدة وفاة أو طلاق كان الطلاق بائنا أو رجعيا، لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥] (^٢)، ولحديث فاطمة بنت قيس وفيه: أن النبي ﷺ قال لها: «إذا حللت فاذنيني» (^٣)، وفي لفظ: «لا تسبقيني بنفسك» وفي آخر: «لا تفوتينا بنفسك» ولأن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا، وقال: قال سعيد بن المسيب: «ولها مهرها بما استحل منها» (^٤).
_________________
(١) مسلم (١١٧/ ١)، وانظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (٢٩٣/ ٢)، وشرح الزرقاني (١٩٠/ ٣).
(٢) وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧٨/ ٣).
(٣) مسلم (٣٧٨٥).
(٤) الموطأ (١٩٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤٤١/ ٧) رقم (١٥٣١٦). والأثر منقطع لأن سليمان وسعيدا لم يدركا عمر ﵁، وقال ابن العربي في القبس: أنه إجماع من الصحابة ويؤيده حديث فاطمة إذ لو كان جائزا لما طلب منها أن تخبر بانقضاء عدتها، والله أعلم. وحكى الإجماع القرطبي كما قال الزرقاني في شرح الموطأ (٣/ ١٦٤)، وانظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٤/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٩٣٠ ]
وكما قلنا فالإجماع على ذلك فمن عقد على معتدة فسخ بغير طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، فإن دخل بها عوقبا والشهود إن علموا، ولها المسمى، ويلحق الولد، ولا يتوارثان إذا حصل موت قبل الفسخ لفساد العقد، ويتأبد تحريمها عليه وعلى أصوله وفروعه بشرط كونها معتدة من وفاة أو طلاق بائن، ومقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة في العدة كالوطء فيها، وتخالفه إذا وقعت بعد العدة فلا تحرم بها كما إذا لم يدخل بها أصلا ولا حصل منه مقدمات لا قبل ولا بعد وإنما حصل مجرد عقد وفسخ فلا يتأبد تحريمها ويجوز له أن يتزوجها بعد العدة إن شاء.
• أنواع أخرى من الأنكحة الفاسدة:
(ولا) يجوز النكاح على (ما جر إلى غرر في عقد) كالنكاح على الخيار، لأنه لا يدري هل من له الخيار يمضي العقد أو لا (أو) جر إلى غرر (صداق) كالنكاح على عبد آبق أو بعير شارد، لأنه عقد بمعين لا يملكه الناكح، ولأن الصداق عوض في عقد فلا يجوز بما ذكر كالعوض في البيع والإجارة (و) كذا (لا) يجوز النكاح (بما لا يجوز بيعه) شرعا كالخمر والخنزير لحديث عائشة مرفوعا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد» (^١)، والنكاح أمر شرعي فلا يجوز بمحرم في الدين فإن وقع شيء من ذلك فسخ قبل البناء ولا صداق لها ويثبت بعده بصداق المثل.
مسألة: (وما فسد من النكاح لصداقه) كالنكاح بما لا يجوز تملكه شرعا كالخمر أو يجوز لكنه لا يصح بيعه كالآبق (فسخ قبل البناء) بطلاق ولا صداق فيه، وإن قبضته ردته لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]، والمحرم ليس من أموال المسلمين فارتفعت الحلية ووجب الفسخ (فإن) لم يعثر عليه إلا بعد أن (دخل بها مضى)؛ أي: ثبت (وكان فيه صداق المثل)؛ أي: مثلها في الحال؛ أي: الدين والحسب
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٣/ ٢٤١)، ومسلم (٥/ ١٣٢).
[ ٢ / ٩٣١ ]
والنسب والجمال واليسار، لأن صداق المثل يقل ويكثر باختلاف ما ذكرناه في النساء من الجمال والمال والشرف فقد أخبر النبي ﷺ في قوله: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» (^١) أن الغرض الذي يقصد من المرأة وعليه يبذل الصداق هو هذه الأشياء (^٢)، ولأن الصداق حينئذ وجب بالدخول فلا يوجد المعنى الذي لأجله فسخ قبل الدخول ثم لما كان المسمى حراما وجب صداق المثل (وما فسد من النكاح ل أجل (عقده) كالنكاح بغير ولي فسخ قبل البناء (و) وإذا فسخ قبل البناء لا صداق فيه وإذا (فسخ بعد البناء ففيه المسمى) هذا إن سمى صداقا وإلا فصداق المثل لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل»، ثلاث مرات «فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (^٣)، وفي رواية: «فلها ما أعطاها»، وهذا كله إن سمي صداقا وإلا فصداق المثل (وتقع به)؛ أي: بالنكاح الذي يفسخ بعد البناء وكان متفقا على فساده (الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح) للإجماع حكاه ابن المنذر (^٤)؛ ولأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح.
قال الأقفهسي: معنى وقوع الحرمة به أن المرأة التي بنى بها بالنكاح الفاسد تحرم عليه أمها وابنتها، وتحرم هي على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح الصحيح، وأما لو فسخ النكاح الفاسد المتفق على فساده قبل البناء لم تقع به حرمة إلا أن يفعل شيئا من مقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة، وأما النكاح المختلف في فساده فتقع الحرمة بعقده (^٥).
ولما شبه النكاح الفاسد بالصحيح في الحرمة وخشي أن يتوهم مساواته
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (٤/ ١٧٥) (١٤٦٦)، وابن ماجه (١٨٦٠).
(٢) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٠٢).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الإجماع لابن المنذر (٧٧).
(٥) كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، أبو الحسن المالكي (٢/ ٧١).
[ ٢ / ٩٣٢ ]
له في كل الوجوه رفع ذلك بقوله: (ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا)؛ أي: بالنكاح الفاسد بعد البناء؛ أي: المتفق على فساده ولو تكرر وطؤه لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح وهذا فاسد، وأما المختلف في فساده وطلقت بعد الوطء فإن تكرر وطؤه بحيث ثبت النكاح حلت، وأما لو طلقت بعد أول وطأة ففي حلها تردد مبني على أن النزع هل هو وطء أو لا؟ وإنما حصل التحريم بالوطء دون التحليل احتياطا من الجانبين، (ولا يحصن به الزوجان)، لأن من شروط الإحلال والإحصان صحة العقد، ولأن الإحصان متعلق بالكمال وتمام الحرمة فلم يؤثر فيه العقد الفاسد، لأنه مضاد للكمال ومناف له فلا تحصل به صفات الكمال، فما قاله هنا مفسر لما قاله أول الكتاب: «إن مغيب الحشفة يحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها»، بأن يحمل ما تقدم على ما إذا كان صحيحا أو مختلفا في فساده.
• المحرمات بالنسب والرضاع وغيرهما:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال جل: ﴿حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ فهؤلاء من القرابة.
واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسابكم وربائبكم التي في حجوركم من نسابكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلبل أبنابكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣].
﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب.
ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على آبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم
[ ٢ / ٩٣٣ ]
عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلقذ بها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهة من نكاح أو ملك ولا يحرم بالزنا حلال.
وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح، ويحل وطء الكتابيات بالملك، ويحل وطء حرائرهن بالنكاح، ولا يحل وطء إمائهن بالنكاح لحر ولا لعبد.
ولا تتزوج المرأة عبدها ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته ولا أمة ولده، وله أن يتزوج أمة والده وأمة أمه وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره، وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره.
ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات وللحر ذلك إن خشي العنت ولم يجد للحرائر طولا).
الشرح
• المحرمات من النساء بالقرابة على جهة التأبيد (^١):
(وحرم الله سبعا بالقرابة) لقوله ﷿: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]، والأمهات جمع أم وهي المرأة التي ولدتك وإن علت، فأمك المباشرة عليك وكذلك الجدات سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم، كأم الأب وأم الأم، وأم الجد للأب وأم الجد للأم.
(وبناتكم) جمع بنت وهي كل من لك عليها ولادة وإن بعدت، سواء كانت من جهة أبنائك أو بناتك مهما نزلت.
(وأخواتكم) جمع أخت وهي كل امرأة شاركتك في رحم أو صلب أو فيهما معا.
_________________
(١) انظر: القبس لابن العربي (٢/ ٦٧٩)، وقد ذكر هناك جملة ما حرم الله من النساء: أربعين امرأة فانظره تستفد. وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٩٣) (٥/ ١٠٥، ١٠٨، ١٢٥).
[ ٢ / ٩٣٤ ]
(وعمتكم) جمع عمة وهي كل امرأة اجتمعت مع أبيك في رحم أو صلب أو فيهما، كالعمة الشقيقة للأب، وأخته لأبيه أو لأمه.
(وخلتكم) جمع خالة وهي كل امرأة اجتمعت مع أمك في رحم أو صلب أو فيهما معا، الخالة شقيقة الأم، وأختها لأبيها، أو لأمها، وكذلك خالة الأب وخالة الأم وأمهاتهن مهما بعدن، شقيقات كن، أو لأب أو لأم، لعموم دخول هؤلاء في قوله تعالى: ﴿وعمتكم وخلتكم﴾.
(وبنات الأخ) وهي كل امرأة لأخيك عليها ولادة فهي بنت أخيك كان الأخ شقيقا أو لأب أو لأم، وإن بعدت كبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ وإن سفلت.
(وبنات الأخت) وهي كل امرأة لأختك عليها ولادة فهي بنت أختك كانت الأخت شقيقة أو لأب أو لأم لعموم دخولهن جميعا في قوله تعالى: (وبنات الأخ).
(فهؤلاء) السبعة (من القرابة).
• المحرمات من الرضاع والمصاهرة:
قال المصنف: وحرم الله سبحانه (وسبعا بالرضاع والصهر، و) أما السبعة (اللواتي من الرضاع والصهر) فأشار إليها بقوله تعالى:
(وأمهتكم التي أرضعنكم) سواء كانت المرضعة بكرا أو ثيبا أو متجالة ولو كانت غير بالغ بل ولو كانت خنثى مشكلا حية كانت أو ميتة حيث كان في ثديها لبن ولو مع الشك.
(وأخواتكم من الرضعة) كان الرضاع في زمن واحد بأن صاحبتك في الرضاع أو في أزمنة بأن أرضعت قبل أن ترضع أو بعد أن رضعت ولم يذكر في القرآن من المحرم بالرضاع إلا الأم والأخت فالأم أصل والأخت فرع فنبه تعالى بذلك على جميع الأصول والفروع؛ أي: فروع الأصول.
(وأمهات نسائكم) وهي كل امرأة لها على زوجتك ولادة فهي أم امرأتك وإن علت وسواء عقد له عليها في حال بلوغه أو صباه وجمهور أهل
[ ٢ / ٩٣٥ ]
العلم على أنها عامة فيمن دخل بها، ومن لم يدخل بها فالعقد على البنت يحرم أمها، وكذا تحرم أم الزوجة بالرضاع وغير الجمهور كعلي وابن عباس ﵄ قالا: إن قوله ﷿: ﴿التي دخلتم بهن﴾ شرط في هذه، وفي الربيبة فعلى مذهبهما إذا تزوج رجل امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فيجوز له أن يتزوج بأمها (^١)، قال القرطبي: حديث خلاس عن علي ﵁ لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة.
(وربائبكم) جمع ربيبة فعيلة بمعنى مفعولة أو مربوبة؛ أي: مولى أمرها وهي بنت الزوجة.
وقوله: ﴿التي في حجوركم من نسابكم﴾ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له إجماعا إلا ما روي عن علي ﵁ أنها لا تحرم إذا لم تكن في الحجر، والحجر بفتح الحاء وكسرها مقدم ثوب الإنسان ثم استعمل في الحفظ والستر مجازا مرسلا من استعمال اسم السبب في المسبب، لأن الحجر سبب للستر في الجملة واختلف في معنى الدخول من قوله تعالى: ﴿التي دخلتم بهن﴾ فقال الشافعي ﵁: هو الجماع، وأفاد البيضاوي أن قوله تعالى: ﴿دخلتم بهن﴾؛ أي: دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع (^٢)؛ أي: كناية مشهورة، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله هو التمتع من اللمس والقبلة إلخ، فإن لم يقع شيء من ذلك فالربيبة حلال وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾؛ أي: لا إثم عليكم حينئذ في نكاح الربيبة.
تنبيه: وهم القرطبي في تخريج حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت» فقال
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٦).
(٢) تفسير البيضاوي (٢/ ١٦٨)، دار النشر: دار الفكر، بيروت.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
رحمه الله تعالى: أخرجه في «الصحيحين»، وهو ليس كذلك، لأنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وليس هذا الإسناد من رجال الصحيحين (^١)، والله أعلم.
وقوله: ﴿وحلبل أبنابكم﴾ جمع حليلة وهي زوجة الابن وإن سفل دخل بها الابن أو لم يدخل وقوله تعالى: ﴿الذين من أصلابكم﴾؛ تخصيص ليخرج من عمومه التبني؛ أي: من عموم أبنائكم الأبناء بالتبني وتحرم عليه حليلة الابن من الرضاع بالإجماع المستند إلى قوله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (^٢)، أي: فالابن من الرضاع حكم ابن الصلب في حرمة حليلته، والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها (^٣).
﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ سواء كان بنكاح أو ملك أو كانت واحدة بنكاح وأخرى بملك فيمتنع أيضا، أما الجمع للاستخدام فلا بأس به ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء منقطع؛ معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله يغفره والإسلام يجبه؛ أي: يمحوه من الصحف بحيث صار لا يؤاخذ عليه، وليس هذا مثل قوله: إلا ما قد سلف في نكاح منكوحات الآباء؛ لأن نكاح منكوحات الآباء لم يشرع قط، وإنما كانت جاهلية وفاحشة شائعة، ونكاح الأختين كان شرعا لمن قبلنا نسخه الله تعالى فينا.
وقال تعالى: (﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾)
_________________
(١) والحديث رواه البيهقي (١٤٢٨٤)، (٧/ ١٦٠) وقال فيه: المثنى بن الصباح غير قوي وقد تابعه على هذه الرواية عبد الله بن لهيعة عن عمرو. وبعد أن بينت هذا وجدت الألباني رحمه الله تعالى أشار إليه في السلسلة الضعيفة فقال: وأنكر مما سبق ما وقع في تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن» (٥/ ١٠٦ ١٠٧): «أخرجه في الصحيحين»! وهذا وهم محض، ولعله من بعض النساخ. والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٢) (٢٦٤٥)، ومسلم (٤/ ١٦٤) (٣٥٧٣).
(٣) كفاية الطالب الرباني (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ٩٣٧ ]
[النساء: ٢٢]، سواء دخل بها الأب أولم يدخل فبالعقد تحرم على الابن، وكذلك زوجة الجد لأنه أب، وثبت في بعض النسخ إلا ما قد سلف ومعناه ما تقدم قبل الإسلام، ولما لم يكن في القرآن من المحرمات بالرضاع صريحا إلا الأم والأخت وكان جميع الأصول والفروع حكمهم حكم من ذكر أتى بما يدل على ذلك عموما.
ثم قال: (وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب) فقال: «إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب» من حديث علي ﵁ (^١)، وعن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (^٢)، وللباقين: «ما يحرم من الولادة» (^٣)؛ ولما لم يكن في الآية ما يدل على تحريم الجمع بين الأختين وألحقت السنة بهما الجمع بين سائر المحارم نبه على ذلك بقوله: (ونهى)؛ أي: النبي ﷺ (أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها» (^٤)، قال ابن شاس: والضابط أن كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاعة ما يمنع تناكحهما لو قدرت إحداهما ذكرا لحرم الجمع بينهما في العقد والحل؛ أي: حلية الوطء فإن جمعهما في العقد بطل النكاحان وفسخا أبدا، وإن حصل دخول بهما بلا طلاق ولا مهر لمن لم يدخل بها إن جمع بينهما في الحل، فإن علمت الأولى فسخ نكاح الثانية وثبت نكاح الأولى ويفسخ نكاح من ادعى أنها ثانية لكن بطلاق، وإن لم تعلم الأولى من الثانية ولم يدع الزوج العلم بأولية إحداهما فإنه يفسخ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٣١) (١٠٩٦)، والترمذي (١١٤٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) البخاري (٤٨١١، ٢٩٣٨)، ومسلم رقم (١٤٤٤).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٢٩)، وأحمد (٢/ ٤٦٢) (٩٩٥٣)، والبخاري (٥١٠٩)، ومسلم (٣٤١٩)، والنسائي (٦/ ٩٦)، وفي «الكبرى» (٥٣٩٧).
[ ٢ / ٩٣٨ ]
نكاحهما؛ ثم ذكر مسائل داخلة فيما تقدم على وجه التفسير فقال:
(فمن نكح امرأة حرمت ب) مجرد (العقد) عليها (دون أن تمس)؛ أي: توطأ (على آبائه وأبنائه) بمجرد العقد عليها ولا تتوقف حرمتها على الوطء، فقوله: حرمت عل آبائه تفسير لقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ وقوله وأبنائه تفسير لقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وقوله: (وحرمت عليه أمهاتها) تفسير لقوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ فبالعقد على البنت تحرم الأم دخل بها أو لم يدخل، فعن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: «سئل زيد بن ثابت، عن رجل تزوج امرأة، ثم فارقها قبل أن يصيبها. هل تحل له أمها؟، فقال زيد بن ثابت: لا، الأم مبهمة. ليس فيها شرط، وإنما الشرط في الربائب» (^١).، وعن ابن عباس أنه كان يقول: «إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها وماتت، لم تحل له أمها» (^٢).
«وعن ابن مسعود أنه رخص في ذلك لما كان بالكوفة ثم قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب فرجع إلى الكوفة فلم يصل إلى منزله حتى جاء الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته» (^٣).
وقوله: (ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها) ولو بالنظر لغير الوجه ومثل الوجه الكفان (بنكاح أو ملك يمين) هذا خروج لغير الموضوع لأن الموضوع أنه عقد على الأم أو يتلذذ بها (بشبهة من نكاح أو) شبهة (من ملك) تفسير لقوله تعالى: ﴿وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ مع الآثار السابقة وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد (١٩٥٠)، شرح الزرقاني (٣/ ١٨٢). وقال البيهقي: هذا منقطع وقد روي عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت ﵁ قال: إن كانت ماتت فورثها فلا تحل له أمها، وإن طلقها فإنه يتزوجها إن شاء. وقول الجماعة أولى.
(٢) انظر: التلخيص الحبير بن حجر العسقلاني (٣/ ٣٤٣) وإسناده قوي.
(٣) نفس المرجع السابق (٣/ ١٨٣).
[ ٢ / ٩٣٩ ]
بها حرمت عليه أمهاتها ولم تحرم عليه بنتها» (^١)، ولما ذكره مالك في «الموطأ»: «أن عمر بن الخطاب وهب لابنه جارية فقال: لا تمسها فإني قد كشفتها» (^٢)، وفي «الموطأ» آثار عن بعض التابعين في ذلك (^٣)، إذا فبالعقد على الأم لا تحرم البنت وإنما يحرمها الدخول بها؛ أي: وطؤها أو التلذذ ولو بالنظر لجسدها والنظر للوجه ولو مع لذة لغو اتفاقا، ومثله اليدان مثال التلذذ بالنكاح الصحيح ظاهر، ومثال الشبهة من النكاح أن ينكح خامسة أو معتدة غير عالم ويتلذذ بها أو يطأ امرأة يظنها زوجته فيحرم عليه فرع كل واحدة من المذكورات وأصلها.
وضابط نكاح الشبهة أن ينكح نكاحا فاسدا مجمعا على فساده لكن يدرأ الحد، كأن يتزوج بمعتدة، أو خامسة، أو ذات محرم غير عالم ويتلذذ بها، أو يطأ امرأة يظنها زوجته فيحرم عليه أصل كل واحدة منهن وفرعها.
مسألة: (ولا يحرم بالزنا حلال) المعنى: أن من زنى بامرأة ولو تكرر زناه بها لا يحرم عليه به أصلها ولا فرعها، بل يحل له أن يتزوج بأمها أو بنتها التي لم تتخلق من مائه، وأما هذه فتحرم عليه، ومن باب أولى يجوز لأصله وفرعه أن يتزوج بتلك المرأة، ومثله قول مالك في «الموطأ»: «فأما الزني فإنه لا يحرم شيئا من ذلك» (^٤)، وظاهر قوله في «المدونة» خلافه ونصها: وإن زنى بأم زوجته أو بنتها فليفارقها، فحمل أكثر الشيوخ هذه المفارقة على الوجوب فاختلف ما في «الموطأ» وظاهر المدونة، فأكثر الشيوخ رجح ما في «الموطأ» وهو المعتمد، لأن كل أصحاب مالك عليه ما عدا ابن القاسم، ومنهم من رجح ما في «المدونة» لما ذكره ابن حبيب عن مالك أنه رجع عما في «الموطأ» وأفتى بالتحريم إلى أن مات (^٥)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾
_________________
(١) الترمذي (١٠٣٦).
(٢) شرح الزرقاني (٣/ ١٩٤).
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ١٩٤).
(٤) الموطأ (٩٧٩).
(٥) المصدر السابق (٣/ ١٨٣).
[ ٢ / ٩٤٠ ]
ولم يذكر الزنا في جملة ما وقع به التحريم والحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم الحرام الحلال» (^١)، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة والتابعين واستدل مالك في «الموطأ» (^٢) بقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ قال: فإنما حرم ما كان تزويجا ولم يذكر تحريم الزنا فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه امرأته فهو بمنزلة التزويج الحلال فهو الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا (^٣).
(وحرم الله ﷾) على المسلم (وطء الكوافر) جمع كافرة (ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح) لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]، واتفق أهل العلم على أن النكاح والملك فيه سواء، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، ولعله لم يعتبر خلاف من خالف فيه لشذوذه، لأن كل صنف حرم وطء حرائرهم بعقد النكاح، حرم وطء إمائهم بملك اليمين كالأخوات والعمات، قال الفاكهاني: الشرك يشمل المجوس والصابئة وهم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة، ويشمل عبدة الأوثان وغيرهم وهم من يعبدون غير الصنم، فعبدة الأوثان من يعبدون الصنم، وغيرهم من يعبدون الشمس والقمر.
(ويحل) للمسلم (وطء) الإماء (الكتابيات بالملك) لقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦] (ويحل) للمسلم ولو كان عبدا (وطء حرائرهن)؛ أي: الكتابيات (بالنكاح) لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين﴾ [المائدة: ٥] وهن الحرائر أو العفائف الكتابيات، وللإجماع حكاه ابن جرير وابن المنذر (^٤)، لكن صح عن ابن عمر خلافه، روي عن
_________________
(١) ابن ماجه (٢٠١٥)، قال الشيخ الألباني: «ضعيف». انظر: حديث رقم (٦٣٣١) في ضعيف الجامع.
(٢) الموطأ (١٩٥٤).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٦).
(٤) الإجماع لابن المنذر (٧٨).
[ ٢ / ٩٤١ ]
عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ عدم جواز نكاح الكتابية الحرة محتجا بآية البقرة، قال: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن ربها عيسى، قال أبو عمر (^١): وهذا قول شد فيه ابن عمر عن جماعة الصحابة ﵃ وخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخسرين﴾ [المائدة: ٥]، ولم يلتفت أحد من علماء الأمصار قديما وحديثا إلى قوله ذلك، لأن إحدى الآيتين ليست بأولى بالاستعمال من الأخرى، ولا سبيل إلى نسخ إحداهما بالأخرى ما كان إلى استعمالهما سبيل، فآية سورة البقرة عند العلماء في الوثنيات، والمجوسيات، وآية المائدة في الكتابيات، وقد تزوج عثمان بن عفان ﵁ بنت القرافصة النصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله ﵁ يهودية، وتزوج حذيفة ﵁ يهودية وعنده حرتان مسلمتان عربيتان، وقد كره أهل العلم نكاح الحربية منهن والمقام معها في بلدها. اه وكان عمر ﵁ يكره ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، وروى ابن جرير من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه اه (^٢)، قال في الذخيرة: لما تشرف أهل الكتاب بالكتاب ونسبتهم إلى المخاطبة من رب الأرباب أبيح نساؤهم وطعامهم وفات غيرهم هذا الشرف بحرمانهم (^٣)، (ولا يحل وطء إمائهن)؛ أي: إماء الكتابيات (بالنكاح) لا (لحر ولا لعبد) مسلمين سواء خاف على نفسه العنت أم لا لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فنيتكم
_________________
(١) الاستذكار للحافظ ابن عبد البر (٥/ ٤٩٦).
(٢) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.
(٣) الذخيرة للقرافي (٤/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٩٤٢ ]
المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات فشرط الإيمان فيهن.
(ولا تتزوج المرأة عبدها) للإجماع حكاه ابن المنذر (^١) وسواء كان كامل الرق أو مبعضا أو كان فيه بعض عقد من حرية كالمكاتب لتعارض الحقوق، لأنه لو تزوجها لكان له عليها سلطنة الزوجية وهي لها عليه سلطنة الملك، فإذا وقع فإنه يفسخ بغير طلاق، لأنه متفق على فساده، ولأن أحكام الملك والنكاح تتناقض فالمرأة بحكم الملك تأمر بالسفر إلى المشرق، والعبد بحكم النكاح يأمر بالسفر إلى المغرب، والمرأة بحكم النكاح تطالبه بالنفقة، والعبد بحكم الملك يطالبها بالنفقة، ولخبر جابر بن عبد الله ﵄: «أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر وهم برجمها، وقال: لا يحل لك» رواه عبد الرزاق (^٢)، وروى ابن أبي شيبة عن الحكم: «أن عمر كتب في امرأة تزوجت عبدها أن يفرق بينهما ويقام الحد عليهما» (^٣) وروي عنه من وجوه أخرى، وفي الباب آثار ذكر الكثير منها سحنون في المدونة.
(و) كذلك (لا) تتزوج المرأة (عبد ولدها) لأنه كعبدها إذ لو مات لورثته، ولأن لها شبهة في ماله إذ لا تقطع إذا سرقت من ماله.
(و) كذلك (لا) يتزوج (الرجل أمته) لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا يمنع منها ملك اليمين فبطل، ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه.
(و) كذلك (لا) يتزوج الرجل (أمة ولده) للشبهة التي له في مال ولده، ولحديث: «أنت ومالك لأبيك» (^٤)، ولذا لا يقطع إذا سرق من مال ولده، ولا
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (ص ٤٢).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢٨١٧) (٧/ ٢٠٩).
(٣) المصنف (٢٨٧٦١) (٥/ ٥٣٧)، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت.
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٨) وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢)، وصححه
[ ٢ / ٩٤٣ ]
يحد إذا وطئ أمته، وتجب نفقته عليه إن احتاج فهو في معنى من تزوج أمة نفسه فإن وقع النكاح على شيء مما ذكر فسخ بغير طلاق.
(وله)؛ أي: وللرجل (أن يتزوج أمة والده) الحر وإن علا ما لم يستمتع بها الوالد بوطء أو قبلة أو مباشرة لما مر من أقوال الصحابة والتابعين الذين نهوا أبناءهم عن قربان إمائهم اللائي وقع لمسهن أو مباشرتهن أو النظر إليهن بشهوة، ولو كان غير ذلك لجاز، فقد روى مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ وهب لابنه جارية، ثم قال: «لا تمسها فإني قد كشفتها» (^١)، (و) كذلك يباح له أن يتزوج (أمة أمه) الحرة وإن علت، لأنه لا شبهة له في مالهما إذ لو سرق من مالهما قطع، أو زنى بأمة إحداهما حد، ولا يشترط في جواز تزويجهما خوف العنت، لأن ولده يعتق على أبويه وإنما يشترط ذلك إذا كانا عبدين لأن الولد للسيد.
(و) كذلك يباح (له) أيضا (أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره) هذا واضح إذا كانت البنت معها قبل التزويج وانفصلت من الرضاع، أما إذا تزوجها وهي ترضعها أو طلقها الأب ثم تزوجت بعده برجل وأولدها بنتا فهل لابن الزوج الأول أن يتزوج هذه البنت أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: استظهر منها المنع والكراهة احتياطا، ثم ذكر عكس هذه المسألة بقوله:
(وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره)؛ أي: غير أبيها هذا إذا تزوجها أبوها بعد انقطاع الولد من الرضاع، أما إذا تزوجها وهي ترضعه فهو أخو الربيبة من الرضاع.
(ويجوز للحر والعبد) المسلمين (نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات) اتفاقا في حق الحر لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] ولحديث قيس بن الحارث ﵁ قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «اختر منهن أربعا» (^٢)، وحديث
_________________
(١) = الألباني (٨٣٨) إرواء الغليل.
(٢) الموطأ (٣/ ١٩٤).
(٣) رواه أبو داود (٢٢٤٣)، وابن ماجه (١٩٥٢).
[ ٢ / ٩٤٤ ]
ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه «فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا» (^١)، وعلى المشهور في حق العبد لعموم الآية السابقة وقوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم﴾ [النور: ٣٢] فهو داخل في عموم الآيتين والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم إلا ما قام الدليل على تخصيصه، ولأن هذه طريقة اللذة والشهوة فساوى العبد الحر فيها كالمأكول.
(و) يجوز (للعبد نكاح أربع إماء مسلمات) بدون شرط للأدلة السابقة، ولأنه مساو لهن في الرق فلم يعتبر فيه ما اعتبر في الحر من الشروط كالحر مع الحرة.
(و) يجوز (للحر ذلك)؛ أي: تزويج أربع إماء مسلمات مملوكات للغير بشرطين: أحدهما: (إن خشي العنت)؛ أي: الزنى لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥]، ويتم ذلك بغلبة الشهوة وضعف الخوف من الله تعالى، فإن اشتد الخوف من الله وأمن على نفسه حرمت الأمة، وسمي الزنى عنتا لأن أصله التعب والمشقة لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ أي: ضيق عليكم.
(و) الآخر (لم يجد للحرائر طولا) لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فنيتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] والطول الغنى.
• ما يلزم الرجل المسلم من العدل بين نسائه والنفقة عليهن وغير ذلك من المسائل:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وليعدل بين نسائه وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٣) (٤٦٠٩)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣)، وأخرجه مالك في «الموطأ» (٣٦٣) عن ابن شهاب، أنه قال: بلغني؛ وذكره.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول وهي ممن يوطأ مثلها.
ونكاح التفويض جائز وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها، فإن فرض لها صداق المثل لزمها، وإن كان أقل فهي مخيرة فإن كرهته فرق بينهما إلا أن يرضيها أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها.
وإذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق وقد قيل بغير طلاق. وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين وإن تأخر ذلك فقد بانت منه.
وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع فليختر أربعا ويفارق باقيهن).
الشرح
• وجوب العدل بين الزوجات:
(وليعدل بين نسائه) سواء كن حرائر أو إماء مسلمات أو كتابيات لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾ [النساء: ٣]؛ أي: فاختاروا واحدة، أمر الله ﷾ بالاقتصار على الواحدة إن خاف الجور فدل على أن العدل واجب، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط» وفي رواية: «أحد شقيه مائل» (^١)، وحديث
_________________
(١) أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩)، وابن حبان (٤٢٠٧)، قال أبو عيسى الترمذي: وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى، عن قتادة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال، ولا نعرف هذا الحديث مرفوعا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ وصحح الألباني الروايتين في «صحيح الترغيب والترهيب» برقم (١٩٤٩).
[ ٢ / ٩٤٦ ]
عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي، فيما أملك فلا تلمني، فيما تملك، ولا أملك» (^١)، قال الترمذي: يعني: الحب والمودة، هكذا فسره أهل العلم عند قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما﴾ [النساء: ١٢٩]، وقال ابن عباس ﵄: «في الحب والجماع؛ وأجمعت الأمة على وجوبه فمن لم يعدل بين نسائه فهو عاص الله ولرسوله ﷺ لا تجوز إمامته ولا شهادته، والراجح أنه يقصر العدل على المبيت فقط (^٢)، وأما الكسوة والنفقة فبحسب حال كل واحدة فالشريفة بقدر مثلها، والدنيئة بقدر مثلها، ولا يجب في الوطء، ويحرم عليه أن يوفر نفسه لينشط للأخرى والقسم بيوم وليلة ولا يقسم بيومين إلا برضاهن، وعماد القسم الليل، قال ابن قدامة (^٣): لا خلاف في هذا … إلا أن يكون معاشه بالليل كالحراس، ومن أشبههم …، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك، والشافعي، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهن دون الأخرى، قال الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ وإن أمكن التسوية بينهن في الحب والجماع كان أحسن وأولى، فإنه أبلغ في العدل».
_________________
(١) أبو داود (٢١٣٦)، وكذا النسائي (٢/ ١٥٧)، والترمذي (١/ ٢١٣)، وابن حبان (١٣٠٥)، وضعفه الألباني في الإرواء وقال: لكن الشطر الأول منه له طريق أخرى عن عائشة بلفظ: «كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم … .» الحديث إسناده حسن. انظر: الإرواء (٧/ ٨٢).
(٢) الخرشي على مختصر خليل (٤/ ٢)، دار الفكر للطباعة، مكان النشر: بيروت. ومواهب الجليل (٥/ ٢٥٢).
(٣) المغني (١٠/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٩٤٧ ]
قال الحافظ (^١): «إذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها، والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة». اه.
(وعليه)؛ أي: الزوج حرا كان أو عبدا وجوبا (النفقة والسكنى) للزوجة حرة كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية (بقدر وجده)؛ أي: وسعه لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦]، وفي حديث جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، … ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (^٢)، وحديث معاوية القشيري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن» (^٣)، وظاهره أنه لا يراعى إلا حال الزوج فقط، والمشهور أنه يراعى حالهما معا فينفق نفقة مثله لمثلها في عسره ويسره، وكذلك الكسوة، ويجوز إعطاء الثمن عما لزمه، ولا يلزمها الأكل معه، واتفق على أنها تطلق عليه إذا عجز عن النفقة بعد التلوم على المشهور، ومقابله أنه يطلق عليه من غير تلوم ذكره بهرام، وطلاقه يكون رجعيا ولو أوقعه الحاكم، ولكن لا تصح رجعته لها إلا إذا وجد يسارا يظن معه دوام القدرة على الإنفاق (^٤).
(ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده) مع زوجة أو مع أمة أخرى، لأن القسم إنما يجب لمن له حق في الوطء وهاتان لا حق لهما فيه اتفاقا لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾، ولأن النبي ﷺ لم يكن يقسم لمارية القبطية وريحانة، ولأن الأمة لاحق لها في الاستمتاع ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوبا أو عنينا إذ الذي
_________________
(١) الفتح (٩/ ٢٢٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٨٠)، وأبو داود (١٨٣٤) والنسائي (٢/ ٤٩ - ٥٠)، وفي «الكبرى».
(٣) رواه أبو داود (٢١٤٦)، وصححه الألباني.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ١٨٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٤٠٧) و(١٤/ ٢١٧)، والذخيرة للقرافي (٤/ ٤٥٤).
[ ٢ / ٩٤٨ ]
على سيد المملوك طعامه وكسوته ذكرا أو أنثى، ولسيده عليه الخدمة التي يطيقها، ولو تضررت الجارية من ترك الوطء واحتاجت للزواج لا يجبر سيدها، والعبد مثلها، وأما قوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار» (^١) فإنما هو فيما يجب للشخص ومن حقه والرق لا حق له في الوطء هكذا قال الشراح!!!
(ولا نفقة للزوجة) يتيمة كانت أو غيرها حرة أو أمة بمجرد العقد عليها على المشهور وإنما تجب بأحد شيئين أحدهما (حتى يدخل بها) المراد بالدخول هنا إرخاء الستور وطئ أم لا، كانت ممن يوطأ مثلها أم لا، بأن كانت غير مطيقة أو بها مانع من رتق ونحوه، بشرط أن يكون الزوج بالغا، وأن يكونا غير مشرفين بحيث يكون أحدهما أو كلاهما مريضا مرض الموت، لأن النبي ﷺ تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين (^٢) ولم ينفق إلا بعد دخوله ولم يلتزم نفقتها لما مضى؛ ولأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع وهو غير حاصل قبل الدخول، والشيء الآخر أشار إليه بقوله: (أو يدعى إلى الدخول)، لأنها عرضت عليه ووجد التمكين، ويشترط في هذه أن يكون الزوج بالغا وأن لا يشتد مرضهما بحيث أخذا في السياق والنزع وكذلك بشرط أشار إليه (وهي) أن تكون (ممن يوطأ مثلها) فالصغيرة التي لا يمكن وطؤها لا نفقة لها بالدعوة بل بالدخول، لأنه إذا دخل استمتع بغير الوطء، وإذا اختلفا في الدعوة بأن قالت دعوتك للدخول من شهر كذا والزوج ينكر ذلك فالقول قوله:
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب: القضاء مرسلا رقم (٣١). قال ابن رجب: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٧٦)، وابن ماجه في كتاب الأحكام، باب من بني في ما يضر بجاره وبرقم (٢٣٤٠) قال في الزوائد: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع وبرقم (٢٣٤١) قال في الزوائد في إسناده جابر الجعفي، متهم اه، وأخرجه: ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ١٥٩).
(٢) تزوج النبي ﷺ بها حيث عقد عليها في السادسة ودخل بها في التاسعة مشهور في السير.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
(ونكاح التفويض جائز) من غير خلاف (^١) لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولحديث عقبة بن عامر ﵁ «أن النبي ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟»، قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟»، قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف» (^٢)، وفي حديث معقل بن سنان: «أن بروع بنت واشق تزوجت ولم يفرض لها زوجها صداقا فقضى رسول الله ﷺ بأن لها مثل مهر نسائها» (^٣) (وهو أن يعقداه) بلفظ: التثنية؛ أي: الزوج والولي ويروى يعقده بلفظ الإفراد؛ أي: الزوج (ولا يذكران صداقا) استشكل إثبات النون، لأنه معطوف على المنصوب هذا الإشكال مبني على أن الواو للعطف أما لو جعلت للحال كما فعل التتائي فلا إشكال، وكلام المصنف صادق بصورتين، لأنهما إذا لم يذكرا صداقا إما أن يصرحا مع ذلك بالتفويض نحو أنكحتك وليتي على التفويض أو لا نحو: زوجتك وليتي من غير ذكر مهر، وعلى كلا الوجهين النكاح صحيح، أما لو صرحا باشتراط إسقاط المهر لما جاز وفسخ قبل الدخول، واختلف قول ابن القاسم في فسخه بعده والمعتمد عدم الفسخ وأنه يمضي بصداق المثل (ثم) إذا قلنا بجواز نكاح التفويض وصحته ووقع
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢٧٨)، والبيان والتحصيل (٤/ ٣٤٧)، والذخيرة (٤/ ٣٦٧).
(٢) أبو داود (٢١١٩)، والحاكم (٢٧٤٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن (١٤٧٢١).
(٣) أبو داود (٢١١٦)، والترمذي (١١٤٥) وقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، والنسائي (٣٣٦٧)، وابن ماجه (١٨٩١).
[ ٢ / ٩٥٠ ]
ومنعت الزوج من الدخول فإنه (لا يدخل بها حتى يفرض لها) صداق مثلها ويعتبر صداق المثل يوم العقد لأنه يوجب الميراث وغيره من حقوق النكاح الثابتة به وليستحقه بالدخول لا بالعقد ولا بالموت فإن مات أحدهما توارثا ولا صداق إلا بفرض وأثبته بعضهم بالموت وهو ضعيف (فإن فرض) الزوج (لها)؛ أي: الزوجة المنكوحة على التفويض (صداق المثل لزمها) ما فرض لها على المذهب، لحديث معقل بن سنان المذكور، ولأن الزوج قد ملك استباحة بضعها بدليل صحة النكاح، وإذا ملك بنفس العقد لم يلزمه أكثر من قيمته وهو مهر المثل كالسلعة المستهلكة في يد المشتري ببيع فاسد (وإن كان) ما فرض لها (أقل) من صداق مثلها مثل أن يفرض لها خمسين دينارا وصداق مثلها مائة (فهي مخيرة) في الرضا به ورده (فإن) رضيت به وكانت ثيبا رشيدة لزمها ذلك ما لم ينقص عن ربع دينار وإن لم ترض به بأن كرهته فرق بينهما بطلقة بائنة، لأنها قبل الدخول، وأما ذات الأب والوصي فاختلف هل لهما الرضا بأقل من صداق المثل على ثلاثة أقوال مشهورها الصحة من الأب قبل البناء وبعده، ومن الوصي قبل البناء فقط، ثم استثنى من المسألة التي تخير فيها صورتين فقال: إلا أن يرضيها بزيادة شيء على ما سماه مما لم يبلغ صداق المثل أو يفرض لها صداق مثلها بعد أن فرض لها دونه فيلزمها ما أرضاها به في الصورة الأولى وصداق المثل الذي فرضه ثانيا في الصورة الثانية.
• أحكام الزواج والطلاق لمن أسلم أو ارتد:
(وإذا ارتد)؛ أي: قطع (أحد الزوجين) الإسلام؛ أي: بكلمة مكفرة ودخل في دين غير دين الإسلام (انفسخ النكاح) بينهما ساعة ارتداده لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] (بطلاق) بائن على المشهور؛ أي: فسخ بطلاق على المشهور، بائن على المشهور، فهو راجع للموصوف وصفته، ومحل ذلك ما لم يقصد المرتد منهما بردته فسخ النكاح وإلا فلا فسخ وعليه لو أسلم المرتد فالزوجية باقية ولا تحتاج لعقد ولا رجعة
[ ٢ / ٩٥١ ]
لبقاء العصمة وإن قتل على ردته لا يرث الآخر وتعتبر ردة غير البالغ على المشهور فيحال بينهما، واتفق على أنه لا يقتل إلا بعد بلوغه واستتابته وينبني على أن ردته معتبرة أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يصلى عليه (وقد قيل) الفسخ (بغير طلاق) وهو رواية ابن أبي أويس وابن الماجشون عن مالك، لأنها فرقة عرية عن لفظ الطلاق ونيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ؛ ولأنهما مغلوبان على فسخه للآية السابقة، وهل تارك الصلاة كذلك؟ نعم إن تركها جحودا لفرضيتها فهو كافر لا يحل للمرأة المسلمة المصلية أن تبقى معه لحظة من الزمان، وأما إن كان تاركا لها على وجه التهاون ففيه الخلاف المذكور في باب الردة، فلينظر؛ والقول عندي في هذا الزمان الذي لا سلطان فيه يأمر الناس بالصلاة ويدفعهم لأدائها، لو قيل بكفره تغليظا عليه وتخويفا له لكان أولى، وقد أفتى الحنابلة المتأخرون على أنه أصح الأقوال، والله نسأله الثبات على دينه (^١).
(وإذا أسلم) الزوجان (الكافران) سواء كانا كتابيين أو غيرهما أسلما قبل الدخول أو بعده سواء كان النكاح بولي وصداق أو لا (ثبتا على نكاحهما) للإجماع حكاه ابن عبد البر (^٢)، ولأنه أسلم خلق كثير فأقرهم الرسول ﷺ على أنكحتهم منهم: صفوان بن أمية وكانت تحته عاتكة بنت الوليد بن المغيرة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل كما في «الموطأ»، وهند بنت عتبة وكانت تحت أبي سفيان، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله، وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها (^٣)، ولحديث ابن عباس ﵄: «أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي ﷺ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي (٧/ ٣١٠)، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٢/ ٩٢)، الناشر: دار الوطن، دار الثريا، ١٤١٣ هـ.
(٢) انظر: تمهيد التمهيد (٢/ ١٣٨) لعبد العزيز القرشي.
(٣) الموطأ (٢٠٠٢)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٠٣)، وفتح الباري (٩/ ٣٣١ - ٣٣٢)، ط: الريان.
[ ٢ / ٩٥٢ ]
معي فردها علي فردها عليه» (^١)، ما لم يكن ثم مانع مثل أن يكون بينهما نسب أو رضاع أما إن كان ثم مانع من الاستدامة فسخ النكاح.
(وإن أسلم أحدهما)؛ أي: الزوجين (فذلك فسخ بغير طلاق) على المشهور وصوروا هذه المسألة بصور منها: أن يسلم الزوج وتحته مجوسية أو نحوها ممن ليست من أهل الكتاب ولم تسلم؛ أي: لم تسلم بالقرب؛ أي: في كالشهر، وأما إذا لم يبعد الزمان بين إسلاميهما بل كان قريبا كالشهر ونحوه فيقر عليها دخل بها أو لا لما مر قريبا؛ ولأنها فرقة واقعة بالشرع من غير موقع فكانت فسخا كالفرقة الواقعة بملك الزوج زوجته.
(فإن أسلمت هي)؛ أي: الزوجة كتابية أو غيرها قبل زوجها الذي بنى بها (كان أحق بها إن) كان حاضرا و(أسلم) وهي (في العدة) قال مجاهد (^٢): إذا أسلم في العدة يتزوجها ولو طلقها في العدة إذ لا عبرة بطلاق الكافر، وأما لو أسلم بعد انقضاء العدة فلا يقر عليها، لأن إسلامه كالرجعة ولا رجعة بعد انقضاء العدة، فإن أسلمت قبل زوجها الذي لم يبن بها فإنها تبين مكانها لتعدد الوقائع بذلك في زمان رسول الله ﷺ كما جاء من حديث ابن عباس ﵄ قال: «إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه» (^٣).
وموطأ مالك عن ابن شهاب وكما ورد عن غيرهما من علماء السير مما شهرته تغني عن إسناده.
(وإن أسلم هو)؛ أي: الزوج قبلها (وكانت كتابية ثبت عليها)، لأنه يجوز نكاحها ابتداء ما لم يكن ثمت مانع من الاستدامة كنسب أو رضاع، أو تزوجها في العدة، وسواء كان إسلامه قبل الدخول أو بعده (فإن) لم تكن كتابية بل (كانت مجوسية) فلا يخلو إما أن تسلم في الحال أو لا (فإن
_________________
(١) أبو داود (٢٢٤٠)، والترمذي (١١٤٤) وقال: هذا حديث حسن.
(٢) رواه البخاري في صحيحه معلقا (٩/ ٣٣٠).
(٣) البخاري باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن الفتح (٣٣٠/ ٩). ومالك في الموطأ (١١٣٩).
[ ٢ / ٩٥٣ ]
أسلمت بعده مكانها كانا زوجين ما لم يكن مانع من الاستدامة كما تقدم (وإن) لم تسلم بعده مكانها بل (تأخر ذلك)؛ أي: إسلامها عن إسلامه (فقد بانت منه) على اختلاف في مدة التأخر، وقد حده أشهب بالعدة وهو القياس لما سبق، وما قاله الشيخ يخالف ما في «المختصر» وهو أنها إن أسلمت بعد زوجها بدون أن يبعد ما بين إسلاميهما ثبت النكاح بالشهر ونحوه وفي بعض الروايات الشهر إن قرب (^١)، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن في مجوسيين أسلما هما على نكاحهما فان أسلم أحدهما قبل صاحبه فقد انقطع ما بينهما من النكاح (^٢)؛ وروي أيضا بسند صحيح عن قتادة نحوه وزاد: فلا سبيل له عليها إلا بخطبة وأخرج أيضا عن عمر بن عبد العزيز نحو ذلك (^٣).
• تخيير من أسلم في اختيار أربع من زوجاته إذا كن أكثر:
(وإذا أسلم مشرك وعنده) من النسوة (أكثر من أربع فليختر) منهن (أربعا) ممن يجوز نكاحهن في الإسلام قبل الدخول أو بعده، وسواء عقد عليهن في عقد واحد أو في عقود مختلفة، سواء كن أوائل أو أواخر أسلمن معه أو أسلم هو وكن كتابيات والاختيار يكون بلفظ صريح، أو ما يدل عليه من لوازم النكاح كطلاق أو ظهار أو وطء (ويفارق باقيهن) لحديث ابن عمر ﵄: قال أسلم غيلان الثقفي وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، «فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعا منهن» (^٤)، وحديث قيس بن الحارث ونحوه وقد تقدم، وحديث نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له النبي ﷺ: «أمسك أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى» (^٥).
(ومن لاعن زوجته لم تحل له أبدا) زاد في «الموطأ»: وإن كذب نفسه
_________________
(١) مواهب الجليل (٥/ ١٣٧).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٨٣٩٨)، (٤/ ١١٤)، تحقيق: الحوت.
(٣) المرجع السابق (١٨٣٩٧).
(٤) الترمذي (١١٢٨).
(٥) رواه الشافعي في مسنده، انظر: شرح المسند للرافعي (٣/ ٤٠٠).
[ ٢ / ٩٥٤ ]
جلد الحد، وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدا (^١) لما سيأتي من الأدلة في اللعان.
(وكذلك) مثل تأبيد الزوجة الملاعنة (الذي يتزوج المرأة)؛ بمعنى: يعقد عليها وهي (في عدتها) من غيره سواء كانت عدة وفاة أو طلاق، وإنما قيدنا العدة بكونها من غيره، لأنه لو تزوج بمبتوتته وإن كان حراما قبل زوج، يفسخ ويحد إلا أنه لا يتأبد تحريمها عليه (ويطؤها في عدتها) لحكم عمر ﵁ بذلك أنه قال: «أيما امرأة نكحت في عدتها. فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا» (^٢)، وروى عبد الرزاق (^٣) مثله عن علي ﵁ ولا مخالف لهما من الصحابة، وظاهر كلام المصنف أنه لو عقد في العدة ودخل بعدها لا تحرم، والمشهور تأبيد الحرمة، وظاهره أيضا أن القبلة ونحوها إذا وقعت في العدة لا تحرم وخالفه صاحب «المختصر» قائلا: إذا وقعت القبلة ونحوها في العدة تأبد (^٤)، ولأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالقاتل إذا قتل مورثه، وقال في التوضيح: ذكر القاضي عبد الوهاب التأبيد عن عمر ولا مخالف له، وصح رجوع عمر ﵁ عن هذا القضاء فروى الثوري عن الشعبي عن مسروق عن مجاهد عن عمر ﵁ أنه رجع فقال لها: «مهرها ويجتمعان ما شاءا» (^٥) وورد أن سبب رجوعه رد علي ﵁ عندما حكم بذلك مرة أخرى فقام عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة» (^٦)
_________________
(١) شرح الزرقاني (٣/ ٢٤٨).
(٢) شرح الزرقاني (٣/ ١٨٩).
(٣) المصنف (٦/ ٢٠٨).
(٤) مواهب الجليل (٥/ ٣٩).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٣٢٤).
(٦) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٣٢٢) (٧/ ٤٤٢).
[ ٢ / ٩٥٥ ]
وأما القياس الذي ذكروه فيبطل بما إذا زنى بها فإنه قد استعجل وطأها ولا تحرم عليه مع التأبيد (^١).
(ولا نكاح) جائز لازم (لعبد ولا لأمة إلا بإذن السيد) فلو تزوج العبد بغير إذن السيد ثم علم بعد ذلك فله الخيار إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه بطلقة بائنة، وكذلك الأمة مع توكيلها في الغير ليزوجها، وإن باشرت العقد بنفسها فليس للسيد الإجازة بحال بل يجب الفسخ اتفاقا لحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر» (^٢).
(ولا تعقد امرأة، ولا عبد، ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة) فالذكورية والحرية والإسلام شروط في صحة العقد، إذ المرأة لما لم يجز لها أن تتولى العقد لنفسها فعقدها لغيرها أحرى ألا يصح، لقوله ﷺ: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (^٣)، وقد كانت عائشة ﵂ تتولى نكاح نسائها فإذا بقي العقد أمرت أحد أوليائها أن يتم عقدة النكاح (^٤)، وأما العبد فلا ولاية له إلا المكاتب في أمته فإنه يتولى عقد نكاحها، ولا ولاية لكافر على مسلمة وله الولاية على الكافرة زوجها لمسلم أو كافر لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] وقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣] ولهذا لا يتوارثان، وقال ابن المنذر (^٥): «أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم».
• التحليل بنيته لا يرفع حرمة المطلقة ثلاثا:
(ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها)؛ أي: فالباعث له على
_________________
(١) مسالك الدلالة للغماري (٢٢٩)، ط: العلمية.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٠) (١٤٢٦١)، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١).
(٣) رواه ابن ماجه (١٨٨٢) قال في الزوائد: في إسناده جميل بن الحسين العتكي، ورواه قط (٣/ ٢٢٧) رقم (٢٥)، وقال: حسن صحيح.
(٤) وقد تقدمت الآثار مخرجة.
(٥) الإجماع (٣٥٢).
[ ٢ / ٩٥٦ ]
التزويج قصد الإحلال، أو قصد الإحلال مع نية إمساكها إن أعجبته، والعبرة بالنية وقت العقد، فلو طرأت له نية التحليل عند الوطء لا يضر (لمن طلقها ثلاثا) لحديث علي ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له» وفي لفظ: «لعن الله …» (^١)، ولقوله ﷺ كما في حديث عقبة بن عامر ﵁: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» (^٢).
ففي قوله: التيس تشبيه الرجل بالتيس واستعارة اسمه له على طريق التصريح بجامع الدناءة، إشارة إلى أنه بمثابة حيوان بهيمي دنيء ثم قوله: لعن الله المحلل والمحلل له، سماه محللا بحسب زعمهم، والمحلل بكسر اللام الأولى الذي يتزوج مطلقة ثلاثا بعد العدة والمحلل له بفتح اللام الأولى هو الزوج الأول.
وسكت ﷺ عن الولي والمرأة والشهود مع أن الحرمة لاحقة للكل لتعلق الحرمة بالزوجين أشد ولذلك أخبر ﷺ بأن الله لعنهما؛ أي: طردهما من رحمته (^٣).
(ولا يحلها ذلك) الزوج لمن طلقها البتات، وإذا عثر على هذا النكاح فسخ قبل البناء وبعده، وعبارة بعضهم ويفرق بينهما بتطليقة بائنة، ولها بالبناء صداق المثل، فإن تزوجها الأول بهذا النكاح فسخ بغير طلاق، ويعاقب من عمل بنكاح المحلل من زوج وولي وشهود وزوجة، وظاهر كلامه إن قصد المطلق أو الزوجة التحليل بنكاح الثاني لا يضر وتحل به وهو كذلك لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سأله رجل عن رجل فارق امرأته وأنه تزوجها ولم يأمرني ولم أعلمه، فقال ابن عمر ﵄: «لا، إلا نكاح رغبة، إن رضيت
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٨٣) (٦٣٥)، وأبو داود (٢٠٧٦)، وابن ماجه (١٩٣٥).
(٢) ابن ماجه (١٩٣٦)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، وهق (٧/ ٢٠٨)، وحسنه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٥٧)، وإسناده حسن.
(٣) وانظر كلاما لابن القيم في: إعلام الموقعين (٣/ ٥٤ ٥٨).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
أمسكت، وإن كرهت فارقت، كنا نعد هذا على عهد رسول الله ﷺ سفاحا» (^١).
قال ابن عبد البر: «نكاح المحلل فاسد مفسوخ … ويفسخ قبل الدخول وبعده» (^٢).
• نكاح المحرم:
(ولا يجوز نكاح المحرم) بحج أو عمرة (لنفسه، ولا يعقد نكاحا لغيره) لحديث عثمان ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب» (^٣)، وفي «الموطأ» عن أبي غطفان عن أبيه: «أن عمر فرق بين رجل وامرأته، لأنه تزوج وهو محرم»، فإن وقع نكاحه أو إنكاحه فسخ أبدا قبل الدخول وبعده بطلاق على المشهور، ولا يتأبد التحريم (^٤)، وإذا فسخ قبل الدخول فلا شيء لها، وإذا فسخ بعده فلها الصداق، لأن كل مدخول بها لها الصداق.
• نكاح المريض:
(ولا يجوز نكاح المريض) والمريضة مرضا مخوفا وهو الذي يحجر فيه عن ماله ويلحق به كل من حكم عليه بقطع، أو محبوس لقتل؛ وظاهر كلامه أن نكاح المريض لا يجوز ولو احتاج إلى امرأة تقوم به، وهو كذلك على أحد المشهورين، والمشهور الآخر يجوز مع الحاجة (و) إذا قلنا: لا يجوز نكاح المريض فإنه (يفسخ) ظاهره قبل البناء وبعده، عثر عليه قبل الصحة أو بعدها، والراجح ما في «المختصر» أنه إذا عثر عليه بعد الصحة لا يفسخ،
_________________
(١) البيهقي (٧/ ٢٠٨) (١٤٥٧٤)، والحاكم (٢٨٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء (٦/ ٣١١).
(٢) الكافي (٢/ ٥٣٣).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٩٩٧) عن نافع، ومسلم (٤/ ١٣٦) (٣٤٢٩).
(٤) التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ١٠١).
[ ٢ / ٩٥٨ ]
وظاهره أيضا كانت الزوجة حرة أو أمة مسلمة أو كتابية، أجازه الورثة أم لا، وهو المشهور، لأن العلة وهي إدخال وارث لم تؤمن لجواز عتق الأمة، وإسلام الكتابية فيصيران من أهل الميراث، والراجح أن الفسخ بطلاق، لأنه من المختلف فيه فإن لم يبن بها فلا شيء لها، (وإن بنى بها فلها الصداق في الثلث مبدا) قال ابن عمر الأنفاسي: يريد صداق المثل وهو قول ابن القاسم، وقال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن لها المسمى وإن كان أكثر من صداق المثل يقضى لها به من رأس ماله قل أو كثر، (ولا ميراث لها)؛ أي: لمن تزوجها في المرض إذا كان المرض مخوفا (^١) لنهيه ﵊ عن إدخال وارث وإخراجه، كإدخال الزانية الملاعنة على القوم من ليس منهم ليرث فقد جاء الوعيد في ذلك كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على امرأة تدخل على قوم من ليس منهم، ليشركهم في أموالهم، ويطلع على عوراتهم» (^٢). وليعامل بنقيض مقصوده وهو منهي عنه كما نهى عن إخراجه بالطلاق قاله التتائي. وزعم الغماري: أن مالكا انفرد ﵀ عن سائر الأئمة بهذه المسألة ولا دليل لها ولا مستند، وقد رو سحنون عن ابن شهاب مثل هذا وكذلك رواه ابن وهب عنه وعن يحيى بن سعيد بنحوه وكلها آراء لا مستند لها والله أعلم.
• حكم طلاق المريض زوجته:
(ولو طلق المريض امرأته لزمه ذلك) الطلاق بلا خلاف، لأنه عاقل مكلف (وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك) كان الطلاق بائنا أو رجعيا، لأنه متهم في قطع إرثها فورثت كالقاتل لما كان متهما في استعجال الميراث لم يرث فيعاقب بنقيض قصده، ولأن «عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية البتة وهو مريض ثم مات، فورثها عثمان بن
_________________
(١) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٤\ ١٠١ - ١٠٢).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (٦٣٠)، وضعفه الألباني.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
عفان منه بعد انقضاء عدتها» رواه مالك عن أبي سلمة (^١)، ورواه عبد الرزاق عن عبد الله بن الزبير (^٢)، وكذلك رواه الشافعي وسمى المرأة تماضر وقال: هذا حديث متصل وحديث مالك منقطع، وذكر ابن الهمام في «فتح القدير»: «أن عثمان قال حين ورثها ما اتهمته ولكن أردت السنة» (^٣)، ولا يرثها هو إن كان الطلاق ثلاثا ويرثها: إن كان رجعيا ما لم تخرج من العدة، ومفهوم الشرط أنه إذا صح من مرضه، ومرض مرضا آخر فلا ترثه، لأنه قد زال الحجر عنه الذي هو سبب ميراثها.
الطلاق وما يتعلق به من أحكام
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومن طلق امرأته ثلاثا لم تحل له بملك ولا نكاح حتى تنكح زوجا غيره، وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزمه إن وقع، وطلاق السنة مباح وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة ثم لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي العدة وله الرجعة في التي تحيض ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة أو الثانية في الأمة.
فإن كانت ممن لم تحض أو ممن قد يئست من المحيض طلقها متى شاء، وكذلك الحامل وترتجع الحامل ما لم تضع، والمعتدة بالشهور ما لم تنقض العدة، والأقراء هي الأطهار.
وينهى أن يطلق في الحيض فإن طلق لزمه ويجبر على الرجعة ما لم تنقض العدة والتي لم يدخل بها يطلقها متى شاء والواحدة تبينها والثلاث تحرمها إلا بعد زوج.
ومن قال لزوجته: أنت طالق فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٣٦٢).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢١٩٣)، ومسند الشافعي (١٤٠٢).
(٣) فتح القدير لابن الهمام باب: طلاق المريض، من كتاب الطلاق.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
والخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقا إذا أعطته شيئا … فخلعها به من نفسه).
• الطلاق:
شرع المصنف رحمه الله تعالى يتكلم على الطلاق، وهو لغة: الإرسال من قولك: أطلقت الناقة.
واصطلاحا: حل العصمة المنعقدة بين الزوجين (^١).
وله أربعة أركان (^٢): الزوج والزوجة، والقصد: فمن سبق لسانه إلى الطلاق لم يقع عليه طلاق؛ يعني: من أراد أن يتكلم بغير الطلاق فالتوى لسانه فتكلم بالطلاق فلا شيء عليه لقوله ﷺ: «تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٣)، وكذلك من أكره على الطلاق، لأن طلاقه لا يعبر عن قصده ومراده، فلا يؤاخذ به قال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال ابن عباس ﵄: «ليس لمكره طلاق» وروي مثله عن ابن عمر (^٤)، إلا أن يترك التورية مع العلم بها.
والتورية: لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويريد البعيد كقوله: هي طالق ويريد من وثاق، ومعناه القريب إبانة العصمة.
والرابع: الصيغة وتنقسم إلى:
١ - صريح وهو ما فيه لفظ الطلاق ولا يحتاج إلى نية، ولذلك من نطق فيه بصريح الطلاق وادعى عند الخصومة أنه لم يقصد الطلاق، لا يصدق (^٥).
_________________
(١) وانظر تعريف ابن عرفة في: شرح الحدود للرصاع (٢٧١).
(٢) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ٣٢٥).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، ورواه الحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (١١٢٣٦) وغيرهما، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: حديث حسن، وأقره الحافظ في التلخيص (ص ١٠٩)، والبيهقي (٧/ ١٥٦ و١٠/ ٦١).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٣٥٨).
(٥) شرح الزرقاني (٤/ ٩٧).
[ ٢ / ٩٦١ ]
٢ - وإلى كناية ظاهرة؛ أي: صريحة وستأتي.
٣ - وكناية خفية محتملة فتقبل دعواه في نيته وعدده، فإذا قال: اذهبي أو انصرفي مثلا، وقال: لم أرد بذلك طلاقا، فإنه يحلف على ذلك ولا شيء عليه، وإن قال: نويت بذلك الطلاق فإنه يلزمه فإن كانت له نية بطلقة أو أكثر عمل بها، وإن لم تكن له نية في عدد لزمه الثلاث.
• الطلاق الثلاث:
(ومن طلق) من المسلمين الأحرار (امرأته) كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية مدخولا بها أو غير مدخول بها (ثلاثا لم تحل له بملك ولا نكاح حتى تنكح زوجا غيره) لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وحديث عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (^١)، وحديث ابن عمر قال: سئل نبي الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخى الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل تحل للأول قال: «لا حتى يجامعها الآخر» (^٢)، ويشترط في الزوج أن يكون:
١ - مسلما فلو كان المسلم متزوجا يهودية أو نصرانية وطلقها ثلاثا ثم تزوجها يهودي أو نصراني وطلقها أو مات عنها فلا تحل لزوجها المسلم بذلك.
٢ - بالغا فالصبي وطؤه كالعدم فلا تحل به ويعتبر البلوغ عند الوطء فلو عقد قبل البلوغ ولم يدخل حتى بلغ حلت.
٣ - وأن يكون النكاح لازما احترازا عن نكاح الخيار، لأنه غير لازم كنكاح العبد بغير إذن سيده.
_________________
(١) البخاري (٥٤٥٦) (٣/ ٢٢٠)، ومسلم (٤/ ١٥٤) (٣٥٩٩).
(٢) النسائي (٣٤١٥)، وصححه الألباني.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
٤ وأن يولج حشفته أو مثلها من مقطوعها في قبلها بانتشار، احترازا من الإيلاج بغير انتشار فإنه لا عسيلة معه.
٥ - وأن يكون إيلاجا مباحا، فالوطء في الحيض أو العدة غير معتبر، وكذا وطء المحلل من غير تناكر فيه.
٦ وأن تعلم الخلوة المعتادة بينهما، وتثبت بامرأتين فلا بد من ثبوت الخلوة، وإلا لم تحل، قال أشهب: ولو صدقها الثاني على الوطء، لأنها تتهم على الوطء لتملك الرجعة لمن طلقها ويتهم الثاني ليملك الرجعة، وأن تكون عالمة بالوطء، فلا يعتبر وطء المغمى عليها أو المجنونة، ويشهد لذلك حديث امرأة رفاعة فإنه يقتضي أنه لا بد من علمها لأنه قال لها: «حتى تذوقي عسيلته … إلخ».
وقد قسم الشيخ الطلاق باعتبار أنواعه إلى قسمين: بدعي ووسني (^١).
فالأول قوله: (وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة)؛ أي: محدثة؛ أي: لم يؤمر بها بل أمر بخلافها فلا ينافي وقوعها في زمنه ﷺ فمن ذلك حديث محمود بن لبيد قال: «أخبرنا رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانا ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل وقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟» (^٢). وقال أنس بن مالك ﵁: «كان عمر ﵁ إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره» (^٣)، وروى ابن
_________________
(١) تنبيه: الطلاق البدعي، هو الطلاق المخالف للمشروع: كأن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو يطلقها في حيض أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه، وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم. انظر: التوضيح (٤/ ٣١٣).
(٢) النسائي (٦/ ١٤٢)، وفي الكبرى (٥٥٦٤) بسند رجاله ثقات إلا أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد له رؤية وليست له رواية بالسماع.
(٣) سنن سعيد بن منصور، تحقيق: حبيب عبد الرحمن الأعظمي (١٠٧٣)، وسنده صحيح، دار الكتب العلمية، وانظر: شرح معاني الآثار الطحاوي (٣/ ٥٩) (٤١٤٨)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٩ هـ، تحقيق: محمد زهري النجار. قال الحافظ في الفتح (وسنده صحيح ٩/ ٣٦٢)، دار المعرفة.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
منيع عن علي ﵁ قال: «ما طلق الرجل طلاق السنة فندم» (^١) وفي الباب آثار يأتي بعضها.
(ويلزمه) الطلاق الثلاث (إن وقع) في كلمة واحدة على المعروف من المذهب وهو قول جمهور أهل العلم (^٢) من الصحابة ومن تبعهم، لحديث سويد بن غفلة قال: «كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن بن علي فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنيك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق؛ يعني: ثلاثا، قال: فتلقعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكي، ثم قال: لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: «أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الإقراء أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره»» (^٣)، وحديث ابن عمر في قصة طلاقه لامرأته وهي حائض وفيه قلت يا رسول الله: «أرأيت لو طلقت ثلاثا»، قال: «إذن قد عصيت ربك وبانت منك امرأتك» (^٤)، وفي رواية لمسلم: وكان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: «أما إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا، وإن كنت طلقت ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت الله ﷿ فيما أمرك به من طلاق امرأتك» (^٥)، وفي «الموطأ» بلاغا أن رجلا قال لابن عباس ﵄:
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١٨٠٣٤)، وقال في كنز العمال: ابن منيع، وصحح (٩/ ٦٧٧).
(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢٢٢)، وفتح الباري للحافظ ابن حجر (٩/ ٣٦٧)، ونقل الإجماع (١٠/ ٢٦٢ - ٢٦٦)، وقد نقل إجماع المذاهب أيضا ابن هبيرة في الإفصاح (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، ط: وزارة الاوقاف القطرية، والباجي في المنتقى (٤/ ٣)، وابن العربي في العارضة (١١/ ١٩٦)، والمغني (٨/ ٢٤٤)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٣/ ٣٧٨)، وانظر: المعيار المعرب للونشريسي (٤/ ٤٣٣)، وغيرهم.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٣٦٦)، والطبراني كما في المجمع (٥/ ٦٢٥) (٧٧٨٨)، وقال: رواه الطبراني وفي رجاله ضعف وقد وثقوا.
(٤) رواه ابن أبي شيبة الدارقطني (٤٠١٣).
(٥) البخاري (٥٠٢٢) معلقا، ومسلم (٣٧٢٦).
[ ٢ / ٩٦٤ ]
«إني طلقت امرأتي مائة تطليقة فماذا ترى علي؟ فقال ابن عباس ﵄: طلقت منك ثلاثا، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزؤا» (^١)، وفيه أيضا عن ابن مسعود ﵁ نحو ذلك في رجل طلق امرأته ثمان تطليقات (^٢)، وعن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي فذهبت معه فسأل ابن عباس وأبا هريرة ﵃ عن ذلك فقالا: «لا نرى أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيرك» قال: فإنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس ﵄: «إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل» (^٣).
(و) الثاني: فهو (طلاق السنة)؛ أي: الذي أذنت فيه السنة وحكمه أنه (مباح) للكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقال رسول الله ﷺ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» رواه أبو داود من حديث ابن عمر (^٤)، وقال عمر بن الخطاب ﵁: طلق النبي ﷺ حفصة ثم راجعها رواه أبو داود (^٥)، وأمره ﷺ بالطلاق لمن شكا إليه، وكذلك إقراره لمن طلق من الصحابة كثير متعدد وسيأتي بعضه، وفسره بقوله: (وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها)؛ أي: لم يجامعها (فيه طلقة) واحدة، لحديث ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» (^٦)، وله طرق وألفاظ منها: أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فتغيظ
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٥٥٠) (١١٤٦)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢١٦).
(٢) شرح الزرقاني (٣/ ٢١٧).
(٣) الموطأ (٢/ ٥٧٠)، وأخرجه أبو داود (٢١٩٨)، ورقم (٥٧٤١).
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨).
(٥) أبو داود (٢٢٨٣)، وابن ماجه (٢٠١٦)، والنسائي (٦/ ٢١٣)، وفي الكبرى (٥٧٢٣).
(٦) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٦٨٣)، ومسلم (٤/ ١٧٩) (٣٦٤٣).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
فيه رسول الله ﷺ ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ﷿» وفي لفظ: «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» (^١)، (ثم) لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي العدة لقول ابن مسعود ﵁: «طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء» (^٢)، فهذه أربعة قيود متى فقد واحد منها لم يكن سنيا (وله الرجعة) بالإجماع لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وبعولهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾ [البقرة: ٢٣١] بالرجعة، وحديث عمر السابق أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها في التي تحيض ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في حق (الحرة) لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهي الأطهار كما سيأتي، فإذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها فلا رجعة له عليها ولقول عائشة ﵂: «إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه» (^٣)، وروى مالك عنها نحوه في قصة (^٤)، وفي رواية له عن نافع وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار: «أن الأحوص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت فكتب إليه أنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه، وبرئ منها، ولا ترثه، ولا يرثها» (^٥) ورويا عن ابن عمر نحوه.
(أو) في الحيضة (الثانية في) حق (الأمة)، لأن أسباب الزوجية باقية بينهما ما عدا الوطء والرجعة تكون بالنية مع القول كراجعتها وأمسكتها، أو ما
_________________
(١) البخاري (٧/ ٧٥) (٥٣٣٢)، ومسلم (٤/ ١٨٠) (٣٦٤٧).
(٢) ابن ماجه (٢٠٢٠)، وصححه الألباني، السنن الكبرى للبيهقي (١٥٣٤٢).
(٣) البيهقي (١٥٧٨٢).
(٤) الموطأ (١١٩٧).
(٥) الموطأ (٢/ ٥٧٧) (١١٩٩)، والشافعي في مسنده، انظر: شرح مسند الشافعي (٤/ ١٣).
[ ٢ / ٩٦٦ ]
يقوم مقام القول كالوطء ومقدماته إلا أنه لا بد من النية مع الوطء، فالوطء بدون النية ليس برجعة، وكون الأمة لها حيضتان لأنها على النصف من الحرة كما يقتضيه القياس على الحد إلا أن القرء لا يتبعض فكمل (^١)، فصارت قرأين، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفا» (^٢)، ولحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان» (^٣).
• طلاق الحامل والآيسة من المحيض ونحوهما:
(فإن كانت) المطلقة (ممن لم تحض) لصغر (أو ممن قد يئست من المحيض) قال ابن ناجي: «أراد بها من أيس الحيض منها فتصدق ببنت ثلاثين سنة، وليس المراد من جاوز سنها الخمسين أو الستين أو السبعين سنة» (^٤)، كما قال: في غير هذا الموضع (طلقها متى شاء)؛ أي: في أي وقت شاء قال التتائي: ولو بعد وطئها. اه (^٥). لأن طلاق ذوات الأشهر لا يوجب تطويل عدة (وكذلك الحامل) لانتفاء العلة في الثلاثة وهي ما يلحقه من الندم على الولد وعدم معرفته هل علقت منه بولد أم لا، ولما في طلاق الحائض من تطويل العدة وهو إضرار بها وقد نهى الله عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾ [البقرة: ٢٣١].
(وترتجع الحامل ما لم تضع) حملها كله فترتجع بعد وضع بعضه، فإن وضعت جميعه انقضت عدتها فلا رجعة، وتنقضي العدة بما أسقطته من مضغة
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (١٢/ ٧٦).
(٢) شرح مسند الشافعي (٤/ ٢١)، ط: وزارة الأوقاف القطرية، وعبد الرزاق في المصنف (٧/ ٢٢٢).
(٣) أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، وقال الألباني: الحديث ضعيف.
(٤) الثمر الداني (٤٦٥).
(٥) المرجع السابق والصفحة.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
أو علقة، فإن أشكل الأمر ولم يعلم أهو ولد أو دم منعقد اختبر بالماء الحار، فإن كان دما انحل، وإن كان ولدا لا يزيده ذلك إلا شدة لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فإذا وضعت خرجت من العدة فلم يبق له رجعة عليها.
(والمعتدة بالشهور) وهي المستحاضة واليائسة ترجع (ما لم تنقض العدة) وعدتهن ثلاثة أشهر، ومثلها الصغيرة المطيقة للوطء، ولا فرق في الاعتداد بالشهور بين الزوجة الحرة والأمة كالاعتداد بوضع الحمل وإنما يفترقان بالإقراء (والأقراء)؛ أي: في الآية، لا في المصنف، لأنه لم يتقدم لها ذكر وعندنا وعند الشافعي (هي الأطهار) وعند أبي حنيفة هي الحيض.
وثمرة الخلاف: حلها بمجرد رؤية الدم الأخير على أن المراد الأطهار، وعدم حلها حتى تتم الحيضة على أن المراد بالأقراء الحيض، ودليلنا ما سبق قريبا عن عائشة وابن عمر ﵄ وغيرهما عند قوله: في التي تحيض ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة، ولقول أبي بكر بن عبد الرحمن: ما أدركت أحدا من فقهائنا يعني أهل المدينة إلا وهو يقول ذلك (^١).
وقال أحمد في رواية الأثرم عنه (^٢): رأيت الأحاديث عمن قال: القروء الحيض تختلف، والأحاديث عمن قال: إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديثها صحاح وقوية وأن قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، يعين أن الأقراء هي الأطهار، إذ المراد في عدتهن كقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ أي: في يوم القيامة وإنما أمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض ويدل لذلك قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» (^٣)
_________________
(١) المغني (٩/ ٨١) لابن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.
(٢) المرجع السابق والصفحة.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
(وينهى)؛ بمعنى: ونهي نهي تحريم (أن يطلق) الرجل زوجته وهي (في الحيض)؛ أي: والفرض أنها غير حامل لحديث ابن عمر به المذكور وغيره (فإن طلق لزمه) لقوله ﷺ: «مره فليراجعها … الحديث»، فدل على أن الطلاق قد وقع كما صرح به ابن عمر ﵁: «فقال: حسبت علي تطليقة» والمراجعة بدون الطلاق محال.
(و) إن لم يراجعها (أجبر على الرجعة ما لم تنقض العدة) لقوله ﷺ: «مره فليراجعها» وظاهر الأمر الوجوب؛ ولأن الرجعة تجري مجرى النكاح واستبقاؤه ههنا واجب بدليل تحريم الطلاق، وصفة الجبر أن يأمره الحاكم بها، فإن أبى هدده بالسجن، فإن أبى سجن، فإن أبى هدده بالضرب، فإن أبي ضرب، ويكون ذلك قريبا بعضه من بعض (والتي لم يدخل بها) يباح له أن (يطلقها متى شاء) في طهر أو حيض على المشهور إذ لا عدة عليها، ومنعه أشهب في الحيض لأن العلة عنده محض التعبد زيادة على ما يلحقها من الإضرار بها بذلك، لأن الحيضة التي تطلق فيها لا تعتد بها في إقرائها (والواحدة تبينها)؛ أي: غير المدخول بها لأنها لا عدة عليها ومثل طلاقها قبل الدخول ما إذا دخل بها ووطئها وطئا غير مباح كما لو كان في حيض أو نفاس مثلا فإنها بائنة أيضا للإجماع، ولأن الرجعة إنما تكون في العدة، ولا عدة قبل الدخول لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [٤٩/ الأحزاب] (والثلاث تحرمها إلا بعد زوج) لما سبق عند قوله: ومن طلق امرأته ثلاثا (ومن قال لزوجته أنت طالق فهي واحدة)؛ أي: يلزمه طلقة واحدة، ولو لم ينو حل العصمة، لأنه صريح يلزم به الطلاق ولو هزلا، وأما أنت منطلقة أو مطلوقة فلا يلزم به الطلاق إلا بالنية لأنه من الكنايات الخفية (حتى ينوي أكثر من ذلك) إجماعا لحديث أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ: «والله ما أردت إلا واحدة؟»، فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ، فطلقها الثانية في زمان عمر،
[ ٢ / ٩٦٩ ]
والثالثة في زمان عثمان» (^١)، وهو دليل على أنه لو أراد ما زاد على الواحدة لوقع؛ ولأن اللفظ يحتمل العدد بدليل جواز تفسيره به فيقال: هي طالق طلقتين أو ثلاثا، وما احتمله اللفظ إذا نواه وقع به الطلاق كالكناية.
الخلع
شرع المصنف رحمه الله تعالى يتكلم عن الخلع فقال (والخلع) وهو لغة: الإزالة، قال في طلبة الطلبة: خلع الرجل امرأته خلعا بضم الخاء؛ أي: نزعها من قولهم: خلع ثوبه عن نفسه خلعا بفتح الخاء؛ أي: نزعه، وخلع الوالي العامل إذا عزله، واختلعت المرأة منه؛ أي: قبلت خلعه إياها ببدل، وتخالع الزوجان وخالعها وخالعته، وقول امرأة ثابت بن قيس بن شماس: لا أنا ولا ثابت؛ أي: لا أنا راضية بالمقام معه ولا هو راض بذلك (^٢).
وشرعا: إزالة العصمة بعوض من الزوجة أو غيرها (^٣) وهو معنى قوله: (طلقة لا رجعة فيها، وإن لم يسم طلاقا إذا أعطته شيئا فخلعها به من نفسه) طلقة إشارة للرد على من يقول إنه فسخ، وإن صرح بلفظ الطلاق فعلى الأول لو طلقها قبل الخلع طلقتين لا تحل له إلا بعد زوج، وعلى الثاني له مراجعتها قبل أن تتزوج.
وقوله: لا رجعة فيها إشارة لمن يقول: إنه رجعي لا بائن.
وقوله: وإن لم يسم طلاقا إشارة لمن يقول: إن الخلع لا يكون طلاقا إلا إذا سمي طلاقا وإلا فلا يلزمه الطلاق (^٤).
والخلع جائز بالكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا
_________________
(١) أبو داود (٢٢٠٨)، وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم.
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٢٧٥)، وطلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية للإمام النسفي (المتوفى: ٥٣٧ هـ)، مادة: (خلع).
(٣) انظر: المطلع على أبواب الفقه لمحمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م، تحقيق: محمد بشير الأدلبي.
(٤) وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٩٧٠ ]
مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولتعدد وقوعه في زمان النبي ﷺ، وبإذنه، ففي الصحيح: «أتت النبي، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» وهو أول خلع كان في الإسلام» (^١)، وكذلك الربيع بنت معوذ بن عفراء (^٢).
ولكنه مشروط بوجود الشقاق، وعدم الاتفاق في المصالح والأخلاق، أما سؤاله مع عدم وجود ذلك فمنهي عنه بقول النبي ﷺ: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (^٣).
أما كونه طلقة بائنة ليس بفسخ فلقول سعيد بن المسيب: «أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة» (^٤).
ولأن «عثمان ﵁ حكم بذلك في اختلاع أم بكر الأسلمية من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد كما رواه مالك والشافعي عنه لكن ضعفه أحمد بن حنبل وغيره، وروى ابن أبي شيبة عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: «لا تكون طلقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء»» (^٥)، ولأن المرأة بذلت العوض للفرقة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/ ٦٠) (٥٢٧٣، و٥٢٧٤ و٥٢٧٥)، (٧/ ٦١) (٥٢٧٧)، وأخرجه أبو داود (٢٢٢٩).
(٢) رواه الترمذي (١١٨٥)، قال أبو عيسى: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة، قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٣) أبو داود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٢٦٣)، والدارقطني (١٣٤)، ورواه الدارقطني موصولا من حديث ابن عباس لكنه ضعيف جدا وقال البيهقي في الصغرى: وإسناده ضعيف بمرة، وكيف يصح ذلك ومذهبهما بخلاف ذلك.
(٥) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٨٤).
[ ٢ / ٩٧١ ]
والفرقة التي يملكها الزوج هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون الخلع طلاقا؛ ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدا فراقها فكان طلاقا كغير الخلع من الكنايات؛ ولأنها لم تسلم المال إلا لتسلم لها نفسها وذلك بالبينونة. وسيأتي بقية من الكلام عليه بعد اللعان والله المستعان.
• ألفاظ الطلاق:
ثم انتقل يتكلم على ألفاظ الكناية فقال: (ومن قال لزوجته: أنت طالق البتة فهي: ثلاث دخل بها، أو لم يدخل) ولا ينوى في البتة مطلقا مدخولا بها أم لا لحديث عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبن طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (^١)، وهو ظاهر في أن حكم البتة ثلاث، ولو اختلف الحكم لما منعها من الرجوع حتى يسألها عن أي أنواع البتة كان طلاقه إياها؛ وحديث ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته السهمية البتة فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله ﷺ: «والله ما أردت إلا واحدة» قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة … الحديث (^٢)، وقد سبق قريبا ففيه دليل على أن هذا اللفظ كان معروفا للثلاث، ولذلك لم يقبل النبي ﷺ قوله أنه أراد بها واحدة حتى استحلفه.
قال مالك عن يحيى بن سعيد … . قال عمر بن عبد العزيز ﵀: لو كان الطلاق ألفا، ما أبقت البتة منها شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى (^٣).
وجاء عن علي ﵁ من طرق يقوي بعضها بعضا أنه قال: «الخلية
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) الموطأ (١١٤٨)، وانظر: الاستذكار (١٠/ ٦)، وعبد الرزاق في المصنف (١١١٨٥).
[ ٢ / ٩٧٢ ]
والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاثا لا تحل لهم حتى تنكح زوجا» (^١)، وورد عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ﵃ أن البتة لا تحل حتى تنكح زوجا آخر ولأن البتة معناها القطع، وذلك يقتضي قطع العصمة بينهما والمبالغة في ذلك كما يقال: لم يبق بينهما شيء البتة.
(وإن قال) لها: أنت (برية، أو خلية، أو حرام أو حبلك على غاربك، فهي ثلاث في التي دخل بها) لأثر علي ﵁ السابق ولما رواه عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه في «الخلية والبرية والبتة أنه كان يجعلها ثلاثا ثلاثا» (^٢).
وما رواه مالك والشافعي عنه بلاغا أنه كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ من العراق أن رجلا قال لامرأته: «حبلك على غاربك»، فكتب عمر ﵁ إلى عامله «أن مره يوافني بمكة في الموسم فبينما عمر يطوف في البيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه» فقال عمر: من أنت؟ فقال: أنا الذي أمرت أن أجلب عليك، فقال له عمر: أسالك برب هذه البنية ما أردت بقولك حبلك على غاربك؟ فقال له الرجل: أردت بذلك الفراق، فقال عمر بن الخطاب هو ما أردت (^٣)، ورواه البيهقي من وجه آخر عن عمر ﵁ وفيه أنه قال له: «بانت منك» (^٤)، وما رواه مالك بلاغا أن عليا ﵁ كان يقول في الرجل يقول لامرأته: «أنت علي حرام أنها ثلاث تطليقات» (^٥).
(وينوى) في عدد الطلاق لا في إرادة الطلاق (في التي لم يدخل بها)
_________________
(١) المصنف لابن ابي شيبة (٤/ ٩٤) (١٨١٥٠ - فما بعدها)، وعبد الرزاق (١١١٧٦) إلا أنه ذكر عن عمر أنها واحدة وعن علي ثلاث، الدارقطني (٤/ ٣٢) (٨٦)، والبيهقي (٧/ ٣٤٤) (١٥٤١٠).
(٢) عبد الرزاق (٦/ ٣٥٨) (١١١٨٤)، والبيهقي (٧/ ٣٤٤) (١٥٤١٢) عن زيد بن ثابت ﵁، وانظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٦/ ٣٥٠).
(٣) الموطأ (٢/ ٥٥٢) (١١٥٠).
(٤) البيهقي (٧/ ٣٤٣) (١٥٤٠٦).
(٥) الموطأ (٢٠٢٧)، وشرح الزرقاني (٣/ ٢١٩)، ووصله عنه عبد الرزاق من وجوه متعددة وفي قضايا مختلفة وكذلك روى عن زيد بن ثابت ﵁ مثله.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
خلاف المشهور (^١)، والمشهور أن في قوله: حبلك على غاربك الثلاث مطلقا دخل بها أو لم يدخل، لأن هذه الألفاظ تقتضي البينونة، وهي تحصل قبل الدخول بواحدة فلم يزد عليها إلا بنية لأن اللفظ لا يقتضي زيادة عليها وفي المدخول بها يقع ثلاثا لأن البينونة لا تحصل إلا بها.
(والمطلقة) التي سمى لها الزوج صداقا (قبل البناء) يجب (لها نصف الصداق) الذي سماه لها إجماعا لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أي: الثيبات الرشيدات أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته وهو معنى قوله: (إلا أن تعفوا عنه)؛ أي: عن نصف الصداق (هي إن كانت ثيبا) رشيدة (وإن كانت بكرا فذلك)؛ أي: العفو راجع (إلى أبيها) (^٢).
• مسائل في الطلاق والعيوب:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن طلق فينبغي له أن يمتع ولا يجبر، والتي لم يدخل بها وقد فرض لها فلا متعة لها، ولا للمختلعة. وإن مات عن التي لم يفرض لها ولم يبن بها فلها الميراث ولا صداق لها.
ولو دخل بها كان لها صداق المثل إن لم تكن رضيت بشيء معلوم.
وترد المرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج.
فإن دخل بها ولم يعلم وأدى صداقها ورجع به على أبيها وكذلك إن زوجها أخوها وإن زوجها ولي وليس بقريب القرابة فلا شيء عليه ولا يكون لها إلا ربع دينار.
ويؤخر المعترض سنة فإن وطئ وإلا فرق بينهما إن شاءت.
_________________
(١) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ٣٨٢)، وشرح الزرقاني (٣/ ٢١٩).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٩٧٤ ]
والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك وينتهي الكشف عنه ثم تعتد كعدة الميت ثم تتزوج إن شاءت. ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله. ولا تخطب المرأة في عدتها ولا بأس بالتعريض بالقول المعروف.
ومن نكح بكرا فله أن يقيم عندها سبعا دون سائر نسائه وفي الثيب ثلاثة أيام.
ولا يجمع بين الأختين في ملك اليمين في الوطء فإن شاء وطء الأخرى فليحرم عليه فرج الأولى ببيع أو كتابة أو عثق وشبهه مما تحرم به ومن وطئ أمة بملك لم تحل له أمها ولا ابنتها وتحرم على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح).
الشرح
• ما تستحقه المرأة بالطلاق:
(ومن طلق) امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا حرة كانت أو كتابية أو أمة مسلمة مدخولا بها أو غير مدخول بها لم يسم لها في نكاح لازم (فينبغي)؛ بمعنى: يستحب (له أن يمتع)؛ أي: يعطيها شيئا يجري مجرى الهبة على قدر حاله من عسر ويسر لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وعن عباس بن سهل، عن أبيه وأبي أسيد قالا: «تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين» (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣١٤، ٤٩٥٧)، قال الحافظ في الفتح (٩/ ٣٥٩): «رازقيين: براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقية ثياب من كتان بيض طوال، قاله أبو عبيدة وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقة والرازقي الصفيق».
[ ٢ / ٩٧٥ ]
وروى البيهقي عن جابر ﵁ قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي ﷺ فقال لزوجها: «متعها» قال: لا أجد ما أمتعها، قال: «فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو بنصف صاع من تمر» (^١).
(ولا يجبر) تأكيد إذ المستحب لا يجبر عليه من أباه لقوله تعالى: ﴿حقا على المحسنين﴾ [البقرة: ٢٣٦] فتخصيص المحسنين بها يدل على أنها على سبيل الإحسان والتفضل لا على سبيل الوجوب إذ لو كانت واجبا لم تختص بالمحسنين (^٢)، وقال الشعبي: «والله ما رأيت أحدا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة» رواه ابن أبي حاتم، وقال سعيد بن جبير: ليست المتعة على كل أحد إنما هي على المتقين (^٣).
لطيفة من اللطائف في الباب ما رواه البيهقي عن قتادة قال: «طلق رجل امرأته عند شريح فقال له شريح: متعها، فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة إنما قال الله: ﴿متاعا بالمعروف حقا على المحسنين … والمطلقات متع بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] وليس من أولئك» (^٤).
(والتي)؛ أي: المطلقة التي (لم يدخل بها و) الحال أنه كان (قد فرض لها) صداقا (فلا متعة لها)، لأنها قد أخذت نصف الصداق مع بقاء سلعتها، ومفهومه أنها إذا لم يفرض لها فإن لها المتعة وهو كذلك كما قدمنا لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦] ثم قال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يقول لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق، ولم تمسس فحسبها
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٤٢٧٠) (٧/ ٢٥٧)، ط: الباز.
(٢) الذخيرة للقرافي (٤/ ٤٤٨).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٣) (٢٣٥٢)، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز - السعودية، ط: الثالثة، ١٤١٩ هـ.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٤٨٨٩) (٧/ ٢٥٨) الباز، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٩٧٦ ]
نصف ما فرض لها» (^١)، وعند بعضهم: «كفى بالنصف متاعا» (^٢)، (ولا) متعة (للمختلعة)، لأن المتعة شرعت جبرا وتسلية لما يلحقها من ألم الفراق، فإذا حصل الفراق من جهتها وبرغبتها فلا متعة لها (وإن مات) الزوج (عن) زوجته (التي لم يفرض لها) صداقا (و) الحال أنه (لم يبن بها فلها الميراث) اتفاقا، لأنه بعقد النكاح في الصحة صح التوارث بينهما لقوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ وقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] وعقد الزوجية هنا ثابت صحيح فورثت به لدخولها في عموم النص (ولا صداق لها) عليه على المشهور، ومفهومه أنه لو فرض لها كان لها الصداق أيضا لما رواه مالك عن نافع أن ابنة عبيد الله بن عمر وأمها بنت زيد بن الخطاب كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر فمات ولم يدخل بها، ولم يسم لها صداقا، فابتغت أمها صداقها، فقال عبد الله بن عمر: «ليس لها صداق ولو كان لها صداق لم نمسكه، ولم نظلمها، فأبت أمها أن تقبل ذلك فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث» (^٣).
قال سحنون: وأخبرني ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عبد الله بن عباس وعمر بن عبد العزيز في آخرين، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرا، وروى سعيد بن منصور من طرق وكذا البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثل ذلك.
(ولو دخل بها)؛ أي: التي مات عنها ولم يفرض لها (كان لها) مع الميراث (صداق المثل)، لأن الوطء في النكاح من غير مهر خاص برسول الله ﷺ، وهو بوطئها قد فوت عليها سلعتها فوجب لها القيمة وهي صداق المثل كالسلعة المستهلكة في يد المشتري ببيع فاسد (إن لم تكن رضيت بشيء معلوم)؛ أي: حيث كانت رشيدة فيجوز لها الرضا بدون صداق المثل لحديث عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال
_________________
(١) الموطأ (٢١٢١)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٥)، والبيهقي (١٤٨٨٤).
(٢) الدر المنثور (١/ ٧٤٠)، دار الفكر، ١٩٩٣ م، بيروت.
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ١٧٠).
[ ٢ / ٩٧٧ ]
رسول الله ﷺ: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟» قالت: نعم، قال: فأجازه (^١).
• العيوب الموجبة للرد:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وترد المرأة من الجنون، والجذام، والبرص) ظاهر كلامه الرد بهذه العيوب قلت أو كثرت وهو كذلك (و) ترد المرأة أيضا ب (داء الفرج) وهو ما يمنع الوطء أو لذته وهو خمسة أشياء (^٢):
١ - القرن بسكون الراء وفتحها لحمة تكون في فم الفرج.
٢ - والرتق بفتح الراء والتاء وهو التحام الفرج بحيث لا يمكن دخول الذكر.
٣ - والإفضاء وهو أن يكون مسلك البول ومسلك الجماع واحدا.
٤ - والاستحاضة وهو كما تقدم جريان الدم زمن الحيض وهي تمنع من كمال الجماع.
٥ - والبخر وهو نتن الفرج.
(فإن دخل) الزوج بالتي بها شيء من العيوب المتقدمة (و) الحال أنه (لم يعلم) به عند الدخول (ودى)؛ أي: دفع (صداقها ورجع به) معنى كلامه أنه يلزمه أن يدفع لها جميع الصداق ثم يرجع به (على أبيها) إن كان زوجها له، ظاهره ولو كان معسرا ولا يرجع الأب على المرأة بشيءء وهو كذلك إذا كانت غائبة حين التزويج، أما إذا كانت حاضرة وكتما العيب فيخير الزوج في الرجوع عليها وعليه (وكذلك) مثل رجوع الزوج على الأب في الحكم (إن) كان الذي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٧٦٤) و(٣/ ٤٤٦) (١٥٧٧٩)، والترمذي (١١١٣)، وقال: صحيح، وفي بعض النسخ: حسن وابن ماجه (١٨٨٨).
(٢) وأوصلها ابن العربي في القبس إلى خمسة وعشرين عيبا فيهما، أو في أحدهما مما لا يختص بالآخر (القبس ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧). وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ١٠٧).
[ ٢ / ٩٧٨ ]
(زوجها أخوها) فإنه يرجع عليه لقول عمر بن الخطاب: «أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون، أو جذام، أو برص، فمسها، فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها» (^١)، وفي لفظ: «أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها، فوجد بها برصا، أو مجنونة أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها» قال ابن جريج: «بمسيسه إياها، وعلى الولي الصداق بما دلس بما غره» (^٢) وورد مثله عن علي أخرجه سعيد بن منصور (^٣)، وعن ابن عباس أخرجه البيهقي، وقد ورد «أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني غفار فوجد بكشحها بياضا فلم يقربها وقال: خذي عليك ثيابك، ولم يأخذ مما أعطاها شيئا» (^٤) وفي بعض طرقه أنه قال: «دلستم علي» إلا أن في سنده اضطرابا شديدا (^٥).
(وإن زوجها ولي وليس بقريب القرابة)؛ أي: بعيد كابن العم ولم يعلم بالعيب ودخل بها الزوج (فلا شيء عليه) وإن علم بالعيب رجع عليه كالقريب، وحيث قلنا لا رجوع له على البعيد فإنه يرجع على المرأة بجميع الصداق لعدم اطلاعه على العيب بخلاف الأب والأخ ولذلك إذا علم اطلاعه رجع عليه الزوج كما يرجع على القريب لاستوائهما في العلة وهي التدليس على الزوج (ولا يكون لها) منه (إلا ربع دينار)، لأنه أقل الصداق والفرق بين الولي يرجع عليه بالجميع وبين المرأة يترك لها ربع دينار أنه لو رجع عليها بالجميع لعرى البضع عن الصداق وهو ممنوع بخلاف رجوعه على الولي فإن جميعه يبقى لها، لأن الولي لا يرجع عليها بشيء.
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٥٢٦)، والدارقطني (٣/ ٢٦٦)، والبيهقي (٧/ ٢١٤)، وابن ابي شيبة (٧/ ١٦)، وإسناده صحيح عن سعيد بن المسيب، قال الحافظ في البلوغ (٢١٨): رجاله ثقات.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٠٦٧٩).
(٣) سنن سعيد بن منصور (٢٠٣).
(٤) مسند أحمد (١٦٠٣٢)، والبيهقي (٧/ ٢١٤ و٢٥٦ - ٢٥٧)، وهو ضعيف جدا كما قال الألباني في الإرواء (٦/ ٣٢٦).
(٥) مسالك الدلالة للغماري (٢٣٩).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
• حكم نكاح المعترض:
(ويؤجل المعترض سنة)؛ أي: العنين؛ أي: إذا لم يسبق له وطء لها كان الاعتراض سابقا على العقد أو متأخرا عنه فإن سبق منه وطء لها ثم اعترض فتلك مصيبة نزلت بها (^١) (فإن وطئ وإلا فرق بينهما) إذا تقاررا على عدم الوطء في الأجل (^٢)، وأما لو ادعى الوطء وأنكرته فإن كانت الدعوى في الأجل أو بعد الأجل أنه وطئ في الأجل فالقول قوله بيمينه فإن نكل حلفت وكان القول قولها (إن شاءت) بطلقة بائنة، لأن كل طلاق من القاضي بائن إلا طلاق المعسر بالنفقة، والمولي من زوجته، لحكم عمر بذلك رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار وغيره؛ وروى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: «يؤجل العنين سنة فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما» (^٣)، وعن علي ﵁ مثله رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق (^٤)، وعند عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود مثله أيضا (^٥)، وكذلك روى ابن أبي شيبة والدارقطني عن المغيرة بن شعبة (^٦)، والعلة في ذلك أن العارض قد يكون من البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة، فإذا مضت عليه الفصول الأربعة واختلفت الأهوية ولم يزل، دل على استحكامه، أو على أنه خلقي ففرق بينهما لما يلحقها من الضرر إن شاءت هي وطلبت ذلك، وإذا رضيت هي وسامحت في حقها فلا يجبران على الفراق (^٧).
• أحكام الزوج المفقود:
(والمفقود) الذي فقد في بلاد الإسلام ولم يعلم له موضع ويمكن الكشف عن حاله في غير مجاعة ولا وباء إذا كان له زوجة فإنها ترفع أمرها
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد (٥/ ٣٥)، وانظر: شرح حدود ابن عرفة (٢٥٤).
(٢) التوضيح (٤/ ١١٠ - ١١١).
(٣) ابن أبي شيبة (١٦٧٥٠) (٤/ ٢٠٦).
(٤) ابن أبي شيبة (١٦٧٤٩) (٤/ ٢٠٧)، والبيهقي (١٤٦٨٨) (٧/ ٢٢٧).
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٠٧٢٣) (٦/ ٢٥٣).
(٦) المراجع السابقة.
(٧) المدونة (٤/ ٢٦٤)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٥/ ٣٥).
[ ٢ / ٩٨٠ ]
إلى الحاكم ليكشف لها عن خبره فإن كان حرا (يضرب له أجل أربع سنين) وإن كان عبدا يضرب له مدة سنتين وابتداء ضرب الأجل (من يوم ترفع ذلك) إلى السلطان (وينتهي الكشف عنه)، وعبارة الشيخ مشكلة ولهذا أولها بعضهم قال: إن الواو في وينتهي الكشف عنه؛ بمعنى مع؛ أي: فلا بد من حصول الأمرين، لأنه لا يستلزم أحدهما الآخر، فلذا ذكرهما (ثم) إذا انقضى الأجل ولم يظهر له خبر ف (تعتد) زوجته (كعدة الميت) وعليها الإحداد على المشهور (ثم) بعد انقضاء العدة (تتزوج إن شاءت) ولا تحتاج إلى إذن الحاكم؛ لحكم عمر ﵁ بذلك في امرأة الذي اختطفته الجن (^١)، ولقوله ﵁: «أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا» (^٢)، وروى ابن أبي شيبة عن عثمان مثله (^٣)، وروى أبو عبيد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ مثله وروى البغوي عن علي ﵁ مثله (^٤).
(ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله) غالبا وهو ثمانون سنة على ما اختاره الشيخ والقابسي؛ وسبعون على ما اختاره عبد الوهاب (^٥).
وقد قسم المالكية المفقود إلى أنواع:
الأول: المفقود في بلاد المسلمين، ومنهم من فرع هذا النوع إلى مفقود في زمان الوباء، ومفقود في غيره. فإذا كان في زمان الوباء والمجاعة ونحوهما فحكمه أن يظل المفقود في حكم الحي استصحابا إلى أن تنتهي
_________________
(١) ابن أبي شيبة (١٦٧٢٠) (٣/ ٥٢٢)، وعبد الرزاق (١٢٣٢٠)، وأخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ٣١١، ٣١٢) رقم (٢٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٤٥)، كتاب العدد: باب من قال: تنتظر أربع سنين ثم أربعة أشهر وعشرا ثم تحل، والمغني (١١/ ٢٤٧)، دار عالم الكتب.
(٢) مرسل أخرجه مالك (١٢٥٢)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٧)، والبيهقي (٧/ ٤٤٥). (١٥٩٧٤)
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (١٦٩٨٢).
(٤) شرح السنة للبغوي (٩/ ٣١٤).
(٥) انظر: مواهب الجليل (٥/ ٤٩٦)، والذخيرة (١٣/ ٢٢).
[ ٢ / ٩٨١ ]
المجاعة أو يزول الوباء أو يرتفع سبب الإهلاك بشكل عام، فإذا ذهب المرض اعتدت منه.
الثاني: المفقود في بلاد الأعداء، فإن زوجة مفقود أرض الشرك ومثلها زوجة الأسير؛ فإنهما يبقيان لانقضاء مدة التعمير وأولى مالهما، وإنما لم يضرب لهما أجل كزوجة مفقود أرض الإسلام لتعذر الكشف عن زوجهما، ومحل بقائهما إن دامت نفقتهما كغيرهما وإلا فلهما التطليق: قال الأجهوري في «شرح خليل»: وإذا جاز لها التطليق بعدم النفقة فإنه يجوز لها إذا خشيت على نفسها الزنا بالأولى لشدة ضرر ترك الوطء الناشئ عنه الزنا، ألا ترى أنها لو أسقطت النفقة عن زوجها يلزمها الإسقاط، وإن أسقطت عنه حقها في الوطء لا يلزمها ولها أن ترجع فيه، وأيضا النفقة يمكن تحصيلها من غير الزوج بتسلف ونحوه بخلاف الوطء، فإذا مضت مدة التعمير يحكم بموت من ذكر وتعتد زوجته عدة وفاة، ويقسم ماله على ورثته حينئذ لا على ورثته حين فقده ما لم يثبت موته يوم الفقد أو بعده، فالمعتبر ورثته يوم ثبوت الموت، فإن جاء بعد قسم تركته فإن القسم لا يمضي ويرجع له متاعه.
الثالث: المفقود في قتال المسلمين مع الكفار، فإنها تعتد بعد مضي سنة كائنة بعد الفحص عن حاله.
الرابع: المفقود في قتال المسلمين بعضهم مع بعض، فتعتد بعد الفراغ من القتال والاستقصاء في التكشف عنه، ولا يضرب لها أجل لأنه يحمل أمره على الموت، ولذلك يقسم ماله حين شروعها في العدة، أما لو شهدت البينة على أنه خرج من الجيش ولم تشاهده في المعترك فإنه يكون كالمفقود في بلاد المسلمين فيجري في زوجته ما تقدما.
الخامس: من شك في حاله هل فقد في بلاد المسلمين أو الكفار؟ لا نص في حاله.
قال الأجهوري: وينبغي العمل بالأحوط، فتعامل زوجته معاملة زوجة مفقود أرض الشرك، بخلاف من سافر في البحر فانقطع خبره فسبيله سبيل
[ ٢ / ٩٨٢ ]
المفقود، إلا أن يكون فقد في شدة ريح والمراكب في المرسى ولم يتبين له خبر، فيحكم بموته لغلبة الظن بغرقه (^١).
• حرمة خطبة المعتدة:
(ولا تخطب المرأة) المطلقة طلاقا بائنا أو رجعيا أو المتوفى زوجها وهي (في عدتها) بصريح اللفظ؛ أي: يحرم وهذا إذا كانت معتدة المطلق، وأما منه فإنه لا يحرم حيث لم يكن بالثلاث وكذا يحرم مواعدة بالنكاح من الجانبين بأن يتوثق كل من صاحبه أن لا يأخذ غيره لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥] «قال ابن عباس ﵁ في جماعة من المفسرين: حتى تنقضي العدة» (^٢)؛ ولأنه تعالى أباح التعريض فدل على أن التصريح محرم، لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح فتخبره بانقضاء العدة.
(ولا بأس بالتعريض) للمعتدة (بالقول المعروف)؛ أي: الحسن وهو ما يفهم به المقصود مثل: إني فيك لراغب لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: «إذا حللت فأذنيني …» (^٣)، وعند أبي داود أن النبي ﷺ قال لها: «لا تفوتينا بنفسك» وقال ابن عباس في الآية: «يقول: إني أريد التزويج ولوددت أنه يسر لي امرأة صالحة» (^٤).
(ومن نكح بكرا)؛ أي: تزوج على امرأته أو نسائه (فله (^٥) أن يقيم عندها سبعا)؛ أي: سبعة أيام متواليات (دون سائر نسائه) ثم بعد ذلك يسوي
_________________
(١) القوانين الفقهية (ص ١٤٤ - ١٤٥)، والكافي لابن عبد البر (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩)، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (٤/ ١٥٦)، وما بعدها، ومواهب الجليل (٤/ ١٥٦)، وما بعدها، والفواكه الدواني (٢/ ٤٢).
(٢) الدر المنثور (١/ ٦٩٦).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) البخاري (٥١٢٤)
(٥) وفي أكثر النسخ: فلها بالتأنيث.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
بينهن في القسم (وفي الثيب ثلاثة أيام) ثم يسوي بينهن في القسم بعد ذلك لحديث أم سلمة ﵂: «أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: إنه ليس بك هوان على أهلك فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي» (^١)، وحديث أبي قلابة عن أنس قال: «من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا ثم قسم»، قال أبو قلابة: «ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ» (^٢).
(ولا يجمع بين الأختين في ملك اليمين في الوطء)؛ أي: أو غيره من أنواع الاستمتاع وإذا جمعهما في الملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى الأمانة (فإن شاء)؛ أي: أراد (وطء الأخرى فليحرم عليه)؛ أي: على نفسه (فرج الأولى) التي وطئها إما (ببيع) بعد الاستبراء بيعا ناجزا لمن لا يعتصره منه، وأما إن لم يكن ناجزا كبيع الخيار؛ فإنه لا يحرم فرج الأولى حتى تخرج من أيام الخيار (أو كتابة أو عتق وشبهه مما تحرم به) كالهبة لغير الثواب لمن لا يعتصرها منه إذا قبضها الموهوب وتحريم الجمع لعموم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وحديث فيروز الديلمي قال: «أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما» (^٣)، وهذا عام يدخل فيه النكاح والوطء بملك اليمين.
(ومن وطئ أمة بملك لم تحل له أمها، ولا ابنتها، وتحرم على آبائه،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٢)، ومسلم (٤/ ١٧٢) (٣٦٩٤)، وأبو داود (٢١٢٢)، وابن ماجه (١٩١٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢١٣)، ومسلم (٣٦١٦).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٢) (١٨٢٠٥)، وأبو داود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٢٩)، وفي (١١٣٠)، وابن ماجه (١٩٥١) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن، وأبو وهب الجيشاني اسمه: الديلم بن هوشع. أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٢) (١٨٢٠٣ و١٨٢٠٤).
[ ٢ / ٩٨٤ ]
وأبنائه، كتحريم النكاح) لما سبق في الحرائر لعموم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ [النساء: ٢٣] الآية.
(والطلاق بيد العبد دون السيد) لحديث ابن عباس ﵄ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله إن سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها»، قال: فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فقال: «يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» (^١).
• طلاق الصبي:
(ولا طلاق لصبي) لحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» (^٢)، وعن ابن عباس ﵁ قال: «لا يجوز طلاق الصبي» (^٣).
وإنما يصح طلاق المسلم المكلف، وحيث قلنا: لا طلاق على الصبي إنما يطلق عليه وليه لمصلحة.
• النيابة في الطلاق:
(والمملكة) وهي التي يقول لها زوجها: ملكتك نفسك، أو طلاقك بيدك، أو أنت طالق إن شئت (والمخيرة) وهي التي يخيرها في النفس مثل أن يقول لها: اختاريني أو اختاري نفسك، أو اختاريني أو اختاري طلقة أو طلقتين حكمهما أن (لهما أن يقضيا) (^٤) لحديث عائشة ﵂ قالت: «خيرنا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٨١)، وفي الزوائد في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وحسنه الألباني كما في الإرواء (٢٠٤١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٠٣)، والترمذي (١٤٢٣)، وابن خزيمة (١٠٠٣ و٣٠٤٨).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (١٨٢٣٦) (١٨٢٣٧).
(٤) الذخيرة (٧/ ٣٨٢)، والبيان والتحصيل (٥/ ٢١٣).
[ ٢ / ٩٨٥ ]
رسول الله ﷺ، فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا» (^١)، ولقول علي بن أبي طالب ﵁ في الرجل يخير امرأته: «إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة» (^٢)، (ما دامتا في المجلس) فيجيبا بصريح يفهم منه مرادهما فإن أجابا بمحتمل أمرا ببيان مرادهما فيعمل به، ثم لا يخلو حال المملكة من أمرين، لأنها إما أن تطلق واحدة أو أكثر، ففي الواحدة لا مناكرة له، وفيما زاد عليها له المناكرة لإجماع الصحابة حكاه بعضهم واعترضه الموفق (^٣) بخلاف علي ﵁ ورد بأنه لم يثبت عنه بل ورد عنه موافقة الجماعة ففي «مسند الإمام» زيد عن علي ﵁ مثل حديثه السابق، وزاد في آخره، «فإن قامت من المجلس فلا خيار لها» وعن ابن مسعود ﵁: «إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن تقضي بشيء فلا أمر لها» رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا (^٤)، وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن جابر ﵁ مثله، وروى عن جماعة آخرين من الصحابة وإلى هذا أشار بقوله:
(وله أن يناكر المملكة خاصة) دون المخيرة (فيما فوق الواحدة) وبهذا قضى عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ كما عند الشافعي ومالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وسحنون (^٥)، بشرط أن ينكر حين سماعه من غير إهمال وأن يقر بأنه أراد بتمليكه الطلاق، فلو قال: لم أرد طلاقا فإنه يقع الثلاث ولا عبرة بعد ذلك بقوله: أردت بما جعلته لها طلقة واحدة، وأن يدعي أنه نوى واحدة في حال تملكه، وأن يكون تمليكه طوعا احترازا مما إذا شرط لها في عقد نكاحها فطلقت نفسها ثلاثا فإنه لا مناكرة له دخل بها أم لم يدخل.
_________________
(١) البخاري (٤٩٦٢)، ومسلم في الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاق إلا بالنية رقم (١٤٧٧).
(٢) الترمذي (١١٧٩)، وعبد الرزاق (١١٩٨١)، وابن أبي شيبة (١٨٤٠٢).
(٣) ابن قدامة في المغني (٨/ ٢٩٦)، دار الفكر.
(٤) عبد الرزاق (١١٩٢٩). وابن ابي شيبة (١٨٤٣٠).
(٥) الموطأ (٢/ ٥٥٣) من حديث ابن عمر.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
وأما المخيرة فلا يخلو إما أن تخير في العدد، أو في النفس، فإن خيرت في العدد فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها، وإن خيرت في النفس فإن قالت: اخترت واحدة أو اثنتين لم يكن لها ذلك وبطل خيارها، وإن قالت: اخترت نفسي كان ثلاثا، ولا تقبل منها إن فسرته بما دون ذلك وهذا معنى قوله: (وليس لها في التخيير أن تقضي إلا بالثلاث ثم لا نكرة له فيها) لأن الخيار قد جعل لها أن تقيم عنده أو تبين منه وهي لا تبين منه بالواحدة بل بالثلاث.
فائدة (^١): البينونة التي تقدم أنها تمنع الارتجاع تقع بستة أمور وهي:
١ - ردة أحد الزوجين.
٢ - الخلع.
٣ - الثلاث أو ما يقوم مقامها.
٤ - الطلاق قبل البناء.
٥ - انقضاء عدة الرجعية.
٦ - طلاق الحاكم على الزوج من غير إيلاء، ولا إعسار بالنفقة.
وقد نظمها بعضهم بقوله:
أبن بخلع زوجة أو ردة … أو بثلاث أو تمام عدة
أو بطلاق إن يكن قبل البنا … أو كان من غير الذي بها بنى
إلا لإيلاء وعسر النفقه … هذا الذي قد قاله من حققه
الإيلاء
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكل حالف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مول.
ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء وهو أربعة أشهر للحر وشهران للعبد حتى يوقفه السلطان).
_________________
(١) تبيين المسالك للشيخ محمد الشيباني الشنقيطي (٣/ ١٦٣).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
الشرح
الإيلاء: لغة: الحلف (^١)، يقال: آلى يولي إيلاء، وتألى يتألى تأليا، وائتلى يأتلي ائتلاء،
وصار في الشرع الحلف المخصوص، فالإيلاء حلف على الامتناع والترك، لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك.
قال تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن﴾ [النور: ٢٢] الآية؛ أي: على أن يؤتوا وقال تعالى هنا: ﴿للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فاء وفإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦] فعداه بمن، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين. وأيا ما كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية، صار حقيقة شرعية في هذا الحلف على الوصف المخصوص.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكل حالف) من المكلفين المسلمين الأحرار يتصور منه الوقاع (على ترك الوطء) من زوجته المطيقة للوطء سواء كانت مسلمة أو كتابية أو أمة قاصدا بذلك الضرر (أكثر من أربعة أشهر فهو مول) من يوم اليمين (^٢) إن كانت يمينه صريحة كقوله: والله لا وطئتك أكثر من أربعة أشهر؛ ومن يوم الرفع والحكم إن كانت يمينه محتملة لأقل من الأجل، كقوله: والله لا أطؤك حتى يقدم زيد، لو حلف على أربعة أشهر فدون لا يكون موليا لقوله تعالى: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من﴾ وجه الدلالة من الآية أنه جعل له تربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر أو ما دونها فلا معنى للتربص، لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة تناولها الإيلاء، ولأن المطالبة إنما تكون بعد أربعة
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وانظر: تفسير الطبري (٤/ ٤٥٦).
(٢) متى يحسب اليوم في الإيلاء واليمين؟ قال الشيخ ابن غازي في نظائر الرسالة: واليوم يلغى في اليمين والكرا … وفي الإقامة على ما اشتهرا وفي خيار البيع ثم العده … وأجل عقيقة وعهدة والإيلاء يمين
[ ٢ / ٩٨٨ ]
أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة أشهر فما دون لم تصح المطالبة من غير إيلاء، وقال ابن عباس ﵄: «كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء» (^١).
(ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء وهو أربعة أشهر للحر) للآية السابقة (وشهران للعبد) لقول عمر ﵁: «إيلاء العبد شهران» (^٢)؛ ولأن مدة الإيلاء يتعلق بها حكم البينونة فوجب أن لا يساوي فيه الحر العبد كالطلاق، (وقال مالك في العبد يتظاهر من امرأته أنه لا يدخل عليه إيلاء، وذلك أنه لو ذهب يصوم صيام كفارة المتظاهر) شهرين (دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من صيامه)، لأن إيلاء العبد شهران، وأجله شهران، فلو أفطر ساهيا أو لمرض لا ينقضي أجله قبل تمام كفارته، وهو بعض ما يعذر به العبد في عدم دخول الإيلاء عليه هكذا وجهه الباجي، وهو أحسن من توجيه ابن عبد البر بأنه مبني على لزوم الطلاق بمجرد مضي الشهرين لأنه خلاف المعروف من مذهب مالك (^٣). (حتى يوقفه السلطان) هذا هو المشهور؛ أي: أن كونه لا يقع عليه الطلاق بتمام الأجل من غير إيقاف هو المشهور؛ أي: فيوقفه السلطان إما فاء أو طلق، فإن فاء؛ أي: رجع سقط عنه حكم الإيلاء، لقوله تعالى: ﴿فإن فاءو فإن الله غفور رحيم﴾، وتحصل الفيئة بمغيب الحشفة في القبل، وإن لم يفئ أمره السلطان بالطلاق، فإن امتنع طلق عليه أي طلق عليه الحاكم، لقول ابن عمر ﵁: «أيما رجل آلى من امرأته، فإنه إذا مضت الأربعة الأشهر، وقف، حتى يطلق، أو يفيء. ولا يقع عليه طلاق، إذا مضت الأربعة الأشهر، حتى يوقف» (^٤)، وبهذا حكم علي وعمر وعثمان وأبو الدرداء وجماعة الصحابة بل قال الشافعي إن
_________________
(١) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، كما في المجمع (٤/ ٦٤٣)، وذكر الغماري تبعا للحافظ في الفتح أنه عند الطبري ولم أقف عليه فلعله تصحيف، والله أعلم.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٣١٨٨) (٣/ ٢٣٣).
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ٢٣٣).
(٤) الموطأ (٢٠٤٦)، والبخاري (٥٢٩٠).
[ ٢ / ٩٨٩ ]
أكثر الصحابة قال به (^١).
فائدة: لم يرد في الإيلاء حديث مرفوع إلى النبي ﷺ: «إلا كونه آلى من نسائه شهرا» (^٢) الحديث المعروف في كون الشهر تسعا وعشرين على أن في كونه من الإيلاء المعروف خلافا ليس هذا محل بسطه والمذهب ظاهر في كونه ليس من الإيلاء.
الظهار
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن تظاهر من امرأته فلا يطؤها حتى يكفر بعثق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا طرف من حرية فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدين لكل مسكين. ولا يطؤها في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة فإن فعل ذلك فليتب إلى الله ﷺ فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم فليبتدئها ولا بأس بعتق الأعور في الظهار وولد الزنا ويجزئ الصغير ومن صلى وصام أحب إلينا).
الظهار:
لغة واصطلاحا: «معناه أن يقول الرجل لزوجه: أنت علي كظهر أمي. وكان هذا قولا يقولونه في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبت عصمته. وهو مشتق من الظهر ضد البطن، لأن الذي يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يريد بذلك أنه حرمها على نفسه. كما أن أمه حرام عليه … .
_________________
(١) كما ذكر ذلك الحافظ في الفتح (٩/ ٤٢٨)، قال: وكذا أخرجه الشافعي عن مالك وزاد فأما أن يطلق وأما أن يفيء، وهذا تفسير للآية من ابن عمر وتفسير الصحابة في مثل هذا له حكم الرفع عند الشيخين البخاري ومسلم، كما نقله الحاكم فيكون فيه ترجيح لمن قال: يوقف قوله، ويذكر ذلك أي الإيقاف عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ.
(٢) البخاري (٦٥٧، ٣٧١)، وأخرجه الترمذي (٦٩٠)، وأخرجه النسائي (٦/ ١٦٦).
[ ٢ / ٩٩٠ ]
فالتقدير: قربانك كقربان ظهر أمي؛ أي: اعتلائها الخاص.
قال المفسرون وأهل اللغة: «كان الظهار طلاقا في الجاهلية يقتضي تأبيد التحريم». اهـ (^١).
واصطلاحا: قال ابن عرفة: «تشبيه زوج زوجه، أو ذي أمة حل وطؤه إياها بمحرم منه، أو بظهر أجنبية في تمتعه، بهما، والجزء كالكل، والمعلق كالحاصل» (^٢).
(ومن تظاهر) من المسلمين المكلفين حرا كان أو عبدا، فالمسلم يشمل الزوج والسيد (من امرأته) أو أمته وهو أن يشبهها بمحرمة عليه تحريما مؤبدا بنسب أو رضاع أو صهر، كقوله: أنت علي كظهر أمي، وقد اتفق الأئمة على أن الظهار يقع بتشبيه الزوجة بظهر من تحرم بالنسب (^٣) (فلا يطؤها) ولا يقبلها ولا يلمسها ولا ينظر إلى شعرها (حتى يكفر) بأحد أمور ثلاثة على الترتيب أولها إما:
(بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ليس فيها شرك، ولا طرف من حرية) أما اشتراط الإيمان فظاهر، لأن المقصود من العتق القربة وعتق الكافر ينافيها وهي ككفارة القتل إذ نص تعالى على كونها مؤمنة (^٤)، وحديث معاوية بن الحكم السلمي في قصة جاريته وفيه قول النبي ﷺ: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (^٥)، وأما اشتراط السلامة من العيوب فإن إطلاق اسم الرقبة يقتضي السلامة، ولأن النقص يمنع التصرف التام فوجب أن يمنع الإجزاء، ولأن المقصود من العتق تمليك العبد منفعته، وتمكينه من التصرف وذلك لا يحصل مع العيب المضر بالعمل، وأما إن لم يمنعه كالعرج الخفيف والعور فإنه
_________________
(١) بتصرف من التحرير والتنوير للعلامة شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور (٢٨/ ١١).
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٢٩٥)، وانظر: مناهج التحصيل للرجراجي (٥/ ٤١ - ٤٢).
(٣) المغني (٧/ ٣٤٠)، والإجماع لابن المنذر (٨٤).
(٤) المنتقى للباجي (٤/ ٤١).
(٥) والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، ومسلم (٢/ ٧٠) (١١٣٦)، وأبو داود (٣٢٨٣).
[ ٢ / ٩٩١ ]
يجزئ (^١) كما سينص عليه بعد (فإن) عجز عن العتق بأن (لم يجد) رقبة ولا ثمنها ولا قيمتها (صام شهرين متتابعين) بالأهلة فإن انكسر شهر صام أحدهما بالهلال وتمم المنكسر ثلاثين وتجب: نية التتابع، ونية الكفارة؛ فإذا انقطع التتابع استأنف لأن الله سبحانه اشترط التتابع (فإن لم يستطع) الصوم (أطعم ستين مسكينا) أحرارا مسلمين لقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير﴾ ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين﴾ [المجادلة: ٤، ٣]، وحديث خولة بنت مالك ﵂ قالت: «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك»، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]، إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» قالت: لا يجد، قال: «فيصوم شهرين متتابعين»، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينا»، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: «قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك»، قال: والعرق: ستون صاعا، قال أبو داود: «في هذا إنها كفرت عنه من غير أن تستأمره»، قال أبو داود: وهذا أخو عبادة بن الصامت» (^٢)، أما اشتراط كون الرقبة مؤمنة فلأنها مخرجة على وجه الكفارة فاعتبر فيها الإيمان.
(مدين لكل مسكين) لأن الله تعالى لم يقل في كفارة الظهار من أوسط ما تطعمون فدل على أنه أراد أفضل الشبع وذلك يحصل بمدين بمد النبي ﷺ
_________________
(١) انظر: مناهج التحصيل للرجراجي (٥/ ٩٣)، وانظر: القبس (٢/ ٧٣٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٣٧)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٢٧٤).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤١٠)، وأبو داود (٢٢١٦)، والبيهقي (١٥٦٦٨)، وصححه الألباني.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
بخلاف كفارة اليمين فإن الله تعالى قال فيها: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] قال مالك: والوسط بالمدينة مد بمد النبي ﷺ ولأن في حديث خولة بنت مالك عند أبي داود في رواية: «والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا» (^١)، وقال: هذا أصح، والصاع أربعة أمداد فيكون لكل واحد مدين.
(ولا يطؤها) يريد ولا يقبلها ولا يباشرها (في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة) لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]، (فإن فعل ذلك فليتب إلى الله ﷿) وليس عليه كفارة أخرى لحديث سلمة بن صخر ﵁: «عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: «كفارة واحدة»» (^٢).
(فإن كان وطؤه) أو استمتاعه بغير الوطء (بعد أن فعل بعض الكفارة بالإطعام أو صوم فليبتدئها)؛ أي: الكفارة وسكت عن العتق فإنه لا يتبعض لقوله تعالى: ﴿فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣] فجعل ذلك شرطا في الصيام الواجب عليه الذي به يتخلص من حكم الظهار فمن جامع قبل أن يتم الصيام فلم يأت بصيام الشهرين قبل أن يتماسا فلم يبرأ بذلك من صوم الظهار، والإطعام مثله، ولحديث ابن عباس: أن رجلا أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: «وما حملك على ذلك يرحمك الله؟»، قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» (^٣)، والواطئ قبل إتمام الكفارة لم يكن آتيا بما أمره الله.
(ولا بأس بعتق الأعور في الظهار) لأن العور لا يمنع من التصرف
_________________
(١) أبو داود (٢٢١٧).
(٢) الترمذي (١١٩٨) مختصرا وقال: «هذا حديث حسن غريب»، وابن ماجه (٢٠٦٢)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٢٥)، والترمذي (١١٩٩)، وصححه، وابن ماجه (٢٠٦٥)، والنسائي (٧/ ١٦٧)، وفي الكبرى (٥٦٢٢).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
والانتفاع بخلاف العمى ونحوه، (و) كذلك لا بأس بعتق (ولد الزنى) لشمول الرقبة في الآية له، والآبق، والسارق، والزاني.
(ويجزئ الصغير) لصدق اسم الرقبة عليه (ومن صلى وصام أحب إلينا)؛ أي: المالكية لتمكنه من معايشه بخلاف الرضيع فإنه وإن أجزأ في الظهار إلا أن ذلك متعذر فيه، ولذا يلزمه الإنفاق عليه حتى يبلغ القدرة على الكسب.
اللعان
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء أو رؤية الزنا كالمرود في المكحلة واختلف في اللعان في القذف وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبدا.
ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات بالله ثم يخمس باللعنة ثم تلتعن هي أربعا أيضا وتخمس بالغضب كما ذكر الله ﷾.
وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج أو زوج غيره وإلا جلدت مائة جلدة وإن نكل الزوج جلد حد القذف ثمانين ولحق به الولد. وللمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها أو أقل أو أكثر إذا لم يكن عن ضرر بها فإن كان عن ضرر بها رجعت بما أعطته ولزمه الخلع والخلع طلقة لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد برضاها.
والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه أو تفارقه ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه).
الشرح
اللعان (^١): لغة: قال في المصباح: لعنه لعنا من باب نفع، طرده وأبعده
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (١٠/ ١٤٨).
[ ٢ / ٩٩٤ ]
أو سبه فهو (لعين) و(ملعون)، ولاعنه ملاعنة ولعانا وتلاعنوا لعن كل واحد الآخر، ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور، وقال ابن دريد: كلمة إسلامية في لغة فصيحة. اه.
اصطلاحا: «هو حلف مسلم على زنا زوجته، أو نفي حملها اللازم له، وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض» (^١).
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «هو مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية، لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل: سمي لعانا، لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها لأن الرجل إذا كان كاذبا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما.
واللعان والالتعان والملاعنة؛ بمعنى: ويقال: تلاعنا والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة لوقوعه غالبا من الجانبين.
وأجمعوا على مشروعية اللعان وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب». اهـ (^٢).
(واللعان) مشروع رخصة نص عليه الكتاب والسنة ولا خلاف في ذلك بين الأئمة (بين كل زوجين) ولو كان نكاحهما مجمعا على فساده دخل بها أو لا، ولو فاسقين لقول الموازية: ومن نكح ذات محرم أو أخته غير عالم، وقد حملت وأنكر الولد، فإنهما يتلاعنان، لأنه نكاح شبهة فإن نكلت
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة (٣٠١).
(٢) فتح الباري (٣٤٩/ ٩).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
حدت، وإن نكل حدا للقذف، ويلزمه الولد، ويشترط في الزوج أن يكون مسلما مكلفا يتأتى منه الوطء، ويشترط في الزوجة أن تكون ممن يمكن حملها، ولا يشترط فيها الإسلام والحرية، فتلاعن الكتابية والأمة، واللعان بين الزوجين يكون في (في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء) ولو بحيضة ومثل الاستبراء دعواه عدم وطئها بعد وضعها الحمل الأول الذي قبل هذا المنفي والحال أن بين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول، وهو ستة أشهر فأكثر (أو) يدعي (رؤية الزنا كالمرود) بكسر الميم (في المكحلة) بضم الميم والحاء لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهدات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ [النور: ٦، ٧] الآية.
ويشترط في اللعان لنفي الحمل أن يقوم بفوره، وأما إذا رآه وسكت ثم قام بعد ذلك فلا لعان.
ويشترط في اللعان بالرؤية أن لا يطأ بعدها، وأما التأخير فلا يمنع اللعان لرؤية الزنى، (واختلف في اللعان في القذف) من غير دعوى رؤية وطء ولا نفي حمل على قولين مشهورين أحدهما أنه يلاعن والآخر أنه يحد ولا يلاعن (^١) ويتعلق باللعان أربعة أحكام أحدهما: أشار إليه بقوله: (وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبدا) لحديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ قال: المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا» (^٢)، وحديث علي ﵁ قال: «مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدا» (^٣).
• صفة اللعان:
(ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات بالله، ثم يخمس باللعنة، ثم تلتعن
_________________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٢/ ٦٦١)، وعنه الشيباني في تبيين المسالك (٣/ ١٨٨)، وانظر: القبس (٢/ ٣٠١ فما بعدها).
(٢) أبو داود (٢/ ٦٨٣)، والبيهقي (١٥٧٥٠)، والدارقطني (١١٦)، وصححه الألباني.
(٣) البيهقي (١٥٧٥٤)، والدارقطني (١١٧).
[ ٢ / ٩٩٦ ]
هي أربعا، وتخمس بالغضب كما ذكر الله ﷾) ولحديث سعيد بن جبير أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم؟ وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: «إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله ﷿ ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره، وأخبره: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما» (^١).
ويجب أن يكون اللعان بحضرة جماعة من الناس أقلهم أربعة.
وأن يكون في أشرف أمكنة البلد ولا يكون إلا في المسجد.
ويستحب أن يكون بعد صلاة العصر.
ويستحب تخويفهما خصوصا عند الخامسة، بأن يقال لهما: هذه الخامسة هي الموجبة عليكما العذاب. وكل هذه المعاني من أحاديث صحيحة (^٢).
(وإن نكلت هي)؛ أي: المرأة عن اللعان؛ أي: امتنعت منه بعد لعان
_________________
(١) البخاري (٥٣١٣)، ومسلم (٢٠٦/ ٤) (٣٧٣٩)، والترمذي (١٢٠٢ و٣١٧٨)، والنسائي (١٧٥/ ٦)، وفي الكبرى (٥٦٣٧).
(٢) الذخيرة للقرافي (٣٠٤/ ٤).
[ ٢ / ٩٩٧ ]
الزوج (رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج) الملاعن (أو من زوج غيره)؛ أي: في نكاح صحيح لازم (وإلا)؛ أي: وإن لم يتقدم للملاعنة إحصان (جلدت مائة جلدة) حيث كانت حرة مسلمة مكلفة، فإن كانت أمة فنصف الحد، وإن كانت ذمية يلزمها الأدب لأذيتها لزوجها وردت لحاكم ملتها بعد تأديبها.
(وإن نكل الزوج) وكانت الزوجة بالغة مسلمة حرة (جلد حد القذف ثمانين) جلدة (ولحق به الولد).
• عود إلى الخلع:
ثم انتقل يتكلم على الخلع مرة أخرى وإن كان قد أشار إليه في الطلاق وهل هو طلقة أم فسخ، فقال: (وللمرأة)؛ أي: ويباح لها إذا كانت بالغة رشيدة (أن تفتدي)؛ أي: تختلع (من زوجها) إذا كان بالغا رشيدا، أما إذا كان صبيا أو مجنونا فلا يباح لها ذلك، والظاهر الحرمة، (ب) جميع (صداقها أو) ب (أقل أو) ب (أكثر منه)، وإباحته مقيدة بما (إذا لم يكن) ذلك (عن ضرر بها) مثل أن ينقصها من النفقة أو يكلفها شغلا لا يلزمها، فإن كان ذلك الافتداء ناشئا (عن ضرر بها رجعت) عليه (بما أعطته ولزمه الخلع)، ويكفي في ثبوت الضرر إقامة بينة السماع، والحاصل أن المرأة إذا ادعت بعد المخالعة أنها ما خلعت إلا عن ضرر، وأقامت بينة السماع بذلك فإن الزوج يرد ما خالعها به وبانت منه.
(والخلع طلقة) بائنة (لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد)، بولي وصداق وشاهدي عدل برضاها، إن لم تكن مجبرة على النكاح، أما المجبرة فإنما يراعى رضا الولي.
(والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه أو تفارقه) فعن عائشة ﵂: «أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا» (^١) وفي رواية عنها
_________________
(١) أبو داود (٢٢٣٦)، وصححه الألباني.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
أيضا: «أن بريرة أعتقت وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله ﷺ ولو كان حرا لم يخيرها» (^١)، وبه أخذ مالك في أنه إذا كانت تحت الحر فلا خيار لها.
(ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه) لمنافاة ملك اليمين للنكاح، ولذلك لا يجوز للرجل أن يتزوج أمته، ولا للمرأة أن تتزوج عبدها كما سبق دليله.
• طلاق العبد:
(وطلاق العبد طلقتان وعدة الأمة حيضتان) لقضاء الصحابة بذلك منهم: عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله بن مسعود وغيرهم ﵃، وكذلك حديث: «طلاق الأمة تطليقتين وقرؤها حيضتان» فإنه ضعيف من جميع طرقه وإن صحح بعضها الحاكم (^٢) وهو وارد من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس ﵃ (^٣)، وقد استدل ابن مسعود ﵁ بالقياس على الحد فقال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة.
(وكفارات العبد كالحر) مراده أن ما يكفر به العبد هو كالحر فيه؛ أي: فلا يتنصف لا أن كل ما يكفر به الحر يكفر به العبد، إذ العتق لا يكفر به، ولو أذن له السيد، أو لأنها من باب العبادات فيستوي فيها الحر والعبد (بخلاف معاني الحدود) لفظ معاني زائدة؛ أي: بخلاف الحدود فإنها تشطر عليه لقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٩]، (والطلاق) لما تقدم ذكره والقياس على الحدود كما قال ابن مسعود.
• الرضاع:
الرضاع لغة: مص الثدي بفتح الراء وكسرها مصدر رضع الصبي الثدي بكسر الضاد وفتحها حكاهما ابن الأعرابي، وقال: الكسر أفصح وأبو عبيد في
_________________
(١) أحمد (٢٥٣٦٧)، ومسلم (٥٠٤)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٣).
(٢) الحاكم (٢/ ٢٢٣) (٢٨٢٢). ووافقه الذهبي، وضعفه آخرون.
(٣) المغني (٨/ ٤٤٤).
[ ٢ / ٩٩٩ ]
المصنف ويعقوب في الإصلاح، قال المطرز في شرحه: امرأة مرضع إذا كانت ترضع ولدها ساعة بعد ساعة، وامرأة مرضعة إذا كان ثديها في فم ولدها، قال ثعلب: فمن ها هنا جاء القرآن ﴿تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾ [الحج: ٢] (^١).
وشرعا قال ابن عرفة: «الرضاع عرفا (أي: عرفا شرعيا) وصول لبن آدمي بمحل مظنة غذاء» (^٢).
(وكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن فإنه يحرم) لقوله تعالى: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣] ذكرهما الله تعالى في جملة المحرمات، وحديث: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» (^٣)، وفي رواية: «من الرحم» (^٤) وفي أخرى: «من النسب» (^٥)، أما اشتراط كونه في الحولين فلقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل تمام الرضاع في الحولين فدل على أنه لا حكم للرضاع بعد الحولين كما سيشير إليه المصنف رحمه الله تعالى، ولحديث أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الندي وكان قبل الفطام» (^٦)، وقوله في الثدي؛ يعني: في زمن الرضاع، وحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» (^٧)، (وإن مصة واحدة) وفي نسخة: ولو مصة بالنصب وعلى كل من النسختين فهو خبر لكان المحذوفة التقدير، وإن كان الواصل من اللبن مصة أو لو كان إلخ، لإطلاق الرضاع في الآية والأحاديث، وهو يتناول
_________________
(١) المطلع (١/ ٣٥٠).
(٢) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٣١٤).
(٣) البخاري (٥٢٣٩).
(٤) مسلم (١٤٤٧).
(٥) البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٥).
(٦) الترمذي (١١٥٢)، وصححه.
(٧) البيهقي (١٦٠٧٩)، ورواه مالك موقوفا ورجحه جمع من الحفاظ.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
القليل والكثير فوجب أن تصير إما بوجود مطلق الرضاع، ولقوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والنسب إذا ثبت من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر فكذلك الرضاع لتسوية النبي ﷺ بينهما في الحكم (^١).
(ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين إلا ما قرب منهما كالشهر ونحوه) وقيل: والشهرين، وهو تفسير للقرب على حسب اختلاف الرواية فيه، فالأول رواية ابن عبد الحكم، والثاني رواية ابن القاسم ولو فصل قبل الحولين، (و) لذلك (لو فصل قبل الحولين فصالا استغنى فيه بالطعام لم يحرم ما أرضع بعد ذلك) لعدم التوقف على القدر المتمم لحكم الرضاع والموجب للاستغناء (ويحرم بالوجور) (^٢) لوصول اللبن به إلى حيث يصل بالارتضاع، ولأنه يحصل به من إثبات اللحم وانتشار العظم ما يحصل بالرضاع (والسعوط) بفتح السين وهو ما صب في المنخر، ظاهر كلامه أن السعوط يحرم وإن لم يتحقق وصوله للجوف وهو كذلك في كتاب ابن حبيب عن مالك، وقال ابن القاسم: إن وصل إلى الجوف حرم وإلا فلا (^٣).
(ومن أرضع صبيا) ذكر الضمير مراعاة للفظ من نظير قوله تعالى: ﴿ومن يقنت﴾ [الأحزاب: ٣١] (فبنات تلك المرأة المرضعة للصبي وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له)؛ أي: لمن أرضعته وكان حقه أن يقول: أخوات له إلا أنه راعى لفظ ما (ولأخيه)؛ أي: أخي الصبي من النسب لا من الرضاع (نكاح بناتها)؛ أي: بنات التي أرضعته.
_________________
(١) وقد ورد في الباب أحاديث وآثار لا يحتج بشيء منها لانقطاع أسانيدها وسقوط أكثرها.
(٢) الوجور: بفتح الواو وزان رسول، الدواء يصب في الحلق. السعوط: مثال رسول دواء يصب في أنف المريض. المصباح.
(٣) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٣١٥).
[ ٢ / ١٠٠١ ]